← Фикх шафии

Фикх шафии · id 20561

عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج

ابن الملقن

Полный текст (1 877 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وسواءٌ حضرَ العبدُ بإذن سيِّده؛ والصبيٌّ بإذن وليِّه؛ والمرأةُ بإذن زوجِها؛ أمْ بغير إذنهم. فَرْعٌ: الخُنثى المشكلُ كالمرأةِ. فَرْعٌ: المبعض هل يُرضخ له أو يُلحق بالْحُرِّ. فيه نظرٌ ولم أرَهُ منقولاً. تَنْبِيْةٌ: هذا الرضخ مستحقٌّ وقيل: مستحبٌّ، وَهُوَ دُوْنَ سَهْمٍ يَجْتَهِدُ الإِمَامُ فِي قَدْرِهِ، أي ولا يبلغ به سهم راجِل إن كان ممن يُرْضَخُ له راجلاً، وإن كان فارساً فكذا على الأصح قاله الماورديُّ في كتاب السَّيَرِ، وَمَحَلُّهُ الأَخْمَاسُ الأرْبَعَةُ فِي الأَظْهَرِ، لأنه سهمٌ من الغنيمة يستحقُّ بحضور الوقعة إلاّ أنه ناقصٌ، والثانى: من أصل الغنيمة كالْمُؤْنِ، والثالث: من خمس الخمس سهمُ المصالح، قُلْتُ: إِنَّما يُرْضَخُ لِذِمِّيٍّ حَضَرَ بِلاَ أُجْرَةٍ، وَبِإِذْنِ الإِمَامِ عَلَى الصَّحِيْحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، أيْ فإنْ حضرَ بأُجرة فله الأُجرة فقط؛ لأنه أخذَ عن حضوره بَدَلاً فلا يقابَلُ ببدل آخر، وإن حضر بلا إذنٍ، فلا رضخ له، بل يُعَزِّرُهُ الإمامُ إذا رآه؛ ووجه مقابَلُ في الأُولى أنه ليس من أهل الموالاة، وجهُ مقابله في الثانية: أنه من سُكَّانِ دارِنَا. فَرْعٌ نَخْتِمُ بِهِ البَابَ: قال الجوينيُّ في التبصرة: أصولُ الكتاب والسنة والإجماع متطابقةٌ على تحريم وَطْءِ السَّرَارِي اللاَّتِي يُجْلَبْنَ اليومَ مِنَ الرُّوْمِ وَالْهِنْدِ وَالتُّرْكِ؛ إلاّ أن ينتصب في المغانم من جهةِ الإمامِ من يُحْسِنُ قِسْمَتَهَا فيقسمها من غير حَيْفٍ وظُلْمٍ. وسبقه إلى ذلك القفال؛ فإني رأيتُ في فتاويه: أنه لا يحل وطؤُهُنَّ؛ ولا شراءُ العبدِ أيضاً لأجل عدم التخميس، اللهم إلاّ أن يأخذهما الكفارُ بعضهم من بعضٍ ثم يبيعونهما للمسلمين؛ فإنه يصحُّ لأن الخمسَ لا يجب على الكافر وهذا الذى قالاهُ

стр. 1122

جارٍ على المشهور من وجوب التخميس، أما على رأْي الغزاليِّ وإمَامِهِ: في أن ما أُخذ من الكفار على وجه الاختلاس أو السرقة يكونُ لآخِذِهِ؛ ولا يُخمس؛ فَلاَ، وهو ما ادَّعى الإمامُ في موضعٍ الإجماع عليه أعنِي أنه لا يخمس، وقال ابنُ الرفعةِ: إنه المشهورُ لكن الذى رجَّحَهُ الرافعيُّ وقال: إنه الموافقُ لإِيْرَادِ أكثرهم أنه غنيمةٌ.

стр. 1123

كِتَابُ قَسْمُ الْصَّدقَاتِ القَسْمُ: بِفَتْحِ الْقَافِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْقِسْمَةِ كما تَقَدَّمَ في الباب قبله، وجَمَعَ الصَّدَقَةَ لاِختِلاَفِ أَنْوَاعِهَا مِنْ مَاشِيَةٍ وَنَبَاتٍ وَنَقْدٍ وَغَيْرِها. والأصْلُ في الباب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٣١٥). الفَقِيْرُ: مَنْ لاَ مَالَ لَهُ وَلاَ كَسْبَ يَقَعُ مَوْقِعاً مِنْ حَاجَتِهِ، أيْ كَمَنْ يحتاجُ كلَّ يوم إلى عشرة ولا يجد شيئاً أو يجدُ درهمين أو ثلاثة، وَلاَ يَمْنَعُ الْفَقْرُ مَسْكَنهُ وَثيَابُهُ، أي التي يلبسها لِلتَّجَمُّلِ، وكذا العبدُ الذي يحتاج إلى خدمته كما نقلهُ في الروضة عن ابن كج؛ خلافاً للإمام فيه، وفي المسكن ولو لم يكن له ذلك، واحتاج إلى شرائهما ومعه ما يشتريهما به؛ فالظاهرُ تخريجُهُ على ما لو كان عليه دَيْنٌ مستغرقٌ ومعه مالٌ، وقد أفتى البغويُّ فيه: بأنه لا يُعطى من سهم الفقراء حتى يَصْرِفَ ما عندَهُ إلى الدَّيْنِ، وفيه احتمال للرافعيِّ. فلو كان من عادته أن يسكنَ بالأُجرة؛ ولا ضرورة إلى شرائه مِلْكاً, فالظاهرُ أن ذلك القدرَ الذي معهُ يخرجُه عن حدِّ الفقرِ، لأنه يعدُّ في العُرف غنيًّا، وكذا الفقيهُ الذي يستغنى بسكنِ المَدَارِسِ ونحوه ما لم تَدْعُهُ ضرورةٌ إلى شراءِ مسكن، وَمَالُهُ الْغَائِبُ فِي مَرْحَلَتَيْنِ، أي فله الأخذُ إلى أن يصل إليه؛ وفيه نظرٌ؛ لأنه يعدُّ غنيًّا، نعمْ: هو ظاهرٌ إذا لم يجد من يُقرضه وفيما دونهما بحثٌ للرافعىِّ وتَبِعَ فيه القاضي، وَالْمُؤَجَّلُ، أي لا يمنعُ الفقرُ أيضاً فيأخذ إلى أن يحِلَّ، وَكَسْبٌ لاَ

стр. 1124

يَلِيْقُ بِهِ، أى بحالِهِ ومُرُوْءَتِهِ؛ لأنه يُخِلُّ بمروءِتَهِ ولا تحتملُهُ النفوسُ، نَعَمْ: الأفضلُ الاكتسابُ قاله القاضي. وَلَوِ اشْتَغَلَ بِعِلْمٍ، أي شَرْعِيٍّ، وَالْكَسْبُ يَمْنَعُهُ، فَفَقِيْرٌ، لأن تحصيله من فروض الكفايات، أما المعطلُ المعتكفُ في المدرسة والذي لا يتأتَّى منه التَّحصيلُ فلا تحلُّ لهما الزَّكَاةُ مع القدرة على الكسب. وَلَوِ اشْتَغَلَ بِالنَّوَافِلِ، فَلاَ، لأن نفعَهُ قاصرٌ على نفسه وهو نفل بخلافٌ المشتغل بالعلم الشَّرْعِيَّ فإنه متعدٍّ إلى غيره وهو فرضُ كفايةٍ، وفي فتاوى القفال: أنَّ المشتغلَ بعبادةِ الله والصَّلاة آناءَ اللَّيل والنهارِ كالْمُتَفَفِّهِ في جوازِ الصَّرفِ إليه؛ لأنه مشتغلٌ بالطاعة، وإن كان قويًّا؛ قال: وأما غيرُ هذا؛ لا يجوزُ وإن كان صُوفِيًّا. وقال مرَّةً: صَرْفُ الزَّكَاةِ إِلَى الصُّوْفِيَّةِ فِى مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ لاَ يَجُوْزُ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى الْكَسْبِ بِخِلاَفٍ الْمُتَفَقِّهَةِ؛ لأَنَّهُمْ لَوِ اشْتَغَلُوْا بِالْكَسْبِ فَاتَهُمُ الْعِلْمُ. وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيْهِ، أي في الفقير، الزَّمَانَةُ وَلاَ التَّعَفِّفُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْجَدِيْدِ، لوجودِ الحاجة، والقديمُ: نَعَمْ: لأنهُ إذا لم يكُنْ زَمِناً يتمكَّنُ من نوع الاكتساب؛ وبالأوَّل قَطَعَ الْمُعْتَبَرُوْنَ. فَرْعٌ: إذا اشترطنا الزَّمَانَةَ ففي اشتراط العَمَى تردُّدٌ للإمام، لأن الزَّمِنَ البصيرَ قد يتأتى منهُ الحراسَةُ. وَالْمَكْفِيُّ بِنَفَقَةِ قَرِيْبٍ أَوْ زَوْجٍ لَيْسَ فَقِيراً فِي الأصَحِّ، أي لا يُعطيان من سهمِ الفقراء كما عبَّر به الرافعىُّ في المُحَرَّرِ وَالشَّرْح للاستغناء. مما يَسْتحقَّانِهِ، وثانيهما: نعم، لاحتياجهما إلى غيرهما. وَالْمِسْكيْنُ: مَنْ قَدَرَ عَلَى مَالٍ أوْ كَسْبٍ يَقَعُ مَوْقِعاً مِنْ كفَايَتهِ وَلاَ يَكْفِيْهِ، أي بأن احتاج إلى عشرةٍ وعندَهُ سبعةٌ أو ثمانيةٌ؛ وكذا كفايةُ من تلزمُهُ نفقتُهُ. والمعتبرُ في كلِّ ذلك ما يليقُ بالحالِ مِن غير إسرافٍ ولا تَفْتِيْرٍ. وفي فتاوى ابن الصَّلاح: أن المسكينَ الذي لا يملكُ كفايَةَ سَنَةٍ.

стр. 1125

فَرْعٌ: لو كان لهُ عقارٌ ينقص دَخْلُهُ عن كفايِتِهِ فهو فقيرٌ أو مسكينٌ فيُعْطَى من الزَّكَاةِ تمامَها ولا يُكَلَّفُ بَيْعُهُ. ذكرَهُ في الروضة عن الْجُرجَانِيِّ وآخرينَ. فَرعٌ: إذا عرفتَ الفقير والمسكين؛ تبيَّنَ لك أنَّ الفقيرَ أشدُّ حالًا من المسكينِ وهو الصَّحيح وعَكَسَهُ أبو إسحاق المروزي وتَبِعَهُ القاضى، ولا يظهرُ لِلخلافِ فائدةً لها الزكاة، إنما تظهر في الوصيَّةِ، فيما إذا أوْصَى أو وَقَفَ أو نَذَرَ للفقراء دون المساكين أو بالعكس، وقد وَافَقَنَا ابنُ حزمٍ الظاهريّ في تفسيرِ الفقيرِ والمسكينِ؛ واستدلَّ بأن الألفاظَ أربعةٌ هما وَالغَنِيُّ وَالْمُوْسِرُ، فَالْمُوْسِرُ: مَنْ يَفْضُلُ عَنْ كِفَايَتِهِ شَيءٌ، وَالْغَنِيُّ: مَنْ مَعَهُ قَدْرَ كِفَايَتِهِ. وَالمِسْكِيْنُ: مَنْ يُقَصِّرُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَم يَبْقَ إِلَّا الْفَقِيْرُ: فَهُرَ مَن لا مَالَ لَهُ أَصْلًا، وقال: إنَّ كل مُوْسِرٍ غنيٌّ ولا عكسَ، ويُرَدُّ عليه: أنَّ مَن معهُ ما يفضلُ عن قُوْتِ يومِهِ مُوْسِرٌ؛ لأنه يؤخذ في دَينِهِ وليس بغنيٍّ؛ لأنه يُعطى مِن الزَّكَاة. وَالعَامِل سَاع وَكَاتِبٌ وَقَاسِمٌ وَحَاشِرٌ يَجْمَعُ ذَوِي الأمْوَالِ، أيْ وعريفٌ وحافظُ الأموالِ، قال المسعوديُّ: وكذا الجنديُّ إنِ احْتِيْجَ إليه وكان على المشدُّ على الزكاة والحاشرُ اثنان أحدُهما هذا (•)، والثاني: من يجمعُ أهل السَّهمان، لا القَاضي وَالْوَالِي، أي والي الإقليم وكذا الإمام، بل رزقهم إذا لم يتطوعوا من خمس الخمس المرصَدِ للمصالح العامَّةِ؛ لأن عملَهم عامٌّ. فَرْعٌ: قال الشافعيُّ ﵀ فيما حكاهُ الْجُوْرِيُّ: ويأخذ السَّاعي من نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وذَكَرَ الْجُرجانِيُّ واستدلَّ بأنه أمينٌ. وَالْمُؤَلَّفَةُ: مَن أَسْلَمَ وَنيَّتُهُ ضَعِيْفَةٌ، أو لَهُ شَرَفٌ يُتَوَقَّعُ بإِعْطَائِهِ إِسْلَامُ غَيْرِهِ، وَالمَذهَبُ أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣١٦)، واعْلَمْ أنهُ كان ينبغي إِبْدَالُ المذهبِ بالأظْهَرِ، فإن الذي في الرافعي حكايةُ قولين في الإعطاءِ

стр. 1126

أحدُهما: نَعَمْ للتأسِّي، وثانيهما: لا، للاستغناءِ عن التآلُفِ، وحكايةُ قولين مِنْ أيْنَ يُعطونَ، أحدُهما: من سهم المصالح؛ لأنه من مصالح المسلمين، وثانيهما: من الزَّكاة، وعليه تُحمل الآيةُ، وجمعَ في الرَّوضة الخلافَ، وحكى في المسألة ثلاثة أقوالٍ: أحدها: لا يُعطون، والثاني: يُعطون من سهم المصالح، والثالث: من سهم الزَّكَاة، ولم يحكيا طريقةً في ذلك، وعبارةُ الْمُحَرر: الأظهرُ ولا إصطلاح له في ذلك، وعبارةُ الشرح الصغير: الأقربُ، نَعَمْ: جزَمَ المتوليُّ بإعطاءِ الثاني، وحكى الخلافَ في الأول، واحترز المصنف بذكر مولَّفةِ المسلمين عن مؤلفة الكفار، فإنهم لا يُعطون من الزَّكَاة قطعًا، ولا من غيرها على الأظهر، وقال ابنُ داود: إن نزلتْ بالمسلمين نازلةٌ لا نَزَلَتْ أُعطوا قطعًا على ما قالهُ صاحبُ التقريب، واعلم أنَّه بقيَ من مؤلَّفة المسلمين صنفٌ يرادُ بِتَأَلَّفِهِمْ جهادٌ من يليهم من الكفار؛ أو من مانعي الزَّكاة، ويقبضوا زكاتهم فهؤلاء لا يُعطون قطعًا، والأصحُّ في التصْحِيح؛ والأشبهُ في الشَّرح الصغير أنَّهم يُعطون من سهم المؤلَّفة للآية. قال الإمامُ: وتسمية هؤلاء مؤلفةٌ فيه تجوُّزٌ واستعارَةٌ، فإن قلوبهم قَارَّةٌ (•) مطمئنةٌ إلى الإيمان، وليس بذلُ المال إليهم في مقابلةِ استمالَةِ قلوبهم إليه، وإنما هو لمصلحةٍ من مصالح الإسلامِ والمسلمينَ. وَالرِّقَابُ: الْمُكَاتَبُون، أي كتابةً صحيحةً لا شراءَ عبيدٍ يعتقون كما قال مالكُ وأحمدُ؛ لأن قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ كقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهناك يدفعُ المال إلى المجاهدينَ، فَلْيُدْفَعْ هنا إلى الرِّقاب وهُم المكاتَبُونَ إذ غرهم من الأَرِقَّاءِ لا يملكونَ. وَالْغَارِمُ: إِنِ اسْتَدَان لنَفسِهِ في غَيرِ مَعْصِيَةٍ، أيْ كَنَفَقَةِ نفسِهِ وعيالِهِ أو لِحَجٍّ أو جهادٍ، أُعْطِيَ، للآية (٣١٧)، فإن كان في معصيةٍ كَالزِّنَا لم يُعْطَ قبلَ التْوبةِ على

стр. 1127

الصحيح؛ لأنه إعانةٌ عليها، ولو استدان لمعصيةٍ فصرَفَهُ في طاعةٍ قال الإمامُ: يُعطى، وهو واردٌ على عبارة المصنِّفِ، ولو استدانَ لا لمعصيةٍ وصرَفَهُ في معصيةٍ أُعطى إن عُرِفَ صِدْقُهُ؛ ولا يُقبل قوله فيه، قاله الإمام أَيضًا، قال: ويحتملُ أن لا يُعطى، وإن عُرِفَ صِدْقُهُ؛ لأن النِّيَّة إنما تؤثِّرُ إذا اقترنَ بها العملُ، قُلْتُ: الأصَح يُعْطَى إِذَا تَابَ، وَالله أَعْلَمُ، نظرًا إلى الحالِ، فإن التوبة تَجُبُّ ما قبلها، والثاني: لا يُعطى؛ لأنه قد تُتَّخَذُ التَّوْبَةُ ذَرِيعَةً وَيَعُوْدُ. فَرْعٌ: يُعطى إذا غلبَ على الظَّنِّ صِدْقُهُ وإنْ قَصُرَتِ المدَّةُ على الظاهر في شرح المهذَّبِ؛ كما جَزَمَ بِهِ الرُّوْيَانِيُّ. وَالأظْهَرُ اشْتِرَاطُ حَاجَتِهِ، أي فلو وُجد ما يقضى الدَّيْنَ منه من نقدٍ وغيره لم يُعْطَ من الزَّكاة؛ لأنه يأخذ لحاجته إلينا كالمكاتَبِ وابنِ السَّبيلِ والثاني: لا، لعموم الآية، وعبارةُ الأكثرينَ تَقتضى: أنَّ معنى الحاجة المذكورة كونُه فقيرًا لا يملكُ شيئًا وربما صرَّحُوا به، والأقربُ كما قال الرافعيُّ: أنَّه لو مَلَكَ قَدْرَ كفايَتِهِ وكانَ لو قَضَى دَيْنَهُ لَنَقُصَ مالُهُ عن كفايِتَهِ تركَ معهُ ما يكفِيهِ وأُعطي ما يقضى به الباقي، دُوْنَ حُلُولِ الدَّيْنِ، أيْ فإنَّ ذلك ليس بشرط؛ لأنه واجبٌ في الحال، لكن لا مُطالبة، قُلْتُ: الأصَحُّ اشْتِرَاطُ حُلُولِهِ، وَالله أَعْلَمُ، أيْ فلا يعطى إذا لم يحل؛ لأنه غيرُ محتاجٍ إليه إذْ ذَاكَ، وإنما عبَّر المصنِّفُ ثانيًا بالأصحِّ؛ لأن الخلاف للأصحابِ فَتَنَبَّهْ لَهُ لكن الأولى لهُ أن يعبِّر به أَيضًا أولًا فيقولُ دُوْنَ حُلُولِ الدَّيْنِ في الأصحِّ. فإنْ قُلْتَ: أَرادَ حكايةَ لفظِ الْمُحَرَّرِ، قلتُ: الْمُحَرِّرُ لم يلتزمْ هذا الاصطلاح كما عَرفته غيرَ مرَّةٍ، أَوْ لإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، أيِ الْوَصْلِ، أُعْطِيَ مَعَ الْغِنَى، أي بالعقارِ والناض وغيرهما؛ لأن المقصود تسكينُ الثائرةِ، وهي لا تسكن بتحمل الفقير. ولو اشترطنا الفقرَ في الإعطاءِ لامتنعَ النَّاسُ من هذه الْمَكْرُمَةِ، ومرادُ الفقهاء بِذَاتِ الْبَيْنِ أَنْ يكونَ فتنةٌ بين طائفتينِ من المسلمينَ فَيَحْمِلُ رَجُلٌ مَالًا لِيُصْلِحَ بِهِ بَيْنَهُمْ، وَقِيْلَ: إِنْ كَان

стр. 1128

غَنِيًّا بِنَقْدٍ فَلا، إذ ليس في صَرفهِ إلى الدَّيْنِ ما يهتكُ المرُوءَةَ؛ والأصحُّ أنَّه يُعطى والحالةُ هذه لعموم الآية. فَرْعٌ: الغنيُّ بالعرض (٣١٨) كالغنيِّ بالعقار؛ وقيل: كَالنقدِ، فيجري الخلافُ. فَرْعٌ: لو تَحَمَّلَ قيمةَ مالٍ متلفٍ أُعطي مع الغنى على الأصحِّ. فَرْعٌ: إنما يُعطى الغارِمُ عند بقاءِ الدَّيْنِ، فأما إذا أدَّاهُ من مالِهِ فلا، كما لو بَذَلَهُ ابتداءً. فَرْعٌ: يعطى الغارِمُ لِلضَّمَانِ إنْ أعسَرَ الضَّامِنُ والمضمونُ عنهُ، أو الضَّامِنُ وحدَهُ وكذا إذا ضَمِنَ بغيرِ الإذنِ، فإنْ كان بالإذنِ فلا؛ لأنه لا يرجع (•). وَفِي سَبِيْلِ اللهِ تَعَالَى: غُزَاةٌ لا فَيْءَ لَهُمْ فَيُعْطَوْن مَعَ الْغِنَى، لعموم الآية؛ وإنما فسَّرنا السَّبيْلَ بالغُزَاةِ لأنه متى أُطلق حُمل عليهم. قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣١٩). وقوله ﴿لَا فَيْءَ لَهُمْ﴾ أي لأنَّ مَن لهُ في الفيءِ حقٌّ لا يُصْرَفُ لهُ مِن الصدقاتِ شيءٌ؛ كما لا يُصْرَفُ شَيْءٌ مِن الفئِ إلى الْمُتَطَوِّعَةِ. وَابْنُ السَّبِيْلِ: مُنْشِئُ سَفَرٍ، أي مِن بلدهِ أو بلدٍ كان مُقيمًا بهِ، أَوْ مُجْتَازٌ، وهو حقيقة في هذا مجازٌ في الأوَّلِ. وهو مَقيسٌ على الثاني؛ لأنه مريدٌ للسفر محتاجٌ إلى أسبابه، وَشَرْطُهُ الْحَاجَةُ، أيْ فإنْ كان معَهُ ما يحتاجُ إليه في سفرهِ لم يُعْطَ، وَعَدَمُ الْمَعْصِيَةِ؛ لأن القصد بما يدفع إليه الإعانةُ، ولا تليقُ الإعانةُ على المعصيةِ؛ فيُعطى في سفر الطاعةِ؛ وكذا المباحُ على الأصح. فَرْعٌ: إذا تَابَ؛ التَحَقَ بقيَّةَ سفرِهِ بالمباحِ؛ قاله الماورديُّ.

стр. 1129

فَرْعٌ: قال القفال في فتاويه: لا يجوزُ صرفُ سهم ابن السبيلِ إلى الصُّوْفِيَّةِ؛ لأنَّ سَفَرَهُمْ لا غَرَضَ فيهِ لأنَّهُ لِلْكُدْيةِ؛ وَكَذَا مَنْ سَافَرَ لِلْكُدْيةِ أيْضًا (٣٢٠). وَشَرْطُ آخِذِ الزَّكَاةِ مِن هَذِهِ الأصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ: الإِسْلَامُ، وَأَنْ لا يَكُون هَاشِمِيًّا وَلَا مُطَّلِبِيًّا وَكَذَا مَوْلَاهُمْ في الأصَحِّ، للأخبار الصحيحة في ذلكَ وَالسِّرُّ في التحريمِ عليهم كونها أوساخ النَّاس وكونُه ﷺ يأمرُ بها فَنَزَّهَ أصحابَهُ عنها؛ ووجهُ مقابل هذا أن المنعَ في حقِّ ذوي القربى لشرفهم وهو مفقودٌ في مواليهم. وادَّعى القاضي حسين: أنَّهُ المذهبُ أَيضًا. (•). فَرْعٌ: لبني هاشِمٍ وبني المطَّلِبِ أخذُ صدقة التطوُّع لآلِهِ ﵊ على المشهور فيهما. فَرْعٌ: شرطُ الآخذِ أَيضًا أنْ لا يكون غازِيًا مُرْتَزِقًا كما سبق؛ وأن لا يكون المدفوعُ إليه يستحقُّ النفقة على الدافع كالابن مع الأب كما سبق. قال صاحب الخصال: غيرُ حائزٍ أن يُدفع من الزكاة إلى من تلزمُهُ مؤنتُهُ إلَّا أن تكونَ الزَّوْجَةُ غَازِيَةً.

стр. 1130

فَرْعٌ: شرطهُ أَيضًا أن يكون من بلدِ المالِ الذي تخرج منه الزكاة لمنع نقلها كما سَتَعْلَمُهُ. فَرْعٌ: لا يجوزُ دفعها إلى عبدٍ ومُبعَّضٍ، ومَالَ الرويانيُّ في كَافِيْهِ إلى تفصيل حسنٍ؛ وهُو: أنَّهُ إِنْ لم يكنْ بينهما مُهَايَأةٌ لا يجوز، وإلَّا فيجوزُ في يوم نفسه، ولا يجوز الإعطاءُ لمكاتَبِهِ على الأصحِّ. فَرْعٌ: تاركُ الصلاة إذا قلنا لا يكفَّرُ، تُدفع إليه الزكاة، وقيل: يُعطى نفقةَ مُدَّةِ الاِسْتِتَابَةِ فقطْ، ذكرَهُ في الذخَائِرِ وأَفتى ابن الْبَرْزِيِّ بالجوازِ أَيضًا (•). فَصْلٌ: مَنْ طَلَبَ زَكَاةً وَعَلِمَ الإِمَامُ استْتِحْقَاقَهُ أَوْ عَدَمَهُ عَمِلَ بِعِلْمِهِ، أي ولا يخرجُ على القضاء بالعِلمِ؛ لأن الزكاة مبنيَّةٌ على الرِّفقِ وليس فيها إضرارٌ بالغير بخلافه، وَإِلَّا فإِنِ ادَّعَى فَقْرًا أَوْ مَسْكَنَةً لَم يُكَلَّفْ بَيِّنَةً، لعُسرها وكذا إذا ادَّعى أنَّه غيرُ كَسُوبٍ. فَرْعٌ: لا يحلَّفان إن لم يُتَّهَمَا قطعًا، ولا إن اتُّهِمَا على الأصحِّ؛ وجزَمَ صاحبُ الحاوي الصغير بتحليفهما على سبيل الوجوب، وهو وجه مبنيٌّ على القول بالتحليف وهو عجيبٌ. فَإن عُرِفَ لَهُ مَالٌ وَادَّعَى تَلَفَهُ كُلِّفَ، أي الْبَيِّنَةَ لسهولَتِهَا، ولم يفرِّقُوا هنا بين دعواهُ الهلاك بسببٍ خَفِي كالسرقة؛ أو ظاهر كالحريق ونحوهما؛ كصُنعهم في الوديعة ونحوه؛ لأن الأصل هناك عدم الضمان وهنا عدم الاستحقاق، وَكَذَا إِنِ ادَّعى عِيَالًا في الأصَحِّ، لإمكانها، والثاني: يقبلُ قوله بلا بَيِّنَةٍ؛ كما يقبل قوله في فَقرهِ؛ لكن لا بدَّ من اليمين قطعًا. والمرادُ بالعيال: مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقتهُ. وفيه بحثٌ لصاحب المطلبِ.

стр. 1131

وَيُعْطَى غَازٍ وَابْنُ سَبِيل بقَوْلِهِمَا، أي من غير بَيِّنَةٍ ولا يمينٍ لأنهما يظهَران بعد الأخذ، فَإِن لَم يَخْرُجَا اسْتُرِدَّ، لانتفاء صفة الاستحقاق، ثم قيل: يُحتملُ تأخيرُ الخروج يومين أو ثلاثة، ولا يُحتمل الزيادةُ. قال الرافعيُّ: ويشبهُ أن يجعل هذا على التقريب، وأن يعتبر ترصدَهُ للخروج، وكون التأخيرِ لانتظارِ الرِّفقَةِ وإعداد الأُهْبَةِ ونحوهما. ويُطَالَبُ عَامِلٌ وَمُكَاتَبٌ وَغَارِمٌ، أي لمصلحة نفسه، بِبَيِّنَةٍ؛ لأن الأصل العدمُ، وإقامة البَيِّنَةِ سهلةٌ عليه، أما الغارمُ لإصلاح ذات البينِ فاشتهارُهُ يُغني عن البَيِّنَةِ؛ نَبَّهَ عليه في الكفاية، وفي البيان: أنَّه لا تُقبل إلَّا بِبَيِّنَةٍ، واعْلَمْ: أن الذي أوردَهُ القاضي حسين: أن العامل لا يُطالب بِبَيِّنَةٍ؛ لأن الإمامَ هو الذي يستعمله؛ فإن فُعل ذلك، استحق وإلَّا فلا، وكذا به جزَمَ صاحبُ الطلبِ، نَعَمْ لو كان الإمامُ قد استأجره من خُمْسِ الخُمْسِ فادَّعى أنَّه قبضَ الصَّدقات وتَلِفَتْ في يدِهِ من غير تفريطِ، وطلبَ الأُجرة لم يُصَدَّقْ على العمل إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ كذا جزَمَ به ولم يَعْزُهُ لأحدٍ، وعليه يحمل ما ذكرَهُ المصنِّفُ تبعًا للرافعى، وَهِيَ، أي البيِّنة، إِخْبَارُ عَدْلَينِ، أي لإسماع القاضي وتقدَّم الدَّعوى والإنكار وَالاِسْتِشْهَادِ، ويُغْنِي عَنْهَا الاِسْتِفَاضَةُ، بحصول العلم أو غَلَبَةِ الظَّنِّ وعليه حُمل قوله ﵊ في حديث قبيصة [وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتى يَقُوْلَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ] أخرجَهُ مسلمٌ (٣٢١). فإن القصدَ من الثلاثة الإشارةُ إلى الاستفاضة، فإنَّ أدْنَى ما تَحْصُلُ به

стр. 1132

الاستفاضةُ ثلاثة، وكذا قاله بعضُ أصحَابِنَا، ومنهم من حَمَلَهُ على الاستظهارِ، وقال صاحبُ المطلب: الذي دَلَّ عليه الخبرُ اثنان الحاجةُ والفقرُ فقط، وأما الدَّيْنُ فلا يثبُتُ بالاستفاضة قطعًا، وَكَذَا تَصْدِيْقُ رَبِّ الديْنِ وَالسَّيِّدِ في الأصَحِّ، لظهورِ الحقِّ بالإقرار، والثاني: لا، لاحتمال التواطُئِ. فَرْعٌ: يُعطى المؤلَّفُ بقوله إنْ قال نِيَّتي في الإِسلام ضَعِيْفَةٌ دون ما إذا قال أنا شريفٌ مطاعٌ في قومي، وقال الشيخُ أبو حامدٍ: المؤلَّفَةُ لا تحتاجُ إلى بَيِّنَةٍ؛ لأنَّ الإمام هو الذي يَتَأَلَّفُهُمْ وَيَسْتَمِيْلُهُمْ ولا حاجة به إلى قولهم. فَصْلٌ: وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِيْنُ، أيْ إذا لم يُحْسِنَا الكسبَ بحرفةٍ ولا تجارةٍ، كِفَايَةَ سَنَةٍ؛ لأن الزكاة تتكرَّر فتحصلُ بها الكفاية سَنَةً بعدَ سَنَةٍ، قُلْتُ: الأصَحُّ الْمَنْصُوصُ، أي في الأُمِّ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ: كِفَايَةَ الْعُمْرِ الْغَالِبِ فَيَشْتَرِي بِهِ عَقَارًا يَسْتَغِلُّهُ، وَالله أَعْلَمُ، لتحصُلَ به كفايته، أما من أحسَنَ الكسب بحرفةٍ فيُعطى ما يُشترى آلاتُهَا به. قَلَّتْ قيمتُها أو كَثُرَتْ، أو تجارةٍ فيعطى رأسَ مالٍ ليشتريَ به ما يُحْسِنُ التجارةَ فيه؛ ويكون قدرُه ما يَفِي ربحُهُ بكفايَتهِ غالبًا. فَرْعٌ: لا يشترطُ الإتصاف يوم الإعطاء بصفة الفقراءِ وَالْمَسْكَنَةِ، بل مَنْ مَلَكَ ما يكفيه أقلَّ من سَنَةٍ أو من كفاية العُمرِ الغالبِ؛ ولا قدرةَ له على الكسب؛ يُعطى تكملةَ ما تحصلُ به كفايته لبقيَّةِ السَّنَةِ أو لبقيَّةِ العمرِ الغالب على اختلاف الوجهين في ذلك، هذا ما ظَهَرَ مِن كلامِ الأصحابِ فَافْهَمْهُ. وَالْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ قَدْرَ دَيْنِهِ، أي إن احتملَهُ المالُ، فإنْ قَدَرَا على بعضِ ما عليهما فيُعطيان الباقي. وشرطُ المكاتَبِ أن تكون كتابةً صحيحةً كما أسلفتُهُ، أما

стр. 1133

المكاتَبُ كتابةً فاسدةً؛ فلا، كما جزَمَ به المصنِّفُ في بابه، وقوله (قَدْرَ دَيْنِهِ)، عبارةُ المُحَرَّرِ: قَدْرَ دَيْنِهِمَا وهي أوضحُ. وَابْنُ السَّبِيلِ مَا يُوْصِلُهُ مَقْصِدَهُ، أيْ بكسرِ الصَّاد، أَوْ مَوْضِعَ مَالِهِ، أيْ إن كان لهُ في الطَّريق مالٌ، وكذا إن أَرادَ الرُّجوع في الأصح ولا مالَ لهُ في مقصِده. قال الشيخُ أبو حامد: وابنُ السبيل المحتازُ يُعطى مع الغنَى أَيضًا؛ لأنه يحتاجُ إلى ما يأخذُهُ حينَ الأخذِ وإن كان يُنْشِئَهُ من عندنا، فلا يُعطى إلَّا مع الفقر. وَالْغَازِي قَدْرَ حَاجَتِهِ نَفَقَةً وَكِسْوَةً؛ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا وَمُقِيْمًا هُنَاكَ، أي وإن طالَ، وَفَرَسًا، أي إن كان يُقاتل فَارِسًا، وَسِلَاحًا، أيْ يُشتريان لهُ كما صرَّح به في الْمُحَرَّر، وعبارتُهُ في الشَّرح: يُعطى ما يَشتريهما بهِ، وَيصِيْرُ ذَلِكَ مِلْكًا لَهُ، إذا رأى الإمامُ ذلك؛ فإنَّه لا يتعيَّنُ دفعُهما تمليكًا بلْ لو رأى الإمام اسْتِئْجَارُهُمَا فلهُ ذلك. قال بعضهم: ويُعطى نَفَقَةَ عيالِهِ. قال الرافعيُّ: وليس بِبَعِيْدٍ. ويهَيَّأُ لَهُ وَلاِبْنِ السَّبِيْلِ مَرْكُوبٌ إِن كَان السَّفَرُ طَوِيلًا أَوْ كَانَ ضَعِيْفًا لا يُطِيْقُ الْمَشْيَ، لِتَتُمَّ الكفايةُ، فإن كان قصيرًا وهو قويٌّ فلا، والمرادُ بهذا المركوبِ زيادةٌ على الفرس الذي يُقاتِلُ عليه، وَمَا يُنْقَلُ عَلَيهِ الزَّادَ وَمَتَاعُهُ، لاحتياجِهِ إليه، إِلَّا أَنْ يَكُون قَدْرًا يَعتادُ مِثْلُهُ حَمْلَهُ بِنَفْسِهِ، لانتفائِهَا. فَرْعٌ: لم يذكر المصنِّفُ ما يعطى المؤلَّفةُ والعاملُ. فأمَّا الأول فيُعطى ما يراهُ الإمامُ، وأمَّا الثاني فيُعطى أُجرة مِثْلِهِ. وَمَن فِيهِ صِفَتَا استِحْقَاقٍ، أيْ كالفقيرِ والغارمِ، يُعْطَى بإِحْدَاهُمَا فَقَطْ فِي الأظْهَرِ؛ لأنَّ الله تعالى عَطَفَ المستحقِّين بعضَهُم على بعضٍ، والعطفُ يقتضي التَّغَايُرَ، والثاني: يأْخذُ بهما لاتِّصافِهِ بهما، فعلى هذا يُعطى بصفاتٍ أَيضًا وفيه احتمالٌ لِلْحَنَاطِيِّ، وإذا قلنا بالأول فأخذَ بالفقرِ فأَخْذَهُ غَرِيْمُهُ أُعطي من سهم الفقراء أَيضًا، لأنه الآن محتاجٌ. نقله في الروضة عن الشيخ نصر وأقرَّهُ.

стр. 1134

فَرْعٌ: إذا قلنا بالأظهرِ فكان العاملُ فقيرًا، فوجهان بناءً على أن ما يأخذه أجرةً أمْ صدقةً؟ إن قلنا أُجرةً جازَ، وإلا فلا. فَرْعٌ: قال: خُذْ هذا الألف وفرّقه على المساكين، لم يدخلْ فيهم وإن كان مسكينًا، فإن قال: ضَعْهُ في نفسِك إن شئتَ؛ فهو على الخلافِ فيما إذا قال: وكَّلتكَ بإبراء غُرَمَائِي وإن شِئْتَ فأبرِئ نفسَك. ذكرهُ الرافعيُّ في الوكالة وفي ولدهِ ووالدهِ وزوجَتِهِ خلافٌ للحنابلةِ. فَصْلٌ: يَجبُ اسْتِيْعَابُ الأصْنَافِ، أي تعميمهم بالعطاء، إِن قَسَّمَ الإِمَامُ وَهُنَاكَ عَامِلٌ؛ لأن الله تعالى أضافَ الصَّدقة إليهم باللَّامِ وذلك يقتضي التعميم، وَإلَّا، أي وإن قَسَّمَ الإمامُ ولا عاملَ، فَالْقِسْمَةُ عَلَى سَبْعَةٍ، لسقوطِ سهمِ العامل وكذا إذا فرَّق الإمامُ بنفسِهِ، فَإنْ فَقَدَ بَعضُهُمْ فَعَلَى الْمَوْجُوْدِيْنَ، لامتناع النَّفلِ كما يأتي، ومرادُهُ الفقدُ المطلقُ، فإنَّ الفقدَ في البلدِ سيذكره بعدُ، وَإِذَا قَسَّم الإِمَامُ اسْتَوْعَبَ مِنَ الزَّكَوَاتِ الْحَاصِلَةِ عِنْدَهُ آحَادَ كُلِّ صِنْفٍ، أي ولا يجوزُ الاقتصارُ على بعضهِمْ؛ لأنَّ الاستيعابَ لا يتعذَّرُ عليهِ، وليس المرادُ أنَّه يستوعبهم بزكاة كلِّ شخصٍ بل يستوعبهم من الزكواتِ الحاصلة في يده، وله أن يخصَّ بعضَهُم بنوعٍ من المال وآخرين بنوعٍ، وله أن يعطي زكاةَ شخصٍ واحد بكمالها إلى شخصٍ واحد. لأن الزكواتِ كلَّها في يده كالزكاة الواحدةِ وكذا السَّاعي إذا جعل لهُ الإمامُ أن يصرفَ الزكواتَ. وَكَذَا يَسْتَوْعِبُ الْمَالِكُ إِنِ انْحَصَرَ الْمُسْتَحِقُّون في الْبَلَدِ وَوَفَّى بِهِمُ الْمَالُ، لتيسُّرهِ والحالة هذه. هذا ما أطلقهُ المتوليّ كما نقله الرافعيُّ عنه وذكرَ بعدَهُ بدون صفحةٍ عن المتولي أَيضًا ما يخالِفُهُ وستعرفُهُ بعدَهُ، وَإِلَّا، أي وإن لم ينحصروا ولم يُوَفَّ بهم، فَيَجِبُ إِعْطَاءُ ثَلَاثَةٍ؛ لأن الله ذكرهم بلفظ الجمع وأقلُّهُ ثلاثةٌ، نعم يجوزُ أن يكون العامل واحدًا إلَّا ابن السبيل على الأصحِّ كما في سائر الأصناف، وَتَجبُ التَّسْوِيةُ بَيْنَ الأصْنَافِ، أي وإن زادتْ حاجةُ بعضهم إلَّا العامل فلا يزادُ على أُجَرة

стр. 1135

مثلِهِ، لا بَيْنَ آحَادِ الصَّنْفِ، لعدم حصره، إِلَّا أَنْ يُقَسِّمَ الإِمَامُ فَيَحْرُمُ عَلَيهِ التَّفْضيْلُ مَعَ تَسَاوِي الْحَاجَاتِ؛ لأن عليه التعميم فيلزمُهُ التَّسْوِيَةُ بخلاف المالك، فإنَّه لا تعميمَ عليه فلا تسويَةَ، كذا نقلَهُ الرافعيُّ عن التَّتِمَّةِ معلِّلًا بما ذكرنَاهُ. وهو مخالف لما قدَّمه قبله بدون صفحةٍ من وجوب الاستيعاب على المالك عند انحصار المستحقينَ وتوفية المال لهم، وقد وافقَ المتولي على التفضيل الماورديِّ والبندنيحيِّ وابن الصباغِ وقال المصنِّفُ في الرَّوضة: إنَّهُ وإنْ كان قويًّا في الدَّليل فهو خلاف مقتضى إطلاق الجمهور استحبابَ التَّسْوِيَةِ، وفي الْمَطْلَبِ عن ابن داود حكايةً عن النصِّ استحبابُ التسويَةِ أَيضًا. فَرْعٌ: حيثُ لا يجبُ الاستيعاب؛ ففي الروضة عن الأصحاب: أنَّه يجوزُ الدَّفعُ إلى المستحقين بالبلد والغُرباء؛ ولكن المستوطنونَ أفضلُ؛ لأنهم جيرانُهُ. فَائِدَةٌ: قال القفالُ في فتاويه: إذا صرفَ مالًا إلى فقيهٍ؛ وقالَ: إِعْطِهِ تَلَامِذَتَكَ. فإنَّه لا يجوزُ تخصيصُ البعضِ بل تجبُ القِسْمَةُ بينهم على السواء، اللَّهُمَّ إلَّا أن يكون قال لهُ: أنتَ أعلمُ في صرفِهِ إليهم فحينئذٍ جازَ التَّخْصِيْصُ والتَّفْضِيْلُ. وَالأَظْهَرُ مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ، أي منعُ تحريمٍ لا يسقطُ به الفَرْضُ؛ لأن طمعَ المساكين في كُلِّ بلدٍ يمتَدُّ إلى ما فيها من المال، والنقلُ يُوْحِشُهُمْ، والثاني: الجوازُ، ومنهم من قَطَعَ بِهِ، كما حكاهُ في البَحْرِ؛ لأن الآيةَ مطلقةٌ؛ وبالقياس على الكَفَّارَةِ والنَّذْرِ وَالْوَصِيَّةِ فإن المذهب جوازُ نقلها، لكن الفَرْقَ أن الأطماعَ لا تمتدُّ إليها امتدادها إلى الزكاة، وأختار الرويانيُّ في الْحِلْيَةِ الإجزاءَ، وقال ابنُ الصلاح في فتاويه؛ وقد سُئل عن النَّقْلِ لقرابته إذا كان في غير بلدِهِ: الأظهرُ جوازُهُ بشرطِهِ، وقال ابن عُجيل اليَمَنِي: ثلاثُ مسائل في الزَّكاة يُفتى فيها خلافَ المذهبِ؛ نقلُ الزَّكَاةِ؛ ودفعُ زَكَاةِ واحدٍ إلى واحدٍ؛ ودفْعُها إلى صنفٍ واحدٍ. وينبغي أن يُلحقَ بالكفارَةِ وَالنَّذْرِ وَالْوَصِيَّةِ في جوازِ النَّقْلِ الأوقاف الجارية على الفقراء والمساكين إذا لم ينصَّ الواقفُ على بلدٍ، وإن لم أرَهُ منقولًا، واختلفَ الأصحابُ في موضع القولين

стр. 1136

على طرق أصحُّها: أنهما في سقوطِ الفرضِ، ولا خلاف في تحريمهِ والأصحُّ طردُ الخلاف في النفل إلى مسافة القصرِ ودونها، قال الرافعيُّ: والخلاف في المسألة ظاهرٌ فيما إذا فَرَّقَ رَبُّ المالِ، أما إذا فَرَّقَ الإمامُ فالأشبه جوازُ النقل له؛ والتَّفْرِقَةُ كيفَ شاءَ. قال المصنِّفُ في شرح المهذب: قد نقلهُ صاحبُ المهذبِ؛ والراجِحُ القطعُ به للإمامِ والسَّاعى، وهو ظاهرُ الأحاديث؛ قُلْتُ: ويُستثنى مع هذه المسألة أَيضًا ما إذا كان له نِصَابٌ من الغَنَمِ نصفُهُ ببلدٍ ونصفُهُ بآخر، فإنَّ له أن يخرجَ شاةً بأحدِ البلدين شاء على الأصح فرارًا من التشْقِيْصِ. وَلَوْ عَدِمَ الأَصْنَافَ في بَلَدٍ وَجَبَ النَّقْلُ، أي إلى أقرب بلد إليه، أَوْ بَعْضَهُمْ وَجَوَّزْنَا النَّقْلَ وَجَبَ، وِإلَّا فَيُرَدُّ عَلَى الْبَاقِيْنَ؛ لأن عدمَ الشيء من موضعه كالعدم الْمُطلقِ، وَقِيلَ: يُنْقَلُ، أي إلى أقرب بلد إليه؛ لأن استحقاقَ الأصنافِ منصوصٌ عليه فيقدَّم على رعايةِ المكان الذي ثَبَتَ بالاجتهادِ، وهذا ما صحَّحَهُ صاحبُ المهذب وحكاهُ قولًا؛ وخصَّصَ الماورديُّ الخلاف بما عدا الغُزاة وقال: إِنَّ نصيبَ الغُزاة ينقلُ إلى البلد الذي هُمْ فيه قطعًا؛ لأنهم يكثرون في الثغُوْرِ، ويَقِلُّونَ في غيرها. ثم محلُّ الخلاف أَيضًا فيما إذا عدم غير العامل، أما إذا عدم العامل فإن سهمه يَسقطُ. فَصْلٌ: وَشَرْطُ السَّاعِي كَوْنُهُ حُرًّا عَدْلًا، أي فلا يكونُ عبدًا ولا فَاسِقًا لنقصِهِمَا، فَقِيْهًا بِأَبْوَابِ الزَّكَاةِ، أي بأنْ يعرِفَ ما يأخذه؛ ومن يُعطه؛ وقَدْرَ العطاءِ، ومن تجبُ عليه؛ لأنها ولايةٌ من جهة الشَّرْع تفتقرُ إلى الفِقْهِ فأشبَهَتِ القَضَاءَ، فَإِنْ عُيِّنَ لَهُ أَخَذٌ وَدَفْعٌ لَمْ يُشْتَرَطِ الْفِقهُ؛ لأنها رسالةٌ لا ولايةٌ، قال الماورديُّ: ولا الإِسلامُ ولا الْحُرِّيَّةُ أَيضًا وفي الأوَّل نظرٌ. فَرْعٌ: الْمَرْأَةُ لا تكونُ عاملةً؛ ذكرَهُ الرافعيُّ في آخر الصنفِ الأول. وجزَمَ به الماورديُّ أَيضًا؛ لكنه قالَ؛ أعني الماوردي في موضع أخر: يجوزُ مع الكراهةِ. وَلْيُعْلِمْ شَهْرًا لأَخْذِهَا، أيْ نَدْبًا، وقيلَ: وُجُوبًا، والإعلامُ إما من الإمامِ أو من السَّاعى، وفائدتُهُ أن يَتَهَيَّأَ أربابُ الأموالِ لقدومِهِ وليؤدُّوا ما عليهم ويندبُ أنْ يكون

стр. 1137

الْمُحَرَّمُ لأنهُ أوَّلُ السَّنَةِ؛ ثم هذا في الْحَوْلِيِّ. أما غيرُهُ كالزَّرْع والثِّمارِ؛ فإنَّه يبعَثُ السُّعَاةَ فيه وقتَ الوُجوبِ: وهُو إدراكُ الثَّمَرِ واشْتِدَادُ الْحَبِّ. فَرْعٌ: بَعْثُ السُّعاةِ مستحبٌّ، وقيل: واجبٌ. فَصْلٌ: ويسَنُّ وَسْمُ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَالْفَيءِ، لتتميَّز وليردَّها من وحدها ضالَّةً وليعرفها المتصدِّقُ فلا يتملَّكها لأنه يُكرهُ أن يتصدَّقَ بشئٍ ثم يشتريه كما نصَّ عليه؛ أو يَمْلِكَهُ بالهبةِ كما ذكرَهُ في الروضة من زوائدِهِ؛ ولا بأس بتملُّكِهِ منهُ بالإرثِ ولا بتملكه من غيرِهِ، في مَوْضِع لا يَكْثرُ شَعْرُهُ، أَيضًا ويكونُ صلبًا والأوْلى في الغَنَمِ الإذْنُ؛ وفي الإبل الفخذُ للإتباع (٣٢٢). وكذا البقرُ والخيلُ بالقياس، وَالْوَسْمُ بِالسِّينِ المهملَةِ والمعجمةِ، وقيل: المهملةُ في الوجهِ والمعجَّمَةُ في سائِرِ الجَسَدِ، وَيُكْرَهُ في الْوَجْهِ، لِلنَّهْي عَنْهُ، قُلْتُ: الأَصَحُّ يَحْرُمُ وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِي، وَفِي صَحِيْح مُسْلِمٍ [لُعِنَ فَاعِلِهِ] (٣٢٣) وَالله أَعْلَمُ، قُلْتُ: ونصَّ عليه أَيضًا إِمَامُنا في الأُمِّ؛ فَقَالَ: والخبرُ

стр. 1138

عندنا يقتضي التَّحْرِيمَ وينبغي رفعُ الخلاف وحملُ الكراهة على التَّحريمِ أو أنَّ قائله لم يَبْلُغْهُ الحديث (•). فَصْل: صَدَقَةُ التَّطَوع سُنَّةٌ، لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٣٢٤) وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ .... الآية﴾ (٣٢٥)، والأخبارُ الواردةُ فيه كثرةٌ شهيرةٌ، وَتَحِلُّ لِغَنِيٍّ، مع أنَّه يستحبُّ لهُ التَّنَزُّهُ عنها، وفي الصحيح: [تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ] وفيه: [لَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبِرَ فَيُنْفِقَ مِمَّا أعْطَاهُ الله] (٣٢٦) ويكرَهُ له التعرُّضُ لها، الذي البيان: فإن أظهرَ الفاقَةَ فحرامٌ قال في الروضة: وهو حسنٌ،

стр. 1139

فأما إذا سألها فالأصحُّ على ما يقتضيه إيرادُ الروضة التَّحْرِيّمُ، وَكَافِرٍ, لأن [في كُلِّ كَبِدٍ حَرَّاءَ أَجْرٌ] (٣٢٧) وحديث [لا يَأكُلُ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ] (٣٢٨) المرادُ به الأولى، وَدَفْعُهَا سِرًّا، وَفِي رَمَضَانَ، وَلِقَرِيْبٍ وَجَارٍ أَفْضَلُ، لأحاديثٍ في ذلك (٣٢٩).

стр. 1140

فَرْعٌ: لو كان له جِيْرَانٌ أجانب وأقارب أباعد؛ فجيرانُهُ أَولى؛ كذا قاله الماورديُّ وأبو الطِّيب والأزهريُّ وابنُ الفَرْكَاحِ في الإِقْلِيْدِ. وفي أصلِ الروضة: أنَّ القريبَ أَولى كما يُحكى عن مذهب أبي حنيفة، ولو كان القريبُ خارج البلد فإنْ مَنَعْنَا نَقْلَ الزكاةِ؛ قُدِّم الأجنبيُّ وإلا فالقريبُ، وقال ابن مسعودِ: (لا تُخْرَجُ الزَّكَاةُ مِن بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ إِلَّا لِذِي قَرَابَةٍ) (٣٣٠). وقد قدَّمنا كلام ابن الصلاح في ذلك قريبًا. فَرْعٌ: سُئل الحناطيُّ ومن فتاويه نقلتُ: أَيَّمَا أَولى وضعُ الرَّجُلِ صدقتَهُ في رَحِمِهِ من قِبَلِ أبيهِ أو من قِبَلِ أُمِّهِ؟ فأجاب: بأنَّهُما في الاختيارِ والاستحبابِ سواءٌ.

стр. 1141

فَرْعٌ: الأفضلُ في الزكاةِ إظْهَارُهَا، واستثنى الماورديُّ الأموال الباطنة؛ فإنَّ الأولى إِخْفَاءُ إخراج زكاتِهَا، وأما للإِمَامِ، فالإظهارُ في حقِّهِ أفضلُ. وَمَنْ عَلَيهِ دَيْنٌ أَوْ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَّا يَتَصَدَّقَ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ، تقديمًا لِلأهَمّ وربما قيل: يُكْرَهُ، قُلْتُ: الأصَحُّ تَحْرِيمُ صَدَقَتِهِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، أي بخلاف نفقة نفسه؛ فإنَّه لا يستحبُّ، أَوْ لِدَينٍ لا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً، وَالله أَعْلَمُ, لأنه حقٌّ واجبٌ فلا يجوزُ تركه لِسُنَّةٍ؛ وصحَّحَ في شرح المهذب فيما عدا الدَّيْنِ التَّحْرِيْمَ بالنسبةِ إلى نفسِهِ أَيضًا وعبَّر في الروضة عن مسألة الدَّيْنِ بالمختارِ بَدَلَ الأصحّ. وفي إطلاق التحريم نظرٌ، فإن كِبَارَ الصحَابَةِ كانوا يُؤْثِرُوْنَ حال الضَّرُورةِ؛ ويخرجونَ عن جميع أموالهم ولا يتركونَ لعيالهم شيئًا كقضية الصِّدِّيقِ الآتية. والظاهرُ اختلاف الحكم باختلاف الأحوال كما نبَّهَ عليه المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ ﵀، ولو كان ثَمَّ صَبْرٌ من عياله ومنهُ، وأَذَنُوا في ذلك؛ فالذي يظهر كما قاله صاحب المطَّلب: أن الأفضلَ التَّصَدُّقُ، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ وسببُ نزولها مشهورٌ (٣٣١). تَنْبِيْهَاتٌ: ذكرها صاحبُ المطلَبِ، أحدها: الظاهرُ أنَّه لا فرقَ بين دَيْنِ الزكاة وغيره, لأنها على الفور، وقد قال الماورديُّ: إنه لا يستحبُّ الصدقة وهو عليه.

стр. 1142

ثانيها: هذا إذا كان الدَّيْنُ حَالًّا، أما إذا كان مُؤَجَّلًا فينبغي أن يلتحق بما إذا كان يحتاجُ إليه في نفقةِ عياله في المستقبل. ثالثها: حيثُ قلنا بتحريم الصَّدقة فهل يملكها الْمُتَصَدَّقُ عليهِ؟ يشبهُ أن يكون على الوجهين؛ فيما إذا وَهَبَ الماءَ الذي يحتاج إليه بعد دخول الوقت. وَفي اسْتِحْبَابِ الصَّدقَةِ بِمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا إِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصَّبْرُ، أي على الإضافة، اسْتُحِبَّ، وَإلَّا فَلَا. أي لا يستحبُّ. وقال الغزاليُّ وصاحبُ البيانِ: يُكْرَهُ. وعلى ذلك تحملُ الأحاديثُ المختلفة ظواهرها في الباب، والثاني: يستحبُّ بجميع الفَاضِلِ مطلقًا؛ لأن الصِّدِّيّقَ ﵁ تَصَدَّق بجميع ماله وَقَبِلَهُ النَّبِيّ ﷺ منهُ كما أخرجه أبو داود وصححه التِّرْمِذِيّ والحاكم ولا مبالاة بتضعيف ابنِ حزمٍ له (٣٣٢). قال القاضي حسين: وكان هذا الفعلُ منهُ ومن عُمرَ حين أتى بنصف مالِهِ حين نزول قوله تعالى: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (٣٣٣)، والثالث: لا مطلقًا لقوله ﷺ : [خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهرِ غِنًى] صححَهُ الحاكم على شرط مسلم (٣٣٤).

стр. 1143

فَرْعٌ: يكرهُ إمساكُ الفَضْلِ والغيرُ محتاجٌ إليه؛ كما بوَّبَ عليه البيهقيُّ واستدلَّ لهُ (٣٣٥)؛ فإن اضطرَّ الغيرُ وجبَ بذلُهُ لَهُ؛ لكن بعوضٍ. وقال الإمامُ في الغَيَاثِيِّ؛ يجبُ على الْمُوْسِرِ الْموَاسَاةُ بما زادَ على كِفَايَتِهِ سَنَةً.

стр. 1144

كِتَابُ الْنِّكَاحِ النِّكَاحُ: لهُ عدَّةُ أسماءٍ جمعَها أبو القاسم عليٌّ بن جعفرٍ اللُّغويُّ فبلغَتْ ألفَ اسمٍ وأربعينَ اسْمًا، وَأصْلُهُ في كَلَامِ الْعَرَبِ الْوَطْءُ، وسُمِّيَ بِهِ الْعَقْدُ؛ لأَنَّهُ سَبَبُهُ. والأصحُّ أنَّه حقيقةٌ في العقدِ مجازٌ في الوطءِ. والأصلُ فيه من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣٣٦) وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٣٣٧) وغيرهما؛ والسُّنَّةُ الشهيرةُ والإجماعُ. وقيل: إن الآية الثَّانية ناسخةٌ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً ... ﴾ الآية (٣٣٨). وهل النكاح عقدُ تمليكٍ أو عقدُ حلٍّ، فيه خلافُ حكاهُ المتولي وبنى عليه ما لو حلفَ أنَّه لا مِلْكَ لهُ وَلَهُ زوجةٌ. هُوَ مُسْتَحَبٌّ لِمُحْتَاجٍ إِلَيْهِ يَجِدُ أُهْبَتَهُ، تحصينًا للدِّيْنِ، ويستحبُّ أن ينوي به المقاصدَ الشرعيَّةَ كإقامةِ السُّنةِ وصيانَةِ دِيْنِهِ وغيرهما، وقال صاحبُ الخصال: لو كان له صبرٌ على النكاح ولو كان له لم يعجزْ عنهُ، فيستحبُّ له أن يتفرَّغ للعبادة،

стр. 1145

والمرادُ بالمحتاج التَّائِقُ. والأُهْبَةُ بضمِّ الهمزة المرادُ بها هنا مُؤَنُ النِّكَاحِ؛ وأُهْبَةُ كلِّ شيءٍ ما يُعْتَدُّ بِهِ لَهُ، وحكمُ المرأةِ كالرجُل، لكنها لا تحتاجُ أُهْبَةً. وقيَّد صاحبُ التنبيه الاستحبابَ في حقِّهما لمن هو جائزُ التصرف تبعًا للشافعيِّ ﵀ في الأُمِّ ولم يقيدْهُ بذلك في المختصر وعليه جرى الجمهورُ. فَإِنْ فَقَدَهَا اسْتُحِبَّ تَرْكُهُ، أي الأولى تركُهُ لفقدِ أُهْبَتِهِ، ولما في النكاح من التزام ما لا يقدُر عليه، وَيكْسِرُ شَهْوَتَهُ بِالصَّوْمِ، للأمر به في الصحيحين (٣٣٩)؛ وهذا أمرُ إرشادٍ ولا يكسرها بالكافُورِ ونحوه، فَإِنْ لَم يَحْتَجْ كُرِهَ إِن فَقَدَ الأُهْبَةَ، لما فيه من التزام ما لا يقدُر على القيام بمقتضاهُ من غير حاجةٍ قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا ... ﴾ الآية (٣٤٠)، وعدمُ الحاجة، إما لانتفاءِ التَّوَقَانِ، وإما العجزُ كمرضٍ ونحوه كما سيأتي، وعبارةُ الشَّافِعِيِّ: الأَحَبُّ تركُهُ ولا يلزمُ منها الكَرَاهَةُ، وَإلَّا فَلَا، أي وإنْ وجدَ الأُهْبَةَ فلا يُكره له، لَكِنِ الْعِبَادَةُ أَفْضَلُ، أيِ التَّخَلِّي لها اهتمامًا بها وعدم حاجته إليه، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَتَعَبَّدْ؛ فَالنّكَاحُ أَفْضَلُ، فِي الأصَحِّ، لِئلَّا تفضى به البطالة والفراغُ إلما الفواحش، والثاني: تركُهُ أفضلُ لما فيه من الخطر بالقيام بواجبه وفي الصحيحين: [اتَّقُواْ الله وَاتَّقُواْ النّسَاءَ، فَإِن أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيْلَ كَانَتْ في النّسَاءِ] (٣٤١).

стр. 1146

فَإِنْ وَجَدَ الأُهْبَةَ وَبِهِ عِلَّةٌ كَهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ دَائِمٍ أوْ تَعْنِينٍ كُرِهَ، وَالله أَعْلَمُ، لما سبق من التعليل عند عدم الحاجة؛ وفقدُ الأُهْبَةِ. وخالفَ الغزاليُّ في الإحياءِ فقال: يُستحبُّ لِلْعَنِيْنِ وَالْمَمْسُوْحِ اقتداءً بغيره وتشبيهًا بالصالحين. وقد يجمعُ بينهما بأنَّ كلام المصنِّفِ إذا لم تَتُقْ نفسُهُ إليه؛ وكلامُ الإحياءِ؛ إذا تَاقَتْ. ويسْتَحَبُّ دَيِّنَةٌ بِكْرٌ، أي إن لم يكُنْ عذرٌ (٣٤٢)، نَسِيْبَةٌ لَيسَتْ قَرَابَةَ قَرِيْبَةً،

стр. 1147

للحثِّ على ذلك (٣٤٣)، نعم دليلُ الأخير لا يُعرف له أصلٌ معتمدٌ؛ ويُعَكِّرُ على الأصحاب في جَزْمِهِمْ بذلك تزويجُ فَاطِمَةَ لِعَلِيٍّ ﵄ وهي قرابةٌ قريبةٌ، لأنهُ ابنُ عَمِّ أَبِيْهَا، واعْلَمْ: أنَّهُ ﵊ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَ عَائِشَةَ (٣٤٤)، وفي الحديث: [عَلَيْكُمْ بِالأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا وَأَنتقُ أَرْحَامًا وَأَغَرُّ غُرَّةً وَأَرْضَى بِالْيَسِيْرِ] (٣٤٥) رواهُ أبو نعيم في كتاب الطب من حديث عبد الرَّحْمَن بن سالم عن

стр. 1148

أَبيه عن جده رفعه ولم يذكروا [أَغَرُّ غُرَّةً] وزادَ بعد [وَأَنْتَقُ أرْحَامًا وَأَسْمَنُ إِقْبَالًا وَأَرْضَى بِالْيَسِيْرِ مِنَ الْعَمَلِ] وفي بعض نسخه [وَأَسْخَنُ إِقْبَالًا] رواه البغويُّ بسنده ولم يقل [وَأَسْمَنُ إِقْبَالًا] وقال: عبد الرَّحْمَن بن سالم بن عبد الرَّحْمَن بن عُوَيْم بن ساعدةَ وعبد الرَّحْمَن بن عُوَيْمٍ ليست له صحبة، قُلْتُ: فيكون الحديث مرسلًا (٣٤٦)، قال الماورديُّ: [أَنتقُ أَرْحَامًا] أي أكثرُ أولادًا، وفي قوله [وَأَغَرُّ غُرَّةً] روايتان إحداهما: بالكسر أي أبعدُ عَنْ مَعْرِفَةِ الشَّرِّ وَأَقَلُّ فِطْنَةً لَهُ، والثانية: بالضم وفيه تأويلان أحدهما: أنَّه أراد غرة البياض، والثاني: أنَّه أراد حُسن الخُلق والمعاشرة (٣٤٧). وقد أشارَ الله تعالى في كتابه إلى التَّرْغِيْبِ في العفيفةِ واجتناب غيرها بقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا ... ﴾ الآية (٣٤٨). والقرابةُ غير القريبة أَوْلى من الأجنبيَّةِ كما يُفهمهُ كلامُ المصنِّفِ، وأهملَ أوصافًا أخرى للمنكوحة ذكرتُها في الأصل فراجعها فإنَّه المهمُّ الأصلُ، وأورد القاضي والماورديُّ حديثًا أنَّه ﵊ قال لزيدٍ بن حارثَةَ: [لا تَزَوَّجْ خَمْسًا: شَهْبَرَةً وَلَا لَهْبَرَةً وَلَا نَهْبَرَةً وَلَا هَبْدَرَةً وَلَا لَفُوْتًا] فالأولى: الزَّرْقَاءُ البَذيَّةِ، والثانية: الطَّوِيْلَةُ الْمَهْزُوْلَةُ، والثالثة: الْعَجُوْزُ المدبِرَةُ، والرابعة: الْقَصيْرَةُ الذميْمَةُ، والخامسة: ذَاتُ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِكَ (٣٤٩).

стр. 1149

فَصْلٌ: وَإِذَا قَصَدَ نِكَاحَهَا؛ سُنَّ نَظَرُهُ إِلَيْهَا، للأحاديث الصحيحة الشهيرة في ذلك (٣٥٠)، وقد رأى ﵊ عائشة في نومه وفعلُهُ في المنام كاليقظةِ وبه أستدلَّ البخاريُّ وغيرُهُ (٣٥١)، قَبْلَ الْخِطْبَةِ، أي وبعد عزمِهِ على النكاح, لأنه قَبْلَ العزمِ لا حاجة إليه وبعد الخِطْبَةِ قد يقتضي الحالُ التركَ فيشقُّ عليها، وَإن لَمْ تَأْذَن، أي ويكفي إذنُ الشَّارع في ذلك للأحاديث الصحيحة (٣٥٢)، وَلَهُ تَكْرِيْرُ نَظَرِهِ، أي إذا احتاج إلى ذلك لِيَتَبَيَّنَ هَيْأَتَهَا فلا يندمَ بعد النكاح، وَلَا يَنظُرُ غَيرَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، أي ظهرًا وبطنًا؛ لأنها مواضعُ ما يظهرُ من الزينة المشارِ إليها في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٣٥٣) وهذا يُفهم أنها إذا كانت المخطوبةُ حُرَّةً, لأنه ليس بعورةٍ، فإن كانت أمَةً فيجوزُ أن ينظر إلى ما ليسَ بعورةٍ منها، وقد نقلَهُ في المطلبِ عن مفهوم كلامهم أَيضًا لكن ظاهرُ إطلاق الشَّافعيّ في الإملاء يقتضي التسوية كما نقلَهُ البيهقيُّ في مبسوطه عنهُ. فَرْعٌ: إذا لم يتيسَّرْ له النَّظَرُ؛ بعثَ امرأةً تتأملها وتصفها له، ووصفُ المرأةِ المرأةَ حرامٌ إلَّا في هذا الموضع، وحكى في البيان عن الصَّيْمَرِيِّ: أنَّ ذلك خلافُ السُّنَّةِ

стр. 1150

وردَّهُ عليهِ وما أَقْصَرَ فِيْهِ. فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ بَالِغٍ إِلَى عَوْرَةِ حُرَّةٍ كَبيرَةٍ أَجْنَبيَّةٍ, لأنه إذا حَرُمَ نظرُ المرأة إلى عورة المرأة كما جاء به الخبر في الصحيح (٣٥٤) فهو أولى، والعجوزُ كالشَّابَّةِ على الأصح، كما يُفْهِمُهُ عمومُ الكبيرة في كلام المصنِّفِ, لأن لكلِّ ساقطةٍ لاقطة، وقال القاضي حُسين: يجوزُ النظرُ إلى وجهها وكفَّيْها بناءً على قوله في أنَّه يجوزُ ذلك من الشَّابَّةِ، قال: ومع ذلك لا يجوزُ اللَّمْسُ لأن حكمَ النظرِ أخفُّ من حكم اللَّمْسِ، وذكرَ البيهقيُّ عن ابن عباسٍ: أنَّه تعالى استثنى القواعِدَ أن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غير متبرجات: الْخَلِيَّاتُ؛ وأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ بلبسِ جلابيبِهِنَّ خيرٌ لَهُنَّ (٣٥٥)، وذهبَ أنسٌ مع النبي ﷺ إلى أُمِّ أيمن وبعدَهُ انطلقَ إليها أبو بكرٍ، ولعلَّ من هذا دخول سفيان على رابعة رَحِمَهُمَا الله تَعَالَى (٣٥٦).

стр. 1151

وَكَذَا وَجْهُهَا وَكَفَّيْهَا عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ... ﴾ الآية (٣٥٧)، ونقلَ الإمامُ الإجماع عليه، والمرادُ بخوف الفتنة ما يدعُو إلى الْجِمَاع وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَكَذَا عِنْدَ الأَمْنِ عَلَى الصَّحِيْح، للاتفاقِ على مَنْع النساءِ أنْ يخرُجْنَ سافراتٍ لوجوهِهِنَّ ولو حَلَّ النظرُ لَمُكِّن كالأَمْرَدُ، قال في الْمُحَرَّرِ: وهذا أَولى الوجهين، والثاني: لا يحرُمُ، وبه قال الجمهورُ كما قال الإمامُ ومعظمُ الأصحابِ، كما عبَّر به الرافعي في شرحَيْهِ؛ لا سِيَّما المتقدمونَ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وهو مُفَسَّرٌ بِالْوَجْهِ وَالْكَفيْنِ (٣٥٨)، نعم يُكره ذلك، وهؤلاء قد يمنعونَ الاتفاقَ على مَنْعِهِنَّ من الخروج سافراتٍ، وقد نَقل القاضي عياضُ

стр. 1152

المالكيُّ عن العلماء مطلقًا: أنَّه لا يجبُ على المرأة سَتْرُ وَجْهِهَا في طريقها، وإنما ذلك سُنَّة، وعلى الرجال غضُّ البَصَرِ عنهُنَّ للآية السالفة، وحكاه عنه المصنّفُ في شرح مسلم في باب نظر الفجاءة وأقرَّهُ عليه (٣٥٩)؛ لكنه حكى الأول في أصلِ الروضة عن حكايته الإمامِ وأقرَّهُ أَيضًا، واعْلَمْ: أن المصنِّفَ وغيره فرضوا الخلاف عند الأمْنِ، والإمامُ فرضه فيما إذا لم يظهرْ خوف فتنةٍ؛ وهو حسنٌ فالأمنُ عزيزٌ إلاّ ممن عُصِمَ. فَرْعٌ: صوتُها ليس بعورةٍ على الأصحِّ كما مضى في الصلاة، لكن يحرُمُ الإصغاءُ إليه خوفَ الفتنةِ، وقال القاضي حُسين في تعليقه: فأما إذا كان لها نَغْمَةٌ حسنةٌ فلا خلاف أنَّهُ عورةٌ، ويحرُمُ على الرَّجُلِ استماعُهَا، وقد يوافق ما نقله صاحب عوارفِ المعارفِ عن أصحابنا من اتفاقهم على تحريم سماع الغِنَاءِ من الأجنبيَّةِ مُطلقًا. وَلَا يَنْظُرُ مِن مَحْرَمِهِ، أي بالنسبِ والرَّضَاع والمصاهَرَةِ، بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ, لأنه عورة، وَيحِلُّ مَا سِوَاهُ، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ... ﴾ الآية (٣٦٠)، وَقِيْلَ: مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ فَقَطْ, لأن غيره لا ضرورة إلى النظر إليه؛ فاقتصر على موضع

стр. 1153

الضرورة، ويُعلم من هذا أنَّ نظرَهُ إلى ما يبدو في حال الْمِهنَةِ جائزٌ قطعًا وإلى ما بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ حرامٌ قطعًا والخلافُ فيما بَيْنَ ذلك. فَرْعٌ: يجوزُ للمَحْرَمِ الخلوةُ والمسافرةُ بها. فَائِدَةٌ: الْمِهْنَةُ بفتح الميم وكسرها: الْخِدْمَةُ. وأنكَرَ بعضهم كسرها. وَالأصَحُّ حِلُّ النَّظَرِ بِلَا شَهْوَةٍ إِلَى الأمَةِ، أي قنةٍ كانت أو أُمّ ولدٍ، إِلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ, لأن رأسها ليس بعورةٍ فلا يكون ما عدا ما بينَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ كالرَّجل، نعم: يُكره، والثاني: يحرُم ما لا يبدو في حال الْمِهْنَةِ، إذ لا حاجة إليه دون غيره، والثالث: أنها كالْحُرَّةِ لاشتراكهما في الأُنُوثَةِ وخوف الفتنة، ففي الإِمَاءِ التُّرْكِيَّاتِ ونحوهِنَّ من خوف الفتنة أشدُّ من كثيرٍ منَ الْحَرَائِرِ، وصحَّحَهُ المصنِّفُ هنا وفي غيره كما سيأتي وهو الْحَقُّ، وِإلَى صَغِيْرَةٍ، أي التي لا تُشتهى, لأنها ليست في مظنَّةِ الشهوة، والثاني: لا يحلُّ لأنها من جنس الإناث، وهذا وجهٌ واهٍ لا كما اقتضاهُ إيراد المصنِّفِ من كونه قويًّا، وكيف يُتصوَّرُ أن يُقال به وما زال النَّاس في جميع الأعصار ينظرون إلى الصغار، والنبي ﷺ يحمل أُمَامَةَ في الصَّلاة بين النَّاس وهم ينظرون إليها (٣٦١)، ولعلَّ قائل هذا الوجه لا يطلقه هذا الإطلاق على أن هذا الوجه لم يحكِهِ إلَّا الغزاليُّ فمن بعده، قال ابن الصلاح: لم أجدْ حكاية الخلاف في وجهها يعني وجه الصغيرة التي لا تُشتهى لغير الغزاليّ ويكادُ أن يكون خرقًا للإجماع، قال: وهذا التعليلُ باطلٌ بذوات المحارم، فإنَّه لا خلاف في جواز النظر إلى وجهها وهذه أَوْلى بذلك لخروجها عن مظنةِ الشَّهْوَةِ في حقّ جميع النَّاس وذواتُ المحارم إنما خرجت

стр. 1154

عن الشهوة في حقِّ مَحْرَمِهَا، إِلَّا الفَرْجَ، أي بالاتفاق كما ادَّعاهُ صاحب العُدَّةِ والفورانيُّ وجزَمَ به الرافعيُّ في كتبه والمصنِّفُ، لكن ردَّ عليه في الروضة: بأنَّ القاضي جزَمَ بجوازه في الصغر أَيضًا، وقطع المرْوَزِيُّ بجوازه في الصغير، وصحَّحَهُ المتوليّ لتسامح النَّاس بذلك قديمًا وحديثًا، قال: وإباحةُ ذلك يبقى إلى بلوغِهِ سنَّ التَّمييزِ ومصيره بحيث يمكن سترُ عورته عن النَّاس، ومتى قاربتِ الصَّبِيَّةُ البلوغَ بحيث يحتملُ بلوغُها قال ابنُ الرِّفْعَةِ: لا شَك أنها كالبالغة، قُلْتُ: وبه صرَّحَ الْجَاجُرْمِيُّ في كِفَايَتِهِ، فقال: والمراهقةُ كالبالغةِ. وَأَنَّ نَظَرَ الْعَبدِ، أي سواء كان فحلًا أو خصِيًّا أو مجبُوبًا أو ممسُوحًا، إِلَى سَيِّدَتِهِ وَنَظَرَ مَمْسُوحٍ، أي سواء كان عبدًا لغيرِها أمْ حُرًّا، كَالنَّظَرِ إِلَى مَحْرَمٍ، أما الأوَّلُ: فلقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (٣٦٢) وهو ما رجَّحَهُ الأكثرون كما قاله الرافعي، قال في الروضة: وهو المنصوصُ وظاهرُ الكتاب والسُّنَّةِ (٢٦)، وإن كان فيه نظر من حيث المعنى، وقال البيهقي بعد أن حكى خلاف من خالَفَ: ظاهرُ الكتابِ أوْلى بالاتباع مع ما فيه من السُّنَّةِ (٣٦٣)، وأما الثاني: فعليه حُمل قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾، والثاني: لا فيهما، أما الأول: فلأنه لو ثبتت المحرميَّةُ لاستمرَّتْ كالرضاع والمرادُ بما ملكت أيمانُهُنَّ الإماءُ المشركات كما سيأتي، وإن سلَّمنا أنَّهم المرادون في الآية فمَنْ ذكرَهُ قيَّد بما إذا كانا عفيفين كالواحديِّ وهو

стр. 1155

شافعيٌّ فينبغى تقييدُ الجواز بذلك وصحَّحَهُ الشيخُ أبو حامد وقال: إنه الصحيح عند أصحابنا، والقاضي أبو الطيبِ وابن أبي عصرونَ والمصنفُ في مسودةٍ لهُ على المذهب وهو قولُ سعيدٍ ابن المسيِب والحسنِ وطاووسَ ومجاهدٍ والشعبي وهو مذهبُ أبى حنيفة، وأما الثاني: فلأنَّهُ يَحِلُّ لهُ نكاحها فهو كالفحل مع الأجنبية، وصحَّحَهُ الشيخُ أبو حامد وقال الفارقيُّ: إنهُ القياسُ وهو قويٌّ، أما غيرُ أُولي الأربةِ فاختارَ المصنِّفُ أنَّهُ الْمُغَفلُ في عَقْلِهِ الذي لا يَشتَهِى النِّسَاءَ، ونقلهُ عن ابن عبَّاس وغيره (٣٦٤) وذكَرَ القاضي حُسين فيه ثلاثة أوجهٍ أَصَحّها أنهُمُ الشيُوخُ، ثانيها: الصِّبيانُ، وثالثها: الْخصيَانُ، وخرج بالمسوح المجبوبُ والخصى والمسلولُ فإنهم كالفحل بل ضررُ الأخِيْرَيْنَ أكثرُ من ضرر الفحلِ، وقال القاضي بعد حكاية الخلاف في الممسوح: لا خلف أنه يجوزُ له الدخُولُ عليهِنَّ بغير حجابٍ. واقتضى كلامُهُ أنه يجوز النظرُ إلى الوجه والكفين قطعاً، وأن الخلاف في نظر ما يبدُو عند الْمِهْنَةِ، قال في البيان: الخلافُ جارٍ في خلوة العبد بسيدته أيضاً كالنظر، وجزَمَ المرعشى في الأقسام في كتاب الحج بجواز الخلوة وجواز نظره إلى شعرها دُون سائر بَدَنها وصرَّحَ الْجُرجَانِى في شَافِيْهِ يحوازِ مسافرته. فَرعٌ: الْعَنِيْنُ وَالْمُخَنثُ وهُو الْمُتَشَبِّهُ بِالنسَاءِ كالفَحلِ، وقيل: في المخنثِ والخصىِّ وجهان. فَرع: المكاتَبُ ليس مَحرَماً لها كما نقلهُ في الروضة من زوائده عن القاضي حُسين وأقرَّهُ وسبقهُ إليه ابنُ الصَّلاح فنقله عنه في مُشْكِلِهِ وجزَمَ ابنُ الْقُشَيْرِيّ في تفسيرِهِ بأنه مَحرم لَها ونقل بعضُ المتأخرين بعد السبعمائة أَنَّ الشَّافِعِىَّ نَصَّ فِى

стр. 1156

كُتبِهِ على أنهُ مَحْرَم لَها وأن ما نُقل عن القاضي حسين الموجود في تعليقه خلافُه، قُلْتُ: وحديثِ أُمِّ سَلَمَةَ: [إِذَا كَانَ إحدَاكُنَّ مُكَاتب وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي فَلتحتَجِبْ مِنْه]، رواهُ الأربعة وصحَّحَهُ الترمذىّ (٣٦٥). قال البيهقىُّ: قال الشافعيُّ: قد يجوزُ أن يكون رسول الله ﷺ أمرَها بالحجاب من مُكَاتَبِها إذا كان عندهُ ما يُودي، على ما عَظمَ الله به أزواج نَبِيِّهِ أمّهاتُ المؤمنين وخَصهُم بِهِ (٣٦٦). فَرعٌ: المبعَّضُ هل يلحق بالْحُرِّ؟ فيه نظر، ثم ظفرتُ بعد ذلك أنهُ كالأجنبىِّ مَعَها. وَأَن الْمُرَاهِقَ كَالْبَالِغ، لظهوره على العورات، والثاني: له النظَرُ كما له الدخول بلا استئذان إلاّ في الأوقات الثلاثة المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ ... ﴾ [النور: ٥٨] الآية (٣٦٧)، وعلى هذا هو كالْمَحرَمِ وصحَّحَهُ الفارقيُّ، ومعنى جعله كالبالغ أنه يلزم المنظورَ إليها الاحتجابُ، أو يمنعَهُ الولي من النظر كما يمنعه من سائر المحرماتِ، أما الصبيُّ فلا احتجاب منه لقوله تعالى: ﴿أَوِ الطفْلُ ... ﴾ الآية، وقال ابنُ الصَّلاح: الذي فهمته من كلام الإمام والغزاليِّ أن الذي بلغ حدَّ الحكاية والتشوُف إن أظهرَ التَّشَوِّفَ فهو كالرجل قطعًا وإلاّ فالخلافُ.

стр. 1157

فرعٌ: يجب على المرأةِ الاحتجابُ من المجنون قطعاً؛ لأنه بالغ ذو شهوةٍ. وقد يكون الخوفُ منه أكثرَ. فرع: استئذانُ العبد والطفلِ في الأوقات الثلاثة لا بُدَّ منه حين يخلُو الرَّجُلُ بأهله حتى الابن يستأذِنُ أُمَّهُ في الأوقات الثلاثة مُطلقًا، وفي كُل الأوقات بعد بلوغِهِ وإن لم يتعرَّضْ له الأصحابُ، قال ابنُ مسعودٍ: عَلَيْكُم إذْن عَلَى أمهاتِكم (٣٦٨). ويحِلُّ نَظَرُ رَجُلِ إِلَى رَجُلٍ، بالاتفاق وذلك عند أَمنِ الفتنة وعدمِ الشَّهْوَةِ، إِلَّا مَا بَينَ سُره وَرُكْبةٍ، لأنه عورة ولا فرق عندنا بين الحمَّام وغيره، ونقل القاضى حُسين عن على ﵁: (أَنَّ الْفَخِذَ فِي الحمامِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ) (٣٦٩). وَيَحرُمُ نَظَرُ أَمرَدَ بِشَهْوَةٍ، كالمَحرَمِ بل أولى لأن الإِنَاثَ محلَّ ذلك فِى الجملة بخلاف الذكور، ولا يختصُّ ذلك بالأمرد بل النظر إلى الرجل وإلى المحارم وإلى كُل من جَوَّزنَا النظرَ إِلَيهِ بِشَهْوَةٍ حَرَامْ. قلتُ: وَكَذَا بِغَيْرها فِي الأصَحِّ الْمَنْصُوصِ، لأنه مظنةُ الفتنة فهو كالمرأة بل أعظمُ وقد نَفرَ منهم السَّلَفُ؛ وسموهم الأنتَانِ، لأنهم مستقذرون شرعاً، وقد ذَكَرَ عن أبي عبيد الله الْخَلال مال: كنتُ أمشى يوماً مع أستاذي فرأيت حَدَثا جميلاً فقلت: يا أستاذي أَتُرى يعذّبُ الله هذه الصُّورَةَ؟ فقال: أوَنَظَرتَ سَتَرَى غبَّها، قال: فنسيتُ القُرآنَ بعد ذلك بعشرين سنة. واعلَم: أن الذي ذكرَهُ الرافعي في شرحَيْهِ أنه إذا لم يكن بشهوةٍ، فإن خاف الافتِتَان حَرُمَ في الأصحِّ تحرزًا عن الفتنة، والثانى: هو اختيارُ الإمام أنه لا يحرمُ وإلاّ أُمر بالاحتجابِ كالنِّسوَةِ، وإن لم يُخَفْ لا يَحرُمُ

стр. 1158

قطعاً، وردَّ عليه المصنِّفُ في الروضة بأن قال الذي أطلقَهُ الأصحاب وصاحب المهذب وغيره: أنه يحرُمُ النظرُ إلى الأمرد لغير حاجةٍ ونقله الدَارِكِي عن نصٍّ الشافعىِّ ﵀، قُلْتُ: والمحامليُّ حكاهُ عن رواية الشيخ أبي حامد عنه أيضاً، لكنه قال: ولا أعرفه للشافعي كما نبَّه عليه صاحبُ المطلب ولم يذكرهُ البيهقىُّ في معرفته ولا سُنَنِهِ ولا مبسوطه أيضاً، فهذا نصّ مستغرب، وأجاب ابنُ الصَّلاح عما ألزموا به في الأمر بالاحتجابِ بالمشقةِ في تركهم الأسبابَ ووجبَ الغضُّ على من يخاف الافتتان به رعاية للجانبين وهو ظاهر، أما الصعبُ إيجابُ الغضِّ مُطلقاً كما يقولُهُ المصنِّفُ يرده أحوال الناس ومخالطتهم الصبيان من عصرِ الصحابة إلى الآن، مع العِلْمِ بأنهم لم يُؤمروا بغضِّ البصر عنهم في كل حالٍ كالنساء بل عند توقع الفتنةِ وذلك نادرٌ لغالب الناس، وغالبُ المردَان ليسوا ممن يقع في قلوبهم شهوة بنظرهم ولا يُخشى منهم فتنة، وعبارة القاضي حُسين: عورَةُ الرَّجُلِ مِنَ الرَّجُلِ مِنَ السرة إِلَى الرُّكبَةِ وهكذا عندنا حكمُ الأمرد والغلام والمراهق وغيره إلاّ إذا كان حسنَ الوجهِ نَقِى البَدَنِ يُخشى منه حينئذٍ الافتتانُ، يحرُمُ النَّظرُ إليه، وكذا عبارة المتولي: الغلامُ إذا كان وضيء الوجه ناعم البدن؛ فإن كان يخاف من النظر الفتنة لا يجوزُ؛ وإن كان لا يخاف فالأولى أنْ لاَ ينظرَ، وكذا قيَّده الفوراني في الإِبَانَةِ بكونه حسنَ الوجهِ، وقال: إن خاف الفتنة فلا يجوزُ، وإلاّ فيجوزُ من غير تأمُّلٍ، وعبارة ابن أبى عصرون: أن الْمُردَ الْحِسَانَ يخاف منهم الفتنة ولم يؤمرُوا بالتنقيب، وهذا التقييدَ أهملَهُ المصنفُ هنا وفي الروضة تبعاً للمُهذب والرافعيِّ، نعم ذكرَهُ في تبويب رياضِهِ وهو حسن، وعبارةُ الْجَاجَرمِى في الكفاية: إلى ما بين وراءِ الإزارِ من الأمرَدِ بالشهوةِ حرامٌ وبغيرها حلالٌ، والغزاليُّ في كتبِهِ الفقهِيَّةِ ذكَرَ مثلَ ما أسلفناهُ عن الرافعيِّ، قال ابنُ الصَّلاح: ولهُ في الإحياءِ كلامٌ خير من كلامِهِ هُنا. قال: كل من يَتَأثرُ قَلْبُهُ بجمالِ صورة الأمرد بحيث يُدرِكُ من نفسه الفَرق بينَهُ وبينَ الملتَحِي يعني من حيث الشَّهوة فلا يحِلُّ لهُ النَّظَرُ؛ ومقتضى هذا الكلام تحريم النظر إلى الأمرد على كل مَن يخاف الفتنة، وعلى بعضِ من لا يخاف الفتنة، ولا فَرقَ عند الشَّهوة بين

стр. 1159

أن يكون معها خوفُ فتنةٍ أو لا، والمرادُ من النظر بشهوةٍ أن يكونَ النظرُ لقصدِ قضاءِ وطرٍ في الشَّهوةِ؛ يعنى أن الشخصَ يحِبُّ النظرَ إلى الوجْهِ الجميلِ ويلتَذُّ به، فإذا نظرَ لِيَلتذ بذلك الجمال فهو النظرُ بشهوةٍ، وليس المراد أن يشتهي زيادة على ذلك؛ مثل الوقاع ومقدماته؛ فذلك ليس بشرط وهو زيادةٌ في الفسق، فمن لم يفعل فاحشة واقتصر على ذلك فهو أثِمٌ لا محالة، قال ابن الصلاح: وليس المعنى بخوفِ الفتنةِ غلبَةُ الطن بِوقُوعِها، وتكفِى أن لا يكون ذلك نادراً فيكون النظر إليه بشهوة على ثلاثة مراتب إِحدَاها: أنْ يأمَنَ الفتنة فيجوزُ، وثانيها: أنْ يغلِبَ على ظَنِّهِ وقوعها فلا مجوزُ، وثالثها: أنْ يخافَ من غير ظهور وغلبة وقوع؛ فهو مَحِلُّ الْخِلاَفِ. وعبارةُ الوسيط: الوجهُ الإباحةُ إلا في حقِّ من أَحَسَّ من نفسه الفتنةَ فعند ذلك يحرُم عليه فيما بينَهُ وبينَ الله تعالى إعادةُ النظر، قال ابن الرفعة؛ قوله: إِعَادَةُ النظرِ أشار به إلى أنَّ وقوعَ النظرِ إليه اتفاقاً لا يحرُمُ، أي وهو نظرُ الفُجَاءَةِ كما في الأجنبيةِ، وإنما الكلام في إعادة النظر إليه قَصداً واقتضى كلامُ الإمامِ جَرَيَانَ الخلافِ عند خوف الفتنة في نظر الرَّجُل إلى الرَّجُلِ وتَبِعَهُ ابن أبى عصرون. وَالأصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِيْنَ أنّ الأمَةَ كَالْحُرةِ، وَالله أعلَمُ، لما سلف، وقال ابن أبي عصرون: إنه المذهبُ؛ واستغرابُ الرافعي لَهُ غريب، وَالْمرأةُ مَعَ امرَأةٍ كَرَجُل وَرَجُلِ، أي فتنظرُ منها ما عدا ما بين السُّرَّةِ وَالركْبَةِ، ورأيتُ في أحد تعليقَيْ القاضي أنَّهُ يُكْرَهُ للمرأةِ إذا كانت تميلُ إلى النساء النظَرَ إلى وجهِ النسَاءِ وَأبْدَانِهِنَّ وأَنْ تُضَاجِعهُنَّ بلا حائل كما في الرجال. وَالأصَحُّ تَحْرِيْمُ نَظَرِ ذِميةٍ إِلَى مُسْلِمةٍ، لقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ ... ﴾ وهي ليست كان نسائنا فلا تدخُل مَعَهُنَّ الْحَمَّامَ، قال المصنفُ في فتاويه: إلا أن تكون مملوكةً لها، قُلْتُ: يؤيّدُ أنَّ ابن جرير ذكَرَ عن ابن جُرَيح أنَّ المراد بِمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ في الآية الإِمَاءُ الْمُشْرِكَاتُ إذا لم يدخلن في نسائِهِنَّ، والثانى؛ هو كنظر المسلمة إلى مسلمة لأن الجنسَ واحدٌ؛ وبالقياس على الرِّجَالِ فإنا لم نُفَرِّقْ فيهم بين نظر المسلم منهم إلى المسلم أو نظر الذمىِّ إليه، وصحَّحَهُ الغزاليُّ، فعلى هذا لا ترى

стр. 1160

منها إلا ما يبدو في الْمِهْنَةِ على الأشبَهِ، وقيل: هي كَالرَّجُلِ الأجْنَبِى. وَاعلم: أنَّ ظاهر إيراد المصنف يقتضى التحريم على الذِّمِّيَّةِ وهو صحيح إذا قلنا الكفارُ مخاطبون بالفروع، وإذا كان حراماً على الذِّمِّيَّةِ حَرُمَ على المسلمة التمكينُ منه، ويحتمل أنه أرادَ التَّحرِيْمَ على الْمُسْلِمَةِ؛ وهو ظاهرُ كتاب عُمَرَ إلى أبى عُبيدة يأمُرُهُ أن يمنعَ المسلماتِ مِن أنْ يدخُلْنَ الْحَمَامَاتِ مَعَ الْمُشْرِكَاتِ (٣٧٠). فَزع: سَائِرُ الكافراتِ في هذا كَالذِّمِّيَّةِ. وَجَوَازُ نَظَرِ الْمَرأَةِ إِلَى بَدَنِ أَجْنَبِيٍّ سِوَى مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ إِن لَمْ تَخَفْ فِتْنَةَ، أي وليس كنظر الرجل إليها، لأن بدنها عورةٌ في نفسه، ولذلك يجبُ سترُهُ في الصلاة، ولأنهما لو استويا لأمِرَ الرجالُ بالاحتجاب كالنساء وهذا ما صحَّحَهُ الغزاليُّ، قال المتوليّ: ويكرهُ لها النظر إلى وجهه وبدنه، قُلْتُ: الأصَح التحرِيْمُ كهُوَ إِلَيْها، وَالله أَعلمُ، لقوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (٣٧١) ولقوله ﵊ [أَفَعَفيَاوَانِ أَنتمَا؟ أَلَسْتُمَا تُبْصرَانِهِ؟ ] حديث صحيح كما قاله الترمذيُّ وغيره (٣٧٢)، ولا عبرة. ممن طَعَنَ فيه وتسوية بينهما وهذا ما
следующие страницы →