بالوقوعِ هنا بخلافِ الأَيمانِ، لأنَّ التعويلَ فيها على تعظيمِ الاسمِ؛ والحنثُ هتكُ حرمته ولم يوجدْ، والطلاقُ تعليقُ عتقٍ بصفةٍ وقد وجدَتْ، أَوْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، أى كما إذا عَلَّقَهُ بفعلِ امرأةٍ أو أجنبىٍّ، مِمَّنْ يُبَالَى بِتَعْلِيْقِهِ وَعَلِمَ بِهِ، أىْ وقصَدَ الْمُعَلِّقُ بالتعليقِ مَنْعُهُ، فَكَذَلِكَ، أي ففيهِ القولانِ إذا فعلَهُ ناسياً أو مكرَهاً وكذا جاهِلاً، وَإلاَّ فَيَقَعُ قَطْعاً، أيْ وإنْ كان لا يُبالي بتعليقهِ كالسلطانِ والحجيجِ إذا عُلِّقَ بِقُدُومِهِمَا أو لم يعلَمْ بالتعليقِ كالبهيمةِ، ولم يقصِدِ الزوجُ إعلامهُ فيقعُ قطعاً، وإنْ وُجِدَ ذلكَ الفعلُ مع النسيانِ أو الإكراهِ؛ لأنهُ لا يتعلَّقُ بالتعليقِ والحالةُ هذهِ عَرْضُ حثٍ ولا منعٍ، وإنما الطلاقُ معلِّقٌ بصورةِ ذلك الفعلِ، قال الرافعيُّ: ومنهُم مَن أجرَى القولين فى صورةِ الإكراهِ؛ لأنه يضعِفُ الاختيارَ، ويجعلُ الفعلَ فعلَ الْمُكْرَهِ، وَاعْلَمْ أنَّ قولَهُ: (وَإِلاَّ) يشمَلُ ما إذا لم يُبَالِ ولم يَعْلَمْ أو عَلِمَ وما إذا بَالَى ولم يَعْلَمْ، ومقتضَى كلامه وقوعُ الطلاقِ منهُ قطعاً وفيه نظرٌ، وكثيراً ما يقعُ السؤالُ عنهُ، والوجهُ حملُ كلامهِ على ما إذا قصَدَ الزوجُ مجرَّدَ التعليقِ ولم يقصِدْ إعلامهُ، وقد أرشَدَ الرافعيُّ وهو في الروضة إلى ذلك بقولهِ: ولم يقصِدِ الزوجُ إعلامهُ.
فَرْعٌ: إذا حلَفَ ما فعلَ كذا ثم تبيَّنَ فعلُهُ ففيهِ القولانِ السابقانِ في النَّاسِي.
فَصْلٌ: قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَأَشَارَ بأُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلاَثٍ لَمْ يَقَعْ عَدَدٌ إِلاَّ بِنِيَّةِ، لأنها إشارةُ ناطقٍ فلا اعتبارَ بها وترجعُ إلى نِيَّتِهِ، فَإِنْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: هَكَذَا طُلِّقَتْ فِي أُصْبُعَيْنِ طَلْقَتَيْنِ وَفِي ثَلاَثٍ ثَلاَثاً، لأنَّ الإشارةَ بالأصابِعِ في بابِ العددِ بمنزلةِ النِّيَّةِ، قال الإمامُ: وهذا إذا أشارَ إشارةً مُفْهِمَةً للطلقتينِ أو للثلاثِ وإلاّ فَقَدْ يَعْتَادُ الإنسَانُ بإصبعيهِ الإشارةَ فِى الكلامِ فلا يظهرُ الحكمُ بوقوعِ العددِ إلاّ بقرينةٍ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِالإِشَارَةِ الْمَقْبُوْضَتْينِ صُدِّقَ بِيَمِيْنِهِ، لاحتمالهِ، وإنْ قالَ: أردتُ واحدةً فلا.
فَرْعٌ: لو قال: أنتِ هكذا وأشارَ بأصابعهِ الثلاثِ ففى فَتَاوى القفال: أنهُ إنْ نَوَى الطلاقَ طُلِّقَتْ ثلاثاً، وإلاّ فلا كما لو قال: أنتِ ثلاثاً ولم يَنْوِ بقلبهِ، وقال غيرُه: ينبغى أنْ لا يطلقَ وإنْ نَوَى، لأنَّ اللفظَ لا يُشْعِرُ بطلاقٍ، قال في الروضة:
стр. 1367
وهذا أصحُّ ويوافقُهُ ما قطعَ به صاحبُ المهذَّبِ فقال: لو قال: أنتِ وأشارَ بأصابعهِ الثلاثِ ونوَى الطلاقَ لا يقعُ لأنهُ ليس فيه لفظَ طلاقٍ، والنّيَّةُ لا يقعُ بها طلاقٌ من غير لفظهِ، قُلْتُ: وكذا قطعَ به الرويانيُّ.
فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ عَبْدٌ: إِذَا مَاتَ سَيِّدِي فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ، وَقَالَ سَيِّدُهُ: إِذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٍّ فَعَتَقَ بِهِ، أى بالموتِ بِأَنِ احْتَمَلَهُ الثُّلُثُ، فَالأَصَحُّ أَنَّهَا لاَ تَحْرُمُ بَلْ لَهُ الرَّجْعَةُ. وَتَجْدِيْدٌ قَبْلَ زَوْجٍ، لأنَّ العِتْقَ والطلاقَ وَقَعَا معاً فلم يكُنْ رقيقاً حالَ الطلاقِ حتَّى يفتقِرَ العَوْدُ إلى مُحَلّلٍ وبهِ قال ابنُ الحداد، والثاني: لا تحِلُّ إلاّ بِمُحَلِّلٍ، لأنَّ العِتْقَ لم يتقدَّمْ وقوعَ الطلاقِ فصارَ كما لو طلَّقَها طلقتين ثم عتق، ومن نَصَرَ الأوَّلَ قال: إذا وقعَ العتقُ والطلاقُ معاً جازَ أن يغلَّبَ حكمُ الْحُرِّيَّةِ كما لو أوصَى لمدبرهِ وأُمِ ولدِهِ يصحُّ، لأنَّ العتقَ واستحقاقُ الوصيَّةِ يتفاوتانِ، فصار كما لو تقدَّمَ العتقُ، أما إذا لم يحتمِلِ الثُّلُثُ جميعَ العبدِ فإنهُ يُرَقُّ ما زادَ على الثُّلُثِ. ومن بعضُه رَقِيْقٌ كالقِنّ في عددِ الطلاقِ، فتقعُ الطلقتانِ وليس لهُ رجعَتها ولا نِكاحُها إلاّ بِمُحَلِّلٍ، قال الرافعيُّ: ولا تختصُّ المسألةُ بموتِ السَّيِّدِ بل يجرِي الخلافُ في كُلِّ صُوَرِهِ تعلق عِتق العبدِ ووقوعُ طلقتين على زوجتهِ بصفةٍ واحدةٍ، كما لو قال العبدُ: إذا جاءَ الغدُ فأنتِ طالقٌ طلقتينِ، وقال السَّيِّدُ: إذا جاءَ الغدُ فأنتَ حُرٌّ، قال الشيخُ أبُو على: إذا جاءَ الغدُ عتقَ وطُلِّقَتْ طلقتينِ ولا تحرُمُ عليهِ قطعاً، لأنَّ العتقَ سَبَقَ وقوعَ الطلاقِ ولو علَّقَ السيِّدُ عتقهُ بموتِهِ وعلَّقَ العبدُ الطلقتين بآخِرِ جزءٍ من حياةِ السَّيِّدِ انقطعَتِ الرجعةُ واشتُرِطَ المُحَلِّلُ قطعاً، لأن الطلاقَ صادَفَ الرِّقَّ.
وَلَوْ نَادَى إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ فَأَجَابَتْهُ الأُخْرَى، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَهُوَ يَظُنُّهَا الْمُنَادَاةَ لَمْ تُطَلَّقْ الْمُنَادَاةُ، لأنهُ لم يخاطِبْها به، بل ظَنَّهُ؛ وظَنُّ الخطابِ بالطلاقِ لا يقتضي وقوعَهُ، وَتُطَلَّقُ الْمُجِيْبَةُ فِي الأصَحِّ، لأنهُ خاطَبَها به، والثانى: لا، لانتفاءِ قصدِها، وَلَوْ عَلَّقَ بأَكْلِ رُمَّانَةٍ وَعَلَّقَ بِنُصْفٍ فَأَكَلَتْ رُمَّانَةً فَطَلْقَتَانِ، لحصولِ الصفتينِ، هذا إذا عَلَّقَ بغير (كُلَّمَا) فإنْ عَلَقَ بـ (كُلَّمَا) طُلِّقَتْ ثلاثاً.
وَالْحَلِفُ بِالطَّلاَقِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَثٌّ أَو مَنْعٌ أَوْ تَحْقِيْقُ خَبَرٍ، كذا حَدَّهُ ابنُ
стр. 1368
سُريج وتابعَهُ الجمهورُ، فَإِذَا قَالَ: إِنْ حَلَفْتُ بِطَلاَقٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ لَمْ تَخْرُجِي أَوْ إِن خَرَجْتِ أَوْ إِنْ لَمْ يَكُنِ الأَمْرُ كَمَا قُلْتِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ. وَقَعَ الْمُعَلِّقُ بِالْحَلِفِ، أي لأنهُ حَلَفَ، وَيَقَعُ الآخَرُ إِن وُجدَتْ صِفَتُهُ، أي وهى في العِدَّةِ، وَلَوْ قَالَ، أي بعد قوله إذا حلفت: إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَوْ جَاءَ الْحُجاجُ فَأَنتِ طَالِقٌ. لَمْ يَقَعِ الْمُعَلِّقُ بِالْحِلْفِ، لأنهُ ليسْ فيه واحدٌ من الأمورِ المذكورةِ، وإنما هو تعليقٌ بصفةٍ فإذا وُجِدَتِ الصفةُ وقعَ الطلاقُ ولا تقعُ الطلقةُ المعلَّقَةُ بالحلفِ، لأنهُ أي الحلفُ لم يوجَدْ، وَلَوْ قِيْلَ لَهُ اسْتِخْبَاراً: أَطَلَّقْتَهَا، أى زَوْجَتَكَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فإِقْرَارٌ بهِ، لأنَّ قولَهُ نَعَمْ صريحٌ في الجوابِ، فإنْ كانَ كاذباً فهي زوجتهُ باطناً، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ مَاضِياً، أي طلاقاً ماضياً، وَرَاجَعْتُ صُدِّقَ بِيَمِيْنِهِ، لاحتمالِ ما يَدَّعِيْهِ.
فَرْعٌ: لو قال أبَنْتُها وجَدَّدْتُ النكاحَ فعلى ما سبقَ فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ أمس وفسَّرَ بذلك.
وَإِنْ قِيْلَ ذَلِكَ الْتِمَاساً لإِنْشَاءٍ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَصَرِيْحٌ، لما سلفَ، وَقِيْلَ: كِنَايَةٌ، لأنَّ نَعَمْ ليسَتْ معدودةً مِن صريحِ الطلاقِ، وحكاهُ في الروضة قولاً ولا إشكالَ أنهُ لو قالَ: نَعَمْ طَلَّقْتُ، طُلِّقَتْ قَطْعاً.
فَرْعٌ: لو قيل لهُ: طَلَّقْتَ زَوْجَتَكَ؟ فقال: طَلَّقْتُ، فقد قيل: هو كقوله نَعَمْ وليسَ بصريحٍ قطعاً، لأنَّ نَعَمْ مُتَعَيِّنٌ للجوابِ، وطَلِّقْتُ مستقلٌ بنفسهِ فكأنهُ قال ابتداءاً طَلَّقْتُ واقتصرَ عليه، ولا يقعُ الطلاقُ والحالةُ هذهِ.
فَصْلٌ: عَلَّقَ بأَكْلِ رَغِيْفٍ أَوْ رُمَّانَةٍ فَبَقِيَ لُبَابَةٌ أوْ حَبَّةٌ لَمْ يَقَعْ، لصدقِ القولِ بأنها لم تَأكُلِ الكُلَّ، وإن كان يقالُ في العُرْفِ أكَلَتْهَا، وقال الإمامُ: في الرغيفِ إنْ بَقِىَ ما يسمَّى قطعةَ خُبْزٍ لا يحنثُ، وإنْ دَقَّ مدركه لم يظهر له أثر في بِرٍّ ولا حَنَثٍ، قال: وهذا مقطوعٌ به في حكم العُرفِ، والوجهُ تنزيلُ إطلاقِ من أطلَقَ عليهِ، وَلَوْ أَكَلاَ، أى الزوجينِ، تَمْراً وَخَلَطَا نَوَاهُمَا فَقَالَ: إِنْ لَمْ تُمَيِّزِي نَوَاكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَجَعَلَت كُلَّ نَوَاةٍ وَحْدَهَا لَمْ يَقَعْ، أخذاً باللفظِ دونَ العُرفِ، إِلاَّ أَنْ يَقْصِدَ تَعْيِيناً،
стр. 1369
أي فإنه يقعُ لِتَعَذُّرِهِ، وَلَوْ كَانَ بِفَمِهَا تَمْرَةٌ فَعَلِّقَ بِبَلْعِهَا ثُمَّ بِرَمْيِهَا ثُمَّ بِإِمْسَاكِهَا، فَبَادَرَتْ مَعَ فَرَاغِهِ بِأَكْلِ بَعْضٍ وَرَمْيِ بَعْضٍ لَمْ يَقَعْ، فإنْ لم تأكُلْ بعضَها عَقِبَ التعليقِ بالإمساكِ فيلزَمُ الإمساكُ ويلزمُ الحنثُ، واحترزَ بقولهِ: (ثُمَّ بِإِمْسَاكِهَا) عمَّا لو قدَّم التعليقَ بالإمساكِ على أحدِ التعليقينِ لَلَزِمَ الحنثُ بوجودهِ.
فَرْعٌ: لو قال: إنْ أَكَلْتِهَا فأنتِ طالقٌ؟ وإنْ لم تَأْكُلِيْهَا فأنتِ طالقٌ؟ فلا خَلاَصَ تأكلُ الْبَعْضَ، فإن فعلته حنث في يمين عدم الأكلِ.
وَلَوِ اتَّهَمَهَا بِسَرِقَةٍ فَقَالَ: إنْ لَمْ تُصَدِّقِيْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ: سَرَقْتُ مَا سَرَقْتُ لَمْ تُطَلِّقْ، لأنها صادقةٌ في إِحدَى الإخبارَين، وَلَوْ قَالَ: إِنْ لَمْ تُخْبِرِيْنِي بِعَدَدِ حَبِّ هَذِهِ الرُّمَّانَةِ قَبْلَ كَسْرِهَا فَالْخَلاَصُ أَنْ تَذْكُرَ عَدَداً يُعْلَمُ أَنَّهَا لاَ تَنْقُصُ عَنْهُ ثُمَّ تَزِيْدُ وَاحِداً وَاحِداً حَتَّى تَبْلُغَ مَا يُعْلَمُ أَنَّهَا لاَ تَزِيْدُ عَلَيْهِ، فتكون ذاكرةً لذلكَ العددِ ومخبرةً عنهُ فتقولُ: مائةٌ، مائةٌ وواحدٍ، مائةٌ واثنانِ، هكذا ذكرَهُ المصنِّفُ تبعاً للرافعيِّ، ولكَ أنْ تقولَ: الخبرُ لا يختصُّ بالصدقِ على الصحيحِ بل يطَلقُ عليه وعلى الكذبِ، فالخلاصُ يحصُلُ بأيِّ عددٍ ذَكَرَتْهُ ولو كذباً، إذِ الغرضُ أنهُ لم يقصِدِ التمييزَ وقد حصلَ مسمَّى الخبرِ بعددهِ فيكفى وإنْ كان غيرَ مطابقٍ.
والصُّوْرَتَانِ، أي صورةُ السرقةِ والرُّمانَةِ، فِيْمَنْ لَمْ يَقْصِدْ تَعْرِيْفاً، أيْ فإنْ قصدَهُ فلا يحصلُ البِرُّ كما سبق في نظرهِ في مسألةِ التمرِ.
وَلَوْ قَالَ لِثَلاَثٍ: مَنْ لَمْ تُخْبِرْنِي بِعَدَدِ رَكَعَاتِ فَرَائِضِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فهي طالقٌ، فَقَالَتْ وَاحِدَةٌ: سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، أي في أغلَبِ الأحوالِ، وَأُخْرَى خَمْسَ عَشْرَةَ، أَيْ يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَثَالِثَةٌ: إِحْدَى عَشْرَةَ، أيْ لِمُسَافِرٍ لَمْ يَقَعْ، أي على واحدةٍ مِنْهُنَّ طلاقٌ، قالهُ القاضي حُسين والمتولِّي، وقال القاضي في فتاويهِ بعدَ أنْ نَقَلَ الأوَّلَ عن الأصحابِ: ينبغى أنْ يُطَلِّقَ الثانيةَ والثالثةَ على القولِ بأنَّ الجمعة ظُهْرٌ مقصورةٌ حكاهُ الرويانىُّ وجهاً.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلَى حِيْنٍ أوْ زَمَانٍ أوْ بَعْدَ حِيْنٍ طُلِّقَتْ بِمُضِيِّ لَحْظَةٍ،
стр. 1370
لأنَّ الحينَ والزمانَ يقعُ على المدَّةِ الطويلةِ والقصيرةِ، وَلَوْ عَلَّقَ بِرُؤْيَةِ زَيْدٍ أَوْ لَمْسِهِ وَقَذْفِهِ، تَنَاوَلَهُ حَيًّا وَمَيِّتاً، لصِدْقِ ما حلفَ عليهِ، وشرطُ الثاني عدمِ الحائل، ولا يقعُ بِمَسِّ الشعرِ والظُّفْرِ، بِخِلاَفِ ضَرْبِهِ، أي فإنَّهُ لا يتناولُ إلاّ حالَ حياتهِ، لأنَّ القصدَ بالضربِ ما يتألَّمُ به المضروبُ، ولو ضربَهُ ضرباً غير مُؤْلِمٍ لم يُطَلِّقْ في الأصحِّ في أصلِ الروضةِ هنا، وسيأتى ما يخالفهُ في كلامِ المصنفِ في كتابِ الأَيمان حيثُ ذكرَهُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
وَلَوْ خَاطَبَتْهُ بِمَكْرُوْهٍ كـ (يَا سَفِيْهُ) (يَا خسِّيْسُ) فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ كَذَلِكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إِنْ أَرَادَ مُكَافَأتَهَا بإِسْمَاعِ مَا تَكْرَهُ طُلِّقَتْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَفَهٌ، أي أو خِسَّةٌ، أَوِ التَّعْلِيْقَ اعْتُبِرَتِ الصِّفَةُ، كما هو سبيلُ التعليقات، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَقْصِدْ فِي الأصَحِّ، مراعاةً للفظِ، فإنَّ العُرْفَ لا يكادُ ينضبطُ في مثلِ هذا، والثاني: لا، اعتباراً بالعُرفِ، وَالسَّفَهُ مُنَافِيَ إِطْلاَقَ التَّصَرُّفِ، وَالْخَسِّيْسُ قِيْلَ: مِنْ بَاعَ دِيْنَهُ بِدُنْيَاهُ، أي بخلافِ أَخَسِّ الأَخِسَّاءِ فإنهُ: مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَنْ يَتَعَاطَى غَيْرَ لاَئِقٍ بِهِ بُخْلاً.
فَرْعٌ: في التَّتِمَّةِ: أنَّ القَوَّادَ مَن يَحْمِلُ الرِّجَالَ إلى أهلِهِ، ويخلَّي بينهُم وبينَ الأهلِ، قال الرافعيُّ: ويشبهُ ألاّ يختَصَّ بالأهلِ بل هُو الذى يجمَعُ بين النساءِ والرجالِ بالحرامِ.
وإنَّ القُرْطُبَانَ الذي يَعْرِفُ مَن يَزْنِي بزوجتِهِ ويسكتُ عليهِ.
وإنَّ قليلَ الْحَمِيَّةِ مَن لا يغارُ عنى أهلهِ ومحارمِهِ.
وأنَّ الدَّيُّوْثَ مَن لا يمنعُ الناسَ الدخولَ على زوجتهِ، وفي الرُّقمِ للعبادي: أنهُ الذى يشترِي جارِيَةً تُغَنِّي لِلنَّاسِ.
وأن الْبَخِيْلَ الذِي لا يؤدِّي الزكاةَ ولا يُقْرِي الضَّيْفَ فيما قيل؛ قال البوشنجيُّ: والسِفْلةُ الذي يتعاطَى الأفعالَ الدَّنِيَّةَ ويعتادُها، ولا يقعُ ذلك على مَن يقعُ منهُ نادراً؛ كاسْمِ الكَرِيْمِ وَالسَّيِّدِ في نقيضِهِ (•).
стр. 1371
كتَابُ الرَّجْعَةِ
الرَّجْعَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَقَالَ الأَزْهَرِيُّ: الْكَسْرُ أَكْثَرُ، وَهِىَ فِي اللُّغَةِ الْمَرَّةُ مِنَ الرُّجُوعِ، وَفِى الشَّرْعِ الرَّدُّ إِلَى النِّكَاحِ بَعْدَ طَلاَقٍ غَيْرِ بَائِنٍ. وَالأَصْلُ فِيْهَا قَبْلَ الإِجْمَاعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أَيْ فِي الْعِدَّةِ ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (٤٣) أَيْ رَجْعَةً قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَطَلَّقَ ﷺ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤٤).
شَرْطُ الْمُرْتَجِع أَهْلِيَّةُ النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ، أي لأنها إنشاء نكاح فلا تصح رجعة صبي ولا مجنون لأنهما أهل للنكاح بوليهما لا بأنفسهما، ويدخل فيه السكران فإنه تصح رجعته على المذهب، والعبد فإنه تصح رجعته بغير إذن سيده على الصحيح، والسفيه، فإنَّهما من أهل النكاح بأنفسهما وإن كان يشترط إذن المولى والولي، وليس للمرتد الرجعة كابتداء النكاح.
стр. 1372
وَلَوْ طَلَّقَ فَجُنَّ فَلِلْوَلِيِّ الرَّجْعَةُ عَلَى الصَّحِيْحِ حَيْثُ لَهُ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ، أي بناءً على جواز التوكيل في الرجعة وهو الصحيح، وَتَحْصُلُ بِرَاجَعْتُكِ وَرَجَعْتُكِ وَارْتَجَعْتُكِ، لقوله ﷺ في قضية ابن عمر لعمر: [مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا] (٤٥) وهذه الألفاظ صريحة لشيوعها، وورود الأخبار بها وسواء أضاف إليه أو إلى النكاح أم لا، لكنه مستحب ولا بد من إضافة هذه الألفاظ إلى مُظْهَرٍ كراجعت فلانة، أو مُضْمَرٍ كما مثله المصنف، أو مُشَارٍ إليه كراجعت هذه، وأما مجرد راجعت وارتجعت فلا يقع، وَالأَصَحُّ أَنَّ الرَّدَّ وَالإِمْسَاكَ صَرِيْحَانِ، لتكرر الثاني في القرآن، وورود الأول فيه، وفي السُّنَّة أيضاً، والثاني أنهما كنايتان لعدم اشتهارهما اشتهار الرجعة، ونص عليه في الأم في الرد، ونقله في البحر في الإمساك عن نص الشافعي في عامة كتبه، وفي الثانية وجه ثالث: أنه لغو، لأن معنى الإمساك الاستدامة، قال تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ (٤٦) والرجعة ابتداء استحلال.
تَنْبِيْهٌ: يشترط أن يقول رددتها إليّ على الأصح في الرافعي، وبه جزم المصنف كما ذكره بعد وفي الكفاية أن الأشهر خلافه كلفظ الرجعة، والخلاف فيه جار في الإمساك، لكن أجاب البغوي فيه بالاستحباب.
وَأَنَّ التَّزْوِيْجَ وَالنِّكَاحَ كنَايَتَانِ، لعدم استعمالهما (•) في الرجعة، والثاني: أنهما صريحان لأنه أقوى وأبلغ في إرادة الاستدامة، والثالث: أنهما لغو لعدم الإشعار بالتدارك، وادّعى الروياني: أنه ظاهر المذهب، ويجرى الخلاف فيما إذا جرى العقد على صورة الإيجاب والقبول، قال الروياني: لكن الأصح هنا الصحة لأنه آكد في الإباحة، ووجه مقابله أن الشرع لم يرد به.
فَرْعٌ: لو قال اخترت رجعتك ونوى الرجعة، فوجهان؛ أصحهما من زوائد الروضة: الحصول.
وَلْيَقُلْ: رَدَدْتُهَا إِلَيَّ أَوْ إِلَى نِكَاحِي أي حتى يكون صريحاً كما سلف، وإلاّ يكون
стр. 1373
كناية، وخالف لفظ الرجعة فإنها مشهورة في معناها، والرد المطلق قد يفهم منه الرد إلى الأبوين، ولم يذكر الإضافة في الإمساك، ومقتضاها عدم الاشتراط كما سلف عن البغوى، وَالْجَدِيْدُ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الإِشْهَادُ، لأن الرجعة في حكم استدامة النكاح السابق، ولذلك لا يحتاج إلى الولي ورضى المرأة، وقال الشافعي في الإملاء: لا يشترط لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤٧) وحكى عن القديم أيضاً، وهو ظاهر إيراد المصنف، ولمن نصر الأول؛ أن يحمل الآية على الاستحباب كما في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٤٨)، فَتَصِحُّ بِكِنَايَةٍ. أي تفريعاً على أن الإشهاد فيها ليس بشرط، فإن قلنا بمقابله، فلا؛ لأن الشهود لا يطلعون على النية، وفيه احتمال للغزالي، لأن القرينة قد يفهما الشهود.
فَرْعٌ: يصح أيضاً بالكتابة مع القدرة على النطق على الأصح.
وَلاَ تَقْبَلُ تَعْلِيْقاً، كالنكاح وسائر العقود، وَلاَ تَحْمُلُ بِفِعْلٍ كَوَطءٍ، لأنه قادر على القول فلا تحصل منه الرجعة بالفعل كما إذا أشار بالرجعة.
فَصْلٌ: وَتَخْتَصُّ الرَّجْعَةُ بِمَوْطُوْءَةٍ، أي فإن طلقت قبله فلا رجعة لأجل عدم العدة، نعم؛ إذا قلنا: بأن الخلوة مقررة للمهر، فتجب العدة على الأصح، وتثبت له الرجعة على الأصح، وكذا إذا أوجبنا العدة في الموطوءة في الدبر وهو جارٍ في استدخال الماء، طُلِّقَتْ، أي فإن فسخ النكاح أو انفسخ فلا رجعة، لأن الله تعالى أناطها بالطلاق فاختصت به، لأنه هو الذى يختص به الزوج، والفسخ لا يختص به، بِلاَ عِوَضٍ، أي فإنْ طلقت به فقد بانت وملكت نفسها، وليس له عليها الرجعة لما أسلفناه في بابه. لَمْ يُسْتَوْفَ عَدَدُ طَلاَقِهَا، أي فإن استوفى، فإنها لا تحل له إلاّ بعد نكاح زوج آخر، كما تقرر في موضعه، بَاقِيَةٍ فِي الْعِدَّةِ، فإن انقضت قبل الرجعة فقد بانت وتعذرت الرجعة، ويدخل في كلامه ما إذا كانت تعتد منه بالإقراء، ثم طرأت عِدَةُ حمل منه كما سنذكره في العدد، ويستثنى من رجعتها في العدة ما إذا
стр. 1374
طلق زوجته طلقة رجعية ثم دام يعاشرها معاشرة الأزواج حتَّى مضى قدر العدة بالإقراء أو الأشهر فإن عدتها لا تنقضي ولا يملك رجعتها بعد انقضاء الإقراء والأشهر، كما ذكره المصنف في باب العدد أيضًا، مَحَلٍّ لِحِلٍّ لَا مُرْتَدَّةِ، كالنِّكَاح.
تَنْبِيْهٌ: كلام المصنف يشمل الطلاق المبهم، والأصح أنَّه لا رجعة حال الإبهام، لأنها لا تقبل التعليق فلا يقبل الإبهام.
فَرْعٌ: لو قال لغير المدخول بها: إن وطأتك فأنت طالق فوطئ، طلقت طلقة رجعية، فهذا طلاقٌ وُجِدَ مع الدخول وفيه الرجعة.
وَإذَا ادَّعَتْ انْقِضَاءَ عِدَّةِ أَشْهُرٍ وَأَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِيْنِهِ، لأنه اختلاف في وقت طلاقه، أَوْ وَضْعَ حَمْلٍ لِمُدَّةِ إِمْكَانِ وَهِيَ مِمَّنْ تَحِيْضُ لَا آيِسَةٌ فَالأَصَحُ تَصْدِيْقُهَا بِيَمِيْنٍ، لأن النساء مؤتمنات على أرحامهن، والمعنى فيه أن إقامة البينة على الولادة تتعذر أو تتعسر فيقنع منها باليمين، والثاني: لا؛ وتطالب بالبينة، لأنها مدعية، والغالب أنَّ القوابل يشهدن بالولادة، واحترز بقوله (وَهِيَ مِمَّنْ تَحِيْضُ) عن الصغيرة والآيسة فإنهما لا يحبلان فلا تصدقان في الوضع، ثم صرح بالآيسة بعده وبقوله (لِمُدَّةِ إِمْكَانٍ) عما إذا ادعته لدونها.
وَإنِ ادَّعَتْ وِلَادَةَ تَامٍّ فَإِمْكَانُهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَلَحْظَتَان مِنَ وَقْتِ النِّكَاحِ.
لأنه قول عليٍّ، وتبعه عثمان وغيره فصار إجماعًا (٤٩)، واللحظة الأُولى لإمكان الوطء، والثانية للولادة.
стр. 1375
أَوْ سِقْطٍ مُصَوَّرٍ فَمِائَةٌ وَعِشْرُون يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، أي من وقت النِّكَاح لحظة للوطء ولحظة للإسقاط، ومائة وعشرون يومًا لمقامه في البطن، كما هو ثابت في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ (٥٠)، وذكر الرافعي في الكلام على عدة الأمَة إذا كانت صغيرة أو آيسة أن الولد (•) يتخلق في ثمانين يومًا ثم يتبين الحمل بعد ذلك، فهذا مخالف لما ذكره هنا، وفي صحيح مسلم (٥١) ما يعارض حديث ابن مسعود، وأن التصوير بعد مضي اثنين وأربعين يومًا، وفي الجميع نظر.
أَوْ مُضْغَةِ بِلَا صُوْرَةٍ؛ فَثَمَانُوْنَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، أي من يوم العقد للحديث
стр. 1376
المذكور، أَوِ انْقِضَاءَ أَقرَاءٍ، فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً: وَطُلِّقَتْ فِي طُهْرٍ فَأَقَلُّ الإِمْكَانِ اثْنَانِ وَثَلاَثُوْنَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، أي وذلك بأن يطلق وقد بقي من الطهر لحظة ثم تحيض يومًا وليلة ثم تطهر خمسة عشر يومًا، ثم تحيض يومًا وليلة وتطهر خمسة عشر يومًا، ثم تطعن فِي الحيض وهذه اللحظة لاستبانة القرء الثالث لا من نفس العدة، فلو عبر بقوله ولحظة لَصَحَّ أيضًا.
فَائِدَةٌ: فِي قدر مدة الحمل فِي الجنَّة روى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رفعه [الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ وَضْعُهُ وَحَمْلُهُ وَسِنُّهُ فَي سَاعَةٍ كَمَا يَشْتَهِي] ثم قال: حديث حسن غريب (٥٢)، قال: وقد اختلف أهل العلم فِي هذا، فقال بعضهم: فِي الجنة جماع من غير حمل ولا ولد، يروى ذلك عن طاووس ومجاهد والنخعي، وقال البخاري: قال إسحاق بن إبراهيم فِي حديث النبي ﷺ : [إِذَا اشْتَهَى الْمُؤمِنُ الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ كَمَا يَشتَهِي فِي سَاعَةٍ وَلَكِنْ لَا يَشْتَهِي] قال البخاري: وقد روى عن أبي رزين العقيلي عن النبي ﷺ : [إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَكُونُ لَهُمْ فِيْهَا وَلَدٌ] (٥٣).
أَوْ فِي حَيْضٍ فَسَبْعَةٌ وَأرْبَعُوْنَ، يومًا، وَلَحْظَةٌ، أي وذلك بأن يطلق فِي آخر جزء من الحيض، ويظهر تصويره فيما إذا علق طلاقها بآخر جزء من حيضها، ثم تطهر خمسة عشر يومًا ثم تحيض يومًا وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، ثم تحيض يومًا وليلة وتطهر خمسة عشر يومًا، وتطعن فِي الحيض، وهذه اللحظة للتبيين وليست من العدة، ولا يحتاج هنا إلى تصوير لحظة فِي الأُولى، لأن اللحظة هناك تحسب قُرءًا، هذا فِي غير المُبتدأة، أما المُبتدأة إذا طلقت قبل أن تحيض ثم حاضت فأقل الإمكان
стр. 1377
ثمانية وأربعون يومًا ولحظة بأن تطلق فِي آخر جزء من طهرها بناء على أن القرء هو المحتوش بدمين، فإن قلنا هو الانتقال فحكمها كغيرها، أَوْ أَمَةً وَطُلِّقَتْ فِي طُهْرٍ فَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، لاحتمال أن يكون الباقي من الطهر الذي طلقت فيه لحظة، ويحسب قِراءٌ وتحيض بعدها يومًا وليلة وتطهر خمسة عشر يومًا، ثم تطعن فِي الدم لحظة أخرى، أَوْ فِي حَيْضٍ فَأَحَدٌ وَثَلاَثُوْنَ وَلَحْظَةٌ، أي بأن يفرض وقوع طلاقها فِي آخر جزء من الحيض، ثم تطهر خمسة عشر يومًا وتحيض يومًا وليلة، ثُمَّ تَطْهُرُ خمسة عشر يومًا وتطعن فِي الدم لحظة، كذا ذكره الرافعى، وقال الماوردي: أقل الإمكان فِي حقها اثنان وثلاثون يومًا ولحظتان، فإن كانت الأمة مبتداة فطلقت قبل أن تحيض ثم ابتدأ حيضها، فأقل مدة الإمكان فِي حقها اثنان وثلاثون يومًا ولحظة، ووجهه ظاهر مما مرَّ، وَتُصَدَّقُ إِنْ لَمْ تُخَالِفْ عَادَةً دَائِرَةً، أي بيمينها، وَكَذَا إِنْ خَالَفَتْ فِي الأصَحِّ، لأن العادة قد تتغير، والثانى: لا تصدق للتهمة، قال الشيخ أبو حامد: وهو المذهب، وقال الروياني: إنه الاختيار فِي هذا الزمان، قال: وإذا قالت لنا امرأة انقضت عدتى؛ وجب أن نسألها عن حالها كيف الطهر والحيض ونحلفها عند التهمة لكثرة الفساد، وجزم به الماوردى قبله، ونص الشافعي فِي الأم على عدم الانقضاء حيث قال فِي باب ما يكون رجعة: وإن قالت قد حضت فِي أربعين ليلة ثلاث حيض وما أشبه، وفي هذ انظر؛ إن كانت هي أو غيرها من النساء وتذكر ذلك صُدِّقت، وإن لم تكن هي ولا أحد من النساء يذكرن مثل هذا لم تصدق.
وَلَوْ وَطِئَ، أي الزوج، رَجْعِيَّتَهُ وَاسْتَأنَفَتِ الأقْرَاءَ مِنْ وَقْتِ الْوَطْءِ، رَاجَعَ فيْمَا كَانَ بَقِيَ، أي من إقراء الطلاق، أي فإن وقع الوطء بعد قُرأين تثبت الرجعة فِي قرء واحد، وإن كان بعد قرء؛ فله الرجعة فِي قرأين.
فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ الاِسْتِمْتَاعُ بِهَا، أي وطأً وغيره من نظر ولمس، أما الوطء فلقيام العدة وهو ينافي مقتضاها، وأما الباقي؛ فلأنه طلاق حَرَّمَ الوطءَ فحرم مقدماته، فَإِنْ وَطِئَ فَلَا حَدَّ، أي وإن كان عالمًا بالتحريم لاختلاف العلماء فِي إباحته، وَلَا يُعَزَّرُ إِلَّا مُعْتَقِدُ تَحْرِيْمِهِ، فإن كان جاهلًا حله أو معتقده فلا يعزَّر، وَيَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ إِنْ
стр. 1378
لَمْ يُرَاجِعْ، لأنها في تحريم الوطء كالبائن فكذا فِي المهر، وَكَذَا إِنْ رَاجَعَ عَلَى الْمَذْهَبِ، هذا نصه هنا، ونص فيما إذا ارتدت فوطئها الزوج فِي العدة ثم أسلمت فلا مهر، وكذا لو أسلم أحد المجوسيين أو الوثنيين ووطئها ثم أسلم المتخلف فِي العدة، وللأصحاب طريقان؛ أحدهما: حكاية قولين في الجميع نقلًا وتخريجًا، وقال ابن القطان: وجدتهما منصوصين، أحدهما: وجوب المهر لوقوع الوطء فِي حال ظهور الخلل، والثاني: المنع، لارتفاع الخلل آخرًا وعودهما إلى صلب النِّكَاح، والطريق الثاني تقرير النصين، والفرق أن الطلاق لا يرتفع بالرجعة بل يبقى نقصان العدد فيكون ما بعد الرجعة وما قبل الطلاق بمنزلة نكاحين مختلفين، والخلل الحاصل بتبديل الدين ارتفع بالاجتماع فِي الإسلام، فيكون الوطء مصادفًا للعقد الأول، ولم يرجح الرافعي يا شرحيه واحدًا من هذين الطريقين؛ بل قال: الأظهر هنا وجوب المهر، وهناك نفيه، وإن ثبت الخلاف؛ وعبارة أصل الروضة المذهب تقرير النصين.
وَيَصِحُّ إِيْلَاءٌ وَظِهَارٌ وَطَلَاقٌ وَلِعَانٌ، لبقاء الزوجية، ولا يثبت حكم الظهار وضرب مدة الإيلاء إلَّا بعد الرجعة.
وَيتَوَارَثَانِ، لبقاء الزوجية أيضًا، وهذا قد سلف فِي أثناء الطلاق.
فَرْعٌ: يصح خلعها أيضًا وتجب نفقتها كما سيأتى فِي بابه.
فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى، وَالْعِدَّةُ مُنْقَضِيَةٌ، رجْعَةً فِيْهَا فَأنْكَرَتْ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ الاِنْقِضَاءِ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: رَاجَعْتُ يَوْمَ الْخَمِيْسِ فَقَالَتْ بَلِ السَّبْتَ صُدِّقَتْ بِيَمِيْنِهَا، لأن وقت انقضاء العدة متفق عليه، والاختلاف قبله، والأصل أنَّه ما راجع، أَوْ عَلَى وَقْتِ الرَّجْعَةِ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَالَتْ انْقَضَتِ الْخَمِيسَ، وَقَالَ: السَّبْتَ صُدِّقَ بِيَمِيْنِهِ، لأن وقت الرجعة متفق عليه، والأصل أن العدة لم تنقض قبله، وإن تَنَازَعَا فِي السَّبْقِ بِلَا اتِّفَاقٍ، فَالأصَحُّ تَرْجِيْحُ سَبْقِ الدَّعْوَى، وَإنِ ادَّعَتِ الاِنْقِضَاءَ ثُمَّ ادَّعَى رَجْعَةً قَبْلَهُ صُدِّقَتْ بِيَمِيْنِهَا، لأنها إذا قالت انقضت عدَّتي! فلا بد من تصديقها، ولا التفات إلى قوله بعد التصديق، أَوِ ادَّعَاهَا قَبْلَ انْقِضَاءٍ، فَقَالَتْ
стр. 1379
بَعْدَهُ صُدِّقَ، لأنه يملك الرجعة، وقد صحت فِي الظاهر، ولا يقبل قولها فِي إبطالها، قُلْتُ: فَإِنِ ادَّعَيَا مَعًا، بأن قال قد راجعتك، وقالت فِي زمن قوله انقضت عدتى، صُدِّقَتْ، وَاللهُ أَعْلَمُ، أي بيمينها، لأن الرجعة قولية بخلاف انقضاء العدة، فيجعل قوله راجعتك كالإنشاء، وقولها انقضت عدَّتي إخبار عن ماضٍ، فكأن إنشاءه صادف انقضاء العدة، وهذا هو الأصح فِي هذه المسألة والتى قبلها، وحاصل الخلاف فيها خمسة أوجه. كما ذكرتها فِي الأصل فراجعها منه.
تَنبِيْهٌ: هل المراد سبق الدعوى عند الحاكم أم لا؟ اختلف فيه فقهاء اليمن، فقال ابن عُجيل: نعم، وقال الحضرمي: يظهر من كلامهم أنهم لا يريدونه. وَمَتَى ادَّعَاهَا وَالْعِدَّةَ بَاقِيَةٌ صُدِّقَ، لقدرته على الإنشاء، وَمَتَى أَنْكَرَتْهَا وَصُدِّقَتْ ثُمَّ اعْتَرَفَتْ قُبِلَ اعْتِرَافُهَا، كذا نص عليه الشافعي، قال الرافعى فِي الشرح الصغير: ورآه الأصحاب مستحيلًا؛ لأن قضية قولها الأول تحريمها عليه، وإذا أقرت بالتحريم وجب أن لا يقبل منها خلافه، كما لو أقرت أنها بنت زيد ثم رجعت وكذبت نفسها لا يقبل رجوعها، لكن الرجل إذا ادعى حقًّا فأنكرته ثم اعترفت به فلا يجوز إبطاله، كما فِي أصل الزوجية بخلاف النسب.
وَإِذَا طَلَّقَ دُوْن ثَلَاثٍ وَقَالَ: وَطِئْتُ فَلِي رَجْعَةٌ وَأَنْكَرَتْ صُدِّقَتْ بِيَمِيْنٍ، لأن الأصل عدم الدخول، وَهُوَ مُقِرٌّ لَهَا بِالْمَهْرِ فَإنْ قَبَضَتْهُ فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَإِلَّا فَلَا تُطَالِبُهُ إِلَّا بِنِصْفٍ، أي فإذا أخذته ثم عادت واعترفت بالدخول؛ فهل لها أخذ النصف الآخر أم لا بد من إقرار مستأنف من جهة الزوج؟ فيه وجهان، وفي شرح المفتاح لأبي منصور البغدادي: أنها لو كانت قبضت المهر وهو عين، وامتنع الزوج من قبول النصف، فيقال له: إما أن تقبل النصف وإما أن تبرئها منه، ولو كانت العين المصدقة فِي يده، وامتنعت من أخذ الجميع أخذه الحاكم، وإن كان دَيْنًا فِي ذمته، قال لها: إما أن تبرئيه، وإما أن تقبليه، والله أعلم.
стр. 1380
كِتَابُ الإِيْلاءِ
الإِيْلَاءُ: هُوَ مَصْدَرُ آلَى يُوْلِي إيْلاءً إِذَا حَلَفَ، وَفِى الشَّرْعِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَكَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَغَيَّرَ الشَّرْعُ حُكْمَهُ. وَالأصْلُ فِيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ. . .﴾ الآية (٥٤) وَآلَى ﷺ مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا (٥٥).
هُوَ: حَلِفُ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ لَيَمْتَنِعَنَّ مِنْ وَطْئِهَا مُطْلَقًا أَوْ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أشْهُرٍ. احترز بالزوج عما لو قال لأجنبية: وَاللهِ لا أطَؤُكِ، فإذا تزوجها لا يكون موليًا كما سيأتى، لأنه لا يتحقق فيه قصد الإيذاء وهي أجنبية. نعم، تلزمه الكفارة إن وطئ كما سيأتى، وقال ابن الرفعة: لو حذف لفظ الزوج لكان أَولى، لأنه يدخل [. . . . .] (•)، ولفظ الزوج يخرجها إذا قلنا أن الطلاق الرجعي يقطع الزوجية. واحترز بقوله (يَصِحُّ طَلَاقُهُ) عن الصبي والمجنون، ويدخل فيه السكران، فإنه يصح إيلاؤه على المذهب، والعبد والكافر والمريض، وأراد بقوله (مُطْلَقًا) أن يقول والله لا أطؤك،
стр. 1381
وقوله (أوْ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أشْهُرٍ) يخرج ما دونها، لأن المرأة تصبر عن الزوج أربعة أشهر وبعد ذلك يفنى صبرها أو يشق عليها الصبر (٥٦).
فَرْعٌ: لو قال أنت عليَّ كظَهر أمِّي خمسة أشهر، فهو مولٍ على الأصح، وقال الجويني: لا، لأنه ليس حالفًا.
وَالْجَدِيْدُ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْحِلْفِ بِاللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، بَلْ لَوْ عَلِّقَ بِهِ طَلَاقًا أوْ عِتْقًا، أَوْ قَالَ: إِن وَطِئْتُكِ فَلِلهِ عَلَيَّ صَلَاةٌ أَوْ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوْ عِتْقٌ كَانَ مُوَلِّيًا، لأن جميع ذلك يسمى يمينًا فيتناوله إطلاق الآية (٥٧)، وقياسًا على الحلف بالله تعالى، والقديم الاختصاص؛ لأن المعهود فِي الجاهلية اليمين بالآلهة، والشرع إنما غيَّر حكمه لا صورته (٥٨).
وَلَوْ حَلَفَ أَجْنَبِيٌّ عَلَيْهِ فَيَمِيْنٌ مَحْضَةٌ، أي حتَّى لو وطئها قبل المدة أو بعدها كان عليه كفارة، فَإِنْ نكَحَهَا فَلَا إِيْلَاءَ، لأن الإيلاء يختص بالنِّكَاح فلا ينعقد
стр. 1382
بخطاب الأجنبية كالطلاق.
وَلَوْ آلَى مِنْ رَتْقَاءَ أَو قَرْنَاءَ، أوْ آلَى مَجْبُوبٌ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأنه لا يتحقق الإيذاء لامتناع الأمر في نفسه، ووجه الصحة عموم الآية، والطريق الثاني: القطع بالأول، والثالث: القطع بالثاني.
فَرْعٌ: لو آلى ثم جُب ذَكَرَهُ ففيه الطرق، لكن المذهب أنَّه لا بيطل إيلاؤه، لأن العجز عارض وكان قد قصد الإيذاء.
وَلَوْ قَالَ: وَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ، فَإِذَا مَضَتْ فَوَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ أَربعَةَ أَشْهُرٍ، وَهَكَذَا مِرَارًا فَلَيْسَ بِمُوْلٍ فِي الأَصَحِّ، لأن بعد الأربعة لا يمكن المطالبة بموجب اليمين الأُولى لانحلالها، ولا بموجب الثانية لأن مدة المهلة لم تمضِ وبعد الثمانية لا يمين، نعم: يأثم على الراجح فِي الروضة، والثاني: أنَّه مُوْلٍ لتحقق الضرر، كما لو كانت الثمانية بيمين واحدة.
وَلَوْ قَالَ: وَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ خَمْسَةَ أشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتْ فَوَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ سَنَةً. فَإِيْلَاءَانِ لِكُلٍّ حُكْمُهُ، أي فلها المطالبة بعد مضي أربعة أشهر بمقتضى اليمين الأولى، فإذا أخرت المطالبة حتَّى مضى الشهر الخامس فلا مطالبة بموجب تلك اليمين لانحلالها، فإن طالبته فِي الخامس، ففاء إليها، خرج عن موجب الإيلاء الأول، فإذا انقضى الشهر الخامس، استفتحت مدة الإيلاء الثاني؛ فإذا انقضت مدة أربعة أشهر طولب بالفيأة أو الطلاق (٥٩).
стр. 1383
وَلَوْ قَيَّدَ بِمُسْتَبْعَدِ الْحُصُوْلِ فَي الأَرْبَعَةِ كَنُزُوْلِ عِيْسَى ﷺ فَمُوْلٍ، لأن الغالب عدم حصوله فِي أربعة أشهر فَتَتَضَرِّرُ بقطع الرجاء، وَإِنْ ظَنَّ حُصُوْلَهُ قَبْلَهَا، أي كمجيء الأمطار فِي وقت غلبته؛ فَلَا، أي لا يكون موليًا وإنما هو عقد يمين، وضم فِي الْمُحَرَّرِ إلى ذلك ما إذا علم حصوله لتمام الشهر مثلًا، وحذفه المصنف لأنه يُعْلَمُ من باب أَولى، وَكَذَا لَوْ شَكَّ، أي كحتى أّمْرَض، فِي الأصَحِّ، لاحتمال وجوده فِي الأربعة أشهر وبعدها على السواء فلم يتحقق قصد الضرر، والثاني: لا يكون موليًا فِي الحال، فإذا مضت أربعة أشهر؛ ولم يوجد المعلق به، كان موليًا ولها المطالبة لحصول الضرر.
وَلَفْظُهُ صَرِيْحٌ وَكِنَايَةٌ، كما فِي غيره من الأبواب، فَمِنْ صَرِيْحِهِ تَغْيِيْبُ ذَكَرٍ بِفَرْجٍ وَوَطْءٌ وَجِمَاعٌ وَافْتِضَاضُ بِكْرٍ، أي بِذَكَر؛ لأنها لا تحتمل غير الجماع، فلو قال: أردت بالجماع الاجتماع، وبالوطء الوطء بالقدم دُينَ لاحتماله، فلو لم يقل فِي مسألة الافتضاض بذَكري، فالأصح أنَّه إن نوى الافتضاض بغير الذكر قُبِلَ، قاله فِي الكفاية، والذي فِي الرافعى والروضة أنَّه صريح كالجماع لاشتهاره، فإن قال: لم أُرِدِ الجماع لم يُقْبَل ظاهرًا، وهل يديَّنُ؟ وجهان؛ أصحهما: نعم، والمراد بالذَّكر فِي كلام المصنف الحشفة فتنبَّهْ له، وَالْجَدِيْدُ أَنَّ مُلَامَسَةً وَمُبَاضَعَةً وَمُبَاشَرَةً وَإتْيَانًا وَغَشَيَانًا وَقُرْبَانًا وَنَحْوَهَا، أي كالإفضاء والمس والمباعلة، كِنَايَاتٌ، لأن ذلك لم يشع شيوع لفظ الوطئ. والقديم أنها صرائح لغلبة استعمالها فِي الجماع.
فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُكِ فَعَبْدِي حُرٌّ فَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ، أي بالبيع والهبة وكذا بالموت، زَالَ الإِيْلَاءُ، لأنه لا يلزمه بالرطء شيء، فلو ملكه بعد ذلك ففي
стр. 1384
عَوْد الإيلاء قولًا عَوْدُ الحنث، وهذا كله إذا جعلناه مولياً بهذا وهو الجديد، كما تقدم؛ وقد أشار إلى هذا الرافعي في المُحَرر فقال: إنحل الإيلاء تفريعاً على الجديد.
وَلَوْ قَالَ: فَعَبْدِي حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي وَكَان ظَاهَرَ فَمُوْلٍ، لأنه وإن لزمته كفارة الظهار فعتق ذلك العبد بعينه، وتعجيل الإعتاق زيادة التزمها بالوطء، ثم إذا وطئ في مدة الإيلاء أو بعدها، فإن العبد يعتق عن ظهاره على الأصح، وَإِلَّا، أى وإن لم يكن قد ظاهر، فَلاَ ظِهَارَ وَلاَ إيلاَءَ بَاطِناً، ويحْكَمُ بِهِمَا ظَاهِراً، لأنه مُقِرّ على نفسه بالظهار، فَيُحكَمُ بكونه مُوْليًا ومُظَاهِراً، وإذا وطئ عاد الوجهان في وقوع العتق عن الظهار، وَلَو قَالَ: عَن ظِهَارِي إِن ظَاهَرْت؛ فَلَيسَ بِمُوْلِ حَتى يُظَاهِرَ، لأن العتق يحصل حينئذ لو وطئ، أَوْ إِن وَطِئتكِ فَضرتُكِ طَالِق فَمُوْلِ، أى عن المخاطبة تفريعاً على الجديد، فَاِن وَطِئَ، أي قبل مضي المدة أو بعدها، طُلِّقَتِ الضُّرَّةُ، لوجود المعلق عليه، وَزَالَ الإيلاَءُ، وَالأظْهَرُ أنهُ لَو قَالَ لأربع: وَاللهِ لاَ أجَامِعُكُن فَلَيس بِمُولٍ فِي الحالِ، لأن الكفارة لا تجب إلَّا بوطئ الجميع، كما لو حلف لا يكلم زيداً وعمراً وخالداً فهو متمكن من وفي ثلاث بلا ضرر، والثاني: نعم، كقوله لا جامعت واحدة منكن، فَإن جَامَعَ ثلاَثاً فَمُوْلٍ مِنَ الرَّابِعَةِ، لأنه يحنث بوطئها، وسواء وطئ الثلاث في النكاح أو بعد البينونة؛ فينعقد الإيلاء، لأن اليمين تشمل الحلال والحرام، ولو وطئها في الدبر، فكذلك في الأصح، قال في الروضة: وهو متفق عليه، فَلَو مَاتَ بَعْضُهُن قَبلَ وَطْءِ زَالَ الإيلاَءُ، لأنه تحقق امتناع الحنث، ولا نظر إلى تصوير الإيلاج بعد الموت، فإن اسم الوطء يقع مُطْلَقُه على ما في الحياة.
وَلَو قَالَ: لاَ أُجَامعُ كُلَّ وَاحِدَ؛ مِنْكُنَّ؛ فَمُولٍ مِنْ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُن، أي فمتى وطئ واحدة حنث، لأن اليمين يتعلق بكل واحدة بخلاف المسألة قبلها، فإن اليمين تناولت الجميع فلا يحنث بالبعض، وقيدها في الشامل بما إذا لم يرد واحدة بعينها أو أراد جميعهن.
وَلَو قالَ: لاَ أجَامِعُكِ إِلَى سَنة إِلَّا مَرَّةَ فَلَيسَ بِمُوْلِ فِي الحَالِ فِي الأظهَرِ،
стр. 1385
لأنه لا يلزمه بالوطئ في الحال شئ لاستثنائه الوطئ مرة، فَإن وَطِئَ وَبَقِيَ مِنْهَا أَكثرَ مِن أربعَةِ أَشهُر فمُوْل، أي من يومنذ لحصول الحنث ولزوم الكفارة لو وطئ، وإن بقي أربعة أشهر فما دون، فليس بمولٍ بل حالف فقط، والقول الثانى: أنه مولٍ في الحال؛ لأن الوطئة الأولى؛ وإن لم يتعلق بها حنث؛ فهي مقربة منه، وذلك ضرر عليه، والمولي هر من منع نفسه من الوطئ، لخوف ضرر فيطالب بعد مضى المدة، فإن وطئ فلا شئ عليه، لأن الوطئة الأولى مستثناة وتضرب المدة ثانياً إن بقي من السنة مدة الإيلاء، ويجري الخلاف إذا استثنى وطيآت لحصول التقريب بكل وطأة.
فَصْلٌ: يُمْهَلُ، أي المولي، أَرْبَعَةَ أَشْهُر، بنص القرآن العظيم (٦٠)، مِنَ الإيلاَءِ، أى تحسب هذه المدة من وقت الإيلاء وهذا في غير الرجعية أما الرجعية فستأتى، بِلاَ قَاضٍ، أي لا تحتاج هذه إلى ضرب قاضٍ، بل يمهل بدونه؛ لأنها ثابتة بالنص والإجماع، بخلاف العُنَّةِ لأنها مجتهد فيها، وَفى رَجْعِيَّةِ مِنَ الرَّجْعَةِ، أى لا من وقت اليمين لأنها جارية إلى بينونة.
وَلَوِ ارْتَدَّ أَحَدُهُمَا بَندَ دُخُولِ فِي المُدَّةِ انقَطَعت، أى ولا يحسب زمن الردة لأنهَا تُؤَثِّرُ في قطع النكاح كالطلاق؛ ولاختلال النكاح؛ وجريانها إلى البينونة، فَإذَا أَسلَمَ، أى المرتد منهما، استُؤنِفَت، أى المدة، وَمَا يَمنَعُ الوَطئ؛ وَلَم يُخِل بِنِكاحٍ إِن وُجِدَ فِيْهِ، أي في الزوج، لَم يَمْنع المُدَّةَ كَصَومِ وَإحْرَامِ، أي وإن حدث في خلالها لم يقطعها كصوم وإحرام، وَمَرَضِ وَجُنُونٍ، لأنها مُمكنة، والمانع منه وهو المقصر بالإيلاء وقصد المضارة، أَو فِيْهَا، أى في الزوجة، وَهُوَ حِسِّيٌّ كَصِغَرِ وَمَرَضِ مَنَعَ، وِإن حَدَثَ فِي الْمُدَّةِ قَطَعَهَا، لأنه لا يمكن وطاؤها والحالة هذه فلم يوجد الامتناع باليمين المودى إلى الضرر، فَإِذَا زَالَ اسْتُؤْنِفَتْ، لأن المطالبة مشروطة بالإضرار أربعة أشهر متوالية ولم يوجد، وَقِيلَ: تُبى، كما لو وُطِئَت في العدة
стр. 1386
بالشبهة وحبلت منه؛ تبنى بعد الوضع على ما مضى، أَوْ شَرْعِيٌّ كَحَيضٍ وَصَوْمِ نَفْلٍ فَلاَ، أما في الحيض فلأنه لو منع لامتنع ضرب المدة غالباً إذ لا تخلو المدة عن حيض غالباً، ولهذا لا ينقطع التتابع في صَوْمِ الشهرينِ، وأما في صوم النفل فلأنه متمكن من وطئها وتحليلها.
فَرْعٌ: النفاس كالحيض.
وَيَمْنَعُ فَرْضٌ فِي الأصَحِّ، لعدم تمكنه من الوطء، والثانى: لا يمنع الاحتساب؛ لتمكنه ليلاً، فَإن وَطِئَ فِي الْمُدَّةِ، أي فإن الإيلاء ينحل ولم يطالب بعد ذلك بشيء، وِإلاَّ، أي وإن لم يطأ، فَلَهَا مُطَالَبَتُهُ بِأن يَفِيْءَ أَوْ يُطَلِّقَ، أى إن لم يَفي للآية؛ وسمى الوطؤ فيه من فاء؛ إذا رجع، لأنه امتنع ثم رجع، وقوله (بِأنْ يَفِىْءَ أوْ يُطَلّقَ) يُفْهُمِ أنه ليس لها المطالبة بأحدهما، وبه صرح الإمام في الفيئة فقال: ليس لها توجيه الطلب بالفيئة، فإن نفسه لا تطاوعه، وكلام الوسيط يفهم خلافه، وقال الإمام: ليس لها المطالبة بالطلاق ابتداء، لأنه ليس بحقٍ لها وإنما حقها الاستمتاع.
فَرْعٌ: ليس لسيد الأمة، ولا لولي الصغيرة والمجنونة المطالبة إذ لا مدخل لذلك تحت الولاية.
وَلَو ترَكَت حَقهَا فلَهَا المُطَالَبَةُ بَعْدَهُ، لأن الضرر يتجدد فأشبه الرضى بالاعسار بخلاف الرضى في العنة فإن ضررها في حكم خصلة واحدة فأشبه الرضى بالعيب، وَتَحصُلُ الفَيئَةُ بِتَغْيِيْبِ حَشَفَةٍ، لأن سائر أحكام الوطئ يتعلق بذلك، وسواء البكر والثيب والمختار والكره، بِقُبُلِ، أي فلا تحصل بالتغبيب في الدبر، نعم؛ يحنث به الحالف على ترك الوطئ لِيَنْحَلَّ اليمين فلا مُطالبة، وَلاَ مُطَالَبَةَ، أي قولاً وفعلاً، إِن كَان بِهَا مَانِعُ وَطْء كَحَيْضِ وَمَرَضٍ، لأن المطالبة تكون بالمستحق وهى لا تستحق الوطئ حينئذ، وَإِن كَان فِيْهِ، أي في الزوج، مَانع طَبِيعِي كَمَرَضٍ طُولبَ بِأن يَقُولَ: إذَا قَدَرْتُ فِئْتُ، لأنه به يندفع الأذى الذي حصل باللسان، وزاد الشيخ أبو حامد عليه: ندمت على ما فعلت، أَوْ شَرْعِيٌّ كَإحْرَامِ؛ فَالمَذْهَبُ أنَّهُ يُطَالبَ بِطَلاَقٍ،
стр. 1387
إزالة للضرر بناء على أنه إذا أراد الوطئ والحالة هذه لها الامتناع وهو الأصح، وقد قيل: يقع منه بفيئة اللسان، فَإن عَصَى بِوَطْء سَقَطَتِ المُطَالَبَةُ، والطريق الثانى: أن يقال له: ورَّطْتَ نفسَكَ بالإيلاء، فإن فِئت عصيتَ وأفسدتَ عبادتَك؛ وإن طلقْتَ فاتَ عليكَ زوجُكَ، وإن لم تطلق طلقنا عليك، كمن غصب دجاجة ولؤلؤة؛ فابتلعتها فيقال له: إن ذبحتها غرمتها وإلا غرمت اللؤلؤة (•)، وإن؛ أبى الفَيئةَ وَالطلاَقَ فَالأظْهَرُ أنَّ القَاضِيَ يُطَلّقُ عَلَيهِ طَلْقَةً، نيابة عنه كالدين، والثاني: لا يطلق عليه، بل يحبسه أو يعزره ليفئ، أو يطلق؛ لأن الله تعالى أضاف الطلاق إليه، وَأَنَّهُ لاَ يُمهَلُ ثَلَاثة، لأن المدة أربعة أشهر، فلا يزاد عليها إلا بقدر التمكن في العادة، والثاني: يمهلها، لأنها مدة قريبة، وقد ينتظر فيها نشاطاً، ولا خلاف أنه لا يمهل في الفيئة باللسان لقدرته عليها في الحال، وَأنَّهُ إِذَا وَطئ بَعْدَ مُطَالَبَةٍ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ، لحنثه، والثانى: لا يلزمه، لقوله تعالى ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦١) فأوجب ذلك سقوط حكم الدنيا كما سقط حكمها في المحارب إذا تاب قبل القدرة، وأجاب الأول: بأن المغفرة والرحمة ينصرفان إلى ما يعصى به، والفيئة الموجبة للكفارة مندوب إليها.
فَرْعٌ: لو وطئ قبل مضي المدة، فقيل: تجب الكفارة قطعاً، لأنه حنث باختياره من غير إلزام، وقيل: بطرد الخلاف، لأنه بادر إلى ما يطالب به.
стр. 1388
كتاب الظِّهار
الظّهَارُ: أَصلُهُ مِنْ الظّهرِ وَهُوَ جَرَامٌ، لأن الله تَعَالَى وَصَفَهُ بِكَونه ﴿مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (٦٢) وَكَانَ طَلاَقاً فِى الجاهِلِيةِ (٦٣)، وَقِيْلَ: فِى أَوَّلِ الإسْلاَمِ، ويقَالُ: كَانَتِ المَرأةُ بالظهَارِ تَحرُمُ عَلَى زَوْجِهَا وَلاَ تبَاحُ لِغَيرِهِ. وَأَصلُ البَابِ أولُ سُوْرَةِ المُجَادَلَةِ وَسَببهَا [أنَّ أَوسَ بْنَ الصَّامِتِ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ فَأتَت رَسُولَ الله ﷺ مُشْتَكِيَةً مِنهُ فَأنزَلَهَا الله فِيهَا، رواه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم (٦٤).
стр. 1389
يَصحُّ مِنْ كُلّ زَوْج مُكَلف وَلو ذِميّ وَخَصِي، أى وعبد لعموم الآية؛ أما الزوج فللآية، وأما الزوج الذي لا يصح طلاقه وهو المحترز عنه بالمكلف فلما مرَ في الطلاق، وَظِهَارُ سَكْرَان كَطَلاَقِهِ، أي فيجري فيه الخلاف السالف في بابه.
وَصَرِيحُهُ أن يَقُوْلَ لِزَوْجَتِهِ: أنتِ عَلَيَّ أَو مِني أَو مَعِي أَوْ عِنْدِي كَظَهرِ أمي، لأنه المعهود في الجاهلية، وَكَذا أَنتِ كَظَهرِ أمّي صَرِيح عَلَى الصحِيح، كما إنَّ قوله أنت طالق صريح، وإن لم يقل منِّى، والثاني: أنه كناية لاحتمال أن يريد أنها على غيره كظهر أمه بخلاف الطلاق، وَقَولُهُ: جِسمُكِ أَو بَدَنُكِ أَو نَفْسُكِ كبَدَنِ أمّي أوْ جسْمِهَا أَوْ جُملَتِهَا صَرِيْحٌ، لدخول الظهر فيها، وَالأظْهَرُ أن قَوْلَهُ: كَبَدِهَا أو بَطْنِهَا أوْ صَدْرِهَا ظِهَارٌ، لأنه شبَّه الزوجة ببعض أعضاء الأم فكان كالتشبيه بالظهر، والثاني: المنع، لأنه ليس على صورة الظهار المعهود في الجاهلية، وَكَذَا كَعَينهَا إِن قَصَدَ ظِهَاراً، وَإِن قَصَدَ كَرَامَة فَلاَ، وَكذا إِن أطلَقَ فِى الأصَح، لاحتمال الكرامة، والثاني: أنه ظهار، لأن اللفظ صريح في التشبيه ببعض أجزاء الأم، وَقَوْلُهُ: رَأسُكِ أو ظَهْرُكِ أو يدُكِ عَلَيَّ كَظَهرِ أمِّي ظِهار فِي الأظهَرِ، لما سلف في قوله (كَبَدِهَا أَو بَطهَا)، وَالتشبِيهُ بِالجَدةِ ظِهَار، لأنها أم، وَالمَذهَبُ طَردُهُ، أي طرد هذا الحكم، فِي كُل مَحرَم لَم يَطرَأ تحرِيمُهَا، أى كالأخت؛ والعمة، لأنه شبهها بمحرمة بالقرابة أبداً فأشبهت الأم، لاَ مُرْضَعَة وَزَوْجَةِ ابنٍ، لأنهما دون الأم في التحريم، ولأنه يحتمل إرادة الحالة التي كانت حلالاً له فيها وراء ما ذكره المصنف خلاف
стр. 1390
منتشر فراجعه من الشرح، وَلَو شَبَّهَ بِأجْنَبِيةٍ وَمُطَلْقَةٍ وَأخْتِ زَوْجَةِ وَأَب وَمُلاَعَنَة فَلَغْوٌ، أما ما عدا الأب والملاعنة فلأنهن لا يشبهن الأم، وأما الأب فلأنه ليس محلاً للاستخلال، وأما الملاعنة فلأن تحريمها وإن كان مؤبداً فليس تأبيده للمحَرمية والوُصْلة.
فَصْل: وَيصِحُّ تَعلِيْقُهُ كقَولِهِ: إِن ظاهَرتُ مِنْ زَوْجَتِيَ الأخرَى فَأنْتِ عَلَيَّ كَظَهرِ أمِّي فَظَاهَرَ صَارَ مُظَاهِراً مِنْهُمَا، لأنه كان طلاقاً في الجاهلية، والطلاق يصح تعليقه على الشروط، وَلَو قَالَ: إِن ظَاهَرتُ مِن فُلاَنَةَ، وَفُلاَنَةٌ أَجْنَبِيةٌ فَخَاطَبَهَا بِظَهَارِ لَمْ يَصِرْ مُظَاهِراً مِن زَوجَتِهِ، لعدم صحة الظهار، إِلَّا أَن يُرِيدَ اللفْظَ، أى إلا أن يريد الإتيان بهذا اللفظ فإنه يكون مظاهراً لوجوده، فَلَو نَكَحَهَا وَظَاهَرَ مِنْهَا صَارَ مُظَاهِرًا، لتحقق الشرط، وَلَو قَالَ: مِنْ فُلاَنَة الأجْنَبِيةِ فَكَذَلِكَ، لأنه علقه بظهاره من فلانة، وذكر الأجنبية للتعريف لا للشرط، كما لو قال: لا أدخل دار زيد هذه فباعها ثم دخلها حنث، وَقِيْلَ: لاَ يَصِيْرُ مُظاهِراً وَإن نَكَحَها وَظَاهَرَ، لأنها إذا نكحت خرجت عن كونها أجنبية، وَلَو قَالَ: إِن ظَاهَرْتُ مِنْهَا وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ؛ فَلَغوٌ، لأنه كالتعليق بالمستحيل، وَلَوْ قَالَ: أَنتِ طَالِقٌ كَظَهرِ أمِّي، وَلَم يَنْوِ أَو نَوَى الطَّلاَقَ أَوِ الظّهَارَ أَو هُمَا مَعًا أَو الظهَارَ بِأنتِ طَالِقٌ. وَالطَّلاَقُ بِكَظَهْرِ أمِّي طُلِّقَت، وَلاَ ظِهَارَ، أما في الأولى: فوجه وقوع الطلاق إتيانه بلفظه الصريح، ووجه عدم قوع الظهار أن قوله كظهر أمِّي لا استقلال له، وقد انقطع عن قوله أنت بالفاصل الحاصل بينهما فخرج عن الصراحة ولم يقصد به الظهار، وأما في الثانية: وهي ما إذا نوى الطلاق بمجموع كلامه وجعل قوله كظهر أمِّي تأكيداً لتحريم الطلاق، فوجه وقوع الطلاق وعدم وقوع الظهار لائح، وأما في الثالثة: وهى ما إذا قصد بالجميع الظهار فوجه وقوع الطلاق وجود لَفْظَهُ الصريح، وعدم وقوع الظهار أن لفظ الطلاق لا ينصرف إلى الظهار، والباقي ليس صريحاً في الظهار، كما بينّاه، وأما في الرابعة: فلأنه لم يَنْوِ بِهِ الظِّهَارُ، وإنما نَوَاهُ بالمجموع، وأما في الخامسة: فلما أسلفناه أن قوله كظهر أمِّي خرج عن الصراحة ولم يقصد به
стр. 1391
الظِّهار، أَوِ الطَّلاَقَ بِأنتِ طَالِق وَالظهَارَ بِالبَاقِي طُلقَت، لوجود اللفظ الصريح، وَحَصَلَ الظهَارُ إِن كَان طَلاَقَ رَجْعَةٍ؛ لأن الظهار يصح من الرجعية وقد أتى به مع النية، أما إذا كان الطلاق بائناً فإنه لا يصير مظاهراً منها لأن البائن لا يصح ظهارها.
فصلٌ: عَلَى الْمُظَاهِرِ كَفارَةٌ إِذَا عَادَ، لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا ... ﴾ الآية (٦٥)، وَهُوَ أَن يمسِكهَا بَعْدَ ظِهَارِه زَمَنَ إِمكانِ فُرقَة، لأن تشبيهه بالأم يقتضى أن لا يمسكها زوجة، فإذا أمسكها زوجة؛ فقد عاد فيما قال، لأن العود للقول مخالفته. يقال: قال قولاً ثم عاد فيه وعاد له أى خالفه ونقضه بخلاف العود إلى القول فإنه قول مثله.
فَلَوِ اتَّصَلَتْ بِهِ فُرقَةٌ بِمَوتٍ أوْ فَسخ أَو طَلاَقٍ بَائِنِ أو رَجعِي وَلَم يُرَاجِع أَو جُنَّ فَلاَ عَوْدَ، أي ولا كفارة إذا لم يوجد العود الذى هو سبب الوجوب أو شرطه، أما إذا أفاق فالعود أن يمضى زمن إمكان الفرقة.
وَكَذَا لَو مَلَكَهَا أوْ لاَعَنَهَا فِي الأصَحِّ، أما في الأولى: وهى ما إذا كانت زوجته رقيقة فظاهر منها ثم اشتراها على الاتصال فوجهه أنه لم يمسكها على النكاح، ووجه مقابله: أنه نقلها من حل إلى حل وذلك إمساك، وأما في المسألة الثانية: وهى إذا لاعنها عقب الظهار فوجهه اشتغاله بقطعه، وشرط البغوى على هذا المرافعةَ إلى الحاكم، وجزم به في الروضة، ووجه مقابله: تحلل زمن الطلاق، بِشَرْطِ سَبْقِ القَذفِ ظِهَارَهُ فِي الأصَحِّ، أى فإن سبق ظهاره ثم قذف ثم لاعن فإنه عائد على الأصح لما فيه من التطويل مع إمكان الفراق، ووجه مقابله اشتغاله بسبب الفراق، وَلَو رَاجَعَ أَوِ ارتد مُتَّصِلاً ثُم أَسلَمَ فَالمَذهَب إنهُ عَائِدٌ بِالرَّجْعَةِ، لاَ بِالإسلاَمِ، أي فإنه لا يكون عوداً، بَل بَعْدَهُ، أما بعد الإسلام، والفرق بينهما أن الرجعة إمساك في ذلك النكاح، ومقصود الإسلام تبديل الدين الباطل بالحق،
стр. 1392
والنكاح يقصد به تجديد الملك، هذا هو الظاهر من الخلاف كيف ما كان، والراجح في مسألة الرجعة حكاية قولين، وفي الثانية حكاية وجهين، وَلاَ تسقُطُ الكَفارَةُ بَعدَ الْعَودِ بفُرقَة، كالديون؛ وسواء في الفرقة الطلاق والموت والفسخ، وَيحرُمُ قَبلَ التكْفِيرِ وَطءٌ، لقوله تعالى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٦٦) وقوله ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٦٧) ولم يتعرض له في الإطعام، فيحمل المطلق على المقيد. هذا في الظهار المطلق؛ أما المقيد فيحرم الوطء فيه إلى أن يكفر أو تنقضى المدة، فإذا انقضت حل لارتفاع الظهار وبقيت الكفارة في ذمته، وَكَذَا لَمسٌ نَحْوُه بِشَهْوَة فِي الأظهَرِ، لأنها قد تدعو إلى الوطء وتفضى إليه، قُلْتُ: الأظْهَرُ، عند الجمهور، الجَوَازُ، وَالله أَعلَمُ، حملاً للتماس في الآية على الدخول، وهذا ما صححه الرافعى في شرحيه فإنه نقله عن الأكثرين، وقال في الأول: إنه أَولى القولين؛ وكلام المصنف يشمل ما بين السرة والركبة وهو أحد احتمالي الإمام.
فَصْلٌ: وَيَصِحُّ الظهَارُ الْمُؤَقْتُ مؤَقتاً، تغليباً لشبه اليمن، وَفِي قَولٍ: مُؤبداً، تغليبًا لشبه الطلاق، وَفِي قَوْلٍ: لَغْوٌ؛ لأنه لم يؤبّد التحريم، فأشبه التحريم الذي لا يحرم عليه على التأبيد، فَعَلَى الأوَّلِ الأصَح أنَّ عَوْدَهُ لاَ يَحصُلُ بإمسَاكٍ بَل بِوَطء فِي المُدّةِ، لأن الحل منتظر بعد المدّة، فالإمساك يحتمل أنه للأجل أو لأجل الوطئ في المدة، والأصل براءته من الكَفَّارة، وإذا وطن تحقق الإمساكُ للوطئ، وهذا ظاهر النص. والثاني: أن العود منه كالعود في المطلق، إلحاقاً لأحد نوعى الظهار بالآخر، واحرز بقوله (فِى الْمُدَّةِ) عما لو لم يطأ حتى انقضت (•) فإنه لا شئ عليه، وَيَجِبُ النزعُ بِمَغيْبِ الحَشَفَةِ، كما في قوله إن وطئتك فأنت طالق ثلاثاً، وَلَو قَالَ لأرْبَع: أنتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أمِّي فَمُظَاهِرٌ مِنْهُن، لوجود لفظه الصريح، فَإن أَمسَكهُن فأربعُ كَفارَاتِ، لوجود الظهار والعود في حق كل منهن، وَفي القَدِيمِ كَفارَة، تغليباً لمشابهة اليمن، وَلَو ظَاهَرَ مِنْهُن بِأربع كَلِمَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ فَعَائِدٌ مِنَ الثلاَثِ الأُوَلِ،
стр. 1393
لأنه بظهار الثانية عائد في الأُولى، وبظهار الثالثة عائد في الثانية، وبظهار الرابعة عائد في الثالثة؛ فإن فارق الرابعة عقب ظهارها، فعليه ثلاث كفارات وإلاّ فأربع، وَلَو كَرَّرَ فِي امْرَأَةِ مُتصِلاً وَقَصَدَ تَأكِيداً فَظِهَارٌ وَاحِدٌ، كالطلاق فيلزمه كفارة؛ إن أمسكها عقب المرات؛ لا إن فارقها، في الأصح، أوِ اسْتِئْنَافًا فَالأظهَرُ التعَدُّدُ، قياساً على الطلاق، والثانى: الاتحاد كاليمين.
فَرْعٌ: لو أطلق، فقولان، لكن الأصح هنا وجوب كفارة واحدة، والفرق أن الطلاق غير محصور والزوج يملكه، فإذا كرر، فالظاهر استيفاء المملوك بخلاف الظهار، وَأنهُ بِالمَرةِ الثانِيَةِ عَائِدٌ فِي الأولِ، لأنه كلامٌ أخرُ فاشتغاله به عود، والثانى: لا، لأن الظهارين من جنس واحد، فما لم يفرع من الجنس لا يُجعل عائداً، واحترز المصنف أولا بقوله (مُتصِلًا) عما إذا تفاصلت الكلمات، فإنه إن كفرَ عن الأول قبل الإتيان بالثانى كفَّرَ عنه أيضاً، وإن لم يُكَفّر وأطلق، أو أراد الاستئناف؛ ففي التعدد الخلاف السابق، أو التأكيد؛ ففي القبول؛ جوابان للقفال، قال الإمام: فإن غَلبنا اليمينَ قُبِلَ أو الطلاق فلا، قال الرافعي: والأظهر تغليب الثاني، فيكون الأظهر عدم القبول، وكذا ذكره البغوي وغيره.
стр. 1394
كتاب الكفارة
الكَفارَةُ: وَهِيَ مَأخُوْذَة مِنَ الكُفْرِ وَهُوَ الستْرُ، فَهيَ تَسْتُرُ الذنوْبَ وَتُغطيها؛ وَافتتحَهُ المُحَرر بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٦٨)، وبقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٦٩).
يُشْتَرَطُ نِيتُها، لأنها عمل (٧٠)، لَا تعيِيْنها، كما لا يجب تعيين المال المزكى عنه، فإن عين وأخطا أعاد، ولا يحتاج إلى نية الوجوب، ويشترط أن ينوي الكافر بالإعتاق والإطعام نية التمييز دون نية التقرب، جزم به في الروضة وذكره الرافعي بحثًا.
وَخِصَالُ كَفارَةِ الظهارِ: عِتْقُ رَقبة، للآية السالفة، مُؤْمِنة، حملًا للمطلق هنا على المقيد في آية كفارة القتل كحمل المطلق في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ (٧١) على المقيد فِى قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٧٢)، بِلاَ عَيْبِ يُخِل بِالعَمَلِ وَالكَسْبِ، لأن المقصود تكميل حاله ليتفرغ للعبادة وَوَظَائف الأحرار، وإنما يحصل ذلك إذا استقل وقام بكفايته، وإلا فيصير كَلا على نفسه وغيره، ويخالف عيوب البيع فإنه يعتبر فيها ما ينقص المالية، لأن القصد من الاعيان ثم المالية، فَيُجْزِئُ: صغِيْر، أي محكوم بإسلامه (٧٣)، وَأَقْرَعُ أَعرَجُ يُمكِنُهُ اتبَاعُ مُشْي؛ وَأَعوَرُ،
стр. 1395
أي إذا كان عوره لا يضعف العين الأخرى، وقوله (أَعْرَجُ) كذا رأيته بخط المصنف بلا (واو)، وَأصم؛ وَأَخْرَسُ؛ وَأَخشَمُ؛ وَفاقِدُ أنفِهِ؛ وَأُذُنَيْهِ وَأصَابِع رِجلَيهِ، لأن ذهاب هذه الأشياء لا يضر بالعمل إضرارًا بينا، لَا زَمِنٌ؛ وَفَاقِدُ رجلٍ، لأنه يضر بالعمل إضرارًا بينًا، أَوْ خِنْصَرٍ؛ أَوْ بِنْصَرٍ مِنْ يَدٍ، لأنه يذهب منفعة نصف الكف؛ وهو ضرر بين، فإن قطع إحداهما إجزاء لأنه لا يخل إخلالًا بيّنًا، وكذا لو قطعا من يدين، ولا يجزي مقطوعُ واحدة من الإبهام والسبابة والوسطى، أوْ أنمُلَتَينِ مِن غَيْرِهِمَا، لأن عدمهما مضر، قُلْتُ: أوْ أُنمُلَةِ إبهامٍ، وَالله أعلَمُ، لتعطيل منفعتها إذا؛ بخلاف الأنملة من سائر الأصابع، وَلا هرِم عَاجِز، أي عن العمل؛ لأنه يخل بالمقصود، وَمَنْ أَكْثَرُ وَقْتِهِ مَجْنُون، لعدم حصول المقصود منه، فإن كان أقل أجزأ؛ وكذا لو تساويا في الأصح. قال الماوردي: ولو كان زمن جنونه أقل لكنه لا يقدر على العمل إلا بعد حين، لم يجز، قال في الروضة: وهو حسن.
فَرْعٌ: يجزي المغمى عليه، لأن زواله مرجو، قاله الماوردي.
وَمَرِيضٌ لَا يُرجَى، أي كمن به السلُّ لأنه يخل بالمقصود، فَإن بَرَأَ بَان الإِجْزَاءُ فِي الأصَح، لأن المنع بناءً على ظن؛ وقد بان خلافه، والثاني: لا، لأنه لم ينوِ كفارة صحيحة، وإنما هو كالمتلاعب، وَلَا يُجزِئ شِرَاءُ قَرِيب بِنِيةِ كَفارة، لاستحقاق عتقه عن جهة أخرى، وقبول إتهابِهِ ووصيته إذا اشترطنا القبول فيهما، وأرثُهُ ملحق بالشراء، وَلَا أم وَلَدٍ، لاستحقاقها العتق بالإيلاد، وَذِي كِتَابَةٍ صَحيحةٍ، لاستحقاقه العتق بالكتابة، واحترز بالصحيحة عن الفاسدة، فإنه يجزي على الأصح لكمال الرق.
ويجْزِئ مُدبر؛ وَمُعَلْق بِصِفة، لأن ملكه عليهما تَام بدليل نفوذ جميع تصرفاته،
стр. 1396
وهذا إذا نجزه عن الكفارة أو علقه بما يوجد قبل الصفة الأولى، فإن علقه بالصفة الأولى، لم يَجْزِهِ وهذا معنى قوله، فإن أَرَادَ جَعلَ العِتقِ المُعلقِ كَفارَة لَم يَجُزْ، مثاله: قال: إن دخلتَ الدار فَأَنْتَ حُر، ثم قال: إن دخلتها فأنت حُر عن كَفارَتي، فإنه يعتق بالدخول ولا يجزيه عن الكفارة لأنه مستحق بالتعليق الأول. وَلَهُ تعلِيقُ عِتْقِ الكَفْارَةِ بِصِفةٍ، أي بأن يقول: إن دخلت الدار فأنت حر عن كفارتي كغيره، وَإعتَاقُ عَبْدَيْهِ عَن كفارَتَيْهِ عَن كُل نصفُ ذَا وَنصفُ ذَا، لتخليص الرقبتين عن الرق، وَلَوْ أعتَقَ معسر نصفَيْنِ عَن كَفارَةٍ فالأصَح الإِجزَاءُ إِن كَان بَاقِيهِمَا حُرا، لحصول المقصود وهو إفادة الاستقلال، والثاني: المنع مطلقا، كما لا يجزي شقصان في الأضحية، والثالث: مطلقًا تنزيلًا للاشقاص منزلة الأشخاص، ونقله في الشامل عن الأكثرين، وَلَوْ أعتَقَ بِعِوَضٍ لَم يُجْزِ عَنْ كَفْارَة (٧٤)، لعدم تجرده لها.
فَصْلٌ: وَهُوَ دَخِيْلٌ في الباب كما قال في المُحرَرِ، وَالإِعتَاقُ بِمَال كَطَلَاقٍ بِهِ، أي فيكون من جانب المالك معاوضة فيها شائبة التعليق ومن جهة المستدعي معاوضة نازعة إلى الجعالة كما علم في الخلع، فَلو قَالَ: أَعتِق أمَّ وَلَدِكَ عَلَى ألف فَأعتَقَ، أي متصلًا، نَفَذَ وَلَزِمَهُ العِوَضُ، أي وكان ذلك افتداء من المستدعي نازلا منزلة اختلاع الأجنبي، وَكذا لَوْ قَالَ: أَعتِقْ عَبدَكَ عَلَى كَذَا فَأعتَقَ فِي الأصَح، كما لو قال أعتق مستولدتك على كذا، والثاني: لا يستحق، والفرق أن ذلك جوز افتداء ضرورة، لأنه لا يمكن انتقال الملك فيها وهنا يمكن، وَإِن قَالَ: أَعتِقهُ عَني عَلَى كَذَا فَفَعَلَ عَتَقَ عَنِ الطْالِبِ وَعَلَيهِ العِوَضُ، عملًا بالتزامه، وَالأصح أنهُ يَملِكُهُ عَقِبَ لَفْظِ الإعتَاقِ ثُمَّ يعتَقُ عَلَيْهِ، أي بعده بلحظة لطيفة، والثاني: يملكه بالاستدعاء ويعتق بالإعتاق.
فَصْلٌ: وَمَن مَلَكَ عَبدًا أَوْ ثَمَنَهُ فَاضِلًا عَنْ كفَايَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ نَفَقَةً وَكِسوَةً
стр. 1397
وَسُكنَى وَأثَاثًا لَابُدَّ مِنْهُ لَزِمَهُ العِتْقُ، لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا. . . فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ الآية (٧٥)، قال في الروضة: والصواب تقدر النفقة والكسوة بِسَنةٍ لا بكفاية العمر، وَلَا يَجِبُ بَيْعُ ضَيْعَةٍ وَرأسِ مَالٍ لَا يَفضلُ دَخْلُهُمَا عَنْ كِفَايَتهِ، لأن المصير إلى حالة المسكنة شديد، وَلَا مَسكَنٍ وَعَبدٍ نَفِيسَينِ ألِفَهما في الأصَح، لعسر مفارقة المألوف، والثاني: يلزمه البيع والإعتاق كما لو كان له ثوب نفيس يجد بثمنه ثوبًا يليق به وعبدًا يعتقه، وبه قطع العراقيون أو جمهورهم في العبد النفيس كما نقله عنهم في الروضة، ونقله صاحب الشامل عن الأصحاب، وصححه المتولي، أما إذا لم يكونا مألوفين فيلزمه البيع والإعتاق، وَلَا شِرَاءَ بِغَبْنٍ، كالماء في التيمم، وَأَظهرُ الأقْوَالِ اعتِبَارُ وَقْتِ اليَسَارِ بِوَقتِ الأدَاءِ، أي حتى لو كان معسرًا عند الوجوب، وموسرًا عند الأداء، يلزمه الإعتاق، لأنها عبادة لها بدل من غير جنسها فأشبهت الوضوء والتيمم والقيام والقعود في الصلاة، والثاني: الاعتبار بوقت الوجوب؛ لأن الكفارة طهرة كالحد، والثالث: وهو مخرج أنه يعتبر أغلظ الحالين، لأنه حق يجب في الذمة بوجود المال، فأشبه الحج فإنه يجب متى ما تحقق اليسار.
فَصل: فَإن عَجَزَ عَن عِتقٍ صَامَ شهرَينِ متتابِعَيْنِ، للآية السالفة، بِالهلَالِ، لأنه الأشهرُ شرعًا، بِنِيَّةِ كَفْارة، كما تقدم، وتجب ليلًا كل ليلة. وَلَا يشتَرَطُ نيةُ تتَابُع فِي الأصَح، اكتفاء بالتتابع فعلًا، والثاني: نعم للتمييز، فَإِن بَدَأَ فِي أثْنَاءِ شهرٍ حُسِبَ الشهرُ بَعدَهُ بالهِلَالِ وَأَتَم الأولَ مِنَ الثْالِثِ ثَلاثِينَ، لتعذر الرجوع فيه إلى الهلال، وَيَزُولُ التتَابُعُ بِفَوَاتِ يَوْمِ بِلَا عذرٍ، أي كما إذا أفسد صومه أو نسي
стр. 1398
النية في بعض الليالي، وَكَذَا بِمَرض، أي يسوغ الفطر، فِي الجَدِيدِ، لأن المرض لا ينافي الصوم وقد أفطر باختياره فأشبه ما لو أجهده الصوم فأفطر، والقديم لا ينقطع به، لأن التتابع لا يزيد على أصل وجوب رمضان؛ وهو يسقط بالمرض، لَا بِحَيْض، لأن ذوات الإقراء لا تخلو عن الحيض في الشهر غالبًا، والتأخير إلى سن اليأس خطر.
فَرعٌ: الأصح أن النفاس كالحيض، وَكَذَا جُنُون عَلَى المذهبِ، لعدم الاختيار، والطريق الثاني: طرد القولين في المرض.
فَرع: الأشبه أن الإغماء كالجنون.
فَصل: فإن عَجَزَ عَن صَوْم بِهرَمٍ أؤ مَرَض، قَالَ الأكثَرُون: لَا يُرجى زَوَالُهُ أَوْ لَحِقَهُ بِالصومِ مَشَقةٌ شَدِيدَة أَوْ خَافَ زِيَادَةَ مَرَض كَفرَ بإِطعَامِ ستينَ مسكينًا، للآية (٧٦)، وصحح في الروضة في المرض اعتبار دوامه شهرين في غالب الظن؛ المستفادُ من الأطباء أو من العرف.
فَرع: العجز عن التتابع كالعجز عن أصل الصوم قاله الماوردي، أَوْ فَقِيرًا، لأنه أشد حالًا من المسكين، لَا كَافِرًا، كالزكاة بجامع التطهير، وَلَا هاشميًا وَمُطلِبِيًا، لاستغنائهما بخمس الخمس.
تَنْبِيه: لا يجوز صرفها إلى من تلزمه نففته كزوجة وقريبٍ، ولا إلى عبد ومكاتب، سِتِّيْنَ مُدًّا، للاتباع كما رواه البيهقي (٧٧)، وما خالفه يحمل على الجواز
стр. 1399
جمعًا بينهما، ولو فاوت بينهم فملك واحدًا مُدين وآخر نصف مُد، فإنه لا يجزئ وإن كانت عبارة المصنف تشمله، مِما يَكُون فِطرَةَ، أي جنس الطعام المخرج هنا؛ جنس المخرج في الفطرة، فلا يجزي الدقيق والسويق والخبز، ولا التغذية والتعشية.
يَسبِقُهُ قَذْف، وَصَرِيحُهُ: الزنَا كَقَولهِ لِرَجُل أَوِ امرَأةٍ: زَنَيْتَ أؤ زَنَيتِ أو يَا زَانِي أَوْ يَا زَانِيَةُ، لتكرر ذلك وشهرته.
فَزعٌ: اللحن بالتأنيث والتذكير قذف.
وَالرميُ بإِيلَاج حَشَفة فِي فَرج مَعَ وَصفِهِ بِتَحرِيمِ أو دُبُر صَرِيحَان، لأن مطلق إيلاج الحشفة يقع على الحلال والحرام فلابد من الوصف بالحرام، وَزَنأتَ، أي بالهمز، فِي الجَبَلِ كِنَايَةٌ، لأن الزنا فِي الجبل هو الصعود فيه، وقيل: إن كان قائله من أهل العربية فليس بقذف وإلا فقذف، وَكَذَا زَنأتِ، أي بالهمز، فَقَطْ فِي الأصَح، لأن ظاهره الصعود، والثانى: أنه قذف، والثالث: إن أحسن العربية فليس بقذف إلا بنية؛ وإلاّ فقذف، وَزَنَيت فِي الجَبَلِ صَرِيح في الأصَح، كما لو قال في الدار، والثاني: المنع، إلا أن يريده لاحتمال أنه لين الهمزة، والثالث: أنه صريح في عَالِم باللغة دون غيره، وَقَولُهُ: يَا فَاجِرُ يَا فَاسِقُ وَلَها، أي للمرأة، يَا خَبِيْثَةُ وَأنتِ تُحِبينَ الخَلوَةَ، وَلقُرَشِي يَا نَبطِي، وَلزَوجَتهِ لَم أَجِدكِ عَذْرَاءَ كِنَايَة، فَإن أَنكَرَ إرَادَةَ قذف صُدِّقَ بِيَمِيْنهِ، لأنه أعرف بكلامه، بأن قال: أردت بالنبطي أنه ليس يفصح كالعرب، أو نبطي الدار لأنه يسكن دارهم.
стр. 1402
وَقوله: يَا ابْنَ الحَلَالِ، وَأَما أنَا فَلَست بِزَان، وَنَحوُه تعرِيضٌ لَيسَ بِقَذفٍ وِإن نَوَاه، لأن النية إنما تؤثر إذا احتمل اللفظ المنوي، وهنا لا دلالة في اللفظ ولا احتمال، وما يُفْهمُ منه، فمستنده قرائنُ الأحوال، وفيه وجه أنه كناية وهو قوي.
وَقَولُهُ: زَنَيتُ بِكَ إِقرَار بِزِنا وَقَذْف، أي فيترتب عليه مقتضاهما، وَلَوْ قَالَ لِزَوجَتِهِ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَت زَنَيْتُ بكَ أو أَنتَ أَزنَى مِني فقَاذِف وَكَانِيَة، لاحتمال جوابها، فَلَوْ قَالَت: زَنَيْتُ وَأَنتَ أزْنَى مِني، فَمقرة وَقَاذِفَة، لأن كلمة المبالغة؛ وإن كانت تقتضي الاشتراك في الأصل والإختصاص بالزيادة، لكن قولها أنت أزنى مني خارج مخرج الذم، ومثل ذلك محتمل على وضع اللسان كما في قوله تعالى حكاية عن يوسف إذ قال لأخوته: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ (٨١)، وَقَولُهُ: زنى فَرجُكَ أَوْ ذَكَرُكَ قَذفٌ، لأنه آلة ذلك العمل، وَالمَذهب أَن قوله: يَدُكَ وَعَينُكَ، وَلوَلَده: لَسْتَ مِني أو لَسْتَ ابنِي كِنَايَة، وَلوَلَدِ غَيرِهِ لَسْتَ ابنَ فلَان صَرِيح إِلَّا لِمَنفِي بِلَعَان، أما في الأولى: فلأن المفهوم من زنا هذه الأعضاء اللمس والنظر على ما قاله ﵇: [العينَانِ تَزْنِيَانِ وَاليَدَانِ يَزنِيَانِ] (٨٢) وهذه طريقة الأكثرين فيها. والطريق الثاني: حكاية وجهين كما ذكره الرافعي، أو قولين كما حكاه القاضي، ووجه من قال بصراحة ذلك القياس على الفرج بجامع أنه أضاف الزنا إلى عضو من الجملة، وأما في الثانية، والثالثة؛ فالنص فيهما ما ذكره، وللأصحاب طرق أصحها تقرير النصين، والفرق أن الأب يحتاج في تأديب الولد إلى مثل هذا الكلام زجرًا له فيحمل على التأديب
стр. 1403
بخلاف الأجنبي، والطريق الثاني: حكاية قولين أحدهما: أنه صريح فيهما، لأنه السابق إلى الفهم، وأقيسهما أنه كناية؛ لأنه يحتمل غير القذف، وأما الأخيرة: وهي ما إذا قال للولد المنفي باللِّعَان: لست ابن فلان الملاعن، فوجه عدم صراحته قيام الاحتمال، فيسأل فإن قال: أردت تصديق الملاعن في أن أمه زانية فهو قاذف، وإن أراد أن الملاعن نفاه، أو أنه منفي شرعًا، أو لا يشبهه خَلْقا ولا خُلُقًا، صدق بيمينه فإذا حلف قال القفال وجماعة: يعزر للإيذاء، وإن نكل حلفت الأم أنه أراد قذفها واستحقت الحد عليه.
فَرع: لو استلحقه النافي ثم قال له رجل: لست ابن فلان، فصريح على المذهب، اللهم إلا أن يدعي احتمالًا ممكنًا كقوله: لم يكن ابنه حين نفاه، فإنه يقبل بيمينه كما رجحه في الروضة.
فرع: لو قال للخنثى زنى ذكرك وفرجك فصريح، وإن ذكر أحدهما قال في البيان: الذي يقتضيه المذهب أنه كإضافته إلى اليد، وهذا زاده المصنف هنا في الروضة على الرافعي وهو عجيب، فقد ذكره من كلام الرافعي في باب حد القذف.
فَصلٌ: ويحَد قَاذِفُ مُحصَن، ويعَزرُ غَيرُهُ، للإيذاء، وَالمُحصَنُ مُكلفٌ حر مسلم عَفِيفٌ عَنْ وَطْئ يُحد بِهِ، بالاتفاق، وَتبطُلُ العِفْةُ بوَطء مَحرَمٍ مَملُوكَةٍ علَى المَذهبِ، لدلالته على قلة مبالاته، بل غشيان المحارم أشد من مباشرة الأجنبيات، وقوله (عَلَى الْمَذْهَبِ) أشار به إلى أنا إذا أوجبنا الحد بذلك بطلت عفته، وإن لم نوجبه بطلت أيضًا على الأصح لما قلناه، لَا زَوجَتِهِ فِي عدةِ شبهةٍ وأمَةِ وَلَدِهِ وَمَنْكوحَتِهِ بِلَا وَليٍّ في الأصَح، أما في الأولى: فلعدم تأبد الحرمة، وأما في الباقي: فلأنه وطئ ثبت فيه النسب، والثاني: يبطل لحرمته.
وَلَوْ زَنَى مَقْذُوف سَقَطَ الحد، أَوْ ارتد فَلَا، لأن الزنا يكتم ما أمكن، فإذا ظهر فالظاهر سبق مثله، والردةُ عقيدة؛ والعقائد لا تخفى غالبًا، فإظهارها لا يدل على سبق الإخفاء.
стр. 1404
وَمَنْ زَنَا مَرَّةً تُمَّ صَلَحَ لَمْ يُعَدَّ مُحْصِنًا، أي حتى لا يحد قاذفه بعد ذلك، ولكن يعزر للإيذاء، والعِرْضُ إذا انخرم لم تَنْسَد ثلمته، واستشكله الإمام في المسلم الكامل، وقال: ما أراه يسلم من الخلاف، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وَحَدُّ الْقَذْفِ يُوْرَثُ وَيَسْقُطُ بِعَفْوٍ، لأنه حق توقف استيفاؤه على مطالبة الآدمي، فكان حقًا له كسائر حقوقه، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ يَرِثُهُ كُلُّ الْوَرَثَةِ، كالمال والقصاص، والثاني: كلهم إلا الزوجين لإرتفاع النكاح بالموت وإنقطاع واسطة المتعيِّر، وَأَنَّهُ لَوْ عَفَى بَعْضُهُمْ فَلِلْبَاقِينَ كُلُّهُ، كحقِّ الشفعة، والثاني: يسقط جميعه كالقصاص، والثالث: يسقط نصيب العافي ويستوفي الباقي لأنه قابل للتقسيط بخلاف القصاص.
فَصْلٌ: لَهُ قَذْفُ زَوْجَةٍ عَلِمَ زِنَاهَا، أي كان رآها تزني، أَوْ ظَنَّهُ ظَنًّا مُؤَكَّدًا كَشِيَاعِ زِنَاهَا بِزَيْدٍ مَعَ قَرِيْنَةٍ بِأَنْ رَآهُمَا فِي خَلْوَةٍ، لأن الظن مع القرينة المذكورة التحق في هذه الحالة بالعلم، وكذا لو أقرت ووقع في قلبه صدقها أو سمعه ممن يثقُ به، وَلَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ وَعَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ لَزِمَهُ نَفْيُهُ، لأن تركه يتضمن استلحاقه وهو حرام، وَإِنَّمَا يَعْلَمُ إِذَا لَمْ يَطَأْها أَوْ وَلَدَتْهُ لِدُوْنِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْوَطْءِ أَوْ فَوْقَ أَرْبَعِ سِنِيْنَ، فَلَوْ وَلَدَتْهُ لِمَا بَيْنَهُمَا، أي لما دون أربع سنين وفوق ستة أشهر، وَلَمْ يَسْتَبْرِئْ بِحَيْضَةٍ حَرُمَ النَّفْيُ، أي ولا عبرة بريبة يجدها في نفسه، أو شبهة تخيل إليه فسادًا، وقد صح من حديث أبي هريرة أنه ﵊ قال: [أَيَّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ احْتَجَبَ الله مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ] (٨٣).
стр. 1405
وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِفَوْقِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الإِسْتِبْرَاءِ حَلَّ النَّفْيُ فِي الأَصَحِّ، لأنَّ الإستبراء أمارة ظاهرة على أنَّه ليس منه، لكن المستحب أنَّه لا ينفيه، لأنَّ الحامل قد ترى الدم. والثاني: إن رأى بعد الإستبراء القرينة المبيحة للقذف جاز النفي، بل يلزمه، لأنَّ الغالب على الظن والحالة هذه أنَّه ليس منه، وإن لم يرَ شيئًا لم يَجُزْ، وصححه في أصل الروضة. وقوله (مِنَ الإِسْتِبْرَاءِ) تبع الرافعي هنا، وصحح في الروضة: أن الإعتبار في ستة أشهر من حين يزني الزاني بها.
وَلَوْ وَطِئَ وَعَزَلَ حَرُمَ، النفي، عَلَى الصَّحِيْحِ، لأنَّ الماء قد يسبق من غير أن يحس به، ومقابله: هو قول الغزالي فجعله وجهًا.
وَلَوْ عَلِمَ زِنَاهَا وَاحْتُمِلَ كَوْنُ الْوَلَدِ مِنْهُ وَمِنَ الزِّنَا حَرُمَ النَّفْيُ، لقيام الإحتمال، وَكَذَا الْقَذْفُ وَاللِّعَانُ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأنَّ نسبتها إلى الزنا وإثباته عليها يعيّر الولد به، والثاني: لا، انتقامًا منها كما إذا لم يكن ولد، وهذا ما ذكره الإمام أنَّه القياس فأثبته الرافعي والمصنف وجهًا.
فَصْلٌ: اللَّعَانُ قَوْلُهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِيْنَ فِيْمَا رَمَيْتُ بِهِ هَذِهِ مِنَ الزِّنَا، أي إذا كانت حاضرة، أما إعتبار العدد في لفظ الشهادة فللآية، وأما إعتبار تسمية ما رماها به فلأنه المحلوف عليه، فَإِنْ غَابَتْ، أي عن البلد أو عن المجلس بحيض أو كفر، سَمَّاهَا وَرَفَعَ نَسَبَهَا بِمَا يُمَيِّزُهَا، أي عن غيرها، ولا يبعد أن يقوم وصفها بما هي مشهورة به مقام الرفع في نسبها، وَالْخَامِسَةُ: أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِيْنَ فِيْمَا رَمَاهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا، للآية ويعرفها في الغيبة والحضور كما سلف.
وَإِنْ كَانَ وَلَدٌ يَنْفِيْهِ ذَكَرَهُ فِي الْكَلِمَاتِ فَقَالَ: وَإِنَّ الْوَلَدَ الَّذِي وَلَدَتْهُ، أي إن كان غائبًا، أَوْ هَذَا الْوَلَدَ، إن كان حاضرًا، مِنْ زِنًا لَيْسَ مِنِّي، لأنَّ كل مرة بمنزلة شاهد، ولو اقتصر على ذكر الزنا لم يكفِ عند كثيرين، والأصح في التهذيب الإكتفاء حملًا للَّفظ على حقيقته، ولو اقتصر على قوله ليس مني لم يكفِ على