← Фикх шафии

Фикх шафии · id 20561

عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج

ابن الملقن

Полный текст (1 877 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

يَسبِقُهُ قَذْف، وَصَرِيحُهُ: الزنَا كَقَولهِ لِرَجُل أَوِ امرَأةٍ: زَنَيْتَ أؤ زَنَيتِ أو يَا زَانِي أَوْ يَا زَانِيَةُ، لتكرر ذلك وشهرته. فَزعٌ: اللحن بالتأنيث والتذكير قذف. وَالرميُ بإِيلَاج حَشَفة فِي فَرج مَعَ وَصفِهِ بِتَحرِيمِ أو دُبُر صَرِيحَان، لأن مطلق إيلاج الحشفة يقع على الحلال والحرام فلابد من الوصف بالحرام، وَزَنأتَ، أي بالهمز، فِي الجَبَلِ كِنَايَةٌ، لأن الزنا فِي الجبل هو الصعود فيه، وقيل: إن كان قائله من أهل العربية فليس بقذف وإلا فقذف، وَكَذَا زَنأتِ، أي بالهمز، فَقَطْ فِي الأصَح، لأن ظاهره الصعود، والثانى: أنه قذف، والثالث: إن أحسن العربية فليس بقذف إلا بنية؛ وإلاّ فقذف، وَزَنَيت فِي الجَبَلِ صَرِيح في الأصَح، كما لو قال في الدار، والثاني: المنع، إلا أن يريده لاحتمال أنه لين الهمزة، والثالث: أنه صريح في عَالِم باللغة دون غيره، وَقَولُهُ: يَا فَاجِرُ يَا فَاسِقُ وَلَها، أي للمرأة، يَا خَبِيْثَةُ وَأنتِ تُحِبينَ الخَلوَةَ، وَلقُرَشِي يَا نَبطِي، وَلزَوجَتهِ لَم أَجِدكِ عَذْرَاءَ كِنَايَة، فَإن أَنكَرَ إرَادَةَ قذف صُدِّقَ بِيَمِيْنهِ، لأنه أعرف بكلامه، بأن قال: أردت بالنبطي أنه ليس يفصح كالعرب، أو نبطي الدار لأنه يسكن دارهم.

стр. 1402

وَقوله: يَا ابْنَ الحَلَالِ، وَأَما أنَا فَلَست بِزَان، وَنَحوُه تعرِيضٌ لَيسَ بِقَذفٍ وِإن نَوَاه، لأن النية إنما تؤثر إذا احتمل اللفظ المنوي، وهنا لا دلالة في اللفظ ولا احتمال، وما يُفْهمُ منه، فمستنده قرائنُ الأحوال، وفيه وجه أنه كناية وهو قوي. وَقَولُهُ: زَنَيتُ بِكَ إِقرَار بِزِنا وَقَذْف، أي فيترتب عليه مقتضاهما، وَلَوْ قَالَ لِزَوجَتِهِ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَت زَنَيْتُ بكَ أو أَنتَ أَزنَى مِني فقَاذِف وَكَانِيَة، لاحتمال جوابها، فَلَوْ قَالَت: زَنَيْتُ وَأَنتَ أزْنَى مِني، فَمقرة وَقَاذِفَة، لأن كلمة المبالغة؛ وإن كانت تقتضي الاشتراك في الأصل والإختصاص بالزيادة، لكن قولها أنت أزنى مني خارج مخرج الذم، ومثل ذلك محتمل على وضع اللسان كما في قوله تعالى حكاية عن يوسف إذ قال لأخوته: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ (٨١)، وَقَولُهُ: زنى فَرجُكَ أَوْ ذَكَرُكَ قَذفٌ، لأنه آلة ذلك العمل، وَالمَذهب أَن قوله: يَدُكَ وَعَينُكَ، وَلوَلَده: لَسْتَ مِني أو لَسْتَ ابنِي كِنَايَة، وَلوَلَدِ غَيرِهِ لَسْتَ ابنَ فلَان صَرِيح إِلَّا لِمَنفِي بِلَعَان، أما في الأولى: فلأن المفهوم من زنا هذه الأعضاء اللمس والنظر على ما قاله ﵇: [العينَانِ تَزْنِيَانِ وَاليَدَانِ يَزنِيَانِ] (٨٢) وهذه طريقة الأكثرين فيها. والطريق الثاني: حكاية وجهين كما ذكره الرافعي، أو قولين كما حكاه القاضي، ووجه من قال بصراحة ذلك القياس على الفرج بجامع أنه أضاف الزنا إلى عضو من الجملة، وأما في الثانية، والثالثة؛ فالنص فيهما ما ذكره، وللأصحاب طرق أصحها تقرير النصين، والفرق أن الأب يحتاج في تأديب الولد إلى مثل هذا الكلام زجرًا له فيحمل على التأديب

стр. 1403

بخلاف الأجنبي، والطريق الثاني: حكاية قولين أحدهما: أنه صريح فيهما، لأنه السابق إلى الفهم، وأقيسهما أنه كناية؛ لأنه يحتمل غير القذف، وأما الأخيرة: وهي ما إذا قال للولد المنفي باللِّعَان: لست ابن فلان الملاعن، فوجه عدم صراحته قيام الاحتمال، فيسأل فإن قال: أردت تصديق الملاعن في أن أمه زانية فهو قاذف، وإن أراد أن الملاعن نفاه، أو أنه منفي شرعًا، أو لا يشبهه خَلْقا ولا خُلُقًا، صدق بيمينه فإذا حلف قال القفال وجماعة: يعزر للإيذاء، وإن نكل حلفت الأم أنه أراد قذفها واستحقت الحد عليه. فَرع: لو استلحقه النافي ثم قال له رجل: لست ابن فلان، فصريح على المذهب، اللهم إلا أن يدعي احتمالًا ممكنًا كقوله: لم يكن ابنه حين نفاه، فإنه يقبل بيمينه كما رجحه في الروضة. فرع: لو قال للخنثى زنى ذكرك وفرجك فصريح، وإن ذكر أحدهما قال في البيان: الذي يقتضيه المذهب أنه كإضافته إلى اليد، وهذا زاده المصنف هنا في الروضة على الرافعي وهو عجيب، فقد ذكره من كلام الرافعي في باب حد القذف. فَصلٌ: ويحَد قَاذِفُ مُحصَن، ويعَزرُ غَيرُهُ، للإيذاء، وَالمُحصَنُ مُكلفٌ حر مسلم عَفِيفٌ عَنْ وَطْئ يُحد بِهِ، بالاتفاق، وَتبطُلُ العِفْةُ بوَطء مَحرَمٍ مَملُوكَةٍ علَى المَذهبِ، لدلالته على قلة مبالاته، بل غشيان المحارم أشد من مباشرة الأجنبيات، وقوله (عَلَى الْمَذْهَبِ) أشار به إلى أنا إذا أوجبنا الحد بذلك بطلت عفته، وإن لم نوجبه بطلت أيضًا على الأصح لما قلناه، لَا زَوجَتِهِ فِي عدةِ شبهةٍ وأمَةِ وَلَدِهِ وَمَنْكوحَتِهِ بِلَا وَليٍّ في الأصَح، أما في الأولى: فلعدم تأبد الحرمة، وأما في الباقي: فلأنه وطئ ثبت فيه النسب، والثاني: يبطل لحرمته. وَلَوْ زَنَى مَقْذُوف سَقَطَ الحد، أَوْ ارتد فَلَا، لأن الزنا يكتم ما أمكن، فإذا ظهر فالظاهر سبق مثله، والردةُ عقيدة؛ والعقائد لا تخفى غالبًا، فإظهارها لا يدل على سبق الإخفاء.

стр. 1404

وَمَنْ زَنَا مَرَّةً تُمَّ صَلَحَ لَمْ يُعَدَّ مُحْصِنًا، أي حتى لا يحد قاذفه بعد ذلك، ولكن يعزر للإيذاء، والعِرْضُ إذا انخرم لم تَنْسَد ثلمته، واستشكله الإمام في المسلم الكامل، وقال: ما أراه يسلم من الخلاف، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وَحَدُّ الْقَذْفِ يُوْرَثُ وَيَسْقُطُ بِعَفْوٍ، لأنه حق توقف استيفاؤه على مطالبة الآدمي، فكان حقًا له كسائر حقوقه، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ يَرِثُهُ كُلُّ الْوَرَثَةِ، كالمال والقصاص، والثاني: كلهم إلا الزوجين لإرتفاع النكاح بالموت وإنقطاع واسطة المتعيِّر، وَأَنَّهُ لَوْ عَفَى بَعْضُهُمْ فَلِلْبَاقِينَ كُلُّهُ، كحقِّ الشفعة، والثاني: يسقط جميعه كالقصاص، والثالث: يسقط نصيب العافي ويستوفي الباقي لأنه قابل للتقسيط بخلاف القصاص. فَصْلٌ: لَهُ قَذْفُ زَوْجَةٍ عَلِمَ زِنَاهَا، أي كان رآها تزني، أَوْ ظَنَّهُ ظَنًّا مُؤَكَّدًا كَشِيَاعِ زِنَاهَا بِزَيْدٍ مَعَ قَرِيْنَةٍ بِأَنْ رَآهُمَا فِي خَلْوَةٍ، لأن الظن مع القرينة المذكورة التحق في هذه الحالة بالعلم، وكذا لو أقرت ووقع في قلبه صدقها أو سمعه ممن يثقُ به، وَلَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ وَعَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ لَزِمَهُ نَفْيُهُ، لأن تركه يتضمن استلحاقه وهو حرام، وَإِنَّمَا يَعْلَمُ إِذَا لَمْ يَطَأْها أَوْ وَلَدَتْهُ لِدُوْنِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْوَطْءِ أَوْ فَوْقَ أَرْبَعِ سِنِيْنَ، فَلَوْ وَلَدَتْهُ لِمَا بَيْنَهُمَا، أي لما دون أربع سنين وفوق ستة أشهر، وَلَمْ يَسْتَبْرِئْ بِحَيْضَةٍ حَرُمَ النَّفْيُ، أي ولا عبرة بريبة يجدها في نفسه، أو شبهة تخيل إليه فسادًا، وقد صح من حديث أبي هريرة أنه ﵊ قال: [أَيَّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ احْتَجَبَ الله مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ] (٨٣).

стр. 1405

وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِفَوْقِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الإِسْتِبْرَاءِ حَلَّ النَّفْيُ فِي الأَصَحِّ، لأنَّ الإستبراء أمارة ظاهرة على أنَّه ليس منه، لكن المستحب أنَّه لا ينفيه، لأنَّ الحامل قد ترى الدم. والثاني: إن رأى بعد الإستبراء القرينة المبيحة للقذف جاز النفي، بل يلزمه، لأنَّ الغالب على الظن والحالة هذه أنَّه ليس منه، وإن لم يرَ شيئًا لم يَجُزْ، وصححه في أصل الروضة. وقوله (مِنَ الإِسْتِبْرَاءِ) تبع الرافعي هنا، وصحح في الروضة: أن الإعتبار في ستة أشهر من حين يزني الزاني بها. وَلَوْ وَطِئَ وَعَزَلَ حَرُمَ، النفي، عَلَى الصَّحِيْحِ، لأنَّ الماء قد يسبق من غير أن يحس به، ومقابله: هو قول الغزالي فجعله وجهًا. وَلَوْ عَلِمَ زِنَاهَا وَاحْتُمِلَ كَوْنُ الْوَلَدِ مِنْهُ وَمِنَ الزِّنَا حَرُمَ النَّفْيُ، لقيام الإحتمال، وَكَذَا الْقَذْفُ وَاللِّعَانُ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأنَّ نسبتها إلى الزنا وإثباته عليها يعيّر الولد به، والثاني: لا، انتقامًا منها كما إذا لم يكن ولد، وهذا ما ذكره الإمام أنَّه القياس فأثبته الرافعي والمصنف وجهًا. فَصْلٌ: اللَّعَانُ قَوْلُهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِيْنَ فِيْمَا رَمَيْتُ بِهِ هَذِهِ مِنَ الزِّنَا، أي إذا كانت حاضرة، أما إعتبار العدد في لفظ الشهادة فللآية، وأما إعتبار تسمية ما رماها به فلأنه المحلوف عليه، فَإِنْ غَابَتْ، أي عن البلد أو عن المجلس بحيض أو كفر، سَمَّاهَا وَرَفَعَ نَسَبَهَا بِمَا يُمَيِّزُهَا، أي عن غيرها، ولا يبعد أن يقوم وصفها بما هي مشهورة به مقام الرفع في نسبها، وَالْخَامِسَةُ: أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِيْنَ فِيْمَا رَمَاهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا، للآية ويعرفها في الغيبة والحضور كما سلف. وَإِنْ كَانَ وَلَدٌ يَنْفِيْهِ ذَكَرَهُ فِي الْكَلِمَاتِ فَقَالَ: وَإِنَّ الْوَلَدَ الَّذِي وَلَدَتْهُ، أي إن كان غائبًا، أَوْ هَذَا الْوَلَدَ، إن كان حاضرًا، مِنْ زِنًا لَيْسَ مِنِّي، لأنَّ كل مرة بمنزلة شاهد، ولو اقتصر على ذكر الزنا لم يكفِ عند كثيرين، والأصح في التهذيب الإكتفاء حملًا للَّفظ على حقيقته، ولو اقتصر على قوله ليس مني لم يكفِ على

стр. 1406

الصحيح لإحتمال إرادة عدم الشَّبَهِ في الخَلْقِ والخُلُق، ولو أغفل ذكر الولد في بعض الكلمات احتاج إلى إعادة اللِّعان لنفيه، ولا تحتاج المرأة إلى إعادة لعانها في الأظهر. وَتَقُوْلُ هِيَ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِيْنَ فِيْمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا، وَالْخَامِسَةَ: أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِيْنَ فِيْهِ، للآية (٨٤) والقول في تعريفه حاضرًا أو غائبًا كما ذَكَرْنَاهُ في جانبها، ولا يحتاج إلى ذكر الولد على الصحيح؛ لأنَّ لعانها لا يؤثر فيه، وَلَوْ بُدَّلَ لَفْظُ شَهَادَةٍ بِحَلِفٍ وَنَحْوِهِ أَوْ غَضَبٍ بِلَعْنٍ وَعَكْسُهُ أَوْ ذُكِرَا، أي الغضب واللِّعَان، قَبْلَ تَمَامِ الشَّهَادَاتِ لَمْ يَصِحَّ فِي الأَصَحِّ، الخلاف في المسائل كلها مبني على أن المراعى المعنى فيصح، أو نَظْمَ التنزيل فلا يصح. وَيُشْتَرَطُ فِيْهِ، أي في اللِّعَان، أَمْرُ الْقَاضِي، أو نائبه، وَيُلَقِّنُ كَلِمَاتِهِ، لأنَّ المغلب على اللِّعَان حكم اليمين على الأصح كما أسلفته أول الباب، واليمين لا يُعْتَدُّ بها قبل إستحلاف القاضي، وإن غلب فيه معنى الشهادة فهي لا تؤدى إلا عنده، ويؤخذ مما ذكره المصنف إحتياج اللِّعَان إلى حضور الحاكم، وَأَنْ يَتَأَخَّرَ لِعَانُهَا عَنْ لِعَانِهِ، لأنَّ اللِّعَان إما يمين أو شهادة؛ وكل منهما إذا تقدم على وقته لا يعتد به. وَيُلَاعِنُ أَخْرَسُ بِإِشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ، كالبيع وغيره، فإن كانت إشارته لا تفهم؛ فلا يصح قذفه ولا لعانه ولا سائر تصرفاته لتعذر الوقوف على ما يريده. وَيَصِحُّ بِالْعَجَمِيَّةِ، لأنَّ اللِّعَان إما أن يغلب فيه معنى اليمين أو الشهادة وهما باللغتين سواء، وَفِيْمَنْ عَرَفَ الْعَرَبِيَّةَ وَجْهٌ، أي أنَّه لا يصح لعانه بغيرها، لأنها التي ورد الشرع بها، والأصح الأول لما تقدم، ثمَّ إن جهل القاضي تلك اللغة فلابد من مترجم، ويكفي اثنان، ولو من جانب في الأصح.

стр. 1407

وَيُغَلَّظُ بِزَمَانٍ وَهُوَ بَعْدَ عَصْرِ جُمُعَةٍ، أي بعد فعلها، وهذا إذا لم يكن طلب حاثَّ، لأنَّ اليمين فيه أغلظ، فإن كان؛ فبعد العصر أي يوم كان، وَمَكَانٍ وَهُوَ أَشْرَفُ بَلَدِهِ فَبِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، أي وهو المسمَّى بالحطيم، لأنه أشرف البقاع به، فكان اللِّعَان به أغلظ، وعن القفال أنَّه يلاعن في الْحِجْرِ، وَالْمَدِيْنَةِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، أي فيصعده على الأصح (٨٥)، وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، لأنه أشرف البقاع به؛ وفي ابن ماجه أنها من الجنة (٨٦)، وَغَيْرِهَا عِنْدَ مِنْبَرِ الْجَامِعِ، أي عليه كما سلف في المدينة، وَحَائِضٌ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، لتحريم مكثها فيه، وهذا إذا رأى الإمام تعجيل اللِّعَان، فإن رأى تأخيره إلى الإنقطاع والإغتسال جاز قاله المتولي، وهو في الجُنُبِ أولى، وَذِمِّيٌّ فِي بَيْعَةٍ، لَلنصارى، وَكَنِيْسَةٍ، لليهود، لأنَّ ذلك عندهم كالمساجد عندنا. فَرْعٌ: قطع الماوردي: أنَّه لا يحلف بموسى، كما لا يحلف المسلم بِمُحَمَّدٍ وادّعى أن ذلك محظور (٨٧).

стр. 1408

وَكَذَا بَيْتِ نَارِ مَجُوْسِيِّ فِي الأَصَحِّ، لأنهم يعظمونه، والثاني: المنع، لأنه لم يعظم في شريعة قط بخلاف الكنيسة والبيعة، لَا بَيْتِ أَصْنَّامِ وَثَنِيٍّ، لتحريم دخوله، وصورتُهُ: أن يدخلوا دارنا بالأمان أو بالهدنة. فَرْعٌ: من لا ينتحل دينًا كالدهري والزنديق، لا يغلظ عليه بالوجوه المذكورة على الأصح. وَجَمْعٍ، أي ويغلظ بجمع من الأعيان، قال الماوردي: ويعتبر فيهم العدالة والفهم، أَقَلُّهُ أَرْبَعَةٌ، لقوله تعالى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨٨) قيل: المراد بها أربعة، ولأن اللِّعَان سبب للحد؛ ولا يثبت إلا بأربعة واستحب حضورهم. وَالتَّغْلِيْظَاتُ سُنَّةٌ لَا فَرْضٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، كسائر الأيمان، ووجه مقابله الإتباع، والأصح في التغليظ بالمكان والزمان حكاية قولين، وفي الجمع القطع به. ويُسَنُّ لِلْقَاضِي وَعْظُهُمَا وَيُبَالِغُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ، أي لعله يرجع، وَأَنْ يَتَلَاعَنَا قَائِمَيْنِ، للإتباع، فيقوم؛ فيلاعن وهي جالسة، ثمَّ يجلس فتقوم فتلاعن (٨٩). فَصْلٌ: وَشَرْطُهُ زَوْجٌ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، أي فغير الزوج لا يصح لعانه لظاهر الآية،

стр. 1409

وكذا الصبي والمجنون للخبر المشهور (٩٠)، والمكره أيضًا، ودخل في عبارة المصنف السكران، والذمي، والرقيق، والمحدود في القذف، وَلَو ارْتَدَّ بَعْدَ وَطْءٍ فَقَذَفَ وَأَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ لَاعَنَ، وَلَوْ لَاعَنَ ثُمَّ أَسْلَمَ فِيْهَا صَحَّ، لتبيِّن وقوعه في صلب النكاح، أَوْ أَصَرَّ صَادَفَ بَيْنُوْنَةً، أي فإن كان هناك ولد نفاه باللِّعَان نفد، وإلا تبيِّنا فساده. فَصْلٌ: وَيَتَعَلَّقُ بِلِعَانِهِ فُرْقَةٌ وَحُرْمَةٌ مُؤَبَّدَةٌ، وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، للإتباع، وَسُقُوْطُ الْحَدِّ عَنْهُ، للآية (٩١)، وَوُجُوْبُ حَدِّ زِنَاهَا، أي إذا كان القذف بزنًا إضافة إلى حال الزوجية وكانت مسلمة لقوله تعالى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ. . .﴾ الآية (٩٢)، فدل على وجوبه بلعانها، أما إذا قذفها بزنًا إضافة إلى ما قبل الزوجية ولاعن لنفي النسب، فظاهر كلام الرافعي أن الأصح المنع لأن الأصح أنها لا تلاعن، وأما الذمية فهو مبني على وجوب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا؛ إن قلنا: يجب؛ وهو الأصح، لزمها بلعانه الحدُّ رضيت أم لم ترضَ وإلا لم تحد حتى ترضى بحكمنا، وَانْتِفَاءُ نَسَبٍ نَفَاهُ بِلِعَانِهِ، للسُنَّة الثابتة فيه. تَنْبِيْهٌ: يتعلق بلعانه أيضًا سقوط حضانتها في حق الزوج إن لم تلاعن هي، وتشطير الصداق قبل الدخول، وإستباحة نكاح أختها، وأربع سواها، وسقوط حد قذف الزاني بها عن الزوج، إن سمّاه في لعانه. وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى نَفْيٍ مُمْكِنٍ مِنْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ بِأَنْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْعَقْدِ أَوْ طَلَّقَ فِي مَجْلِسِهِ، أَوْ نَكَحَ وَهُوَ بِالْمَشْرِقِ وَهِيَ بِالْمَغْرِبِ لَمْ يَلْحَقْهُ، للإستقراء، وَلَهُ نَفْيُهُ مَيْتًا، لأن نسبه لا ينقطع بالموت، بل يقال مات ولد فلان وهذا قبر فلان، وَالنَّفْيُ عَلَى الْفَوْرِ فِي الْجَدِيْدِ، كالرد بالعيب بجامع نفي الضرر، والقديم المنع، لأن أمر النسب خطير، وربما احتاج إلى نظر وتأمل، فقيل: يمتد ثلاثة أيام، وقيل: متى

стр. 1410

شاء، ومحل الخلاف في نفي الولد، أما اللِّعان فله تأخيره. وَيُعْذَرُ، أي في تأخير اللِّعان، لِعُذْرٍ؛ لأنه لا يعد مقصرًا، وَلَهُ نَفْيُ حَمْلٍ، لقصة هلال ابن أمية، فإنَّه لاعن الحمل قبل وضعه كما رواه البخاري (٩٣)، وانْتِظارُ وَضْعِهِ، ليلاعن على يقين، فإن الْمُتَوَهَّمَ حملًا قد يكون ريحًا فَيَنْفَشَ، نعم: لو قال علمته ولدًا ولكن رجوت أن يموت فأكفى اللِّعان، فإن حقه يبطل على الأصح المنصوص لتفريطه مع علمه. وَمَنْ أَخَّرَ وَقالَ: جَهِلْتُ الْوِلَادَةَ صُدِّقَ بِيَمِيْنِهِ إِنْ كانَ غَائِبًا، لأنَّ الظاهر ما يدعيه، قال في الشامل: اللهم إلا أن يستفيض وينتشر، وَكَذا الْحاضِرُ في مُدَّةٍ يُمْكِنُ جَهْلُهُ فِيْها، أي دون ما لا يمكن، لأنه خلاف الظاهر إذن. وَلَوْ قِيْلَ لَهُ: مُتِّعْتَ بِوَلَدِكَ أَوْ جَعَلَهُ اللهُ لَكَ وَلَدًا صالِحًا، فَقالَ: آمِيْن، أَوْ نَعَمْ، تَعَذَّرَ نَفْيُهُ، لأنَّ ذلك يتضمن الإقرار، والإستلحاق من حيث أنَّه أضافه إلى نفسه ورضي به وهو إذا رضي به ولو في لحظة لم يتمكن من نفيه، فَإِنْ قَالَ: جَزاكَ اللهُ خَيْرًا؛ أَوْ بارَكَ عَلَيْكَ؛ فَلَا، لأنَّهُ يحتمل أنَّه قال ذلك ليقابل التحية، ويحتمل أن يكون لرضاه، وصورة المسألة أن يقال ذلك في وقت العُذر أو تهنئة من لا يسقط حقه بإخباره، ويجوز تصويرها في حال توجهه إلى الحاكم. وَلَهُ اللِّعانُ مَعَ إِمْكانِ بَيِّنَةٍ بِزِناها، لأنَّ كل واحد منهما حجة، وَلَها لِدَفْعِ حَدِّ الزِّنا، أي وللمرأة أن تلاعن في مقابلة لعان الزوج لدفع الحد عن نفسها لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ. . .﴾ الآية (٩٤). فَصلٌ: لَهُ اللِّعانُ لِنَفْيِ وَلَدٍ وَإِنْ عَفَتْ عَنِ الْحَدِّ وَزالَ النِّكاحُ، أي بطلاق

стр. 1411

وغيره للحاجة إلى ذلك، وَلِدَفْعِ حَدِّ الْقَذْفِ وَإِنْ زالَ النِّكاحُ، وَلا وَلَدَ، لذلك أيضًا، وَلِتَعْزِيْرِهِ؛ لأنه غرض صحيح، إِلّا تَعْزِيْرَ تَأْدِيْبٍ لِكَذِبٍ كَقَذْفِ طِفْلَةٍ لَا تُوْطَأُ، لأنه خفيف، وَلَوْ عَفَتْ عَنِ الْحَدِّ أَوْ أَقامَ بَيِّنَةٌ بِزِناها أَوْ صَدَّقَتْهُ وَلا وَلَدَ أَوْ سَكَتَتْ عَنْ طَلَبِ الْحَدِّ أَوْ جُنَّتْ بَعْدَ قَذْفِهِ فَلا لِعانَ في الأَصَحِّ، أما في الأُولى: فلأن اللِّعان حجة ضرورية، وإنما يستعمل لغرض مهم؛ وهو دفع النسب؛ ودفع الحد، ولا ضرورة هنا. ووجه مقابله، وهو أن له اللِّعان لغرض قطع النكاح وغيره، وأما في الثانية: فلما سلف، ووجه مقابله أن اللِّعان يفيد أمورًا، فلأن يفيد بعضها أولى، وأما في الثالثة: وهي ما إذا سكتت فلما سلف، ووجه مقابله: أن له غرضًا في إسقاط الحد، وأما في الأخيرة: فلما سلف، والثاني: أنَّه ينتظر الإفاقة، ولو كان ثمَّ ولد، وأراد نفيه باللِّعان؛ كان له ذلك قطعًا. وَلَوْ أَبَانَهَا، أي بطلاق وغيره، أَوْ مَاتَتْ ثُمَّ قَذَفَها بِزَنًا مُطْلَقٍ أَوْ مُضافٍ إِلَى ما بَعْدَ النِّكاحِ لَاعَنَ إِنْ كانَ وَلَدٌ يَلْحَقُهُ، للحاجة إلى النفي كما في صلب النكاح، فَإِنْ أَضافَ إِلَى ما قَبْلَ نِكاحِهِ؛ فَلا لِعانَ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ، أيْ ويُحَدُّ، لأنه قذفٌ غير محتاج إليه؛ فلا يلاعن لأجله؛ كما في قذفه الأجنبية، وَكَذا إِنْ كانَ في الأَصَحِّ، لأنه مقصر بذكر التاريخ، فكان من حقه أن يقذف مطلقًا، لَكِنْ لَهُ إِنْشاءُ قَذْفٍ وَيُلَاعِنُ، لنفي النسب، ومفهومه: أنَّه إذا أنشأ قذفًا ولاعن؛ أنَّه لا يحد، وهو خلاف ما اقتضاه كلام القاضي حسين، والوجه الثاني: له اللِّعان كما لو قذف مطلقًا، قال في الشرح الصغير: وهو الأظهر عند أكثرهم، وَلا يَصِحُّ نَفْيُ أَحَدِ تَوْأمَيْنِ، لأنَّ الله تعالى لم يجر العادة بأن يجتمع في الرحم ولد من ماء رجل وولد من ماء رجل آخر فلا يتبعض إذن.

стр. 1412

كِتابُ الْعَدَدِ الْعِدَّةُ: أصلُها مِنَ الْعَدَدِ لإِشْتِمالِها عَلَى عَدَدٍ مِنَ الأَقْراءِ أَوِ الأَشْهُرِ، وَهِيَ اسْمٌ لِمُدَّةٍ مَعْدُوْدَةٍ تَتَرَبَّصُ فِيْها الْمَرْأَةُ لِتَعْرِفَ بَراءَةَ الرَّحِمِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِما ذَكَرناهُ؛ وَبِالْوِلَادَةِ. والأَصْلُ فِيْها الإِجْماعُ، والآيَاتُ والأَخْبارُ الآتِيَةُ في الْبَابِ. عِدَّةُ النِّكاحِ ضَرْبَانِ: الأَوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِفُرْقَةِ حَيٍّ بِطَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ، أي أو لعان، وَإِنَّما تَجِبُ بَعْدَ وَطْءٍ، أي ولو من صبيٍ ومقطوع انثيين باقي الذكر لمفهوم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ. . .﴾ الآية (٩٥)، فإن فقده ووجدهما؛ فلا عدة، إن كانت حائلًا دون ما إذا كانت حاملًا، فإنَّه يلحقه كما سيأتي في الباب، فإن فقد الكل فلا عدة لإنتفاء الدخول، أَوِ اسْتِدْخالِ مَنِيِّهِ، لأنه أقرب إلى العلوق من تغييب الحشفة، ونقل الماوردي عن الأصحاب: أن شرط وجوب العدة ولحوق النسب بإستدخال ماء الزوج أن يوجد الإنزال والإستدخال معًا في الزوجية. وَإِنْ تَيَقَّنَ بَراءَةَ الرَّحِمِ، أي للتعبد فيجب على الصغيرة المدخول بها، وعلى المعلق طلاقها، على تيقن البراءة إذا مضى لها بعد وضع الحمل ستة أشهر، لا بِخَلْوَةٍ في الْجَدِيْدِ، للآية السالفة، والقديم: نعم؛ لفتيا عمر وعلي ﵄ بها، والجواب: أنَّه منقطع كما قال البيهقي (٩٦).

стр. 1413

فَصْلٌ: وَعِدَّةُ حُرَّةٍ ذاتِ أَقْراءٍ ثَلَاثَةٌ، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٩٧)، والْقُرْءُ: الطُّهْرُ؛ لأنه المراد في الآية كما قررته في الأصل، فَإِنْ طُلِّقَتْ طاهِرًا، أي قبل جماع فيه أو بعده، انْقَضَتْ بِالطَّعْنِ في حَيْضَةٍ ثالِثَةٍ، إن بقي من الطهر بعد وقوع الطلاق بقية، أَوْ حائِضًا فَفِي رابِعَةٍ، لأنَّ الظاهر أن الذي ظهر حيض، فيكون الطهر قبله قد كمل، أما إذا لم يبق، بأن انطبق آخر لفظ الطلاق على آخر الطهر، ويتصور ذلك بأن يقول أنتِ طالقٌ في آخر أجزاء طهرك أو يقع ذلك اتفاقًا، فالأصح أنَّه لا يعتد بذلك، وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ بَعْدَ الطَّعْنِ، أي في الحيضة الثالثة في المسألة الأُولى، والرابعة في الثانية، لاحتمال أن ذلك دم فساد فلا ينقضي بالشك. فَرْعٌ: ذكر المصنف حكم الطلاق في الحيض والطهر؛ ولم يذكر حكم النفاس، وظاهر كلامه في الروضة تبعًا للرافعي في الحال الثاني في اجتماع عدتين؛ أن النفاس لا يحسب من العدة. وَهَلْ يُحسَبُ طُهْرُ مَنْ لَمْ تَحِضْ قُرءًا؟ قَوْلَانِ. بِناءً عَلَى أَنَّ الْقَرْءَ انْتِقالٌ مِنْ طُهْرٍ إِلَى حَيْضٍ، أَمْ طُهْرٌ مُحْتَوَشٌ بِدَمَيْنِ، والثّانِي أَظْهَرُ، لأنَّ اللفظ مأخوذ من قولهم قرأت الماء في الحوض؛ أي جمعته؛ فزمان الطهر يجتمع فيه الدم في الرحم، وزمان الحيض يجمع شيئًا ويرسل شيئًا إلى أن يدفع الكل، فحصل معنى الجمع فيهما، ووجه مقابله؛ أنَّه من قولهم: قرأ النجم إذا طلع، وقرأ إذا غاب، وهو ما رجحوه فيما إذا قال: أنت طالق في كل قرء طلقة؛ وكانت لا تحيض؛ أنها تطلق في الحال.

стр. 1414

وَعِدَّةُ مُسْتَحَاضَةٍ بَأَقْرَائِهَا الْمَردُوْدَةِ إِلَيهِا، أي من العادة أو الأقل أو الغالب إن كانت مبتدأة كما مر في الحيض، وعلى القولين إذا مضت ثلاثة أشهر فقد انقضت عدتها لاشتمال كل شهر على حيض وطهر غالبًا. وَمُتَحَيِّرَةٍ بِثَلَاثةِ أَشْهُرٍ فِي الْحَالِ، لئلا تبقى معطلة طول عمرها، وعلى هذا فالاعتبار بالأهلة، فإن انطبق الطلاق على أول الهلال فذاك، وإن وقع في أثناء الشهر الهلالي فإن كان الباقي خمسة عشر فما دونها لم تحسب قرءًا على الأصح، وإن كان أكثر من خمسة عشر، حسب قرءًا، واعتدت بعده بهلالين وهذا وارد على المصنف، وَقيلَ: بَعْدَ الْيَأْسِ، لأنها قبله متوقعة الحيض المستقيم. وَأُمُّ وَلَدٍ وَمُكَاتَبَةٍ وَمَنْ فِيْهَا رِقٌ بِقَرْءَينِ، لعدم تبعيض القرء الثاني، وَإِنْ عَتَقَتْ فِي عِدَّةِ رَجْعَةٍ كَمَّلَتْ عِدَّةَ حُرَّةِ فِي الأَظْهَرِ، لأنها كالزوجة، أَوْ بَيْنُونَة فَأَمَةٌ فِي الأَظْهَرِ، لأنها كالأجنبية، والثاني: تُتِمُّ عدة حرَّة مطلقًا كالرجعية، والثالث: تُتِمُّ عدة أمة مطلقًا كالبائن. فَصْلٌ: وَحُرَّةٍ, أي وعدة حرة، لَمْ تَحِضْ أوْ يَئِسَتْ بِثَلَاثةِ أَشْهُرِ، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ. . .﴾ الآية (٩٨)، فَإِنْ طُلِّقَتْ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ فَبَعْدَهُ هِلَالَانِ وَتُكَمِّلُ الْمُنْكَسِرَ، أى وهو الأول، ثَلاثِيْنَ، وسواء كان ذلك الشهر كاملًا أو ناقصًا، فَإِن حَاضَتْ فِيْهَا، أي في أثناء الشهور، وَجَبَتِ الأَقْرَاءُ، بالإجماع ولا يحسب ما مضى قرءًا في الصغيرة على الأصح. وَأَمَةٍ بِشَهْرٍ وَنِصْفٍ، لإمكان التبعيض، وَفِي قَوْلٍ: شَهْرَانِ، بدلًا عن قرئين، وَفِي قَوْلٍ: ثَلَاثَةٌ، لعموم الآية (٩٩).

стр. 1415

وَمَن انْقَطَعَ دَمُهَا لِعِلَّةٍ، أي تعرف، كَرَضَاعٍ وَمَرَضٍ تَصْبِرُ حَتَّى تَحِيضَ، أي فَتَعْتَدُّ بالإقراء, أوْ تَيْأَس؛ فَبِالأَشْهُرِ، ولا تبالي بطول مدة الإنتظار. فَرْعٌ: روى سعيد بن منصور عن ابن عمران؛ أنه سُئل عن المرأة تشرب الدواء ليرفع حيضها حتى تطوف وتنفر، فلم يرَ به بأسًا ونَعَتَ (•) لهم ماء الأراك. أَوْ لَا لِعِلْةٍ فَكَذَا فِي الْجَدِيْدِ، كما لو انقطع لعلة، وَفِي الْقَدِيْم تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، لأنها مدة الحمل غالبًا، وَفِي قَوْلٍ: أَرْبَعَ سِنِيْنٍ، لتتحقق براءة الرحم، ثُمَّ تَعْتَدُّ بِالأَشْهُرِ، وفي قول مخرَّج ستة أشهر، ثم تعتد بثلاثة أشهر، لأنه أشْهَرُ، وبه أفتى ابن البارزي (•) لعظم مشقة الإنتظار إلى سن اليأس، ولغلبة الظن ببراءة الرحم، قال: ويتجه ذلك فيما إذا انقطع لعلة أيضًا، ويقال: تتربص أربع سنين لتتيقن براءة الرحم. فَعَلَى الْجَدِيْدِ لَوْ حَاضَتْ بَعْدَ الْيَأْسِ فِي الأَشْهُرِ وَجَبَتِ الأقْرَاءُ، لقدرتها على الأصل، ويُحسب ما مضى قرءًا بلا خلاف. أَوْ بَعْدَهَا، أي بعد تمام الأشهر، فَأَقْوَالٌ أَظْهَرُهَا إِنْ نُكِحَتْ فَلَا شَيْءَ، لتعلق حق الزوج، وَإِلَّا فَالأَقْرَاءُ، لأنه تبين أنها ليست من الآيسات، والثاني: تنتقل إلى الإقراء مطلقًا، لأنه بَانَ أنها ليست أيسة، والثالث: المنع مطلقًا، لانقضاء العدة ظاهرًا كما لو حاضت الصغيرة بعد الأشهر. وَالْمُعْتَبَرُ يَأْسُ عَشِيْرَتِهَا، أي من الأبوين لتقاربهن في الطبع، وَفِي قَوْلٍ: كُلِّ النِّسَاءِ، للاحتياط، قُلْتُ: ذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، ولا يمكن طوف العالم، والمراد ما بلغنا خبره، والمراد نساء زمانها دون غيرهن؛ وفي أقصى سن اليأس أوجه؛ أصحها: أنه اثنان وستون سنة.

стр. 1416

فَصْلٌ: عِدَّةُ الْحَامِلِ بِوَضْعِهِ بشَرْطِ نِسْبَتِهِ إِلَى ذِي الْعِدَّةِ وَلَوْ احْتِمَالًا كَمَنْفِيِّ بِلِعَانٍ، لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. . .﴾ الآية (١٠٠)، فإن لم يكن كونه منه، كما إذا مات الصبي الذي لا يتصور منه الإنزال والجماع، وامرأته حامل فعدتها بالأشهر كما سيأتي، فإن الولد غير لاحق به، وَانْفِصَالٍ كُلِّهِ حَتَّى ثَانِي تَوْأَمَيْنِ، لظاهر الآية المذكورة. وَمَتَى تَخَلَّلَ دُوْنَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَتَوْأَمَانِ، أي فإن كان بينهما ستة أشهر فصاعدًا فالثاني حمل آخر، وَتَنْقَضِي بِمَيِّتٍ، لإطلاق الآية، لَا عَلَقَةٍ، لأنها لا تعد حملًا (•)، وَبِمُضْغَةٍ فِيْهَا صُوْرَةُ آدَمِيِّ خَفِيَّةٌ أَخْبَرَ بِهَا الْقَوَابِلُ، أي فإن العدة تنقضي بوضعها أيضًا، فَإن لَمْ يَكُنْ صُوْرَةً، أي لا بيّنة ولا خفية، وَقُلْنَ، أي القوابل: هِيَ أَصْلُ آدَمِيِّ انْقَضَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأن القصد من العدة معرفة براءة الرحم وهي تحصل برؤية الدم فمثل هذا أولى، والقول الثاني: أنها لا تنقضي؛ وهو مخرَّجٌ من الغُرَّة، وأُميِّة الولد كما نص عليه فيهما، والأول فرق؛ بأن الأصل براءة الذمة من الغرة فلا تجب بالشك، وأمية الولد منوطة باسم الولد، وهذا لا يسمى ولدًا؛ والعدة منوطة باسم الحمل، وهذا يسمى حملًا بخلاف العلقة، وهذه الطريقة هي الصحيحة. أن المسألة على قولين. والطريقة الثانية: القطع بالأول. وَلَوْ ظَهَرَ فِي عِدَّةِ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرِ حَمْلٌ لِلزَّوْجِ اعْتَدَّت بِوَضعِهِ، لأنه يدل على البراءة قطعًا بخلافهما، وَلَوِ ارْتَابَتْ فِيهَا؛ لَمْ تَنكِح حَتَّى تَزُوْلَ الرِّيْبَةُ، أي فإن نكحت بطل لِلتَّرَدُّدِ، أَوْ بَعْدَهَا، أي بعد تمام الأقراء أو الأشهر، وَبَعْدَ نِكَاح اسْتَمَرَّ، لحكمنا بانقضاء العدة ظاهرًا وثبوت حق الزوج الثاني، إِلَّا أَنْ تَلِدَ لِدُوْنِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ عَقْدِهِ، أي فإنه لا يستمر النكاح بل يبطل لأنا تحققنا أنها كانت حاملًا يوم النكاح، أَوْ بَعْدَهَا قَبْلَ نِكَاحٍ فَلْتَصْبِرْ لِتَزُوْلَ الرِّيبَةُ، إذ هو الاحتياط،

стр. 1417

فَإِنْ نَكَحَتْ فَالْمَذْهَبُ عَدَمُ إِبْطَالِهِ فِي الْحَالِ، لأن العدة قد انقضت ظاهرًا، فَإِنْ عُلِمَ مُقْتَضِيْهِ أَبْطَلْناهُ، هذا أصح الطرق القطع بهذا، والطريق الثاني: القطع بالبطلان مع الريبة، لأنها لا تدري؛ هل هي حلال للأزواج أم لا؟ والثالث: قولان؛ كمن باع مال أبيه على ظن حياته فبان موته. وَلَوْ أَبَانَهَا، أي بالخلع أو غيره، فَوَلَدَتْ لأَرْبَعِ سِنِيْنَ؛ لَحِقَهُ، لقيام الإمكان، فإن مدة الحمل قد تبقى أربع سنين، والدليل على ذلك الاستقراء كما حكاه مالك، وتعتبر الأربع من وقت الإبانة، قال أبو منصور التميمي: ينبغي أن يعتبر من إمكان العلوق، قال الرافعى: وهو قويمٌ؛ وفي إطلاقهم تساهل، أَوْ لأَكْثَرَ فَلَا، لعدم الامكان، فإن الأصل فيما زاد على المدة المستقرأة، العدم. وَلَوْ طَلّقَ رَجْعِيًّا، حُسِبَتِ الْمُدَّةُ مِنَ الطّلَاقِ، لأنها كالبائن في تحريم الوطئ، فكذلك في أمر الولد. وَفِي قَوْلٍ: مِنَ انْصِرَامِ الْعِدَّةِ، لأنها كالمنكوحة في معظم الأحكام، وعلى هذا تتمادى مدة اللحوق بلا تقدير إن لم تقر بانقضاء العدة، لأن الطهر قد يتباعد سنين؛ وإلا فلا. وَلَوْ نَكَحَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَوَلَدَتْ لِدُوْن سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَكَأَنَّهَا لَمْ تَنْكِحْ، أي ويكون الحكم كما مر، وَإِن كَان لِسِتَّةٍ فَالْوَلَدُ لِلثَّانِي، أي وإن أمكن كونه من الأول، لأن الفراش الثاني تأخر وهو أقوى. وَلَوْ نَكَحَتْ فِي الْعِدَّةِ فَاسِدًا فَوَلَدَت لِلإِمْكَانِ مِنَ الأَوَّلِ لَحِقَهُ وَانْقَضَتْ، أي العدة، بِوَضْعِهِ ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلثَّانِي، أَوْ لِلإِمْكَانِ مِنَ الثَّانِي لَحِقَهُ، لما قررناه قبل، وهذه المدة من الثاني معتبرة من وقت الوطء لا من النكاح على الأصح، أَوْ مِنْهُمَا، أي وإن وجد الإمكان منهما معًا، عُرِضَ عَلَى قَائِفٍ، لما سيأتي في موضعه، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمَا فَكَالإِمْكَانِ مِنهُ فَقَطْ، أى وإن ألحقه بهما أو اشتبه الأمر عليه أو لم يكن قائف انتظر بلوغه وانتسابه بنفسه. فَصْلٌ: لَزِمَهَا عِدَّتَا شَخْصٍ مِنْ جِنْسٍ بِأَن طَلَّقَ ثُمَّ وَطِئَ فِي عِدَّةِ أَقْرَاءٍ أَوْ

стр. 1418

أَشْهُر جَاهِلًا، أي إن كان الطلاق بائنًا، أَوْ عَالِمًا فِي رَجْعِيَّةٍ تَدَاخَلَتَا؛ فَتَبْتَدِئُ عِدَّةً مِنَ الْوَطْءِ؛ وَيَدْخُلُ فِيهَا بَقِيَّةُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ، لأنه لا معنى للتعدد والحالة هذه لاتحاد الجنس، فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا حَمْلًا وَالأُخْرَى أَقرَاءً، أي بأن طلقها وهي حامل ثم وطئها قبل الوضع، أو طلقها وهي حائل ثم وطئها في الأقراء، ثم أحبلها، تَدَاخَلَتَا فِي الأَصَحِّ، لأنهما من شخص واحد فأشبها المتجانسين، والثاني: لا، لاختلاف الجنس، فَتَنْقَضِيَانِ بِوَضْعِهِ، لأنه فائدة التداخل، وَيُرَاجَعُ قَبْلَهُ، أى قبل الوضع إن طرأ الوطء، وهي تعتد بالحمل؛ لأنها في عدة الطلاق الرجعي والحمل لا يتبعض. وَقِيْلَ: إِنْ كَن الْحَمْلُ مِنَ الْوَطْءِ فَلَا، لأن عدة الطلاق قد سقطت؛ وهي الآن معتدة عن الوطء، والأصح: نعم؛ لأنها في عدة الطلاق، فإن وجبت عليها عدة أخرى كما قدمته؛ وجميع ما ذكرناه فيما إذا كانت لا ترى الدم على الحمل أو تراه، وقلنا ليس هو بحيض، فأما إن جعلناه حيضًا، فهل تنقضي مع الحمل العدة الأخرى بالأقراء؟ فيه وجهان؛ أظهرهما: نعم، أَوْ لِشَخْصَينِ بِأَنْ كَانَتْ فِي عِدَّةِ زَوْجٍ أَوْ شُبْهَةٍ فَوُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ كَانَتْ زَوْجَةً مُعْتَدَّةً عَنْ شُبْهَةٍ فَطُلِّقَتْ فَلَا تَدَاخُلَ، أي فتعتد عن كل منهما عدة كاملة خلافًا لأبي حنيفة، لنا أثر عمر ﵁ (•) في ذلك كما رواه إمامنا عن مالك بسنده (١٠١)، ولأنهما حقان مقصودان من جنس

стр. 1419

واحد لثابتي الحرمة فلا يتداخلان كالديتين. فَإِنْ كَان حَمْلٌ قَدَّمَتْ عِدَّتَهُ، أي سواء كان الحمل سابقًا أو لاحقًا، لأن عدة الحمل لا تقبل التأخير، وَإِلَّا، أي وإن لم يكن هناك حمل، فَإِنْ سَبَقَ الطَّلَاقُ، أي وطء الشبهة، أَتَمَّتْ عِدَّتَهُ، لتقدمها وقوتها؛ لأنها تستند إلى عقد جائز وسبب مسوغ، ثُمَّ اسْتَأْنفَتِ الأُخْرَى وَلَهُ الرَّجْعَةُ فِي عِدَّتِهِ، أي إن كان الطلاق رجعيًا، قال الروياني: لكن لا يراجعها في مدة اجتماع الواطئ بها؛ لأنها حينئذ خارجة عن عدة الأول وفراش لغيره، فلا تصح الرجعة في تلك الحالة، فَإِذَا رَاجَعَ انْقَضَتْ، أي العدة، وَشَرَعَتْ فِي عِدَّةِ الشُّبْهَةِ، وَلَا يَسْتَمْتُعِ بِهَا حَتَّى تَقْضِيَهَا، وهل له تجديد نكاحها إن كان الطلاق بائنًا؟ فيه وجهان أظهرهما: نعم، لأنها في عدته، وِإِنْ سَبَقَتِ الشُّبْهَةُ قَدَّمَتْ عِدَّةَ الطَّلَاقِ، لأن سبب عدة الطلاق أقوى لتعلقها بالنكاح، وَقِيْلَ: الشُّبْهَةِ، لسبقها عدة الوطء. فَصْلٌ: عَاشَرَهَا كَزَوْجٍ بِلَا وَطْءٍ فِي عِدَّةِ أَقْرَاء أَوْ أَشْهُرِ؛ فَأَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا إِنْ كَانَتْ بَائِنًا انْقَضَتْ وَإِلَّا فَلَا، لأن مخالطة البائن محرمة بلا شبهة فلا يؤثر في العدة كوطئها في الدبر، وفي الرجعية الشبهة قائمة، وهو بالمخالطة مستفرشٌ لها، فلا يحسب زمن الاستفراش من العدة كما لو نكحت في العدة زوجًا جاهلًا بالحال؛ لا يحسب زمن استفراشه. والثاني: لا تحسب تلك المدة من العدة مطلقًا، لأنها شبيهة بالزوجات دون المطلقات المهجورات، والثالث: تحسب مطلقًا؛ لأن هذه المخالطة لا توجب عدة فلا يمنعها، وحكاه الغزالي وشيخه عن المحققين، واحترز بقوله (عَاشَرَهَا) عن معاشرة الأجنبي العالم فإنها لا تؤثر كوطئه، كما ذكره المصنف بعد؛ وتنصيصه على الإقراء والأشهر مُخْرَجٌ للمعتدة بالحمل، فإن المعاشرة لا تمنع الانقضاء

стр. 1420

بحال، وخرج بقوله (بِلَا وَطْءٍ)؛ ما إذا وطئ، فإنه إن كان طلاقًا بائنًا، فإن ذلك لا يمنع انقضاء العدة، لأنه وَطْؤُ زنًا لا حرمة له، وإن كان رجعيًا فلا يشرع في العدة مادام يطأها، لأن العدة لبراءة الرحم وهي مشغولة. ولَا رَجْعَةَ بَعْدَ الأَقْرَاءِ وَالأَشْهُرِ، عملًا بالاحتياط في الجانبين، كما لو وطئ الرجعية بعد مضي قرأين من وقت الطلاق عليها؛ أن تعتد بثلاثة أقراء من وقت الوطء، ولا تجوز الرجعة في القرء الثالث، وهذا ما نقله الرافعي في المحرر عن المعتبرين، وفي الشرح الصغير عن الأئمة، ولم ينقله في الكبير إلا عن البغوي وحده لنفسه، ثم قال: وفي فتاوي القفال ما يوافقه، قلت: وهذا ذكره البغوي في فتاويه تفقهًا لنفسه بعد أن ذكر أولًا أن الأصحاب قالوا: بثبوت الرجعة، وكذا جزم به القاضي في فتاويه وتعليقه في كتاب الطلاق، قُلْتُ: وَيلْحَقُهَا الطلَاقُ إِلَى انْقِضَاءِ العِدَّةِ، لأنه مقتضى الاحتياط. وَلوْ عَاشَرَهَا أَجْنَبِيٌّ انْقَضَتْ، وَالله أَعْلَمُ، أي ولا تؤثر مخالطته كما لا يوثر وطؤه، وَلَوْ نَكَحَ مُعَتَدَّةَ يَظَنِ الصِّحَّةَ وَوَطِئَ انْقَطَعَتْ مِنْ حِيْنِ وَطِئَ، لأن النكاح الفاسد لا حرمة له ولا يجعل المرأة فراشًا ما لم يوجد الوطء، وَفِي قَوْلِ أَوْ وَجْهٍ: مِنَ الْعَقْدِ، لأنها بالعقد معرضة عن العدة. وَلَوْ رَاجَعَ حَائِلًا أي ومسَّها، ثُمَّ طَلَّق اسْتَأْنَفَتْ، لأن المسيس يقتضي عدة كاملة، وَفِي الْقَدِيْمِ تَبْنِي إِن لَمْ يَطَأ، كما لو أبانها ثم جدد نكاحها وطلقها قبل أن يمسها، والجديد الاستئناف لأن الرجعية زوجة، أَوْ حَامِلًا فَبِالْوَضْع، أصابها أو لم يصبها للآية (١٠٢)، فَلَوْ وَضَعَتْ ثُمَّ طَلَّقَ اسْتَأْنَفَتْ، أىِ إن أصابها؛ لأنه طلق في نكاح وجد فيه المسيس فيوجب العدة، والوضع حصل فِي صلب النكاح، والعدة لا

стр. 1421

تنقضي بما يوجد في صلب النكاح، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَطَأْ بَعْدَ الْوَضْعِ فَلَا عِدَّةَ، أي ويحكم بانقضاء عدتها بالوضع. تَنْبِيْهٌ: هذا كله إذا طلقها ثم راجعها ثم طلقها كما فرضه المصنف، فلو طلقها ولم يراجعها ثم طلقها فالمذهب: أنها تبني على العدة الأُولى، لأنهما طلاقان لم يتخللهما وطؤ، فلا رجعة فصار كما لو طلقها طلقتين معًا، وقيل: القولان. وَلَوْ خَالَعَ مَوْطُؤءَةً ثُمَّ نَكَحَهَا ثُمَّ وَطِئَ ثُمَّ طَلَّقَ، أي أو خالعها ثانيًا، اسئتَأْنَفَتْ، أي العدة، وَدَخَلَ فِيهَا الْبَقِيَّةُ، أي بقية العدة السابقة؛ لأنهما من شخص واحد، وقد اقتضى كلام المصنف صحة نكاح المختلعة في عدته وهو المذهب، وخالف فيه المزني، وإن كان النكاح يقطع العدة الأُولى وهو الأصح. فَصْلٌ: عِدَّةُ حُرَّةٍ حَائِلٍ لِوَفَاةٍ وَإِنْ لَمْ تُؤطَأ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشرَةُ أيَّامٍ بِلَيَالِيْهَا، بالإجماع، وَأَمَةٍ نِصْفُهَا، لأنها على النصف من الحرة، وَإِنْ مَاتَ عَن رَجْعِيَّةٍ انْتَقَلَتْ إِلَى وَفَاةٍ, لاندراجها تحت قوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا. . .﴾ الآية (١٠٣)، فيجب الإحداد وتسقط النفقة، أَوْ بَائِنٍ فَلَا، لأنها أجنبية، وَحَامِلٍ بِوَضْعِهِ، للآية (١٠٤)، وسواء في ذلك الحرة والأمة، ولو وضعت بعد موت الزوج انقضت، وحديث سبيعة المشهور في الصحيح (١٠٥) يدل له، بِشَرْطِهِ السَّابِقِ، أي وهو أن تضع الحمل بتمامه،

стр. 1422

وأن يكون الحمل ظاهرا منه ولو احتمالًا، فَلَو مَاتَ صَبِي عَنْ حَامِل فَبِالأشْهُرِ، أي لا بالوضع، لأن الحمل منفي عنه كما سلف، وَكَذَا مَمْسُوْح، أي وهو فاقد الذكر والأنثيين فتعتد زوجته بالأشهر، إِذ لَا يَلْحَقُهُ عَلَى المَذْهَبِ، لأن العادة لم تجر به، ومقابله قول: أنه يلحقه لبقاء المعدن والمجرى؛ وحَكمَ به ابن حربويه. وكان ينبغي له أن يعبر بالأظهر لا بالمذهب لما عرفته. وَيَلْحَقُ مَجْبُوْبًا بَقِيَ أُنْثَيَاهُ، لبقاء أوعية المني، فَتَعتَدُّ بِهِ، أي بوضع الحمل، وَكَذَا مَسْلُوْلٌ بَقِيَ ذَكَرُهُ بهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأن آلة الجماع باقية، وقد يبالغ في الإيلاج فيلتذ وينزل ماء رقيقًا، ومقابله وجهان؛ أحدهما: أنه لا يلحقه، والثاني: إن كان مسلول اليمنى لم يلحقه لأنها للمني، واليسرى للشعر وإلا لحقه، وكان ابن الحداد فاقد اليمنى، فكان لا ينزل وكانت لحيته طويلة، فكان ينبغي للمصنف أن يعبر بالأصح لا بالمذهب، كما عبر به في الروضة في اللعان، نعم: فيها هنا كما في الكتاب. وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ وَمَاتَ قَبْلَ بَيَانٍ أَوْ تَعْيِيْنِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَطَأ، أي واحدة منهما، اعْتَدَّتا لِوَفَاةٍ، لأن كل واحدة يحتمل أن تكون مفارقة بالموت كما يحتمل أن تكون مطلقة، ولابد من الأخذ بالاحتياط، وَكَذَا إِن وَطِئَ، أي كلا منهما، وَهُمَا ذَوَاتَا أَشْهُرٍ؛ أَوْ أَقْرَاءِ وَالطَّلَاقُ رَجْعِيٌّ، لما قلناه أيضًا، فَإِنْ كَانَ بَائِنًا اعْتَدَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِالأَكْثَرِ مِنْ عِدَّةِ وَفَاةٍ وَثَلَاثَةِ مِنْ أَقْرَائِهَا، عملًا بالاحتياط في ذلك أيضًا، وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ مِنَ الْمَوْتِ، وَالأَقرَاءُ مِنَ الطَّلَاقِ، أي حتى لو مضى قرء من وقت الطلاق ثم مات الزوج فعليها الأقصى من عدة الوفاة ومن قرأين من أقرائها. فَصْلٌ: وَمَنْ غَابَ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ لَيْسَ لِزَوْجَتِهِ نِكَاحٌ حَتَّى يُتَيَقَّنَ مَوْتُهُ أَوْ طَلَاقُهُ، لأن الأصل بقاء الحياة، ولأن ماله لا يورث وأم ولده لا تعتق، وَفِي الْقَدِيْمِ تَرَبُّصُ أَرْبَعَ سِنِيْنَ ثُمَّ تَعْتَدُّ لِوَفَاةٍ وَتَنْكِحُ، أي عدة الوفاة اتباعًا لعمرَ، فإنه قضى به واشتهر من غير إنكار، ومن انتصر للأول أجاب عنه بأنه مخالف للقياس المقدم على قول الصحابي، فَلَوْ حَكَمَ بِالْقَدِيْم قَاضٍ نُقِضَ عَلَى الْجَدِيْدِ فِي الأَصَحِّ، لأن المجتهد

стр. 1423

لا يجوز له تقليد الصحابة في الجديد فكان مقابله مبني على مقابله، وَلَوْ نَكَحَتْ بَعْدَ التَّرَبُّصِ وَالْعِدَّةِ فَبَانَ مَيتًا، أي وقت الحكم بالفرقة، صَحَّ عَلَى الْجَدِيدِ فِي الأَصَحِّ، إذ الفُرقة والحالة هذه تحصل باطنًا قطعًا، وهذا الخلاف مبني على الخلاف فيما إذا باع مال أبيه على ظن حياته؛ فبان موته، وقد سلف البيع أن الأظهر الصحة. فَصْلٌ: وَيجِبُ الإِحْدَادُ عَلَى مُعْتَدَّةِ وَفَاةٍ، بالإجماع، لَا رَجْعِيَّةٍ، لبقاء أحكام النكاح فيها، ويُسْتَحَبُّ لِبِائِنٍ، لأنها معتدة عن طلاق فأشبهت الرجعية، وَفِي قَوْلِ: يَجِبُ، قياسًا على المتوفي عنها، والأظهر المنع؛ لأنها مهجورة لا متفجعة. فَرْعٌ: المعتّدة عن وطء شبهة أو نكاح فاسد وأم ولد لا إحداد عليهن قطعًا لانتفاء الزوجية. فَرْعٌ: يجب الإحداد على الذمية ولولي الصغيرة والمجنونة مَنْعَهُمَا مما تمنع منه الكبيرة العاقلة. وَهُوَ، أي الإحداد، تَرْكُ لُبْسِ مَصْبُوغٍ لِزِيْنَةٍ وَإنْ خَشُنَ، لقوله ﵊: [وَلَا تلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ] متفق عليه (١٠٦)، وَقِيْلَ: يَحِلُّ مَا صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ، أي كالبرود لقوله ﷺ : [إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ] فإنه ما صبغ غزله ثم نُسِجَ والعَصْبُ بفتح العين وإسكان الصاد المهملتين، والأصح المنع كالمصبوغ بعده، وأجيب بحمل الرواية الأُولى على ما يباح من المصبوغ على أنه في

стр. 1424

رواية البيهقي [وَلَا ثَوْبَ عَصْبٍ] لكن قال: إنها ليست محفوظة (١٠٧). وَيُبَاحُ غَيْرُ مَصْبُوْغٍ مِنْ قُطْنٍ وَصُوْفٍ وَكَتَّانٍ، لأن نفاستها لأجل صَنْعتها لا من زينة دخلت عليها، وَكَذَا ابْرِيْسَمُ فِي الأصَحِّ، إذا لم يحدث فيه زينة، والثاني: يحرم، وهو قوي فإنه من أعظم أنواع الزينة، فعلى هذا لا يلبس العتابي الذي أكثره ابريسم، ولها لبس الخز قطعًا لاستتار الابريسم فيه بالصوف قاله في البحر. وقال الرافعي: وهذا التوجيه يتفرع على تحريم لبس الإبريسم إذا لم يكن مستترًا، وَمَصْبُوْغٌ لَا يُقْصَدُ لِزِيْنَةٍ، أي بل يعمل للمصيبة، واحتمال الوسخ كالأسود والكحلي لأنه أبلغ في الحداد. وَيحْرُمُ حِلِيُّ ذَهَبٍ وَفِضَّةِ، للنص فيه في سنن أبي داود والنسائي بإسناد حسن (١٠٨)، قال الروياني: ولو تحلت بنحاس أو رصاص؛ فإن كان مموهًا بذهب أو فضة أو مشابهًا لهما بحيث أنه لا يعرف إلاّ بتأمل، أو لم تكن كذلك ولكنها من قوم يتزينون بمثل ذلك فحرام وإلاّ فحلال، وَكَذَا لُؤْلُؤٌ فِي الأصَحِّ، لأن الزينة ظاهرة فيها، ووجه مقابله؛ أنه ليس كالذهب، ولذلك لا يحرم على الرجال، وهذا التردد هو للإمام لا للأصحاب فاعلمه، وَطِيْبٌ فِي بَدَنٍ، أي إلاّ في حال طهرها من

стр. 1425

الحيض للحديث الصحيح فيه (١٠٩)، وَثَوْبٍ وَطَعَامٍ وَكُحْلِ، بالقياس لقيام المعنى، والطيب المحرم: هو ما حُرِّم على المُحْرِم حنى أكلُ ما فيه طيب ظاهر. فَرْعٌ: لا يحرم الطيب عند الحاجة، ذكره في النهاية. واكْتِحَالٌ بِأثْمِدٍ، للحديث الصحيح فيه وهو قوله ﵊: [وَلَا تَكْتَحِلُ]، رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن (١١٠)، ولأن فيه زينة وسواء في ذلك البيضاء والسوداء والكحل الأصفر كالاثمد لا التوتياء إذ لا زينة فيه، إِلاّ لِحَاجَةٍ كَرَمَدٍ، أي فيرخص فيه بحسب الحاجة فتمسحه نهارًا إذا لم تدع إِلَيْهِ ضرورةٌ. فَرْعٌ: يحرم عليها حشو حاجبها بالكحل فإنه يُتَزَيّن به فيه، وَاسْفِيْدَاجٌ، وَدُمَامٌ، وَخِضَابُ حِنَّاءٍ وَنَحْوِهِ، لأنه زينة؛ والاسفيداج معروفٌ يعمل من الرصاص. والدمام بضم الدال وكسرها الحمرةُ. وَيحِلُّ تَجْمِيْلُ فِرَاشٍ وَأثَاثٍ لأن الاحداد في البدن لا في الفراش. فَرْعٌ: لا بأس بجلوسها على الحرير والاستناد إليه قاله بعض المتأخرين. وفي التحافها به نظر، قال: والأشبه المنع لكونه لبسًا. وَتَنْظِيْفٌ بِغَسْلِ رَأسٍ؛ وَقَلْمٍ؛ وَإِزَالَةٍ وَسَخٍ، لأن ذلك ليس من الزينة كما قاله

стр. 1426

الرافعي، قُلْتُ: وَيَحِلُّ امْتِشَاطٌ وَحَمَّامٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ خُرُوْجٌ فِيْهِ مُحَرَّمٌ، أي لما قلناه، وَلَوْ تَرَكَتِ الإحْدَادَ عَصَتْ، أي لتركها الواجب، وَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ كَمَا لَوْ فَارَقَتِ الْمَسْكَنَ، أي فإنها تعصي وتنقضي به العدة، وَلَوْ بَلَغَتْهَا الْوَفَاةُ بَعْدَ الْمُدَّةِ كَانَتْ مُنْقَضِيَةً، لقول علي ﵁[الْعِدَّةُ مِنْ يَوْمِ يَمُوتُ أَوْ يُطَلَّقُ] رواه البيهقي (١١١)، والأشهر عنه: أنها تعتد من يوم يأتيها الخبر. فَرْعٌ: عدة طلاق الغائب من حين الطلاق لا من حين بلوغ الخبر أيضًا. وَلَهَا إِحْدَادٌ عَلَى غَيْرِ زَوْجٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لقوله ﷺ : [لَا يَحِلُّ لإمْرَأَةٍ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا] متفق عليه (١١٢)، وَتَحْرُمُ الزِّيَادَةُ، وَالله أعْلَمُ، للحديث المذكور، وتحريم الزيادة على الثلاث مشروط بأن يكون الترك فيه لأجل الإحداد؛ فإن تركت الطيب مثلًا بلا قصد لم يحرم، كما ذكره المصنف في أصل الروضة في أوائل الشقاق.

стр. 1427

فَرْعٌ: ذكر في النهاية أن الرجل كالمرأة في التحزن ثلاثة أيام، وقد يستشكل بأن النساء يضعفن على المصائب بخلاف الرجال. فَصْلٌ: تَجِبُ سُكْنَى لِمُعْتَدَّةِ طَلَاقٍ وَلَوْ بَائِنٌ، لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ (١١٣) وسواء كانت حائلًا أم حاملًا، نعم: الصغيرة والأَمَة لا سكنى لهما إذا لم نُوْجِبْ نفقتهما في صلب النكاح، إِلاَّ نَاشِزَةً، لأنها لا تستحق النفقة والسكنى في صلب النكاح فعند (•) البينونة أَولى، وَلِمُعْتَدَّةِ وَفَاةٍ فِي الأَظْهَرِ، لقصة فُرَيْعَةَ في السنن، وصححه الترمذي (١١٤)، والثاني: لا، لأنه لا نفقة لها، وَفَسْخٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، أي سواء كان بردَّةٍ أو إسلام أو رضاع أو عيب على المذهب، لأنها معتدة عن نكاح بفرقة في الحياة، فكانت كالمطلقة، وثانيها: على قولين كالمعتدة عن وفاة، وقال في الروضة تبعًا للشرح في باب الخيار: المفسوخ نكاحها بعد الدخول لا نفقة لها في العدة ولا سكنى إن كانت حائلًا قطعًا، وكذا حاملًا على الأصح فاختلف تصحيحهما إذًا.

стр. 1428

فَرْعٌ: نقل الرافعي عن فتاوي القفال: أن المعتدة لو أسقطت مؤنة السكنى عن الزوج لم يصح الإسقاط، لأن السكنى تجب يومًا فيومًا، ولا يصح إسقاط ما لم يجب. وَتُسْكَنُ فِي مَسْكَنٍ كَانَتْ تَسْكُنُ فِيْهِ عِنْدَ الْفُرْقَةِ، أي إذا كان يليق بها حال الطلاق، وأمكن بقاؤها فيه، لكونه ملكًا للزوج أو مستأجرًا معه أو مستعارًا لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ وهو حق لله تعالى لا يسقط بالتراضي، وَلَيْسَ لِزَوْجٍ وَغَيْرِهِ إِخْرَاجُهَا، وَلَا لَهَا خُرُوجٌ، لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (١١٥)، نعم: لو كان الطلاق رجعيًا، ففي الحاوي والمهذب: أن للزوج أن يُسكنها حيث شاء؛ لأنها في حكم الزوجات، وفي النهاية: أنها في ذلك كالبائن وهو نصه في الأم، كما أفاده صاحب المطلب، ومقتضى إطلاق المصنف غيره، ويظهر ترجيح هذا؛ لأنه لا يجوز الخلوة بها فضلًا عن الاستمتاع، فليست كالزوجات، قُلْتُ: وَلَهَا الْخُرُوْجُ فِي عِدّةِ وَفَاةٍ، وَكَذَا بَائِنٍ فِي النَّهَارِ لِشِرَاءِ طَعَامٍ وَغَزْلٍ وَنَحْوِهِ، دفعًا لحاجتها (١١٦)، وخرج بالنهار، لا بالليل لأنه مظنة الفساد. فَرْعٌ: الموطوءة بشبهة أو نكاح فاسد كالمتوفى عنها، قاله في التتمة؛ إلا الحامل إذا قلنا لها النفقة فتمنع من الخروج. وَكَذَا لَيْلًا إِلَى دَارِ جَارَةٍ لَغَزْلٍ وَحَدِيْثٍ وَنَحْوِهِمَا، بِشَرْطِ أَنْ تَرْجِعَ وَتَبِيْتَ

стр. 1429

فِي بِيْتِهَا، أما المتوفى عنها زوجها فلحديث مرسل (١١٧)، وأما البائن فقياسًا عليها، وفي البائن قول قديم: أنه ليس لها الخروج لعموم الآية، وخرج بالمتوفى عنها وبالبائن الرجعية فإنه لا يجوز لها الخروج إلا بإذنه لأنها زوجة فَعَلَيْهِ القيام بكفايتها، وَتَنْتَقِلَ مِنَ الْمَسْكَنِ لِخَوْفٍ مِنْ هَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ عَلَى نَفْسِهَا، أي من اللصوص أو قوم فسقة للضرورة الداعية إلى ذلك، أوْ تَأَذَّتْ بِالْجِيْرَانِ أَوْ هُمْ بِهَا أذَىً شَدِيْدًا، وَالله أَعْلَمُ، إزالة للضرر. قال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١١٨) والفاحشة مفسَّرة بالبذاءة، إما على الأحماء أو غيرهم، وإضافة البيوت إليهن من جهة أنها سكناهن. وَلَوِ انْتَقَلَتْ إِلَى مَسْكَنٍ، بِإِذْنِ الزَّوْجِ فَوَجَبَتِ الْعِدَّةُ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلِيْهِ اعْتَدَّتْ فِيْهِ عَلَى النَّصِّ، أي في الأُم؛ لأنها مأمورة بالمقام فيه ممنوعة من الأول، ومقابل هذا النص ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه تعتد في الأول؛ لأنها لم تحصل قبل الفراق في مسكن آخر، والثاني: تعتد في أقربهما إليها، والثالث: تتخير بينهما لأنها غير مستقرة في واحد منهما، ولها تعلق بكل واحد منهما، والاعتبار بالانتقال ببدنها لا بالأمتعة والخدم، وعكس أبو حنيفة. أوْ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَفِي الأَوَّلِ، لعصيانها بذلك ووجوب العود إلى الأول، وَكَذَا لَوْ أَذِن ثُمَّ وَجَبَت، أي العدة، قَبْلَ الخُرُوج، لأنه المنزل الذي وَجَبَتْ فيه العدة، وَلَوْ أَذِنَ فِي الإِنْتِقَالِ إِلَى بَلَدٍ فَكَمَسْكَنٍ، أي فيما سبق كما قررناه، أَوْ فِي سَفَرِ حَجٍّ أَوْ تِجَارَةٍ ثُمَّ وَجَبَتْ فِي الطَّرِيْقِ فَلَهَا الرُّجُوْعُ وَالْمُضِيُّ، لأن في قطعها عن السفر

стр. 1430

مشقة، لاسيما إذا بعدت عن البلد وخافت الانقطاع عن الرفقة، فَإِنْ مَضَتْ أقَامَتْ لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا، أي من غير زيادة عليه، ثُمَّ يَجِبُ الرُّجُوْعُ لِتَعْتَدَّ الْبَقِيَّةَ فِي المَسْكَنِ، عملًا بحسب الحاجة فيهما، واحترز المصنف أولًا بقوله (سَفَرِ حَجٍّ أَوْ تِجَارَةٍ) عن سفر النزهة، فإنه إن لم يقدر مدة؛ فلا يزيد على مدة المسافرين، وإن قدرها فلها استيفاؤها على الأظهر، كما في سفر الحاجة، هذا إذا حدث ما يوجب العدة بعد بلوغها المقصد، فإن حدث قبله فحيث قلنا في سفر الحاجة يجب الانصراف، فهنا أولى وإلا فوجهان، وقطع البغوي بأنه كسفر الحاجة، وسفر الزيارة كالنزهة على ظاهر النص، وقيل: كالحاجة، وأطلق المصنف الحج وقيده في الذخائر بحج الفرض، لكن في المسألة الآتية إذا طلّقها قبل أن تفارق البلد كما سيأتي، واحترز بقوله (ثُمَّ وَجَبَتْ) في الطريق عما إذا وجبت قبل أن يخرج من المسكن، فإنها لا تخرج قطعًا أو قبل مفارقة العمران، فالأصح وجوب العود إليه لأنها لم تُشْرِعْ في السفر، والثالث: إن كان سفر حجٍّ لم يلزمها العود أو غيره لزمها وقيّدهُ في الذخائر بحج الفرض، وهذا الوجه الثالث استغربه الرافعي، والعجب أن إمامنا الشافعي اقتصر عليه في الأم، كما أفاده صاحب المطلب، ولو خرجت مع الزوج ثم طلّقها أو مات عنها؛ فإنه يلزمها الانصراف ولا تقيم أكثر من مدة المسافرين، إلّا إذا كان الطريق مخوفًا أو لم تجد رفقة، وهذا إذا كان سفره لغرضه واستصحبها ليستمتع بها، فإن كان لغرضها، فليكن الحكم كما لو أذن لها فخرجت، وفي لفظ المختصر ما يشعر به. فَرْعٌ: لو انقضت حاجتها في مسألة الكتاب قبل ثلاثة أيام فليس لها إقامةُ تمامها على الأصح في الروضة وكلامه هنا يشعر به. وَلَوْ خَرَجَتْ إلَى غَيْرِ الدَّارِ الْمَأْلُوْفَةِ؛ فَطَلَّقَ وَقَالَ: مَا أَذِنْتُ فِي الْخُرُوْجِ صُدِّقَ بِيَمِيْنِهِ، لأن الأصل عدم الأذن، وَلَوْ قَالَتْ: نَقَلْتَنِي، فَقَالَ: بَلْ أذِنْتُ لِحَاجَةٍ صُدِّقَ عَلَى الْمَذْهَبِ، هذه المسألة ذات نص مختلف وطرق منتشرة انتشارًا كثيرًا، وحاصلها تصديق الزوج إذا اختلف الزوجان، كما صححه المصنف، وتصديقها هي إذا اختلفت هى ووارث الزوج، والفرق أن كونها في المنزل الثاني يشهد

стр. 1431

لصدقها، فيرجح جانبها على جانب الورثة، ولا يرجح على جانب الزوج، لتعلق الحق بهما، والوارث أجنبي عنها، والطريق الثاني: حكاية قولين فيهما؛ ووجه تصديق الزوجة أنها في الحال في المنزل الثاني، والأصل الاستمرار والاستقرار. وَمَنْزِلُ بَدَوِيَّةٍ وَبَيْتُهَا مِنْ شَعْرٍ كَمَنْزِلِ حَضَرِيَّةٍ، أي فإذا لزمها العدة فيه فعليها ملازمته، فإن كان أهلها نازلين على ماءٍ لا ينتقلون عنه ولا يظعنون إلّا لحاجة فهي كالحضرية من كل وجه، وإن كانت من حي ينتقلون عنه شتاءً وصيفًا، فإن ارتحلوا جميعًا ارتحلت معهم، وإن ارتحل بعضهم، نُظِرَ إن كان أهلها ممن لا يرتحل، وفي المقيمين قوة وعدد فليس لها الإرتحال، وإن كان أهلها ممن يرتحل، وفي الباقين قوة وعدد فالأصح تخييرها، لأن مفارقة الأهل عسرة موحشة. فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الْمَسْكَنُ لَهُ وَيَلِيْقُ بِهَا تَعَيَّنَ، لما سلف في أوائل الفصل قبله، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، أي ما لم تنقضِ العدة، إن كانت تعتد بالإقراء أو الحمل لجهالة المدة، وإن كانت لها فيها عادة فلا يبعد أن تتغير، إِلَّا فِي عِدَّةِ ذَاتِ أَشْهُرٍ فَكمُسْتَأْجَرٍ، لتعلق حق الغير بمنافعها مدة معلومة، وَقِيْلَ: بَاطِلٌ، لأنها لا تملك المنفعة، وهذا ليس وجهًا بل طريقة فاعلمه، وسواء الآيسة وغيرها على الأصح، وقيل: إن كانت آيسة جاز لعدم توقع الحيض، أو صغيرة بنت تسع سنين أو أكثر فلا، أَوْ مُسْتَعَارًا لَزِمَتْهَا فِيْهِ، أي وليس للزوج نقلها، فَإِنْ رَجَعَ الْمُعِيْرُ وَلَمْ يَرْضَ بِأُجْرَةٍ نُقِلَتْ، للضرورة، وَكَذَا مُسْتَأْجَرٌ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ، أي فإنها تنتقل منه إن لم يجدد المالك إجارته وينبغي أن يتحرى أقرب المواضع إلى الموضع الذي طلقت فيه، أَوْ لَهَا، أي كان مسكن النكاح لها، اسْتَمَرَّتْ وَطَلَبَتِ الأُجْرَةَ، لأن السكنى عليه، فإن لم تطلبها، ومضت مدة، فالأصح القطع بسقوطها، وكلام المصنف تبعًا للمحرر يُوهم أنه يجب عليها أن تستمر، وهو ما صرح به صاحب المهذب والتهذيب، والأصح كما في أصل الروضة أنها إن رضيت بالإقامة فيه بأجرة أو إعارة جاز وهو الأولى، وإن طلبت نقلها، فلها ذلك إذ ليس عليها بذل منزلها بإعارة ولا بإجارة،

стр. 1432

فَإن كَانَ مَسْكَنُ النِّكَاحِ نَفِيْسًا فَلَهُ النَّقْلُ إِلَى لَائِقٍ بِهَا، لأن ذلك هو المستحق، أَوْ خَسِّيْسًا فَلَهَا الإمْتنَاعُ، لأن ذلك حقٌّ لها، ورعاية الأقرب في مسكن النكاح واجبة، هذا ظاهر كلامهم واستبعده الغزالي ورأى رده إلى الإستحباب. فَصْلٌ: وَلَيْسَ لَهُ مُسَاكَنَتُهَا وَلَا مُدَاخَلَتُهَا، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (١١٩) أي في المسكن وفرارًا من الخلوة المحرمة، فَإِنْ كَانَ فِي الدَّارِ مَحْرَمٌ لَهَا مُمَيِّزٌ ذَكَرٌ أَوْ لَهُ أُنْثَى أَوْ زَوْجَةٌ أُخْرَى أوْ أَمَةٌ أوِ امْرَأةٌ أجَنَبِيَّةٌ جَازَ، لانتفاء المحذور، لكنه مكروه لاحتمال النظر، ولا عبرة بِالْمَجْنُونِ والصغير الذي لا يميز، واشترط الشافعي البلوغ، لأن من لا يبلغ لا تكليف عليه، فلا يلزمه إنكار الفاحشة، وقال الشيخ أبو حامد: يكفي عندي حضور المراهق، ورآه الإمام أظهر، وقوله (ذَكَرٌ) يعطي أنه لا يكفي أختها ولا عمتها ولا خالتها، وقد صحح هو في أصل الروضة: أنه يكفي حضور المرأة الواحدة الثقة، وقال في حكاية عن الأصحاب: إنه يجوز أن يخلو رجل بامرأتين ثقتين فأكثر لا بواحدة، وإن كان معه رجل آخر، ولا يخفى أن مساكنة الزوج والمحرم ومن في معناه إنما يُفرض إذا كان في الدار زيادة على سكنى مثلها، فإن لم يكن كذلك فعلى الزوج تخليتها للمعتدة والانتقال عنها. وَلَوْ كَانَ فِي الدَّارِ حُجَرَةٌ فَسَكَنَهَا أَحَدُهُمَا وَالآخَرُ الأُخْرَى، فَإِنِ اتَّحَدَتِ الْمَرَافِقُ كَمَطْبَخٍ وَمُسْتَرَاحٍ اشْتُرِطَ مَحْرَمٌ، وِإلا فَلَا، لأن التوافق على المرافق يفضي إلى الخلوة (١٢٠)، قاله في الكفاية؛ وصرح القاضي والروياني في الأُولى بأنه

стр. 1433

لا يجوز وإن كان مَحْرَم، وَيَنْبَغِي أَنْ يُغْلَقَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ بَابٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَمَرُّ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى لتحقق الانفراد، وَسُفْلٌ وَعُلُوٌّ كَدَارٍ وَحُجْرَةٍ، أي في الحكم الذي قررناه آنفًا. بَابُ الإسْتِبْرَاءِ الإسْتِبْرَاءُ: هُوَ بِالْمَدِّ طَلَبُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ. يَجِبُ بِسَبَبَيْنِ؛ أَحَدَهُمَا: مِلْكُ أَمَةٍ بِشِرَاءٍ أَوْ إِرْثٍ أوْ هِبَةٍ أَوْ سَبْيٍ أَوْ رَدٍّ بِعَيْبٍ أَوْ تَحَالُفٍ أَوْ إِقَالَةٍ، أي وكذا قبول وصية، وَسَوَاءٌ بِكْرٌ، وَمَنِ اسْتَبْرَأَهَا الْبَائِعُ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَمُنْتَقِلَةٌ مِنْ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وَغَيرُهَا، أما في المسبية فلعموم قوله ﷺ : [لَا تُوْطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرَ ذَاتِ جَمْلٍ حَتَّى تَحِيْضَ حَيْضَةً] رواه أبو داود وصححه الحاكم على شرط مسلم (١٢١)، وترك الاستفصال في وقائع الأحوال مع قيام الاحتمال منزلٌ منزلة العموم في المقال، وأما في الباقى فبالقياس عليها، وفي علة وجوبه جوابان؛ للقاضي: فراغ محل الاستمتاع، أو حل الفرج؛ وستأتي ثمرة ذلك. وَيَجِبُ فِي مُكَاتَبَةٍ عُجِّزَتْ، لزوال ملك الاستمتاع بها، وهذا في الكتابة الصحيحة، أما الفاسدة فلا تجب فيها، وَكَذَا مُرْتَدَّةٌ فِي الأَصَحِّ، أي ارتدت ثم أسلمت لزوال ملك الاستمتاع، والثاني: لا، لأنها بالعود كأن مِلكَ الاستمتاع لم يزل، لَا مَنْ خَلَتْ مِنْ صَوْمٍ وَاعْتِكَافٍ، لأنه عارض سريع الزوال، وَإِحْرَامٍ، كما لو صامت ثم أفطرت، وَفِي الإِحْرَامِ وَجْهٌ، لزوال ملك الاستمتاع به، وَلَوِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ اسْتُحِبَّ، أي ليتميز الحر من ولده عن الرقيق الذي يعتق عليه ويَثْبُتُ عليه

стр. 1434

الولاء، وَقِيْلَ: يَجِبُ، لتجدد الملك، وبنى القاضي الخلافَ على العلتين السابقتين فِي وجوب الاستبراء، فقال: إن قلنا العلَّة حدوث ملكِ حلِّ الفرج فلا يجب، وإن اعتبرنا حدوث ملك الرقبة فيجب، وَلَوْ مَلَكَ مُزَوَّجَةً أَوْ مُعْتَدَّةً، أي وهو عالم بحالها أو جاهل، واختار إمضاء البيع، لَمْ يَجِبْ، لأنها مشغولة بحق غيره، فَإنْ زَالَا، أي الزوجية والعدة، وَجَبَ فِي الأظْهَرِ، لأن الموجب قد وجد؛ لكن لم يمكن ترتيب موجبة عليه فِي الحال، فإذا أمكن رتب، والثاني: لا، وله وطؤها فِي الحال، لأن الموجب للاستبراء حدوث الملك، ولم يمكن حينئذ فِي مظنة الاستحلال. وَالثَّانِي: زَوَالُ فِرَاشٍ عَنْ أمَةٍ مَوْطُؤْءَةٍ أَوْ مُسْتَوْلَدَهٍ بِعِتْقٍ أَو مَوْتِ السَّيِّدِ، لأنها كانت فراشًا للسيد، وزوال الفراش بعد الدخول يقتضي التربص كما فِي زوال الفراش عن الحرة وَلَوْ مَضَتْ مُدَّةُ اسْتِبْرَاءٍ عَلَى مُسْتَوْلَدَةٍ ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَوْ مَاتَ وَجَبَ فِي الأصَحِّ، أي ولا تعتد بما مضى، كما لا تعتد بما تقدم على الطلاق من الاقراء، والثاني: لا يجب، والخلاف مبني على أن أم الولد، هل تخرج عن كونها فراشًا بالاستبراء، وهل تعود فراشًا للسيد إذا مات زوجها أو طلقها وانقضت عدتها أم لا تعود؟ قُلْتُ: وَلَوِ اسْتَبْرَأَ أمَةً مَوْطُوْءَةً فَأَعْتَقَهَا لَمْ يَجِبْ، وَتَتَزَوَّجُ فِي الْحَالِ إِذْ لَا تُشْبِهُ مَنْكُوْحَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ: لو اشترى أمة قد استبرأها البائع فأعتقها، فله نكاحها قبل الاستبراء، ذكره الماوردي. وَيَحْرُمُ تَزْوِيْجُ أَمَةٍ مَوْطُوْءَةٍ وَمُسْتَوْلَدَةٍ قَبْلَ الإسْتِبْرَاءِ، لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْماءَانِ، وَلَوْ أَعْتَقَ مُسْتَوْلَدَتَهُ فَلَهُ نِكَاحُهَا بِلَا اسْتِبْرَاءٍ فِي الأَصَحِّ، كالمعتدة منه، والثاني: لا، لأن الإعتاق يقتضي الإستبراء فلا يمكن من استباحة مستقبحة إلَّا بعد رعاية حق التعبد، وَلَوْ أَعْتَقَهَا أَوْ مَاتَ وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ فَلَا اسْتِبْرَاءَ، لأنها ليست فراشًا له فهي كغير الموطوءة. فَرْعٌ: لو أعتقها أو مات عنها وهي فِي عدة من وطء شبهة فالراجح وجوبه.

стр. 1435

فَصْلٌ: وَهُوَ، أي الاستبراء، بِقَرْءٍ، أي فِي حق ذات الاقراء، وَهُوَ حَيْضَةٌ كَامِلَةٌ فِي الْجَدِيْدِ، للحديث المتقدم ولا يكفي بقية الحيض، والقديم: أنَّه الطهر كما فِي العدة، والأول فَرَّقَ بينهما، بأن العدة لإباحة العقد، والعقد مستباح فِي الحيض والطهر، والوطؤ يتأخر عن الاستبراء فشرع الاستبراء بالحيض ليصح الوطؤ بعده، وَذَاتُ أَشْهُرٍ بِشَهْرٍ، لأنه كقرءٍ فِي الحرة وكذا فِي الأمَة، وَفِي قَوْلٍ: بِثَلَاثَةٍ، لأن الأمور الجبلِّية لا تختلف بالرق والحرية. فَرْعٌ: لو لم تحض لعارض وهي ممن تحيض فكنظيرها فِي العدة. وَحَامِلٌ مَسْبِيْةٌ أَوْ زَالَ عَنْهَا فِرَاشُ سَيِّدٍ بِوَضْعِهِ، لعموم الحديث السالف، فَإِنْ مُلِكَتْ بِشِرَاءٍ، أَي وكانت حاملًا من زوج وهي فِي نكاحه أو عدته أو من وطء شبهة وهي معتدة من ذلك الوطئ، فَقَدْ سَبَقَ أَنْ لَا اسْتِبْرَاءَ فِي الْحَالِ، أي وفي وجوبه بعد ذلك الخلاف، وإذا كان كذلك، فليس الاستبراء بالوضع، لأنه إما غير واجب، وإما مؤخر عن الوضع. قُلْتُ: يَحْصُلُ الاِسْتِبْرَاءُ بِوَضْعِ حَمْلِ زِنًا فِي الأصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لحصول البراءة بخلاف العدة؛ فإنها مخصوصة بالتأكد، ولذلك اشترط فيها التكرار، والثاني: لا؛ كالعدة. فَصْلٌ: وَلَوْ مَضَى زَمَنُ اسْتِبْرَاءٍ بَعْدَ الْمِلْكِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ حُسِبَ إنْ مَلَكَ بإِرْثٍ، لأنه كالمقبوض بدليل صحة بيعه، وَكَذَا بِشِرَاءٍ فِي الأصَحِّ، لأن الملك تام فأشبه ما بعد القبض، والثاني: لا يعتد به لعدم استقرار الملك، لَا هِبَةٍ، أي إذا ملك بالهبة لم يعتد بما يقع قبل القبض لتوقف الملك على القبض. وعبارة المصنف تُوهم أنَّه إذا أراد أن لا يحصل الاستبراء فِي الهبة إذا وقع بعد الملك وقبل القبض، وليس كذلك فإن الملك فِي الهبة لا يحصل قبل القبض. فَرْعٌ: يعتد فِي الوصية بما بعد القبول دون ما قبله على المذهب. فَرْعٌ: لو وقع الحيض أو الحمل فِي زمن خيار الشرط فِي الشراء لم يكفِ على

стр. 1436

الأصح، لضعف الملك، وقيل: بالفرق بين الحيض والحمل لقوته. وَلَوِ اشْتَرَى مَجُوْسِيْةً فَحَاضَتْ ثُمَّ أسْلَمَتْ لَمْ يَكْفِ، لأن الاستبراء لاستباحة الاستمتاع، وإنما يعتد بما يستعقب الحل، وكذا لو وُجِد الإسلام فِي حال الاستبراء. فَصْلٌ: وَيحْرُمُ الاِسْتِمْتَاعُ بِالْمُسْتَبْرَأةِ، لأنه يدعو إلى الوطء، قال الماوردى: وهذا إذا أمكن أن يكون ثَمَّ ولدَ من الذي انتقلت منه، فإن لم يكن بأن كانت صغيرة لا تحبل أو حاملًا من زنًا أو مزوجة وطلقها زوجها قبل الدخول عقب الشراء، أو كانت فِي ملكه فزوجها ثم طلقها زوجها بعد الدخول، وأوجبنا الاستبراء بعد انقضاء العدة لحلَّ الوطء فهي كالمسبية. فَرْعٌ: هل تجوز الخلوة بها؟ توقف فيه بعض الكبار، والنقل فِي المسألة عزيزٌ، وقد صرح بالجواز الجرجاني فِي شافيه فاستفده، فإنه من المهمات، وتأمل كلام الرافعي الآتي قريبًا فِي الحيلولة أيضًا. فَرْعٌ: يجوز استخدامها وإن كانت جميلة؛ لأن الشرع ائتمنه عليها، وخالفت المرهونة؛ لأن الحق فيها للمرتَهِن. إِلَّا مَسْبِيَّةً فَيَحِلُّ غَيْرُ وَطْئٍ، لتخصيص المنع بالوطء فِي الحديث السالف، وَقِيْلَ: لَا، كغيرها، والأصح الأول، وخالفت المسبية غيرها لأن غايتها أن تكون مستولدة حربي، وذلك لا يمنع الملك؛ بل هي والولد يُملكان بالسبي، وإنما حرم الوطئ صيانة لمائه لئلا يختلط بماء حربي، لا لحرمة ماء الحربي، مع أن الشافعي نصَّ فِي الأُم على المنع فِي المسبية أيضًا فتنبه له، واعلم أنا إذا جوزنا ما عدا الوطئ فهو فيما فوق الإزار، أما تحته ففيه تردد للإمام كالحيض، ومقتضى كلام المصنف والبندنيجى جوازه أيضًا. فَرْعٌ: إذا حرمنا الاستمتاع، فانقطع الدم؛ حل قبل الغسل على الأصح. فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَتْ، أي الأمة المتملِّكة: حِضْتُ! صُدِّقَتْ، لأن ذلك لا يُعْلَمْ إلَّا منها، ولا تحلف، لأنها لو نكلت لم يقدر السيد على الحلف، وَلَوْ مَنَعَتِ السَّيِّدَ

стр. 1437

فَقَالَ: أَخْبَرَتْنِي بِتَمَامِ الاِسْتِبْرَاءِ صُدِّقَ، أي السيد؛ لأن الاستبراء مفوض إليه، ولهذا لا يحال بينه وبينها، كما صرح به الرافعي بخلاف المعتدة عن وطئ شبهة فإنه يحال بين الزوج وبينها، وَلَا تَصِيْرُ أَمَةٌ فِرَاشًا إِلا بِوَطْءٍ، بالإجماع، فَإِذَا وَلَدَتْ لِلإِمْكَانِ مِنْ وَطْئِهِ لَحِقَهُ، كالنِّكَاح. وَلَوْ أَقَرَّ بِوَطْءٍ وَنَفَى الْوَلَدَ وَادَّعَى اسْتِبْرَاءً لَمْ يَلْحَقْهُ عَلَى الْمَذهَبِ، لأن جماعة من الصحابة نفوا أولاد جواريهم بذلك (١٢٢)، وعن البويطي وغيره تخريج قول فيه، قال الرافعي: والأول هو المنصوص وظاهر المذهب، وأبدل فِي الروضة ذلك بأن قال: إنه المذهب والمنصوص ومشى عليه هنا، فَإنْ أَنْكَرَتِ الاِسْتبْرَاءَ حُلِّفَ أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ تَعَرُّضُهُ لِلاِسْتِبْرَاءِ، أي ويكفي ذلك نافيًا للنسب،

стр. 1438

والأصح الاكتفاء بالأول، كما فِي نفي ولد الزوجة، وكلام الغزالي يشعر باشتراط دعواها الاستيلاد، قال الرافعي: والأكثرون لم يتعرضوا له. وَلَوِ ادَّعَتِ اسْتِيْلَادًا فَأَنْكَرَ أَصْلَ الْوَطْئِ؛ وَهُنَاكَ وَلَدٌ لَمْ يُحَلِّفْ عَلَى الصَّحِيْحِ، أي وإنما حُلِّف فِي الصورة السابقة؛ لأنه سبق منه الإقرار بما يقتضي ثبوت النسب وهو الوطء، والثاني: يُحلَّفُ، لأنه لو اعترف ثبت النسب، فإذا أنكر حُلِّفَ، واحترز بقوله (وَهُنَاكَ وَلَدٌ) عَمَّا إذا لم يكن هنا ولد، فإنه لا يُحَلَّف بلا خلاف، كما قاله الرافعي تبعًا للإمام، وإن كان فِي المحرر أطلق الخلاف، لكن قال صاحب المطلب: ينبغي أن يحلف قطعًا إذا عُرِضت على البيع؛ لأن دعواها حينئذ تنصرف إلى حريتها لا إلى ولدها. وَلَوْ قَالَ: وَطِئْتُهَا وَعَزَلْتُ؛ لَحِقَهُ فِي الأَصَحِّ، لأن الماء قد يسبق، والثاني: ينتفى عنه كدعوى الاستبراء.

стр. 1439

كتاب الرضاع الرِّضَاعُ: بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا اسْمٌ لِمَصَّ الثَّدْيِ وَشُرْبِ اللَّبَنِ. وَالأَصْلُ فِيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (١٢٣) وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ: [يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١٢٤)، وَالإِجْمَاعُ قَائِمٌ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا. إِنَّمَا يَثْبُتُ بِلَبَنِ امْرأَةٍ، أي فلا يثبت بلبن رجل وبهيمة، وخنثى مشكل إذا لم تظهر أنوثته، لأنه لم يخلق لغذاء الولد، فلم يتعلق به التحريم كسائر المائيات، وسواء الخلية والبكر وغيرهما، حَيَّةٍ، أي فلا يثبت بلبن حُلِبَ بعد موتها، واوجر الْمُرْتَضَعُ (•) أو ارتضع من ثدي ميتة، لأنه حرام غير محترم، بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِيْنَ، أي فإن لم تبلغها وظهر لها لبن فلا يثبت به التحريم، لأنها لا تحتمل الولادة واللبن فرع الولد. وَلَوْ حَلَبَتْ، أي وهي حَيَّةٌ، فَأُوْجِرَ بَعْدَ مَوْتِهَا حَرَّمَ فِي الأَصَحِّ، لأنه انفصل عنها وهو حلال محترم، والثاني: لا، لِبُعْدِ إِثْبَاتِ الأُمومة بَعْدَ الموت. وَلَوْ جُبِّنَ أَوْ نُزِعَ مِنْهُ زُبْدٌ حَرَّمَ، لحصول عين اللبن إلى الجوف والتغذي به، وَلَوْ خُلِطَ بِمَائِعٍ حَرَّمَ إِنْ غَلَبَ، أي على الخليط؛ لأن المغلوب كالمعدوم، فَإنْ غُلِبَ،

стр. 1440

أي الْلَّبَنِ بِأن زالت أوصافه الثلاثة وهي الطعم واللون والرائحة، وَشَرِبَ الْكُلَّ، قِيْلَ: أَوِ الْبَعْضَ حَرَّمَ فِي الأَظْهَرِ، لوصول عينه إلى جوفه تحقيقًا فِي الأُولى دون الثانية، ووجه مقابله: استهلاكه ذكرهُ الإمام وغيره، وجزمَ به فِي الشرح الصغير، وهذا الخلاف فيما إذا لم يتحقق وصول اللبن مثل أن وقعت قطرة فِي جب ماء وَشربَ بعضه، فإن تحققنا انتشاره للخليط وحصول بعضه فِي المشروب، أو كان الباقي من المخلوط أقل من قدر اللبن ثبت التحريم قطعًا. وهل يشترط أن يكون اللبن قدرًا يمكن أن يسقى منه خمس دفعات لو انفرد عن الخلط فيه؟ وجهان؛ أصحهما: نعم. وَيُحَرِّمُ إِيْجَار، أي وهو صب اللبن فِي الحلق لحصول التغذية، وَكَذَا إِسْعَاطٌ، أي وهو صب اللبن فِي الأنف، عَلَى الْمَذْهَبِ، لأن الدماغ جوف التغذي كالمعدة، والطريق الثاني حكاية قولين كما فِي الحقنة، لَا حُقْنَةٌ فِي الأظْهَرِ، لانتفاء التغذية، والثاني: نعم كالسعوط. فَرْعٌ: الأشبه أن الصب فِي الأذن كالحقنة. وَشَرْطُهُ: رَضِيْعٌ حَيٌّ، أي فلا أثر للوصرل إلى معدة الصبي الميت لخروحه عن التغذي ونبات اللحم، لَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْنِ، لقوله ﷺ : [لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ] رواه البيهقي، وقال: وقفُهُ، هو الصحيح، وقال الدارقطني: لم يسنده غير الهيثم بن جميل، قلتُ: هو ثقة حافظ فلا يضر (١٢٥)، وَخَمْسُ رَضَعَاتٍ، لحديث عائشة فِي ذلك فِي مسلم (١٢٦)، نعم: لو تم الحولان فِي الرضعة الأخيرة حرم على
следующие страницы →