وَحَشَفَةٍ كَذَكَرٍ، أي فيجب فيها دية، لأن ما عداها من الذكر كالتابع لها، كالكف مع الأصابع، فمعظم منافع الذكر وهو لذة المباشرة يتعلق بها، وأحكام الوطء تدور عليها، وَبَعْضُهَا بِقِسْطِهِ مِنهَا، لأن الدية تكمل بقطعها فقسطت على أبعاضها (١٩٠).
وَقِيلَ: مِنْ، كل، الذكَرِ، لأنه الأصل المقصود بكمال الدية، وَكَذَا حُكْمُ بَعْضِ مَارِنٍ وحَلَمَةٍ، أي فالأصح التوزيع على المارن والحَلَمَة فقط.
وَفِي الأَلْيَيْنِ الدِّيَةُ، لأن فيهما جمالًا ومنفعة، فإن فيهما رباط المفاصل؛ واستقرار الجلوس، وسواء في ذلك الرجل والمرأة، وَحَدُّهُما ما أشرف على الظهر والفخذين وفي إحداهما نصفها.
وَكَذَا شُفْرَاهَا، لأن فيهما جمالًا ومنفعة، فإن بهما يقع الإلتذاذ بالجماع، وفي إحداهما نصفها، وَالشُّفْرَانِ: بِضَمِّ الشِّينِ؛ اللَّحْمَانِ الْمُشْرِفَانِ عَلَى الْمَنْفَذِ، وهما الاسكتان عند الشافعي ﵀، وعند أهل اللغة حَرْفَا شَقِّ الْفَرْجِ.
وَكَذَا سَلْخُ جِلْدٍ، أي تجب فيه الدية، لأنه كالجنس الواحد من الأعضاء، إِنْ بَقِيَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، وَحَزَّ غَيْرَ السَّالِخ رَقَبَتَهُ، أي لأن سَلْخَ جميعه قاتلٌ.
فَصْلٌ (•): هذا الفصل (•) عقده لإزالة المنافع، كما أن الفصل الذي قبله عقده للجروح وللأعضاء، وذكر فيه ستة عشر عضوًا كما سلف، وقد ذكر هنا ثلاثة عشر شيئًا كما نقف عليه.
стр. 1542
فَرْعٌ: فِي العَقلِ دِيَةٌ، لأنه أشرف الحواس ولا يجب القصاص فيه على المذهب، لاختلاف الناس في محلِّه هل هو القلبُ أو الدماغِ أو مشتركٌ بينهما، والأكثرون على الأول، وقيل: مسكنهُ الدماغ وتدبيره في القلب، والمراد بالعقل الموجب للدية العقل الغريزيّ (•)، فأما المكتسب ففيه حكومة فقط؛ قاله الماوردي. قال المتولي: وإنما تجب الدية إذا قال أهل الخبرة إنه لا يعود، أما إذا توقعوا عوده فإنه يوقف، فإن مات قبل العود ففي الدية وجهان كما إذا قلع سن مثغور فمات قبل أن يعود.
فَرْعٌ: لو لم يُزل عقله؛ بل نقص ولم تستقم أحواله، فإن أمكن الضبط بالزمان وغيره وجب قسط الزائل وإلا فالحكومة.
فَإِنْ زَالَ، أي العقل؛ بِجُرْحٍ لَهُ أَرْشٌ، مقدر أي كالموضحة واليد والرجل، أَوْ حُكُومَةٌ وَجَبَا، أي دية العقل وأرش الجناية، أو حكومتها، لأن الشرع أوجب فيهما أروشًا مقدرة فلا يجوز إسقاطه؛ وهذا هو الجديد الصحيح، وَفِي قَوْل: يَدْخُلُ الأَقَلُّ فِي الأكْثَرِ، أي فإن كانت دية العقل أكثر، بأن أوضحه فزال عقله، دخل فيها أرش الموضحة، وإن كان أرش الجناية أكثر، بأن قطع يديه ورجليه فزال عقله، دخل فيه دية العقل، لأن ذهابه يعطل منافع سائر الأعضاء فأشبه ذهاب الروح. وضُعِّفَ هذا بأن مقتضاه أعني تشبيهه بالروح دخول الأروش في دية العقل وإن كثرت، وإنه لا يجب بقطع يديه شيء كالميت، واحترز المصنف بقوله (لَهُ أرْشٌ) عما إذا لم يكن له أرش ولا حكومة؛ بأن ضَرَبَ رأسهُ أو لَطَمَهُ فزالَ عقلهُ، فإنه يُدخل أرش الجناية في دية العقل، نَعَمْ: يُعَزَّرُ على الأصح، وَلَوِ ادَّعَى، وليَّ المجني عليه، زَوَالَهُ، أي فأنكر الجاني ونسبه إلى التجانُن، فَإِنْ لَمْ يَنْتَظِمْ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ فِي
стр. 1543
خَلَوَاتِهِ؛ فَلَهُ دِيَةٌ بِلَا يَمِيْنِ، لأنه لا يتجانن في الخلوات، ولأن بيمينه يثبت جنونه، والمجنون لا يُحَلَّف، نَعَمْ: لو كان الاختلاف فيمن يجنُّ وقتًا؛ ويفيق وقتًا؛ وحلّفناه في زمن إفاقته كما ذكره في الكفاية، وإن وجدناها منظومة؛ صُدِّقَ الجاني بيمينه، وإنما حَلَّفْنَاهُ لاحتمال صدورها منه. اتفاقًا وجريًا على العادة، وَفِي السَّمْع دِيَةٌ، لأنه من أشرف الحواس فأشبه البصر، بل قيل: إنه أفضل منه، لأن به يدرك الْفَهْمُ، وقيل: عكسه؛ لأنه به تدرك الأعمال، ونُقل عن أكثر المتكلمين.
فَرْعٌ: لو لم يذهب السمع، ولكن ارتتق بالجناية داخل الأذن ارتتاقًا لا وصول إلى زواله؛ فالأصح وجوب حكومة لا دية.
ومن أذنٍ نِصْفٌ، أي لا لتعدد السمع، ولكن ضبط النقصان بالمنفذ أولى وأقربَ من ضبطه بغيره، وَقِيلَ: قِسْطُ النَّقْصِ، أي من الدية، قال الرافعي: وقد يقال تجب فيه حكومة، وَلَوْ أَزَالَ أُذُنَيْهِ وَسَمْعَهُ فَدِيَتَانِ، لقطعه عضوًا وإذهابه منفعةً حالّةً في غيره فلم يتداخلا كما لو أوضحه فعمي.
وَلَوِ ادَّعَى زَوَالَهُ وَانْزَعَجَ لِلصِّيَاحِ فِي نَوْمٍ وَغَفلَةٍ فَكَاذِبٌ، لظهوره، ويجب مع ذلك تحليف الجاني أن سمعه لباقٍ! لاحتمال أن يكون انزعاجه اتفاقًا ولا يكفيه أن يحلف أن سَمْعَهُ لم يذهب بجنايته، وخص المصنف الانزعاج بالصياح؛ ولا يختص به، بل الرعد وطرح شيء له صوت من علوٍّ كذلك، وقيَّدَ الماوردي الصياح بصوت مزعج مهولٍ يتضمن إنذارًا وتحذيرًا، قال: ويكرر ذلك من جهات وفي أوقات الخلوات حتى يتحقق زوال السمع بها، وَإِلا، أي وإن لم يظهر عليه أثر، حُلِّفَ وَأَخَذَ دِيَةً، للعلم بصدقه؛ والتحليف لاحتمال التجلد، ثم إذا ثبت زواله، قال الماوردي: ويراجع عدول الأطباء، فإن نفوا عودَهُ، وجبت الدية في الحال، وإن جوّزوا عوده إلى مدة معينة انتظرت، فإن عاد فيها سقطت، وإلا ثبتت.
فَرْعٌ: لو ادعى ذهاب سمع إحدى الأذنين؛ حشيت السليمة وامتحن في الأخرى كما ذكرناه.
стр. 1544
وإن نَقَصَ فَقِسْطُهُ إِن عُرِفَ، أي بأن كان يسمع من موضع فصار يسمع من دونه، وَإلا، أي وإن لم يعرف قدَره بالنسبةِ، فَحُكُومَة بِاجْتِهَادِ قَاضٍ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ سَمْعُ قَرنه، أي بفتح القاف وسكون الراء، أي مَنْ لَهُ مِثْلُ سِنِّهِ، في صِحَّتِهِ، ويضبطُ التفَاوُتُ، وَإن نَقَصَ مِن أذُنٍ سُدَّت وَضُبِطَ مُنتهَى سمَاعِ الأُخْرَى ثُمَّ عُكِسَ وَوَجَبَ قِسطُ التفَاوُتِ، أي فإن لم يضبط فالحكومة.
فَائِدَةٌ: لطيفة السمع ليست متعلقة بخرق الأذن، وإنما هي في مقرها من الرأس وليس من الثاني على الأصح بخلاف البصر.
وَفِي ضَوْءِ كُل عَيْنٍ نِصْفُ دِيَةٍ؛ لأن منفعة العين النظر، فذهابه كالشلل، فَلَوْ فَقَأَهَا لَم يَزِدْ، كقطع يديه بخلاف ما لو قطع أذنيه وذهب سمعه لما سلف أنه ليس السمع في الأذن، وَإنِ ادَّعَى زَوَالَهُ، أي زوال بصره وأنكر الجاني، سُئِلَ أَهْلُ الْخِبرَةِ، أي فإنهم إذا أوقفوا الشخص في مقابلة عين الشمس ونظروا في عينه عرفوا أن الضوء ذاهب أم موجود بخلاف السمع لا يراجعون فيه إذ لا طريق لهم إليه، أوْ يُمتَحَنُ بِتقرِيبِ عَقرَبٍ أو حَدِيدَةٍ، محمّاة، مِن عَينهِ بَغتةً؛ وَنُظِرَ هَل يَنْزَعِجُ؟ أي فإن انزعج؛ فالقول قول الجاني بيمينه، وإن لم ينزعج فالقول قول المجني عليه بيمينه، والأول: هو المنقول عن الأم، والثاني: وهو الامتحان بما سلف؛ قاله آخرون وعليه جرى الغزالي، وقال المتولي: الأمر إلى خيرة الحاكم وهو في الكتاب تبعًا لِلْمُحَرر، وَإن نَقَصَ فَكَالسمع، أي فإن عرف قدره فالقسط وإلا فحكومة، وإن نقص من عين فيمتحن ويجب القسط.
وَفِي الشَّمِّ دِيَةٌ عَلَى الصحِيحِ, لأنه من الحواس النافعة فأشبه غيره، والثاني: لا، بل حكومة دون الدية، لأنه ضعيف النفع، فإن منفعته إدراك الروائح، والأنتانُ أكثر من الطيبات فيكون التأذي أكثر من التلذذ.
فَرْعٌ: لو أذهب شم أحد المنخرين فنصف دية.
فَرْعٌ: لو نقص وجب بقسطه إن أمكنت معرفته وإلا فالحكومة.
стр. 1545
فَرْعٌ: لو أنكر الجاني زواله امتحن المجني عليه بتقريب ما له رائحة حادة من طيبة أو خبيثة، فإن هشَّ للطيبِ وعبس للمنتنِّ، صُدِّقَ الجاني بيمينه، وإن لم يظهر عليه أثر صدق المجني عليه.
فَرْعٌ: لوْ قطع أنفه فذهب شمه وجبت ديتان كما في السمع، لأن الشم لا يحل الأنف.
وَفي الكَلَامِ الدِّيةُ، أي فيما إذا جنى على لسانه فأبطل كلامه، لأنه سلب أعظم منافعه، فأشبه إذهاب البصر، وإنما تؤخذ الدية إذا قال أهل الخبرة: لا يعود نطقه، فإن أخذت فعاد استردت.
فَرْعٌ: لو ادعى ذهاب النطق امتحن، ويحلف كما قاله المتولي.
وَفِي بَعْضِ الحُرُوفِ قِسطُهُ، فإن الكلام يتركب منها، وسواء ما خف منها على اللسان وما ثقل، والمُوَزعُ عَليْهَا ثَمَانِيَة وَعُشْرون حَرفًا في لُغَةِ العَرَبِ، وزاد الماوردي عليها (لا) فيها، والرافعي وغيره أسقطها لدخولها في الألف واللام، وجماعة من النحاة عدّوا الهمزة حرفًا ولم يعدوا المركب من الألف واللام، واحترز بقوله (في لُغَةِ الْعَرَبِ) عن غيرها فإنها تزيد وتنقص، وَقِيلَ: لَا يُوَزَّعُ عَلَى الشَّفَهِيَّةِ، أي وهي الباء والفاء والميم والواو، وَالحَلقيةِ، أي وهي الهمزة والهاء والعين والغين والحاء والخاء، وإنما التوزيع على الحروف الخارجية من اللسان وهي ما عداها، فتكون ثمانية عشر على هذا، وقد يوجّه: بأن منفعة اللسان هي النطق بها، فيكون التوزيع عليها وتكمل الدية فيها، ومن نصر الأول قال: الحروف وإن كانت مختلفة المخارج إلا أن الاعتماد في جميعها على اللسان وبه يستقيم النطق، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ بَعضِهَا، أي عن بعض الحروف كالأرَتِّ والألثَغ الذي لا يتكلم إلا بعشرين حرفًا مثلًا، خِلْقَةً أَوْ بِآفَةِ سَمَاوِيةِ فدِيةٌ، أي وأذهب بعض كلامه فدية، لأن هذا الشخص ناطق، وله كلام مفهوم إلا أن في منطقه ضعفًا، وضعف منفعة العضو لا يقدح في كمال الدية كضعف البطش والبصر، وَقِيلَ: قِسْطٌ، أي من جميع الحروف، لأن
стр. 1546
النطق يتقرر بالحروف بخلاف البطش، أَوْ بِجِنَايَةِ، أي ولو عجز عن بعضها بجناية، فَالمَذهَبُ لَا تُكَمَّلُ دِيَة، لئلا يتضاعف الغرم في القدر الذي أبطله الجاني الأول؛ والخلاف المذكور مرتب على الخلاف في المسألة قبلها.
وَلَوْ قَطَعَ نِصْفَ لِسَانِهِ فَذَهَبَ رُبْعُ كَلَامِهِ أَوْ عَكَسَ فَنِصفُ ديَةٍ، لأن منفعة العضو إذا ضمنت بديته اعتبر فيه الأكثر من العضو والمنفعة كما لو قطع الخنصر فشلت اليد وجبت دية يدٍ، وإن لم تشل وجب خمسٌ من الإبل وهي خُمْسُ ديتها، وإن كان الذاهب دون خُمس المنفعة، كذلك فيما ذهب من اللسان والكلام.
وَفِي الصَّوْتِ دِيَةٌ، لأن السنّة مضت بذلك كما رواه البيهقي عن زيد بن أسلم (١٩١)، فَإن أَبْطَلَ مَعَهُ، أي مع الصوت، حَرَكَةَ لِسَانٍ، فَعَجَزَ عَنِ التقطِيع وَالتَّردِيدِ فَدِيَتَان، لأنهما منفعتان مختلفتان في كل واحدة منهما إذا أفردت بالتفويت كمال الدية، فإذا فوّتتا وجبت ديتان، وَقِيلَ: ديةٌ, لأن المقصود الكلام، لكنه يفوت بطريقين؛ بانقطاع الصوت؛ وعجز اللسان عن الحركة، وقد يجتمع الطريقان وقد يوجد أحدهما خاصة.
وَفِي الذَّوْقِ دِيَةٌ، لأنه أحد الحواس الخمس، فأشبه الشم، وصور الجمهور المسألة بأن يجني على لسانه فيفقد لذة الطعام والتمييز بين الصوم الخمسة الآتية، وفيه إشكال لابن الصباغ، لأن النصَّ على أن في اللسان الأخرس الحكومة مع أن الذوق يذهب بذهابه فدل على أن في الذوق الحكومة وهو حسن وهو ماشٍ على المشهور: أن محل الذوق في اللسان، أما إذا قلنا: إنه في طرف الحلق فلا إشكال، ويُدْرَكُ بِهِ، أي بالذوقِ، حَلَاوَةٌ؛ وَحُمُوضَة؛ وَمَرَارَة؛ وَمُلُوحَة؛ وَعُذُوبَة، وَتوَزعُ، يعني الدية، عَلَيهِن، أي فإذا أبطل إدراك واحد وجب خُمس الدية وهكذا، فإن نَقَصَ فَحُكُومَةٌ،
стр. 1547
أي فإن نقص الإحساس فلم يدرك الطعوم على كمالها فالواجب الحكومة.
فَرْعٌ: لو اختلفا في ذهاب الذوق جرب بالأشياء المرة والحامضة الحادة، فإن ظهر منه تعبس وكراهة صدقنا الجاني بيمينه وإلا فالمجني عليه.
وَتَجِبُ الدية في المضغِ، لأن المنفعة العظمى للأسنان المضغُ، والأسنان مضمونة بالدية؛ فكذا منافعها كالبصر مع العين؛ والبطش مع اليد.
وَقُوةِ إِمنَاءِ بِكسرِ صُلْبٍ، أي تجب فيه الدية أيضًا لفوات المقصود وهو النسل؛ ولو قطع أنثييه فذهب ماؤه لزمه ديتان، وَقوَّةِ حَبَلٍ، أي تجب فيه الدية فيما إذا أبطله من المرأة لانقطاع النسل أيضًا، وَذَهَابِ جِمَاعٍ، أي بأن جنى على صلبه، لأنه من المنافع المقصودة، وصوّر الإمام ذلك ببطلان الالتذاذ به والرغبة فيه واستبعد ذهاب الشهوة مع بقاء المني، قال: فإن أمكن وجب أي كما تجب الدية بإذهاب شهوة الطعام إن تُصوّر، وصوره الماوردي بذهاب المني وعدم انتشار الذكر لا لشلل فيه.
وَفِي إِفْضَائِهَا مِنَ الزَّوْج وَغَيْرِهِ دِيَةٌ، لأن فيه جمال ومنفعة مقصودة، وَهُوَ، يعني الإفضاء، رَفْعُ مَا بَينَ مَدْخَلِ ذَكَرٍ وَدُبرٍ، إذ فيه تفويت المنفعة بالكلية، وأصله الفضاء وهو البرية الواسعة، وَقِيلَ: ذَكَرٍ وَبَوْلٍ، لأن الأصحاب فرضوه بالذكر، وما بين القبل والدبر قوي لا يرفعه الذكر وإن كان الإفضاء بغيره كالإفضاء به، وهذا الوجه الذي ضعفه هنا؛ جزم به في أصل الروضة في باب مثبتات الخيار من كتاب النكاح تبعًا للرافعي، وصحح المتولي: أن كلا منهما إفضاء موجب للدية، لأن الاستمتاع يخل بكل منهما، فَإِن لَمْ يُمكِنِ الوطء إِلَّا بإفضاءِ فَلَيسَ لِلزوج، أي ولا يلزمها التمكين والحالة هذه.
وَمَنْ لَا يَستَحِق افتضَاضها، يعني البكر، فَأزَالَ البَكَارَةَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ، أي كالأصبع وخشبة، فَأرشهَا، أي أرش البكارة، والمراد الحكومة المأخوذة من تقدير الرق كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى، أوْ بِذَكَرِ لِشُبهَةٍ أو مُكرَهَةً فَمَهرُ مِثْلٍ ثيبًا وَأَرش البَكارَةِ، أي ولا يندرج أرشها في المهر، لأن المهر يجب لاستيفاء منفعة
стр. 1548
عضو البُضع، والأرش يجب لإزالة تلك الجلدة، وهما جهتان مختلفتان، وَقِيلَ: مَهْرُ بِكْرٍ، لأن القصد من هذا الفعل الاستمتاع، وإزالة تلك الجلدة تحصل في ضمن الاستمتاع، واحترز بـ (المُكْرَهَةِ) عن المطاوعة؛ فإنه لا أرش لها كما لا مهر، وَمُسْتَحِقْهُ، أي الافتضاض وهو الزوج، لَا شيءَ عَلَيْهِ، أي في إزالة البكارة بذكر أو غيره، وَقِيلَ: إِنْ أَزَالَ، البكارة, بِغَيْرِ ذَكرٍ؛ فَأَرْشٌ، لعدوله عن الطريق المستحق له، والأصح: لا، لأنه حقه.
فَرْعٌ: لو أزالت بِكر بكارَةَ أخرى اقتصَّتْ منها جزم به الرافعي، وفي الشامل: أن المجني عليها إن كانت حرة وجب لها حكومة ولم يتعرض للقصاص.
وَفِي الْبَطشِ دِيَةٌ وَكَذا المَشيُ، لأنهما من المنافع الخطيرة، وَنَقْصِهِمَا حُكُومَةٌ، لأجل ما فات، وَلَوْ كَسَرَ صُلْبَهُ فَذَهَبَ مَشيهُ وَجِمَاعُهُ أو وَمَنيهُ فدِيَتَانِ؛ لأن كل واحد منهما مضمون بالدية عند الانفراد، فكذا عند الاجتماع، وَقِيْلَ: ديَة، لأن الصلب محل المني، ومنه يبتدئ المشي، واتحاد المحل يقتضي اتحاد الدية.
فَرْعٌ: أَزَالَ أَطرَافًا، أي كاليد مثلًا، وَلَطَائِفَ، أي كالسمع مثلًا، تقتضِي دِيَاتٍ فَمَاتَ سِرَايَةَ فَدِيَةٌ، لأنها صارت نفسًا؛ وقد تجب في شخص سبعةٌ وعشرون دية وهو حي إذا كان رجلًا، وستة وعشرون إذا كان امرأة ويظهر ذلك بالتأمل، وَكَذَا لَوْ حَزَّهُ الجاني قَبْلَ انْدِمَالِهِ في الأصَح، لأنها وجبت قبل استقرار بدل الأطراف، فيدخل فيها بدل الأطراف كما لو سَرَتْ، والثاني: تجب ديات الأطراف مع دية النفس ولا تداخل كما لو حزّ بعد الاندمال، وكما لو كان الحازّ غيره، واحترز بقوله (قَبْلَ الاِندِمَالِ) عما بعده فإنه تجب دية الأطراف ودية النفس قطعًا؛ لاستقرار دية الأطراف بالاندمال، فَإنْ حَزَّ عمدًا وَالجنايَاتُ خَطأ أَوْ عَكْسُهُ فَلَا تَدَاخُلَ فِي الأصَحِّ، لاختلافهما واختلاف من تجب عليه، والثاني: نَعَمْ، وَلَوْ حَزَّ غَيْرُهُ تَعَدَّدَتْ، أي ولا تداخل، لأن فعل الإنسان لا ينبني على فعل غيره.
فَصْلٌ: تَجِبُ الحُكُومَةُ فِيمَا لَا مُقَدَّرَ فِيهِ، وَهِيَ جُزْءٌ نسبتهُ إِلَى دِيَةِ النفسِ،
стр. 1549
وَقِيلَ: إِلَى عُضْوِ الجِنَايَةِ نِسْبَةُ نَقْصِهَا مِنْ قِيمَتِهِ لَوْ كَان رَقِيْقًا بِصِفَاتِهِ، لما فرغ من الكلام على الدية شرع يتكلم في الحكومة؛ لتأخرها عنها، لأنها إنما تجب فيما لا مقدر فيه، وهي جزء من الدية نسبته إليها نسبة ما نقصته (•) الجناية من قيمة المجني عليه على تقدير تقويمه رقيقًا، فيُقَوَّم المجني عليه بصفاته التي هو عليها لو كان عبدًا، وينظر كم نقصت الجناية من قيمته، فإن قوم بعشرة دون الجناية وبتسعة بعدها فالتفاوت العشر فيجب عشر دية النفس، وما تقدم من نسبة ذلك الجزء إلى دية النفس هو ما صححه المصنف وغيره، والوجه الآخر الذي حكاه أنه ينسب إلى عضو الجناية لا إلى دية النفس، حكاه الرافعي عن حكاية صاحب المهذب، حتى لو نقص عشر القيمة بالجناية على اليد، فالواجب عُشر دية اليد، ولو نقص بالجناية على الرأس فالواجب عشر دية الموضحة، وعلى هذا القياس وهو ضعيف.
فَرعٌ: الحكومة الواجبة تكون من جنس الإبل.
فَإن كَانَت بِطَرَفٍ لَهُ مُقَدَّرٌ اشتُرِطَ أَن لَا تبلُغَ مُقَدَّرَهُ فَإن بَلَغتهُ نَقَصَ القَاضِي شَيْئًا بِاجْتهَادِهِ؛ لأن العضو مضمون بالأرش لو فات فلا يجوز أن تكون الجناية عليه مضمونة بما يضمن به العضو نفسه مع بقائه، قال الماوردي: وأقلّه ما يجوز أن يكون ثمنًا أو صداقًا، وقال الإمام: لا يكفي حظ أقل متمول.
فَائِدَةٌ: نظير اعتبار نقص الحكومة عن المقدر نقص التعزير عن الحد، والرضح عن السهم، والمتعة عن نصف المهر.
أَوْ، كانت لطرف، لَا تَقدِيْرَ فِيهِ كَفَخِذٍ، فَأن لَا تَبلُغَ دِيَةَ النَّفْسِ، أي بل يجوز أن تبلغ حكومتها دية عضو مقدر كاليد والرجل وأن تزاد عليه، ويقَوَّمُ، أي لمعرفة الحكومة، بَعْدَ انْدِمَالِهِ، أي لا قبله، فَإن لَمْ يَبقَ نَقصٌ اعتُبِرَ أَقرَبُ نَقْصٍ إِلَى الاِندِمَالِ، أي من الأحوال التي تؤثر في نقص القيمة، فإن لم يظهر نقص إلا في حالة سيلان الدم ترقبنا واعتبرنا القيمة والجراحة سائلة، فإن فرضت الجراحة خفيفة
стр. 1550
لا تؤثر في تلك الحالة أيضًا ففي الوسيط أنا نلحقها باللطم والضرب للضرورة، وفي التتمة أن الحاكم يوجب شيئًا بالاجتهاد، وَقِيلَ: يُقَدِّرُهُ قَاضي بِاجْتِهَادِهِ، أي بأن ينظر إلى خفة الجناية وفحشها في المنظر سعة أو عرضًا وقدر الآلام المتولدة، وَقِيلَ: لَا غُرْمَ، كما لو لطمه أو ضربه بمثقل فزال الألم ولم يبق نقص ولا جمال، نعم يعزر قال في المحرر، ومن نظائر المسألة قطع الإصبع الزائدة وقلع السن الثاغية أي الزائدة يعني فإن لم ينقص القيمة بذلك، وربما زادت لزوال الشين فهل يجب فيه شيء؟ فيه الوجهان في أصل المسألة، فإن أوجبناها وهو الأصح فقيل يجتهد الحاكم فيه، والأصح أنه يعتبر في قطع الإِصبع الزائدة أقرب أحوال النقص من الاندمال كما سبق، وفي السن يقوم وله سن زائدة نابتة فوق الأسنان ولا أصلية خلفها، ثم يقوَّم مقلوع تلك الزائدة، ويظهر التفاوت لأن الزائدة تسد الفرجة ويحصل بها نوع من جمال، ولم يصرح المصنف بهذه المسألة لدخولها فيما ذكره.
فَصْلٌ: وَالجُرْحُ المُقَدَّرُ كَمُوَضحَةٍ يَتبَعُهُ الشينُ حَوَالَيهِ، أي ولا يفرد بحكومة لأنه لو استوعب بالإيضاح جميع موضع الشين لم يكن فيه إلا أرش موضحة، وَمَا لَا يَتقدَّرُ، أي أرشه، يُفْرَدُ بِحُكُومَةٍ في الأصَح، أي ولا يتبعه شين.
فَصْلٌ: وَفِي نَفْسِ الرَّقِيْقِ قِيْمَتُهُ، أي بالغة ما بلغت؛ لأنه مال كسائر الأموال، وَفِي غَيْرِهَا، أي في غير نفسه، مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ إِن لَم يَتَقَدَّرْ في الحُرِّ، لأنا نشبه الحر في الحكومة بالعبد ليعرف التفاوت فيرجع به ففي المشبه به أولى، وَإلا، أي وإن لم يتقدر في الحر، كالموضحة وقطع الأطراف، فَنِسْبَتُهُ مِن قيْمَتِهِ، أي فيجب جزء من قيمته نسبته إلى القيمة كنسبة الواجب في الحر إلى الدية، وَفِي قَوْلٍ: مَا نَقَصَ، أي من قيمته لأنّه مملوك كالبهيمة، وقد سلفت المسألة في الغصب أيضًا. ثم شرع في فائدة الخلاف فقال: وَلَو قُطعَ ذَكَرُهُ وَأُنثَيَاهُ فَفِي الأَظْهَرِ قِيْمَتَانِ، كما يجب فيهما من الحر ديتان، وَالثانِي: مَا نَقَصَ؛ فَإن لَم يَنْقص، أي القيمة بقطع الذكر والأنثين، فَلَا شَيءَ.
стр. 1551
بَابُ مُوجِبَاتِ الدِّيةِ وَالْعَاقِلَةِ وَالْكَفَّارَةِ
تقدَّمَ الكلامُ على لفظ الدية في الباب قبله، وَالعَاقلَةُ: سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لأنَّهُمْ يَعقِلُونَ الإبِلَ بِفَنَاءِ دَارِ القَتِيْلِ، وَقِيْلَ: لأنَّهُمْ يَمنَعُونَ عَنْهُ، والعَقْلُ: المَنعُ، وَقِيلَ: لإعْطَائِهَا العَقلَ الذِي هُوَ الدِّيَةُ، والكَفارَةُ: مَأخُوذَة مِنَ الكُفْرِ: وَهُوَ السترُ كما تقدّم في بابها.
صَاحَ عَلَى صَبِيٍّ لَا يُمَيزُ، أي وكذا ضعيف التمييز كما قاله الإمام، عَلَى طَرَفِ سَطْحٍ، أي أو بئر أو نهر، فوَقَعَ بِذَلِكَ فَمَاتَ، فَدِيَة مُغَلظَة عَلَى العاقِلَةِ، لأنه يتأثر بالصيحة الشديدة كثيرًا؛ فأُحيل الهلاك عليها. ولم يتعرض الجمهور للارتعاد؛ وتعرض له الإمام؛ والغزالي والرافعي وكأنه ملازم لهذه الحالة، وَفِي قَولٍ: قِصَاصٌ، لأن التأثير بها غالب، وقياس القائل بهذا أن يوجب دية مغلظة على الجاني، وَلَوْ كان، الصبي المصيح عليه، بِأرضٍ، فمات، أو صَاحَ عَلَى بَالِغ بِطَرَفِ سَطْحٍ، فسقط ومات، فَلَا دِيَةَ في الأصَح، لندرة الموت بذلك والحالة هذه، والثاني: تجب؛ أما في الصبي؛ فكما لو سقط من سطح. وأما في البالغ؛ فلأنه مع الغفلة كالصبي، وَشَهْرُ سِلَاحٍ كَصِيَاحٍ، أي وكذا التهديد الشديد، وَمُرَاهِقٌ مُتَيَقظٌ كَبَالِغٍ، أي فلا دية فيه على الأصح كما مضى.
فَرْعٌ: المجنونُ؛ والمعتوهُ؛ والذي يعتريه الوسواسُ؛ والنائمُ؛ والمرأة الضعيفة؛ كالصبي الذي لا يُمَيِّزُ.
وَلَوْ صَاحَ عَلَى صَيدٍ فَاضطَرَبَ صَبِيُّ وَسقَطَ فَدِيَةٌ مُخَففَة عَلَى العاقَلَةِ، لأنه لا يتأثر بها غالبًا كما سلف، وَلَوْ طَلَبَ سُلْطَان مَن ذُكِرَتْ بِسُوءٍ فَأجهَضَتْ، أي ألقَتِ الجنينَ قبلَ تمامه، ضُمِنَ الجَنينُ، لأن عَلِيًا أشَارَ عَلَى عُمَرَ ﵄ بِذَلِكَ في هَذِهِ الحَالَةِ وَرَجَعُوا إِلَيهِ فَكَانَ إِجْمَاعًا (١٩٢)، وهذا بخلاف ما لو ماتت،
стр. 1552
فإنه لا ضمان على الأصح لندوره.
فَرْعٌ: لو هدد غير الإمام حاملا وأجهضت فزعًا، فَلْيَكُنْ كالإمامِ؛ لأن إِكْرَاهَهُ كَإِكرَاهِهِ.
وَلَوْ وَضَعَ صَبِيًّا في مَسبعَةٍ فَأكَلَهُ سَبُعٌ فَلَا ضَمَان، لأن الوضع ليس بإهلاك، ولم يوجد منه ما يلجئُ السبعَ إليه، بل الغالب أن السبعَ ينفر من الإنسان، وَقِيلَ: إِن لَم يُمكنهُ انْتِقَالٌ ضَمِنَ، لأنه إهلاك عرفًا، فأما إذا أمكنه الانتقال فلم يفعل فلا ضمان قطعًا، وخرج بالصبي البالغ، قال الرافعي: ويشبه أن يقال الحكم منوط بالقوة والضعف لا بالصغر والكبر. قُلْتُ: كلام صاحب المهذب يدل عليه.
وَلَو تبِعَ بِسَيْفٍ هَاربًا مِنْهُ فَرَمَى نَفْسَهُ بِمَاء أو نَارٍ أَوْ مِن سَطحٍ فَلَا ضَمَان، لأنه باشر إهلاك نفسهُ قصدًا، والمباشرة مُقدمَة على السبب، فصار كما لو حفر بئرًا فجاء آخر وردَّى نفسه فيها، فَلَوْ وَقَعَ، أي في المهلك المذكور ونحوه، جَاهِلا لِعَمىً أَوْ ظُلْمَةٍ ضَمِنَ، أي المُتبَع، لأنه لم يقصد إهلاك نفسهُ وقد ألجأهُ المُتبَعُ إلى الهرب المفضي إلى المهلك، وَكَذَا لَوِ انْخَسَفَ به سقف في هَرَبه في الأصَح، لأنه حَمَله على الهرب وألجأه إليه؛ وأنه أفضى إلى المعنى المهلك من غير شعور للمطلوب به؛ فأشبه ما لو وقع في بئر مغطاة، وهذا ما حكى عن نصه في الأم أيضًا، والثاني: لا ضمان، لأن المعنى المهلك لم يشعر به الطالب ولا المطلوب، فأشبه ما إذا عرض سبع فافترسه.
فَرْعٌ: لو ألقى نفسه على السقف من علو فانخسف لثقله، فهو كما لو ألقى نفسه في ماء أو نار.
стр. 1553
تَنْبِيْهٌ: ما ذكرناه من سقوط الضمان على المتبِع إذا ألقى المطلوب نفسه في ماء أو نار أو من سطح قصدًا، أردنا به العاقل البالغ، أما إذا كان المطلوب صبيًا أو مجنونًا فينبني على أن عَمْدَهما عمدٌ أم خطأٌ؟ إن قلنا: خطأ! ضَمِنَ؛ وإلا فلا.
وَلَوْ سُلِّمَ صَبِي إِلَى سباحٍ لِيُعَلمَهُ فغَرِقَ وَجَبَتْ دِيَتُهُ، لأنه غرق بإهماله؛ ويكون دية شبه العمد؛ كما لو ضرب المعلم الصبي للتأديب فهلك، واحترز بـ (الصبي) عن البالغ؛ فإنه إذا سلم نفسه لتعلم السباحة ففي الوسيط أنه إذا خاض معه اعتمادا على يده فأهمله احتمل أن يجب الضمان، والذي ذكره العراقيون والبغوي: أنه لا ضمان؛ لأنه مستقلُّ.
فَصْلٌ: وَيَضمَنُ بِحَفْرِ بِئْر عُدوَان، لتعديه بذلك، لَا في مِلْكهِ وَمَوَاتٍ، أي للتمليك أو للارتفاق لعدم التعدي، وعلى الموات حُمِلَ الحديث الصحيح [البِئْرُ جُبَارٌ] (١٩٣)، وَلَوْ حَفَرَ بِدِهلِيزِهِ بِئْرًا وَدَعَى رَجُلًا فَسَقَطَ فَالأظْهَرُ: ضَمَانُهُ، لأنه غَرَّهُ، والثاني: لا، لأنه غير مُلجِئٍ فهو المباشر لإهلاك نفسه باختياره، أو بِملْكِ غَيْرِهِ؛ أَوْ مُشْتَرَكٍ بِلَا إِذنِ فَمَضمُون، لتعديه، فإن كان بالإذن فهو كحفره في ملكه، أَوْ بِطَرِيْقٍ ضَيقٍ يَضُرُّ المَارةَ فَكَذَا، للتعدي أيضًا، أَوْ لَا يَضرُّ وَأَذِن الإِمَامُ فَلَا ضَمَان، وَإِلا، أي وإن لم يأذن، فَإن حَفَرَ لِمَصلَحَتِهِ فَالضمَان، لافتياته على الإمام، أَوْ لِمَصلَحَةٍ عَامة, أي كالحفر للاستقاء، فَلَا في الأَظْهَرِ، لما فيه من المصلحة العامة، وقد تعتبر مراجعة الإمام في مثله، والثاني: نَعَمْ، والجواز مشروط بسلامة العاقبة، وَمَسْجِدٌ كَطَرِيقِ، أي فيأتي في بيانه (•) ما سلف في الحفر في الطريق وقد عرفتَ تفصيلهُ.
стр. 1554
وَمَا تَوَلَّد مِن جَنَاحٍ، أي وهو الخارج من الخشب، إِلَى شارِع فَمَضمُون؛ أي وإن لم يكن مضرًّا لأنَّ الارتفاقَ بالشارع إنَّما يجوزُ بشرطِ سلامة العاقبة، ولم يفرقوا بين إذن الإمام وعدمه كما في الحفر، واحترز بـ (الشارع) عما إذا كان إلى سكة مُنْسَدَّةٍ؛ فإنَّه إن كان بغير إذن أهلها فمضمون، وإلا فلا.
وَيَحِلُّ إِخرَاجُ الميازيبِ إِلَى شارِع، لما فيه من الحاجة الظاهرة وليكن عاليًا كالجناح، والتالف بهَا مَضْمُون في الجَدِيدِ، كالجناح، والقديم: لا ضمان؛ لأنَّه ضروري كتصريف المياه؛ بخلافه فإنَّه لاتساع المنفعة. والجديد: منع كونه ضروريًّا؛ لأنَّه يمكنه أن يتخذ للسطح بئرًا في داره، فَإن كَان بَعْضُهُ في الجِدَارِ فسَقَطَ الخَارِجُ فَكُلُّ الضَّمَانِ، لأنَّه هلك بما هو مضمون عليه خاصة، وإن سقطَ كُلُّهُ فنصفه فِي الأصَحِّ، لأنَّه هلك بالداخل في ملكه وهو غير مضمون، وبالخارج وهو مضمون فَوُزِّعَ عليهما، والثاني: يجب بقسط الخارج، ويكون التقسيط بالوزن أو بالمساحة فيه تردد، وحكى الماوردي قولًا آخر: أنَّه يضمن جميع الدية، لأنَّ الداخل جذبه الخارج، فإذا سُئِلْتَ عن ضمان كل الدية بالقتل ببعض خشبة، وضمان البعض بالقتل بكلها، فَقُلْ هذه الصورة.
وإن بَنَى جِدَارَهُ مَائِلًا إِلَى شارع فَكَجناح؛ أي فيضمن ما يتولد من سقوطه، وإن بناه مائلًا إلى ملكه، أو مال إليه بعد البناء في ضمان، وكذا إذ بناه مستويًا فسقط من غير تَمَيِّلٍ، ولا استهدام، وتولَّد منه هلاك، أو مُستَوِيًا فمَالَ وسَقطَ، إلى الشارع، فَلَا ضَمَان، لأنَّه ينافي ملكه، والميل لم يحصل بفعله، فأشبهَ ما إذا سقط بلا ميل، وقِيلَ: إِن أمكنَ هَدْمُهُ وَإِصْلَاحُهُ ضَمِنَ، لتقصيره بترك النقص والإصلاح؛ ورجحه الروياني، وَلَوْ سَقَطَ بِالطَّرِيقِ فَعَثَرَ به شخصٌ أَوْ تلِفَ، بِهِ، مَالٌ فَلَا ضَمَان في الأصحِّ، لأن الهلاك حصل بغير فعله، والثاني: نعم، لتقصيره.
فَرعٌ: لا فرق بين أن يطالبه الوالي أو غيره بالنقص، وبين أن لا يطالب.
وَلَوْ طَرَحَ قُمَامَاتٍ؛ أي بضم القاف وهي الكناسة، وَقُشُورَ بَطِّيخ بطريقٍ
стр. 1555
فَمَضْمُون عَلَى الصَّحِيْح؛ لأنَّ الارتفاق بالطريق مشروط بسلامة العاقبة كما قدمناه. والثاني: لا، لإطراد العادة بالمسامحة به مع الحاجة، والثالث: إن ألقاهُما في مَتْنِ الطَّريق ضمن، وإلا فلا. واحترز (بِالطَّرِيقِ) عما إذا ألقاها في ملكه أو مواتٍ فزلق بها إنسان فهلك أو تلف بها مال فإنَّه لا ضمان.
فَصْلٌ: ولَوْ تَعَاقَبَ سَبَبَا هَلَاكٍ؛ فعَلَى الأوَّل؛ لأنَّه المهلك؛ إما بنفسه وإما بواسطة الثَّاني فأشبه الترديةُ مع الحفر ثم مَثلَ ذلك بقوله: بِأن حَفَرَ وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا عُدوَانًا فعُثِرَ بِهِ وَوَقَعَ العاثِرُ بِهَا، فَعَلَى الوَاضع، لأنَّ العاثر بها، هو الذي ألجأهُ إلى الوقوع؛ فكانه أخذه فَرَدَّاهُ، فَعَلَى الوَاضع الضَّمَان، فإن لَم يَتَعَدَّ الوَاضِعُ، أي بأن وضع حجرًا في ملكه، وحفر متعد هناك بئرًا فعثر به رجل ووقع فيها، فَالمَنْقُولُ تضمِيْنُ الْحافِر، لأنَّه المتعدي بخلاف الواضع، قال الرافعي: وينبغي أن يقال: لا يجب الضمان على الحافر، ثم استشهد له بما لو حفر بئرًا عدوانًا، وَوَضَعَ السَّيل أو السَّبعَ أو أجَّرَ حَرْبِيٌّ حجرًا فعثر به إنسان وسقط في البئر فهو هدر على الصَّحيح، وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا وَآخَرَانِ حَجَرًا فَعُثِرَ بِهِمَا فَالضَّمان أثلَاث، أي وإن تفاوت فعلهم، كما لو مات بجراحة ثلاثة واختلفت الجراحات، وَقِيلَ: نِصْفَانِ، نظرًا إلى أن الهلاك حصل بالحجرين، وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا فعَثَرَ بِهِ رَجُل فَدَحْرَجَهُ فَعَثَرَ بِهِ آخَرُ ضَمِنَهُ المُدَحرِجُ، لأنَّ الحجر إنَّما حصل هناك بفعله، وَلَوْ عَثَرَ بِقَاعِدٍ أَوْ نَائم أوْ وَاقِفِ بِالطرِيْقِ وَمَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا فلَا ضَمَان إنِ اتسَعَ الطَّرِيقُ، لأنَّه غير متعدٍّ، والعاثر كان يمكنه التحرز، وإلَّا، أي وإن ضاق الطَّريق فعثر به الماشي ومات، فَالمَذْهَبُ: إِهْدَارُ قَاعِدٍ وَنَائِمٍ؛ لأن الطَّريق للطروق وهما بالنوم والقعود مقصران، لَا عَاثر بِهِمَا، أي بل على عاقلتهما دية، وَضَمَان وَاقِفٍ، لأنَّ الشخص قد يحتاج إلى الوقوف لكلال أو انتظار رفيق أو سماع كلام فالوقوف من مرافق الطَّريق كالمشي، لَا عَاثِر بِهِ، لأنَّه لا حركة منه، فالهلاك حصل بحركة الماشي، والطريق الثَّاني: وجوب دية كل واحد منهما على عاقلة الآخر مطلقًا، هذا كله إذا لم يوجد من الواقف فعل، فإن وجد؛ بأن انحرف إلى الماشي لما قرب منه فأصابه في انحرافه
стр. 1556
وماتا فهما كماشيين اصطدما وسيأتي.
فصل: اصْطَدَمَا بِلَا قَصْدٍ، فَعَلَى عَاقِلَةٍ كُلِّ نِصْفُ دِيَةٍ مُخَفَّفَةِ، لأنَّ كُلِّ واحدٍ هَلَكَ بفعلهِ وفِعْلِ صاحبهِ، فيهدرُ النصفُ؛ ويجب النصفَ كما لو جرحه آخر مع جراحةِ نفسه، وَإِن قَصَدَا، أي الاصطدام، فَنِصْفُهَا مُغَلَّظَة، أي ويكون شبه عمد، لأنَّ الغالبَ أنَّ الاصطدامَ لا يُفضي إلى الموت، فلا يتحقق فيه العمد المحض، وكذلك لا يتعلق بالقصاص إذا مات أحدُهما دون الآخر، أَوْ أحَدُهُمَا، أي قَصَدَ أحدُهما الاصطدام دون الآخر، فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ، أي فيجب على قاصد الاصطدام نصفُ ديةٍ مغلظة، وعلى الذي لم يقصد نصفَ دية مخففة، وَالصَّحِيحُ: أنَّ عَلَى كُل كَفَّارتين، كفارة لقتل نفسه، وأخرى لقتل صاحبه، والخلاف مبنيّ على أن الكَفارَةَ هَلْ تَتَجزَّءُ؟ وأنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ هل عليه كفارة؟ وَإن مَاتَا مَعَ مَركُوبَيهِمَا فكَذَلِكَ، أي كما ذكرنا من حكم الدية والكفارة، وَفِي تَرِكَه كُل نِصفُ قِيمَةِ دَابَّةِ الآخَرِ، لاشتراكهما في إتلاف الدابتين، وَصَبيَّانِ أَوْ مَجْنونَانِ ككَامِلَينِ، أي فيما إذا كانا ماشيين أو راكبين كما قررناه، وَقِيلَ: إِن أرْكَبَهُمَا الوَليُّ تَعَلقَ بِهِ الضَّمان، لأنَّ في الاركاب خطرًا، والأصح الأول كما لو ركبا بأنفسهما إذ لا تقصير، قال الإمام: ولو أركبهما إلى حاجة مهمة فلا ضمان قطعًا، وَلَوْ أَركَبَهُمَا أَجنَبِي ضَمِنَهُمَا وَدَابَّتيهِمَا، لتعديه بأركابهما، أَوْ حَامِلَانِ، أي وإن اصطدم حاملان، وَأَسقَطتا فالدِّية كما سبَقَ، أي فيجب نصفها ويهدر نصفها؛ لأنَّ الهلاك منسوب إلى فعلهما، وَعَلَى كُلٍّ أَربعُ كَفَّارَاتِ عَلَى الصَّحيح، كفارة لنفسها؛ وكفارة لجنينها، وثالثةٌ لصاحبتها، ورابعة لجنينها؛ لأنهما اشتركا في إهلاك أربعة أشخاص، هذا إذا أوجبنا الكفارة على قاتل نفسه، وقلنا: الكفارة لا تتجزأ، فإن لم نوجبها على قاتل نفسه؛ وجب ثلاث كفارات، وإن قلنا بالتجزئة، وجب ثلاثة أنصاف كفارة، وهذا هو الوجه الثَّاني المقابل لكلام المصنف.
وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ نِصفُ غُرَّتَي جَنِينَيهِمَا، أي نصف غرة لجنينها، ونصف غرة لجنين الأخرى، لأنَّ المرأة إذا جَنَت على نفسها فألقت جنينها وجبت الغرة على
стр. 1557
عاقلتها كما لو جنت على حامل أخرى؛ فإذن لا يهدر من الغرة شيءٌ. وأمَّا الدية فيجب نصفها، ويهدر نصفها كما ذكره قبل، أو عبدان فَهَدَرٌ، أي وإن اصطدم عبدان وماتا فهدر، لأنَّ ضمان جناية العبد تتعلق برقبته سواء أتفقت قيمتهما أو اختلفت، فإن مات أحدُهما وجبَ نصفُ قيمته متعلقًا برقبة الحي.
فَرعٌ: لو اصطدم عبدٌ وحرٌ وماتا، فنصف قيمة العبد في تركة الحر، ويتعلق بذلك النصف نصف دية الحُرِّ، لأنَّ محل تعلقه بالرقبة فإذا فاتت تعلق ببدلها.
أو سَفِينَتَانِ فَكَدَابَّتَينِ، أي وإن اصطدم سفينتان وغرقتا بما فيهما فهما كالدابتين، فإما أن يحصل الاصطدام بفعلهما وإما لا، والملَّاحان كرَاكِبينِ، أي يموتان بالاصطدام، وقد سلف كل ذلك، إِن كَانَتَا لَهُما، فَإن كَان فِيهِمَا مال أجنَبِيّ؛ لزِمَ كلًّا نِصفُ ضَمَانِهِ، وَإِن كَانَتَا لأجنبيّ، لَزمَ كُلَّا نصف قيمتهما، توزيعًا عليهما.
فَائِدَة: سُئل القفال؛ عن رجل ذهب ليقوم، فأخذ غيره بثوبه ليقعد، فتمزق؛ فأجاب: أنَّه لم يَجُرَّه فلا ضمان، وإن جرَّهُ فالنصف عليه والباقي هدر، لأنَّه كان بفعلين.
فَصْلٌ: وَلَوْ أَشرَفَتْ سفِيْنَةٌ على غرقٍ جَازَ طَرحُ مَتَاعِهَا، حفظًا للروح، وَيجِبُ لِرَجَاءِ نَجَاة الرَّاكِبِ، أي إذا خيف الهلاك إبقاءً للنفس، فَإن طَرَحَ مَالَ غيْرِهِ بِلَا إِذْن ضَمِنَهُ، لأنَّه أتلف مال غيره بلا إذن، فأشبه ما لو أكل المضطر طعام الغير، وإلا فَلَا، لوجود الإذن، واحترز بـ (مال الغير) عن ماله وهو واضح، وَلَو قالَ: أَلْقِ مَتَاعَكَ وَعَليَّ ضَمَانُهُ، أَوْ عَلَى أَنّي ضَامِن ضمِنَ، لأنَّه استدعى لإتلاف مال الغير لغرض صحيح فلزمه، كما لو استدعى عتق عبده على ألف؛ وليس هذا على حقيقة الضمان وإن سمي ضمانًا؛ ولكنه بدل مالٍ للتخليص عن الهلاك، فهو كما لو قال: أطلق هذا الأسير ولك علي كذا، فظاهر المذهب كما قال الماوردي: أنَّه يملك المستدعي المُسْتَلقَي قبل الإلقاء، وقيل: يجري عليه حكم الملك، وَلَو اقتصَرَ عَلَى ألقِ، أي لم يقل وعليَّ ضمانه أو على أني ضامن، فَلَا عَلَى المَذْهَب، أي بخلاف
стр. 1558
قوله: اقضِ دَيني، فقضاه، فإنَّه يرجع على الأصح، لأنَّه بالقضاء يبرأ قطعًا، والإلقاء قد لا ينفعه، وهذا ما قطع به الأكثرون، والطريق الثَّاني: أنَّه على الخلاف فيما إذا قال: أدِّ دَيني، فأدَّاهُ! هل يرجع عليه؟
فَرعٌ: تعتبر قيمة الملقى قبل هيجان الأمواج؛ فإنَّه لا قيمة للمال في تلك الحال؛ قاله البغوي.
وَإنَّمَا يَضمَنُ مُلْتَمِسٌ لِخَوفِ غَرَقٍ، أي ففي غير الخوف لا ضمان، كما لو قال: اهْدِمْ دَارَكَ، ففعَلَ، وَلَم يَخْتَصَّ نَفعُ الإلْقاءِ بِالمُلقِي، يعني الملقي متاعَ نَفْسِهِ، فَإِنِ اختصَّ! فلا ضمان.
فَصْلٌ: وَلَوْ عَادَ حَجَرُ مَنْجَنِيقِ فَقتلَ أَحَدَ رُمَاتِهِ هُدِرَ قِسْطُهُ وَعَلَى عَاقِلَةِ البَاقِيْنَ البَاقِي، لأنّه مات بفعله وفعلهم فسقط ما قابل فعله وهو غير مضمون عليه، أَوْ غَيْرَهُمْ، أي أو قتل غير رماته، ولَم يَقْصدُوهُ فَخَطأٌ، أي يوجب الدية المخففة على العاقلة، أو قَصَدُوهُ فَعَمدٌ في الأصحِّ إِن غَلَبت الإصَابَةُ، لانطباقه على حد العمد، والثاني: شبه عمد، لأنَّه لا يتحقق قصدٌ معين بالمنجنيق.
فَرْعٌ: لو قصدوا مُبهمًا، فشبه عمد؛ وإلّا فخطأ.
فَائِدَة: المِنْجَنِيقُ بفتح الميم وكسرها يُذَكَّرُ ويؤنَّثُ، وحكَى مَنْجنُوقٌ بالواو ومَنْجَلِيقٌ باللام.
فَصل: دِيَةُ الْخَطَأ وَشِبهِ العَمدِ تَلْزَمُ الْعاقِلَةَ، بالإجماع كما ادعاه الإمامُ، وقيل: إن شبه العمد لا يلزمها وليس بشيء، وخرج بالخطأ وشبه العمدِ العمدُ، وقد مضت السُنَّةُ بذلك كما قال الزُّهريّ، وَهُمْ عَصَبَتُهُ، أي قرابة وولاءً؛ قال الشَّافعي: لا مخالف أعرفه إن العاقلة العصبة وهم القرابة من قبل الأب، ووجهه في عصبات الولاءِ قوله ﷺ : [الْوَلَاءُ لُحمَة كَلُحمَةِ النَّسَبِ] (١٩٤) قال المصنف في نكته على
стр. 1559
التنبيه: والمولاة المعتقة من العصبات، ولا تعقل؛ قال: فينبغي أن يقال وهم عصبته الذكور، إِلَّا الأصْلَ، أي كالأب والجد، وَالفَرعَ، أي كالابن وابن الابن لأنهم أبعاضه، فكما لا يتحمل الجاني لا تتحمل أبعاضه وقد بَرأ ﷺ زَوجَ القَاتِلَةِ وَوَلَدَهَا كما رواه أبو داود وابن ماجه (١٩٥)، وَقِيلَ: يَعقلُ ابْن هُوَ ابنُ ابن عَمِّهَا، كما يلي أمر نكاحها، والأصح: المنع، لأنَّ البعضية موجودة، ويخالف النكاح؛ لأنَّ المنع كان لعدم الولاية وقد وجدت، ويقَدَّمُ الأقْرَبُ، لأنَّه حق ثبت بالتعصيب فأشبه الإرث، فَإن بَقِيَ شَيْءٌ فَمَنْ يَلِيهِ وَمُدلٍ بِأبَوَينِ، كالإرث، وَالقَدِيمُ: التسوِيَةُ، لأنَّ أخوة الأم لا مدخل لهما في العقل، ولم يبق إلَّا إخوة الأب وهم فيها سواء، ثُمَّ مُعْتِق؛ ثم عَصبَتُهُ؛ ثُمَّ مُعْتِقُهُ؛ ثُمَّ عَصَبَتُهُ، أي إلّا الأصل والفرع، فإن الأصح عدم دخولهما، وَإلا، أي وإن لم يوجد من له نعمة الولاء على الجاني ولا أحد من عصباته، فَمُعتِقُ أَبِي الجَانِي؛ ثُمَّ عَصَبَتُهُ؛ ثُمَّ مُعْتِقُ مُعْتِقِ الأبِ وَعَصَبَتُهُ، وَكَذَا أَبَدا، أي فإن لم يوجد من له نعمة الولاء على الأب تحمل معتق الجد ثم عصباته كذلك إلى حيث ينتهي، وَعَتِيْقُهَا يَعْقِلُهُ عَاقِلَتُهَا، أي إذا أعتقت المرأة مملوكًا، لم تتحمل دية جنايته؛ لأنَّ الذكورةَ شرط في التحمل كما سيأتي، وإنَّما يتحمله من يتحمل دية جنايتها،
стр. 1560
كما يزوج عتيقتها من يزوجها، وَمُعْتِقُون كَمُعتِق، أي في تحمل الدية عن العتيق، فإن الولاء يثبت لجميعهم لا لكل منهم فيتحمل كل واحد ما يخصه من نصف دينار وإن كانوا أغنياء وإلّا فربعه، وَكُل شَخْصِ مِن عَصَبَةِ كُل معتق يَحْمِل مَا كَان يَحمِلُهُ ذَلِكَ الْمعتِقُ، أي فإذا كان المعتق واحدًا ومات عن أخوة مثلًا؛ ضرب على كل واحد حصته تامة من نصف دينار أو ربعه، ولا يقال: يوزع عليهم ما كان الميت يحمله، لأنَّ الولاء لا يتوزع عليهم توزعه على الشركاء ولا يرثون الولاء من الميت، بل يرثون به. ولو مات واحد من الشركاء المعتقين أو جميعهم؛ حمل كل واحد من عصباته مثل ما كان يحمله الميت؛ وهي حصته من نصف أو ربع، لأنَّ غايته نزوله منزلة ذلك الشريك المعتق، وَلَا يَعقِلُ عتيقٌ فِي الأَظْهَرِ، إذ لا إرث، والثاني: يعقل، لأنَّ العقل للنصرة، والعتيق أولى بنصرة معتقه، وخالف الإرث، فإنَّه في مقابله أنعام المعتق، فَإن فُقِدَ العاقِلُ أوْ لَم يف، عَقَلَ بَيتُ المَالِ عَنِ المسلِمِ، لأنَّه للمسلمين وهم يرثونه، كالعصبات؛ بخلاف الذّمِّيِّ، فإن ماله ينقل إليهم فيئًا لا إرثًا، فَإن فُقِدَ، أي بيت المال، فَكلهُ عَلَى الجَانِي في الأَظْهَرِ، بناء على أنها تلزم الجاني ابتداء ثم تتحملها العاقلة، والثاني: لا، بناء على أنها تجب عليهم ابتداء، وقوله (الأَظْهَرِ) خالف في الروضة تبعًا للرافعي فَعبَّرَ بالأصح.
فَصْلٌ: وَتُؤَجل عَلَى العاقِلَةِ دِيَةُ نَفْس كَامِلَة، أي وهي دية الرجلِ المسلمِ الحُرِّ، ثلاثَ سِنِيْنَ في كُلِّ سَنَة ثُلُثٌ، أما كونها مؤجلة، فلأن العاقلة تحملها على وجه المواساة، فوجب أن يكون وجوبها مؤجلًا قياسًا على الزكاة، وأمَّا كون الأجل ثلاث سنين فهو إجماع كما حكاه الشَّافعي والترمذي (١٩٦)، واختلف الأصحاب في
стр. 1561
المعنى الذي لأجله كانت في ثلاث سنين، فقيل: لأنها بدل نفس محترمة، وقيل: لأنها دية كاملة وهو الأصح، وتظهر فائدةُ الخلاف في صور ستأتي على الأثر، وَذِمِّي سَنَةً، لأنها قدر الثُّلث، وَقِيلَ: ثَلَاثًا، لأنها بدل نفس، وَامرَأَةٍ سَنَتَين في الأولَى ثُلُث، أي والباقي في السنة الثَّانية، وَقِيلَ: ثلاثًا، لأنها بدل نفس، وَتحمِلُ العَاقِلَةُ العَبدَ في الأَظْهَرِ، لأنَّه بدل آدمي فأشبه بدل الحر، والثاني: لا، بل هي حالّة على الجاني، لأنَّه مضمون بالقيمة فكان بدله كبدل البهيمة، ففِي كُلِّ سنةِ قَدْرُ ثلُثِ دِيَة، نظرًا إلى القدر فتضرب في ست سنين، وقيلَ: في ثَلَاثٍ، لكونها بدل نفس، ومحل الخلاف ما إذا كانت قيمة العبد قدر ديتين، أما إذا كانت قدر دية حر ضربت في ثلاث سنين قطعًا، وَلَوْ قَتَلَ رَجُلَينِ فَفِي ثلَاثِ، لأنَّ الواحب ديتان مختلفتان، والمستحق مختلف فلا يؤخر حق بعضهم باستحقاق غيره، وهذا كالديون المختلفة إذا اتفق انقضاء آجالها، وَقِيل: سِت، لأنَّ بدل النَّفس الواحدة تضرب في ثلاث سنين فتزاد الأخرى مثلها.
стр. 1562
فَرْعٌ: لو قتل ثلاثة واحدًا فعلى عاقلة كل واحد ثلث دية مؤجلة عليه في ثلاث سنين؛ وقيل: في سَنَةٍ.
وَالأطْرَافُ، أي وكذا أرش الجرح والحكومة كما صرح به في المُحَرر، في كُلِّ سَنَةٍ قَدْرُ ثلُثِ دِيَةٍ، كدية النفس، وَقِيلَ: كُلها في سنةٍ، أي قَلت أم كثرت، بناءً على أن المرعي في التأجيل ثلاث سنين، كون الواجب بدل النَّفس قاله الرافعي، وَأجَلُ النفْسِ مِنَ الزهُوقِ، أي ابتداء المدة منه، لأنَّه حق مؤجل وجبَ بسبب فكان ابتداؤه من حين وجود السبب كالثمن المؤجل، وَغَيرِهَا مِنَ الجنايَةِ، أي وأجل ما دون النَّفس من وقت الجناية، وظاهر كلامه؛ أنَّه لا فرقَ بين وجود السراية وعدمها، وهو ما صححه في الروضة تبعًا للرافعي فيما إذا لم يَسْرِ؛ واندملت، لأنَّ الوجوب متعلق به. وحكى فيما إذا سرت من عضو إلى عضوٍ، بأن قطع إصبعه؛ فَسَرَتْ إلى كفه ثلاثة أوجه؛ أحدها: ابتداء المدة من سقوط الكف؛ وهو ما أورده البغوي، وثانيها: ابتداؤها من الاندمال، وهو ما أوردهُ الشَّيخ أبو حامد وأصحابه، وثالثها: ابتداء أرش الإِصبع من يوم القطع وأرش الكف من يوم سقوطها، وهو ما اختاره القفال والرويانى والإمام والغزالي، وَمَنْ مَاتَ في بَعْضِ سَنَة سقطَ، أي الذي عليه، ولا يؤخذ من تركته؛ كالزكاة. بخلاف ما إذا مات الذمي في أثناء الحول؛ فإنَّه هل يسقط قسط ما مضى؟ فيه خلاف؛ والفرق أن الجزية كأجرة دار الإِسلام.
فَصْلٌ: وَلَا يَعقِلُ فَقِيْرٌ، أي ولو كان مُعْتملًا، لأنها مواساة، والفقير ليس من أهلها؛ كنفقة القريب؛ وخالف الجزية فإنَّها تلزمه على الأصح، لأنها عوضُ حَقْنِ الدم وسكنى الدار؛ وزكاة الفطر؛ فإنَّها طهرة وليس مواساة، قال ابن الرفعة: ومن هذا يظهر لك أن المراد بالفقير هنا من لا يملك ما يفضل عن كفايته على الدوام؛ لا من لا يملك شيئًا أصلًا، وَرَقِيق، أما غير المكاتب؛ فلأنه لا ملك له، وأمَّا المكاتب؛ فلأنه ليس من أهل المواساة، وصَبِي وَمَجْنُون، لأنَّ مبناهُ على النُّصرةِ؛ ولا نصرة فيهما؛ لا بالعقل؛ ولا بالرأي، بخلاف الزمنِ والشيخ الهرِمِ والمريضِ والبالغ حد الزمانة والأعمى، فإنهم يتحملون على الصَّحيح؛ لأنهم ينصرون بالقول والرأي، وَمُسلِمٌ عَنْ
стр. 1563
كافِرِ وَعَكْسُهُ، لأنَّه لا موالاة بينهما فلا توارث ولا مناصرة، وَيعقِلُ يَهُودِي عَن نَصْرَانِي وَعَكسُهُ في الأظْهَرِ، كالإرث، والثاني: لا، لانقطاع الموالاة بينهما.
فَرْع: المرأةُ لا تتحمَّلُ العاقلةَ بالاتفاق لنقصان رأيِها، وكذا الخنثى لاحتمال الأنوثة.
وَعَلَى الغَنِي نِصفُ دِيْنَارِ، لأنَّه أقل ما يواسى به الغني في زكاته فالزيادة عليه إجحاف ولا ضابط لها، وَالمُتَوَسط رُبُع، كما أن نفقة المعسر نصف نفقة الموسر، كُل سَنَةٍ مِنَ الثلَاثِ، لأنها مواساة تتعلق بالحول فتكررت بتكرره، كالزكاة. فجميع ما يلزم الغني في السنين الثلاث دينار ونصف، والمتوسط نصف وربع دينار، وَقِيلَ: هُوَ، يعني المذكور، وَاجِبُ الثْلَاثِ، لأنَّ الأصل عدم الضرب، فلا يخالفه إلَّا في هذا القدر، قال الماوردي: فعلى هذا على المكثر كل سَنَةٍ سُدس دينار، وعلى المقل نصف سدسه، ويعتَبَرَانِ، أي اليسار والتوسط، آخِرَ الحولِ، لأنَّه حق ماليّ يتعلق بالحول مواساة؛ فأشبه الزكاة، فإن كان معسرًا في آخر الحول لم يلزمه شيء من الواجب ذلك الحول، وإن كان موسرًا من قبل أو أيسر بعده لخروجه عن أهلية المواساة وهذا معنى قوله، وَمَن أَعْسَرَ فِيهِ سقَطَ، ولو كان موسرًا آخر الحول لزمه، ولو أعسر بعده فهو دين عليه.
فَائِدَتَانِ: الأُوْلَى؛ قال البغوي: ضابط اليسار والتوسط يرجع فيه إلى العادة فإنَّه يختلف بالبلدان والأزمان، ورأَى الإمام أن الأقرب اعتباره بالزكاة كما اعتبر القدر بها. الثانِيَةُ: قال الرافعي: يشبه أن يكون المرعي في وجوب النصف والربع قدرهما، لا أنَّه يلزم العاقلة بدل الدنانير بأعيانها، لأنَّ الإبل هي الواجبة في الدية، وما يؤخذ يصرف إلى الإبل. وللمستحق أن لا يقبل غيرها؛ يوضحه أن المتولي قال: عليه نصف دينار أو ستة دراهم.
فَصل: مَالُ جِنَايَةِ العَبْدِ، أي بأن كانت خطأ أو عمدًا وعفى على مالٍ، يَتَعَلْقُ بِرَقَبتهِ، لأنَّه لا يمكن إلزام جنايته السيد، لأنَّه لم يَجْنِ، ففيه إضرار به، ولا أن تكون
стр. 1564
في ذمة العبد إلى العتق، لأنه إضرار بولي القتيل، فجعل التعلق بالرقبة طريقًا وسطًا، وَلسَيِّدِهِ بَيْعُهُ لَها وَفِدَاؤُهُ، كالمرهون، بِالأقَل مِنْ قِيْمَتِهِ وَأرشها، أي إذا أراد السيد فداءه فداه بذلك، لأنه إن كانت قيمته أقل؟ فليس عليه إلا تسليمه، فإذا لم يسلمه؟ طولب بقيمته، وإن كان الأرش أقل؟ فليس للمجني عليه إلا ذلك، وَفِي القَدِيمِ: بأرشها، بالغًا ما بلغ، لأنه لو سَلَّمَه! ربما بيع بأكثر من قيمته.
فرع: تعتبر القيمة يوم الجناية، وقيل: يوم الفداء.
وَلَا يَتَعلَّقُ، يعني الأرش، بِذِمتِهِ مَعَ رَقبتِهِ فِي الأَظْهرِ، لأنه لو تعلق بالذمة لما تعلق بالرقبة كديون المعاملات التي تثبت في ذمته، والثاني: نعم، كالمال فتكون الرقبة مرهونة، ومحل الخلاف كما قال الإمام: إذا اعترف السيد بالجناية وإلا فينقطع: أن الأرش يتعلق بذمة العبد، وَلَوْ فَدَاهُ ثم جَنَى سلمَهُ لِلبَيع أوْ فَدَاهُ، لما قلناه فيما إذا جنى أول مرة، وَلَو جَنَى ثَانِيًا قَبْلَ الفِدَاء بَاعَهُ فيهِمَا، أي في الجنايتين وَوَزَّعَ الثمن على أرش الجنايتين، أَوْ فَدَاهُ بِالأقَل مِنْ قِيْمَتِهِ وَالأرشَيْنِ، أي على الجديد لما سلف، وَفِي القَدِيمِ: بِالأرشَينِ، لما سلف أيضًا، وَلَوْ أعتَقَهُ أو بَاعَهُ وَصححنَاهُمَا أو قَتَلَهُ فَدَاهُ بِالأقَل، أي وجوبًا وفي قدره طريقان أحدهما طرد القولين المذكورين، وأصحهما القطع بأقل الأمرين لتعذر البيع وبطلان زيادة راغب. وهذا معنى قوله (بِالأقَل)، وَقِيلَ: القَولَانِ، وَلَوْ هَرَبَ، أي العبدُ الجاني، أَو مَاتَ بَرِئ سَيِّدُهُ، إِلَّا إِذَا طلِبَ فَمَنَعَهُ، لتعديه ويصير بذلك مختارًا للفداء، وَلَوْ اخْتَارَ الفِدَاءَ فَالأصَح: أَن لَهُ الرجُوعَ وَتسلِيْمَهُ، لأنه وعدٌ، واليأس لم يحصل من بيعه، والثاني: يلزمه الفداء بذلك، ولا يقبل رجوعه لالتزامه، وأجرى الإمامُ الخلافَ فيما إذا قال: أنا أفديه، وهو أبعد لاحتماله الوعد، وموضع الخلاف ما إذا كان العبد حيًا، فإن مات؟ فلا رجوع له بحال، وَيَفْدِي أمَّ ولَدِهِ بِالأقَلِّ، أي من قيمتها، والأرش لأنها غير قابلة للبيع، والأصح: اعتبار قيمة يوم الجناية، وقيل: يوم الاستيلاد. وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ، أي السابقان في القِن، لكن الفرق لائح، وهو أن القِنَّ قابل للبيع، وقد يوجد راغب
стр. 1565
بالزيادة؛ والمستولدة غير قابلة للبيع، وَجِنَايَاتها كَوَاحِدة فِي الأَظْهرِ، لأن استيلاده إتلاف، ولم يوجد إلا مرة واحدة، فلم يلزمه إلا فدية واحدة، كما لو جنى العبد جنايات ثم قتله سيده، والثاني: يلزمه لكل جناية فداء، لأنه منع من بيعها عند الجناية الثانية كما في الأولى، والثالث: إن فدى الأولى قَبْلَ جنايتها الثانية، لزمه فداء آخر، وإلا فواحدة، وإذا ألزمناه فداءً واحدًا اشترك فيه المجني عليهما أو عليهم على قدر جناياتهم لتعيينه طريقًا، ثم محل الخلاف فيما إذا كانت الجناية الأولى كالقيمة أو أكثر أو أقل، والباقي من القيمة لا يفي بالجناية الثانية، وأما إذا كان أرش جناية الأولى دون القيمة وفداها به وكان الباقي من قيمتها يفي بالجناية الثانية فداها بأرشها قطعًا، إذا قلنا: الواجب أقَلُّ الأمرين، أما إذا قلنا: إنه يفديها بالأرش لزم السيد الأرش بالغًا ما بلغ.
فَصْلٌ: فِي الجَنِيْنِ غُرة إِنِ انْفصَلَ مَيتًا بِجِنَايَة فِي حَيَاتِها أَوْ مَوتها، لحديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين [اقتتَلَت امرَأَتَانِ مِنْ هُذيل، فَرَمَتْ إحدَاهُمَا الأُخْرَى بحَجَرٍ فَقَتَلَتها وَمَا فِي بَطنها فَاختصَمُوا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَضَى رَسُولُ الله ﷺ أَن دِيَةَ جَنِينها غرة عَبْدٍ أو وَليدة وَقَضَى بِدِيَةِ المَرأَةِ عَلَى عَاقِلَتها وَوَرثها وَلَدها وَمَنْ مَعَهم. . . الحديث بطوله] (١٩٧) هذا إذا مات في حياتها، وأما إذا انفصل بعد موتها من الضرب، فلأنه شخص مستقل فلا يدخل في ضمانها، والمقصود بالجناية ما يؤثر في الجنين من ضرب وإيجار دواء ونحوهما، ولو ماتت الأم ولم ينفصل جنين؟ لم يجب على الضارب شيء، وَكَذَا إِن ظَهرَ، ميتًا، بِلَا انفِصَال فِي الأصَح، لتحقق وجوده، والثاني: لا يجب، بل لابد من الانفصال التام ليستقل، وما لم ينفصل يكون كالعضو من الأم، وقياسًا على انقضاء العدة وسائر الأحكام، وَإِلا فَلَا، أي وإن ماتت الأم
стр. 1566
ولم ينفصل الولد، ولم يظهر؟ فلا غرة، لأنا لم نتيقن وجود الجنين فلا نوجب شيئًا بالشك، أوْ حيًا، أي وإن انفصل حيًا، وَبَقِيَ زمَانًا بِلَا أَلَمِ ثم مَاتَ فلَا ضَمَان، لأن الظاهر أن موته بسبب آخر، وَإِن مَات حِينَ خَرَجَ أوْ دَامَ ألَمُهُ وَمَاتَ فدِيَةُ نَفسِ، لأنا تيقنا حياته فأشبه سائر الأحياء، وَلَو ألقت جَنِينَيْنِ فَغُرَّتَانِ، لأن الغرة متعلقة باسم الجنين فيتعدد بتعدده، أوْ يَدًا فَغُرة، لأن العلم حصل بوجود الجنين. والغالب على الظن أن يده بانت بالجناية، وَكَذَا لَحم، قَالَ القَوَابِلُ: فِيْهِ صُوْرَة خَفية، أي لا يعرفها إلا أهل الخبرة لوجوده، قِيلَ: أَو لَا، قُلْنَ: لَوْ بَقيَ لَتَصورَ، كما تنقضي به العدة، والمذهب: لا غرة كما لا تصير به أم ولد، وقد سلف إيضاح ذلك في باب العدد، وَهِيَ عَبد أو أَمَةٌ، للحديث السالف أول الفصل، مُميز، أي فلا يقبل من لا تمييز له؛ لأن الغرة الخيار؛ ومن لا تمييز له لا خيار له، لأنه يحتاج إلى مَنْ يكفله، سلِيم مِنْ عَيْبِ مَبِيْع، لأن المعيب ليس من الخيار، نَعَم: لو رضي بقبوله جاز، وَالأصح: قُبولُ كبيرِ لَمْ يَعْجِزْ بِهرَمِ، لأنه إذا لم ينته إلى الهرم، هو من الخيار، وهذا هو المنصوص، والثاني: لا يقبل بعد عشرين، لنقص الثمن حينئذ، ويشتَرَطُ بُلُوغها نصفَ عُشرِ دِيَةٍ، أي وهي خمس من الإبل، رُوي عن عمر وزيد بن ثابت ولا مخالف لهما (١٩٨)، فإن فُقِدَت، يعني الغرة، فَخمسَةُ أبعِرَة، لأنها مقدرة بالخمس عند وجودها فعند عدمها يأخذ ما كانت مقدرة به، وَقيلَ: لَا يُشْتَرَطُ، أي أن تبلغ الغرة نصف عشر الدية لإطلاق لفظ العبد والأمة في الخبر، فَلِلْفَقْدِ قِيْمَتُها، أي على هذا الوجه كما لو غصب عبدًا فمات، وَهيَ، يعني الغرة، لِورثةِ الجَنِينِ، أي لو انفصل حيًا ثم مات لأنها دية نفسٍ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الجَانِي، لحديث أبي هريرة السالف أول
стр. 1567
الفصل، وَقِيلَ: إِن تَعمدَ فَعَلَيْهِ، أي على الجاني بناء على أنه يتصور في ذلك العمد المحض، والأصح: أن ذلك لا يتصور، لأنه لا يتحقق وجوده وحياته حتى يقصد.
فرع: إذا فقدت الغرة وقلنا: ينتقل إلى خمس من الإبل غلظنا إن كانت الجناية شبه عمد بأن تؤخذ حُقَّةٌ ونصف، وجذعة ونصف وخَلِفَتان، ولم يتكلموا في التغليظ عند وجود الغرة لكن قال الروياني: ينبغي أن يقال تجب غرة قيمتها نصف عشر الدية المغلظة، قال الرافعي: وهذا حسن.
فَصْلٌ: وَالْجَنينُ الْيَهُودِيُّ أوِ النصرَاني، قِيْلَ: كَمُسلِم، لأنه لا سبيل إلى الإهدار ولا إلى تجزئة الغرة، وَقِيلَ: هدَرٌ، لأنه لا يمكن التسوية بينه وبين الجنين المسلم كما لا يسوى بين المسلم والكافر في الدية، والتجزئة ممتنعة، وَالأَصَح: غُرة كثلُثِ غرةِ مُسْلِم، كما أن دية اليهودي أو النصراني كثلث دية المسلم، وَالرقيقُ عُشْرُ قِيمَةِ أمه، لأن الغرة معتبرة بعِشر ما يضمن به الأم فيما إذا كان الجنين حرًا، فكذا إذا كان رقيقًا يعتبر بأمه فيجب عُشر قيمتها، يَوْمَ الجِنَايَةِ، لأنه وقت الوجوب، وَقِيلَ: الإِجهاضُ، لأن الجناية إذا صارت نفسًا اعتبر بدلها وقت استقرارها كالجناية على العبد إذا أعتق والكافر إذا أسلم، قال الرافعي: وحقيقة الوجه الأول النظر إلى أقصى القيم، لا جرم، قال في الروضة: الأصح المنصوص يعتبر أكثر ما كانت من الجناية إلى الإجهاض، لِسَيدها، أي تكون الغرة لسيد الأمة لأنه المالك، وعبارة المُحَرَّرِ للسيد وهي أحسن، لأن الجنين قد يكون لموصى به والأم لغيره، فَإِن كَانَتْ، يعني الأم، مَقْطُوْعَة، يعني الأطراف، وَالْجَنينُ سَلِيم قُوِّمَتْ سَلِيمَة في الأصَح، كما لو كانت كافرة والجنين مسلمًا يقدر فيها الإسلام وتقوّم مسلمة، والثاني: لا تقدر فيها السلامة، لأن نقصان الأعضاء أمر خَلْقي وفي تقدير خلافهِ بُعد بخلاف صفة الإسلام وغيره.
فرع: لو كان الأمر بالعكس كما إذا كان الجنين مقطوع الأطراف والأم سليمة؛ فهل تُقَدَّرُ هي مقطوعة الأطراف؟ فيه وجهان؛ أصحهما: لا؛ لأن نقصان الجنين قد يكون من أثر الجناية واللائق الاحتياط والتغليظ.
стр. 1568
وَتَحْمِلُهُ، أي بدل الجنين، العَاقِلَةُ في الأظهرِ، هذا الخلاف مبني على أن الرقيق هل تحمِلُهُ العاقلة؟ وفيه خلاف سلف في موضعه.
فَصْلٌ: يَجِبُ بِالقَتلِ كَفارَةٌ، لقوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١٩٩) وخرج بالقتل الأطراف والجراحات فلا كفارة فيها لعدم الورود فيها، وَإِن كان القَاتِلُ صَبيًا أَوْ مَجْنُونًا، أي بخلاف وقاعهما في رمضان؛ فإنه لا كفارة عليهما به، لعدم التعدي منهما، فالتعدي شرط في وجوب بدل الكفارة فيعتق الولي من مالهما كما يخرج الزكاة والفطرة منه، كذا قاله الرافعي هنا تبعًا للقاضي والبغوي وخالف في كتاب الصداق، وعلَّلَهُ بأنه لو صح لتضمن دخوله في ملكه ثم يعتق عنه، وذلك لا يجوز بخلاف الزكاة والفطرة فإنهما على الفور بخلافها، ولا يصوم الولي عنهما بحال، وَعَبْدًا وَذميًا، كما يتعلق بقتلهما القصاص والضمان، أَوْ ذِميًّا وَعَامِدًا، كالمخطئ وأولى خلافًا لابن المنذر، وَمُخْطِئًا، بالإجماع، وَمُتَسَبِّبًا، لأنه كالمباشرة في الضمان فكذا في الكفارة، بِقَتْلِ مسلِمٍ، أي تجب الكفارة بقتل مسلم، وَلَوْ بِدَارِ حربٍ، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١٩٩) المعنى على ما نقل عن الشافعي وإن كان من قوم عدوٍّ لكم، وَذِميِّ، لأنه آدمي مضمون، وَجَنِيْنٍ، لما قلنا، قال ابن المنذر: ولا أعلمُ فيه خلافًا بين أهل العلم، وَعَبْدِ نَفْسِهِ، أي وتجب الكفارة على من قتل عبدَ نفسِهِ لحق الله تعالى بخلاف الضمان فإنه إذا وجب وجب للسيد، وَنَفْسِهِ، أي وتجب الكفارة أيضًا على من قتلَ نفسهُ وتُخرج من تركته، لأنه معصوم كغيره ويُحرَّمُ عليه قتل نفسه كما يُحرم على غيره، وَفِي نَفْسِهِ وجهٌ، أي أنها لا تجب عليه إذا فعل ذلك كما أنه لا يجب عليه الضمان، لَا امرَأَةٍ وَصَبِي حربيَّيْنِ، أي وإن كان يحرم قتلهما؛ لأن المنع من قتلهما ليس لحرمتهما ورعاية مصلحتهما، وذلك لا يتعلق به ضمان، وإنما هو لمصلحة المسلمين حتى لا يفوتهم الارتفاق بهم، وَبَاغٍ، لأنه غير مضمون فأشبه الحربي،
стр. 1569
وَصَائِلٍ، لما قلناه، وَمُقْتص مِنْهُ، أي وجب القصاص على شخص فقتله المستحق، لم تجب على المستحق كفارة ولا تجب أيضًا في قتل المرتد وقاطع الطريق والزاني المحصن.
فرع: الجلادُ إذا جرى على يده قتل غير مستحق، لا كفارة عليه؛ لأنه سيف الإمام وآلة سياسته (٢٠٠).
فرع: إذا أصاب غيره بالعين واعترف أنه قتله بالعين، فلا قصاص، وإن كانت العين حقًا، لأنه لا يفضي إلى القتل غالبًا، ولا يعد مهلكًا، والفاعل لذلك التأثير هو الله تعالى، ثم قيل: تنبعث جواهر لطيفة غير مرئية فَتتخَللُ المَسَامَ فيخلق الله
стр. 1570
الهلاك عندها ولا دية فيه أيضًا ولا كفارة [وأمَر ﷺ العَائِنَ أنْ يَتَوَضأ] (٢٠١) وفسَّرَه مالك: بأن يغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره أي ما يلي جسده من الإزار، وقيل: وِركَهُ، وقيل: مذاكيره، قيل: ويصب على رأس الذي أصيب بالعين، والذي رجحه الماوردي إيجاب ذلك، وبه قال بعض أهل العلم، قيل: وينبغي للسلطان منع من عرف بذلك من مخالطة الناس ويأمره بلزوم بيته ويرزقه ما يكفيه إن كان فقيرًا، فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي منعه عمر من مخالطة الناس (٢٠٢).
стр. 1571
وَعَلَى كُلٍّ مِنَ الشُّرَكاءِ كَفارَةٌ فِي الأصَحِّ، كالقصاص، والثاني: على الجميع واحدة ككفارة قتل الصيد، وَهِيَ كَظهارِ، أي فيجب عليه أولًا عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين للآية، لَكِن لَا إِطعامَ، أي عند العجز عن الصوم، فِي الأَظْهرِ، وجه القائل بالإطعام القياس على كفارة الظهار، ووجه الأظهر أن الأبدال في الكفارات موقوفة على النص دون القياس ولا يحمل المطلق على المقيد إلا في الأوصاف دون الأصل، كما حمل مطلق اليد في التيمم على تقييدها بالمرافق في الوضوء، ولم يحمل ترك الرأس والرجلين فيه على ذكرهما في الوضوء، فعلى هذا لو مات قبل الصوم أخرج من تركته لكل يوم مُدُّ طعامٍ كفوات صوم رمضان، والقول في صفة الرقبة والصيام والإطعام إن أوجبناه على ما سبق في الكفارات.
فُرُوعٌ نَخْتِمُ بِها الفَصل: مَن أقر بقتل آدمي عمدًا ثم رجع قُبِلَ رجوعُهُ بالنسبة إلى الصوم دون الإعتاق والإطعام؛ لأنهما حقان لآدمي، بخلاف الصوم، قاله والد الروياني احتمالًا لنفسه. ومن مات وعليه كفارة قتل ولم يقدر على العتق، قال الروياني: الظاهر أنه يُطْعَمُ عنهُ، وإن كان الصوم لا بدل له، قال: فإن كان هذا المكفِّر شيخًا هرمًا لم يجز له الإطعام لجواز أن يتمكن من العتق، قال: وقد قيل بخلاف ذلك؛ والأصح الأول، فإن اعتبرنا حال الوجوب أُطْعِمَ لا محالة.
стр. 1572
كتاب دعوى الدم والقسامة
أَي وَالشهادَةِ عَلَى الدَّمِ كَذَا تَرجَمَهُ الشَّافِعِي وَالأكثَرُونَ، وَهُوَ مُشتَمِلٌ عَلَى الأُمُورِ الثلاثةِ، وَاسْتَفتحَهُ الرافِعي فِي المُحَرَّرِ بِحَدِيثِ [البينَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمينُ عَلَى المدعَى عَليهِ إِلَّا فِي القَسَامَة] (٢٠٣) وَفِي إِسْنَادِهِ لِين، وَالقَسَامَةُ بِفَتح القَافِ اسْم لِلأيمَانِ؛ وَقِيْلَ: لِلأوْلِيَاءِ، وَأوَّلُ مَنْ قَضَى بِها الوَليدُ بنُ المُغيرَةِ فِي الجَاهِلِيَّة؛ فَأَقَرةُ الشَّارِعُ فِي الإِسْلَامِ.
يُشْتَرَطُ أَن يُفَصِّلَ مَا يَدعِيْهِ مِنْ عَمد وَخَطَإ، أي وكذا شبه عمد، وَانفِرَاد وَشِركةٍ، لاختلاف الأحكام بذلك؛ ويصف كل واحد من ذلك، فَإِن أطْلَقَ، يعني الولي، استَفْصَلَهُ الْقاضِي، أي استحبابًا؛ وقيل: وُجوبًا، وَقيلَ: يُعرِضُ عَنْهُ، أي فلا يستفصله؛ لأنه ضرب من التلقين، ومنع الأول؛ كونه تلقينًا، بل التلقين أن يقولَ له: قُلْ قتل عمدًا أو خطأً، والاستفصال أن يقول له: كيف قتل؟ وَأَن يُعينَ المُدعَى عَلَيهِ، فَلو قَالَ: قَتَلَهُ أحَدُهُم، أو أحد المدعى عليهم، لَا يُحَلِّفُهُمُ القَاضِي فِي الأصَح، للإيهام، كما لو ادّعى دَينًا على أحد رجلين، والثاني: يجيبه القاضي
стр. 1573
إلى ذلك للحاجة؛ لأن القاتل يخفي القتل، ويعسر على الولي معرفته ولا ضرر عليهم في يمين صادقة، وَيَجرِيَانِ فِي دَعْوَى غَصْبٍ وَسرِقَةٍ وَإتلافٍ، أي وكذا أخذُ ضالة على أحد رجلين أو رجال؛ ولا يجريان في دعوى قرض وبيع وسائر المعاملات على المذهب، لأنها تنشأ باختيار المتعاقدين وشأنها أن يضبط كلَّ واحد منهما صاحبه، وإنمَا تسمَعُ، يعني الدعوى، مِن مكلف ملتزِم، أي فلا تسمع دعوى صبي ومجنون وحربي، عَلَى مِثلِهِ، أي وهو المكلف الملتزم فخرج الصبي والمجنون، ويدخل في المكلف المحجور عليه بالسَفَه والفَلس والرقيق.
وَلَوِ ادَّعَى انفِرَادَهُ بِالقَتلِ ثم ادعَى عَلَى آخَرَ، أي الشركة أو الانفراد، لَمْ تُسْمَع الثانِيةُ، لما فيه من تكذيب الأولى ومناقضتها؛ اللَّهُم إلا أن يصدقه القاضي في دعواه الثانية؛ فالأصح: أن له مؤاخذته، لأن الحق لا يعدوهما، ويحتمل كذبه في الأولي وصدقه في الثانية، وقوله (ثُم ادعَى عَلَى آخَر) هو أعم من قول الحاوي ثم شركة آخر، أو عَمدًا وَوَصَفَهُ بغيَرِهِ، لَم يَبطُل أَصلُ الدعوَى فِي الأظهرِ، لأنه قد يظن الخطأ عمدًا، فعلى هذا يعتمد تفسيره ويمضي حكمه، وقال ابن داؤد: لابد من تجديد الدعوى بالخطأ، والثاني: تبطلُ، لأن في دعوى العمد اعترافًا بأنه ليس بمخطئ فلا يقبل رجوعه عنه.
فَصْلٌ: وَتَثْبتُ القَسَامَةُ فِي القتلِ بِمَحَل لَوثٍ، لما سيأتي، وبه قال مالك وأحمد خلافًا لأبي حنيفة؛ فإنه قال: لا اعتبار باللوث ولا نبدأ بيمين المدعي، وَهُوَ، يعني اللوث، قَرِينَة لِصدقِ المدعِي، مأخوذ من اللوث وهو القوة، وقيل: من الضعف؛ فكأنه حجَّة ضعيفة، بأَن وُجِدَ قَتِيل، أي أو بعضه، فِي مَحلةٍ، أي منفصلة عن البلد الكبير، أَوْ قَرية صَغِيْرَةِ لأعدَائِهِ، لأن قصه عبد الله بن سَهلٍ الآتية هكذا كانت، فَإن أهلَ خيبرَ أعدَاءُ الأنصَارِ، ويشترط أن لا يُساكن العدو غيرهم وإلا فربما قتله غيرهم، واعتبر الشافعي المخالطة كما نقله التميمي في كتابه المسافر وجمهور الأصحاب. أوْ تَفَرَّقَ عَنهُ جمعٌ، أي في دار دخلها عليهم ضيفًا، أو دخلها معهم
стр. 1574
لحاجة أو مسجد أو بستان أو طريق أو صحراء أو ازدحم قوم على بئر ثم تفرقوا عن قتيل لقوة الظن هنا أيضًا.
وَلَوْ تَقَابَلَ صَفَّانِ لِقِتَالٍ وَانْكشَفُواْ عَن قَتِيْلٍ، فَإِن الْتَحَمَ قِتَالٌ، أي أو كان يصل سلاح أحد الصفين إلى الآخر، فَلَوْثٌ فِي حَقِّ الصَّفِّ الآخَرِ، لأن الظاهر أن أهل صفّه لا يقتلونه، وإِلا فَفِي حَقِّ صَفَّهِ، أي وإن لم يلتحم قتال، ولا كان يصل سلاح؟ فاللوث في حقِّ أهل صفِّهِ، وَشَهَادَةُ الْعَدْلِ، الواحد، لَوْثٌ، لأن قوله: يغلب على الظن صدقه، سواء تقدمت شهادته على الدعوى أو تأخرت، جزم به في أصل الروضة، والرافعي أبداه بحثًا، وهو رأي الإمام بعد أن نقل عن الأصحاب: أن سبيلها سبيل سائر الشهادات، وَكَذَا عَبيْدٌ أَوْ نِسَاءٌ، لأنه يثير ظَنًا، وَقِيْلَ: يُشْتَرَطُ تَفَرَّقُهُمْ، لاحتمال التواطئ في حالة الاجتماع، والأصح: المنع، واحتمال التواطئ كاحتمال الكذب في شهادة الواحد، وهذا هو الأصح في أصلِ الروضة، والأقوى في الشرحين، وقال في الكبير: الأشهر المنع فيما إذا أتوا مجتمعين، وجعله في الْمُحَرَّرِ وجهًا مرجوحًا، وأفاد في المطلب عن النص: أنه ليس بلوث، ويشترط مع مجيئهم متفرقين، أن لا يمضي زمن يمكن فيه الإتفاق على ما صدر منهم، وهو أن يتفرقوا ثم يخيروا، وقد حكى صاحب البيان فيه وجهين؛ فإن أكثر الأصحاب على اشتراط ذلك وهو ظاهر في المذهب، وَقَوْلُ فَسَقَةٍ وَصبْيَانِ وَكُفَّارٍ لَوْثٌ فِي الأصَحِّ، لأن الغالب أن اتفاق الجماعة الكثيرة على الإخبارِ عن شيء كيف كان لا يكون إلا عن حقيقة، والثاني: لا، لأنه لا عمل على قولهم في الشرع.
فَرْعٌ: من أقسام اللوث لهج ألسِنة الخاص والعام بأن فلانًا قتل فلانًا كما قال البغوي.
وَلَوْ ظَهَرَ لَوْثٌ؛ فَقَالَ أَحَدُ إبْنَيْه: قَتَلَهُ فُلَانٌ، وَكَذَّبَهُ الآخَرُ بَطَلَ اللَّوْثُ، لأن الله تعالى أجرى العادة بحرص القريب على التشفي من قاتل قريبه، وأنه لا يبرئه فعارض هذا اللوث؛ فسقطا، وَفِي قَوْلٍ: لَا، لأن في سائر الدعاوي لا تسقط
стр. 1575
بتكذيب أحد الوارثين حق الثاني، فَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي خمسين يمينًا، ويأخذ حقه من الدية، وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ بِتَكْذِيْبِ فَاسِقٍ، لأن قولَهُ غيرُ معتبرٍ في الشرع، والأصح أنه لا فرق بينهما، فإن قول الفاسق فيما يسقط حقه مقبول لإنتفاء التهمة.
وَلَوْ قَالَ أحَدُهُمَا: قَتَلَهُ زَيْدٌ وَمَجْهُولٌ، وَقَالَ الآخَرُ: قَتَلَهُ عَمرٌو، وَمَجْهُولٌ حَلَفَ كُلٌّ عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ، لاحتمال أن الذي أبهم ذكره هو الذي عيّنه الآخر وكذلك بالعكس، وَلَهُ رُبُعُ الدِّيَةِ، لاعترافه بأن الواجب على من عيَّنه نصف الدية وحصته منه النصف، وَلَوْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اللَّوْثَ فِي حَقِّهِ، فَقَالَ: لَمْ أكُنْ مَعَ الْمُتَفَرِّقِيْنَ عَنْهُ، أي عن القتيل، صُدِّقَ بِيَمِيْنِهِ، لاحتماله؛ وَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ.
وَلَوْ ظَهَرَ لَوْثٌ بِأَصْلِ قَتْلٍ دُون عَمْدٍ وَخَطَإٍ فَلا قَسَامَةَ فِي الأَصَحِّ، لأن مطلق القتل لا يفيد مطالبة القاتل، بل لابد من ثبوت العمدية، ولا مطالبة العاقلة، بل لابد أن يثبت كونه خطأ أو شبه عمدٍ، والثاني: نعم، لأنه إذا ظهر القاتل خرج الدم عن كونه باطلًا مهدرًا، وَلَا يُقْسَمُ فِي طَرَفٍ، لأن النص ورد في النفس وهي أعظم من الأطراف، ولهذا اختصَّت بالكفارة، فلا يلحق بها الأطراف، وَإِتْلَافِ مَالٍ، لما ذكرناه وكذا في الجراحات، إِلا فِي عَبْدٍ فِي الأَظْهَرِ، بناءً على الأظهر السابق: أن بدل الْعَمْدِ (•) تحمله العاقلة، ومنهم من قطع به لحرمة النفس كالقصاص، والثاني: لا قَسَامَةَ فيه، بناءً على أن بدله لا تحمله العاقلة فهو ملتحق بالبهيمة.
فَرْعٌ: الْمُدَبِّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ مِثْلُهُ سواءٌ.
فَصْلٌ: وَهِيَ، تعني القسامة، أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعِي عَلَى قَتْل ادَّعَاهُ خَمْسِيْنَ يَمِيْنًا، لحديث سَهْلٍ بْنِ أبِي حَثْمَةَ في الصحيحين (٢٠٤) كما ذكرته في الأصل بطوله
стр. 1576
وهو مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ الْحَديْثِ الآتِي في بابه [البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِيْنُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ] (٢٠٥) وقد جاء استثناءُ القَسامة كما تقدَّمَ أوَّلَ الباب؛ ولأن جَنْبِيَّةَ الْمُدَّعي قويت باللوث فتحولت اليمين إليه كما لو أقام شاهدًا في غير الدم، وكيفية اليمين كما في سائر الدعاوى، ويقول في يمينه: لَقَدْ قُتِلَ هَذَا ويشير إليه أو لقد قتل فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَيَرفَعُ نَسَبَهُ إن كان غائبًا منفردًا بقتله ما شاركه فيه غيره، ويذكر أنه عمدًا أو خطأ أو شبه عمدٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ مُوَالاتُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، لأن الأَيْمَانَ مِنْ جِنْسِ الْحُجَجِ، والتفريق في الحجج لا يقدح كما إذا شهد الشهود متفرقين، وهذا ما أورده أكثرهم، وقيل: تشترط، لأن للموالاة وقعًا في النفس وأثرًا في الزجر والردع، وهو الأشبه في اللِّعان، ويمكن الفرق بأن اللعان أولى بالاحتياط من حيث أنه تتعلق به العقوبة البدنية، ومن حيث أنه يختلُّ به النسب وتشيع الفاحشة، وَلَوْ
стр. 1577
تَخَلَّلَهَا، يعني الأيمان، جُنُونٌ أَو إغْمَاءٌ بَنَى، أي فلا يجب الاستئناف، أما إذا لم يشترط الموالاة فظاهر، وأما إذا اشترطناها فلقيام العذر.
فَرْعٌ: إذا عُزِلَ القاضي أو مات في أثنائها، فالأصح: أنَّ القاضي الثاني يستأنفُ منه الأيمان، وحكى عن نصه في الأُمِّ: أنه يكفيه البناء وصححه الروياني.
وَلَوْ مَاتَ لَمْ يَبْنِ وَارِثُهُ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأن الأَيْمَانَ كالْحُجَّةِ الوَاحِدَةِ، ولا يجوز أن يستحق أحد شيئًا بيمين غيره؛ وهذا ما نص عليه في المختصر، والثاني: البناء؛ وهو قول الحضرمي، وَلَوْ كَان لِلْقَتِيْلِ وَرَثَةٌ وُزِّعَتْ بِحَسَبِ الإِرْثِ، لأنَّ الذي يثبت بأيمانهم يقسم عليهم كذلك، وَجُبِرَ الْمُنْكَسِرُ، لأن اليمين الواحدة لا تتبعض، وَفِي قَوْلٍ: يَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِيْنَ، لأن العدد في القسامة كاليمين الواحدة في غيرها، وهذا القول مَبْنيٌّ على أن الديَّةَ تثبتُ للوارثِ ابتداءً، والأول مبنيٌّ على أنها تثبتُ للمقتولِ ابتداءً، وأجاب الأَولُ عما استدل به صاحب هذا القول: بأن اليمين الواحدة لا يمكن قِسْمَتُهَا بخلاف أيمان القسامة، وَلَوْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا حَلَفَ الآخَرُ خَمْسِيْنَ، لأن الديةَ لا تستحق بأقل منها، وَلَوْ غَابَ حَلَفَ الآخَرُ خَمْسِيْنَ وَأَخَذَ حِصَّتَهُ، وَإلا، أي وإن لم يحلف، صَبَرَ لِلْغَائِبِ، فإذا حضر حلف ما يخصه، وَالْمَذهَبُ أَن يَمِيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيهِ بِلَا لَوْثٍ، وَالْمَرْدُودَة عَلَى الْمُدَّعِي أوِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ لَوْثٍ، وَالْيَمِيْنُ مَعَ شَاهِدِ خَمْسُون، أما في الأُولى: وهي ما إذا ادعى القتل بغير لوث، وتوجهت اليمين على المدعى عليه؛ فلأنها يمين مسموعة في دعوى القتل، فتعددت كما إذا كان ثَمَّ لوث، فإن التعدد ليس للوث بل لحرمة الدم، واللَّوْثُ إنما يفيدُ البداءَةَ بالمدَّعي، بدليل أنه لو نكلَ حُلِّفَ المدعى عليه خمسين يمينًا، ومنهم من قطع به ذكره الرافعي في كلامه على الوجيز وأسقطه من الروضة، والطريق الثاني فيها؛ حكاية قولين وجه التغليظ ما قلناه، ووجه مقابله: أنها يمين في جانب المدعى عليه لقطع الخصومة فلا تُغَلَّظ بالعدد كسائر الدعاوي، وأما في الثانية: وهى ما إذا نكل المدعى عليه فردت عليه؛ فلم أرَ فيه حكاية طريقتين أصلًا؛ بل
стр. 1578
حكاية قولين، وكذا في الرابعة، ولم يذكر هو في الروضة طريقة قاطعة بذلك، وأما الثالثة: فالأصحُّ القطع فيها بما ذكرهُ لقوله ﵇: [فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِيْنَ يَمِيْنًا] (٢٠٦) جعل أيمان المدعى عليهم بعدد أيمان المدعين، والثاني: طرد القولين؛ لأن نكوله يبطل اللوث فكان كلا لوث، وقوله (خَمْسُونَ) هو خبر للمسائل الأربع المذكورة، وقوله (وَالْمَرْدُودَةُ عَلَى الْمُدَّعي) مراده إذا لم يكن ثم لوث؛ فإنه إذا كان فهي له ابتداء.
وَيَجِبُ بِالْقَسَامَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ دِيَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ، أي مخففة في الخطأ ومغلظة في شبه العمد، وَفِي العَمْدِ عَلَى المُقْسَمِ عَلَيهِ، أي ولا قصاص لأنه ﵊ أطلق أيجاب الدِّيَةِ حيثُ قال: [إِمَّا أن يَدُواْ صَاحِبَكُمْ؛ وِإمَّا أن يُؤْذِنُواْ بِحَرْبٍ] متفق عليه (٢٠٦)، وَفِي القَدِيْمِ قِصَاصٌ، لقوله ﷺ : [أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ] أي دم قاتل صاحبكم، متفق عليه (٢٠٦)، وأجاب الأولُ: بأنا نضمن بسبب قتل صاحبكم.
وَلَوِ ادَّعَى عَمْدًا بِلَوْثٍ عَلَى ثَلَاثَةٍ فَحَضَرَ أحَدُهُمْ؛ أقسَمَ عَلَيهِ خَمْسِيْنَ وَأَخَذَ ثُلُثَ الدِّيَةِ، أي على الجديد والقديم له القصاص منه، فَإِنْ حَضَرَ آخَرُ، أي وأنكر، أقْسَمَ عَلَيهِ خَمْسِيْنَ، لأن الأيمان السابقة لم تتناول الثاني، أما إذا أقرَّ فإنه يُقْتَصُّ منه بإقراره إن كان الفتل عمدًا بشرطه ولا قسامة، وَفِي قَوْلٍ: خَمْسًا وَعِشْرِيْنَ، لأنهما لو كانا حاضرين لأَقْسَمَ القاضي خمسين عليهما جميعًا فحصة الواحد من الخمسين النصف، إنْ لَمْ يَكُن ذَكَرَهُ فى الأَيْمَانِ، وَإِلّاَ فَيَنْبَغِي الإِكْتِفَاءُ بِهَا بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْقَسَامَةِ فِي غَيْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيهِ وَهُوَ الأَصَحُّ، ووجه الصحة في القَسَامَةِ في الغيبة القياس على البينة، ووجه مقابله ضعف القسامة.
وَمَنِ اسْتَحَقَّ بَدَلَ الدَّمِ أقْسَمَ، أي فالسيد يقسم في قتل عبده على الأظهر الذي سلف في أول الباب، وَلَوْ مُكَاتَبٌ لِقَتْلِ عَبْدِهِ، لأنه استحق بدله، ويستعين بالقيمة
стр. 1579
على أداء النجوم ولا يقسم سيده؛ بخلاف ما إذا قُتِلَ عبد المأذون له، فإن السيد يُقسم دون المأذون له، لأنه لا حقَّ له فيه بخلاف المكاتب، وَمَنِ ارْتَدَّ فَالأفْضَلُ تَأْخِيْرُ أَقسَامِهِ لِيُسْلِمَ، لأنه لا يتورع في حال ردته عن الأيمان الكاذبة، فَإِنْ أقْسَمَ فِي الرِّدَّةِ صَحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأن يمين الكافر صحيحة، والقسامة نوع اكتساب للمال فلا تمتع منه الردة كالاحتطاب والاصطياد ونحوهما، هذا هو الظاهر المشهور كما قاله الرافعى، وقال المزني: لا تصح القسامة ولا يثبت شيء، وحكاه غيره قولًا، ثم قيل أن تصحيحهما مبني على أقوال الملك، فإن قلنا بالبقاء فيصح، أو بالزوال فلا، أو بالتوقف فنعم في الأصح، وهذه طريقة مرجوحة، والأظهر عند الأكثرين إطلاق القول بالصحة وتنزيل الدية منزلة ما يكتسب بعد الردة من احتطاب ونحوه، وَمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ لَا قَسَامَةَ فِيْهِ، أي وإن كان هناك لوثٌ إذ (•) تحليف بيت المال غير ممكن؛ لكن ينصب القاضي مَن يدَّعي عليه ويحلِّفُه.
فَصْلٌ: إِنَّمَا يَثْبُتُ مُوجِبُ الْقِصَاصِ بِإِقْرَارٍ أوْ عَدْلَيْنِ، لما سيأتي في بابه، قُلْتُ: ويثبت أيضًا بنكول المدَّعى عليه وبيمين المدَّعِي، وَالْمَالِ بِذَلِكَ أوْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ وَيَمِيْنٍ، لما سيأتي في بابه، وقوله (وَالْمَالِ) بالجرِّ عطفًا على القصاص، وَلَوْ عَفَى عَنِ الْقِصَاصِ لِيَقْبَلَ لِلْمَالِ رَجُلٌ وَامْرَأتَانِ لَمْ يُقْبَل فِي الأصَحِّ، مراده إذا عفى مستحقُّ القصاص عن القصاص ليدعي المال ويقبل منه في إثباته رجل وامرأتان لم يقبل منه ذلك في الأصح، لأنها في نفسها موجبة للقصاص لو ثبت، والثاني: يقبل منه، لأنه لا قصاص والقصد المال.
وَلَوْ شَهِدَ هُوَ وَهُمَا، أي رجل وامرأتان، بِهَاشِمَةٍ قَبْلَهَا إِيْضَاحٌ لَمْ يَجِبْ أَرْشُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، كذا نص عليه، ونص فيما لو رمى سهمًا إلى زيد فمرق منه إلى غيره أنه يثبت الخطأ الوارد على الثاني برجل وامرأتين وبشاهد ويمين، وفيهما طريقان: أحدهما: قولان، أحدهما: ثبوت الهشم والجناية على الثاني برجل وامرأتين وبشاهد
стр. 1580
ويمين؛ لأنه لا قصاص فيهما. والثاني: المنع؛ لاشتمال الجناية على ما يوجب القصاص وهى في الموضحة في الصورة الأُولى، وقتل الأول في الثانية. والقصاص لا يثبتُ برجل وامرأتين؛ وأصحهما: تقريرُ النَّصَّيْنِ والفرق أن الهشم المشتمل على الإيضاح جناية واحدة فإذا اشتملت الجناية على ما يوجب القصاص أُحتيط لها، ولم يثبت إلا بحجة كاملة. وفي صورة مروق السهم حصل جنايتان لا تتعلق (•) إحداهما بالأُخرى، وَلْيُصَرِّحِ الشَّاهِدُ بِالْمُدَّعَى، فَلَوْ قَالَ: ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ، لَمْ يَثْبُت حَتَّى يَقُولَ: فَمَاتَ مِنْهُ أَوْ فَقَتَلَهُ، لاحتمال أن يكون مات بسبب آخر لا بجراحته، وَلَوْ قَالَ: ضَرَبَ رَأْسَهُ فَأَدْمَاهُ، أَوْ فَأَسَالَ دَمَهُ، ثَبَتتْ دَامِيَةً، لأنه تصريح بمقصودها، ولو قال: فسال دمه؛ لم يثبت؛ لاحتمال حصول السيلان بغيره.
وَيُشْتَرَطُ لِمُوضِحَةٍ: ضَرَبَهُ فَأَوْضَحَ عَظْمَ رَأْسَهِ، أي ولا يكفي إطلاق الموضحة؛ لأنها من الإيضاح وليست مخصوصة بإيضاح العظم، وَقِيْلَ: يَكْفِي فَأَوْضَحَ رَأْسَهُ، لفهم المقصود بذلك، وَيَجِبُ بَيَانُ مَحَلِّهَا وَقَدْرِهَا، يعني الموضحة، لِيُمْكِنَ الْقِصَاصُ.
فَصْلٌ: وَيَثْبُتُ الْقَتْلُ بِالسِّحْرِ بإقْرَارٍ بِهِ لَا بِبَيِّنَةٍ، لأن الشَّاهِدَ لا يعلمُ قَصْدَ السَّاحِرِ ولا يشاهدُ تأثيرَ السِّحر إلا أن يقول الساحر: سحرتُه بنوع كذا، فيشهد عدلان أن هذا النوع يقتل غالبًا أو نادرًا فيثبت ما يشهدان به ويتصور معرفة العدلين بذلك فيما إذا كانا ساحرين وقد تابا، أو فَرَّعْنَا على القول بجواز تعلم السحر، والأصح خلافه، وأيضًا الولي إذا ادعى أنه قُتل مورثه بسحره فأنكر ونكل عن اليمين فإن الظاهر أن اليمين ترد على المدعي، فإن قلنا يمين النكول كالبينة فله أن يحلف اعتمادًا على قرينة نكوله أو غيرها، فقد ثبت القتل به لا بالإقرار وهذا غريب إن ثبت الشيء بما هو بمنزلة البينة، وإن لم يثبت بها لتعذر علمها به.
وَلَوْ شَهِدَ لِمُوَرِّثِهِ، أي وكان غير أصل وفرع، بِجُرْحٍ قَبْلَ الانْدِمَالِ لَمْ تُقْبَلْ،