فَرْعٌ: تدبير المفلس كإعتاقه وقد سلف في بابه.
فَرْعٌ: في تدبير السكران الخلاف في تصرفاته كما قدمه المصنف في بابه.
وَكَافِرٍ أَصْلِيًّ، كما يصح استيلاده وتعليقه العتق بصفة، وَتَدْبِيْرُ الْمُرْتَدِّ يُبْنَى عَلَى أَقْوَالِ مِلْكِهِ، أي فإن قلنا ببقائه صح؛ أو بزواله فلا؛ أو بوقفه فموقوف إن أسلم بَانَ صحته، وإن مات مرتدًا بَانَ فساده، وَلَوْ دَبَّرَ ثُمَّ ارْتَدَّ لَم يَبْطُلْ عَلَى الْمَذْهَبِ، أي بل إذا مات مرتدًا عتق العبد صيانة لحق العبد عن الضياع لحقَّ الغرماء، والطريق الثاني: القطع بالبطلان، والثالث: البناء على أقوال الملك.
وَلَوِ ارْتَدَّ الْمُدَبَّرُ لَمْ يَبْطُلْ، أي تدبيره وإن صار دمُهُ مُهْدَرًا، كما لا يبطل الاستيلاد والكتابة بها، وَلحَرْبِيًّ حَمْلُ مُدَبَّرِهِ إِلَى دَارِهِمْ، أي ولو جرى التدبير في دار الإسلام، وكذا له حمل مُسْتَوْلَدَتِهِ أيضًا بخلاف مُكَاتَبِهِ لاستقلاله.
وَلوْ كَانَ لِكَافِرٍ عَبْدٌ مُسْلِمٌ فدَبَّرَهُ؛ نُقِضَ وَبِيْعَ عَلَيْهِ، لما في بقاء ملكه عليه من الإذلال، وهذه المسألة لم أرها هنا في الشرح ولا في الروضة، وكلام الرافعي في باب الكتابة في كلامه على كتابة الذمي قد يعطي المنع فَرَاجِعْ ذلك من الأصل.
وَلَوْ دَبَّرَ كَافِرٌ كَافِرًا فَأَسْلَمَ وَلَمْ يَرْجِعِ السَّيَّدُ فِي التَّدْبِيْرِ نُزِعَ مِنْ يَدِ سَيِّدِهِ، لما في بقائه في يده من الإذلال، وَصُرِفَ كَسْبُهُ إِلَيْهِ، كما لو أَسْلَمتْ مستولدتهُ، وَفِي قَوْلٍ: يُبَاعُ، أي وينقض التدبير دفعًا لإذلاله، والأظهر: الأول لتوقع الحريَّة، أما إذا رجع عنه بالقول وجَوَّزْنَاهُ فإنه يباع جزمًا؛ لأنه رجع قنًّا؛ والكافر مأمورٌ بإزالة ملكه عن المسلم، وَلَهُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ، للإتباع، متفق عليه من حديث جابر (٥٦٣).
فَرْعٌ: له أيضًا إزالة ملكه بغير البيع من الهبة والوصية وغيرهما.
стр. 1857
وَالتَّدْبِيْرُ تَعْلِيْقُ عِتْقٍ بِصِفَةٍ، نظرًا إلى الصيغة، وَفِي قَوْلٍ: وَصِيَّةٌ، أي للعبد بالعتق نظرًا إلى أنه يعتبر من الثلث، فَلَوْ بَاعَهُ، أي وكذا لو وهبه ثم أقبضه، ثُمَّ مَلَكَهُ لَمْ يَعُدِ التَّدْبِيْرُ عَلَى الْمَذْهَبِ، هذا الخلاف مبني على الخلاف المذكور قَبْلُ إن قلنا إنه وصية؛ فلا يعود الملك كما لو أوصى بشيء وباعه وعاد إلى ملكه، وإن قلنا إنه تعليق عتق بصفة فهو على الخلاف في عود الحنث، فالأظهر: أنه لا يعود فحصل أن الأظهر أنه لا يعود التدبير.
وَلَوْ رَجَعَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ كَأَبْطَلْتُهُ، فَسَخْتُهُ، نَقَضْتُهُ، رَجَعْتُ فِيْهِ صَحَّ إِنْ قُلْنَا: وَصِيَّةٌ، لأنه تصرف ينجز بالموت ويعتبر من الثلث، وَإِلَّا، أي وإن قلنا إنَّهُ تعليق عتق بصفة، فَلاَ، كما في سائر التعليقات، وسواء التدبير المطلق والمقيد على الأصح، وَلَوْ عُلَّقَ، عتق، مُدَبَّرٌ بصِفَةٍ صَحَّ، أي ويبقى التدبير بحاله كما لو دبر المعلق عتقه بصفة فإنه يجوز، وَعَتَقَ بِالأَسْبَقِ مِنَ الْمَوْتِ وَالصَّفَةِ، أي فإن وجدت الصفة قبل الموت عتق، وإن مات قبلها عتق بالتدبير، وَلَهُ وَطْءُ مُدَبَّرَةٍ، لبقاء ملكه، وَلاَ يَكُونُ رُجُوعًا، أي وإن جعلناه وصية سواء عزل أم لا، فَإِنْ أَوْلَدَهَا بَطَلَ تَدْبِيْرُهُ، لقوة الاستيلاد، وَلاَ يَصِحُّ تَدْبِيْرُ أُمَّ وَلَدٍ، لأنها تستحق العتق بعد الموت بجهة هي أقوى منه، وَيَصِحُّ تَدْبِيْرُ مُكَاتَبٍ، كما يصح أن يعلق عتقه بعد تدبيره على صفة، وَكِتَابَةُ مُدَبَّرٍ، بناء على أنه تعليق عتق بصفة.
فَصْلٌ: وَلَدَتْ مُدَبَّرَةٌ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ زِنًا لاَ يَثْبُتُ لِلْوَلَدِ حُكْمُ التَّدْبِيْرِ فِي الأَظْهَرِ، لأنه عقد يقبل الرفع فلا يسري إلى الولد كالرهن، والثاني: يثبت كما يَتْبَعُ ولد المستولدة أمه، وهذا ما صححه الرافعي في شرحه ورَدَّ عليه في الروضة بتصحيحه الأول في المُحَرَّرِ، وهذا إذا حدَثَ بعد التدبير وانفصل قبل موت السيد، فإن كانت حاملاً عند موته عتق معها قطعًا، كما لو اعتق حاملًا؛ فإن لم يحتملها الثلث حاملاً عتق منها قدر الثلث.
وَلَوْ دَبَّرَ حَامِلًا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ التَّدْبِيْرِ عَلَى الْمَذْهَبِ، أي وإن قلنا الحمل لا يُعلَم
стр. 1858
لتناول اللفظ له، والطريق الثاني: إن قلنا إن الحمل يعلم فمدبر، وإلّا فالقولان في المسألة الأُولى، فَإِنْ مَاتَتْ، أي الأُمُّ في حياة السيد، أَوْ رَجَعَ فِي تَدْبِيْرِهَا، أي وصححناه، دَامَ تَدْبِيْرُهُ، وأما في الأُولى؛ فكما لو دبر عبدين فمات أحدهما قبل موت السيد، وأما في الثانية؛ فكالرجوع بعد الانفصال، وَقِيْلَ: إِنْ رَجَعَ وَهُوَ مُتَّصِلٌ فَلاَ، أي لا يدوم تدبيره بل يبيعها في الرجوع كما يبيعها في التدبير، وَلَوْ دَبَّرَ حَمْلًا صَحَّ، كاعتاقه، فَإِنْ مَاتَ، أي السيد، عَتَقَ دُونَ الأُمَّ، وَإِنْ بَاعَها صَحَّ وَكَانَ رُجُوعًا عَنْهُ، أي عن تدبير الحمل، كما لو باع المدبر ناسيًا للتدبير، وَلَوْ وَلَدَتِ الْمُعَلَّقُ عِتْقُهَا لَمْ يَعْتِقِ الْوَلَدُ، لأنه عقد يلحقه الفسخ فلم يسر إلى الولد كالرهن والوصية، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ عَتَقَتْ بِالصَّفَةِ عَتَقَ، كولد أم الولد، ومحل الخلاف في الحمل الكائن بعد التعليق، أما الموجود عنده فيتبعها قطعًا صرح به ابن الصباغ وغيره، وأجرى فيه الخلاف المصنف في تصحيحه، وَلاَ يَتْبَعُ مُدَبَّرًا وَلَدَهُ، بل يتبع الأُم رقًا وحرية، وَجِنَايَتُهُ كَجِنَايَةِ قِنًّ، لثبوت الملك عليه.
فَرْعٌ: الجناية عليه كالجناية على قنًّ أيضًا.
فَصْلٌ: وَيَعْتِقُ بِالْمَوْتِ مِنَ الثُّلُثِ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ بَعْدَ الدَّيْنِ، لقول ابن عمر: (الْمُدَبَّرُ مِنَ الثُّلُثِ) ولا يصح رَفْعُهُ (٥٦٤) وإنما يعتق بَعْدَ الدُّيُوْنِ كما ذكره، فإن كان عليه دَين مستغرق لم يعتق شيء منه، فإن كان يستغرق نصفه بيع في الدين وعتق الباقي من ثلثه ولا استسعاب (٥٦٥)؛ والحيلة في عتق الجميع بعد الموت، وإن لم يكن له مال سواه ذكرته في الأصل، واشير إليه أول الباب فَسَارِعْ إليه.
стр. 1859
وَلَوْ عَلَّقَ عِتْقًا عَلَى صِفَةٍ تَخْتَصُّ بِالْمَرَضِ كَإِنْ دَخَلْتَ فِي مَرَضِ مَوْتِي فَأَنْتَ حُرٌّ عَتَقَ مِنَ الثُّلُثِ، كما لو أعتقه حينئذ، وَإِنِ احْتَمَلَتْ الصَّحَّةَ فَوُجِدَتْ فِي الْمَرَضِ فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ فِي الأَظْهَرِ، لأنه حين عَلَّقَ لم يكن مُتَّهَمًا بابطال حقِّ الورثة، والثاني: من الثلث اعتبارًا بوقت وجود الصفة؛ فإن العتق حينئذ يحصل، ومحل الخلاف ما إذا وجدت الصفة بغير اختياره، فإن وجدت باختياره اعتبر العتق من الثلث.
وَلَوِ ادَّعَى عَبْدُهُ التَّدْبِيْرَ فَأَنْكَرَهُ فَلَيْسَ بِرُجُوعٍ، أي وإن جوزنا الرجوع عنه؛ لأنه كذب فلم يؤثر، بَلْ يُحَلَّفُ، أي بأن يقول: إنْ كُنْتُ دَبَّرْتُ فقد رَجَعْتُ عنه، إذا جوزنا الرجوع باللفظ وجزم به في أصل الروضة في الدعاوى أنه رجوعٌ تفريعًا على جواز الرجوع بالقول، وهو خلاف ما جزم به هنا.
وَلَوْ وُجِدَ مَعَ مُدَبَّرٍ مَالٌ فَقَالَ: كَسَبْتُهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ، وَقَالَ الْوَارِثُ: قَبْلَهُ؛ صُدِّقَ الْمُدَبَّرُ بِيَمِيْنِهِ، لأن اليد له بخلاف ما إذا كان التنازع في الولد حيث ادَّعَتْ وجوده بعد موت السيد، وعكس الوارث؛ فإن القول قول الوارث؛ لأنها تزعم حريَّته والْحُرُّ لا يدخل تحت اليد، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُدَّمَتْ بَيِّنَتُهُ، لاعتضادها باليد.
فَرْعٌ: لو أقام الوارث بيِّنةً؛ بأن هذا المال كان في يد المدبر في حياة السيد؟ فقال الْمُدَبَّرُ: كان في يدي، لكن كان لفلان! فملكته بعد موت السيد؛ صُدّق المدبر أيضًا نصَّ عليه.
стр. 1860
كِتَابُ الْكِتَابَةِ
الْكِتَابَةُ هِيَ مِنَ الكَتْبِ أَيِ الْجَمْعُ، وَهِيَ شَرْعًا تَعْلِيْقُ عِتْقٍ بِصِفَةٍ ضَمِنَتْ مُعَاوَضَةً، وَالأَصْلُ فِيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٥٦٦) مَعَ السُّنَّةِ الشَّهِيْرَةِ وَالإِجْمَاعِ.
هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ إِنْ طَلَبَهَا رَقِيْقٌ أَمِيْنٌ قَوِيٌّ عَلَى كَسْبٍ، وبها فسَّرَ الشافعيُّ الخيرَ في الآية، قِيْلَ: أَوْ غَيْرُ قَوِيًّ، لأنه إذا عرفت أمانته أُعِيْنَ بالصدقات ليعتق، وفيما إذا كان غير أمين وجه أيضًا؛ لكنه دون الاستحباب فيما إذا اجتمع الشَّرْطَانِ، وَلاَ تُكْرَهُ بِحَالٍ، لأنها تفضي إلى العتق، وَصِيْغَتُهَا: كَاتَبْتُكَ عَلَى كَذَا مُنَجَّمًا إِذَا أَدَّيْتَهُ فَأَنْتَ حُرٌّ؛ وَيُبَيِّنُ عَدَدَ النُّجُومِ وَقِسْطَ كُلَّ نَجْمٍ، صونًا له عن الجهالة، وَلَوْ تَرَكَ لَفْظَ التَّعْلِيْقِ، أي تعليق الحرية بالأداء، وَنَوَاهُ، أى بقوله كاتبتك على كذا، جَازَ، وَلاَ يَكْفِي لَفْظُ كِتَابَةٍ بِلاَ تَعْلِيْقٍ، وَلاَ نِيَّةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، لما سبق في الباب قبله واضحًا، وَيَقُولُ الْمُكَاتَبُ: قَبِلْتُ، كغيره من العقود، وَشَرْطُهُمَا، يعني السيد والعبد، تَكْلِيْفٌ وَإِطْلاَقٌ، أي فلا يكاتب الصبي والمجنون والمحجور عليه بالسفه لسلب عبارتهم، ولا مكاتب أيضًا، ولا تصح كتابة مُكْرَهٍ ولا مُكْرِهٍ؛ ولا أثر لإذن الولي للصبي والمجنون في الكتابة ولا يصح كتابة وليهما أيضًا أبًا كان أو غيره، وَكِتَابَةُ الْمَرِيْضِ مِنَ الثُّلُثِ، أي سواء كاتبه بمثل قيمته أو بما فوقها أو بما دونها،
стр. 1861
فَإِنْ كَانَ لَهُ مِثْلاَهُ، أي عند الموت كما قيده الرافعي، صَحَّتْ كِتَابَةُ كُلِّهِ، لخروجه من الثلث، فَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ وَأَدَّى فِي حَيَاتِهِ مِائَتَيْنِ، وَقِيْمَتُهُ مِائَةٌ عَتَقَ، لأنه يبقى للورثة مثلاه، وَإِنْ أَدَّى مِائَةً عَتَقَ ثُلُثَاهُ، لأنه إذا أخذ مائة وقيمته مائة فالجملة مائتان فنفذ التبرع في ثلث المائتين وهو ثلث المائة، واحترز بقوله (وَأَدَّى فِي حَيَاتِهِ) عما إذا لم يؤدَّ شيئًا حتى مات السيد؛ فإنه إن أجازت الورثة ما زاد على الثلث! فواضح أو لم تجز فثلثه مكاتب، فإن أدّى حصته من النجوم عتق، وهل يزاد في الكتابة بقدر نصف ما أدّى وهو سدس العبد؟ وجهان؛ والأصح المنصوص: لا، لأن الكتابة بطلت في الثلثين فلا تعود. وَلَوْ كَاتَبَ مُرْتَدٌ بَنَى عَلَى أَقْوَالِ مِلْكِهِ، أي فإن قلنا بزواله فباطلة، أو ببقائه فصحيحة، أو بالوقف فعلى الجديد، والقديم في وقف العقود؛ ولهذا قال: فَإِنْ وَقَفْنَاهُ بَطَلَتْ عَلَى الْجَدِيْدِ، والأشبه أن موضع الطرق ما إذا لم يحجر الحاكم عليه، وقلنا لا يحصل الحجر بنفس الردة، فأما إذا كان في حال الحجر فلا تصح الكتابة بحال.
فَرْعٌ: تصح كتابة الكافر كاعتاقه.
وَلاَ تَصِحُّ كِتَابَةُ مَرْهُون، لأنه مُعَرَّضٌ للبيع في الرهن، وَمُكْرًى، لأنه مستحق المنفعة، وَشَرْطُ الْعِوَضِ كَوْنُهُ دَيْنًا، ليلتزمه من الذمة ثم يحصله فيؤديه، وأما الأعيان؛ فإنه لا يملكها حتى يورد العقد عليها، مُؤَجَّلًا، أي فلا تصح الحالة اتباعًا للسلف، ويستغني عن اشتراط الدَّيْنِيَّةَ، فإن الأعيان لا تقبل التأجيل، وقد نَبَّهَ على ذلك الرافعي، وَلَوْ مَنْفَعَةً، أي كبناء دار مثلًا كما يجوز أن تجعل المنافع ثمنًا واجرة، وَمُنَجَّمًا بِنَجْمَيْنِ فَأَكْثَرَ، لاشتهار ذلك عن الصحابة فمن بعدهم قولًا وفعلًا، ولو جاز على أقل منها لابتدروه تعجيلًا للقربة، وَقِيْلَ: إِنْ مَلَكَ بَعْضَهُ وَبَاقِيْهِ حُرٌّ لَمْ يُشْتَرَطْ أَجَلٌ وَتَنْجِيْمٌ، لأنه قد يملك ببعضه الحرُّ ما يوفيه فلا يتحقق العجز في الحال، والأصح الاشتراط اتباعًا لما جرى عليه الأولون، وَلَوْ كَاتَبَ عَلَى خِدْمَةِ شَهْرٍ وَدِيْنَارٍ عِنْدَ انْقِضَائِهِ صَحَّتْ، لأن المنفعة مُسْتَحَقَّةٌ في الحال، والمدة لتقديرها والتوفية فيها؛
стр. 1862
والدينار إنما يستحق المطالبة به بعد انقضاء الشهر، وإذا اختلف الاستحقاق حصل التنجيم ولا بأس بكون المنفعة حالة، لأن التأجيل يشترط فيه حصول القدرة على الاشتغال بالخدمة في الحال، بخلاف ما لو كانت على دينارين أحدهما حال والآخر مؤجل، وبهذا يتبين أن الأجل وإن أطلقوا اشتراطه فليس ذلك بشرط في المنفعة التي يقدر على الشروع فيها في الحال. أَوْ عَلَى أَنْ يَبِيْعَهُ كَذَا فَسَدَتْ، لأنه شرط عقدًا في عقد.
وَلَوْ قَالَ: كاتَبْتُكَ؛ وَبِعْتُكَ هذَا الثَّوْبَ بِأَلْفٍ؛ وَنَجَّمَ الأَلْفَ؛ وَعلَّقَ الْحُرَّيَّةَ بِأَدَائِهِ، فَالْمَذْهَبُ: صِحَّة الْكِتَابَةِ دُونَ الْبَيْعِ، لتقدم أحد شقيه على مصير العبد من أهلية المتابعة للسيد، والطريقة الراجحة في هذه المسألة القطع ببطلان البيع، وفي الكفاية (•) قولًا: تفريق الصفقة؛ لأنه جَمَعَ في الصفقة (•) الواحدة بين ما يجوز وبين ما لا يجوز، والأظهر: الصحة، والطريقة الثانية: تخريجهما على القولين فيمن جمع بين عقدين مختلفي الحكم، ففي قولٍ يصحان، وفي آخر يبطلان، فإن صححنا الكتابة وهو الأظهر فتصح بالقسط على الأظهر ويوزع.
وَلوْ كَاتَبَ عَبِيْدًا، أي صفقة واحدة، عَلَى عِوَضٍ مُنَجَّمٍ وَعَلَّقَ عِنْقَهُمْ بِأَدَائِهِ فَالنَّصُّ صِحَّتُهَا، أي وفيه قول مخرج من نصه فيما إذا اشترى ثلاثة أعبد كل عبد لرجل من ملاكهم صفقة واحدة أنها باطلة، والأصح طرد القولين فيهما وهما قولان منصوصان في صحة المسمى فيما إذا نكح نسوة أو خالعهن على عوض واحد، وقد ذكر المصنف مسألة النكاح في الصداق، وَيُوَزَّعُ، أي المسمى، عَلَى قِيْمَتِهِمْ يَوْمَ الْكِتَابَةِ، أي لا على عددهم، فَمَنْ أَدَّى حِصَّتَهُ عَتَقَ، وَمَنْ عَجَزَ رَقَّ، لأن يوم الكتابة زالت سلطنة السيد، فيعتبر اذن ولا يتوقف عتق من أدى على أداء غيره، ويعتق من أدّى وإن عجز غيره، وإن مات لا يقال علق بأدائهم، لأن الكتابة الصحيحة يغلب فيها حكم المعاوضة.
стр. 1863
فَصْلٌ: وَتَصِحُّ كِتَابَةُ بَعْضِ مَنْ بَاقِيْهِ حُرٌّ، لاستغراقها الرق منه، فَلَوْ كاَتَبَ كُلّهُ صَحَّ فِي الرَّقَّ فِي الأَظْهَرِ، أي من قولي تفريق الصفقة ويبطل في بعض الحر جزمًا، وَلَوْ كَاتَبَ بَعْضَ رَقِيْقٍ فَسَدَتْ إِنْ كَانَتْ بَاقِيْهِ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يأْذَنْ، لعدم الاستقلال، قال في الدقائق: وقولي فسدت هو مراد الْمُحَرَّر بقوله فالكتابة باطلة وقد تَجَوَّزَ في ذلك، ومراده أنها فاسدة، قال: (وَالْبَاطِلُ وَالْفَاسِدُ مِنَ الْعُقُودِ عِنْدَنَا سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ، إِلَّا فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا الْحَجُّ وَالْخُلْعُ وَالْعَارِيَةُ وَالْكِتَابَةُ) (٥٦٧)، وَكَذَا إِنْ أَذِنَ أَوْ كَانَ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، أما في الأُولى؛ فلأن الشريك الآخر يمنعه من التردد والْمُسَافَرَةِ، ولا يمكن أن يصرف إليهم سهم المكاتبين على الصحيح، ووجه مقابله: استقلاله باعتاق ذلك البعض، فكذا الكتابة، وحاصل الخلاف فيها حكاية طريقين أصحهُّما قولان؛ أصحُّهما: المنع، والثاني: الصحة، والطريقة الثانية: القطع بالمنع، وحَذَفَها من الروضة واقتصر على حكاية القولين، وأما في الثانية: وهي ما إذا كان الباقي له، فلأن المكاتب يحتاج إلى التردد حضرًا وسفرًا لاكتساب النجوم، ولا يستقل بذلك، وإذا كان بعضه رقيقًا لا يحصل مقصود الكتابة، وأيضًا فلا يمكن أن يصرف إليه سهم المكاتبين على الصحيح؛ لأنه يصير بعضه ملكًا لمالك الباقي، فإنه من اكتسابه بخلاف ما إذا كان باقيه حُرًّا, هذا هو المنصوص، وخرَّجَ فيه ابن سريج قولًا آخر من الأُولى، والجمهور على القطع بالأول.
فَرْعٌ مُسْتَثْنًى: أوصى بكتابة عبد فلم يخرج من الثلث إلّا بعضه، ولم تَجُزِ الورثة، فالأصح: أنه يُكَاتَبُ ذلك القَدْرُ، وبه جزم الحاوي الصغير.
وَلَوْ كَاتَبَاهُ مَعًا أَوْ وَكَّلاَ، من كاتبه أو وَكَّلَ أحدهما الآخر، صَحَّ إِنِ اتَّفَقَتِ النُّجُومُ، أي جنسًا وعددًا وأجلًا، وَجُعِلَ الْمَالُ عَلَى نِسْبَةِ مِلْكَيْهِمَا، لئلا يؤدي إلى انتفاع أحدهما بملك الآخر، فإن اختلفت النجوم في الجنس أو قدر الأجل أو العدد أو شرطا التساوي في النجوم مع التفاوت في الملك أو بالعكس، ففي صحة الكتابة
стр. 1864
القولان فيما إذا انفرد أحدهما بكتابة نصيبه باذن الآخر، وقيل: يبطل قطعًا، لأنا لو جَوَّزْنَا ذلك لزم أن ينتفع أحدهما بملك الآخر.
فَرْعٌ: لا يشترط تساوي الشريكين في ملك العبد الذي يكاتبانه على الصحيح.
فَلَوْ عَجَزَ فَعَجَّزَهُ أَحَدُهُمَا، وَأَرَادَ الآخَرُ إِبْقَاءَهُ، يعني العقد، فَكَابْتِدَاءِ عَقْدٍ، أي فلا يجوز بغير إذن الشريك وكذا بإذنه على المذهب كما مرَّ، وَقِيْلَ: يَجُوزُ، هذا جعله الرافعي طريقة لا وجهًا، وكذا في الروضة قال الرافعي: ومنهم من قطع بالجواز بالإذن، لأن الدوام أقوى من الابتداء، وَلَوْ أَبْرَأَ، أي أحد الشريكين، مِنْ نَصِيْبِهِ أَوْ أَعْتَقَهُ عَتَقَ نَصِيْبَهُ، وَقُوِّمَ الْبَاقِي إِنْ كَانَ مُوْسِرًا، أما في العتق فلما سلف في بابه، وأما في الإبراء فلأنه أبرأه عن جميع ما يستحقه، فأشبه ما لو كاتب جميعه وأبرأه عن النجوم قبل وقت السراية في الحال، والأظهر لا بل إن أدَّى نصيب الآخر من النجوم عتق عن الكتابة وكان الولاء بينهما، وإن عجز وعاد إلى الرق ثبتت حينئذ ويكون الولاء للمعتق.
فَصْلٌ: يَلْزَمُ السَّيِّدَ، أي في الكتابة الصحيحة، أَنْ يَحُطَّ عَنْهُ جُزْءًا مِنَ الْمَالِ، أَوْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ، أي بعد أخذ النجوم ليستعين به لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٥٦٨) وروي الْحَطُّ عن الصحابة قولًا وفعلًا (٥٦٩)، وَالْحَطُّ أَوْلَى، أي
стр. 1865
من الدفع، لأنَّ المقصود اعانته بالبعض ليعتق؛ والإعانة في الحطِّ محققة؛ وفي الدفع موهومة؛ فإنَّه قد ينفق المال من جهة أخرى، والأصح: أنَّ الْحَطَّ أصل والدفع بدلٌ عنه، وقيل عكسه.
فَرْعٌ: الإيتاءُ بِالْحَطِّ لا يكون إلاَّ من نفس مال الكتابة، وأما البدل؛ فالأصح: أنَّه يعتبر من الجنس.
وَفِي النَّجْمِ الأَخِيْرِ أَلْيَقُ، لأن حالة الخلوص من ربقة الرق، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَكْفِي مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الاِسْمُ وَلاَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْمَالِ، لأنه لم يرد فيه تقدير، وقوله تعالى: ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ يتناول القليل والكثير، وهذا ما نص عليه في الأم، والثاني: ينبغي أن يكون قدرًا يليق بالحال فيستعين به على العتق دون القليل الذي لا وقع له، وَأَنَّ وَقْتَ وُجُوبِهِ قَبْلَ الْعِتْقِ، ليستعين به في الأداء، والثاني: بعدهُ لِيَتَبَلَّغَ به.
فَرْعٌ: وقت الجواز من أول العقد ويجوز أيضًا بعد الاداء وحصول العتق لكن يكون قضاءً إذا أوجبنا التقديم على العتق.
وَيُسْتَحَبُّ الرُّبُعُ، لحديث فيه صحح الحاكم إسناده: [يُتْرَكُ لِلْمُكَاتَبِ الرُّبُعُ] (٥٧٠)، وَإلاَّ فَالسُّبُعُ، اقتداءً بعمر كما رواه مالك في الموطأ (٥٧١).
стр. 1866
فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ وَطْءُ مُكَاتَبَتِهِ، لاختلال ملكه، وَلاَ حَدَّ فِيْهِ، للشبهة، نعم يُعَزَّرُ، وَيَجِبُ مَهْرٌ، أي ولو كانت مطاوعة على الأصح لشبهة الملك أيضًا، وَالْوَلَدُ حُرٌّ، لأنها عَلَقَتْ به في ملكه، وَلاَ تَجِبُ قِيْمَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، بناء على أن ولد المكاتبة قنَّ للسيد أو قلنا: بأنَّه مكاتب لكن حق الملك فيه للسيد كما لو قتل ولدها، أما إذا قلنا: الحقُّ لها فعليه القيمة وتستعين المكاتَبَة بها، فإن عجزت قبل الأخذ سقطت، وإن عتقت أخذتها، وَصَارَتْ مُسْتَوْلَدَةً، أي لأجل الإيلاد، مُكَاتَبَةً فَإِنْ عَجَزَتْ عَتَقَتْ بِمَوْتِهِ، لأجل الاستيلاد، وَوَلَدُهَا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ زِنًا مُكَاتَبٌ فِي الأَظْهَرِ يَتْبَعُهَا رِقًّا وَعِتْقًا، لأنَّ الولد من كسبها فيقف على عتقها، والثاني: المنع؛ بل هو مملوك لِلْمَوْلَى يتصرف فيه بالبيع وغيره، لأنَّ الكتابة عقد يلحقه الفسخ مع بقاء الملك للسيد فلا يسري حكمه إلى الولد كالرهن، وَلَيْسَ عَلَيْهِ، أي على الولد، شَيْءٌ، أي من النجوم، لأنه لم يوجد منه التزام، وَالْحَقُّ فِيْهِ، أي في الولد، لِلسَّيِّدِ، كما أن حق الملك في الأُمِّ له، وَفِي قَوْلٍ: لَهَا، أي للمكاتبة؛ لأنه لو كان للسيد لما عتق بعتقها، فَلَوْ قُتِلَ فَقِيْمَتُهُ لِذِي الْحَقِّ، كقيمة الأم، وإن قلنا بالثاني؛ فلها، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ أَرْشَ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ وَكَسْبَهُ وَمَهْرَهُ يُنْفَقُ مِنْهَا عَلَيْهِ، وَمَا فَضَلَ وُقِفَ، فَإِنْ عَتَقَ فَلَهُ، وَإِلاَّ فَلِلسَّيِّدِ، كما أن كَسْبَ الأُمِّ إذا اعتقت يكون لها وإلاَّ فلا، وفي وجه: أنَّه لا يوقف بل يصرف إلى السيد كما تصرف إليه القيمة، هذا كله إذا قلنا بالقول الأوَّل، فإن قلنا بالقول الثاني؛ فهو للأُمِّ تستعين به في كتابتها كما حكاه في الروضة تبعًا للرافعي.
فَصْلٌ: وَلاَ يَعْتِقُ شَيْءٌ مِنَ الْمُكَاتَبِ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْجَمِيْعَ، لقوله ﵊: [الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ] رواه أبو داود (٥٧٢)، وَلَوْ أَتَى بِمَالٍ
стр. 1867
فَقَالَ السَّيِّدُ: هَذَا حَرَامٌ وَلاَ بَيِّنَةَ حَلَفَ الْمُكَاتَبُ أَنَّهُ حَلاَلٌ، أي ويُصدَّق فيه عملاً بظاهر اليد، وَيُقَالُ لِلسَّيِّدِ: تَأْخُذُهُ أَوْ تُبْرِئُهُ عَنْهُ، فَإِنْ أَبَى قَبَضَهُ الْقَاضِي، أي وعتق المكاتب، فَإِنْ نَكَلَ الْمُكَاتَبُ حَلَفَ السَّيِّدُ، أي وكان كإقامة البينة، وَلَوْ خَرَجَ الْمُؤَدَّى مُسْتَحِقًّا رَجَعَ السَّيِّدُ بِبَدَلِهِ، لفساد القبض، فَإِنْ كَانَ فِي النَّجْمِ الأَخِيْرِ بَانَ أَنَّ الْعِتْقَ لَمْ يَقَعْ، لبطلان الأداء، وإن ظهر الاستحقاق بعد موت المكاتب تبيَّن أنَّه مات رقيقًا وَإِنَّ مَا تركته للسيد دون الورثة، وَإِنْ كَانَ قَالَ عِنْدَ أَخْذِهِ: أَنْتَ حُرٌّ، أي فإن العتق لا يقع، لأنه بناهُ على ظاهر الحال وهو صحة الأداء، وكلام الإمام يشعر بالتفصيل بين وجود قرينة كقبض مثلاً ودونها، قال الرافعي: وهو قويم لا بأس بالأخذ به، لكن في الوسيط: أنَّه لا فرق بين أن يكون متصلاً بقبض النجوم أو غير متصل أو كان ذلك جوابًا أم لا، وَإِنْ خَرَجَ مَعِيْبًا فَلَهُ رَدُّهُ وَأَخْذُ بَدَلِهِ، أي سواء كان ذلك العيب يسيرًا أو فاحشًا، لأنه دون حقه.
فَصْلٌ: وَلاَ يَتَزَوَّجُ، أي المكاتب، إِلاَّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، لأنه عبد كما سلف، وَلاَ يَتَسَرَّى بِإِذْنِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لضعف ملكه وخوفًا من هلاك الجارية في الطلق، وقال الْجُوَيْنِيُّ: لا يبعد آخر الوجهين في وطء من يُؤمَن حملها كما في المرهونة، وهو غير مُرْضٍ، وكلام المصنف في الروضة في النكاح والبيع يقتضي صحة التَّسَرِّي بالإذن، فإنه جعله على القولين في تبرعاته.
وَلَهُ شِرَاءُ الْجَوَارِي لِلتِّجَارَةِ، لأنه إنما كاتب ليعتق بالأداء فمكن من جهات الكسب تحصيلًا للمقصود، فَإِنْ وَطِئَهَا فَلاَ حَدَّ، للشبهة وكذا لا مهر إذ لو ثبت لكان له، وَالْوَلَدُ نَسِيْبٌ، لشبهة الملك، فَإِنْ وَلَدَتْهُ فِي الْكِتَابَةِ أَوْ بَعْدَ عِتْقِهِ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ تَبِعَهُ رِقًّا وَعِتْقًا، أي ولا يعتق في الحال لضعف ملكه، وَلاَ تَصِيْرُ مُسْتَوْلَدَةً فِي الأَظْهَرِ، لأنها علقت بمملوك، والثاني: تصير؛ لأنه ثبت للولد حق الحرية حيث تكاتب عليه وامتنع بيعه فيثبت لها حرمة الاستيلاد، وَإِنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ الْعِتْقِ لَفَوْقِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ يَطَؤُهَا فَهُوَ حُرٌّ وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ، لظهور العلوق بعد الحرية، ولا ينظر
стр. 1868
إلى احتمال العلوق في الرق تغليبًا للحرية، وإن لم يطأها بعد الحرية فالاستيلاد على الخلاف، هذا ما صححه البغوي وقال آخرون يثبت مطلقًا.
فَصْلٌ: وَلَوْ عَجَّلَ، يعني المكاتب، النُّجُومَ لَمْ يُجْبَرِ السَّيِّدُ عَلَى الْقَبُولِ إِنْ كَانَ لَهُ مِنَ الاِمْتِنَاعِ غَرَضٌ كَمُؤْنَةِ حِفْظِهِ، أي كالطعام الكثير، أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهِ، أي بأن كان زمن نهب أو إغارة لما في الإجبار من الضرر والحالة هذه، ولو أنشأ العقد في أثناء الفتنة والإغارة لم يجبر أيضًا على الأصح لأنها قد تزول عند المحل، وَإِلاَّ، أي وإن لم يكن له غرض في الامتناع، فَيُجْبَرُ، فَإِنْ أَبَى قَبَضَهُ الْقَاضِي، لأثر عمر في سنن البيهقي (٥٧٣) ويعتق المكاتب، وَلَوْ عَجَّلَ بَعْضَهَا، أي بعض النجوم، لِيُبْرِئَهُ مِنَ الْبَاقِي فَأَبْرَأَ لَمْ يَصِحَّ الدَّفْعُ وَلاَ الإِبْرَاءُ، لأنه قد يضارع ربا الجاهلية، وإذا لم يصحا لا يحصل العتق وعلى السيد رد المأخوذ، وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ النُّجُومِ، لأنه بيع ما لم يقبض، وَلاَ الاِعْتِيَاضُ عَنْهَا، قلت: كذا صححه الرافعي في شرحه وفاقًا للبغوي لكن الذي نص عليه الشافعي في الأم في باب قطاعة المكاتب الجواز، فَلَوْ بَاعَ، أي النجوم، وَأَدَّى، المكاتب، إِلَى الْمُشْتَرِي لَمْ يَعْتِقْ فِي الأَظْهَرِ، لأنه يقبض لنفسه، والثاني: يعتق لأنَّ السيد سلطه على القبض فأشبه الوكيل، فإن أدى إلى السيد عتق لا محالة.
وَيُطَالِبُ السَّيِّدُ الْمُكَاتَبَ، وَالْمُكَاتَبُ الْمُشْتَرِي بِمَا أَخَذَ مِنْهُ، وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ رَقَبَتِهِ فِي الْجَدِيْدِ، لأنَّ الكتابة عقد يمنع من استحقاق الكسب وارش الجناية فيمنع
стр. 1869
البيع كما لو باع عبدًا من إنسان لا يجوز له بيعه، والقديم الصحة كبيع المعلق عتقه بالصفة، ولقصة بريرة، وترجم البيهقي في سننه بأن المكاتب يجوز بيعه في حالين أن يحل نجم من نجومه فيعجز عن أدائه أو يرضى المكاتب بالبيع ثم ذكر قصة بريرة (٥٧٤)، فَلَوْ بَاعَ فَأَدَّى، أي النجوم، إِلَى الْمُشْتَرِي فَفِي عِتْقِهِ الْقَوْلاَنِ، أي السالفان فيما إذا أدى النجوم إلى المشتري، وَهِبَتُهُ كَبَيْعِهِ، أي فيجري فيها الخلاف، وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُ مَا فِي يَدِ مُكَاتَبِهِ وَإِعْتَاقُ عَبْدِهِ وَتَزْوِيْجُ أَمَتِهِ، لأنه كالأجنبي معه، وَلَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَعْتِقْ مُكَاتَبَكَ عَلَى كَذَا فَفَعَلَ عَتَقَ وَلَزمَهُ مَا الْتَزَمَ، كما لو قال أعتق مستولدتك وقد سلف في الكفارة.
فَصْلٌ: الْكِتَابَةُ لاَزِمَةٌ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ لَيْسَ لَهُ فَسْخُهَا، لأنها عقدت لخط الكاتب لا لخط السيد فكان السيد فيها كالراهن، إِلاَّ أَنْ يَعْجِزَ عَنِ الأَدَاءِ، أي عند المحل ولو بعض نجم، أمَّا الأوَّل أو الأخير كما يفسخ البائع لعجز المشتري، ويستثنى ما إذا عجز عن القدر الذي يحط عنه أو يبذل له فإنَّه لا يفسخ، لأنَّ عليه مثله بل يرفع المكاتب الأمر إلى الحاكم ليفصل بينهما بطريقة، ولو لم يعجز ولكن امتنع عن الأداء فللسيد الفسخ أيضًا بخلاف البيع، وَجَائِزَةٌ لِلْمُكاَتَبِ، لأنه عقد لخطه فأشبه المرتهن، فَلَهُ تَرْكُ الأَدَاءِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ وَفَاءٌ، لأنَّ الخط له، فَإِذَا عَجَّزَ نَفْسَهُ؛ فَلِلسَّيِّدِ الصَّبْرُ وَالْفَسْخُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ شَاءَ بِالْحَاكِمِ، لأنه لا نظر فيه ولا اجتهاد حتى يتوقف الأمر عليه، وَلِلْمُكَاتَبِ الْفَسْخُ فِي الأَصَحِّ، كما أن للمرتهن أن يفسخ الرهن أيضًا، والثاني: المنع، وبه جزم الرافعي في مواضع أُخر إذ لا ضرر عليه في بقائها، وله الامتناع من الأداء، لأنه تعليق عتق بصفة.
وَلَوِ اسْتَمْهَلَ الْمُكَاتَبُ عِنْدَ حُلُولِ النَّجْمِ اسْتُحِبَّ إِمْهَالُهُ، مساعدة له على تحصيل الحق، فَإِنْ أَمْهَلَ ثُمَّ أَرَادَ الْفَسْخَ فَلَهُ، لأنَّ الحقَّ (•) له، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ
стр. 1870
عُرُوضٌ أَمْهَلَهُ لِيَبِيْعَهَا فَإِنْ عَرَضَ كَسَادٌ، أي وغيره، فَلَهُ أَنْ لاَ يَزِيْدَ فِي الْمُهْلَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، لتضرره بذلك، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا أَمْهَلَهُ إِلَى الإِحْضَارِ إِنْ كَانَ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ، وَإِلاَّ فَلاَ، لطول المدة، وَلَوْ حَلَّ النَّجْمُ وَهُوَ غَائِبٌ فَلِلسَّيِّدِ الْفَسْخُ، لأن المكاتب كان ينبغي له أن يحضر أو يبعث المال إليه عند المحل، وله الفسخ بالحاكم، وكذا بنفسه على الأصح، ولا يجب التأخير لكون الطريق مخوفًا أو المكاتب مريضًا، فَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ فَلَيْسَ لِلْقَاضِي الأَدَاءُ مِنْهُ، أي ويمكن السيد من الفسخ لأنه ربما عجز بنفسه لو كان حاضرًا ولم يؤدِ المال، وَلاَ تَنْفَسِخُ بِجُنُونِ الْمُكَاتَبِ, لأن الكتابة لازمة من أحد الطرفين فأشبهت الرهن، وإنما تنفسخ به الجائز من الطرفين، وَيُؤَدِّى الْقَاضِي إِنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا، نيابة عنه فإنَّه ليس من أهل النظر لنفسه، وقيَّد الغزالي الأداء بالمصلحة، قال الرافعي: وهو حسن لكنه قليل النفع مع قولنا إن السيد إذا وجد له مالًا له الاستقلال بأخذه، إلاَّ أن يقال: إن الحاكم يمنعه من الأخذ والحالة هذه، فإن لم يجد الحاكم له مالًا مكن السيد من الفسخ، وَلاَ بِالْحَجْرِ بِجُنُونِ السَّيِّدِ، لما سلف، وَيَدْفَعُ، أي المكاتب النجوم، إِلَى وَلِيِّهِ، وَلاَ يَعْتِقُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ، لأنَّ قبضه فاسد، ولو تلف في يده فلا ضمان لتقصيره بالتسليم إليه.
فَصْلٌ: وَلَوْ قَتَلَ سَيِّدَهُ فَلِوَارِثِهِ قِصَاصٌ، فَإِنْ عَفَا عَلَى دِيَةِ أَوْ قَتَلَ خَطَأً أَخَذَهَا مِمَّا مَعَهُ، لأنه معه كالأجنبي في المعاملات، فكذا في الجناية، فالواجب أقل الأمرين كما ذكره المصنف في الجناية على الأجنبي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، أي في يده مال أو كان لا يفي بالارش، فَلَهُ تَعْجِيْزُهُ فِي الأَصَحِّ، ويستفيد به رده إلي الرق المحض، لأنه إذا عجز سقط الأرش، لأنه لا يثبت له على عبده دين بخلاف ما إذا عجز أجنبي فإن الارش يتعلق برقبته، أَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ فَاقْتِصَاصُهُ وَالدِّيَةُ كَمَا سَبَقَ، أي في الارث، وَلَوْ قَتَلَ أَجْنَبِيًّا أَوْ قَطَعَهُ فَعُفِيَ عَلَى مَالٍ أَوْ كَانَ خَطَأً أَخَذَ مِمَّا مَعَهُ وَمِمَّا سَيَكْسِبُهُ الأَقَلَّ مِنْ قِيْمَتِهِ وَالأَرْشِ، لأنه منع نفسه من البيع بالكتابة فلزم الأقل كالسيد في أم الولد، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ وَسَأَلَ الْمُسْتَحِقَّ تَعْجِيْزَهُ عَجَّزَهُ الْقَاضِي وَبِيْعَ بِقَدْرِ الأَرْشِ، فَإِنْ بَقيَ مِنْهُ شَيْءٌ بَقِيَتْ فِيْهِ الْكِتَابَةُ، أي فإذا أدى حصته من النجوم عتق
стр. 1871
ذلك القدر، وَلِلسَّيِّدِ فِدَاؤُهُ وَإِبْقَاؤُهُ مُكَاتَبًا، وعلى مستحق الأرش القبول ويفديه بأقل الأمرين، وَلَوْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ أَوْ أَبْرَأَهُ عَتَقَ وَلَزِمَهُ الْفِدَاءُ، لأنه فوت حق المجني عليه، وَلَوْ قُتِلَ الْمُكَاتَبُ بَطَلَتْ وَمَاتَ رَقِيْقًا، لفوات محلها، وَلِسَيِّدِهِ قِصَاصٌ عَلَى قَاتِلِهِ الْمُكَافِئ وَإِلاَّ فالْقِيْمَةُ، وإن قتله سيده فليس عليه إلاَّ الكفارة وله اكتسابه بحكم الملك لا بالإرث.
فَصْلٌ: وَيَسْتَقِلُّ، أي المكاتب، بِكُلِّ تَصَرُّفٍ لاَ تَبَرُّعَ فِيْهِ وَلاَ خَطَرَ، أي كالبيع والشراء والاجارة وغيرها، لأنه إنما كاتب ليعتق بأداء النجوم فمكن من جهات الكسب تحصيلًا للمقصود، وَإِلاَّ فَلاَ، أي وما فيه تبرع كالهبة والعتق والبيع بالغبن الفاحش أو خطر كالبيع نَسِيئَةً أو انهاب القريب الذي لا يعتق عليه وهو غير كسوب فلا يستقل به، وَيَصِحُّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فِي الأَظْهَرِ، لأنَّ المنع إنما كان لحقه وقد زال باذنه كالمرتهن، والثاني: المنع؛ لأنه ناقص الملك، والسيد لا يملك ما في يده فلا يصح باجتماعهما، وَلَوِ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِهِ صَحَّ، أي وكان الملك فيه للمكاتب، فَإِنْ عَجِزَ وَصَارَ لِسَيِّدِهِ عَتَقَ، لوجود ملكه عليه، أَوْ عَلَيْهِ، أي ولو اشترى من يعتق عليه، لَمْ يَصِحَّ بِلاَ إِذْنٍ، لتضمنه العتق، وَبِإِذْنٍ فِيْهِ الْقَوْلاَنِ، في تبرعاته، ومقتضاه الصحة كما سلف، فَإِنْ صَحَّ فَمُكَاتَبٌ عَلَيْهِ، أي فيتبعه رقًا وعتقًا، وَلاَ يَصِحُّ إِعْتَاقُهُ وَكِتَابَتُهُ بِإِذْنٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، لتضمنه الولاء وليس أهلًا له، والثاني: يصح عملًا بالاذن ويوقف الولاء، والطريق الثاني: القطع بالأول.
فَرْعٌ: يصح نكاحه بالإذن على المذهب.
فَصْلٌ: الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ لِشَرْطٍ أَوْ عِوَضٍ أَوْ أَجَلٍ فَاسِدٍ كَالصَّحِيْحَةِ فِي اسْتِقْلاَلِهِ بِالْكَسْبِ، لأنَّ مقصود الكتابة العتق وهو لا يبطل بالتعليق على فاسدٍ، وَفِي أَخْذِ أَرْقِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ وَمَهْرِ شُبْهَةٍ، ليستعين بها في كتابته، وَفِي أَنَّهُ يَعْتِقُ بِالأَدَاءِ وَيَتْبَعُهُ كَسْبُهُ، لأنه ملكه، وَكَالتَّعْلِيْقِ فِي أَنَّهُ لاَ يَعْتِقُ بِإِبْرَاءٍ، أي ولا بأداء الغير عنه تبرعًا لعدم حصول الصفة، وَتَبْطُلُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ، أي ولا يعتق بالاداء إلى
стр. 1872
الوارث بعد الموت كسائر التعليقات إلاَّ أن يعلقه بالإعطاء إلى وارثه بعد الموت، وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِرَقَبَتِهِ، أي وإن ظن صحة الكتابة على الأظهر اعتبارًا بالحقيقة، وَلاَ يُصْرَفُ إِلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْمُكَاتَبِيْنَ، لأنها غير لازمة والقبض فيها غير موثوق به، وَيُخَالِفُهُمَا، أي ويخالف الفاسدة الصحيحة وكذا التعليق، فِي أَنَّ لِلسَّيِّدِ فَسْخَهَا، لأنَّ المسمى فيها لا يسلم للسيد فإن للسيد استرداده كما سيأتي، وَأَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ مَا يَأْخُذُهُ، بَلْ يَرْجِعُ الْمُكَاتَبُ بِهِ إِنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا، لأنه لم يملكه، وَهُوَ عَلَيْهِ بِقِيْمَتِهِ، لأنَّ فيها معنى المعاوضة وقد تلف المعقود عليه بالعتق فهو كما لو تلف المبيع بيعًا فاسدًا في يد المشتري يرجع على البائع بما أدى ويرجع البائع عليه بالقيمة، يَوْمَ الْعِتْقِ، لأنه يوم التلف، فَإِنْ تَجَانَسَا فَأَقْوَالُ التَّقَاصِّ، أي الآتية على الأثر، وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْفَضْلِ بِهِ، أي بما فضل، وخرج بالمتقوم الخمر ونحوه فإنَّه لا يرجع العتيق على السيد بشيء وهو يرجع على العتيق بقيمة رقبته، ثمَّ أعلم أن الكتابة الفاسدة تفارق الصحيحة في أمور أُخر ذكرتها في الأصل فسارع إليها.
فَرْعٌ: الكتابة الباطلة كما لو كاتب على الحشرات مثلًا لاغية إلاَّ إذا صرح بالتعليق وكان ممن يصح تعليقه، فإن حكم التعليق يثبت.
قُلْتُ: أَصَحُّ أَقْوَالِ التَّقَاصِّ: سُقُوطُ أَحَدِ الدَّيْنَيْنِ بِالآخَرِ بِلاَ رِضًى، إذ لا فائدة فيه فإن مطالبة احدهما الآخر بمثل ما عليه عناء، وَالثَّانِي: بِرِضَاهُمَا، لأنه ابدال ذمة بذمة فأشبه الحوالة لا بد فيها رضى المحيل والمحتال، وَالثَّالِثُ: بِرِضَى أحَدِهِمَا، لأنَّ للمديون أن يقضي من حيث شاء، فإذا رضي أحدهما فقد وجد القضاء منه، وَالرَّابِعُ: لاَ يَسْقُطُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، أي وإن رضيا لأنه بيع دين بدين، والمسألة مبسوطة في الأصل فلا بد لك من مراجعتها، فَإِنْ فَسَخَهَا السَّيِّدُ فَلْيُشْهِدْ، خوفَ النزاع، فَلَوْ أَدَّى الْمَالَ فَقَالَ السَّيِّدُ: كُنْتُ فَسَخْتُ، فَأَنْكَرَهُ صُدِّقَ الْعَبْدُ بِيَمِيْنِهِ، عملاً بالأصل، وعلى السيد البيّنة، وَالأَصَحُّ: بُطْلاَنُ الْفَاسِدَةِ بِجُنُونِ السَّيِّدِ وَإِغْمَائِهِ وَالْحَجْرِ عَلَيْهِ لاَ بِجُنُونِ الْعَبْدِ، لأنَّ الخط في الكتابة له لا للسيد، والثاني: بطلانها
стр. 1873
بجنونهما؛ لجوازها من الطرفين كالوكالة ولا يبعد ترجيحه، والثالث: لا فيهما؛ لأنَّ المغلب فيها التعليق وهو لا يبطل به.
فَصْلٌ: وَلَوِ ادَّعَى كِتَابَةً فَأَنْكرَ سَيِّدُهُ أَوْ وَارِثُهُ صُدِّقَا، عملاً بالأصل، وَيَحْلِفُ الْوَارِثُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ النُّجُومِ أَوْ صِفَتِهَا تَحَالَفَا، كما في البيع وغيره كما سلف، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَ مَا يَدَّعِيْهِ لَمْ تَنْفَسِخِ الْكِتَابَةُ فِي الأَصَحِّ، بَلْ إِنْ لَمْ يَتَّفِقَا فَسَخَ الْقَاضِي، والثاني: ينفسخ وهو كالخلاف السالف في اختلاف المتبايعين، وَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ وَقَالَ الْمُكَاتَبُ: بَعْضُ الْمَقْبُوضِ وَدِيْعَةٌ عَتَقَ وَرَجَعَ هُوَ بِمَا أَدَّى، وَالسَّيِّدُ بِقِيْمَتِهِ، وَقَدْ يَتَقَاصَّانِ، أي إن وجد شرطه، وَلَوْ قَالَ: كَاتَبْتُكَ وَأَنَا مَجْنُونٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيَّ فَأَنْكَرَ الْعَبْدُ صُدِّقَ السَّيِّدُ إِنْ عُرِفَ سَبْقُ مَا ادَّعَاهُ، لقوة جانبه بذلك، وَإِلاَّ فَالْعَبْدُ، لضعفه.
وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ: وَضَعْتُ عَنْكَ النَّجْمَ الأَوَّلَ أَوْ قَالَ الْبَعْضَ، فَقَالَ: بَلِ الآخَرَ أَوِ الْكُلَّ صُدِّقَ السَّيِّدُ، لأنه أعْرَف بارادته، وَلَوْ مَاتَ عَنِ ابْنَيْنِ وَعَبْدٍ فَقَالَ: كَاتَبَنِي أَبُوكُمَا، فَإِنْ أَنْكَرَا صُدِّقَا، أي بيمينهما على نفي العلم بكتابة الأب، وَإِنْ صَدَّقَاهُ فَمُكَاتَبٌ، عملًا بقولهما، فَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيْبَهُ، فَالأَصَحُّ: لاَ يَعْتِقُ، بَلْ يُوْقَفُ، فَإِنْ أَدَّى نَصِيْبَ الآخَرِ عَنَقَ كُلُّهُ وَوَلاَؤُهُ لِلأَبِ، فَإِنْ عَجَزَ قُوِّمَ عَلَى الْمُعْتِقِ إِنْ كَانَ مُوْسِرًا، أي وبطلت كتابة الأب، وكان ولاء الكل له، وَإِلاَّ، أي وإن كان معسرًا، فَنَصِيْبُهُ حُرٌّ وَالْبَاقِي مِنْهُ قَنٌّ لِلآخَرِ، قُلْتُ: بَلِ الأَظْهَرُ الْعِتْقُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، قال الرافعي: وهو المشهور الذي أطلقه عامة الاصحاب، وتبع في الْمُحَرَّرِ البغويَّ فإنَّه صححه، وَإِنْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا فَنَصِيْبُهُ مُكَاتَبٌ، أي ولا يضر التشقيص للضرورة، وَنَصِيْبُ الْمُكَذِّبِ قَنٌّ، لأنَّ القولَ قولُه بيمينه، فَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُصَدِّقُ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُوْسِرًا، وطريقة الأكثرين فيه حكاية قولين، ومنهم من قطع بالسراية في الحال؛ لأنَّ منكر الكتابة يقول هو رقيق لهما، فإذا أعتق صاحبه فَتَثْبُتُ السِّرَايَةُ بقولهِ.
وَلاَ يَقْدَحُ فِيْهِ إِخْرَاجُ ابْنُ (مَاجَةَ) (•) لَهُ بِسَنَدٍ آخَرٍ ضَعِيْفٍ (٥٧٦).
إِذَا أَحْبَلَ أَمَتَهُ فَوَلَدَتْ حَيًّا أوْ مَيِّتًا أَوْ مَا تَجِبُ فِيْهِ غُرَّةٌ عَتَقَتْ بمَوْتِ السَّيِّدِ، أما في الحي فلحديث ابن عمر في الدارقطني صحح ابن القطان رفعه (٥٧٧)، وأما في الميت فقياسًا، والمراد بما تجب فيه الغرة ما قرره في بابه من كونها إذا ألقت قطعة لحم، قال القوابل فيه صورة خفية لا يعرفها إلاّ أهل الخبرة، فإن قال: القوابل لو بقي لتصور فالأصح لا استيلاد كما لا غرة، وقد سبق ايضاح ذلك في العَدد أيضًا، أَوْ أَمَةَ غَيْرِهِ بِنِكَاحٍ فَالْوَلَدُ رَقِيْقٌ، لأنه يتبع الأم، وهذا إذا لم يكن ثم غرور فإن كان فَجَرَّ كما سلف في النكاح، وَلاَ تَصِيْرُ، أي الجارية، أُمَّ وَلَدٍ إِذَا مَلَكهَا، لأن أمومة الولد إنما تثبت لها تبعًا لحرية الولد وهو هنا رقيق.
فَرْعٌ: لو ملكها وهي حامل منه فكذلك الحكم، ولكن يعتق عليه لأنه ملك ولده، ذكره الرافعي في الْمُحَرَّرِ.
стр. 1876
أَوْ بِشُبْهَةٍ، أي بأن ظنها زوجته الحرة أو أمته، فَالْوَلَدُ حُرٌّ، نظرًا إلى ظنه، فإن وطئها على ظن أنها زوجته المملوكة فهو رقيق يعتق بموته، ولا يثبت الاستيلاد، وقد أخرجه الْمُحَرَّرُ بقوله: على ظن أنه وطئ زوجته الحرة، وَلاَ تَصِيْرُ أُمَّ وَلَدٍ إِذَا مَلَكَهَا فِي الأَظْهَرِ، لأنها علقت به في غير ملكه، فأشبه ما لو علقت به في نكاح، والثاني: تصير؛ لأنها علقت منه بِحُرًّ، وَلَهُ وَطْئُ أُمِّ الْوَلَدِ، لحديث ابن عمر السالف، وَاسْتِخْدَامُهَا وَإِجَارَتُهَا، كالمدبرة، وَأَرْشُ جِنَايَةٍ عَلَيْهَا، أي وعلى أولادها التابعين لها، وَكَذَا تَزْوِيْجُهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا فِي الأَصَحِّ، كما في القنة، والثاني: لا بد من رضاها كالمكاتبة، وتعبيره بالأصح الصوابُ إبداله بالأظهر، كما فعل في الروضة، وقد جزم الشافعي في الأم بالثاني، وَيَحْرُمُ بَيْعُهَا، لحديث ابن عمر السالف، نعم؛ في فتاوى القفال: أنه لو باعها نفسها صح على الظاهر، لأن بيع العبد من نفسه اعتاق على الحقيقة, وَرَهْنُهَا، كبيعها، وَهِبَتُهَا، لأنها تنقل الملك كالبيع، وَلَوْ وَلَدَتْ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًا فَالْوَلَدُ لِلسَّيِّدِ يَعْتِقُ بِمَوْتِهِ كَهِيَ، لأن الولد تبع الأم في الحرية فكذا في حقها، وَأَوْلاَدُهَا قَبْلَ الاِسْتِيْلاَدِ مِنْ زِنًا أَوْ زَوْجٍ لاَ يَعْتِقُونَ بِمَوْتِ السَّيِّدِ، لأنهم حدثوا قبل ثبوت الحرية للأم، وَلَهُ بَيْعُهُمْ، لأنهم ولدوا في ملكه، وَعِتْقُ الْمُسْتَوْلَدَةِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَاللهُ أَعْلَمُ (•)، لأنه اتلاف حصل باستمتاع فأشبه الاتلاف بالأكل واللبس.
قَالَ مُؤَلِّفُهُ ﵀: وَهَذَا آخِرُ مَا يَسَّرَهُ اللهُ تَعَالَى، وَالْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ وَلَهُ الْمِنَّةُ مِنَ الْعُجَالَةِ الْمُبَارَكَةِ، قَالَ: وَاتَّفَقَ نَجَازُهَا أَثْنَاءَ يَوْمِ الثُّلاَثَاءِ / سَادِسَ عَشْرَ جُمَادَى الآخِرَةَ / سَنَةَ ثَلاَثٍ وَسَبْعِيْنَ وَسَبْعُمِائَةٍ.
ثُمَّ اتَّفَقَ مِنْ نَسْخِهَا عَلَى يَدِ الْعَبْدِ الْفَقِيْرِ