← Фикх шафии

Фикх шафии · id 20561

عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج

ابن الملقن

Полный текст (1 877 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

أن مقتضى كلام المصنف هذا على أنَّه وجهٌ لا تقطع ذاهبة الأظفار بسليمتها، وليس ذلك في الرافعي، ولا في الروضة، وليس في عكسه أيضًا وجه منقول، بل فيه احتمال للإمام: أنَّه تقطع السليمة بذاهبة الأظفار؛ وهذا لفظ الرافعي، وأما التي لا أَظْفَارَ لها؟ فالذي ذكره أصحابنا العراقيون وغيرهم: أنَّه لا يقطع بها سليمة الأظفار، وأنها تقطع بالسليمة، وكذا حكاه الإمام عنهم ونسبه إلى النصِّ، لكن عن الشيخ أبي حامد وغيره: أنه يكمل فيها الدية، فقال الإمام: على سبيل الاحتمال؛ القياس جريان القِصَاص وإن عدمت الأظفار لأنها زوائد، ولو لم يجز القِصَاص لما تمت دية اليد، ولا الأصبع الساقطة الظُّفر، ووفَّى البغوي بقياس المنقول؛ فقال: ينقص عن الدية شيء، وجرى الغزالي على ما أبداه الإمام احتمالًا وترك المنقول الظاهر، انتهى. وتبعه على ذلك في الروضة، وعبر في الْمُحَرَّرِ بالظاهر ومراده من الخلاف كيف كان، وَالذِّكَرُ صِحَّةَ وَشَلَلًا كَالْيَدِ، أي الصحيحة مع الشلاء؛ فحكم قطع الذكر الصحيح بالأشل وبالعكس، والأشل بالأشل ما تقدم واضحًا في اليد، وَالأَشَلُّ، أي الذكر الأشل: مُنقَبِضٌ لَا يَنْبَسِطُ أَوْ عَكْسُهُ، أيْ هذه عبارة الجمهور، وقيل: هو الَّذي لا يتقلص في البرد ولا يسترسل في الحر وهو بمعنى الأول، وَلَا أَثرَ لِلإنْتِشارِ وَعَدَمِهِ؛ فَيُقْطَعُ فَحلٌ بِخِصِيٍّ وَعِنِّيْنٍ؛ لأنه لا خلل في نفس العضو، وتعذر الانتشار لضعفٍ في القَلْبِ والدِماغ، لذا قال الرافعي في القلب ولعله في الصلب كما قاله أبو الطيب. فَائِدَةٌ: الخصيِّ من قطعت أنثياه مع جلدلتهما، وقيل: من سُلَّتْ أُنْثَيَاهُ. وَأَنْفٌ صَحِيْحٌ بِأخْشَمَ؛ لأن الشم ليس في جرم الأنف، وَالأَخْشَمُ: هو الَّذي لا يشم، وَأُذُنُ سَمِيْعٍ بِأصَمِّ، أي وكذا بالعكس؛ لأن السمع ليس في جرم الأذن، وإنما هي آلة السمع، لَا عَيْنٌ صَحِيْحَةٌ بَحَدَقَةٍ عَمْيَاءَ؛ لأنها أكثر من حقه، وفي العكس تؤخذ إن رضي المجني عليه؛ لأنه دون حقه، وَلَا لِسَانُ نَاطِقٍ بِأَخْرَسَ؛ لأن النطق في جرم اللسان؛ ويجوز العكس برضى المجني عليه.

стр. 1507

فَصْلٌ: وَفِي قَلْعِ السِّنِّ قِصَاصٌ؛ للآية (١٦٢)، لَا فِي كَسْرِهَا؛ لأن كسر العظام لا يمكن المماثلة فيها، وفي المهذب والحاوي: أن يقتص إن أمكن أن يكسر من الجاني مثله، وهو المنقول عن نصه فِي الأُم، وصور ابن يونس الإمكان بأن يكسر نصفه طولًا. وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ صَغِيْرٍ لَم يُثْغَرْ فَلَا ضَمَانَ فِي الْحَالِ، أي ولا دية؛ لأنها تعود غالبًا فلم يتحقق إتلافها، وقوله (يُثْغَرْ) هو بضَمُّ أوَّلِهِ وإسكان ثانيه ثم غين معجمة وثاؤه مثلثه ويقال مثناة ومعناه لم تسقط أسنانه التي هي رواضعه، فَإِنْ جَاءَ وَقْتُ نَبَاتِهَا بِأنْ سَقَطَتِ الْبَوَاقِي وَعُدْنَ دُوْنَهَا، وَقَالَ أهلُ الْبَصَرِ: فَسَدَ الْمُنْبَتُ، وَجَبَ الْقِصَاصُ؛ لأنه قد قلع السن الحاصلة فِي الحال وأفسد المنبت فيقابل بمثله، أما إذا قال أهل البصر: يتوقع نباتها إلى وقت كذا توقعناه، فإن مضت؛ ولم ينبت؛ وجب القِصَاص، وَلَا يُسْتَوْفَى لَهُ فِي صِغَرِهِ، أي بل يؤخر إلى البلوغ فيستوفى، فإن مات الصبي قبل البلوغ اقتص وارثه فِي الحال أو أخذ الأرش، وإن مات قبل حصول اليأس وقبل تبين الحال فلا قصاص، وفي الإرث وجهان. وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ مَثْغُورٍ فَنَبَتَتْ؛ لَمْ يَسْقُطِ القِصَاصُ فِي الأَظْهَرِ؛ لأن العادة عدم العود فهذه نعمة جديدة، والثاني: يسقط؛ كالصغير إذا عاد سنه، وَلَوْ نَقَصَتْ يَدُهُ أُصْبُعًا فَقَطَعَ كَامِلَةً، قُطِعَ؛ وَعَلَيْهِ أَرْشُ أُصْبُعٍ؛ لأنه قد قطع منه أصبعًا لم يستوف قصاصها، وله أن يأخذ دية اليد ولا يقطع. وَلَوْ قَطَعَ كَامِلٌ نَاقِصَةً؛ فَإِنْ شَاءَ الْمَقْطُوعُ أَخَذَ دِيَّةَ أصَابِعِهِ الأرْبَعِ؛ وَإِنْ شَاءَ لَقَطَهَا، وليس للمجني عليه قطع اليد الكاملة لما فيه من استيفاء الزيادة، وَالأَصَحُّ: أَنَّ حُكُومَةَ مَنَابِتِهِنَّ تَجِبُ إِنْ لَقَطَ؛ لأن الحكومة من جنس الدية فلا يبعد دخولها

стр. 1508

فيها، والقِصَاص ليس من جنسها، والثاني: أنها لا تجب والحالة هذه، ويدخل تحت قصاص الأصابع كما يدخل تحت ديتها، فإنه أحد موجبي الجناية وقد قدمت الفارق آنفًا، لَا إِنْ أَخَذَ دِيَتَهُنَّ، أي فإن حكومة منابتهن تدخل فِي الدية، كما أن حكومة جميع الكف تندرج تحت دية الأصابع، والثاني: لا تدخل، وتختص قوة الاستتباع بالكل، وَأَنَّهُ يَجِبُ فِي الْحَالَيْنِ حُكُومَةُ خُمُسِ الْكَفِّ، أي خمس الباقي من الكف، والثاني: أن كل الأصابع تستتبع الكف كما تستتبعها كل الأصابع. وَلَوْ قَطَعَ كَفًّا بِلَا أَصَابِعَ فَلَا قِصَاصَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ كَفُّهُ مِثْلَهَا؛ لفقد المساواة فِي الأُولى ووجوده فِي الثانية. وَلَوْ قَطَعَ فَاقِدُ الأَصَابِعِ كَامِلَهَا، قَطَعَ كَفَّهُ وَأَخَذَ دِيَّةَ الأَصَابِعِ، ليصل إلى حقه. وَلَوْ شَلَّتْ أُصْبُعَاهُ فَقَطَعَ يَدًا كَامِلَةً؛ فَإِنْ شَاءَ لَقَطَ الثَّلَاثَ السَّلِيمَةَ وَأَخَذَ دِيَّةَ أُصْبُعَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَقَنِعَ بِهَا؛ لأنا ذكرنا فيما إذا عم الشلل اليد أنَّه إذا قطعها يقنع بها، فإذا كان الشلل فِي بعضها فالقناعة أَولى، وفي الحالة الأولى فِي استتباع الثلاث حكومة منابتها؛ وفي استتباع دِيَةِ الأصبعين حكومة منبتهما الخلافان السابقان. فَصْلٌ: قَدَّ مَلْفُوفًا، أي فِي ثوب نصفين، وَزَعَمَ مَوْتَهُ؛ صُدِّقَ الْوَلِيُّ بِيَمِيْنهِ فِي الأَظْهَرِ؛ لأن الأصل استمرار الحياة، ووجه مقابله أن الأصل براءة الذمة، ونظير المسألة ما إذا هدم عليه بيتًا وادعى موته والوليَّ حياته. وَلَوْ قَطَعَ طَرَفًا وَزَعَمَ نَقْصَهُ، أي كشلل فِي اليد والرجل وخرس فِي اللسان وأنكره المجني عليه، فَالْمَذهَبُ: تَصْدِيقُهُ إِنْ أَنْكَرَ أَصْلَ السَّلَامَةِ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ، أي كاليد والرجل واللسان والعين؛ لأن الأصل أنَّه لا قصاص، وأنه لم يفوت ما يدعيه المجني عليه؛ والمجني عليه متمكن من إقامة البينة على السلامة التي يدعيها لظهور العضو، وَإِلَّا فَلَا، أي وإن لم ينكر أصل السلامة؛ بل اتفقا على أنَّه كان سليمًا؛ وادعى الجاني حدوث النقص والشلل؛ فأظهر القولين: إن المصدق المجني عليه؛ لأن

стр. 1509

الأصل استمرار السلامة التي كانت، ووجه مقابله: أن الأصل البراءة عن القِصَاص. وإن كان العضو باطنًا كالذكر والأنثيين فقولان؛ سواء أنكر الجاني أصل السلامة أو سلمه وادعى زوالها، أصحُّهُما: تصديق المجني عليه؛ لأن الأعضاء الباطنة لا يطلع عليها، فتعسر إقامة البينة على سلامتها، هذا أظهر الطرق فِي المسألة ووراءه طرق موضحة فِي الأصل، والمراد بالعضو الباطن: ما يعتاد ستره مروءة، وقيل: ما يجب؛ وهو العورة، والظاهر ما سواه. فَرْعٌ: إذا صدقنا الجاني، احتاج المجني عليه إلى بينة بالسلامة، ثم الأصح: أنَّه يكفي قول الشهود: كان صحيحًا، ولا يشترط تعرضهم لوقت الجناية. أَوْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَمَاتَ وَزَعَمَ، أي الجاني أنَّه مات، سِرَايَةً، أي فالواجب الدية، وَالْوَلِيُّ انْدِمَالًا مُمْكِنًا أَوْ سَبَبًا، أي فالواجب ديتان، فَالأَصَحُّ تَصْدِيقُ الْوَلِيِّ، أي بيمينه، وهذا ما قطع به الأكثرون، وعبارة الوجيز: هو خارج على تقابل الأصلين؛ إذ الأصل براءة الذمة من جانب، وعدم التداخل من جانب، والثاني: إن مضت مدة طويلة لا يمكن أن تبقى الجراحة فيها غير مندملة صُدِّقَ الوليُّ بلا يمين، وإلا فيمين، والثالث: إن كان احتمال الاندمال مع إمكانه بعيدًا صدق الجاني بيمينه، وإلا فالولي. وادعى الإمام: اتفاق الأصحاب عليه وليس كما ادعى. واحترز بقوله (انْدِمَالًا مُمْكِنًا) عما إذا لم يمكن الاندمال فِي تلك المدة؛ لقصرها كيوم ويومين، فإن القول قول الجاني بلا يمين، وقيل: بيمين وهو ضعيف، وقوله (أوْ سَبَبًا) أي قال الجاني: مات بالسراية، وقال الولي: بل مات بسبب آخر؛ بأن قال: قتله آخر، ووجه تصديق الجاني احتمال ما يقوله، وأن الأصل براءة الذمة، والوجه الأصح: أن الأصل بقاء الديتين الواجبتين بالجنايتين، والأصل عدم السبب الآخر، وهذه الحالة فيها وجهان فقط، والأُولى: ثلاثة أوجه كما ذكرتها أولًا، وَكَذَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ وَزَعَمَ سَبَبًا وَالْوَلِيُّ سِرَايَةً، أي مات به من قَتْلٍ أَو شُرْبِ سَمٍّ مُوْجٍ فلا يلزمه إلا نصف الدية، وقال الوليُّ: بل مات بالسراية، فإن الأصح أن المُصدِّق الولي؛ لأن الأصل أنَّه لم يوجد سبب آخر، ووجه مقابله: أن الأصل براءة الذمة.

стр. 1510

وَلَوْ أَوْضَحَ مُوَضِّحَتَيْنِ وَرَفَعَ الْحَاجِزَ، أي بينهما، وَزَعَمَهُ قَبْلَ انْدِمَالِهِ، أي فليس عليه إلا أرش واحدٌ، وقال المجني عليه: بل بعده فعليك أرش ثلاث موضحات، صُدِّقَ، أي الجاني، إِنْ أَمْكَنَ، بأن قصر الزمان، وَإِلَّا حُلِّفَ الْجَرِيْحُ وَثَبَتَ أرْشَانِ، قِيْلَ: وَثَالِثٌ، أي وإن لم يمكن بأن طال الزمان صُدِّق المجني عليه، فإذا حلف؛ ثبت أرشان، وقيل: هل يثبت ثالث؟ فيه وجهان؛ أحدهما: نعم، لأنه ثبت رفع الحاجز باعترافه، وثبت الاندمال بيمين المجني عليه فقد حصلت موضحة ثالثة؛ وأصحهما: لا، ويصدق فيه الجاني؛ لأنه يقول: رفعت الحاجز حتَّى لا يلزمني أرش؛ بل يعود الأوليان إلى واحد، فإن لم يُقبل قوله في الاتحاد؛ فوجب أن لا يقبل فِي الثالث الذي لم يثبت موجبه. فَصْلٌ: الصَّحِيْحُ ثُبُوتُهُ، يعني القِصَاص، لِكُلِّ وَارِثٍ، أي على فرائض الله تعالى كالدية، والثاني: تستحقه العصبة خاصة؛ لأن القِصَاص لدفع العار، فاختص بهم كولاية النِّكَاح. والثالث: يستحقه الوارثون بالنسب دون السبب لانقطاعه بالموت فلا حاجة إلى التَّشفي، وَيُنْتَظَرُ غَائِبُهُمْ، إلى أن يحضر أو يراجع، وَكَمَالُ صَبِيِّهِمْ وَمَجْنُونِهِمْ؛ لأن القِصَاص للتشفي، فحقه التفويض إلى خيرة المستحق، ولا يحصل ذلك باستيفاء الولي، وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ، أي فِي الحال المذكور، وَلَا يُخَّلَّى بِكَفِيْلٍ؛ لأنه قد يهرب فيفوت الحق، ويحبسه الحاكم دون الولي، ولا يتوقف على طلب الولي، قاله الماوردي، وَلْيَتَّفِقُواْ عَلَى مُسْتَوْفٍ، أي إذا كان القِصَاص بحضور كاملين؛ لأن فِي اجتماعهم على قتله تعذيبًا له، وَإِلَّا فَقُرْعَةٌ، أي فإن لم يتفقوا على مستوفٍ، فَيُقْرَعُ بينهم؛ لعدم المزية؛ فَمَن خرجت قرعته تولاه بإذن الباقين، يَدْخُلُهَا الْعاجِزُ، أي كالشيخ والمرأة؛ لأنه صاحب حق، وَيَسْتَنِيْبُ، أي من يصلح للاستيفاء، وَقِيْلَ: لَا يَدْخُلُ؛ لأنه ليس أهلًا للاستيفاء. والقرعة إنما تجيء بين المستويين فِي الأهلية، وهذا هو الأصح عند الأكثرين؛ كما ذكره فِي أصل الروضة، وهو وافٍ بما فِي الرافعي؛ فإنه نقله عن تصحيح جماعة، ونقل الأول عن تصحيح البغوي وحده وهو غريب من تصحيح الرافعي له فِي الْمُحَرَّرِ. وقد صحح فِي الشرح الصغير الثاني كما

стр. 1511

اقتضاه كلامه فِي الكبير أيضًا، ونص عليه فِي الأم حيث قال فِي باب تشاحِّ الأولياء على القِصَاص: ولا يقرع لامْرَأةٍ ولا ندعها تقتله (•)، لأن الأغلب أنها لا تقدر على قتله إلَّا بتعذيبه، وكذا لو كان فيهم أشل اليمين أو ضعيف أو مريض لا يقدر على قتله إلَّا بتعذيبه أُقرع بين من يقدر على قتله ولا يعذبه بالقتل. وَلَوْ بَدَرَ أحَدُهُمْ، أي أحد الورثة، فَقَتَلَهُ، أي من غير إذن الباقين، فَالأظْهَرُ لَا قِصَاص؛ لأن له حقًّا فِي قتله فصار شبهة، ولأن من علماء المدينة أو أكثرهم مَنْ ذهب إلى أنَّه يجوز لكل واحد من الورثة الانفراد وإن عفى الباقون، ويقال: إنه رواية عن مالك، والثاني: نعم؛ لأنه استوفى أكثر من حقه كما لو استحق طرفًا فاستوفى نفسًا، وهذا الخلاف فيما إذا قتله عالمًا بالتحريم، فإن جهل فلا قصاص قطعًا، وفيما إذا كان قبل حكم الحاكم بالمنع منه، فإن كان بعده فالصحيح أن عليه القِصَاص لِدَفعِ الشبهة به قاله الماوردي، وَللْبَاقِيْنَ قِسْطُ الدِّيَةِ؛ لفوات القِصَاص بغير اختيارهم، مِنْ تَرِكَتِهِ، أي من تركة الجاني؛ لأن القاتل فيما وراء حقه، لأجنبي ولو قتله أجنبي فأخذ الورثة الدية من تركة الجاني لا من الأجنبي فكذا هنا، وَفِي قَوْلٍ: مِنَ الْمُبَادِرِ، أي وهو الأخ المبادر مثلًا؛ لأنه أتلف ما يستحقه هو وأخوه فلزمه ضمان حق أخيه، كما لو كانت لهما وديعة فأتلفها أحدهما. وفرَّق الأول بأن الوديعة غير مضمونة لو تلفت بآفة سماوية بخلاف نفس الجاني، وَإِنْ بَادَرَ بَعْدَ عَفوِ غَيْرِهِ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ؛ لارتفاع الشبهة، وَقِيْلَ: لَا إِنْ لَمْ يَعْلَمْ. وَيَحْكُمُ قَاضٍ بِهِ؛ لشبهة اختلاف العلماء فيه، أما إذا حكم القاضي به؛ وعلمه؛ فيلزمه القِصَاص قطعًا فإن جهله؛ فإن قلنا: لا قصاص مع العلم، فهنا أولى، وإلا فوجهان، وَلَا يُسْتَوْفَى قِصَاصٌ إِلَّا بإِذْنِ الِإمَامِ، أي أو نائبه لخطره، وذكر صاحب التَنْبِيْه: أنَّه لا يجوز إلَّا بحضرته، قال الشيخ عزُّ الدِّينِ: فإن تعذر إثباته كان له الاستبداد (•) به حيث لا يراه أحد.

стр. 1512

فَرْعٌ: يستثنى السيد فإنه يقيم القِصَاص على عبده على ما اقتضاه تصحيح المصنف تبعًا للرافعي من إقامته عليه حد السرقة والمحاربة. فَرْعٌ: ذكر الماوردي فِي الأحكام السلطانية أن نظر القاضي يشتمل على عشرة أحكام منها إقامة حدود الله تعالى على مستحقيها وإن لم تطلب إقامة حدود الآدميين إذا طلبها المستحق. فَإنِ اسْتَقَلَّ، أي باستيفائه، عُزِّرَ، لافتياته، وَيَأْذَنُ لأَهْل فِي نَفْسٍ، ليكمل التشفي، وخرج بالأهل الشيخُ والزَّمِنُ والمرأةُ، فإن الإمام يأمره أن يستنيب، وخالف ما نحن فيه الجلد فِي القذف؛ فإنه لا يفوض إلى المقذوف؛ لأن تفويت النفس مضبوط؛ والجلدات يختلف موقعها والتعزير كحدِّ القذف، لَا فِي طَرَفٍ فِي الأَصَحِّ؛ لأنه لا يُؤْمَنُ أن يردد الحديدة ويزيد فِي الإيلام، والثاني: يأذن له كالنفس لأن إتلاف (•) الطرف مضبوط. فَرْعٌ: لو قتل ذميُّ ذميًا ثم أسلمَ القاتلُ فيستوفيه الإمامُ فقط بطلب المستحق، لئلا يتسلط الكافرُ على المسلم، وكذا إذا جرح ذميُّ ذميًا معاهدًا ثم أسْلَمَ الجارحُ ثم ماتَ المجروحُ بالسراية، وهذه الصور تخرج بقول المصنف (لأهْلٍ). فَإِنْ أَذِنَ فِي ضَرْبِ رَقَبَةٍ فَأَصَابَ غيْرَهَا عَمْدًا عُزِّرَ؛ لتعديه (•)، وكذا لو ادّعى الخطأ مما لا يقع الخطأ بمثله بأن ضرب رجله ووسطه، وَلَمْ يَعْزِلْهُ؛ لوجود الأهلية وإن تعدى بفعله كما لو جرحه قبل الارتفاع إلى الحاكم لا يمنع من الاستيفاء، وَلَوْ قَالَ: أَخْطَأْتُ، وَأَمْكَنَ، بأن ضرب كتفه أو رأسه مما يلي الرقبة، عَزَلَهُ؛ لأن حاله تشعر (•) بعجزه وخَوْفِهِ، قال الإمام: وينبغي تخصيص هذا بمن لم تعرف مهارته فِي ضرب الرقاب، وأما الماهر، فينبغي ألا يعزل لخطأ اتفق له، وَلَمْ

стр. 1513

يُعَزَّرْ، أي والحالة هذه، وذلك إذا حلف؛ كما قيده فِي الروضة تبعًا للرافعي، وَأُجْرَةُ الْجَلَّادِ، أي المقتص، عَلَى الْجَانِي عَلَى الصَّحِيحِ، أي إذا لم ينصِّب (•) الإمام جلادًا؛ لأن الحق عليه، ويلزمه أجرة الاستيفاء كما يلزم البائع أجرة الكيَّال، والمشتري أجرة الوزن، والثاني: أنها على المقتصِّ؛ والواجب عليه التمكين لا التسليم، كما أن أجرة نقل الطعام المشترى على المشتري والمستوفي؛ وهما كالخلاف فِي أنَّ مؤنة الجداد هل تلزم البائع أم المشتري؟ فَرْعٌ: لو قال الجاني: أنا أقتص من نفسي ولا أؤدي الأجرة! فهل يقبل منه؟ فيه وجهان؛ أصحُّهما: لا؛ لفقد التشفِّي، والثاني: نعم؛ كما فِي قطع السارق، والفرق أن الغرض التنكيل ويحصل بذلك، بخلاف القِصَاص كما سلف. فَصْلٌ: ويقْتَصُّ عَلَى الْفَوْرِ؛ لأن القِصَاص مُوجب الإتلاف فيتعجل كقيم المتلفات، وَفِي الْحَرَمِ، أي قتلًا وقطعًا؛ لأنه قتل، لو وقع فِي الحرم، لم يوجب ضمانًا، فلم يمنع منه كقتل الحيّة والعقرب. فَرْعٌ: لو التجأ إلى المسجد أُخرِجَ منه؛ قال الإمام: وكذا غيره من المساجد، قال فِي الروضة: وكذا إلى الكعبة أو مِلْكِ إنسان. وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْمَرَضِ، أي فإن كان مُخطِرًا، وكذا لا يؤخر الجلد فِي القذف بخلاف القطع والجلد فِي حدود الله تعالى لبنائها على المساهلة بخلاف حق الآدمي، وَتُحْبَسُ الْحَامِلُ، أي، فِي قِصَاصِ النَّفْسِ، أوِ الطَّرْفِ حَتْى تُرْضِعَهُ اللَّبَأ وَيَسْتَغْنِي بِغَيرِهَا، أوْ فِطَامِ حَوْلَيْنِ، أما تأخيرها إلى الوضع؛ فهو إجماع فِي النفس، وأما فِي الطرف؛ فلأن فيه إجهاضُ الجنين وهو متلفٌ له، وأما التأخير لإرضاع اللبأ؛ فلأن الولد لا يعيش إلَّا به غالبًا أو محقَّقًا، وَاللَّبَأُ مقصورُ اللبنُ أول النتاج كما سلف فِي النفقات، وأما التأخير للإستغناء بغيرها؛ فلأجل صيانة الولد أيضًا، فإن لم يوجد ذلك الغير ولو بهيمة يحل له تناول شربها فحتى ترضعه حولين كما قال المصنف.

стр. 1514

فَرْعٌ: الجلد في القذف كالقِصَاص، وأما الرجم وسائر حدود الله تعالى فلا يُستوفى، وإن وجدتْ مرضعةً! بل ترضعه إلى أن يوحد كافل بعد انقضاء الإرضاع، والفرق بين الحدود والقِصَاص أنها على المساهلة كما سلف، ووافق القفال في فتاويه في الجلد، وخالف في القطع، وفرق بان الجلد يحتمل التأخير، وبأنه عقوبة في جميع البدن. فَرْعٌ: لو كان على الحامل رجم، أو غيره من حدود الله تعالى لم تحبس على الصحيح؛ لأنه على التخفيف. وَالصَّحِيحُ تَصْدِيْقهَا فِي حَمْلِهَا بِغَيرِ مَخِيلَةٍ، لأنها مُؤْتَمَنَةْ على ما في رَحِمِهَا فينتظر ظهور مَخِيْلَةٍ، والثاني: لا تصدَّقُ للتهمة. فَصلْ: وَمَن قَتَلَ بِمُحَدَّدٍ أَوْ خَنْق أَؤ تجوِيع وَنَحوِهِ، أي كأن رماه من شاهق، اقتصَّ بِهِ، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ. . .﴾ الآية (١٦٣)؛ لأن المقصود من القِصَاص التشفّي، وإنما يكمل إذا قُتِلَ القَاتِلُ بِمِثْلِ ما قَتَل، أَوْ بِسِحْر فَبِسَيفٍ؛ لقوله ﵇: [حَدُّ السَّاحِرِ ضَربة بِالسَّيف] صحَّحَهُ الحاكمُ مع الغرابة (١٦٤)، وَكَذَا خَمْرٌ، أي بأن أوْجَرَهُ به حتى مات، وَلوَاطٌ فِي الأصَح، أي يقتل منه غالبًا، بأن لاط بصغير في الأصح؛ لأن ما قَتَلَ به محرَّمُ الفعلِ فيتعين السيفُ، والثاني: أنه في الأولى يُوْجَرُ مائعًا كَخَلٍّ أو ماء أو شيء مُرٍّ، وفي الثانية: يعمل مثل الذكر من الخشب أو

стр. 1515

من الجلد فيقتل به لقربه من فعله، وتكون الخشبة قريبة من آلته كما صرح به الرافعي وغيره، وظاهر كلام الجمهور: أنها لا تتقدر بذلك، بل يعمل خشبة تقتل مثل القاتل، قال المتولي في الثانية: هذا إذا توقع موته بالخشبة، وإلا فبالسيف، نقله الرافعي عن المتولي. واقتصر عليه، وهو في النهاية أيضًا مع إشارة إلى احتمال فيه. فَرع: لو سقاه بولًا فكالخمر على الأصح في أصل الروضة. فَرع: لو أَوْجَرَهُ ماءً نجسًا أُوْجِرَ طاهرًا. وَلَو جُوعَ كَتَجوِيْعِه فَلَمْ يَمُتْ زِيدَ؛ ليكون قتله بالطريق الذي قتل به ولا يبالي بزيادة الإيلام، وَفي قَوْلٍ: السَّيْفُ؛ لأن المماثلة قد حصلت، ولم يبق إلّا تفويت الروح فيجب تفويتها بالأسهل فالأسهل، وَمَنْ عَدَلَ إِلَى سيْفٍ، عن غيره مما ذكر كخنق وتجويع، فَلَهُ؛ لأنه أوحى وأسهل، وَلَو قَطَعَ فَسَرَى، أي إلى النفس، فَلِلْوَليِّ حَز رَقبتِهِ؛ لأنه أسهل على الجاني من القطع ثم الحَزِّ، وَلَهُ القَطْعُ ثُمَّ الحَز، طلبًا للمماثلة، وَإن شاءَ انْتَظَرَ السِّرَايَةَ، أي بعد القطع، وليس للجاني أن يقول: أمهلوني مدة بقاء المجني عليه بعد جنايتي لثبوت حق القِصَاص ناجزًا. وَلَو مَاتَ بِجَائِفَةٍ أَؤ كَسْرِ عَضُدٍ فَالحَزُّ؛ لأن المماثلة لا تتحقق في هذه الحالة بدليل عدم إيجاب القِصَاص في ذلك عند الاندمال فتعين السيف، وَفِي قَولٍ: كَفِعلِهِ، تحقيقًا للمماثلة، وهذا ما عليه الأكثرون كما في الرافعي؛ فإنه لم ينقل تصحيح الأول إلّا عن البغوي وحده، ونقل تصحيح الثاني عن الجويني وغيره من العراقيين والروياني أيضًا، ووقع في الْمُحَرَّر نسبة الأول إلى ترجيح كثيرين فتبعه المصنف، وكأنه سبق قلم، فإنه قال: فيستوفي القِصَاص بمثل ذلك أو يعدل إلى السيف، فيه قولان رجح كثيرون منهما الثاني يعني: السيف، فسبق القلم من الأول إلى الثاني، ولما رأى المصنف في الروضة ما قدمناه عن الرافعي، قال الأكثرون على الثاني؛ وهو وافٍ بما فيه، وأفهم كلام الرافعي (•) أن محل الخلاف عند الإطلاق، أما إذا قال:

стр. 1516

أجيْفُهُ ثم أقتلهُ إن لم يَمُتْ فله ذلك قطعًا؛ قال البغوي: ولو أجافه ثم عفى عنه عُزِّرَ على ما فعل ولم يجبر على قتله، فإن مات بَانَ بطلان العفو. وينتظم من هذا لغز؛ فيقال: رجل مُطْلَقُ التصرف وارث القِصَاص في غير المُحَارَبَةِ ومتى عفى عنه عُزِّرَ؟ فإن لَم يَمُتْ، أي بعد أن فعل به كفعله، لَم تُزَدِ الجَوَائِفُ فِي الأَظْهَرِ؛ لاختلاف تأثير الجوائف باختلاف محالها فهي كقطع الأطراف المختلفة، والثاني: نعم؛ فيكون إزهاق الروح قصاصًا بطريق إزهاقه عدوانًا وهو مخرج من مسألة التجويع والإلقاء في النار ونحوهما. وَلَوِ اقْتَص مَقْطُوعٌ، أي من قاطعه، ثُم مَاتَ، أي المقطوع الأول، سِرَايَةَ فَلِوَليِّهِ حَزُّ، أي في مقابلة نفس مورثه، وَلَهُ عَفْوٌ بِنِصْفِ دِيَّةٍ، أي واليد المستوفاة مقابلة بالنصف. وَلَو قُطِعت يَدَاهُ فَاقتَص ثُمَّ مَاتَ، أي المجني عليه بالسراية، فلِوَلِيهِ الحَزُّ، أي من القاطع، فَإن عَفَى فَلَا شَيء لَهُ؛ لأنه استوفى ما يقابل الدية، وهذه صورة يستحق فيها القِصَاص ولا تستحق فيها الدية لو عفى عليها. وَلَو مَاتَ جَانٍ مِن قَطع قِصَاصِ فَهَدَرٌ، كالقطع في السرقة، وإن مَاتا سِرَايَةَ، أي بعد الاقتصاص في اليدين، مَعَا أوْ سبقَ المَجنِي عَلَيهِ فَقد اقْتَص، أي حصل قصاص اليد باليد وَالسِّرَايَةُ بِالسِّرَايَةِ ولا شيء على الجاني؛ لأن السراية لما كانت كالمباشرة في الجناية فكذلك في الاستيفاء، قال الرافعي: وهذا هو المشهور؛ ونسبه ابن كج إلى أبي علي الطبري، وحكى عن عامة الأصحاب: أن لولي المجني عليه نصف الدية في تركة الجاني؛ لأن سراية الجاني مهدرة وسراية المجني عليه مضمونة، وإِن تَأَخرَ، أي بأن مات الجاني أولا، فَلَهُ نِصفُ الديةِ، أي في تركة الجاني، فِي الأصَح، أي إذا استوفى قدر ديَّة الجاني والمجني عليه، ولا يحصل القِصَاص بما جرى؛ لأن القِصَاص إنما يجب في النفس بالزهوق، فتصير كالتلف في القِصَاص، وهو ممتنع كما لو قال: اقطع يدك حتى إذا قَطَعتَ يدي لا يكون لي عليك شيء، والثاني: لا

стр. 1517

شيء له، ويحصل القِصَاص بما جرى؛ لأن الجاني مات بسراية فعل المجني عليه وحصلت المقابلة، وادعى الروياني أن هذا هو الصحيح! فَصلٌ: وَلَو قَالَ مُستَحِقُّ يَمِينِ: أَخرِجهَا، فَأَخرَجَ يَسَارَهُ وَقَصَدَ إِبَاحَتَهَا فَمُهدَرَة، أي لا قصاص ولا دية، وإن علم القاطع بالحال على الأصح؛ لأن صاحبها بدلها مجانًا، وأما قصاص اليمين فيبقى كما كان، وَإن قَالَ: جَعَلْتُهَا عَنِ اليَمِينِ، وَظَنَنتُ إِجْزَاءَهَا، فَكَذَّبهُ، أي القاطع وقال: عرفت أنها اليسارُ وأنها لا تجزئ عن اليمين، فَالأصَحُّ: لَا قِصَاصَ فِي اليَسَارِ؛ لأنا أقمنا ذلك مقام الإذن في القطع، وهو لو قال لغيره اقطع يدي فقطعها لا قصاص عليه، والثاني: نعم؛ لأنه قطع بلا استحقاق عن علم بالحال، بخلاف مسألة الإذن في القطع؛ لأنه عَلِمَ (•)، وإذنه هنا، إنما هو ليكون عوضًا عن اليمين، فإذا لم يقنع بها فهو كالإذن، وجزم الماوردي: بأنه إذا أخذها القاطع بدلًا عن حقه لا قصاص، وإن أخذها لا بدلًا عنه وجب. وَتَجِبُ دِيَّةٌ؛ لأنه لم يبدلها مجانًا، وَيَبْقَى قِصَاصُ اليَمِينِ، أي على الوجهين، وَكَذَا لَوْ قَالَ: دُهِشْتُ، فَظَنَنْتُهَا اليَمِينَ، وَقَالَ القَاطِعُ: ظَنَنتهَا اليَمِينَ، أي فلا قصاص في اليسار على الأصح لأن هذا الاشتباه قريب، والثاني: نعم؛ كما لو قتل رجلٌ رجلًا؛ وقال: ظننتهُ قَاتِلَ أبي؛ لكن الفرق تقصير المخرِج هاهنا عنها (•). فَصْلٌ: مُوجبُ العَمدِ القَوْدُ، وَالديةُ بَدَلٌ عِندَ سُقُوطِهِ؛ لأنه بدل متلف فتعين جنسه كسائر المتلفات، وَفِي قَوْل: أَحَدُهمَا مُبْهَمًا؛ لقوله ﷺ : [وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيْل؛ فَهُو بخَيْرِ النظريْنِ، إِمَّا أَنْ يُؤدي وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ] متفق عليه من حديث أبي هريرة (١٦٥)، وَعَلَى القَولَينِ لِلوَليِّ عَفْو عَلَى الديةِ بِغَيْرِ رِضَى الجَانِي؛ للحديث

стр. 1518

المذكور، وَعَلَى الأول، أي وهو أن الواجب القود عينًا، لَوْ أطْلَقَ الْعَفْوَ، أي فلم يتعرض للدية بنفي ولا إثبات، فَالمَذهَبُ لَا دِيَّةَ؛ لأن القتل لم يوجب الدية على هذا القول، والعفو إسقاط ثابت لا إثبات معدوم، والثاني: يجب، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١٦٦) أي اتباع المال وذلك يشعر بوجوب المال بالعفو فعدل إلى بدله كما لو مات الجاني، وأجاب الأول: بحمل الآية على ما إذا عفى على الدية، قال الرافعي: وهذه الطريقة هي أظهرهما، وهي حاكية لقولين أو وجهين ولم يذكر الطريقة الأخرى هنا، وقال في آخر كلامه: وقوله -يعني الوجيز- وإن عفى مطلقًا فقولان، مُعْلَم بالواو لأجل الطريقة القاطعة لم يبيّن هل هي قاطعة بالصحيح أم بمقابله؟ وَلَو عَفَى عَنِ الدِّيَّةِ لَغَا، بناءً على أن الواجب القود المَحضُ، وَلَهُ الْعَفْو بَعْدَهُ عَلَيهَا، لما قلناه، وَلَو عَفَى عَلَى غَيرِ جِنسِ الدِّيَّةِ ثَبَتَ، أي المال وسقط القود، إِن قَبلَ الجاني، وَإلا فَلَا، أي وإن لم يقبل الجاني لم يثبت المال، وَيسقُطُ القَوْدُ فِي الأصَح، لأنه رضي به على العوض ولم يحصل، والثاني: يسقط؛ لأنه رضي به حيث أقدم على الصلح وطلب العوض، فإن قلنا بهذا فهل تثبت الدية؟ قال البغوي: هو كما لو عفى مطلقًا. فَرْعٌ: لو عفى عن القود على نصف الدية، قال القاضي: هذه معضلة أسهرت الجلة، وقال غيره: هو كعفوه عن القود ونصف الدية فيسقط القود ونصف الدية، وَاعلَم: أن المصنف فرَّعَ هذه الفروع على القول الصحيح: أن الواجب القود عينًا والدية بدل عند سقوطه، وتركَ التفريع على القول المرجوح لطوله، وقد ذكره في الروضة تبعًا للرافعي.

стр. 1519

فَائِدَةٌ: قيل: إنه كان في شرع موسى ﵇ تحتم القِصَاص جَزْمًا، وفي شرع عيسى ﵇ أخذ الدية فقط، فخفف الله عن هذه الأمة وخيَّرَها بين الأمرين لما في الإلزام بأحدهما من المشقة. وَلَيسَ لِمَحْجُورِ فَلَس عَفْوٌ عَن مَالٍ إِن أَوجَبنَا أَحَدَهُمَا، أي أحد الأمرين للتفويت على الغرماء، وَإلا، أي وإن قلنا: الواجب القود عينًا، فإن عَفَى عَلَى الدِّيَّةِ ثَبَتَت، وَإن أَطْلَق فَكَمَا سَبَقَ، أي فيما إذا عفى مطلقًا، فإن قلنا: إنه يوجب الدية ثبتت وإلا فلا، والمذهب عدم الوجوب كما سلف، فَإن عَفَى عَلَى أن لا مَالَ، فالمَذْهَبُ: أَنهُ لا يَجِبُ شَيْءٌ؛ لأن العفو مع نفي المال لا يقتضي مالًا، فلو كلفنا المفلس أن يُطلق ليثبت المال كان ذلك تكليفًا بأن يكتسب، وليس على المفلس أن يكتسب، وأشار بقوله (فَالمَذْهَبُ) إلى ذكر طريقين، وبيان ذلك أنا إذا قلنا: إن مطلق العفو لا يوجب المال فالمقيد بالنفي أولى، وإلّا فوجهان أصحهما هذا، والثاني: الوجوب؛ لأنه لو أطلق العفو لوجب المال، فالنفي كالاسقاط لما له حكم الوجوب وقد اقتضى كلام المصنف في باب التفليس الجزم بالصحة أيضًا فإنه قال: يصح اقتصاصه وإسقاطه، ومقتضاه: أنه لا فرق في الإسقاط بين أن يكون مجانًا أو على مال. وَالْمُبَذِّرُ فِي الديةِ كمُفْلِسٍ، أي في حكمه الذي قررناه آنفًا، وَقِيلَ: كَصَبِي، أي فلا يصح عفوه عن المال مجانًا. لأنا؛ وإن قلنا: مطلق العفو لا يوجب المال، فإذا تصدى له مال لم يَجُز له تركه كما لو وهب له شيء أو أوصي له بشيء فلم يقبل؛ فوليه يقبل عنه. بخلاف المفلس، لا يقبل الغرماء عنه، ولا الحاكم. وَلَوْ تَصَالَحَا عَلَى القَودِ عَلَى مِائَتَي بَعِيْرٍ لَغَا، إِن أوْجَبنَا أحَدَهُمَا، يعني القِصَاص أو الدية؛ لأنه زيادة على الواجب نازل منزلة الصلح من ألف على ألفين، وَإلا، أي وإن قلنا بالأصح وهو أن الواجب القود عينًا والدية بدل عند سقوطه، فَالأصَحُّ: الصِّحةُ؛ لأنه مال يتعلق باختيار المستحق والتزام الجاني، فلا معنى لتقديره كبدل

стр. 1520

الخلع، والثاني: لا؛ لأن الدية هي التي تخلف القِصَاص عند سقوطه فلا يزاد عليها. فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ رَشِيْدٌ: اقْطَعنِي، فَفَعَلَ، فَهَدَرٌ، أي لا قصاص ولا دية، كما لو أذن في إتلاف ماله، فإنه لا ضمان بإتلافه، فَإن سَرَى، أي القطع، أوْ قَالَ: اقتُلْنِي، فَهَدَر. وَفِي قَولٍ: تجِبُ دِيَّة، هذا الخلاف مبني على أن الدية هل تجب للورثة ابتداء عقب هلاك المقتول أم تجب للمقتول في آخر جزء من حياته؛ ثم تنتقل إليهم؟ إن قلنا بالأول وجبت، ولم يؤثر إذنه وإلّا فلا، وهذا الثاني: أظهر، أعني الانتقال إليهم؛ لأنه تنفذ منها ديونه ووصاياه، ولو كانت للورثة لم يكن لذلك، وهذا كله فِي الدية، أما القِصَاص ففيه طريقان أشهرهما القطع بنفيه، كما جزم به المصنف، وجعل الإذن شبهة دارئة، والثاني: طرد الخلاف فيه، ووجه الوجوب بأن القِصَاص ثبت للورثة ابتداءً. فَرْعٌ: إذا قلنا: لا دية فالكفارة واجبة على الأصح، ولا تؤثر فيها الإباحة. وَلَو قُطعَ، عضو إنسان كأصبعه أو يده، فَعَفَى عَن قَوَدِهِ، وَأرشِهِ، فَإن لَم يَسْرِ فَلَا شَيْءَ، أي من قصاص أو ديَّة؛ لأن المستحق أسقط الحق بعد ثبوته فيسقط، وإن سَرَى، أي إلى النفس، فَلَا قِصَاصَ، أي كما لا قصاص في الطرف؛ لأن السراية تولدت من معفوٍ عنه، فصارت شبهة دارئة (•)، وَأما أرْشُ العُضوِ فَإن جَرى لَفْظُ وَصِيًةِ كـ (أَوْصَيْتُ لَهُ بِأرش هَذِهِ الْجِنايَةِ) فَوَصِية لِقاتِل، أي وقد سبق الخلاف فيها في كتاب الوصية، فإن أبطلناها لزمه أرش اليد، وإن صححناها سقط الأرش إن خرج من الثلث وإلّا سقط منه قدر الثلث، أَو لَفظُ إِبرَاءٍ، أي وإن جرى لفظ إبراء أوْ إِسقَاط، أَوْ عَفْوٌ، أي بأن قال: أبرَأتُهُ عن أرش هذه الجناية، أو أسقطته، أو عفوت عنه، سَقَطَ، أي قطعًا؛ لأنه إسقاط حق ناجز، والوصية هي التي تتعلق بحال الموت، وَقِيلَ: وَصِيَّة، بدليل الاعتبار من الثلث فيعود الخلاف في الوصية للقاتل، والطريقة الأولى هي الصحيحة، وهي القطع بعدم مجيء الخلاف، وَتجِبُ

стр. 1521

الزيادَةُ عَلَيهِ، أي على أرش العضو، إِلَى تمَامِ الدَّيةِ، وَفِي قَوْلٍ: إِن تَعَرَّضَ فِي عَفْوِهِ لِمَا يَحدُثُ مِنْهَا سقَطَت، اعلَم: أن ما تقدم في أرش العضو، وأما الزيادة عليه إلى تمام الدية فهي واجبة إن اقتصر على العفو عن موجب المال، ولم يقل وما يحدث منها، فإن قال وما يحدث! نُظِرَ، إن قاله بلفظ الوصية ففيه الخلاف في الوصية للقاتل، ويجيء في جميع الدية ما ذكرناه في أرش العضو، وإن قال عفوت عنه أو أبرأته عن ضمان ما يحدث أو أسقطته ففي تأثيره فيما يحدث قولان أظهرهما: لا، فيلزمه الضمان، وهما القولان في الإبراء عما لم يجب، وجرى سبب وجوبه، وهذا كله إذا كان الأرش دون الدية، فأما إذا قطع يديه فعفى عن أرش الجناية وما يحدث منها، فإن لم تصحح الوصية وجبت الدية بكمالها، وإن صححناها سقطت بكمالها إن وفّى بها الثلث، سواء صححنا الإبراء عما لم يجب، أو لم نصححه؛ لأن أرش اليدين ديةٌ كاملةٌ فلا يزيد بالسراية شيء، فَلَو سَرَى إِلَى عُضْوِ آخَرَ فاندَمَلَ، أي بأن قطع أصبعه فتآكل باقي الكف منها ثم اندمل، ضَمِنَ دِيةَ السرَايَةِ فِي الأصَحِّ؛ لأنه عفى عن موجب الجناية الحاصلة في الحال فتقتصر عليه، والثاني: المنع؛ لأنه إذا سقطت الجناية بالعفو صارت الجناية غير مضمونة، وإذا كانت الجناية غير مضمونة كانت السراية أيضًا غير مضمونة، كما إذا قال لغيره: اقطع يدي فقطعها وسرى القطع إلى عضو آخر، أما سقوط دية العضو المقطوع بالعفو فلا يختفي، ولا قصاص أيضًا والحالة هذه، ومحل الخلاف الذي ذكره المصنف ما إذا اقتصر العفو عن موجب الجناية، فأما إذا قال: عفوتُ عن هذه الجناية، وما يحدث منها، فيسري قطع الأصبع إلى قطع الكف، فإن لم نوجب ضمان السراية إذا أطلق فهنا أولى، وإن أوجبناه فيخرج هاهنا على الإبراء عما لم يجب، وجرى سبب وجوبه وقد تلخص من كلام المصنف من عند قوله ولو قطع فعفى إلى هنا أن للمسألة ثلاث حالات، أحدها: أن يندمل ولا يسري، وثانيها: أن يسري القطع إلى النفس، وثالثها: أن يسري إلى عضو آخر، وقد أوضحنا ذلك. فَصلٌ: وَمَنْ لَهُ قِصَاصُ نَفْسٍ بِسِرَايَة طَرَفٍ، أي بأن كان الجاني قد قطع يد

стр. 1522

المجني عليه، ومات بالسراية، لَو عَفَى عَنِ النفسِ فَلَا قَطْعَ لَهُ؛ لأن المستحق هو القتل والقطع طريقه وقد عفى عن المستحق له، أَوْ عَنِ الطرَفِ فَلَهُ حَز الرَّقبة فِي الأصَح، لأنه متمكن من العدول إلى حزِّ الرقبة فلعله قصد ذلك، والثاني: ليس له ذلك؛ لأنه استحق القتل بالقطع الساري وقد تركه. وَلَو قَطَعَهُ، أي الولي بسبب القطع السارى، ثُمَّ عَفَا عَنِ النَّفْسِ مَجَانًا، فَإن سَرَى القَطْعُ بَان بُطْلَان العَفْوِ، وَإِلا، أي وإن وقف، فَيَصحُّ، العفو ولم يلزمه بقطع اليد شيء، وكذا لو كان قتله بغير القطع وقطع الولي يده متعديًا ثم عفى عنه لا ضمان عليه لأنه قطع يد من يباح له دمه فلا يلزمه قصاص ولا ضمان، كما لو قطع يد مرتد. والعفو إنما يؤثر فيما تبقى لا فيما استوفى، فلا يخفى أن قول المصنف (وَلَوْ قَطَعَهُ ثُمَّ عَفَا. . .) إلى آخره من تمام حكم قوله (وَمَنْ لَهُ قِصَاصُ نَفْسٍ بِسِرَايَةِ طَرَفٍ) فإنه تارة يعفو، وتارة يقطع، فذكر الأول ثم الثاني، وَلَو وَكلَ، أي باستيفاء القِصَاص، ثم عَفَى فاقتص الوَكيلُ جَاهِلًا فَلَا قِصاص عَلَيهِ، لقيام العذر به، أما إذا كان عالمًا به فالقِصَاص واجب قطعًا، وَالأظْهَرُ: وُجُوبُ دِيَّة؛ لأنه تبين أنه قتله بغير حق فتجب دية مغلظة، وقيل: مخففة، والثاني: لا؛ لأنه عفى بعد خروج الأمر من يده فوقع لغوا، وأنها عليه لا على عاقلته؛ لأنه متعد، وإنما سقط القصاص للشبهة فتجب حالةً لا مؤجلة على الأصح من زوائد الروضة، والثاني: أنها على العاقلة لأنه فعلَ (•) جاهلًا بالحال فكان كالمخطئ، وقوله (وأنه تجب عليه) عطف على الأظهر، وصوابه في هذا إبدال الأظهر بالأصح كما فعله في الروضة تبعًا للرافعي، وَالأصحُّ أنَّهُ لَا يَرْجِعُ، أي الوكيل الغارم، بِهَا، أي بالدية، عَلَى العَافِي؛ لأن العافي محسن بالعفو غير مغرّرٍ بخلاف الغاصب إذا قدم الطعام المغصوب إلى الضيف، والثاني: يرجع، والثالث: يرجع الوكيلِ دون العاقلة، وَلَو وجَب قصَاصٌ عَلَيهَا، أي بأن جنت على شخص، فَنَكحَهَا عَلَيْهِ، أي هو أو وارثه، جَازَ؛ لأنه عوض مقصود،

стр. 1523

وَسَقَطَ، أي القِصَاص لملكها قصاص نفسها، فإن فارَقَ قَبلَ الوَطء رَجَعَ بِنِصف الأَرْشِ؛ لأنه المسمى فِي العقد وقد فات، وَفي قَوْل: بِنِصْفِ مَهْرِ مِثلٍ، والخلاف شبيه بما إذا أصدقها عبدًا فظهر حرًا هل ترجع عليه بالمهر أو بقيمة العبد؟

стр. 1524

كِتَابُ الدِّيَّاتِ الدِّيَّاتُ: هِيَ جَمْعُ دِيَّةٍ، وَهِيَ الْمَالُ الواجِبُ بِالجِنايَةِ عَلَى الحُر في نَفْسٍ أوْ طَرَفٍ، وَهِيَ مَصْدَرٌ، وَوَزْنُها فِعْلَة عَلَى وَزْنِ فِدية مُشْتَقة مِنَ الْوَدِي: وَهُوَ دَفْعُ الدِيَّةِ كالْعِدَّةِ مِنَ الوَعْدِ، والشِّيَةِ مِنَ الوَشِي وَنَظائِرِهِ، والأَصْلُ في البابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (١٦٧) وَكِتابُ عَمرِو بنِ حَزْم وَقَد ذَكَرتُهُ مُطَولًا في التحفَةِ دَلَائِلُ هَذَا الكِتابِ مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيح (١٦٨)؛ وَسَيأتِي مِنْهُ في البابِ ما يَحتاجُ إِلَيهِ. في قَتْلِ الْحُرِّ الْمُسلِمِ مِائَةُ بَعِيْرٍ، بالإجماع، ولحديث عمرو بن حزم المذكور، وهو بيان المُجمَلِ في قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ وروى ابنُ قتيبةَ: أن أوَّلَ مَنْ قَضَى بأنها مِائَة مِنَ الإِبلِ أبو سيَّارَةَ، وقيل: عبد المطلب، فجاءت الشريعةُ مُقَرِّرَةً لها، مُثَلَّثَة في الْعَمدِ: ثَلاثون حِقة، وَثَلاثون جَذَعَةً. وَأَربعُون خَلِفَةً: أَيْ حامِلًا، لقوله ﷺ : [مَن قَتَلَ مُتَعَمدا دُفَعَ إِلَى أوْلياءِ المَقتُولِ، فَإِنْ شاؤُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شاؤُوا أَخَذُوا الْدِيَّةَ وَهِيَ ثَلاُثونَ حِقَّةً؛ وَثلاثونَ جَذَعَةً؛ وَأَربَعُونَ خَلِفَةً] رواه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال: حسنٌ غريب (١٦٩)،

стр. 1525

وسواء كان العمد موجبًا للقصاص فعفى على الدية أو لم يوجبه كقتل الوالد ولده، وَمُخَمَّسَة فِي الخَطَإِ: عِشرُون بِنْتَ مَخاضٍ، وَكَذا بَناتُ لَبون وَبَنُو لَبونٍ وَحِقاقٌ وَجِذاعٌ، لإجماع الصحابة كما قاله الماوردي، وأبدل ابن المنذر بني اللبون ببني المخاض موافقةً للحديث كما أخرجه أحمد والأربعة، لكن قال الدارقطني والبيهقيُّ: الصحيحُ وقفُهُ (١٧٠). فَإن قَتَلَ خَطَأً في حَرَمِ مَكةَ؛ أَوِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ: ذِي القِعدَةِ؛ وَذِي الحجةِ؛ والمحَرمِ؛ وَرَجَبٍ، أَوْ مَحرَمًا ذا رَحِمٍ فَمُثَلثة، لأن الصحابة رضوان الله عليهم غلظوا في هذه الأحوال الثلاث، وإن اختلفوا في كيفية التغليظ، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة فكان إجماعًا، وخرج بـ (حَرَمِ مَكةَ) حرمُ المدينة، فإنه لا تغليظ بالقتل

стр. 1526

فيه على الصحيح، لأن صيده غير مضمون على الجديد كما تقدم في بابه، ولا يغلظ بالقتل في الإحرام على الأصح، لأن حرمته عارضة بخلاف المكان، ولم يرد فيه أيضًا من التغليظ ما ورد في القتل في الحرم، وخرج بـ (الأشْهُرِ الحُرُمِ) رمضانُ، فإنه لا يغلظ بالقتل فيه وإن كان عظيمًا، وبقوله (مَحرِمًا) ذا رَحم الذي ليس بمحرم كأولاد الأعمام والأخوال، فإنه لا تغلظ ديته على الأصح، ولا تتغلظ بمحرمية الرضاع والمصاهرة قطعًا، وحدّ حرم مكة قد تقدم بيانه في باب محرمات الإحرام، وما ذكره المصنف في عد الأشهر الحرم؛ هو ما تظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة، وقال الكوفيون: الأقربُ في عدها أن يقالَ المُحَرمُ؛ وَرَجَبَ؛ وذُو القِعدَةِ؛ وَذُو الحِجَّةِ من سنة واحدة، قال ابن دَحية الحافظ: وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا نذر صيامها فعلى الأول تبتدئ بذِي الْقَعدَةِ، وعلى الثاني بِالمُحَرَّمِ. والخطأ وإن تثلثَ، أي كما في التغليظ بالأسباب المذكورة، فَعَلَى العاقِلَةِ مُؤَجلَةٌ، كما سيأتي في بابها، وَالْعمدُ علَى الجانِي مُعَجلَةٌ، تغليظًا كما في إبدال المتلفات، وَشِبْهُ العَمدِ مُثَلثَة عَلَى العاقِلَةِ مُؤُجَّلَة، أما كونها مثلثة فلقوله ﵇: [عَقْلُ شِبْهِ العَمدِ مُغَلظٌ مِثْلَ عَقْلِ العَمدِ؛ ولا يقتلُ صاحِبُهُ] رواه أبو داود ولم يضعفه (١٧١)، فأما كونها على العاقلة ومؤجلة؛ فلما سيأتي في بابها إن شاء الله تعالى. فَصل: وَلا يُقْبَلُ مَعِيبٌ وَمَريضٌ، أي وإن كانت إبلُهُ كذلك قياسًا على سائرِ أبدال المتلفات بخلاف الزكاة، والمِرادُ بالعيب هُنا: ما أُثِرَ في المال وأثبتَ الرَّد، بخلاف عيبِ الكفارة؛ فإنه ما أخَلَّ بالعمل، لأن المقصود فيها تخليص الرقبة، إِلا بِرِضاهُ، أي إلَّا برضى المستحق، فإنه يجوز؛ لأن الحقَّ له، فلهُ إسقاطه، وَيثْبُتُ حَملِ الخلْفَةِ بأهلِ خِبْرَةٍ، أي عند إنكار المستحق، فيرجع فيه إلى عدلين منهم، والأصَحُّ:

стр. 1527

إِجْزاؤها قَبْلَ خَمْسِ سِنِيْنَ، لأنه ليس في الأخبار إلا اعتبار الخلفة، والثاني: لا، لأنَّ الحمل قبل خمس سنين مما يندر ولا يوثق به، وقوله (الأصَح) صوابه والأظهر، كما عبر به في الروضة، وَمَن لَزِمَتْهُ، يعني الدية من العاقلة أو الجاني، وَلَهُ إِبِلٌ فَمِنْها، كما تجب الزكاة من نوع النصاب سواء كانت من نوع إبل البلد أم فوقها أم دونها، وَقِيلَ: مِنْ غالِبِ إِبِلِ بَلَدِهِ، لأنها عِوَضُ متلفه. وَإلا فَغالِبِ، إبل بلده أوْ، قَبِيلَةِ بَذوِي؛ وَإِلا فأَقْرَبُ بِلَادٍ، أي وإن لم يكن له إبل، فغالب إبل بلده أو قبيلته، وإلّا فإبل أقرب البلاد ويلزمه النقل إن قربت المسافة، فإن بعدت وعظمت المؤنة والمشقة لم يلزمه وسقطت المطالبة بالإبل، وَلا يَعدِلُ إِلَى نَوع، أي ولو أعلى كما صرح به الرافعي، وَقِيْمَةِ إِلا بِتَراضٍ، كسائر أبدال المتلفات، لكن نص الشافعي وتبعه القاضي والماوردي وسليم والبندنيجي على الإجبار في الأعلى، كما أفاده عنهم ابن الرفعة، قال صاحب البيان: كذا أطلقوه، ليكن ذلك مبنيًا على جواز الصلح عن إبل الدية، هذا منه إشارة إلى حال الجهل بالصفات مع معرفة القدر والسن إذ هو محلّ الخلاف، أما إذا كانت معلومة القدر والسن والصفات جاز الصلح عنها قطعًا، وجزم بما قاله صاحب البيان قبل هذا بأوراق في الروضة، وفي كتاب الصلح تبعًا للرافعي أن الجناية إذا أوجبت الإبل لا يجوز الصلح عليها عند الجمهور لجهالتها، وإن أوجبت القصاص في النفس أو الطرف، فينبني على أن الواجب؛ هل هو القصاص أو أحد الأمرين؟ وحمل ابن الرفعة هذا الكلام على ما إذا كانت مجهولة الصفة، والأول على ما إذا كانت معلومة، قال: ومثل ذلك لا يمنع الاعتياض، وَلَوْ عُدِمَتْ، أي الإبل في الموضع الذي يجب تحصيلها منه! وكذا إذا وجدت بأكثر من ثمن المثل، فالقَدِيمُ أَلفَ دِينَارِ أَوْ اِثْنا عَشَرَ أَلفَ دِرهَمٍ، لقوله ﵊[وَعَلَى أَهْلِ الذهَبِ ألْفُ دِينارٍ] صححه ابن حبان والحاكم من حديث عمرو بن حزم (١٧٢)، وفي السنن الأربعة من حديث ابن عباس: أنه عَلَيهِ

стр. 1528

الصَّلَاةُ والسَّلَامُ [جَعَلَ الدِّيةَ اثنا عَشَرَ ألفًا] قال النسائي وغيره: والصواب إرساله (١٧٣)، وفي وجه مُخَرجٍ على القديم: أن الدراهم مقدرة بعشرة آلاف درهم،

стр. 1529

والجَدِيدُ قِيْمَتُها، أي قيمة الإبل بالغة ما بلغت؛ لما روى أبو داود والنسائيُّ وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ [كانَ يُقَوِّمُ الإِبِلَ عَلَى أهْلِ الْقُرَى، فَإذا غَلَتْ رَفَعَ في قِيْمَتِها، وَإِذا هاجَتْ رُخصًا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِها] (١٧٤). بنَقْدِ بَلَدِهِ، أي الغالب، وتراعى صفتها في التغليظ إن كانت مغلظة، وإن وُجِدَ بَعْضٌ أُخِذَ وَقِيمَةَ الباقِي، كما لو وجب له على إنسان مثل، ووجد بعض المثل؛ فإنه يأخذُه وقيمة الباقي. فائِدَة: رأيتُ في فتاوى القفال: أن الدنانير في أرش الجناية، يجب أن تكون ذهبًا خالصًا دون نقد البلد خلافًا للعوض في العَقْلِ؛ لأن تقدير الأرش من الشارع، وقد كان الذهب خالصًا فينصرف إليه أرش كل جناية. فَصْلٌ: والْمَرأَةُ والْخُنثى كَنِصفِ رَجُلٍ نَفسًا وَجُرحًا، أما دية نفس المرأة؛ فهو قولُ العَبادِلَةِ (١٧٥)؛ واشتهر؛ ولم يخالَفوا فصار إجماعًا، وأما دية أطرافها وجراحاتها فهو من باب اعتبار الأجزاء بالجملة. وأما الخنثى المشكل؛ فلأن الزيادة مشكوك فيها والمحقق النصف. وَيهُودِي وَنصرانِي ثُلُثُ مُسلِمٍ، للإتباع، وَمَجُوسي، أي له أمان، ثُلُثا عُشرِ

стр. 1530

مُسلِمٍ، للإتباع أيضًا، ودية نسائهم على النصف من دية الرجال، ويراعى في دياتهم التغليظ والتخفيف، وَكَذا وَثَنِيٌّ لَهُ أَمَانٌ، أي تجب فيه دية المجوسي؛ لأنه كافر لا يحل للمسلم مناكحة أهل دينه، وكذا عُبَّاد الشمس والقمر إذا دخلوا دارنا (•) أيضًا بأمان كما صرح به في المُحَرَّر وكذا الزنديق، والمَذهَبُ: أَن مَنْ لَمْ يَبلُغهُ الإِسْلَامُ إِن تَمَسكَ بِدِينٍ لَمْ يُبَدل فَدِيَةُ دِينهِ، لأن منصبَ ذلك الدين لا يقتضي الزيادة عليها، وفي وجه: يجب دية مسلم؛ لأنه ولد على الفطرة ولم يظهر منه عنادٌ؛ والنسخ لا يثبت قبل بلوغ الخبر، وَإلا فَكَمَجُوسِي، أي وإن لم يتمسك بدين لم يُبَدّل، بل بدين قد بُدِلَ فتجب فيه أخَسُّ الدِّياتِ وهي دية مجوسي، وفي وجه ثانٍ: تجب دية أهل دينه، وثالث: لا يجب شيء، لأنه ليس على دين حق، ولا عهدَ له ولا ذمة. وقوله (فالمَذْهَبُ) صوابه: إبداله بالأصح كما قررتُه. فَرعٌ: السَّامِرَةُ والصابِئِيَّةُ؛ إنْ كفرَهُما أَهْلُ مِلتِهِما فَهُمْ كمنْ لا كتاب لهم، وإلا فَكَهُم. فَصْلٌ: في مُوَضحَةِ الرأسِ أَوِ الوَجهِ لِحر مُسلِمٍ خَمْسَةُ أَبعِرَةٍ، لحديث عمرو بن حزم [وَفِي المُوَضَّحَةِ خَمْسٌ مِن الإِبِلِ] صححه ابن حبان والحاكم (١٧٦)، أما

стр. 1531

المرأة فيجب في موضَّحتها بَعِيْرانِ ونصفٌ، واليهودي يجب في موضحته بعيرٌ وثُلُثانِ، والمجوسي يجب في موضحته ثُلُثُ بعير؛ لأن ذلك نصف عشر ديتهم، وَهاشِمَةٍ مَعَ إيْضاحٍ عَشْرَةٌ، إتباعًا لزيد بن ثابت ولم يُخالَف (١٧٧)، وَدُونَه، أي دون الإيضاح، خَمسَة، لأنه لو أوضح وهشم؛ تجب عشرة؛ وإذا تجرد الإيضاح لم تجب إلا خمسة فتكون الخمس في مقابلة الهشم فتجب عند مجرد الهشم، وَقِيلَ: حُكُومَة، لأنه كسر عظم بلا إيضاح فأشبه كسر سائر العظام، فعلى هذا: هل تبلغ الحكومة خمسًا من الإبل؟ فيه تردد للقاضي، ومُنَقلَةٍ، أي مع إيضاح، خَمْسَةَ عَشَرَ، بالإجماع، أما إذا نقل من غير إيضاح، ففيه الخلاف الذي ذكره قَبلُ؛ فيما إذا هشم ولم يوضح، وفي الرَقم وغيره أن موضع الخلاف ما إذا لم يحوج الهشم إلى ربط وشق لإخراج العظم؛ أو تقويمه؛ فإن أحوج إليه، فالذي أتى به هاشمة يجب فيها عشرٌ من الإبل، وَمأمُومَةٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ، لحديث عمرو بن حزم صححه ابن حبان والحاكم (١٧٨). فَرعٌ: يجب في الدامغة ما يجب في المأمومة على الأصح، وقيل: تُزادُ حكومةٌ، وقيل: تمام الدية. وَلَو أَوضَحَ فَهَشمَ آخَرُ، وَنَقلَ ثالِثٌ، وَأَم رابِعٌ، فعَلَى كُل مِنَ الثلاثةِ خَمسَةٌ،

стр. 1532

أي من الإبل، أما الأول: فبسبب الإيضاح، وأما الثاني: فلأنه الزائد عليها من دية الهاشمة، وأما الثالث: فلأنه الزائد عليها من دية المنقلة، والرابعُ تَمامُ الثلُثِ، أي وهو ثمانية عشر بعيرًا وثلث بعير؛ وهو ما بين الْمُنَقلةِ والمأمُومَةِ، والشجَاجُ، أي بكسر الشين، قبلَ الْمُوَضحَةِ، أي وهي الدَّامِغَةُ (•) والخَارِصَةُ والباضِعَةُ والمُتَلَاحِمَةُ والسمحاق، إِن عُرِفَتْ نِسْبَتُها مِنْها، أي بأن كان على رأسه موضحة إذا قيس بها الباضعة مثلًا عرف أن المقطوع ثلث أو نصف في عمق اللحم، وَجَبَ قِسْطٌ مِنْ أَرشها، أي من أرش الموضحة، فإن شككنا في قدرها من الموضحة أوجبنا اليقين، قال الأصحاب: ويعتبر مع ذلك الحكومة؛ فيجب أكثر الأمرين من الحكومة وما يقتضيه التقسيط؛ لأنه وُجد سبب واحد منهما فيعتبر الأكثر، وَإلا، أي وإن لم تعرف نسبتها منها، فَحُكُومَةٌ، أي ولا يبلغ حكومتها أرش موضحة، وهذا التفصيل؛ قال الرافعي: هو قول الأكثرين، قال: ومنهم من أطلق أن الواجب فيها الحكومة؛ أي لأن التقدير يعتمد التوقيف ولا توقيف، وهذا ما نسبه الماوردي إلى ظاهر النص وإلى الجمهور فاختلف النقل إذًا عن الجمهور، كَجَرح سائِرِ البَدَنِ، أي فإن فيه الحكومة فقط، لأنه لا تقدير للشرع فيها، ولم ينته شينها إلى المنصوص عليه، وكذا الحكم في كسر عظامه، وكذا نقلها، والفرق بين الإيضاح والنقل في الرأس، وبينهما في غيره، أنهما في الرأس أخوف؛ وَشَينُهُما أفحشُ، وَفي الجائِفَةِ ثُلُثُ دِيةِ، لحديث عمرو بن حزم، وَهِيَ، يعني الجائفة، جُرحٌ يَنفَذُ إِلَى جَوفٍ، أي قوته مُحيلة للغذاء والدواء، كبَطْنٍ، وَصَدرٍ، وثُغْرَةِ نَحرٍ، وَجَبِيْنٍ، وَخاصِرَةِ، أي وإن لم يلدغ الألم كبده أو طحاله، وألحق به الإمام الوصول إلى المثانة، ولا فرق بين المحدد وغيره، ولا بين الصغيرة والكبيرة، كما سلف في الموضحة، أما لو لدغت كبده أو طحاله لزمه ثلث الدية وحكومة، ولو وصلت الجراحة إلى جوف الذكر فليست جائفة في الأصح، وكذا لو نفذت إلى داخل الفم والأنف، وَلا يَخْتَلِفُ أَرش مُوَضحَةٍ بِكبَرِها،

стр. 1533

كالأطراف، وَلَو أَوْضَحَ مَوْضِعَينِ بَينَهُما لَحمٌ وَجِلدٌ، قِيلَ: أَو أحَدُهُما؛ فَمُوَضِّحَتانِ، لعموم أخبار المواضح، ووجه الأصح في الثانية: أنه إذا زال أحدهما، فقد أتت الجناية على الموضع كله، فصار كما لو استوعبَ الإيضاحُ الموضعَ كُلَّهُ. فَرعٌ: لو عاد الجاني فرفع الحاجز بين موضحته (•) قبل الإندمال، فالصحيح: أنه لا يلزمه إلا أرش واحد؛ ولو تآكل الحاجز بينهما فكذلك. فَرعٌ: لو كثرت الموضحات! تعدد الأرش بحسبها؛ ولا ضبط. وَلَوِ انقَسَمَت مُوَضِّحَتُهُ عَمْدًا أو خَطَأ أو شَمِلَت رَأسًا وَوَجهًا؛ فَموَضِّحَتان، أما في الأُولى؛ فلإختلاف الحكم، وأما في الثانية؛ فلإختلاف المحل، وَقِيلَ: مُوَضِّحَة، أما في الأولى؛ فلإتحاد الصورة والجاني والمحل، وأما في الثانية؛ فلأن الجهة والرأس محلّ الإيضاح، وَلَو وَسَّعَ مُوَضحَتَهُ! فواحِدَة عَلَى الصحِيح، كما لو أوضح أولًا كذلك، والثاني: ثنتان، لأن التوسع إيضاح ثانٍ، وهذا الخلاف كالخلاف فيما لو رفع الحاجز بين موضحته (•)، أَوْ غَيْرَهُ، أي بفتح الراء وكسرها كما ضبطه بخطه ويجوز ضمها، فَثِنْتانِ، لأن فعل الإنسان لا ينبني على فعل غيره، بدليل ما لو قطع يد رجلٍ؛ وحزَّ آخر رقبته، فإن على كل منهما موجب جنايته، والجائِفَةُ كَمُوَضحَةٍ في التَّعَدُّدِ، أي فيما إذا جرحه جراحة أخرى ونفذتا إلى الجوف وبقي بينهما الجلدة الظاهرة وانخرق منها ما تحتها أو بالعكس، وكذا إذا انقسمت إلى عمد وخطأ، وكذا إذا وُسّعت؛ بأن وسّعها الجاني أو غيره وقد سلف كل ذلك، وفصّل الأصحاب فيما إذا وسع الجائفة غيره، فقالوا: إن أدخل السكين في جائفة غيره ولم يقطع شيئًا فلا ضمان عليه، ويُعزَّرُ، وإن قطع شيئًا من الظاهر دون الباطن، أو بالعكس ففيه حكومة، وإن قطع من جانب بعض الظاهر ومن جانب بعض الباطن، قال المتولي: ينظر في ثخانة اللحم والجلد؛ ويُقَسَّطُ أرشُ الجائفة على المقطوع من الجانبين، وقد يقتضي التقسيط تمام الأرش، بأن قطع نصف الظاهر من جانب ونصف الباطن من

стр. 1534

جانب، ولو لم يقطع من أطراف الجائفة شيئًا ولكن زاد في غورها، أو كان قد ظهر عضو باطن كالكبد فغرز السكين فيه فعليه حكومة. وَلَوْ نَفَذَت فِي بَطْنٍ وَخَرَجَتْ مِن ظَفرِ فَجَائِفَتَانِ في الأصَحِّ، لأن ما خرق (•) حجاب الجوف كان جائفة كالداخل، والثاني: جائفة؛ لأن الجائفة ما وصلت إلى الجوف، والنافذة جارحة فكانت دونها. وَلَوْ أَوْصَلَ جَوْفَهُ سِنَانًا لَهُ طَرفَانِ، أي والحاجزُ بينهما سليمٌ، فَثِنْتَانِ، لأن كل سنان واصل إلى الجوف فاسم الجائفة يصدق عليه، وَلَا يَسْقُطُ أَرْشٌ بِالْتِحَامِ مُوَضِّحَةٍ وَجَائِفَةٍ، لأن الوجوب كان في مقابلة الجزء الذاهب. والآلام التي لحقت المجني عليه؛ فلا يسقط بذلك. فَصْلٌ: وَالْمَذهَبُ أَن فِي الأُذُنَيْنِ، أي قطعًا وقلعًا، دِيَّة لَا حُكومَةَ، لحديث عمرو بن حزم [وَفِى الأُذُنِ خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ] رواه البيهقي (١٧٩)، وحُكِيَ قَوْلٌ أو وَجْهٌ مُخرّجٌ: أن فيهما الحكومة كالشعور، وَاعْلَمْ: أن عبارة الرافعي: ظاهر المذهب وجوب كمال الدية، وحُكي قول أو وجهٌ مُخَرَّجٌ: أن فيهما الحكومة؛ وكذا عبارة الْمُحَرَّرِ: ظاهر المذهب أنَّ في الأذنين الدية، فَفَهِم المصنف من ذلك حكاية قولين (•) فصرح بهما هنا وفي الروضة، وَبَعْضٌ بِقِسْطِهِ، لأن ما وجبت فيه الدية وجب في بعضه بالقسط كالأصبع ويقدَّر بالمساحة، وَلَوْ أيْبَسَهُمَا، أي بالجناية عليهما، فَدِيَةٌ، كما لو ضرب يده فشُلَّت، وَفِي قَوْلٍ: حُكومَة، لأن المنفعة لا تبطل بذلك، وهي جمع الصوت ومنع دخول الماء بخلاف الشلل.

стр. 1535

وَلَوْ قَطَعَ يَابِسَتَيْنِ فَحُكُومَةٌ، كما لو قطع يدًا شلّاء، وَفِي قَوْلٍ: دِيَةٌ، لأن المنفعة المرعيّة توجب الحكومة كما في العين القائمة واليد الشلّاء، وَفِي كُلِّ عَيْنٍ نِصْفُ دِيَةٍ، لحديث عمرو بن حزم صححه ابن حبان والحاكم (١٨٠)، وَلَوْ عَيْنُ أَحْوَلَ وَأَعمَشَ وَأَعْوَرَ، لبقاء المنفعة؛ ومقدارها لا ينظر إليه، ألا ترى أنه لا ينظر إلى قوة البطش والمشي وضعفهما، وَكَذَا مَنْ بِعَيْنِهِ بَيَاضٌ لَا يَنْقُصُ الضَّوْءَ، أي فإنَّ في كُلِّ عين نصف دية، ويكون كَالثَّآليْل (•) في اليد والرجل، فَإن نَقَصَ فَقِسْطٌ؛ فَإِنْ لَمْ يَنْضبِطْ فَحُكُومَةٌ، أي بخلاف عين الأعمش، والفرقُ أن البياض نقص الضوء الذي كان في أصل الخلقة، وعين الأعمش لم ينقص ضوؤها عما كان في الأصل، وَفِي كُلِّ جَفْنٍ رُبُعُ دِيَةٍ، لأن في الكل الدية ففي الواحد رُبْعُهَا، وَلَوْ لأَعْمَى، لأن للضرير منفعة وجمالا وإن كانت منفعة البصير بها أعم، وَمَارِنٍ دِيَةٌ، لحديث عمرو بن حزم [وَفِي الأَنْفِ إِذَا أوْعَى جَدْعًا الدِّيَةُ] صححهُ ابنُ حِبَّانَ والحاكمُ (١٨١)، وروى الشافعي عن ابن طاؤوس قال: عِنْدَنَا فِي كِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ [وَفِي الأَنْفِ إِذَا قَطَعَ مَارِنهِ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ] قال الشافعي: وهذا أبينُ من حديث آل حزم (١٨٢)،

стр. 1536

وَالْمَارِنُ: ما لَانَ من الأَنْفِ وخلَا عن العظم؛ قاله الرافعي في الْمُحَرَّرِ. قال: ويشتمل على ثلاث طبقات؛ الطَّرَفَيْنِ وَالْوِتْرَةُ بَيْنَهُمَا، وقال الماوردي: هُوَ مَا لَانَ مِنَ الحاجزِ بينَ الْمِنْخَرَيْنِ الْمُتَّصِلُ بِقَصَبَةِ الأَنْفِ، وأن الدية إنما تكمل باستيعابه مع المنخرين، وَفِي كُلٍّ مِنْ طَرَفَيهِ وَالحَاجِزِ ثُلُثٌ، توزيعًا للدية على المنخرين والحاجز، وَقِيْلَ: فِي الحَاجِزِ حُكُومَةٌ وَفِيْهِمَا دِيَةٌ، لأن الجمال وكمال المنفعة فيهما دون الحاجز، وهذا ما حُكى عن النص وصححه البغوي. فَرْعٌ: ولو قطع المارن وبعض القصبة، فديةٌ فقط على الأصح. وَكُلُّ شَفَةٍ نِصْفُ دِيَةٍ، لحديث عمرو بن حزم وصححه ابن حبان والحاكم وهي في عرض الوجه إلى الشدقين؛ أي وهو فتحة الفم من الجانب إلى الجانب الآخر، وفي طوله إلى ما يستر اللثة في الأصح، وروى عن نصه في الأُم أيضًا، والثاني: أنه الذي يَنْتُؤُ عند انطباق الفم كما أنه يراعى هذا القدر في الشفرين، وهذه المسألة وهي الكلام على عرض الشفة وطولها رأيتُ أصل المصنف وقد ضرب عليها وهي في الْمُحَرَّرِ فَاعْلَمْهُ. فَائِدَةٌ: اللِّثَّةُ بكسر اللام: مَا حَوْلَ الأَسْنَانِ مِنَ اللَّحْمِ؛ قاله الجرهري، وقال غيره: هِيَ اللَّحْمُ الَّذِي ينبتُ فيه الأسنانُ، فأما اللحمُ الذي يتخلَّلُ الأسنانَ فهو عَمْرٌ بفتح العين. فَرْعٌ: في الشَّلّاء الحكومة. فَرْعٌ: لو قطع شفة مشقوقة فعليه نصف دية ناقصة بقدر حكومة الشق، جزم به في الروضة، والرافعي نقله عن التهذيب والتتمة، وفي الحاوي: تجب دية كاملة إن

стр. 1537

لم يذهب الشق شيئًا من منافعها، وبقسطه إن أذهب معلوم القدر وحكومة إن لم يعلم. وَلِسَانٍ وَلَوْ لألْكَنَ؛ وَأَرَتَّ؛ وَأَلْثَغَ؛ وَطِفْلٍ دِيَةٌ، لإطلاق حديث عمرو بن حزم [وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ] صححه ابن حبان والحاكم (١٨٣)، قال الماوردي: ولسان الناطق الفاقد الذوق فيه حكومة كالأخرس، وَقِيلَ: شَرْطُ الطِّفْلِ ظُهُورُ أَثرِ نُطْقٍ بِتَحْرِيْكهِ لِبُكَاءٍ وَمَصٍّ، أي فإن لم يوجد نطق وتحريك ولم تبلغ وقتها؛ بأن قطع لسانه عقب الولادة فلا دية، لأن سلامته غير مستيقنة والأصل براءة الذمة عنها، وحكى الإمام قطع الأصحاب به، قال الرافعي: والذي يوجد في كتب عامة الأصحاب وجوب الدية أخذًا بظاهر السلامة كما تجب الدية في يده ورجله وإن لم يكن بطش في الحال، وجزم الرافعي في باب القصاص: بأنه يقطع لسان المتكلم بلسان الرضيع إن ظهر فيه أثر النطق بالتحريك عند البكاء وغيره وإلا لَمْ يُقْطَعْ، قال: وإن بلغ أوَانَ التَّكَلُّمِ ولم يتكلَّمْ لَمْ يُقْطَعْ به لسان المتكلم، وَلأخْرَسَ حُكُومَةٌ، كما في اليد الشلاء، وهذا إذا لم يذهب الذوق بقطع لسان الأخرس، أو كان قد ذهب ذوقه قبله. أما إذا قطع لسانه فذهب ذوقه ففيه الدية لذهاب الذوق. وَكُلُّ سِنٍّ لِذَكَرٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ خَمْسَةُ أَبْعِرَةِ، لحديث عمرو بن حزم [وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ] صحَّحه ابنُ حبان والحاكم (١٨٤)، ولا يخفى ما احترز بالقيود

стр. 1538

المذكورة، ولو انتهى صغر السن إلى أن لا تصلح للمضغ، فليس فيها إلا حكومة، سَوَاءٌ أكَسَرَ الظَّاهِرَ مِنْهَا دُون السِّنْخِ أوْ قَلَعَهَا بِهِ، لأن السِنْخ بكسر السين ثم نون ساكنة ثم خاء معجمة وهو أصل السن المستتر باللحم تابع فأشبه الكف مع الأصابع، وَفِي سِنٍّ زَائِدَةٍ حُكُومَةٌ، كالأصبع الزائدة، وَحَرَكَةُ السِّنِّ إِن قَلَّتْ فَكَصَحِيْحَةٍ، أي في وجوب القصاص والأرش، وإن بَطَلَتِ الْمَنْفَعَةُ فَحُكومَةٌ، لِلشَّيْنِ الحاصل، أَوْ نَقَصَتْ فَالأصَحُّ كَصَحِيْحَةٍ، أي فيجب الأرش لتعلق الجمال وأصل النفع بها في المضغ وحفظ الطعام ورد الريق، ولا أثر لضعفها كضعف البطش والمشي، والثاني: لا، بل الواجب حكومة لنقصان المنفعة كما في اليد الشلاء، وقوله (فَالأصَحُّ) صوابهُ: فالأظهر؛ كما في الرافعي والروضة. وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ صَغِيْر لَمْ يُثْغَرْ فَلَمْ تَعُد، وبَانَ فَسَادُ الْمَنْبَتِ وَجَبَ الأرْشُ، كسن المثغور، وَالأظْهَرُ: أَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ فَلَا شَيْءَ، لأن الأصل براءة الذمة، والظاهر أنه لو عاش لعادت، والثاني: يجب الأرش، لأن الجناية قد تحققت، والأصل عدم العود، وعلى الأول تجب الحكومة، قال في التتمة: وذلك على طريقة من يعتبر حال الجناية وتواصل الألم. وَأَنَّهُ لَوْ قَلَعَ سِنَّ مَثْغُورٍ، أي وأخذ الأرش، فَعَادَتْ لَا يَسْقُطُ الأرْشُ، لأن العائد نعمة جديدة، ووجه مقابله أن العائد قائم مقام الأول فكأنه لا فوات. وَلَوْ قُلِعَتِ الأَسْنَانُ فَبحِسَابِهِ، أي فيجب لكل سن خمس من الإبل للحديث السابق، وهي تزيد غالبًا على قدر الدية، فيجب مائة وستون بعيرًا إذا كان كامل الأسنان وهي اثنان وثلاثون سنًّا، وَفي قَوْلٍ: لَا يَزِيْدُ عَلَى دِيَةٍ، لأن الأسنان جنس متعدد من الأجزاء والأطراف فأشبهت الأصابع وسائر الأعضاء ثم هنا الخلاف، إِذا اتَّحَدَ الجاني والجناية، كما صرح به المصنف في قوله: إِنِ اتَّحَدَ جَانٍ وَجِنَايَةٌ، فإن تعدد الجاني؛ بأن قلع عشرين سنًّا وقلع غيره الباقي، فعلى الأول مائة بعير، وعلى الثاني ستون بعيرًا قطعًا، وإن اتحد الجاني وتعددت الجناية نظر؛ إن تخلل الاندمال

стр. 1539

بأن قلع سنًّا وتركه حتى برئت اللثة وزال الألم ثم قلع أخرى وهكذا إلى استيعاب الأسنان لزمه لكل سنٍّ خمس من الإبل قطعًا، فإن لم يتخلل الاندمال فعلى القولين. وَكُلُّ لِحْيٍ نِصْفُ دِيَةٍ، أما وجوب الدية فيهما فلما فيهما من الجمال والمنفعة، وأما وجوب النصف في كل لِحيٍّ فكما في إحدى اليدين، وَلَا يَدْخُلُ أَرْشُ الأَسْنَانِ فِي دِيَةِ اللِّحْيَيْنِ فِي الأَصَحِّ، أي بل تجب دية اللحيين وأرش الأسنان لأنهما أصليان في الجمال والمنفعة، في كل منهما دية مقدرة فأشبها الأسنان واللسان، والثاني: يدخل كما تدخل حكومة الكف في دية الأصابع، والأول فرق بأن الكف يطلق على الكف والأصابع بخلاف اللحيين، وأيضًا اللحيان بتكامل خلقهما بدون الأسنان بدليل الطفل قبل نباتها بخلاف الكف. فَرْعٌ: الأسنان العليا منبتها عظم الرأس، فلو قلع سنًّا منها مع العظم فعليه الحكومة مع الأرش. وَكُلُّ يَدٍ نِصْفُ دَيَةٍ إِن قُطِعَ مِنْ كَفٍّ، لحديث عمرو بن حزم [وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ] رواه أبو داود (١٨٥)، وإنما حملنا اليد في الخبر على الكف لقوله تعالى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١٨٦) وَقَطَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ مِفْصَلِ الكَفِّ فدل على أنها اليد لغة وشرعًا، فَإِنْ قُطِعَ مِنْ فَوْقِهِ فحُكُومَةٌ أيضًا، أي للزائد؛ لأنه ليس بتابع؛ وليس فيه أرش مقدر؛ بخلاف الكف مع الأصابع، لأنهما كالعضو الواحد. فَرْعٌ: لو قطع واحدٌ الأصابع وآخر الكفِّ أو قطع واحد الأصابع ثم الكف

стр. 1540

قبل الاندمال أو بعده فعلى ما ذكرنا في الأسنان. وَفِي كُلِّ أُصْبُع عَشْرَةُ أَبْعِرَةٍ، لحديث عمرو بن حزم صححه ابن حبان والحاكم، وَأُنْمُلَةٍ ثُلُثُ الْعَشْرَةٍ، وَأُنْمُلَةُ الإِبْهَامِ نِصْفُهَا، عملًا بالتقسيط. وَالرِّجْلَانِ كَالْيَدَيْنِ، أي ففيهما كمال الدية، وفي إحداهما نصفها، لحديث عمرو بن حزم صححه ابن حبان والحاكم (١٨٧). وتكمل دية الرجلين بالتقاط أصابعهما، والقدم كالكف، والساق كالساعد، والفخذ كالعضد، وأنامل أصابع الرجلين كأنامل أصابع اليد، وقد تقدم كل ذلك. وَفِي حَلَمَتَيهَا دِيَتُهَا، وهما رأسُ ثَدْيَيْهَا؛ لأن فيهما جمالًا ومنفعة، والثدي لا يستوفى إلا بهما (١٨٨). وَحَلَمَتَيهِ حُكُومَة، لأنه إتلاف جمال فقط، وَفِي قَوْلٍ: دِيَتُهُ، لأن كُلَّ ما وجب فيه الدية من المرأة وجبت فيه من الرجل كاليدين، قال الروياني: وليس للرجل ثدي؛ وإنما هذه قطعة لحم من صدره. فَرْعٌ: لو قطع من حلمة الرجل الثَّنْدُوَةَ وهي لحمة تحت الحَلَمة؛ إذا لم يكن الرجل مهزولًا؛ أفردت الثَّنْدُوَةَ بحكومة على المذهب. وَفِي أُنْثَيَيْنِ دِيَةٌ، وَكَذَا ذَكَرِ، لحديث عمرو بن حزم صححه ابن حبان والحاكم (١٨٩)، وَلَوْ لِصَغِيرٍ؛ وَشَيْخٍ؛ وَعِنِّينٍ، أي وخصيّ لإطلاق الخبر المذكور،

стр. 1541

وَحَشَفَةٍ كَذَكَرٍ، أي فيجب فيها دية، لأن ما عداها من الذكر كالتابع لها، كالكف مع الأصابع، فمعظم منافع الذكر وهو لذة المباشرة يتعلق بها، وأحكام الوطء تدور عليها، وَبَعْضُهَا بِقِسْطِهِ مِنهَا، لأن الدية تكمل بقطعها فقسطت على أبعاضها (١٩٠). وَقِيلَ: مِنْ، كل، الذكَرِ، لأنه الأصل المقصود بكمال الدية، وَكَذَا حُكْمُ بَعْضِ مَارِنٍ وحَلَمَةٍ، أي فالأصح التوزيع على المارن والحَلَمَة فقط. وَفِي الأَلْيَيْنِ الدِّيَةُ، لأن فيهما جمالًا ومنفعة، فإن فيهما رباط المفاصل؛ واستقرار الجلوس، وسواء في ذلك الرجل والمرأة، وَحَدُّهُما ما أشرف على الظهر والفخذين وفي إحداهما نصفها. وَكَذَا شُفْرَاهَا، لأن فيهما جمالًا ومنفعة، فإن بهما يقع الإلتذاذ بالجماع، وفي إحداهما نصفها، وَالشُّفْرَانِ: بِضَمِّ الشِّينِ؛ اللَّحْمَانِ الْمُشْرِفَانِ عَلَى الْمَنْفَذِ، وهما الاسكتان عند الشافعي ﵀، وعند أهل اللغة حَرْفَا شَقِّ الْفَرْجِ. وَكَذَا سَلْخُ جِلْدٍ، أي تجب فيه الدية، لأنه كالجنس الواحد من الأعضاء، إِنْ بَقِيَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، وَحَزَّ غَيْرَ السَّالِخ رَقَبَتَهُ، أي لأن سَلْخَ جميعه قاتلٌ. فَصْلٌ (•): هذا الفصل (•) عقده لإزالة المنافع، كما أن الفصل الذي قبله عقده للجروح وللأعضاء، وذكر فيه ستة عشر عضوًا كما سلف، وقد ذكر هنا ثلاثة عشر شيئًا كما نقف عليه.

стр. 1542

فَرْعٌ: فِي العَقلِ دِيَةٌ، لأنه أشرف الحواس ولا يجب القصاص فيه على المذهب، لاختلاف الناس في محلِّه هل هو القلبُ أو الدماغِ أو مشتركٌ بينهما، والأكثرون على الأول، وقيل: مسكنهُ الدماغ وتدبيره في القلب، والمراد بالعقل الموجب للدية العقل الغريزيّ (•)، فأما المكتسب ففيه حكومة فقط؛ قاله الماوردي. قال المتولي: وإنما تجب الدية إذا قال أهل الخبرة إنه لا يعود، أما إذا توقعوا عوده فإنه يوقف، فإن مات قبل العود ففي الدية وجهان كما إذا قلع سن مثغور فمات قبل أن يعود. فَرْعٌ: لو لم يُزل عقله؛ بل نقص ولم تستقم أحواله، فإن أمكن الضبط بالزمان وغيره وجب قسط الزائل وإلا فالحكومة. فَإِنْ زَالَ، أي العقل؛ بِجُرْحٍ لَهُ أَرْشٌ، مقدر أي كالموضحة واليد والرجل، أَوْ حُكُومَةٌ وَجَبَا، أي دية العقل وأرش الجناية، أو حكومتها، لأن الشرع أوجب فيهما أروشًا مقدرة فلا يجوز إسقاطه؛ وهذا هو الجديد الصحيح، وَفِي قَوْل: يَدْخُلُ الأَقَلُّ فِي الأكْثَرِ، أي فإن كانت دية العقل أكثر، بأن أوضحه فزال عقله، دخل فيها أرش الموضحة، وإن كان أرش الجناية أكثر، بأن قطع يديه ورجليه فزال عقله، دخل فيه دية العقل، لأن ذهابه يعطل منافع سائر الأعضاء فأشبه ذهاب الروح. وضُعِّفَ هذا بأن مقتضاه أعني تشبيهه بالروح دخول الأروش في دية العقل وإن كثرت، وإنه لا يجب بقطع يديه شيء كالميت، واحترز المصنف بقوله (لَهُ أرْشٌ) عما إذا لم يكن له أرش ولا حكومة؛ بأن ضَرَبَ رأسهُ أو لَطَمَهُ فزالَ عقلهُ، فإنه يُدخل أرش الجناية في دية العقل، نَعَمْ: يُعَزَّرُ على الأصح، وَلَوِ ادَّعَى، وليَّ المجني عليه، زَوَالَهُ، أي فأنكر الجاني ونسبه إلى التجانُن، فَإِنْ لَمْ يَنْتَظِمْ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ فِي

стр. 1543

خَلَوَاتِهِ؛ فَلَهُ دِيَةٌ بِلَا يَمِيْنِ، لأنه لا يتجانن في الخلوات، ولأن بيمينه يثبت جنونه، والمجنون لا يُحَلَّف، نَعَمْ: لو كان الاختلاف فيمن يجنُّ وقتًا؛ ويفيق وقتًا؛ وحلّفناه في زمن إفاقته كما ذكره في الكفاية، وإن وجدناها منظومة؛ صُدِّقَ الجاني بيمينه، وإنما حَلَّفْنَاهُ لاحتمال صدورها منه. اتفاقًا وجريًا على العادة، وَفِي السَّمْع دِيَةٌ، لأنه من أشرف الحواس فأشبه البصر، بل قيل: إنه أفضل منه، لأن به يدرك الْفَهْمُ، وقيل: عكسه؛ لأنه به تدرك الأعمال، ونُقل عن أكثر المتكلمين. فَرْعٌ: لو لم يذهب السمع، ولكن ارتتق بالجناية داخل الأذن ارتتاقًا لا وصول إلى زواله؛ فالأصح وجوب حكومة لا دية. ومن أذنٍ نِصْفٌ، أي لا لتعدد السمع، ولكن ضبط النقصان بالمنفذ أولى وأقربَ من ضبطه بغيره، وَقِيلَ: قِسْطُ النَّقْصِ، أي من الدية، قال الرافعي: وقد يقال تجب فيه حكومة، وَلَوْ أَزَالَ أُذُنَيْهِ وَسَمْعَهُ فَدِيَتَانِ، لقطعه عضوًا وإذهابه منفعةً حالّةً في غيره فلم يتداخلا كما لو أوضحه فعمي. وَلَوِ ادَّعَى زَوَالَهُ وَانْزَعَجَ لِلصِّيَاحِ فِي نَوْمٍ وَغَفلَةٍ فَكَاذِبٌ، لظهوره، ويجب مع ذلك تحليف الجاني أن سمعه لباقٍ! لاحتمال أن يكون انزعاجه اتفاقًا ولا يكفيه أن يحلف أن سَمْعَهُ لم يذهب بجنايته، وخص المصنف الانزعاج بالصياح؛ ولا يختص به، بل الرعد وطرح شيء له صوت من علوٍّ كذلك، وقيَّدَ الماوردي الصياح بصوت مزعج مهولٍ يتضمن إنذارًا وتحذيرًا، قال: ويكرر ذلك من جهات وفي أوقات الخلوات حتى يتحقق زوال السمع بها، وَإِلا، أي وإن لم يظهر عليه أثر، حُلِّفَ وَأَخَذَ دِيَةً، للعلم بصدقه؛ والتحليف لاحتمال التجلد، ثم إذا ثبت زواله، قال الماوردي: ويراجع عدول الأطباء، فإن نفوا عودَهُ، وجبت الدية في الحال، وإن جوّزوا عوده إلى مدة معينة انتظرت، فإن عاد فيها سقطت، وإلا ثبتت. فَرْعٌ: لو ادعى ذهاب سمع إحدى الأذنين؛ حشيت السليمة وامتحن في الأخرى كما ذكرناه.

стр. 1544

وإن نَقَصَ فَقِسْطُهُ إِن عُرِفَ، أي بأن كان يسمع من موضع فصار يسمع من دونه، وَإلا، أي وإن لم يعرف قدَره بالنسبةِ، فَحُكُومَة بِاجْتِهَادِ قَاضٍ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ سَمْعُ قَرنه، أي بفتح القاف وسكون الراء، أي مَنْ لَهُ مِثْلُ سِنِّهِ، في صِحَّتِهِ، ويضبطُ التفَاوُتُ، وَإن نَقَصَ مِن أذُنٍ سُدَّت وَضُبِطَ مُنتهَى سمَاعِ الأُخْرَى ثُمَّ عُكِسَ وَوَجَبَ قِسطُ التفَاوُتِ، أي فإن لم يضبط فالحكومة. فَائِدَةٌ: لطيفة السمع ليست متعلقة بخرق الأذن، وإنما هي في مقرها من الرأس وليس من الثاني على الأصح بخلاف البصر. وَفِي ضَوْءِ كُل عَيْنٍ نِصْفُ دِيَةٍ؛ لأن منفعة العين النظر، فذهابه كالشلل، فَلَوْ فَقَأَهَا لَم يَزِدْ، كقطع يديه بخلاف ما لو قطع أذنيه وذهب سمعه لما سلف أنه ليس السمع في الأذن، وَإنِ ادَّعَى زَوَالَهُ، أي زوال بصره وأنكر الجاني، سُئِلَ أَهْلُ الْخِبرَةِ، أي فإنهم إذا أوقفوا الشخص في مقابلة عين الشمس ونظروا في عينه عرفوا أن الضوء ذاهب أم موجود بخلاف السمع لا يراجعون فيه إذ لا طريق لهم إليه، أوْ يُمتَحَنُ بِتقرِيبِ عَقرَبٍ أو حَدِيدَةٍ، محمّاة، مِن عَينهِ بَغتةً؛ وَنُظِرَ هَل يَنْزَعِجُ؟ أي فإن انزعج؛ فالقول قول الجاني بيمينه، وإن لم ينزعج فالقول قول المجني عليه بيمينه، والأول: هو المنقول عن الأم، والثاني: وهو الامتحان بما سلف؛ قاله آخرون وعليه جرى الغزالي، وقال المتولي: الأمر إلى خيرة الحاكم وهو في الكتاب تبعًا لِلْمُحَرر، وَإن نَقَصَ فَكَالسمع، أي فإن عرف قدره فالقسط وإلا فحكومة، وإن نقص من عين فيمتحن ويجب القسط. وَفِي الشَّمِّ دِيَةٌ عَلَى الصحِيحِ, لأنه من الحواس النافعة فأشبه غيره، والثاني: لا، بل حكومة دون الدية، لأنه ضعيف النفع، فإن منفعته إدراك الروائح، والأنتانُ أكثر من الطيبات فيكون التأذي أكثر من التلذذ. فَرْعٌ: لو أذهب شم أحد المنخرين فنصف دية. فَرْعٌ: لو نقص وجب بقسطه إن أمكنت معرفته وإلا فالحكومة.

стр. 1545

فَرْعٌ: لو أنكر الجاني زواله امتحن المجني عليه بتقريب ما له رائحة حادة من طيبة أو خبيثة، فإن هشَّ للطيبِ وعبس للمنتنِّ، صُدِّقَ الجاني بيمينه، وإن لم يظهر عليه أثر صدق المجني عليه. فَرْعٌ: لوْ قطع أنفه فذهب شمه وجبت ديتان كما في السمع، لأن الشم لا يحل الأنف. وَفي الكَلَامِ الدِّيةُ، أي فيما إذا جنى على لسانه فأبطل كلامه، لأنه سلب أعظم منافعه، فأشبه إذهاب البصر، وإنما تؤخذ الدية إذا قال أهل الخبرة: لا يعود نطقه، فإن أخذت فعاد استردت. فَرْعٌ: لو ادعى ذهاب النطق امتحن، ويحلف كما قاله المتولي. وَفِي بَعْضِ الحُرُوفِ قِسطُهُ، فإن الكلام يتركب منها، وسواء ما خف منها على اللسان وما ثقل، والمُوَزعُ عَليْهَا ثَمَانِيَة وَعُشْرون حَرفًا في لُغَةِ العَرَبِ، وزاد الماوردي عليها (لا) فيها، والرافعي وغيره أسقطها لدخولها في الألف واللام، وجماعة من النحاة عدّوا الهمزة حرفًا ولم يعدوا المركب من الألف واللام، واحترز بقوله (في لُغَةِ الْعَرَبِ) عن غيرها فإنها تزيد وتنقص، وَقِيلَ: لَا يُوَزَّعُ عَلَى الشَّفَهِيَّةِ، أي وهي الباء والفاء والميم والواو، وَالحَلقيةِ، أي وهي الهمزة والهاء والعين والغين والحاء والخاء، وإنما التوزيع على الحروف الخارجية من اللسان وهي ما عداها، فتكون ثمانية عشر على هذا، وقد يوجّه: بأن منفعة اللسان هي النطق بها، فيكون التوزيع عليها وتكمل الدية فيها، ومن نصر الأول قال: الحروف وإن كانت مختلفة المخارج إلا أن الاعتماد في جميعها على اللسان وبه يستقيم النطق، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ بَعضِهَا، أي عن بعض الحروف كالأرَتِّ والألثَغ الذي لا يتكلم إلا بعشرين حرفًا مثلًا، خِلْقَةً أَوْ بِآفَةِ سَمَاوِيةِ فدِيةٌ، أي وأذهب بعض كلامه فدية، لأن هذا الشخص ناطق، وله كلام مفهوم إلا أن في منطقه ضعفًا، وضعف منفعة العضو لا يقدح في كمال الدية كضعف البطش والبصر، وَقِيلَ: قِسْطٌ، أي من جميع الحروف، لأن
следующие страницы →