← Фикх шафии

Фикх шафии · id 20561

عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج

ابن الملقن

Полный текст (1 877 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

الأصح، لضعف الملك، وقيل: بالفرق بين الحيض والحمل لقوته. وَلَوِ اشْتَرَى مَجُوْسِيْةً فَحَاضَتْ ثُمَّ أسْلَمَتْ لَمْ يَكْفِ، لأن الاستبراء لاستباحة الاستمتاع، وإنما يعتد بما يستعقب الحل، وكذا لو وُجِد الإسلام فِي حال الاستبراء. فَصْلٌ: وَيحْرُمُ الاِسْتِمْتَاعُ بِالْمُسْتَبْرَأةِ، لأنه يدعو إلى الوطء، قال الماوردى: وهذا إذا أمكن أن يكون ثَمَّ ولدَ من الذي انتقلت منه، فإن لم يكن بأن كانت صغيرة لا تحبل أو حاملًا من زنًا أو مزوجة وطلقها زوجها قبل الدخول عقب الشراء، أو كانت فِي ملكه فزوجها ثم طلقها زوجها بعد الدخول، وأوجبنا الاستبراء بعد انقضاء العدة لحلَّ الوطء فهي كالمسبية. فَرْعٌ: هل تجوز الخلوة بها؟ توقف فيه بعض الكبار، والنقل فِي المسألة عزيزٌ، وقد صرح بالجواز الجرجاني فِي شافيه فاستفده، فإنه من المهمات، وتأمل كلام الرافعي الآتي قريبًا فِي الحيلولة أيضًا. فَرْعٌ: يجوز استخدامها وإن كانت جميلة؛ لأن الشرع ائتمنه عليها، وخالفت المرهونة؛ لأن الحق فيها للمرتَهِن. إِلَّا مَسْبِيَّةً فَيَحِلُّ غَيْرُ وَطْئٍ، لتخصيص المنع بالوطء فِي الحديث السالف، وَقِيْلَ: لَا، كغيرها، والأصح الأول، وخالفت المسبية غيرها لأن غايتها أن تكون مستولدة حربي، وذلك لا يمنع الملك؛ بل هي والولد يُملكان بالسبي، وإنما حرم الوطئ صيانة لمائه لئلا يختلط بماء حربي، لا لحرمة ماء الحربي، مع أن الشافعي نصَّ فِي الأُم على المنع فِي المسبية أيضًا فتنبه له، واعلم أنا إذا جوزنا ما عدا الوطئ فهو فيما فوق الإزار، أما تحته ففيه تردد للإمام كالحيض، ومقتضى كلام المصنف والبندنيجى جوازه أيضًا. فَرْعٌ: إذا حرمنا الاستمتاع، فانقطع الدم؛ حل قبل الغسل على الأصح. فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَتْ، أي الأمة المتملِّكة: حِضْتُ! صُدِّقَتْ، لأن ذلك لا يُعْلَمْ إلَّا منها، ولا تحلف، لأنها لو نكلت لم يقدر السيد على الحلف، وَلَوْ مَنَعَتِ السَّيِّدَ

стр. 1437

فَقَالَ: أَخْبَرَتْنِي بِتَمَامِ الاِسْتِبْرَاءِ صُدِّقَ، أي السيد؛ لأن الاستبراء مفوض إليه، ولهذا لا يحال بينه وبينها، كما صرح به الرافعي بخلاف المعتدة عن وطئ شبهة فإنه يحال بين الزوج وبينها، وَلَا تَصِيْرُ أَمَةٌ فِرَاشًا إِلا بِوَطْءٍ، بالإجماع، فَإِذَا وَلَدَتْ لِلإِمْكَانِ مِنْ وَطْئِهِ لَحِقَهُ، كالنِّكَاح. وَلَوْ أَقَرَّ بِوَطْءٍ وَنَفَى الْوَلَدَ وَادَّعَى اسْتِبْرَاءً لَمْ يَلْحَقْهُ عَلَى الْمَذهَبِ، لأن جماعة من الصحابة نفوا أولاد جواريهم بذلك (١٢٢)، وعن البويطي وغيره تخريج قول فيه، قال الرافعي: والأول هو المنصوص وظاهر المذهب، وأبدل فِي الروضة ذلك بأن قال: إنه المذهب والمنصوص ومشى عليه هنا، فَإنْ أَنْكَرَتِ الاِسْتبْرَاءَ حُلِّفَ أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ تَعَرُّضُهُ لِلاِسْتِبْرَاءِ، أي ويكفي ذلك نافيًا للنسب،

стр. 1438

والأصح الاكتفاء بالأول، كما فِي نفي ولد الزوجة، وكلام الغزالي يشعر باشتراط دعواها الاستيلاد، قال الرافعي: والأكثرون لم يتعرضوا له. وَلَوِ ادَّعَتِ اسْتِيْلَادًا فَأَنْكَرَ أَصْلَ الْوَطْئِ؛ وَهُنَاكَ وَلَدٌ لَمْ يُحَلِّفْ عَلَى الصَّحِيْحِ، أي وإنما حُلِّف فِي الصورة السابقة؛ لأنه سبق منه الإقرار بما يقتضي ثبوت النسب وهو الوطء، والثاني: يُحلَّفُ، لأنه لو اعترف ثبت النسب، فإذا أنكر حُلِّفَ، واحترز بقوله (وَهُنَاكَ وَلَدٌ) عَمَّا إذا لم يكن هنا ولد، فإنه لا يُحَلَّف بلا خلاف، كما قاله الرافعي تبعًا للإمام، وإن كان فِي المحرر أطلق الخلاف، لكن قال صاحب المطلب: ينبغي أن يحلف قطعًا إذا عُرِضت على البيع؛ لأن دعواها حينئذ تنصرف إلى حريتها لا إلى ولدها. وَلَوْ قَالَ: وَطِئْتُهَا وَعَزَلْتُ؛ لَحِقَهُ فِي الأَصَحِّ، لأن الماء قد يسبق، والثاني: ينتفى عنه كدعوى الاستبراء.

стр. 1439

كتاب الرضاع الرِّضَاعُ: بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا اسْمٌ لِمَصَّ الثَّدْيِ وَشُرْبِ اللَّبَنِ. وَالأَصْلُ فِيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (١٢٣) وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ: [يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١٢٤)، وَالإِجْمَاعُ قَائِمٌ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا. إِنَّمَا يَثْبُتُ بِلَبَنِ امْرأَةٍ، أي فلا يثبت بلبن رجل وبهيمة، وخنثى مشكل إذا لم تظهر أنوثته، لأنه لم يخلق لغذاء الولد، فلم يتعلق به التحريم كسائر المائيات، وسواء الخلية والبكر وغيرهما، حَيَّةٍ، أي فلا يثبت بلبن حُلِبَ بعد موتها، واوجر الْمُرْتَضَعُ (•) أو ارتضع من ثدي ميتة، لأنه حرام غير محترم، بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِيْنَ، أي فإن لم تبلغها وظهر لها لبن فلا يثبت به التحريم، لأنها لا تحتمل الولادة واللبن فرع الولد. وَلَوْ حَلَبَتْ، أي وهي حَيَّةٌ، فَأُوْجِرَ بَعْدَ مَوْتِهَا حَرَّمَ فِي الأَصَحِّ، لأنه انفصل عنها وهو حلال محترم، والثاني: لا، لِبُعْدِ إِثْبَاتِ الأُمومة بَعْدَ الموت. وَلَوْ جُبِّنَ أَوْ نُزِعَ مِنْهُ زُبْدٌ حَرَّمَ، لحصول عين اللبن إلى الجوف والتغذي به، وَلَوْ خُلِطَ بِمَائِعٍ حَرَّمَ إِنْ غَلَبَ، أي على الخليط؛ لأن المغلوب كالمعدوم، فَإنْ غُلِبَ،

стр. 1440

أي الْلَّبَنِ بِأن زالت أوصافه الثلاثة وهي الطعم واللون والرائحة، وَشَرِبَ الْكُلَّ، قِيْلَ: أَوِ الْبَعْضَ حَرَّمَ فِي الأَظْهَرِ، لوصول عينه إلى جوفه تحقيقًا فِي الأُولى دون الثانية، ووجه مقابله: استهلاكه ذكرهُ الإمام وغيره، وجزمَ به فِي الشرح الصغير، وهذا الخلاف فيما إذا لم يتحقق وصول اللبن مثل أن وقعت قطرة فِي جب ماء وَشربَ بعضه، فإن تحققنا انتشاره للخليط وحصول بعضه فِي المشروب، أو كان الباقي من المخلوط أقل من قدر اللبن ثبت التحريم قطعًا. وهل يشترط أن يكون اللبن قدرًا يمكن أن يسقى منه خمس دفعات لو انفرد عن الخلط فيه؟ وجهان؛ أصحهما: نعم. وَيُحَرِّمُ إِيْجَار، أي وهو صب اللبن فِي الحلق لحصول التغذية، وَكَذَا إِسْعَاطٌ، أي وهو صب اللبن فِي الأنف، عَلَى الْمَذْهَبِ، لأن الدماغ جوف التغذي كالمعدة، والطريق الثاني حكاية قولين كما فِي الحقنة، لَا حُقْنَةٌ فِي الأظْهَرِ، لانتفاء التغذية، والثاني: نعم كالسعوط. فَرْعٌ: الأشبه أن الصب فِي الأذن كالحقنة. وَشَرْطُهُ: رَضِيْعٌ حَيٌّ، أي فلا أثر للوصرل إلى معدة الصبي الميت لخروحه عن التغذي ونبات اللحم، لَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْنِ، لقوله ﷺ : [لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ] رواه البيهقي، وقال: وقفُهُ، هو الصحيح، وقال الدارقطني: لم يسنده غير الهيثم بن جميل، قلتُ: هو ثقة حافظ فلا يضر (١٢٥)، وَخَمْسُ رَضَعَاتٍ، لحديث عائشة فِي ذلك فِي مسلم (١٢٦)، نعم: لو تم الحولان فِي الرضعة الأخيرة حرم على

стр. 1441

المذهب، إذ ما يصل إلى الجوف فِي كل رضعة غير مقدر. فَرْعٌ: (•) يعتبر انفصال كل الولد لثبوت الحرمة. وَضَبْطُهُنَّ بِالْعُرْفِ، لأنه لا ضابط له فِي الشرع ولا فِي اللغة فيرجع فيه إليه، فَلَوْ قَطَعَ إِعْرَاضًا تَعَدَّدَ، لقضاء العرف به، وكذا قطعها هي، أَوْ لِلَّهْوٍ وَعَادَ فِي الْحَالِ أَوْ تَحَوَّلَ مِنْ ثَدْيٍ إِلَى ثَدْيٍ فَلَا، لقضاء العرف به، فَلَوْ حُلِبَ مِنْهَا دَفْعَةً، وَأُوْجِرَهُ خَمْسًا أَوْ عَكْسُهُ فَرَضْعَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: خَمْسٌ، مأخذ الخلاف النظر إلى حال الانفصال من الضرع؛ أو حال الاتصال بالصبي، وَلَوْ شَكَّ: هَل خَمْسًا أَمْ أَقَلَّ؟ أَو هَل رَضَعَ فِي حَوْلَيْنِ أَمْ بَعْدُ؟ فَلَا تَحْرِيْمَ، رجوعًا إلى الأصل، وَفِي الثَّانِيَةِ قَوْلٌ أَو وَجْهٌ، لأن الأصل بقاء المدة. فَصْلٌ: وَتَصِيْرُ الْمُرْضِعَةُ أُمَّهُ، وَالَّذِي مِنْهُ اللَّبَنُ أَبَاهُ، وَتَسْرِي الْحُرْمَةُ إِلَى أَوْلَادِهِ، للحديث السالف: [يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ] وخرج بأولاده أصوله وأخوته وأخواته. وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَمْسٌ مُسْتَوْلَدَاتٌ؛ أَوْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَأُمُّ وَلَدٍ؛ فَرَضَعَ طِفْلٌ مِنْ كُلٍّ رَضْعَةٍ صَارَ ابْنَهُ فِي الأصَحِّ، لأن لبن الجميع منه. والثَّاني: لا يصير، لأن الأُبوَّة تابعة للأُمومة، لتحقق انفصال اللبن عنها، ولم يَحْصُلْ، فَيَحْرُمْنَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُنَّ مَوْطُوْءَاتُ أَبِيْهِ، أي لا لكونهن أُمهات له. وَلَوْ كَانَ بَدَلَ الْمُسْتَوْلَدَاتِ بَنَاتٌ؛ أَوْ أَخَوَاتٌ؛ فَلَا حُرْمَةَ فِي الأَصَحِّ، لأن الخؤولة والجدودة لا تثبتان إلَّا بتوسط، والثاني: نعم، كما فِي المستولدات، وَآباءُ الْمُرْضِعَةِ مِن نَسَبٍ؛ أَوْ رَضَاعٍ؛ أَجْدَادٌ لِلرَّضِيْعِ، وَأُمَّهَاتُهَا جَدَّاتُهُ، وَأَوْلَادُهَا مِنْ نَسَبٍ أوْ رَضَاعٍ إِخْوَتُهُ، وَأَخَوَاتُهُ وإِخْوَتُهَا وَأَخَوَاتُهَا أَخْوَالُهُ وَخَالَاتُهُ، وَأَبُو، ذي،

стр. 1442

اللَّبَنِ، أي المنسوب إليه اللبن، جَدُّهُ، وَأَخُوْهُ عَمُّهُ؛ وَكَذَا الْبَاقِي، أي مثل جدته وأولاد أخوته، وَاللَّبَنُ لِمَنْ نُسِبَ إِلَيْهِ وَلَدٌ نَزَلَ بِهِ بِنِكَاحٍ؛ أَوْ وَطْئِ شُبْهَةٍ، اتباعًا للرضاع بالنسب، لَا زِنًا، لأنه لا حرمة له، وَلَوْ نَفَاهُ، أي الولد، بلِعَانٍ انْتَفَى اللَّبَنُ عَنْهُ، كالنسب، ولو استلحقه بعد لحق الرضيع، وَلَوْ وُطِئَتْ مَنْكُوْحَةٌ بِشُبْهَةٍ؛ أَوْ وَطِئَ اثْنَانِ بِشُبْهَةٍ؛ فَوَلَدَتْ؛ فَاللَّبَنُ لِمَنْ لَحِقَه الْوَلَدُ بِقَائِفٍ أَوْ غَيْرِهِ، لأن اللبن تابع للولد، وإنما قال: أو غيره. لأنه قد يلحق أحدهما بغير قائف لانحصار الامكان فِي حقه، وإذا لم يكن قائف فبلغ وانتسب إلى أحدهما ونحوه. وَلَا تَنْقَطِعُ نِسْبَةُ اللَّبَنِ عَنْ زَوْجٍ مَاتَ؛ أَوْ طَلَّقَ؛ وِإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ، أي كعشر سنين فأكثر، أَوِ انْقَطَعَ وَعَادَ، لأنه لم يحدث ما يحال اللبن عليه، فهو على استمراره منسوب إليه، فَإِنْ نَكَحَتْ آخَرَ وَوَلَدَتْ مِنْهُ فَاللَّبَنُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ لَهُ، كالولد، وَقَبْلَهَا لِلأَوَّلِ؛ إِنْ لَمْ يَدْخُلُ وَقْتَ ظُهُورِ لَبَنِ حَمْلِ الثَّانِي، أي سواء زاد على ما كان أم لا! انقطع ثم عاد أم لا! وَكَذَا إِنْ دَخَلَ، لأن اللبن تبع الولد وغذاؤه به، لا غذاء الحمل؛ فيتبع الولد المنفصل دون الحمل، وَفِي قَوْلٍ: لِلثَّانِي، أي إذا إنقطع مدة ثم عاد لقرب وقت الولادة بسبب ظهور اللبن فأشبه النازل بعد الولادة، وَفِي قَوْلٍ: لَهُمَا، لتقابل المعنيين، وقد ينبني القولان الأولان على مقابل الأصل والظاهر. فَصْلٌ: تَحْتَه صَغِيْرَةٌ فَأَرْضَعَتْهَا أُمُّةُ أَوْ أُخْتُهُ أَوْ زَوْجَةٌ أُخْرَى انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، أي منهما، فإن الصغيرة صارت بنت الكبيرة فِي رضاعها إيَّاها، وبنت الزوجة حرام عليه، وأخته بإرضاع من أمه، وبنت أخته بإرضاع أخته، وَلِلصَغِيْرَةِ نِصْفُ مَهْرِهَا، أي المسمى إن كان صحيحًا، ونصف مَهْرِ المثل إن كان فاسدًا، لأنه فراق حصل قبل الدخول لا بسببها، وَلَهُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلٍ، لتفويتها نصف البُضع، وَفِي قَوْلٍ: كُلُّهُ، لأنه قيمة البضع، وإتلاف الشيء المتقوم يُوجِبُ قيمته. فَرْعٌ: لم يتعرض المصنف لمهر الكبيرة، وحكمه إن كانت مدخولًا بها، فلها المهر؛ وإلَّا فلا.

стр. 1443

وَلَوْ رَضَعَتْ مِن نَائِمَةٍ فَلَا غُرْمَ، أي عليها؛ لأنها لم تصنع شيئًا، وكذا لو كانت مستيقظة ساكتة على الأصح فِي الروضة، وَلَا مَهْرَ لِلْمُرْتَضِعَةِ، لأن الانفساخ حصل بفعلها وذلك يسقط المهر قبل الدخول. وَلَوْ كَانَتْ تَحْتَهُ كَبِيرَةٌ؛ وَصَغِيْرَةٌ؛ فَأَرْضَعَتْ أُمُّ الْكَبِيْرَةِ الصَّغِيرَةَ؛ انْفَسَخَتِ الصَّغِيْرَةُ، لأنها صارت أختًا للكبيرة ولا سبيل للجمع بين الأختين، وَكَذَا الْكبِيْرَةُ فِي الأَظْهَرِ، لأنهما صارتا أختين فأشبه كما لو أرضعتهما معًا، والثاني: يختص الاندفاع بالصغيرة؛ لأن الجمع بها حصل؛ فأشبه ما لو نكح أختًا على أخت، فإن البطلان يختص بالثانية، ونسب الماوردي هذا إلى الجديد، والأول إلى القديم. وَلَهُ نِكَاحُ مَنْ شَاءِ مِنْهُمَا، إي من غير جمع، وَحُكْمُ مَهْرِ الصَّغِيْرَةِ، أي على الزوج، وَتغْرِيْمِهِ الْمُرْضِعَةَ مَا سَبَقَ، أي فِي إرضاع أمَّه ونحوها للصغيرة، وَكَذَا الْكَبِيرَةُ إِن لَمْ تَكُنْ موْطُوءَة، فإن كَانَتْ مَؤطُؤءَةَ؛ فَلَهُ عَلَى المُرضِعَةِ مَهرُ مِثْلٍ فِي الأَظْهَرِ، كما لو شهدوا على الطلاق بعد الدخول ثم رجعوا، يغرمون مهر المثل، والثاني: لا غرم عليها، لأن البضع بعد الدخول لا يتقوم للزوج، بدليل ما لو ارتدت فأضْرَّت، لا غرم عليها. فَرْعٌ: على الزوج مهرها المسمى كما صرح به فِي المحرر. وَلَوْ أَرْضَعَتْ بِنْتُ الْكَبِيْرَةِ الصَّغِيرَةَ حَرُمَتِ الْكَبِيْرَةُ أَبَدًا وَكَذَا الصَّغِيرَةُ إِنْ كَانَتِ الْكَبِيْرَةُ مَوْطُوْءَةً، لكونها ربيبته. فَصْلٌ: وَلَوْ كَان تَحْتَهُ صَغِيْرَةٌ فَطَلَّقَهَا فأَرْضَعَتْهَا امْرَأَةٌ صَارَتْ أُمَّ امْرَأَتِهِ، أي فتحرم عليه، ولا نظر فِي ذلك إلى التقدم والتأخر؛ وقد دخلت تحت أمهات النساء. وَلَوْ نَكَحَتْ مُطَلَّقَتُهُ صَغِيْرًا وَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنهِ حَرُمَتْ عَلَى الْمُطَلِّقِ وَالصَغِيْرِ أَبَدًا، أما على المطلِّق، فمن جهة أنها زوجة الصغير وقد صار ابنًا له، وأما على الصغير فمن جهة أنها أمه وزوجة أبيه.

стр. 1444

وَلَوْ زَوَّجَ أمَّ وَلَدِهِ عَبْدَهُ الصَّغِيْرَ فَأرضَعَتْهُ لَبَنَ السيدِ حَرُمَتْ عَلَيهِ، أي لأنها أمه وموطوءة أبيه، وَعَلَى السيِّدِ، لأنها زوجة أبنه، وهذه المسألة مبنية على إجبار العبد الصغير، وقد سلف في النكاح أن الأظهر أنه لا يجبر العبد مطلقًا، وَلَو أرْضَعَتْ مَوْطُؤءَتهُ الأمَةُ صَغِيْرَةَ تَحتَهُ بِلَبَنِهِ أَوْ لبنِ غيرِهِ حَرُمَتَا عَلَيْهِ، أما الأمة؛ فلأنها أم زوجته، وأما الصغيرة؛ فلأنها بنته إذا رضعت من لبنه أو بنت زوجته المدخول بها إن كان بلبن غيره. وَلَوْ كَان تَحْتَهُ صَغِيْرَةٌ وَكبِيْرَةٌ فَأرْضَعَتهَا، أي الكبيرة الصغيرة، انفَسَخَتَا، لأن الجمع بين الأم والبنت في النكاح ممتنع، وقد صارت الصغيرة بنتًا والكبيرة أمّا دفعة واحدة فاندفعتا، وَحَرُمَتِ الْكَبيرَةُ أبَدا، لأنها أم زوجته، وَكَذَا الصغِيرَةُ إِن كَان الإرضَاعُ بِلَبَنِهِ، لأنها بنته، وَإلا، أي، وإن كان الإرضاع بلبن غيره، فَرَبِيبَة، أي فإن كانت الكبيرة مدخولًا بها فهي محرمة أيضًا، وإلّا لم تحرم الصغيرة على التأبِيْدِ. وَلَو كَان تَحْتَهُ كَبِيرَةٌ وَثَلَاثٌ صَغَائِرُ فَأرْضَعَتْهُنَّ حَرُمَتْ أَبَدا وَكَذَا الصَّغَائِرُ إِن أَرْضَعَتْهُن بلَبَنِهِ، أوْ لَبَنِ غيرِهِ وَهِيَ، أي الكبيرة، مَوْطُوءَةٌ، أي سواء أرضعتهن معًا أو مرتبًا، لأن الكبيرة أم زوجاته، والصغائر بناته أو بنات زوجته المدخول بها، وَإِلا، أي وإن لم يكن اللبن له ولا كانت الكبيرة مدخولا بها، فَإن أَرضَعَتهُنَّ مَعًا بإِيجَارِهِنَّ، أي اللبن المخلوط، الْخَامِسَةَ انفَسَخْنَ، لصيرورتهن أخوات، ولاجتماعهن مع الأم في النكاح، وَلَا يَحْرُمْنَ، أي الصغائر، مُؤَبدًا، لأنهن بنات امرأة لم يدخل بها فله أن يجدد نكاح واحدة منهن، ولا يجمع بينهن لأنهن أخوات، وتحرم الكبيرة على التأبِيْدِ، لأنها أم زوجاته، أَو مُرَتبًا لَم يَحْرُمْنَ، أي الصغائر، وَتَنْفَسِخُ، أي نكاح، الأُوْلَى، لاجتماع الأم والبنت في النكاح، وَالثالثة، لأنها صارت أختًا للثانية التي هي في نكاحه، وَتَنْفَسِخُ الثانِيَة بِإِرْضَاع الثالثة، لأنهما صارتا أختين معًا فأشبه ما إذا أرضعتهما معًا، وَفِي قَوْل: لَا يَنْفَسِخُ، أي ويختص الانفساخ بالثالثة؛ لأن الجمع تَمَّ بإرضاعها، فاختص الفساد بها كما لو نكح أختًا على أخت، قال الرافعي: ونسب هذا القول إلى الجديد والأول إلى القديم، قُلْتُ:

стр. 1445

لكنه الذي عليه عامة الأصحاب، فعلى هذا؛ المسألة من المسائل التي رجح فيها القديم، قُلْتُ: لكنه منصوص الجديد أيضًا ففي الأم حكاية القولين معًا، كما أفاده صاحب المطلب. ويجْرِي الْقَولَانِ فيمَن تَحْتَهُ صَغِيْرَتَاْنِ أَرضَعَتهُمَا أَجنَبِية مُرتبًا؛ أَيَنْفَسِخَان أمِ الثانية؟ ، قد سلفا بتوجيههما (•)؛ ولا خلاف أن المرضعة حرمت عليه على التأَبِيْدِ لأنها صارت من أمهات زوجاته، واحترز بقوله (مُرَتبَا) عما إذا أرضعتهما معًا فإنه ينفسخ نكاحهما قولًا واحدًا لأنهما صارتا أختين معًا. فَصل: قَالَ: هِنْد بِنتِي أَو أخْتِي بِرَضَاع، أَو قَالَت: هُوَ أَخِي حَرُمَ تنَاكُحُهُمَا، أي بشرط الامكان مواخذة لهما بإقرارهما. وَلَو قَالَ زَوْجَانِ: بَينَنَا رَضَاعٌ مُحَرم فرقَ بَيْنَهُمَا، عملًا بقولهما، وَسَقَط الْمُسَمى، إذ لم يصادف محلا، وَوَجَبَ مَهرُ مِثل إِن وَطِيَء، لئلا يخلو الوطء عنه، وَإنِ ادعَى رَضَاعًا فأنْكَرَتِ انْفَسَخَ، مؤاخذة له، وَلَهَا المسَمى إِن وَطِئ وَإلا فَنِصفُهُ. وَإنِ ادَّعَتْهُ فَأَنْكرَ صُدِّقَ بيَمِينهِ إِن زُوِّجَت بِرِضَاهَا، لتضمن رضاها الإقرار بحلها، وَإِلا، أي وإن زوجت جبرًا، فَالأصَح تصدِيْقُهَا، لاحتماله، والثاني: لا عملًا بالظاهر، ومحل الأول: أن لا يكون مكنت من وطئها مختارة، فإن مكنت منه لم يقبل قولها، وَمَهْرُ مثل إِن وَطِئَ، وَإلا فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَيُحَلْفُ مُنْكِرُ رَضَاع عَلَى نَفْي عِلْمِهِ، لأنه ينفي فعل الغير، وَمُدعِيْهِ عَلَى بَت، لأن الغير يثبّتهُ (•)، وَيَثْبُتُ، أي الرضاع، بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامرَأتَينِ، وَبِأربع نِسْوَةِ، لأنه مما يختص النساء بالاطلاع عليه غالبَا، فأشبه الولادة، ولا يثبت بما دون أربع نسوة، فإن كل امرأتين بمثابة رجل، وهذا قد كرره المصنف في الشهادات كما ستعلمه، ثم قال في التتمة: ومحل قبول شهادتهن إذا كان النزاع في الارتضاع من الثدي، أما إذا كان في

стр. 1446

الشرب أو الإيجار من ظرف فلا يقبل فيه شهادة النساء المتمحضات؛ لأنه لا اختصاص لهن بالاطلاع عليه. وَالإقرَارُ بِهِ شرطُهُ رَجُلَانِ، لأن الاقرار مما يطلع عليه الرجال غالبًا بخلاف نفس الرضاع، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ المُرضَعةِ إِن لَم تطْلُب أجْرَةً، لأنها إذا طلبتها مُتهمة تشهد لنفسها، وَلَا ذَكرَتْ فِعلَهَا، أي بل شهدت برضاع محرم، ولا نظر إلى ما يتعلق به من ثبوت المحرمية، وجواز الخلوة والمسافرة، فإن الشهادة لا ترد بمثل هذه الأغراض، ولهذا لو شهد رجلان أن زيدًا طلق زوجته أو أعتق عبده قُبِلَ، وإن استفاد حُل مناكحتها، وَكَذَا إِن ذَكرَت، أي فعلها، فَقَالَتْ: أَرْضَعتهُ فِي الأصَح، لأنها لم تجر به نفعًا ولا تدفع به ضررًا، وفعلها غير مقصود بالإثبات، بل الاعتبار بوصول اللبن إلى الجوف، والثاني: لا تقبل، كما لو شهدت على ولادتها، وفرق الأول: بأن الولادة يتعلق بها حق النَفَقَةِ والإرث وسقوط القصاص وغيرها، وَالأصَح أنهُ لَا يَكفِي بَيْنَهُمَا رَضَاع مُحَرم بَل يَجِبُ ذِكرُ وَقْتِ وَعَدَدِ، لاختلاف المذاهب في شروط الرضاع، فاشترط التفصيل ليعمل القاضي باحتهاده، والثاني: تقبل الشهادة المطلقة، قال الرافعي: ويحسن أن يتوسط، فيقال: إن أطلق فقيه يوثق بمعرفته قُبِلَ؛ وإلّا فلا، وينزل الكلامان عليه، أو يخصص الخلاف بغير الفقيه، وقد سبق مثله في الإخبار بنجاسة الماء والمانعون من قبول المطلقة؛ ذكروا وجهين في قبول الشهادة المطلقة على الإقرار بالرضاع، ولو قال: هي أختي من الرضاع، ففي البحر وغيره: أنه لا يفتقر إلى ذكر الشروط إن كان فقيها، وإلا فوجهان، وفرقوا بين الشهادة والإقرار؛ بأن المقر يحتاط فلا يقر إلا عن تحقيق، وَوُصُوْلِ اللْبَنِ جَوْفه، كما يشترط ذِكر الإيلاج في شهادة الزنا، والثاني: لا، لأنه لا يشاهد. ويُعْرَفُ ذَلِكَ، أي وصول اللبن إلى جوفه، بِمُشاهَدَةِ حَلَبِ، أي -بفتح اللام-، وَإِيجارِ، وَازدِرَادٍ، أَو قَرَائِنَ، كَالتِقَامِ ثَديِ، وَمَصهِ، وَحَرَكَةِ حَلقِهِ بِتجَرع وَازْدِرَاد بَعْدَ عِلْمِهِ بِأنهَا لَبون. أي ذات لبن، لأن مشاهدة القرائن قد تفيد التعيين، وبتقدير أن لا يفيده فيفيد الظن القوي، وذلك يُسلط على الشهادة، فإن لم يعلم

стр. 1447

أنها لبون (•)، فهل تحل له الشهادة بمشاهدة القرائن المذكورة؟ فيه وجهان؛ أحدهما: نعم، أخذًا بظاهر الحال وأظهرهما المنع، كما أفهمه تقييده بقوله (بعد علمه أنها لبون)؛ لأن الأصل أن لا لبن لها.

стр. 1448

عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج تأليف سراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن أحمد المعروف بـ «ابن النحوي» والمشهور بـ «ابن الملقن» (المتوفى ٨٠٤ هـ) حققه وضبطه على أصوله وخرج حديثه وعلق عليه عز الدين هشام بن عبد الكريم البدراني [الجزء الرابع]

стр. 1449

عجالة المحتاج إلي توجيه المنهاج

стр. 1450

كتاب النفقات النفَقَاتُ: هِيَ جَمْعُ نَفَقَةٍ: مِنَ الإنفَاقِ: وَهُوَ الإخْرَاجُ، وَأسبابُ وُجوبِهَا ثَلاثة: النِّكَاحُ؛ وَالقَرَابَةُ؛ وَمِلْكُ اليَمِيْنِ. وَبَدَأ بالأولِ؛ لأنهَا مُعَاوَضَة بِخِلَافِ غَيْرِهَا. وَالأصلُ فِي الْبَابِ آياتْ مِنْهَا قولُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١٢٧). وَمِنَ السنةِ أحَادِيث مِنْهَا قولُهُ ﵊: [حَق الزوْحَةِ عَلَى الزَّوْج أنْ تُطعمَهَا إِذَا طَعِمت وَتَكْسُوهَا إِذَا اكتسَيتَ] قَالَ الحَاكِمُ: صَحِيحُ الإسنادِ (١٢٨)، وَالإجماعُ قَائم عَلَى الوُجوبِ في الجملَةِ.

стр. 1451

عَلَى مُوسِر لِزَوجَتِهِ كُل يَوْمٍ مُدّا طَعَامٍ؛ وَمُعْسِرٍ مُدٌّ؛ وَمُتَوَسطٍ مُد وَنصْف، لأنه العدل. قال تعالي: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ. . . .﴾ الآية (١٢٩)، وَالمد مِائَة وَثَلاثةٌ وَسَبْعُوْن دِرْهَمًا وَثُلُثُ دِرْهَمٍ، وهذا تفريع منه على أن رطل بغداد مائة وثلاثون، والمصنف يخالفه فِي ذلك كما سلف في زكاة النبات فلذلك استدركه عليه بقوله: قُلتُ: الأصَحُّ مِائةٌ وَأَحَدٌ وَسَبْعُوْن، دِرهَمًا، وَثَلاثةُ أَسبَاع دِرهَمٍ، وَالله أَعلَمُ. وَمِسْكينُ الزكَاةِ مُعسِر، وَمَن فَوقَهُ إِن كَان لَو كلفَ مُدينِ رَجَعَ مِسْكِينًا فَمُتَوَسطٌ وَإلا فمُوْسِرٌ، وهذا أحسن الأوجه في ضبط ذلك، ووراءه أوجه ذكرتها في الأصل؛ منها: أن ذلك يضبط بالعادة، وتختلف باختلاف الأحوال والبلاد، ونقله صاحب المطلب عن مقتضى إطلاق الأكثرين. وَالوَاجِبُ غالِبُ قُوتِ البَلَدِ، أي من الحنطة وغيرها اعتبارًا بالفطرة والكفارة. قُلْتُ: فَإنِ اخْتَلَفَ، أي قوت البلد، ولم يكن غالب، وَجَبَ لَائِق بِهِ، أي بحال الزوج إن كان يأكل مما يليق به، ويُعتَبَرُ اليسارُ وَغَيْرُهُ، أي وهو الإعسار والتوسط، طُلُوعَ الفجرِ، وَالله أَعلَمُ، لأنه وقت الوجوب. فَرْع: ليس على العبد إلا نفقة المعسر، وكذا المكاتَب لضعف ملكه، والأصح أن المُبعَضَ كذلك، وإن كثر ماله لنقص حاله. وَعَلَيهِ تملِيكُهَا حَبًّا، أي لا خبزًا ودقيقًا قياسًا على الكفارة، قال القمولي ﵀: وحَكَى بعض مشايخ العصر عن كتاب ابن كج: أنه يجوز للقاضي أن يَفْرض للمرأة دراهم بقيمة الخبز والأدم وتوابعهما وهو غريب حسن، وفي فتاوى القاضي ما يشعر به، وَكَذَا طَحنُهُ وَخبزُهُ فِي الأصَح، أي مؤونة الطحن والخبز ببذل المال،

стр. 1452

أو بأن يتولاهما بنفسه، أو بغيره، لأنها في حبسه فيجب مؤنتها، قال الرافعي: فعلى هذا عليه مؤنة طبخ اللحم وما يطبخ به، والثاني: لا يلزم كالكفارة، والثالث: إن كانت من أهل القرى الذين عادتهم الطحن والخبز بأنفسهم فلا، وإلّا فنعم، وبه قال الماوردي. وَلَو طَلَبَ أَحَدُهُمَا بَدَلَ الحب لَم يُجبَرِ المُمتَنِعُ، لأنه خلافُ الواجب، فَإنِ اعتاضَت، أي دراهم ودنانير أو ثيابًا ونحوهما، جَازَ فِي الأصَح، لأنه طعام مستقر فِي الذمة لمعيَّن، فجاز أخذ العوض عنه كالقرض، والثاني: لا؛ كطعام الكفارة، إِلا خُبزًا أوْ دَقِيْقًا عَلَى المَذهَبِ، حذرًا من الربا، وقطع البغوي: بالجواز، لأنها تستحق الحب وإصلاحه، وقد فعله وصححه صاحب المعين، ومحل الخلاف إذا اعتاضت عن النفقة الماضية دون المستقبلةِ، وما إذا اعتاضت من الزوج، فأما غيره فلا قطعًا. وَلَو أَكَلَت مَعَهُ عَلَى العَادَةِ سَقَطَت نَفَقتهَا فِي الأصَح، لجريان الناس عليه في الأمصار، واكتفاء الزوجات به، والثاني: لا، لأنه لم يؤدِ الواحب وتطوع بغيره وهذا هو القياس، قال مجلّي: وهذا إذا لم ترض بذلك عوضًا، فإن رضيت به سقطت قطعًا. قُلتُ: إِلا أَن تَكُون غَيرَ رَشيدَة، وَلَم يَأذَن وَليهَا، وَالله أعلَمُ، أي فإن نفقتها باقية قطعًا، فإن أذن فهو محل الخلاف، لكن قبض الصغيرة غير مُعتد به، وإن أذن الولي؛ اللهم إلا أن يجعل الزوج كالوكيل في شراء الطعام وإنفاقه عليها. ويجِبُ أدْمُ غَالِبِ البَلَدِ كَزَيتٍ؛ وَسَمْنٍ؛ وَجُبْن؛ وَتمْرٍ، لأنه من المعاشرة بالمعروف، ويخْتَلِفُ بِالفُصُولِ، أي فقد تغلب (•) الفواكه في أوقاتها فيجب، ويقَدرُهُ قَاض بِاجتِهَادِهِ، ويفَاوِتُ بَين مُوْسرٍ وَغَيرِهِ، ووقع في كلام الشافعي تقدوره بِمَكيلَةِ سمن أو زيت وهو تقريب، وَلَحم يَلِيقُ بِيَسَارِهِ واِعْسَارِهِ كَعَادَةِ البلَدِ، لأنه من جنس ما يؤتدم به، وَلَو كانَت تأكُلُ الخبز وَحدَهُ وَجَبَ الأدمُ، أي فلا يسقط حقها منه كما لا يسقط حقها من الطعام بأن تأكل بعضه.

стр. 1453

فَصل: وَكِسوَة تَكْفِيهَا، أي ويجب كسوتها على قدر كفايتها، فتختلف بطولها وقصرها وهزالها وسمنها، قال تعالى: ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١٣٠)، فَيَجِبُ قَمِيص، وَسَرَاوِيلُ، وَخِمَار، وَمُكعب، وهو مداس الرجل، ويزِيدُ في الشتاءِ جُبةَ، أي محشوة بقطن لحصول الكفاية بذلك، فإن احتاجت إلى ثنتين لشدة البرد وجبتا، قاله في الكافي، وذكره الرافعي قياسًا، وَجِنْسُهَا قُطْن، لأنه لباس أهل الدّين وما زاد عليه رعونة، فَإن جَرَت عَادَةُ البَلَدِ لِمِثلِهِ بِكتانِ أو حَرِيرِ وَجَبَ في الأصَح، اتباعًا للعادة؛ وتفاوت بين الموسر والمعسر في مراتب ذلك الجنس، نعم، لا يكتفي بالثوب الشفاف الذي ترى من تحته البشرة لاحتياجها إلى الصلاة فيه، والثاني: لا، بل له الاقتصار على القطن. ويجِبُ مَا تقعُدُ عَليهِ كَزِليةِ أَو لِبدٍ أوْ حَصِيْرِ، لاحتياجها إلى ذلك، والزلية على المتوسط والباقي على الفقير، وعلى الموسر طنفسة في الشتاء، ونطع في الصيف، قال الرافعي: ويشبه أن يكونا بعد بُسط زلية أو حصير فإنهما لا تبسطان وحدهما، وَالزليةُ بتشديد اللام والياء وَجَمْعُهَا زَلَالِي، قيل: إنها الطنفُسَةُ، ويخدشه ما ذكرناه من كونها يفرش تحتها، وَكَذَا فِرَاش لِلنومِ في الأصَح، للعادة الغالبة، والثاني: لا، وتنام على ما يفرشه نهارًا، وَمَخَدة وَلحاف، أي أو كساء فِي الشتاءِ، أي في البلاد الباردة على العادة نوعًا وكيفيةً. فَصل: وَآلَةُ تَنْظِيف، أي ويجب إيصالها آلة تنطيف، كَمِشطٍ؛ وَدُهْنٍ؛ وَمَا تَغْسِلُ بِهِ الرأسَ، أي من سِدْرٍ أو خَطمِي أو طين على عادة البقعة لاحتياجها إلى ذلك، ويلتحق بذلك ما تغسل به الثوب، وَمَرتَكٌ وَنَحْوُهُ لِدَفْع صُنانٍ، أي إن لم ينقطع بالماء والتراب، لَا كُحل وَخِضَاب وَمَا تزينُ بِهِ، أي فإنه لا يجب بل هو إلى اختياره، فإن شاء هيأه لها، وإذا هيَأه فيحب عليها، وأوحب الماوردي الكحل إذا كان يراد للزينة كالاثمد، وذكر أنه ﵊: [لَعَنَ السُّلَتَاءُ وَالمَرهَاءُ]

стр. 1454

والمراد بالسُّلْتَاءِ: التي لا تختضب، وَالْمَرْهَاءِ: التي لا تكتحل؛ مأخوذ من المَرَهِ بفتح الميم والراء وهو البياض للعين، ثم حمل اللعن على ما إذا تركتهما ليفارقها كراهية لها، وهذا الحديث عزاه المحب الطبري في أحكامه إلى رواية أبي القاسم عبد الله بن هارون القطَّان في مجلس من أماليه بواسطة من حديث عائشة: أنهُ ﵊ قالَ: [إِنِّي لأبْغَضُ الْمَرْأَةَ السُّلْتَاءَ وَالْمَرْهَاءَ] , قِيْلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُمَا؟ فذكرهما (١٣١). وَدَوَاءُ مَرَضٍ؛ وَأُجْرَةُ طَبِيْبٍ وَحَاجِمٍ، أي لا يجب ذلك أَيضًا؛ لأن الزوج كالمستأجر؛ والدواء وما في معناه لحفظ الأصل؛ فلا يلزمه كما لا يلزم المستأجر العمارة بخلاف الدهن ونحوه، فإنَّه كغسل الدار المستأجرة. وَلَهَا طَعَامُ أَيَّامِ الْمَرَضِ وَأُدْمُهَا، أي ولها صرف ما تأخذه للدواء ونحوه، وَالأصَحُّ وُجُوْبُ أجْرَةِ حَمَّامٍ بِحَسَبِ العَادَةِ، أي فيجب إلَّا إذا كانت من قوم لا يعتادون دخولها كأهل القرى، قال الماوردي: ويجب في كل شهر مرة، والوجه الثاني: لا يجب؛ إلَّا إذا اشتد البرد وعسر الغسل إلَّا في الحمام، واختاره الغزالي وتبعه الحاوي، والأول تفريع على جواز دخول المسلمة الحمام وهو الأصح، وقيل: لا يجوز لها دخولها إلا لضرورة، وَثَمَنِ مَاءِ غُسْلِ جِمَاعٍ وَنِفَاسٍ, لأنه بسببه، والثاني: لا. لا حَيْضٍ وَاحْتِلَامٍ في الأصَحِّ، إذ لا صُنعَ منه، ووجه مقابله كثرة وقوع الحيض، ففي عدم إيجابه إجحاف بها، والخلاف في الاحتلام غريب؛ تبع فيه ظاهر عبارة الْمُحَرَّرِ ولم يحكه في شرحيه، ولا المصنف في روضته؛ بل قطع بعدم الوجوب، ثم رأيتُ بعد ذلك القفال جَزَمَ بالوجوب في فتاويه، فقال: إذا احتلمت المرأة فثمن (•) الماء على الزوج؛ لأنه لحاجته، بخلاف ما لو زنت أو وطئت بالشبهة، قال الرافعي:

стр. 1455

وينظر على هذا القياس في ماء الوضوء إن كان السبب من جهته كاللمس؛ أو لا، من جهتها، وَلَهَا، أي ويجب، آلَاتُ أَكْلٍ؛ وَشُرْبٍ؛ وَطَبْخٍ كَقِدْرٍ وَقَصْعَةٍ وَكُوْزٍ وَجَرَّةٍ وَنَحْوِهَا، أي سواء كان ذلك من خشب أو حجر أو خزف، وفي الظروف النحاسية احتمالان للإمام. فَصْلٌ: وَمَسْكَنٌ يَلِيقُ بِهَا، أي ويجب عليه تهيئة مسكن يليق بحالها, لأن المعتدة تستحق الإسكان، فالمزوجة أولى، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِلْكَهُ، أي بل يجوز أن يكون مستعارًا أو مستأجرًا لحصول المقصود. فَرعٌ: لو سكنت هي وهو في منزلها مدة سقط فيها حق السكنى، ولا مطالبة لها بأجرة سكنه معها إن كانت أذنت له في ذلك, لأن الإذن المطلق العرى عن ذكر عوض ينزل على الإعارة والإباحة؛ قاله ابن الصلاح. فَصْلٌ: وَعَلَيهِ لِمَن لا يَلِيْقُ بِهَا خِدْمَةُ نَفْسِهَا إِخدَامُهَا, لأنه من المعاشرة بالمعروف، والاعتبار بحال المرأة في بيت أبيها دون ما إذا طرأ ذلك عند الزوج؛ قاله أبو حامد، وقال الماوردي: يجب إذا كانت من أهل الأمصار دون البوادي. فَرْعٌ: يكفي خادم واحد، ولو كان الزوج موسرًا على الأصح. بِحُرَّةٍ؛ أَوْ أَمَةٍ لَهُ؛ أَوْ مُسْتَأْجَرَةٍ؛ أَوْ بِالإِنفَاقِ عَلَى مَن صَحِبَتْهَا مِنْ حُرَّةٍ أَو أَمَةٍ لِخِدْمَةٍ، أي ولا يلزمه تمليكها جارية، بل الواجب الإخدام ويحصل بالمذكور، وَسَوَاءٌ في هَذَا، أي في وجوب الإخدام، مُوْسِرٌ؛ وَمُعْسِرٌ؛ وَعَبْدٌ, لأن المعاشرة بالمعروف لا تفترق بذلك، وفي التتمة في الكلام على دليل وجوب الخدمة: أن اليسار شرط فيه، فَإن أَخدَمَهَا بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ بِأُجْرَةٍ، فَلَيسَ عَلَيهِ غَيرَهَا، أَوْ بِأَمَتِهِ أنْفَقَ عَلَيهَا بِالْمِلْكِ، أَوْ بِمَن صَحِبَتْهَا لَزِمَهُ نَفَقَتَهَا, لأنه من المعاشرة بالمعروف. وَجِنسُ طَعَامِهَا جِنسُ طَعَامِ الزَّوْجَةِ، أي كما سلف بيانه، وَهُوَ مُدٌّ عَلَى مُعْسِرٍ، أي وإن كان فيه تسوية بين الجارية (•) والمخدومة, لأن النفس لا تقوم

стр. 1456

بدونه غالبًا، وَكَذَا مُتَوَسِّطٌ فِي الصَّحِيْحِ، قياسًا عليه، والثاني: أنَّه كالموسر، وَمُوْسِرٌ مُدٌّ وَثُلُثٌ, لأن نفقة المخدومة مدان وهذه تابعة لها فلا تساويها، والمد والثلث ثلثا نفقة المخدومة. وَلَهَا كِسْوَةٌ تَلِيْقُ بِحَالِهَا، كالنفقة لأنها من المعاشرة بالمعروف، فيجب قَمِيْصٌ وَمِقْنعَةٌ وَخُفٌّ لا سراويل، ويجب لها في الشتاء جُبَّةٌ أو فَرْوَةٌ وما يُلتحف به عند الخروج، وَكَذَا أُدُمٌ عَلَى الصَّحِيْحِ, لأن العيش لا يتم بدونه، والثاني: لا؛ ويكتفي بما يفضل عن المخدومة، فعلى الأول جنسه جنس أدم المخدومة؛ لكن دون نوعه على الأصح للعرف به، لا آلَةُ تَنْظِيْفٍ, لأنها للزينة، واللائق به تركها لئلا تمتد العين إليها، فَإِنْ كَثَرَ وَسَخٌ وَتَأَذَّتْ بِقَمْلٍ وَجَبَ أَنْ تُرْفَهَ، إزالة لذلك، وَمَن تَخْدُمُ نَفسَهَا في العَادَةِ إِنِ احْتَاجَتْ إِلَى خِدْمَةٍ لِمَرَضٍ أَوْ زَمَانَةٍ وَجَبَ إِخدَامُهَا، أي سواء كانت الزوجة حرة أو أمَة، وَلَا إِخْدَامُ لِرَقِيْقَةٍ، لنقصها، وَفي الْجَمِيلَةِ وَجْهٌ، لجريان العادة به. فَصْلٌ: وَيَجِبُ في المَسْكَنِ إِمْتَاعٌ، أي بلا خلاف، وليس كالكسوة، إذ لا يدفع إليها بخلافها، وَمَا يُسْتَهْلَكُ كَطَعَامٍ، تَمْلِيكٌ، كالكفارة، وَتَتَصَرَّفُ فِيْهِ، أي بالبيع وغيره، فَلَوْ قَتَّرَتْ بِمَا يَضُرُّهَا مَنَعَهَا، لأجل الأضرار، وَمَادَامَ نَفْعُهُ كَكِسْوَةٍ، أي وفرش، وَظُرُوْفِ طَعَامٍ وَمُشْطٍ؛ تملِيْكٌ، كالنفقة والأدم، وَقِيلَ: إِمْتَاعٌ، كالمسكن والخادم، وَتُعْطَى الْكِسْوَةَ أَوَّلَ شِتَاءٍ وَصَيفٍ، إذ هو وقت الحاجة إليها كما تُسلم النفقةُ أولَ اليوم، وما يبقى سنة فأكثر كالفرش والبسط، يُجَدَّدُ في وقت تجديده، وكذا جُبَّةَ الابريسم والخز لا تجدد كل سنة: وعليها تطريتها على العادة، فَإِذَا تَلِفَتْ فِيهِ بِلَا تَقْصِيْرٍ لَمْ تُبْدَلْ إِنْ قُلْنَا تَمْلِيْكٌ، كالنفقة إذا تلفت في يدها، فإن قلنا: إمتاع؛ فعليه البدل. فَرْعٌ: لو أتلفتها أو تمزقت قبل أوان التمزق لكثرة ترددها فيها وتحاملها عليها فعلى الخلاف.

стр. 1457

فَإن مَاتَتْ فِيْهِ، أي في الفصل، لَم تُرَدَّ، أي على القول بالتمليك، وكذا لو مات الزوج كما لو سلم إليها نفقة اليوم فماتت فيه، فإن قلنا: إمتاع؛ استرَّد، وَلَوْ لَمْ يَكْسُ مُدَّةً فَدَيْنٌ، أي إن قلنا: إنها تمليك، فإن قلنا: إمتاع؛ فلا. فَصْلٌ: الْجَدِيْدُ أَنَّهَا، أي النفقة، تَجِبُ بِالتَّمْكِيْنِ لا بِالْعَقدِ, لأن المهر يجب بالعقد فلا يوجب عوضين مختلفين، والقديم أنها تجب بالعقد أي بالاحتباس الواجب به كالمهر، نعم: لو نشزت سقطت؛ فَالتَّمْكِينُ شرطٌ للإستقرار، فَإنِ اخْتَلَفَا فِيهِ، أي في التمكين، صُدِّقَ، لأن الأصل عدمه، فإن اتفقا عليه، وادعى أنها نشزت بعده، وأنكرت؛ فالصحيح أن القول قولها؛ لأن الأصل عدم النشوز، فَإِنْ لَم تَعْرِضْ عَلَيْهِ مُدَّةً فَلَا نَفَقَةَ فِيْهَا، لعدم التمكين، وِإن عُرِضَتْ، عليه، وَجَبَتْ مِن بُلُوْغِ الْخَبَرِ، لوجوده, فالتقصير منه حينئذ، فَإِنْ غَابَ كَتَبَ الْحَاكِمُ لِحَاكِمِ بَلَدِهِ لِيُعْلِمَهُ فَيَجِيءَ أَوْ يُوَكِّلَ، أي وكيلًا ليتسلمها، فَإن لَمْ يَفْعَل، وَمَضَى زَمَنُ وُصُوْلِهِ، فَرَضَهَا الْقَاضِي، أي وجعل كالتسليم لها, لأن الامتناع منه، وَالْمُعْتَبَرُ في مَجْنُوْنَةٍ وَمُرَاهَقَةٍ عَرْضُ وَليّ، أي لا عرضهما، وندب لهما الطاعة. فَصْلٌ: وَتَسْقُطُ بِنُشُوْزٍ، بالإجماع، إلَّا من شذَّ؛ ولا فرق بين أن يكون في جملة اليوم أو في بعضه على الأصح، وَلَوْ بِمَنْع لَمْسٍ بِلَا عُذْرٍ، وَعَبَالَةُ زَوْجٍ، أي وهو كبر ذكره، أَوْ مَرَضٌ يَضُرُّ مَعَهُ الوَطؤُ، عُذرٌ، لقيام المانع، وَالْخُرُوْجُ مِنْ بَيْتهِ بِلَا إِذْنِ نُشُوْزٌ، لمخالفتها الواجب عليها، إِلَّا أَن يُشْرِفَ عَلَى انْهِدَامٍ، لحصول الضرر بمقامها فيه، وَسَفَرُهَا بِإِذْنِهِ مَعَهُ أَوْ لِحَاجَتِهِ لا يُسْقِطُ، لوجود التمكين في الأُولى؛ وهو المسقط في الثانية، وَلحَاجَتِهَا يُسْقِطُ في الأظْهَرِ, لأنها غير متمكنة، والثاني: يجب لوجود إذنه. فَرْعٌ: سفرها بغير إذنه معه لا يسقط، ذكره الرافعي في باب الصدقات. وَلَوْ نَشَزَتْ فَغَابَ فَأَطَاعَتْ، أي كما إذا خرحت من مسكنه بغير إذنه ثم عادت وهو غائب، لَمْ يَجِبْ في الأَصَحِّ, لأنها خرجت عن قبضته فلابد من

стр. 1458

تسليم وتسلم مستأنفين؛ وهما لا يحصلان بمجرد عودها إلى مسكنه، والثاني: يجب؛ لأن الاستحقاق زال بعارض الخروج، فإذا زال العارض عاد الإستحقاق. وَطَرِيقُهَا أن يَكتبَ الْحَاكِمُ كَمَا سَبَقَ، أي في ابتداء التسليم. وَلَوْ خَرَجَتْ في غَيْبَتِهِ لِزِيَارَةٍ وَنَحْوِهَا، أي كالعبادة على وجه النشوز، لَمْ تَسْقُطْ، لعدم النشوز، وَالأَظْهَرُ أَنْ لا نَفَقَةَ لِصَغِيرَةٍ، أي لا توطأ لانتفاء التَّمْكِيْنِ، ومقابله مبني على وجوبها بالعقد، فإن كانت ممكنة الوطءِ طلقها، فلها النفقة قطعًا، إذا سلمها الولي وعرضها عليه، فلو سلمت هي نفسها فتسلمها وجبت، وإن عرضت نفسها فلم يتسلمها, لم يجب، وفيه احتمال لمجلِّي. وَأَنَّهَا تَجِبُ لِكَبِيرَةٍ عَلَى صَغِيْرٍ، أي لا يتأتى منه الجماع، وعرضت نفسها على وليه، لا عليه؛ إذ لا مانع من جهتها، ووجه مقابله فوات الاستمتاع، أما المراهق فتلزمه النفقة قطعًا بالعرض على وليه، وبالتسليم إليه، ولو بغير إذنه. فَرعٌ: لو كانا صغيرين لم تجب في الأظهر. فَصْلٌ: وَإِحْرَامُهَا بِحَجٍّ أوْ عُمرَةٍ بِلَا إذْن نُشُوْزٌ إِن لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيْلَهَا، فَإِنْ مَلَكَ فَلَا حَتَّى تَخْرُجَ فَمُسَافِرَةٌ لِحَاجَتِهَا، أي وقد سبق حكمه، أوْ بِإِذْنٍ فَفِي الأَصَحِّ لَهَا نَفَقَةٌ مَا لَم تَخْرُجْ, لأنها في قبضته؛ وفوات الاستمتاع جاء من سبب مأذون فيه، وبه قطع قاطعون، كما حكاه الرافعي وأسقطه من الروضة، قال الإمام: وهي أشهَر، وإليها ذهب الأكثرون، والثاني: لا نفقة؛ لفوات الاستمتاع، والخلاف مفرع على قولنا: إنها إذا خرجت لا تستحق كما نبه عليه في الوسيط، فإن خرجت فقد سافرت في غرض نفسها، وقد سلف حكمه. وَيمْنَعُهَا صَوْمُ نَفْلٍ، لأجل حقه الواجب عليها، بل لا يجوز لها صومه وهو حاضر إلَّا بإذنه، فَإِنْ أَبَتْ فَنَاشِزَةٌ فِي الأَظْهَرِ، لامتناعها من التمكين، وإعراضها عنه بما ليس بواجب، والثاني: لا، لأنها في داره وقبضته، ولها الخروج عما شرعت فيه متى شاءت، وَالأصَحُّ أَنَّ قَضَاءَهُ لا يَتَضَيَّقُ كَنَفْلٍ فَيَمْنَعُهَا, لأنه على التراخي،

стр. 1459

وحقه على الفور، والثاني: لا، فإن تضيق بتعديها؛ فالأصح لا سقوط أَيضًا، فإن فات الأداء بعذر وتضيق وقت القضاء، فلا سقوط أَيضًا؛ لوجوبه على الفور. فَرْعٌ: لو أرادت قضاءَ الصلاة، وأراد الاستمتاع بها، قال الشيخ أبو حامد: يقدم حقه لثبوته في الذمة، وقال الماوردي: الأصح عندي تقديم القضاء, لأنه مستحق في أول زمن الْمُكْنَةِ؛ فصار كالوقت شرعًا، وقيل: هما مبنيان على أن الصلاة المتروكة تَعَمُّدًا! هل هي على الفور؟ ، وَأَنَّهُ لا مَانِعَ من تَعْجِيلِ مَكْتُوْبَةٍ أوَّلَ وَقْتٍ، وسُنَنٍ رَاتِبَةٍ، حيازة لفضلهما، والثاني: نعم. فَرْعٌ: له منعها من نوافل العبادات المطلقة كصوم الاثنين والخميس، بخلاف رواتب السنن كعرفة وعاشوراء على الأصح. فَصْلٌ: وَيجِبُ لِرَجْعِيّةٍ الْمُؤَنُ، لبقاء حبس الزوج وسلطنته، والإجماع قائم على وجوب النفقة لها، وكذا السكنى, نعم، لو قال: طلقت بعبد الولادة فلي الرجعة، فقالت: بل قبلها؛ وقد انقضت عدتي، فالقول قوله في بقاء العدة وثبوت الرجعة، ولا نفقة لها لزعمها، كما جزم به الرافعي، ومقتضاه أنَّه لا نفقة لها، وإن راجعها لإنكارها استحقاقها، وكذا لو اختلفا في أصل الطلاق البائن وأنكر الزوج وحلف، قال في المطَّلب: هو ما أورده الرافعي في كتاب القَسْمِ وجعله أصلا مقيسًا عليه، قال: لكن ظاهر نصه في الأُم الوجوب، إِلَّا مُؤْنَةُ تَنَظُّفٍ، أي فإنَّها لا تجب لانتفاء المعنى الذي شرع ذلك لأجله. فَلَوْ ظُنَّتْ حَامِلًا فَأَنْفَقَ فَبَانَتْ حَائِلًا اسْتَرْجَعَ مَا دَفَعَ بَعْدَ عِدَّتِهَا, لأنه تبين عدم الوجوب عليه، وَالْحَائِلُ الْبَائِنُ بِخُلْعٍ أَوْ ثَلَاثٍ لا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا كِسْوَةَ، لزوال الزوجية فأشبهت المتوفى عنها، وَتَجِبَانِ لِحَامِلٍ، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (١٣٢) ويجب الأُدام أَيضًا، لَهَا، أي بسبب الحمل, لأنها تلزم المعسر، ومقدَّرَةٌ لا بالكفاية، وَفِي قَوْلٍ: لِلْحَمْلِ، لوجوبها بوجوده وعدمها بعدمه،

стр. 1460

وإنما صرفت إلى أُمه لكونه يتغذى بغذائها، فَعَلَى الأَوَّلِ لا تَجِبُ لِحَامِلٍ عَنْ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ, لأنها لا تستحقها بحال التمكين فبعده أولى، وعلى الثاني: تجب؛ قال الجمهور: لأن الحامل تابع له، وقال الإمام: لقيامها بتربيته كالحاضنة، واستشكل الرافعي إلحاقه بالحاضنة وبحث معه في الكفاية. قُلْتُ: وَلَا نَفَقَةَ لِمُعْتَدَّةِ وَفَاةٍ وَإِن كَانَتْ حَامِلًا، وَالله أَعْلَمُ، لحديث صحيح في الدارقطني على شرط مسلم (١٣٣)، قال الشَّافعيّ: ولا أعلم فيه مخالفًا. فَرْعٌ: لو أبانها ثم مات قبل أن تضع حملها، فلا نفقة لها على الأصح عند الإمام وغيره, لأنها كالحاضنة، ولا نفقة للحاضنة بعد الموت، قال الغزالي: والأقيس الوجوب، وجزم به في الحاوي الصغير, وكذا المصنف في الروضة في موضع منها. وَنَفَقَةُ الْعِدَّةِ مُقَدَّرَةٌ كَزَمَنِ النِّكَاحِ، وَقِيلَ: تَجِبُ الْكِفَايَةُ، أي سواء زادت أم نقصت، قال في الروضة: وقطع الجمهور بالأول، قال: شذَّ الإمام ومتابعوه فحكوا خلافًا ثم جزم بذلك في الكتاب، وَلَا يَجِبُ دَفْعُهَا قَبْلَ ظُهُوْرِ حَمْلٍ، أي سواء

стр. 1461

جعلناه للحمل أو للحامل، فَإذَا ظَهَرَ وَجَبَ يَوْمًا بِيَوْمٍ، للآية السالفة، وَقِيلَ: حَتَّى تَضَعَ, لأن الأصل البراءة إلى أن يتيقن السبب، وبناه بعضهم على أن الحمل يعلم أم لا؟ وهذا قولٌ لا وجه، وَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ عَلَى الْمَذْهَبِ, لأن المرأة مستحقة لها، وانتفاعها بها أكثر من انتفاع العمل، فكان كنفقة الزوجة، ولذلك قلنا؛ إنها مقدرة، والطريق الثاني: البناء على الخلاف في أن النفقة لها أو للحمل، فإن قلنا بالأول لم يسقط كنفقة الزوجة, وإن قلنا بالثاني: سقطت كنفقة القريب. فَصْلٌ: أَعْسَرَ بِهَا، أي بالنفقة، فَاِن صَبَرَتْ صَارَتْ دَينًا عَلَيهِ، وإن لم يفرضها القاضي، وَإِلَّا فَلَهَا الْفَسْخُ عَلَى الأظْهَرِ، لقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١٣٤)، والثاني: لا فسخ لها, لأن المعسر مُنْظَرٌ، ولا فسخ النفقة مدةٍ ماضيةٍ على الأصح، وَالأصَحُّ أَن لا فَسْخَ بِمَنْع مُوْسِرٍ حَضَرَ أَوْ غَابَ، لقدرته، والثاني: لا، لتضررها. وصححه جماعة في الثَّانية، ولو كان له مال ظاهر أنفق السلطان منه، وليس ذلك موضع الخلاف، وكذا لو قَدَرَتْ على شيء من ماله، وأجرى في أصل الروضة فيه الخلاف، والذي في الرافعي الجزم بنفي الخلاف كما ذكرته، والخلاف لا وجه له فإنها تصلُ إلى حقها, ولو جَهِلْنَا (•) يساره وإعساره، لا فسخ به أَيضًا على الأصح، وبه جزم الرافعي, لأن السبب لم يتحقق. وَلَوْ حَضَرَ وَغَابَ مَالُهُ، فإِن كَان بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَهَا الْفَسْخُ، أي ولا يلزمها الصبر، وِإلَّا، أي وإن كان على دونها، فَلَا، أي لا فسخ لها، ويؤمَرُ، بتعجيل، بِالإِحْضَارِ، وَلَوْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ بِهَا، أي بالنفقة، لَمْ يَلْزَمْهَا الْقَبُوْلُ، للمنة، اللهمَّ إلّا أن يكون المتبرع أصلًا والزوج تحت حجره، نعم: إن سَلَّمَ المتبرع النفقة إلى الزوج، وسَلَّمَ هو إليها، فلا فسخ لها لانتفائها، ذكره الخوارزمي في كافيه، وَقُدْرَتُهُ عَلَى الْكسْبِ كَالْمَالِ, لأنه ليس عليه أن يدَّخِر للمستقبل، نعم: لو كان يكتسب بآلات

стр. 1462

الملاهي، فقد قال الماوردي: إنه لابد له مما يقابل تفويت عمله، فهو موسر به، وكذا ذكره فيما يعطاه المنجم عن طيب نفسه يكون به موسرًا, لأنه في معنى الهدية وإن كان الفعل محظورًا، وَإِنّمَا يُفْسَخُ بِعَجْزِهِ عَنْ نَفَقَةِ مُعْسِرٍ، بالإجماع، وَالإِعْسَارُ بِالْكِسْوَةِ كَهُوَ بِالنَّفَقَةِ, لأن البدن لا يقوم بدونها، وَكَذَا بِالأُدْمِ وَالْمَسْكَنِ في الأصَحِّ، لتضررها بِعَدَمِهِما. قُلْتُ: الأصَحُّ الْمَنْعُ في الأُدْمِ، وَالله أعْلَمُ، لقيام البُنيَّةِ بدونه، وهو ما صححه الرافعي في الشرح الصغير وعبر بالأصح أَيضًا واقتضاه كلامه في الكبير ووجه عدم الفسخ بالإعسار بالمسكن، أن النفس تقوم بدونه، فإنَّها لا تعدم مسجدًا أو موضعًا مباحًا وهو توجيه عجيب. وَفِي إِعْسَارِهِ بِالْمَهْرِ أقْوَالٌ: أَظْهَرُهَا: تُفْسَخُ قَبْلَ وَطْءٍ، للعجز عن تسليم العوض مع بقاء المعوض كالإفلاس، لا بَعْدَهُ، لتلف المُعَوَّضِ، فصار العوض دَيْنًا في الذمة، والثاني: يجب (•) مطلقًا أما قبل الوطء فلما تقدم، وأما بعده، فلأن البُضع لا يتلف بوطئةٍ واحدة، والثالث: المنع مطلقًا, لأنه ليس لها فوات المهر وتأخيره مثل ضرر فوات النفقة، وليس هو على قياس الأعواض حتَّى يُفسخ العقد بتعذره، والقطع بالفسخ قبل الدخول عزاه الرافعي لجماعة، ونسبه في الشرح الصغير للأكثرين، والمصنف تبع المحرر في ترجيح طرد الخلاف في الحالين. تَنْبِيْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مقتضى كلام المصنف هذا الخيار على الفور، صرح به الرافعي ومقتضى ما في التتمة خلافه، الثَّانِي: لو قبضت بعضه وأعسر الزوج بباقيه ليس لها الفسخ، وإن كان قبل الدخول، قاله ابن الصلاح في فتاويه، والرافعي وغيره أطلق المسألة. وَلَا فَسْخَ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَ قَاضٍ إِعْسَارُهُ فَيَفْسَخُهُ أوْ يَأْذَن لَهَا فِيهِ, لأنه مجتهد

стр. 1463

فيه، ثُمَّ في قَوْلٍ: يُنَجَّزُ الْفَسْخُ، كما في العُنة، وَالأظْهَرُ إِمْهَالُهُ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ, لأنها مدة قريبة، وَلَهَا الْفَسْخُ صَبيحَةَ، اليرم، الرَّابِع إِلَّا أَن يُسَلِّمَ نَفَقَتَهُ، لانتفاء الضرر إذن، وَلَوْ مَضَى يَوْمَانِ بِلَا نَفَقَةٍ وَأَنْفَقَ الثَّالِثَ وَعَجَزَ عَنِ الرَّابِع بَنَتْ، لتضررها بالاستئناف، فتصبر يومًا آخر وتفسخ في ثالثه (•)، وَقِيلَ: تَسْتَأْنِفُ، لزوال العجز الأول، وَلَهَا الْخُرُوْجُ زَمَنَ الْمُهْلَةِ لِتَحْصِيلِ النَّفَقَةِ, لأنه إذا لم يوَفِ ما عليه لا يملك الْحَجْرَ، وَعَلَيهَا الرُّجُوْعُ لَيلًا، أَي إلى منزل الزوج, لأنه وقت الدَّعَةِ. وَلَوْ رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ أَوْ نَكحَتهُ عَالِمَةً بإِعْسَارِهِ فَلَهَا الْفَسْخُ بَعْدَهُ, لأن الضرر يتجدد، وَلَوْ رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ بِالْمَهْرِ فَلَا، لعدم تجدد الضرر، وَلَا فَسْخَ لِوَليِّ صَغِيْرَةٍ وَمَجْنُوْنَةٍ بِإِعْسَارٍ بِمَهْرٍ وَنَفَقَةٍ، أي وإن كان فيه مصلحتهما، كما لا ينوب عنهما في الطلاق. وَلَوْ أَعْسَرَ زَوْجُ أَمَةٍ بِالنَّفَقَةِ فَلَهَا الْفَسْخُ, لأنها صاحبة حق في تناولها، فَإِنْ رَضِيَتْ فَلَا فَسْخَ لِلسَّيِّدِ في الأَصَحِّ, لأن النفقة في الأصل لها ثم يتلقاها السيد، لأنها لا تملك فيكون الفسخ إليها، وَلَهُ أَن يُلْجِئْهَا إِلَيهِ، بِأَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَيهَا، وَيقُوْلُ: افْسَخِي أَوْ جُوْعِي، والثاني: له الفسخ, لأن الملك في النفقة له، وضرر فواتها يعود إليه. فَصْلٌ: يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْوَالِدِ، أيْ أبًا أو أمًّا، وَإنْ عَلَا، أي جَدَّةً وجدًا إذا كانوا أحرارًا, لأنه من المصاحبة بالمعروف، وَالوَلَدِ، أي الحُر، وَإِنْ سَفَلَ، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١٣٥)، وأما وجوبها على الأُم؛ فلأن بَعْضيَّتُها محققة وبَعْضيَّة الأب مظنونة فكانت أَولى منه بالوجوب، وكلام المصنف يُشعر بنفي نفقة من عَدا ما ذَكَرَ، والأمر كذلك خلافًا لأبي ثور، وَإِنِ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا، لوجود القرابة.

стр. 1464

فَرع: الأصح في الروضة أن نفقة المكاتب على ولده الحر لا تلزم لبقاء أحكام الرق. بِشَرْطِ يَسَارِ الْمُنْفِقِ بِفَاضِلٍ عَن قُوتهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ في يَومِهِ، لأنَّ المعسر ليس من أهل المواساة، ويباع فِيْهَا مَا يُبَاعُ في الدينِ، أي من عقار وغيره، لأنها حق مالي لا بدل له فأشبه الدَين، وَيلْزَم كَسوبًا كَسبهَا في الأصَح، لأنَّه يلزمه إحياء نفسه بالكسب فكذا أصله، والثاني: لا، كما لا يلزمه لقضاء الدين، والأول فرق بأن النفقة قدرها يسير والدَين لا ينضبط قدره، وَلَا تجبُ لِمالِكِ كِفَايَتهُ، وَلَا لِمكْتَسِبِها، لانتفاء الحاجة إذن، وَتَجِبُ لِفَقِيْرِ غَيْرِ مُكتَسِبِ إِن كان زَمِنًا أَوْ صَغِيرًا أو مَجنُوْنًا، لعجزه عن كفاية نفسه وفي معنى الزمن العاجز بالمرض والعمى قاله البغوي، وإلا، أي وإن لم يكن زمنًا أو صغيرًا أو مجنونًا، فأقوَال أَحْسَنهَا: تجِبُ، لأنَّه يقبح أن يكلف قريبه الكسب مع اتساع ماله، والثاني: المنع للقدرة على الكسب فإنَّه نازل منزلةَ المال، وَالثالِثُ لأصلٍ، لَا فَرع، أي والثالث: تجب نفقة الأصل على الفرع دون العكس؛ لأنَّه ليس من المصاحبة بالمعروف أن يكلف أصله بالكسب على كبر السن. قُلْتُ: الثالِثُ أَظْهَرُ، وَالله أعلم، هو كما قال، وهو مقتضى إيراد الرافعي في شرحيه أيضًا. فَرْعٌ: إذا شرطنا العجز عن الكسب؛ فأقوى الوجهين اشتراط كونه لائقًا. وَهي الكِفَايَةُ، لأنها مواساة. تَنْبيْهٌ: يجب الأدمُ أيضًا كما يجب القُوتُ، وكذا الكسوةُ والسكنى والخادمُ عند الاحتياج إليه. فَرْعٌ: تَجِبُ للقريب أيضًا أجرةُ الطيبِ وثمنُ الأدويةِ ذكره الرافعي في باب قسم الصدقات. وَتسقطُ بِفَوَاتهَا وَلَا تصيرُ دَينًا عَلَيهِ، أي وإن كان متعديًا بذلك، لأنها لدفع الحاجة الناجزة وقد زالت بخلاف نفقة الزوجة، فإنَّها معاوضة، إِلَّا بِفَرضِ قَاضٍ أوْ

стр. 1465

إِذْنِهِ في اقْتِرَاض لِغَيْبَةِ أَوْ مَنْع، أي فإنَّها تصير دَينًا في الذمة لتأكد ذلك بفرض القاضي واذنه فيه، كذا جزم به المصنف في القرض تبعًا للرافعي، وهو تبِعَ الغزالي، وهو ممنوع بحثًا ونقلًا كما أوضحته في الأصل فراجعه منه. فَصل: وَعَلَيهَا، أي وعلى الأم، إِرْضَاعُ وَلَدِهَا اللبأ، لأنَّ الولد لا يعيش غالبًا إلَّا به، وهو اللبن أول النتاج ومدته يسيرة، ثم بَعْدَهُ، أي بعد إرضاعه اللباء، إِن لَم يُوْجَدْ إلَّا هي أَوْ أَجْنَبِية وَجَبَ إِرضَاعُهُ، أي عليهما إبقاءً له، وَإِن وُجدَتَا لَم تجبَرِ الأم، كالإنفاق عليه، فإن رَغِبَتْ، أي في إرضاعه، وَهِيَ مَنْكُوحَةُ أَبِيهِ، أي أب الرضيع وكانت مطاوعة، فَلَهُ مَنْعُهَا في الأصَح، لأنَّه يستحق الاستمتاع بها في وقت الإرضاع، نعم: يكره له المنع. قُلْتُ: الأصَح لَيسَ لَهُ مَنْعُهَا، وَصَحَّحَهُ الأكْثَرُوْن، وَالله أَعلَمُ، لأنَّ فيه إضرارًا بالولد، ووقع في الكفاية نقل الأول عن الجمهور أيضًا، ولعلّه سبق قلم، فَإنِ اتفَقَا وَطَلَبَت من أجْرَةَ مِثل أُجِيبَت، لوفور شفقتها، أو فَوقَهَا فَلَا، لتضرره، وَكَذَا إن تبرعَت أجنبية أوْ رَضِيَتْ بِأقَل، أي من أجرة المثل، في الأظْهَرِ، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (١٣٧)، والثاني: أن الأم تُجاب لما سلف. فَصل: وَمَن استَوَى فَرْعَاهُ، أي في القرب والوراثة أو عدمهما، أَنفَقَا، أي بالسوية، مثاله: ابنان أو بنتان، وإلا، أي وإن اختلفا في شيء من ذلك، فَالأصَح أَقْرَبَهُمَا، لأنَّه أولى بالاعتبار، فَإنِ اسْتَوَى، أي في القرب، فَبالإرْثِ لِي الأصَحِّ، لِقُوتِهِ، والثاني: لا، لأنَّ الإرث غير مرعي هنا، وَالثاني: بِالإرْثِ ثُمَّ القربِ، هذا مقابل قوله أولًا: (فَالأصَح أَقربهما) وينبغي إبدال الأصح بالمذهب كما عبر به عنه في الروضة تبعًا للرافعي، وكما في المُحَرر أيضًا. وَالوارثانِ يَسْتَوِيَانِ أَمْ يُوَزَّعُ بِحَسْبِهِ؟ أي بحسب الإرث، وَجْهَانِ! وجه الأول؛ اشتراكهما في أصل الوراثة، ووجه الثَّاني؛ إشعار زيادة الإرث بزيادة قوة

стр. 1466

القرابة، وهذا هو الموضع الثَّاني الذي لم يصحح المصنف فيه شيئًا، كما قدمناه في صلاة الجماعة. وعبارة الحاوي الصغير وللتساوي وزع، وقال الرافعي في شرحيه: في اجتماع الأصول فيما إذا اجتمع أبوه وأمه، والمحتاج كبير؛ أن أحد الوجهين أنها توزع عليهما، قال: وعلى هذا فيسوى بينهما أو يجعل أثلاثًا بحسب الإرث، فيه وجهان، رجح منهما الثَّاني. وَمَن لَهُ أَبَوَانِ فَعَلَى الأبِ، لقوة الذكورة، وَقِيلَ: عَلَيهِمَا لِبَالِغ، لاستوائهما في القرب، أَوْ أَجْدَاد وَجَدات إِن أَدْلَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَالأقْرَبُ، وَإِلَّا فبِالقربِ، وَقِيلَ: الإرث، وَقِيْلَ: بِوِلَايَةِ الْمَالِ، فإنَّها تشعر بتفويض التربية إليه، فيُقدم أبُ أبٍ على أبِ أمّ، وقوله (وقيْلَ) بينهما؛ هو طريقة؛ لا كما يشعر إيراده به. وَمَن لَهُ أَصل وَفَرعٌ فَفِي الأصَح عَلَى الفرع وإن بَعُدَ، لأنَّ عصوبته أقوى، ولأنه أولى بالقيام بشأن أبيه لعظم حرمته، والثاني: أنها على الأب استصحابًا لما كان في الصغر، والثالث: أنها عليهما، لاستوائهما في القرب، أو مُحتَاجُون، أي وضاق الموجود عنهم، يُقَدمُ زَوجَتَهُ، لتأكدها، ثم الأقْرَبَ. وَقِيلَ: الوَارِثَ، وَقِيلَ: الوَلي، لما سلف وهو ذاك الخلاف بعينه. فَصل: الحَضَانَةُ: حِفظُ مَنْ لَا يَستَقِلُّ، أي بأمره، وَترْبِيَتُهُ، أي ووقايته عما يهلكه مأخوذة من الحضن بكسر الحاء وهو الجَنْبُ، لأنها تضمُّه إلى حِضْنِها، وَالإنَاثُ أليَقُ بِهَا، لأنهن أشفق وأهدى إليها، وَأَولَاهُن أم، لفرط حُنُوِّهَا، وهذا إذا لم يكن لِلْمَحضُونِ زوج، فإن كان والاستمتاع ممكن فالزوج أو الزوجة أحق بالكفالة، وإن كانا أجنبيين لما بينهما من السكون والمودة، فإن لم يكن الاستمتاع؛ فكما لو لم يكن زوج، ثم أمهَات يَدلِينَ بإنَاثٍ، لمشاركتهن إياها في الإرث والولادة، يُقَدَّمُ أَقْربهُن، أي يُقدم منهن القربى فالقربى، وَالجَدِيدُ تقدمُ بَعدَهُن أم أَبِ، لمساواتها للأم في المعنى المذكور، وإنَّما قدِّمت عليها أمهات الأم لقوتهن، ثُمَّ أمهَاتهَا المدلِيَاتُ بإنَاثٍ، لما قلناه، ثُمَّ أم أَبِي أَبٍ كَذَلِكَ، ثم أمَّ أَبِي جَدّ كَذَلِكَ،

стр. 1467

أي يدلين بإناث، لأنَّ لهن ولادة ووراثة كالأم وأمهاتها (١٣٨). وَالقَدِيمُ الأخَوَاتُ وَالخَالَاتُ يُقَدَّمْنَ عَلَيهِنَّ، أما الأخوات؛ فلأنهن ركضن معه في الصلب والبطن، وأمَّا الخالة؛ فلإنها بمنزلة الأم كما رواه البُخاريّ، وأجاب الجديد؛ بأن النظر إلى الشفقة، والجدات أشفق من الأخوات والخالات، وَتُقَدَّمُ أخْتٌ عَلَى خَالَة، لقربها، وَخَالَة عَلَى بِنتِ أَخٍ وَأخْتِ، لأنها تدلي بالأم، وَبِنْتُ أخٍ وَأختٍ عَلَى عَمة، كما يُقدِّم ابن الأخ في الميراث على العم، وَأخت مِن أَبَوَينِ عَلَى أخت مِن أَحَدِهِمَا، لقوة شفقتهما، وَالأصَح تقدِيمُ أختِ مِن أبِ عَلَى أخْتٍ مِنْ أم، لقوتها، والثاني: عكسه لإدلائها بالأم، والأول هو المنصوص، وَخَالةٍ وَعَمَّةٍ لأب عَلَيهِمَا لأم، لقوة جهتها، والثاني: لا؛ لأنَّ التقديم هناك كان لقوتها في الإرث، وهنا لا إرث لواحدة منهما، وَسُقُوْطُ كُل جَدة لَا ترِثُ أي كأم أب الأم، لأنها تدلي بمن لا حق له في الحضانة بحال، فأشبهت الأجانب، والثاني: لا، لولادتهن وشمول أحكام البعضية لهن، لكن يتأخرن عن جميع المذكورات، أولًا لضعفهن. فَرْعٌ: في معنى الجدة الساقطة، كُلُّ مَحْرم تُدْلي بِذَكَرٍ لَا يرث كبنت ابن البنت، وبنت العم للأم، دُوِّن أنثَى غَيْرِ مَحْرَمٍ كبِنتِ خَالَة، أي وبنت عمة لشفقتها بالقرابة وهدايتها بالأنوثة، وتخالف الجدة الساقطة، فإنَّها تدلي بغير وارث، والثاني: لا

стр. 1468

تستحقها، لأنَّ الحضانة تحوج إلى معرفة بواطن الأمور، ويقع فيها الاختلاط التَّام. فالاحتياط تخصيصها بالمحارم، وَتَثْبُتُ لِكُل ذَكَرِ مَحْرَم وَارِث، كالأب والجد والأخ وابن الأخ والعم، لوفور شفقتهم، وقوة قرابتهم بالإرث والولاية والمحرمية، عَلَى تَرتيبِ الإرثِ، أي كما تقدم في بابه، وَكَذَا غير مَحرم كابنِ عَمّ عَلَى الصَّحِيح، لوفور شفقتهم أيضًا، والثاني: لا؛ لأنَّ الذكورة بعيدة عن الحضانة لافتقارها إلى الاستنابة فيها، وإنَّما تثبت للأب والجد لولادتهما ووفور شفقتهما بخلاف غيرهما، وَلَا تُسَلَّمُ إِلَيهِ مُشْتَهَاة، بَل إِلَى ثِقَةٍ يُعَينُهَا، أي كبنته أو امرأة غيرها. فَرْعٌ: الأصح أن الحضانة لا تثبت للمعتق لعدم القرابة التي هي مظنة الشفقة. فَإن فُقِدَ الإرث وَالمَحْرَمِيةُ، أي كابن الخال وابن العمة، أَوِ الإرث، أي دون المحرمية كالخال وأبي الأم، فَلَا في الأصَح، أي لا حضانة لهم لضعف القرابة، وصحح في أصل الروضة القطع به في الأولى، والثاني: نعم لوجودها، وَإِنِ اجْتَمَعَ ذُكُور وَإِنَاث فَالأمُّ، لما سلف، ثُمَّ أمهَاتُهَا، لما سلف أيضًا، ثمَّ الأبُ، لقربه، وَقِيلَ: تقدمُ عَلَيهِ الخالة وَالأختُ مِنَ الأمِّ، لإدلائهن بالأم، ولو حذف قوله من الأم كان أولى، فإن في الأخت للأبوين وللأب وجه بتقديمهما عليه، ويقَدمُ الأصلُ عَلَى الحَاشِيَةِ، أي وتتقدم الأصول على الأقارب الواقعين في حواشي النسب، وجزمه بهذا مخالف لقوله قبله، وقيل قبله: تقدم الخالة والأخت من الأم، نعم: تبع في ذلك المُحَرر، وهو كذلك في الشرحين والروضة أيضًا، فَإن فُقْدَ، أي الأصل، فَالأصَح الأقْرَبُ، كالإرث، وَإِلَّا فالأنثَى، أي فإن استويا في القرب فالتقديم بالأنوثة، وَإلا، أي فإن استويا فيه، فَيُقْرَعُ، قطعًا للنزاع، والوجه الثَّاني: نساء القرابة وإن بعدن أَولى بالحضانة منْ الذكور وإن كانوا عصبات؛ لأنهن أصلح لها، والثالث: العصبات أولى بهن لقوة شفقتهم (•). فَصْل: وَلَا حَضَانَةَ لِرَقِيْقٍ وَمَجْنُونٍ وَفَاسقٍ، لأنها ولاية وليسوا من أهلها، ولا

стр. 1469

يشترط تحقق العدالة الباطنة بل تكفي الظاهرة كشهود النكاح، كما صرح به الماوردى، ولهذا اقتصر المصنف على نفي الفسق فقط. فَرْعٌ: إذا أسلمت أم الولد تبعها ولدها، ولها حضانته ما لم تتزوج، كما نقله الرافعي من أبي إسحق المروزي في أمهات الأولاد. وَكَافِرِ عَلَى مُسلِمِ، لما أسلفناه، وَناكحَةِ غَيْرِ أَبِ الطفْلِ، لأنَّ النكاح يشغلها عنه، إِلَّا عَمَّهُ وَابْنَ عَمِّهِ وَابْنَ أَخِيْهِ في الأصَح؛ أي فإن لها الحضانة بشرط الرضا لأنهم أصحاب حق في الحضانة، والشفقة تحملهم على رعاية الطفل، فيتعاونون على كفالته بخلاف الأجنبي، وضابطه كل من له حق في الحضانة، والثاني: لا، لإطلاق قوله ﵊ للأم: [أنتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَم تَنْكَحِي] (١٣٩). فَرْعٌ: لو كان جد الطفل أي أب أبيه وهي جدته بقي حقهما، أما أبي الأم ففي البحر: أنَّه كأب الأب، وأفتى المصنف بخلافه. فَرْعٌ: لو اختلعت بالحضانة مدة معلومة؛ ونكحت؛ قال القاضي: يبقى حقها، لأنها إجارة لازمة. وإن كَان رَضِيعًا اشتُرِطَ أَن تُرضِعَهُ عَلَى الصحِيح، لعسر استئجار مرضعة تترك بيتها وتنتقل إلى مسكن الأم، والثاني: لا، وعلى الأب أن يستأجر مرضعة ترضعه عند الأم. تَنْبِيْهٌ: بقي من موانع الحضانة العمى؛ أفتى به بعض أصحابنا؛ والمرض الذي لا يرجى زواله كالفالج، إذا كان يشغله الألم عن الكفالة، نعم: لو كان تأثيره في نفس

стр. 1470

الحركة، فإن كان يباشر الكفالة بنفسه فكذلك، وإن باشرها غيره وهو يدبر الأمور لم يكن مانعًا. فَإن كَمُلَت نَاقِصَة أوْ طُلِّقَت مَنْكُوحَة حَضَنَت، لزوال المانع، فإن غَابَتِ الأُمُّ أوِ امْتَنَعَتْ فَلِلْجَدَّةِ عَلَى الصَّحِيح، كما لو ماتت أو جُنّت، والثاني: ينتقل إلى الأب، والثالث: إلى السلطان لبقاء أهلية الأم كما لو غاب الولي في النكاح أو عضل؛ يزوج السلطان؛ لَا الأبعد. فَرْعٌ: لو رضي الأب أن يكون عند الأم، وقد تزوجت؛ فلا حق للجدة على الصَّحيح؛ قاله البغوي والخوارزمي وهو غريب، كما قال في المطلب: إذ كيف يسقط حق الشخص برضى غيره؛ لكنَّه صححه في كفايته. هَذا كُلُّهُ في غَيرِ مُمَيِّزٍ، وَالمُمَيِّزُ إِنِ افترق أبوَاهُ كان عِنْدَ مَنِ اختَار مِنْهُمَا، لأنَّه ﵊ خير غلامًا بين أبيه وأمه كما حسّنه التِّرمذيُّ (١٤٠)، فَإن كان في أَحَدِهِمَا جُنُونٌ أو كُفْرٌ أو رِقٌّ أَوْ فِسقٌ أو نكحت فَالحَقُّ لِلآخَرِ، لوحود المانع به. ويخيرُ بَينَ أَمّ وَجَدّ؛ أي عند فقد الأب لأنَّه بِمَنْزِلَتِهِ، وَكذا أخ أو عَم أو أبِ مَعَ أخْتٍ أو خَالَةِ في الأصَح، لما رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عِمَارَةَ الجُرمي قَالَ: (خَيَّرَنِي عَلِيُّ ﵁ بينَ أُمِّي وَعَمِّي؛ وَكُنْتُ ابنَ سَبْع سِنْيِنَ، أَوْ ثَمَانِي سِنِيْنَ) (١٤١)، والثاني: لا، بل الأم أحق لقربها وولادتها كما قبل التمييز، فإنِ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ الآخَرَ حُوِّلَ اِليهِ، لأنَّه قد يبدو له الأمر على خلاف ما ظنه، نعم: لو كثر التردد بحيث

стр. 1471

يغلب على الظن أن سببه نقصانه وقلة تمييزه جعل عند الأم كما قاله الأصحاب، وقال الإمام: لا وجه عندي في ذلك إلّا اتباعه بشرط أن لا تتعطل الحضانة بالتردد، قلت: وبه صرح الماوردي. فَإنِ اخْتارَ الأبَ ذَكَرٌ لَم يَمْنَعْهُ زيَارَةَ أمِّهِ، أي وجوبًا كيلا يكون قاطعًا للرحم، وَيمْنَعُ أنْثَى، أي من زيارة أمها لأنها من الحرم فتمنع من البروز لِتألفَ الصيانَةَ وعدم التبرج، وفي فتاوي ابن الصلاح: أن للأم أن تطلبها فتنتقل إليها قدر الزيارة (•)، وَلَا يَمنَعُهَا، يعني الأم، دُخُولًا عَلَيهِمَا زَائِرَةً، لما ذكرناه أولًا، وَالزِّيَارَةُ مَرةَ في أيَّام، عملًا بالعادة، فَإن مَرِضَا، أي الذكر والأنثى، فَالأمُّ أَوْلَى بِتَمْرِيضِهِمَا، لأنها أهدى إليه وأشفق، فَإن رَضِي بِهِ في بيتهِ وَإِلَّا فَفِي بيْتهَا، أي ويحترز عن الخلوة بها إذا كان في بيته، وَإِنِ اختَارَهَا ذَكَرٌ فَعِندَهَا لَيلًا وَعِنْدَ الأبِ نهَارًا أَوْ يُؤَدِّبهُ ويسلِّمَهُ لِمَكْتَبٍ، أي إن كان من أهل التعلم، أَوْ حِرْفَةِ، أي إن لم يكن من أهله، والرجوع في ذلك إلى عرف أهله، لأنَّ المقصود من الكفالة حظه، وبهذا يحصل له الحظ، أو أنْثَى فَعِنْدَهَا لَيلًا وَنَهَارًا، طلبًا لسترها، وَيزُوْرُهَا الأبُ عَلَى الْعادَةِ، أي ولا يطلب إحضارها إلى عنده لتألف الصيانة والتستر، وَإِنِ اختارَهَمَا، أقْرِعَ، قطعًا للنزاع، فَإن لَم يَخْتَر، واحدًا منهما، فَالأمُّ أَوْلَى، استصحابًا لما كان، وَقِيلَ: يُقْرَعُ، لأنَّه لابد من كفالته إلى البلوغ. وَلَوْ أَرَادَ أحَدُهُمَا سفَرَ حَاجَةٍ كَان الوَلَدُ المُمَيِّزُ وَغَيرُهُ مَعَ المُقِيمِ حَتَّى يَعُودَ، لما في السَّفر من الخطر والضرر، وسواء طالت المدة أم قصرت، أو سَفَرَ نُقْلَةٍ؛ فَالأب أَوْلَى، أي سواء كان المنتقل الأب أو الأم أو أحدهما إلى بلد والآخر إلى آخر احتياطًا للنسب ومراعاة لمصلحته، وسواء نكحها في بلده أو الغربة، بِشَرْطِ أَمْنِ طَرِيقهِ وَالبَلَدِ الْمَقْصودِ؛ أي فإن كان مخوفًا لم يكن له استصحابه، وكذا لو كان في حرٍّ أو بردٍ شديدين، قِيْلَ: وَمَسَافَةُ قَصرِ، أي فإن كان الانتقال إلى دونها؛

стр. 1472

فلا يؤثر ويكونان كالمقيمين في محلتين من بلد، والأصح: أنَّه كالانتقال إلى مسافة القصر للمعنى السابق، وَمَحَارِمُ العَصَبَةِ؛ أي كالأخ والعم، في هَذَا كَالأبِ؛ أي في انتزاع الأبْ عند إرادة الانتقال حفظًا للنسب أيضًا، وَكَذَا ابنُ عَمٍّ لِذَكرٍ، كذلك أيضًا، وَلَا يُعْطَى أنْثَى، حذرًا من الخلوة المحرمة، اللَّهم إلّا إذا لم تبلغ حدًا يشتهى مثلها، قاله المتولي، فَإن رَافَقَتهُ بِنتهُ سُلِّمَ إليها، لانتفاء ذلك. فَصلٌ: عَلَيهِ كِفَايَةُ رَقِيقِهِ نَفَقَة وَكِسوَة وِإن كَان أَعمَى زَمِنًا وَمُدبَّرًا وَمُستولَدَة، أي بالمعروف لقوله ﵊: [لِلْمَملُوكِ طَعَامُهُ؛ وَكِسوَتُهُ؛ وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ مَا لَا يُطيقُ] رواه مسلم (١٤٢)، والأصح اعتبار كفايته، وإن زادت على كفاية أمثاله، ويستثنى من كلام المصنف المكاتَب، فإنَّه لا تجب نفقته لاستقلاله، وهل يلزمه شراء الماء لطهارة رقيقه؟ فيه وجهان؛ أصحهما في الروضة: نعم، مِنْ غَالِبِ قُوتِ رَقِيق البَلَدِ وَأدْمِهِم وكسوتهم، أي ويراعى حال السيد في إعساره ويساره، فيجب ماُ يليق بحاله من رفيع الجنس الغالب وَخَشِنِهِ (•)، وَلَا يكفِي سترُ العَورَةِ، لأنَّه تحقير وإذلال، ذكره الإمام تفقهًا، وقيَّده الغزالي ببلادنا ليحترز بذلك عن بلاد السودان. ويُسَنُّ أَن يُنَاوِلَهُ مِمَّا يَتَنَغَّمُ بِهِ مِنْ طَعَامٍ وَأُدْم وَكِسوَةِ، أي سيّما إذا عالج الطَّعام وولى الطبخ للأمر به في الصَّحيحين (١٤٣)، ولا يجب ذلك في الأصح، وَتَسقُطُ

стр. 1473

بِمُضيِّ الزَّمَانِ، كنفقة القريب، وَيبِيْعُ القَاضي فِيهَا مَالَهُ، كما في نفقة القريب، والأصح من زوائد الروضة أنَّه يستدين عليه، فهذا اجتمع عليه شيء صالح باع بقدره، ولا يبيع شيئًا فشيئًا، فإن لم يمكن بَيْع بعضه بيع جميعه، صرح به الماوردى، فَإن فُقِدَ المَالُ أَمَرَهُ بِبَيعِهِ أَوْ إِعْتَاقِهِ، أو إجارته فإن لم يفعل باعه الحاكم أو أجرّه. فَرْعٌ: أم الولد؛ قيل: يجبر على عتقها أو تزويجها، والأصح في الروضة: المنع، بل يخليها لتكتسب، وَيجبرُ أَمَتَهُ عَلَى إِرْضَاع وَلَدِهَا، لأنَّ لبنها ومنافعها له، وَكذا غَيْرَهُ إِن فَضَلَ عنهُ، كذلك أيضًا، فإن لم يفضل؛ فلا إجبار لوجود الضرر، وَفطْمِهِ قَبْلَ حَولَينِ إِن لَمْ يَضُرَّهُ، وَإِرضَاعِهِ بَعدَهُمَا إِن لَمْ يَضُرَّهَا، لما سلف. وللحرَّة حَقُّ في التَّربِيَةِ، فَلَيس لأحَدِهِمَا فَطمُهُ قَبلَ الحَولَينِ، لأنهما تمام مدة الرضاع، وَلَهُما إِن لَمْ يَضُرَّهُ، وَلأحَدِهِمَا بَعْدَ حَولَينِ، وَلَهُمَا الزِّيادَةُ، أي على ذلك، ورأيتُ في فتاوى الحناطي: أنَّه يستحب قطع الرضاعة عند الحولين إلّا لحاجة. وَلَا يُكلَّفُ رَقِيقَهُ إِلَّا عَمَلًا يُطِيقُهُ، للحديث السالف (١٤٤)، قال الشَّافعي: يعني؛ والله أعلم، إلّا ما يطلق الدوام عليه، لا ما يطلق يومًا أو يومين أو نحو ذلك ثم يعحز. فَرْعٌ: لو كلفه ما لا يطيق من العمل بيع عليه؛ كما قاله القاضي. وَتجُوْزُ مُخَارَجَتُهُ بِشَرْطِ رِضَاهُمَا، اقتداءً بالزبير وغيره (١٤٥)، وَهِيَ: خَرَاجٌ يُؤَدِّيهِ كُل يَوْمِ أَوْ أُسبوع، على حسب ما يتفقان عليه. فَصلٌ: وَعَلَيهِ عَلْفُ دَوَابِّهِ وَسَقيُهَا، لحرمة الروح، ويقوم مقامهما تخليتها للرعي

стр. 1474

لترعى وتَرِدُ الماء إن كانت ممن ترعى وتجتزئ به، ويطرد ذلك في كل حيوان محترم، وقد عُذِّبَت امرأة في هِرَّةٍ أمسكتها حتى ماتت جوعًا كما أخرجه الشيخان في صحيحيهما (١٤٦)، والعَلْفُ بفتح اللام مطعوم الدواب، وبإسكانها المصدر، ويجوز هنا الأمران، وبالإسكان ضبطه المصنف كما رأيته بخطه. فَإِنِ امْتَنَعَ أُجْبِرَ فِي الْمَأْكُوْلِ عَلَى بَيْعٍ أَوْ عَلْفٍ، أي بالإسكان كما ضبطه بخطه أيضًا، أَوْ ذَبْحٍ، وَفِي غَيْرِهِ عَلَى بَيْعٍ أَوْ عَلْفٍ، صيانة لها عن الهلاك، فإن لم يفعل ناب الحاكم عنه في ذلك على ما يراه ويقتضيه الحال، وَلَا يَحْلُبُ مَا ضَرَّ وَلَدَهَا، للنهي عنه كما صححه ابن حبان (١٤٧)، وَمَا لَا رُوْحَ لَهُ كَقَنَاةٍ وَدَارٍ، أي وزرع وثمار، لَا تَجِبُ عِمَارَتُهَا، أي لكن يكره تركها إلى أن تخرب، ولا يُكرَه عمارة الدار وسائر العقار للحاجة، والأَولى ترك الزيادة، وربما قيل يكره، وصح أن الرجل لَيُؤَجَرَ في نفقته كلها إلّا في هذا التراب (١٤٨)، فقال ابن حبان: معناه؛ لا يؤجَرُ إذا أنفق فيه فضلًا عما يحتاج إليه من البناء، والله أعلم.

стр. 1475

كتاب الجراح الْجِرَاحُ: بكسر الجيم جَمْعُ جِرَاحَةٍ، والمراد به مَا يَحْصُلُ بِهِ الزُّهوقُ وَالإِبَانَةُ، أو ما لا يحصل واحدًا منهما. وترجم الباب بهذه الترجمة، وإن كان التبويب بالجنايات أشمل لصدقه على الجناية بالمحدد والمثقل؛ لكون الجراح أغلب طرق القتل، والأصل في ابتداء القتل وتحريمه ما ذكره الله تعالى من قصة ابني آدم هابيل وقابيل (١٤٩) وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (١٥٠). ومن السُّنَّة أحاديث كثيرة مشهورة، والقتلُ بغير حقِّ من أكبر الكبائر بعد الكفر وإذا قُتل ظلمًا
следующие страницы →