← Фикх шафии

Фикх шафии · id 20561

عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج

ابن الملقن

Полный текст (1 877 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

عليه، ولا يبعد بالنسبة إلى التطوع؛ لأن له الخروج منه (٩٧٣). فَرْعٌ: المباشرة باليد والمعانقة لها حكم القُبْلَةِ. وَلَا يُفْطِرُ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ، أي بل تركهما أَولى لأنهما يضعفانه؛ وصحَّ [أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ] لكنه منسوخٌ أو مُأَوَّلٌ (٩٧٤).

стр. 527

وَالاحْتِيَاطُ أن لا يَأْكُلَ آخِرَ النَّهَارِ إِلَّا بِيَقِينٍ, لأن الأصل بقاؤه؛ ويجب إمساك جزء من الليل ليتحقق استكمال النهار، وقد ورد التغليظ على من أفطر قبل الغروب من حديث أبي أمَامَةَ البَاهِلِيِّ [أَنَّهُ ﷺ رَأهُمْ في نَوْمِهِ وَهُمْ يُعَلَّقُونَ بِعَرَاقِيْبِهِمْ وَأَشْدَاقُهُمْ مُشَققَةٌ تَسِيْلُ دَمًا] رواه البيهقي في كتابه فضائل الأوقات (٩٧٥). وَيحِلُّ بِالاجْتِهَادِ، أي بالأوراد ونحوها، في الأصَحِّ، كأَوقات الصلاة، والثاني: لا؛ لقدرته على درك اليقين بالصبر، وَيجُوزُ، الأكل، إِذَا ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْلِ، أي بالاحتهاد لأن الأصل بقاؤه. قُلْتُ: وَكَذَا لَو شَكَّ، وَالله أَعْلَمُ، لذلك أَيضًا، وَلَوْ

стр. 528

أَكَلَ بِاجْتِهَادِ أوَّلًا أَوْ آخِرًا، وَبَان الْغَلَطُ بَطَلَ صَوْمَهُ, لأنه تحقق خلاف ما ظنه، أَوْ بِلَا ظَنٍّ وَلَمْ يَبِنِ الْحَالُ صَحَّ إِنْ وَقَعَ في أوَّلهِ وَبَطَلَ في آخِرِهِ، عملًا بالأصل فيهما، أعني بقاء الليل في الأولى والنهار في الثَّانية، وَلَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ، أي الصادق وهو الشرعي، وَفى فَمِهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ صَحَّ صَوْمُهُ, لأنه لو وضعهُ في فيهِ نهارًا ولم يصل إلى حلْقِه لم يفطر فأولى إذا كان الوضع ليلًا ولو سبقه إلى جوفه؛ فالأصح من زوائد الروضة عدم فطره. وَكَذَا لَوْ كَان مُجَامِعًا فَنَزَعَ في الْحَالِ, لأنه ترك، كما لو حلف لا يلبس فنزع؛ وسواء أنزل أو لم ينزل، فَإِن مَكَثَ، أي بعد علمه بطلوعه، بَطَلَ، لتحقق الجماع منه قصدًا؛ وتلزمه الكفَّارة والحالة هذه على المذهب، قال الرويانى: والأولى عندي في هذه الحالة: أن صومه ما انعقد أصلًا، وقيل: انعقد وفسد، وظاهر إيراد المصنف يُشعر به. فَصْل: شَرْطُ الصَّوْمِ، أي شرط صحته: الإِسْلَامُ، بالإجماع، وَالْعَقْلُ، أي فلا يصح صوم غير المميز؛ والمجنون؛ لالتحاقهما بالبهائم، وَالنَّقَاَءُ عَنِ الْحَيضِ وَالنِّفَاسِ، بالإجماع، جَميعِ النَّهَارِ، أي فلو طرأ رِدَّةٌ أو حيضٌ أو نفاسٌ بطل صومه وكذا الجنون على الأرجح كما لو جُنَّ في خلال صلاته، وَلَا يَضُرُّ النوْمُ المُسْتَغْرِقُ، للنهار، عَلَى الصَّحِيح، لبقاء أهلية الخَطاب، والثاني: يضر كالاِغْمَاءِ وقد عرفت الفَرْق، فإن استيقظ لحظة صحَّ إجماعًا، وَالأظهَرُ: أَن الإِغْمَاءَ لا يَضُرُّ إِذَا أَفَاقَ لَحْظَةً مِنْ نَهَارِهِ، أيْ أيَّ لحظةٍ كانت اكتفاء بالنية مع الإفاقة في جزء، وأغرب صاحب المهذب فقال: لا أعرف له وجهًا، والثاني: يضر مطلقًا كالحيض، والثالث: لا مطلقًا كالنوم، والرابع: لا يضر إذا أفاق في أوله وصححه الغزالي والفارقي ومال إليه ابن الصلاح، والخامس: لا يضر إذا أفاق في طرفيه. وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ الْعِيدَيْنِ، أضحى وفطر بالإجماع (٩٧٦)، وَكَذَا التَّشْرِيقُ في

стр. 529

الْجَدِيدِ، أي وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر لنهيه ﷺ عن صيامها كما رواه أبو داود (٩٧٧)، والقديم أن يجوز للمتمتع العادم للهَدْي صومها عن الثلاثة الواجبة في الحج لقول ابن عمر وعائشة [لَمْ يُرَخَّصْ في أيَّامِ التَّشْرِيْقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ] رواه البُخَارِيّ وصححه جماعة (٩٧٨). وَلَا يَحِلُّ التَّطَوُّعُ يَوْمَ الشَّكِّ بِلَا سبَبٍ, لصحة النهي عنه (٩٧٩)، فَلَوْ صَامَهُ لَمْ يَصِح فِي الأصَحِّ، كيوم العيد، والثاني: يصح؛ لأنه قابل للصوم في الجملة، ونظير ذلك الصلاة في الأوقات المكروهة، وَلَهُ صَوْمُهُ عَنِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، أي من غير كراهة؛ وقيل: نعم، وَكَذَا لَوْ وَافَقَ عَادَة تَطَوُّعُهُ، للنص الصحيح فيه (٩٨٠)، وَهُوَ،

стр. 530

يعني يوم الشك، يَوْمَ الثَّلَاثينَ مِنْ شَعْبَان إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ بِرُؤيتهِ، أي ولم يعلم من هو الذي رآه، أَوْ شَهِدَ بِهَا صِبْيَانٌ أَوْ عَبِيدٌ أَوْ فَسَقَةٌ، أي وإن ظنَّ صدقهم كما صرح به الرافعي في شرحه؛ وقد تقدم: أنَّه إذا اعتقد كون غد من رمضان بقول من يثق به من عبد أو امرأة أو صبيان رشداء ونوى صومه عن رمضان إن كان منه فكان منه وقع عنه، وَلَيْسَ إِطْبَاقُ الْغَيْمِ بِشَكٍّ, لأنه ﷺ تعبدنا فيه بإكمال العدة كما تقدم أول الباب، ولا أثر لطلبنا الرؤية لولا الغيم. وُيُسَنُّ تَعْجِيلُ الفِطْرِ عَلَى تمْرٍ وَإِلَّا فَمَاءٍ، للنص الصحيح فيه (٩٨١)، وإذا كان بمكة استحب أن يفطر على ماء زمزم لما فيه من البركة، ولو سمع بينه وبين التمر فحسن (٩٨٢). وَتَأْخيِرُ السُّحُورِ, لأنه من سُنن المرسلين وأرفق وأقوى على العبادة، مَا لَمْ يَقَعْ في شَكّ، أي بأن يخشى طلوع الفجر, لأنه إذا أكل ربما أفطر فندب الإمساك، وَاعْلَمْ: أن المصنف لم يصرح بأصل استحباب السحور، وهو إجماع، ويحصل بكثير المأكول وقليله وبالماء أَيضًا ويدخل وقته بنصف الليل (٩٨٣).

стр. 531

ولْيَصُنْ لِسَانَهُ عَنِ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ، أي يلزمه ذلك ويتأكد في حقّه أكثر من غيره، وليَصُنْ لسانه عن الشتم أَيضًا للنص الصحيح في ذلك كله (٩٨٤)، وَنَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ، أي وإن كانت مباحة استحبابًا مخالفة للهوى لتقوى النفس على التقوى، فإنَّه حكمة الصوم وإليه أشار النبي ﷺ بقوله: [الصَّوْمُ جُنَّةٌ] (٩٨٥).

стр. 532

ويُسْتَحَبَ أَنْ يَغْتَسِلَ عَنِ الْجَنَابَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، ليؤدي العبادة على الطهارة وليخرج من خلاف أبي هريرة حيث قال: لا يصح صومه، ثم استدل بحديث منسوخ، ولو طَهُرَتِ الحائض ليلًا ونَوَتْ الصوم واغتسلت في النهار صحَّ صومها (٩٨٦). فَرْعٌ: يكره له دخول الحمام؛ قاله الجرجانى في تحريره. وَأَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الْحِجَامَةِ، لأجل ما سلف فيها، وَالْقُبْلَةِ، خوف ما تقدم فيها، وَذَوْقِ الطَّعَامِ، خوف الوصول إلى حَلْقِهِ، وَالعَلْكِ, لأنه يجمع الريق وقد سبق الخلاف في إفطاره بذلك ويدعو إلى القيء ويُعطّش أَيضًا، وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ: [اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ]، للإتباع كما أخرجه أبو داود مرسلًا والدارقطى متصلًا لكن يضعفه (٩٨٧)، وَأَنْ يُكثِرَ في الصَّدقَةِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ في

стр. 533

رَمَضَان؛ وَأَنْ يَعْتَكِفَ لا سِيّمَا في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْهُ، للإتباع أَيضًا (٩٨٨). فَصْلٌ: شَرْطُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَان: الْعَقْلُ، أي فلا وجوب على من زال عقله لرفع القلم عنه، نعم: يجب على السكران ولا يصح منه. وَالْبُلُوغ، أي فلا وجوب على الصبي لما قلناه أَيضًا. وَإِطَاقَتُهُ، أي فالعاجز بمرض أو كبر لا يلزمه بالإجماع. ويؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ لِسَبْعٍ إِذَا أَطاقَ، ويضرب على تركه لعشر ليتمرَّن عليه كالصلاة، والصبِيَّة كالصبي، وفي إلحاق الصوم بالصلاة نظر ظاهر، ولم يذكر المصنف الإِسلام من شرائط الوجوب لأنه مخاطب به على الصحيح. ويبَاحُ تَرْكُهُ لِلْمَرِيضِ إِذَا وَجَدَ بِهِ ضَرَرًا شَدِيدًا، بالإجماع، والمعتبر في الضرر ما تقدم في التيمم، وخرج بالشديد اليسير، وَللْمُسَافِرِ سَفَرًا طَوِيلًا مُبَاحًا، بالإجماع وخرج بالطويل القصير وبالمباح المعصية. وَلَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَمَرِضَ أَفْطَرَ، لوجود المعنى المحوج للإفطار إلى الأفطار من غير اختياره؛ لكن لا يجوز له الفطر حتَّى ينوي الخروج من الصوم، جزمَ به المحبُّ الطبري ﵀ قال: وفائدة اقترانها بالفطر تمييز الفطر المباح من غيره، وَإِنْ

стр. 534

سَافَرَ فَلَا، تغليبًا لحكم الحصر كالصلاة إذا شرع فيها ثم سافر. وَلَوْ أَصْبَحَ الْمُسَافِرُ وَالمَرِيضُ صَائِمَينِ ثمَّ أَرَادَا الفِطرَ جَازَ, لأن العذر قائم، بل لا كراهة في الفطر حينئذ على الأصح كما ذكره في شرح المهذب، فَلَوْ أَقَامَ، أي المسافر، وَشُفِيَ، أي المريض، حَرُمَ الْفِطْرُ عَلَى الصَّحِيح، لانتفاء المبيح به، والثاني: لا، كما لو دام السفر والمرض أو زالا بعد الفطر، وهذا إذا قلنا: إنه يفطر في المسألة التي قبلها كما جزم به المصنف، أما إذا قلنا: لا يفطر، فهنا أولى قاله صاحب المعين. وَإِذَا أَفطَرَ المُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ قَضَيَا، لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٩٨٩) أي فأفطر فعدة، وَكَذَا الحَائِضُ، بالإجماع، وَالْمُفطِرُ بِلَا عُذْرٍ, لأنه إذا وجب على المعذور فغيره أولى، وَتَارِكُ النِّيَّةِ، أي الواجبة عمدًا أو سهوًا, لأنه لم يصم إذ صحته متوقفة عليها. وَيجِبُ قَضاءُ مَا فَاتَ بِالإِغْمَاءِ؛ لأنه نوع مرض، وَالرِّدَّةِ, لأنه اعتقد الوجوب وقدر على التسبب إلى أدائها فهو كالمحدث، دُون الكُفْرِ الأصْلِيِّ؛ لأن فيه تنفيرًا عن الإِسلام، وَالصِّبَا، بالإجماع، وَالْجُنُونِ، لرفع القلم عنه كما سلف، ولو ارتدَّ ثم جنَّ أو سكر ثم جنَّ فالأصح في شرح المهذب في الأول قضاء الجميع، وفي الثاني: أيام السكر, لأن حكم الردة مستمر بخلاف السكر. وَإذَا بَلَغَ بِالنَّهَارِ صَائِمًا وَجَبَ إِتْمَامُهُ بِلَا قَضَاءٍ, لأنه صار من أهل الوجوب في أثناء العبادة فلزمه الإتمام كما لو دخل في صوم التطوع ثم نذر إتمامه. وَلَوْ بَلَغَ فِيهِ مُفْطِرًا أَؤ أَفَاقَ أَوْ أَسْلَمَ فَلَا قَضَاءَ في الأصَحِّ، لعدم التمكن في زمن يسع الأداء، ولا يمكن فعل الباقي بعده لأنه ليل وهو ليس قابلًا للصوم فأشبه من أدرك قدر ركعة من أول وقت الصلاة ثم جنَّ، والثاني: يجب القضاء, لأنهم أدركوا جزءًا من وقت الفرض ولا يمكن فعله إلَّا بيوم فيكمل كما يصوم في الجزاء

стр. 535

عن بعض مدٍّ يومًا، ومن الأصحاب من قَطع بالمنع في حق المجنون، وبالإيجاب في حق الكافر، قال ابن الصلاح: وهو متجه لأن الثاني متعدٍّ بخلاف الأول. وَلَا يَلْزَمُهُمْ، يعني هؤلاء الثلاثة، إِمْسَاكُ بَقِيّةِ النَّهَارِ في الأصَحِّ, لأنهم لم يدركوا وقتًا يسع الصوم ولا أُمروا به، والإمساك تبع للصوم، ولأنهم أفطروا بعذر فأشبهوا المسافر والمريض، والثاني: يلزمهم؛ لأنهم أدركوا وقت الإمساك؛ وإن لم يدركوا وقت الصوم. وَيلْزَمُ، يعني الإمساك، مَنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ، عقوبة له ومعارضة لقصده، أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ، أي من الليل وكان نسيانه يشعر بترك الإهتمام بأمر العبادة فهو نوع تقصير، لا مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا زَالَ عُذرُهُمَا بَعْدَ الفِطْرِ, لأن زوال العذر بعد الترَخصِ لا يؤثر كما لو قصر المسافر ثم أقام والوقت باقٍ، نعم يستحب لحرمة الوقت، وَلَوْ زَالَ قَبْلَ أن يَأْكلَا وَلَمْ يَنوِيا لَيلًا فَكَذَا في المَذْهَبِ؛ لأن من أصبح تاركًا للنية فقد أصبح مفطرًا فكان كما لو أكل، والطريق الثاني فيه وجهان؛ أحدهما: يلزمه حرمة لليوم؛ وأصحهما لا لما سلف. وَالأظهَرُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ، أي الإمساك، مَن أَكلَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِن رَمَضَان, لأن الصوم واجب عليه، إلَّا أنَّه كان لا يعرفه فإذا بَانَ لزمه الإمساك، قال في شرح المهذب: وهذا ما قطع به كثيرون أو الأكثرون من الطريقين، والثاني: لا، لأنه أفطر بعذر فأشبه المسافر إذا قدم بعد الإفطار والفرق ظاهر، أمَّا إذا ثبت كونه منه قبل الأكل ولم يكن نوى فجزم القاضي وجماعة باللزوم وقد فرض المتولي الخلاف في هذه الحالة ورتب عليه الحالة الأُولى. وَإِمْسَاكُ بَقِيّةِ الْيَوْمِ مِنْ خَوَاصِّ رَمَضَان، بِخِلَافِ النَّذْرِ وَالْقَضَاءِ، لانتفاء شرف الوقت، كما لا كفارة فيهما كذا جزم به المصنف تبعًا للرافعي، ونقل في شرح المهذب اتفاق الأصحاب عليه؛ لكي رأيتُ في البويطي إلحاقهما به فاستفدهُ. فصل: مَنَ فَاتَهُ شَّيءٌ مِنْ رَمَضَان، أي بعذر، فَمَاتَ قَبْلَ إمْكَانِ انقَضَاءِ، أيْ

стр. 536

بأن استمر السفر أو المرض من استهلال شوال إلى الموت، فَلَا تَدَارُكَ لَهُ وَلَا إِثْمَ، لأنه فرض لم يتمكن منه إلى الموت فسقط حُكْمُهُ كَالْحَجِّ، أما إذا فاته شيء منه بغير عذر ففيه الخلاف الآتي: فيما إذا مات بعد التمكن، قال القفال في فتاويه: وخالف ما إذا نَذَرَ صوم شهر ثم مات قبل إمكانه فإنَّه يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ مِنْ الطَّعَام, لأن نفس النذر يستقر عليه، قال: وكذا إذا نَذَرَ الحجَّ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكنِ لَم يَصُم عَنْهُ وَليِّهُ في الْجَدِيدِ, لأن الصوم عبادة بدنيةٌ؛ لا تدخلها النيابة في الحياة؛ فكذلك بعد الموت كالصلاة، بَل يُخْرِجُ مِن تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّ طَعَامٍ، لحديث فيه في التِّرْمِذِيّ؛ والأصح وقفه، ورواه البيهقي من فَتوَى ابن عباس وعائشة (٩٩٠)، والقديم الجواز لقوله ﷺ : [مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنهُ وَلِيُّهُ] متفق عليه (٩٩١)، وَكَذَا النَّذْرُ وَالْكفَّارَةُ، أي فحكمها حكم رمضان فيجري الخلاف، وقيَّد الحاوي الصغير الكفارة بكفَّارة القتل ولا تختص به. قُلْتُ: القَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ، أي من جهة الدليل للحديث السالف وغيره من الأحاديث الصحيحة, وحكى البندنيحي أن الشَّافعيّ ﵁ قال في أماليه: إنْ صَحَّ الحديثُ قُلْتُ بِهِ، ووقع في

стр. 537

تعليق القاضي أبي الطيب في حكايته القديم أنَّه يجب أن يُصام عنه، وفي شرح مسلم للمصنف أنَّه يُستحب (٩٩٢)، وفي الماوردي أنَّه يصومُ عنه وليُّهُ إن شاء أو يستأجر من يصوم عنه. وَالْوَليُّ كُلُّ قَرِيبٍ عَلَى الْمُختَارِ؛ لأن الولي مشتق من الولْي بإسكان اللام وهو القُربُ فيحمل عليه ما لم يدل دليل على خلافه وصححه في شرح المهذب، وقيل: المراد به الوارث وهو الأشبه عند الرافعي، وقيل: العاصب. وَلَوْ صَامَ أَجْنَبِيٌّ، أَي على حد قول المختار، بِإِذْنِ الْوَلِيِّ صَح، أي بأجرة ودونها كالحج، لا مُسْتَقِلًا في الأَصَحِّ, لأنه ليس في معنى ما ورد به النص، والثاني: يصح أَيضًا كالحج عن الميت ويجوز من الأجنبى على وجه. فَرْعٌ: لو أوصَى إلى أجنبيٍّ ليصومَ، كان بمثابة الوليِّ؛ قاله الرافعي في كتاب الوصيّة. فَرْعٌ: لو صام عنه ثلاثون نفسًا في يوم واحد عن صوم جميع رمضان فالظاهر الإجزاء. وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيهِ صَلَاةٌ أَوِ اعْتِكافٌ لَمْ يُفْعَل عَنْهُ وَلَا فِدْيَةَ، وَفِي الاعْتِكَافِ قَوْلٌ، وَالله أَعْلَمُ، أي في البويطي: أنَّه يعتكف عنه وليُّهُ، وفي رواية: يطعم عنه وليُّهُ، قال البَغَوِيّ: ولا يبعد تخريج هذا في الصلاة فيطعم عن كل صلاة مُدًّا، واقتصر على هذا ولم يقل إنه يُصَلَّى عنه، ورأيتُ في فتاويه: عن كل صلاةٍ مُدَّان، ورأيتُ في فتاوي القفال: قال بعض أصحابنا: كلَّ يومٍ مُدّ؛ ولم يذكر غيره، وما ذكره الرافعي في الوصايا وأحال على ما هنا فليس مطابقًا فتأمله، وإذا قلنا بالإطعام في الاعتكاف فالقدر المقابل بالمدّ اعتكاف يوم بليلته كما حكاه الإمام عن والده ثم استشكله.

стр. 538

وَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ الْمُدِّ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ لِلْكِبَرِ، أي بأن كان شيخًا هرمًا لا يطيقه، روي عن جمع من الصَّحَابَة ولا مخالف لهم فيجب عن كل يوم مُدّ إذا كان موسرًا حينئذ، والثاني: المنع؛ لأنه أفطر لأجل نفسه بعذر فأشبه المسافر والمريض إذا ماتا قبل انقضاء السفر والمرض، وفرق الأول بأنهما يتوقعان القضاء بخلافه، والخلاف جارٍ في المريض الذي لا يرجى بَرَؤُهُ. وَأَمَّا الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ، فَإِنْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى نَفسِهِمَا، أي ضررًا بَيِّننًا من الصوم مثل الضرر الناشئ للمريض منه كما قاله البندنيجي، وَجَبَ الْقَضَاءُ بِلَا فِدْيَةٍ، كالمريض، وسواء تضرر الولد معهما أم لا، أَوْ عَلَى الْوَلَدِ لَزِمَتْهُمَا الْفِدْيَةُ في الأظْهَرِ، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ (٩٩٣) قال ابن عباس: إنها منسوخة إلَّا في حق الحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكينًا، رواه البيهقي (٩٩٤)، والثانى: لا يلزمهما كالمسافر والمريض؛ لأن فطرهما بعذر؛ قال ابن المنذر: وبه أقول، والثالث: يجب على المرضع دونها، وَاعْلَمْ: أنَّه يقع في بعض النسخ بدل ما ذكرته (أوْ عَلَى الْوَلَدِ لَزِمَهُمَا الْقَضَاءُ وَكَذَا الْفِديةُ في الأظْهَرِ) وهو صحيح لكن ما أثبته هنا رأيته بخط مؤلفه في الأصل. فَرعٌ: الأصح من زوائد الروضة أن للمستأجرة الفطر أَيضًا، قال: ولعل الأصح من الوجهين أن الفدية على المرضع. فَرْعٌ: قال القاضي: المتبرعة عند وجود مراضع يجوز لها الفطرْ أَيضًا.

стр. 539

فَرْعٌ: الأصح من زوائد الروضة: أنَّه لا فدية على المتحيرة إذا أفطرت للإرضاع إذا أوجبناها على غيرها؛ ذكره في باب الحيض. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالْمُرْضِعِ مَنْ أَفْطَرَ لإِنْقَاذِ مُشْرِفٍ عَلَى هَلَاكٍ، أي بغرق وغيره بجامع الإفطار بسبب الغير؛ لأنه فطر ارتفق به شخصان، ومن هذا التعليل يؤخذ أنَّه إذا أفطر لإنقاذ ماله أنَّه لا فدية عليه، وبه صرح القفال في فتاويه فارقًا بذلك، والثاني: لا, لأنَّ إيجاب الفدية مع القضاء بعيد عن القياس، والتعويل في حق المرضع والحامل على التوقيف. فَائِدَةٌ: الفطر في هذه الحالة واجب؛ قاله الأصحاب. لا الْمُتَعدِّيَ بِفِطْرِ رَمَضَان بِغَيرِ جِمَاعٍ، أي لا يلحق بالمرضع في لزوم الفدية في الأصح؛ لأنه لم يرد فيه توقيف، وحيث وجبت الفدية إنما وجبت جابرة لما وقع من الخلل، وحرمته أعظم من أن تجبرها الفدية، وصحح في شرح المهذب القطع به، والثاني: يلزمه الفدية, لأنها واجبة على الحامل والمرضع مع العذر فهو أولى منهما، وقرّب الإمام الخلاف من الخلاف في تعمد ترك الابعاض هل يقتضي سجود السهو لكن الصحيح هناك أنَّه يسجد. وَمَن أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَان مَعَ إِمْكَانِهِ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانٌ آخَرُ لَزِمَهُ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ، قال الماوردي: هو إجماع ستة من الصَّحَابَة لا يعرف لهم مخالف، والمراد بالإمكان عدم العذر، وَالأصَحُّ تَكَرُّوُهُ بِتَكرُّرِ السِّنِينَ, لأن الحقوق المالية لا تتداخل، والثاني: لا؛ بل تتداخل كالحدود. وَأَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ مَعَ إِمْكَانِهِ فَمَاتَ أُخْرِجَ مِنْ تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّانِ: مُدٌّ لِلْفَوَاتِ, لأنه لم يَصُم، وَمُدٌّ للتَّأْخِيرِ، والثاني: يكفي مُدٌّ واحدٌ؛ لأن الفوات يضمن بمُدٍّ واحد كالشيخ الهَرِمِ، ومحل الخلاف إذا قلنا: الولي يطعم عنه، فإن قلنا: يصوم عنه؛ فيفدى مُدًا واحدًا للتأخير. وَمَصْرِفُ الْفِدْيَةِ الْفُقَرَاءُ وَالمَسَاكِينُ، أي لا إلى الأصناف الثمانية لورود

стр. 540

المسكين في الخبر والأثر، والفقير أسوأُ حالًا منه وهما مصرف الصدقات غالبًا، وَلَهُ صَرْفُ أَمْدَادٍ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ، أي بخلاف الْمُدِّ الواحد؛ فإنَّه لا يجوزُ صَرْفُهُ إِلَى شَخْصَيْنِ, لأنَّ كُلَّ مُدٍّ بِمَثَابَةِ كَفارَةٍ تَامَّةٍ، ويفارق زكاة الفطر فإنَّه يجوز صرف صاع إلى مائة مسكين مثلًا، وجزاء الصيد فيه احتمالان للقفال في فتاويه؛ أحدهما: إلحاقه بالفدية فلا ينقص كل مسكين عن مُدٍّ، والثاني: أنَّه يجوز النقصُ؛ لأنَّ الغرامةَ قد تكون أقلَّ منه، وَجِنسُهَا جِنْسُ الْفِطْرَةِ، أي فيعتبر على الأصح غالب قوت البلد كما سبق في بابها. فَرْعٌ: يعتبر في المُدّ الذي توجبه هنا وفي الكفارات أن يكون فاضلًا عن قوته ومسكنه كزكاة الفطر قاله القفال في فتاويه. فَصْلٌ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بإِفسَادِ صَوْمِ يَوْمٍ مِن رَمَضَان بِجِمَاعٍ أَثِمَ بِهِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ، لحديث المجامع أهله في رمضان وهو مخرَّج في الصحيحين بطوله (٩٩٥) وقد ذكرت في التحفة دلائل هذا الكتاب من الحديث الصحيح فراجعه منها وهو إجماع إلَّا مَنْ شَذَّ، والقيود المذكورة سيشرحها المصنف بعده وأهمل قيد التمام تبعًا لِلْمُحَرَّرِ وذكره في الروضة فقال: بجماع تام واحترز به عن الجماع فيما دون

стр. 541

الفرج، ويستثنى من طرد الضابط المذكور وعكسه ما ذكرته فراجعه في الشرح. فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى نَاسٍ، بناءً على أنَّه لا يفسد صومه بذلك؛ كما سلف في الباب، وهذا ما احترز عنه بقوله (بِإِفْسَادٍ)، ولأنه لم يأثم أَيضًا، وَلَا مُفْسِدٍ غَيْرَ رَمَضَانَ، أي كالتطوع والنذر والقضاء والكفارة, لأنَّ النَّصَّ وَرَدَ في رمضانَ وهو مخصوص بفضائل لا يشركه غيره فيها، وهذا ما احترز عنه بقوله (مِنْ رَمَضَانَ)، أَوْ بِغَيْرِ الْجِمَاع، أي كالأكل وغيره؛ لأنَّ النَّصَّ وَرَدَ في الجِمَاع وغيرهُ ليس في معناه، وهذا ما احترز عنه بقيد الجماع، وَلَا مُسَافِرٍ جَامَعَ بِنِيَّةِ التَّرَخُّصِ، لوحود القصد مع الإباحة، وَكَذَا بِغَيْرِهَا في الأَصَحِّ, لأن الإفطار مباح له فيصير شبهة في درء الكفارة، والثاني: يلزمه؛ لأن الرخصة لا تحصل بدون قصدها. فَرْعٌ: المريضُ الذي يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ كَالْمُسَافِرِ. وَلَا عَلَى مَنْ ظَنَّ اللَّيْلَ فَبَان نَهَارًا، لانتفاء الإثم عنه، وَلَا عَلَى مَنْ جَامَعَ بَعْدَ الأكْلِ نَاسِيًا وَظَن أَنَّهُ أَفْطَرَ بِهِ, لأنه وطئ وهو يعتقد أنَّه غير صائم، وَإِن كَان الأَصَحُّ بُطَلَانَ صَوْمِهِ، بهذا الجماع كما لو جامع على ظن أن الصبح لم يطلع فبان خلافه، والثاني: لا يبطل كما لو سلم عن ركعتين من الظهر ناسيًا وتكلم عامدًا لا تبطل صلاته، أما إذا علم أنَّه لا يفطر به ثم جامع في يومه فيفطر وتجب الكفارة قطعًا، وَلَا مَنْ زَنَى نَاسِيًا، أي للصوم وكان مقيمًا، وقلنا: إن الصومَ يَفْسَدُ بالجماع ناسيًا له, لأنه لم يأثم بسبب الصوم فإنَّه كان ناسيًا، وَلَا مَسَافِرٍ أفْطَرَ بِالزِّنَا مُتَرَخِصًا، لأنَّهُ وَإِنْ أَثِمَ بِهَذَا الْجِمَاع لكنه لم يأثم به بسبب الصوم فإن الإفطار جائز له وهذا ما احترز عنه بقوله بسبب الصوم، وقوله أثم به يخرج المسألة السالفة وهي ما إذا ظن الليل فبان نهارًا وغيرها، وَالكَفَارَةِ عَلىَ الزَّوْج عَنْهُ، أي دونها؛ لأنه ﷺ لم يأمر بها زوجة المجامع أهله مع مشاركتها له في السبب؛ لأنه جاء في رواية [هَلَكْتُ وَأَهْلَكتُ] (٩٩٦) ولو وجبت عليها لِبَيِّنَةٍ كما في الرَّجل، وَفي قَوْلٍ:

стр. 542

عَنْهُ وَعَنْهَا، أي لزمها كفارة وتحملها الزوج، فاتحدت مع كفارته, لأنَّ الْمُجَامِعَ لَمَّا ذَكَرَ قِصَّتَهُ ومشاركتها له في السبب أمره ﷺ بالكفارة فدل على وجوبها بسبب المجموع، وعلى هذا قيل: يجب على كل منهما النصف ثم يتحمل ما وجب عليها، وقيل: يجب على كل منهما كفارة تامة ثم يتحمل عنها ثم يتداخلان، حكاهما في البحر وضَعَّفَ الثاني. وَفِي قَوْلٍ: عَليْهَا كفارَةٌ أخْرَى، بالقياس على الرجل لتساويهما في السبب؛ ولأنها عقوبة فاشتركا فيها كحد الزنا، وحكى الماوردي وغيره: أنَّه يجب على الزوج في ماله كفارتان، كفارة عنه وكفارة عنها وهو مصادم للحديث لأنه ﷺ لم يأمره إلّا بكفارة واحدة، ويستثنى من القول الثالث ما إذا جومعت في دبرها فلا كفَّارة عليها، نقله ابن الرفعة عن القاضي أبي الطِّيب والبندنيحي، وكذا إذا كانت مفطرة بحيض أو غيره أو صائمة ولم يبطل صومها لكونها نائمة مثلًا، ومن فوائد هذا الخلاف ما لو أفطرت بزنا أو بوطء شبهة، فإن قلنا: الكفارة التي يخرجها عنه خاصة فلا شيء عليها، وإن قلنا: بالتحمل فعليها

стр. 543

الكفارة؛ لأن التحمل بالزوجية، وقيل: يلزمها قطعًا. فَرْعٌ: المتحيرةُ لا تلزمها الكفارة على الصحيح، إذا قلنا تجب على المرأة، ذكره في الروضة من زوائده في باب الحيض. وَتَلْزَمُ مَنِ انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَجَامَعَ في يَوْمِهِ, لأنه هتك حرمة يوم من رمضان بإفساد صومه بالجماع فأشبه سائر الأيام، وَمَنْ جَامَعَ في يَوْمَيْنِ لَزِمَهُ كَفَّارَتَانِ, لأن كل يوم عبادة منفردة فلا تتداخل كفارتهما كحجتين إذا جامع فيهما بخلاف الحدود المبنية على الإسقاط، فإن تكرر الجماع في يوم واحد فلا تعدد. وَحُدُوثُ السفَرِ بَعْدَ الْجِمَاعِ لا يُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ, لأن السفر المنشأ في أثناء النهار لا يبيح الفطر فعروضه لا يؤثر فيما وجب من الكفارة، وَكَذَا الْمَرَضُ عَلَى المَذْهَبِ, لأنه هتك حرمة اليوم بما فعل، والثاني: يسقط لأن المرض الطارئ يبيح الفطر فتبين به أن الصوم لم يقع مستحقًا، هذه هي الطريقة الصحيحة, والطريقة الثَّانية القطع بالأول كالسفر. فَرْعٌ: لو طرأ بعد الجماع جنون أو موت أو حيض فالأظهر السقوط. وَيجِبُ مَعَهَا، أي مع الكفارة، قَضَاءُ يَوْمِ الإِفْسَادِ عَلَى الصَّحِيحِ, لأنه ﵊ أمر الأعرابي كما رواه أبو داود (٩٩٧)، والثاني: لا يجب, لأن الخلل الحاصل قد انجبر بالكفارة، والثالث: إن كُفّرَ بالصوم دخل فيه القضاء وإلّا فلا؛ لاختلاف الجنس، قال الروياني: والصحيح القطع بالأول، قال الإمام: ولا خلاف في أن المرأة يلزمها القضاء إذا لم تلزمها الكفارة، ولا يتحمَّل الزوج، فإن الكفارة إذا كانت صومًا لم يتحمل فما ظنك بالقضاء.

стр. 544

وَهِيَ، يعني كفارة الوقاع في رمضان، عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَإن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِن لَم يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، للحديث السالف المشار إليه أول الفصل، وهي مرتبة ككفارة الظهار، وفي أبي داود [أَنَّه ﷺ أُتِىَ بِعَرَقٍ فِيْهِ تَمْرٌ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا] رواه أبو داود (٨٩١) وقال البيهقي: وهي أصح من رواية من روى [فَأُتِىَ بِعَرَقٍ فِيْهِ عشرونَ صَاعًا] (٩٩٨). فَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْجَمِيع اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ في الأَظْهَرِ، فَإِذَا قَدَرَ عَلَى خَصْلَةٍ مِنْهَا فَعَلَهَا، كجزاء الصيد؛ لأنه ﵊ أمر المجامع بأن يُكَفِّرَ بما دفعه إليه مع إخباره بعجزه فدل على ثبوتها في الذمة مع العجز، والثاني: لا؛ بل تسقط كزكاة الفطر، ولأنه ﵊ لم يذكر ذلك للأعرابي مع جهله بالحكم؛ وللأول أن يجيب بأن تأخير البيان لوقت الحاجة جائز. فَرْعٌ: لو قدر على البعض؛ قال الدَّارميّ في استذكاره: فإن قلنا لم يقدر على الكل فهو في ذمته فهنا أَولى، وإن قلنا تَسْقُط فوجهان؛ أحدهما: تَسْقُط ولا يخرج شيئًا، والثاني: لا تَسْقُط، فعلى هذا وجهان؛ أحدهما: يخرج ما معه ولا شيء عليه، والثاني: يكون في ذمته الباقي. وَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ العُدُولُ عَنِ الصَّوْمِ إِلَى الإِطْعَامِ لِشِدَّةِ الْغُلْمَةِ, لأنه ﷺ قال للمجامع [صُمْ شَهْرَيْنِ] قال: وَهَلْ أَتَيْتُ إِلَّا مِنْ قِبَلِ الصَّوْمِ، فَقَالَ: [أَطْعِمْ سِتيْنَ مِسْكِيْنًا] , والثاني: لا، لإمكان القدرة على الصوم، وَالْغُلْمَةُ بضم الغين وإسكان اللام مصدر غلم إذا اشتدت حاجته إلى النكاح. وَأَنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْفَقِيرِ صَرْفُ كَفَّارَتِهِ إِلَى عِيَالِهِ، كالزكوات وسائر الكفارات، والثاني: يجوز؛ لأنه ﵊ قال للمجامع: [أَطْعِمْهُ أهْلَكَ] , وَالأوَّلُ أَوَّلَهُ.

стр. 545

خَاتِمَةٌ في أحَادِيثِ فَضْلِ رَمَضَانَ مِنْ كِتَابِ فَضَائِلِ الأوْقَاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ: عن أبي الرَّبيع عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ [شَهْرُ رَمَضَانَ يَغْفِرُ الله تَعَالَى في أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنهُ لِكُل أهْلِ هَذِهِ الْقِبْلَةِ] وعن مُقَاتل بْنِ حَيَّان عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِراشٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ [وَللهِ عِنْدَ كُل فِطْرٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ كُلَّ لَيْلَةٍ عَتْقًا مِنَ النَّارِ سُتُّونَ أَلْفًا فَإِذَا كَانَ يَوْمَ فِطْرٍ أَعْتَقَ مِثْلَ مَا أَعْتَقَ في جَمِيْع الشَّهْرِ ثَلاِثِيْنَ مَرَّةً سِتِّيْنَ أَلْفًا سِتِّيْنَ أَلْفًا] وعن الحسن مرسلُا [للهِ في كُل لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ فَإذَا كَانَ آخِرُ لَيْلَةٍ أعْتَقَ بِعَدَدِ مَنْ مَضَى] قال البيهقي: المراد بالعدد المذكور في مثل هذه الأخبار عند علمائنا الكثرة دون أعيان العدد المذكور في الخبر، وكل ذلك والله أعلم فيمن عرف حدود هذا الشهر وحفظ حقوقه، وعن ابن عباس رفعه [وَلله في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ عِنْدَ الإِفْطَارِ أَلْفَ عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ كُلهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ فَإذَا كَانَ آخِرُ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أعْتَقَ الله في ذَلِكَ الْيَوْمِ بِقَدَرِ مَا أعْتَقَ مِنْ أوَّلِ الشَّهْرِ إِلَى آخِرِهِ] قال البيهقي: في إسناده من لا يعرف، وعن عليٍّ بن زيد بن جُدْعان عن سعيد بن المسيّب عن عمر رفعه [ذَاكِرُ اللهِ في رَمَضَانَ يُغْفَرُ لَهُ؛ وَسَائِلُ الله فِيهِ لا يَخِيْبُ] (٩٩٩). بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ يُسَنُّ صَوْمُ الإِثْنَيْنِ، وَالْخَمِيسِ، وَعَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ، وَتَاسُوعَاءَ، وَأيَّامِ البِيضِ، وِسِتَّةٍ مِن شَوَّالٍ، للحث على ذلك (١٠٠٠) وعن ابن عمر رفعه [مَنْ صَامَ

стр. 546

يَوْمَ عَرَفَةَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ] ذكره المنذري في حزبه، وفي فضائل الأوقات للبيهقي من حديث بَقِيَّةَ عن إسماعيل بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : [الصَّائِمُ بَعْدَ رَمَضَانَ كَالكَارِّ بَعْدَ الْفَارِّ] وفيه أَيضًا من حديث عبيد الله القُرشيّ أنَّه ﷺ قال له أو لغيره: [صُمْ رَمَضَانَ وَالذي يَلِيهِ وَكُلَّ أرْبِعَاءٍ وَخَمِيسٍ فَإذًا أَنْتَ قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ] ويستثنى من صوم عرفة الحاج بها فإن تركه مستحب في حقه، نعم: لو أَخَّرَ وقوفه إلى اللّيل لعذرٍ أو لغيرِ عذرٍ فصومُهُ أفضلُ. ويستحب صوم ثامن ذي الحجة أَيضًا قاله المتولي وغيره، ونص في الأُم على استحباب حادي عشر الْمُحَرَّمِ أَيضًا. وأيام البِيْضِ هي الثالث عشر وتالياه، والاحتياط صوم الثاني عشر معها أَيضًا، وَتَتَابُعُهَا أَفْضَلُ، أي متصلة بيوم العيد لما في التأخير من الآفات.

стр. 547

ويكْرَهُ إِفْرَادُ الْجُمُعَةِ، للنهي عنه (١٠٠١)، ويستثنى ما إذا وافق عادةً له؛ بأن نذر صوم يوم شفاء مريضه أو قدوم زيدٍ أبدًا؛ فوافق الجمعة؛ صرح به في شرح المهذب، وَإِفْرَادُ السَّبْتِ، للنهي عنه (١٠٠٢)، قال البيهقي في فضائل الأوقات: وكان هذا النهي إن صحَّ إنما هو لإفراده بالصوم تعظيمًا له فيكون فيه تشبيهًا باليهود، وقال الحليمي في منهاجه: كأَنَّ المعنى في كراهته أنَّ الصوم إمساك، وتخصيص السبت بإمساك عن الأشغال من عوائد اليهود، قال: ويكره أيضًا اعتياد صوم يوم بعينه؛ فقد كانوا يكرهون التوقيت للصوم، وأورد فيه أثرًا عن أنس؛ قال: وأمَّا ما ورد من الأخبار في صوم الاثنين والخميس فهو على معنى أن من أراد الصوم فصومهما أَولى؛ لا على أن جعل الصوم فيهما حتمًا على نفسه، أو على معنى أن يديم صومهما ما لم يُدْعَ إلى طعام أو ينزل به ضيف يجب أن يؤاكله، فأما على أن يتوقى الفطر فلا. فَرْعٌ: يكرهُ أَيضًا إفراد الأحد كما قاله ابن يونس شرح في التنبيه؛ وغيرُهُ. فَرْعٌ: قال الشافعي ﵁ في القديم: وأكرهُ أن يتخذ الرَّجل صوم شهر يكمله من بين الشهور كما يكمل رمضان واحتج بحديث عائشة ﵂ [مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكْمَلَ شَهْرًا قَطْ إِلَّا رَمَضَانَ] (١٠٠٣)، قال: وكذلك يومًا من بين

стр. 548

الأيام؛ قال: فإنما كرهته أن لا يتأسى جاهل فيظن أن ذلك واجب، وإن فعل فحسن؛ نقله البيهقي عنه في كتابه فضائل الأوقات، ثم قال: بَيُّنَ الشافعيُّ ﵁ وجه الكراهة ثم قال: وإن فعل فحسن، وذلك لأن من العلم العام فيما بين المسلمين أن لا يجب بأصل الشرع غير صوم شهر رمضان فارتفع بذلك معنى الكراهة. وَصَوْمُ الدَّهْرِ غَيرَ الْعِيدِ وَالتشْرِيقِ مَكرُوهٌ لِمَنْ خَافَ بِهِ ضَرَرًا أَوْ فَوْتَ حَقٍّ وَمُسْتَحَبٌّ لِغَيرِهِ، هذا ما قاله الجمهور وحملوا النهي على الحالة الأولى أو على ما إذا لم يفطر أيام النهي وأطلق الغزالي أنه سُنَّةٌ وَتَبِعَهُ الحاوي الصغير. فَرْعٌ: صومُ يومٍ وإفطارُ يومٍ أفضلُ من صوم الدهرِ قاله المتولى (١٠٠٤)، وَمَنْ تَلَبَّسَ

стр. 549

بِصَوْمِ تَطَوُّع أَوْصَلاَتِهِ فَلَهُ قَطْعُهُمَا، أما صوم التطوع فلقوله ﷺ : [الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ] قال الحاكم: صحيح الإسناد (١٠٠٥)، وأما صلاة التطوع فبالقياس على الصوم، وَلاَ قَضَاءَ، أما الصوم؛ فلأنه ﵊ [خَيَّرَ أُمَّ هَانِئَ فِيهِ] كما رواه أبو داود وغيره (١٠٠٦)، وأما الصلاة فقياسًا عليه، ثم إن كان بعذر مثل أن يعز على من أضافه صومه لم يكره الخروج منه؛ وإلا كره في الأصح. فَرْعٌ: كَل من شَرَعَ في تطوع؛ فله أن يخرج منه؛ ولا قضاء إلَّا في الحج والعمرة في الأمرين المذكورين. وَمَنْ تَلَبَّسَ بِقَضَاءٍ، أي عن واجب، حَرُمَ عَلَيْهِ قَطْعُهُ إِنْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ، وَهُوَ صَوْمُ مَنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ، كالأداء المضيّق فإنه لا يجوز الخروج منه قطعًا، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَوْرِ، فِي الأَصَحِّ: بِأَنْ لَمْ يَكُنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ، لأنه صار متلبسًا بالفرض ولا عذر فيلزمه إتمامه كما لو شرع في الصلاة في أول الوقت؛ وهذا ما نص عليه أيضًا، والثانى: لا يحرم، لأنه متبرع بالشروع فيه فأشبه المسافر يشرع في الصوم ثم يريد الخروج منه. خَاتِمَةٌ: في كتاب فضائل الأوقات للبيهقي حديث هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنِ امْرَأَتِهِ عَنْ

стр. 550

بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ [كَانَ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحَجَّةِ وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ وَثَلًاثةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوَّلَ اثْنَيْنِ وَخَمِيْسٍ] (١٠٠٧) قال البيهقي: هذا أولى من حديث عائشة: [مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَائِمًا فِى الْعَشْرِ قَط] (١٠٠٨) لأنه مثبت فهو أَولى من الباقي؛ وفيه أيضًا حديث علقمة عن عبد الله مرفوعًا [مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ فِى يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَوْسَعَ الله عَلَيْهِ فِى سَائِرِ سَنَتِهِ]؛ وفيه من حديث أيوب بن سليمان بن ميناء عن رجل عن أبي سعيد رفعه: [مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ فِى يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ الله عَلَيْهِ سَنَتَهُ] ثم قال: وروي من وجهين عن جابر وأبي هريرة مرفوعًا (١٠٠٩)؛ ثم روى حديثًا في الاكتحال فيه وضعَّفَهُ.

стр. 551

كِتَابُ الاِعْتِكَافِ الاِعْتِكَافُ: هُوَ فِي اللُّغَةِ لُزُومُ الشَّيْءِ وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَيْهِ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا، وَفِي الشَّرع إِقَامَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وقال صاحب الخصال: إنه اللبث والقعود عن المكاسب والانقطاع عما أبيح له من الجماع وغيره. وما ذكره في المكاسب قول قديم. والأصلُ فيه قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ (١٠١٠) وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١٠١١) والسُنَّة مستفيضة به وهو من الشرائع القديمة. وَهوَ مُسْتَحَبُ كُلَّ وَقْتٍ، بالإجماع، وَفِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَان أَفْضَلُ، للاتباع كما سلف في الصيام، ولأنه أفضل أعشاره، لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، أي ليقومها، قال الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (١٠١٢) أي خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وفي الصحيح: [مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيْمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ] (١٠١٣)، وفي كتاب فضائل الأوقات للبيهقي من حديث يحيى

стр. 552

بن عقبة عن محمد بن جحادة عن أنس رفعه: [مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فِى جَمَاعَةٍ حَتَّى يَنْقَضِيَ شَهْرُ رَمَضَانَ فَقَدْ أَصَابَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِحَظٍّ وَافِرٍ] (١٠١٤)، قال: وروينا عن عقبة بن أبي الحسناء وعن أبي هريرة مرفوعًا: [مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ الآخِرَةَ فِى جَمَاعَةٍ فِى رَمَضَانَ فَقَدْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ] (١٠١٥)، عن سعيدٍ بن المسيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظٍّ مِنهَا) (١٠١٦). وَمَيْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ إِلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْحَادِي أَوِ الثّالِثِ وَالْعِشْرِينَ، لحديث أبي سعيد الخدري؛ وعن عبد الله بن أنيس في الصحيح، والجمهور على انحصارها في العشر الأخيرة (١٠١٧).

стр. 553

وَإِنَّمَا يَصِحُّ الاِعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ، أيْ أيَّ مسجد كان ولو على سطحه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فعمَّ المساجد بالذكر فذكر المساجد، إمَّا لأنها شرط لمنع المباشرة أو لصحة الاعتكاف، والأول باطل؛ لأن المعتكف ممنوع من المباشرة في المسجد وحال خروجه لقضاء الحاجة ونحوها فتعين أنه شرط لصحة الاعتكاف، وأيضًا غير المعتكف ممنوع من المباشرة في المسجد فلا فائدة لذكر الاعتكاف إلا لتكون المساجد شرطًا لصحتهِ أو هو الذي فعله رسول الله ﷺ وقال الحليمى في منهاحه: وإنما اختص بالمسجد؛ لأن الإقامة فيه عون على ما يراد من العبادة إذ هو مبنيٌّ لها. فَائِدَةٌ: ليس شئ من العبادات يفتقر إلى المسحد إلا الطواف والاعتكاف؛ قاله صاحب الخصال. وَالْجَامِعُ أَوْلَى، لكثرة الجماعة والاستغناء به عن الخروج للجمعة والإجماع عليه، نعم: يتعين فيما إذا نذر إعتكاف مُدَّةٍ متتابعةٍ يتخللها جمعة وهو من أهلها، فإن الخروج لها يقطع التتابع على الأصح. وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ اعْتِكَافُ امْرَأَةٍ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، وَهُوَ الْمُعْتَزَلُ الْمُهَيَّأُ

стр. 554

لِلصَّلاَةِ، لأنه ليس بمسجد حقيقة، بدليل جواز تغيره ومكث الْجُنُبِ فيه، فأشبه سائر المواضع، والقديم الصحة، لأنه مكان صلاتها كما أن المسجد مكان صلاة الرجل، لكن الفرق أن الصلاة لا تختص بموضع بخلاف الاعتكاف، ونقله البندنيجي عن الجديد ونقل المنع عن القديم. وَلَوْ عَيَّنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي نَذْرِهِ الاِعْتِكَافَ تَعَيَّنَ، لزيادةِ فَضْلِهِ وَتَعَلُّقِ النُّسُكِ بِهِ، قال صاحب البيان: والذي يتبين لي أنه لا يسقط هذا النذر إلا بالاعتكاف في نفس الكعبة أو في الْحِجْرِ دون مسجدِ مَكَّةَ وكأنَّهُ بناهُ على أن المرادَ بالمسحد الحرامِ الْكَعْبَةَ، وقد ورد؛ والمراد به الْحَرَمُ؛ فلِمَ حُمِل كلامُ الناذر على الأول دون الثاني من غير إرادته لواحد منهما؟ وَكَذَا مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَالأَقْصَى فِي الأَظْهَرِ، لأنهما مسجدان ورد الشرع بشد الرحال إليهما فأشبها المسجد الحرام، والثاني: لا؛ لأنه لا يتعلق بهما نسك فأشبها سائر المساجد، وألحَقَ البغوي بمسجد المدينة جميع مساجد النبيّ ﷺ ولو عيَّن غير المساجد الثلاثة، فالأظهرُ: عدم التعيين، ووقع في الكفاية أن الرافعي صحح مقابله وليس كما ذكر. وَيَقُومُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ مَقَامهُمَا، وَلاَ عَكْسَ، لأنه أفضل فلا يسقط فرضه بما هو دونه، وَيَقُومُ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ مَقَامَ الأَقْصَى، لأنه أفضل منه؛ فإنه صح أن الصلاة فيه بألف صلاة والصلاة في الأقصى بخمسمائة، رواه عبد البر في تمهيده، وقال البزار: إن إسناده حسن؛ ورَوى أيضًا أن الصلاة فيه كألف أيضًا؛ رواه ابن ماجه في سننه من حديث ميمونة (١٠١٨). وَلاَ عَكْسَ، لما قلناه.

стр. 555

وَالأَصَحُّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الاِعْتِكَافِ لُبْثُ قَدْرٍ يُسَمَّى عُكُوفًا، أي وهو زائد على الطمأنينة في أركان الصلاة ولا يعتبر السكون بل يصح قائمًا وقاعدًا ومترددًا في أرجاء المسجد ولا يُقَدَّرُ اللَّبْثُ بزمانٍ، وَقِيلَ: يَكْفِي مُرُورٌ بِلاَ لُبْثٍ، كما يكفي الوقوف بعرفة، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مُكْثُ نَحْوِ يَوْمٍ، لأن ما دون ذلك معتاد في الحاجات التي تُعَنُّ في المساجد، فلا تصلح للقربة، وقيل: بل لا بد من يوم، وَيَبْطُلُ بِالْجِمَاعِ، أي إذا كان عامدًا مختارًا لمنافاته، والخنثى لو أولج في قبله أو أولج هو في امرأة أو رجل أو خنثى ففى بطلان اعتكافه قولان كالمباشرة بغير جماع. وَأَظهَرُ الأَقْوَالِ: أَن الْمُبَاشَرَةَ بِشَهْوَةٍ كلَمْسٍ وَقُبْلَةٍ تُبْطِلُهُ إِنْ أَنْزَلَ وَإِلاَّ فَلاَ، كالصوم، والثانى: تبطل مطلقًا لعموم الآية، والثالث: لا تبطل مطلقًا كالحج، وعلى كل قول فهى حرام وغَلَط من حكى خلافًا فيه، أما المباشرة بلا شهوة أو بقصد الكرامة كما إذا قَبَّل لذلك؛ فإنه لا يبطل قطعًا. وَلَوْ جَامَعَ نَاسِيًا فَكَجِمَاعِ الصَّائِمِ، لأنَّ كُلَّ عبادةٍ أبطلتها مباشرة عامدٍ لم تبطلها مباشرة الناسي كالصوم، وَلاَ يَضُرُّ التَّطَيُّبُ، أي بل له أْن يفعله كما له أن يُرَجِّلَ رَأسَهُ، وَالتَّزَيُّنُ، أي بأحسن الثياب إذْ لم يُنقل أنه ﷺ غيّر ثوبه للاعتكاف،

стр. 556

وَالْفِطْرُ بَلْ يَصِحُّ اعْتِكَافُ اللَّيْلِ وَحْدَهُ، لأن عمر ﵁ قال: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّى كُنْتُ نَذَرْتُ أنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَة فِي الْمَسْجدِ الْحَرَامِ قَالَ: [فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ (•)] متفقٌ عليهِ؛ زاد البخاري [فَاعْتَكِفْ لَيْلَةً (•)] وفي رواية لمسلم [أَنِ اعْتَكِفْ يَوْمًا (•)] (١٠١٩) فيشبه؛ والله أعلم؛ أن يكون أراد به مع ليلتهِ، وبالليلة مع اليوم، وفي قول قديم: أنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ في صحتهِ؛ وبهِ قال جمهور العلماء كما حكاه القاضى عياض. وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ هُوَ فِيهِ صَائِمٌ لَزِمَهُ، أي الاعتكاف صائمًا؛ لأن الاعتكافَ صائمًا أفضلُ وإن لم يكن مشروطًا به فإذا التزمهُ بالنذر لَزِمَهُ كما لو التزم التتابع فيه؛ وليس له والحالة هذه إفراد أحدهما عن الآخر قطعًا (١٠٢٠). وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا أَوْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا لَزِمَاهُ، عملًا بإلتزامه، وَالأَصَحُّ وُجُوبُ جَمْعِهِمَا، لما سلف، والثانى: لا، لأنهما عبادتان مختلفتان فأشبه إذا نذر أن يصلي صائمًا، والثالث: يجب الجمع في الأُولى ولا يجب في الثانية؛ لأن الاعتكاف لا يصلح وصفًا للصوم، والصوم يصلح وصفًا للاعتكاف؛ فإنه من مندوباته. فَرْعٌ: لو نذر أن يعتكف مصليًا أو عكسه لزماه قطعًا لا الجمع على المذهب. فَرْعٌ: لو نذر أن يصوم مصليًا لزماه دون الجمع قطعًا. وُيشْتَرَطُ نِيَّةُ الاِعْتِكَافِ، كما في سائر العبادات، وَيَنْوِي فِي النَّذْرِ الْفَرَضِيَّةَ، ليمتاز عن التطوع، وَإِذَا أَطْلَقَ، أي لم يعين مدة، كَفَتْهُ، نِيَّتُهُ، وَإِنْ طَالَ مَكْثُهُ، لَكِنْ

стр. 557

لَوْ خَرَجَ وَعَادَ احْتَاجَ إِلَى الاِسْتِئْنَافِ، أي سواء خرج لقضاء الحاجة أو لغيرها فإن ما مضى عبادة تامة، والثانى: اعتكاف جديد، قال في التتمة: فلو عزم عند خروجه أن يقضى حاجته ويعود كانت هذه العزيمة قائمة مقام النية، قال في شرح المهذب: وهو الصواب، وَلَوْ نَوَى مُدَّةً فَخَرَجَ فِيهَا وَعَادَ، فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ لَزِمَهُ الاسْتِئْنَافُ، أي لعدم صحة الاعتكاف لقطعِهِ، أَوْ لَهَا فَلاَ، لأنه لاَ بُدَّ مِنهُ (١٠٢١)؛ فهو كالمستثنى عند النية (•). وَقِيلَ: إِنْ طَالَتْ مُدَّةُ خُرُوجِهِ اسْتَأْنَفَ، لتعذر البناء وإن قصرت فلا، وَقِيلَ: لاَ يَسْتَأْنِفُ مُطْلَقًا، لأن النية شملت جميع المدة بالتعيين، وَلَوْ نَذَرَ مُدَّةَ مُتَتَابِعَةَ فَخَرَجَ لِعُذْرٍ لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، أي كما سيأتى بيانه، لَم يَجِبْ اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ، أي عند العود لشمولها جميع المدة، ويجب العود عند الفراغ من العذر، فلو أخّر انقطع التتابع وتعذر البناء، وَقِيلَ: إِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، أي وهو البول والغائط، وَغُسْلِ الْجَنابَةِ وَجَبَ، أي استئناف النية لخروجه عن العبادة. مما عرض عنه بدٌّ، أما الخروج للحاجة وغسل الجنابة، فلأنه لا بد منهما. واحترز بقوله لا يقطع التتابع عما يقطعه، فإنه يجب استئناف النية. فَصْلٌ: وَشَرْطُ الْمُعْتَكِفِ: الإِسْلاَمُ، أيْ فلا يصح من كافر كالصوم، وَالْعَقْلُ، فلا يصح من مجنون ومبرسم؛ لأنه ليس من أهل العبادة فلا يصح منه الصوم، وكذا لا يصح من مغميٍّ عليه وسكران إذ لا نية لهم، وَالنَّقَاءُ عَنِ الْحَيْضِ وَالْجَنابَةِ، أي فلا يصح اعتكاف حائض ولا نفساء ولا جنب ابتداءًا؛ لأن مكثهم في المسجد معصية.

стр. 558

فَرْعٌ: ولا يجوز للعبد أن يعتكف بغير إذن سيِّدهِ؛ ولا المرأة بغير إذن زوجها. وَلَوِ ارْتَدَّ الْمُعْتَكِفُ أَوْ سَكِرَ بَطَلَ، أي الاعتكاف في زمن الردة والسكر لعدم أهليتهما والحالة هذه، وَالْمَذْهَبُ بُطْلاَنُ مَا مَضَى مِنَ اعْتِكَافِهِمَا الْمُتَتَابَع، أي حتى يُحْتَاجَ إلى استئنافهِ، فإن ذلك أشد من الخروج من المسجد، والثاني: لا يبطل في المرتد بخلاف السكران وهو المنصوص فيهما، والفرقُ أن السكران يُمْنَعُ مِن المسجد بكل حال للآية، بخلاف المرتد بل يجوز أن يُستتاب في المسجد، والثالث: قولان. وَلَوْ طَرَأَ جُنُونٌ أَوْ إِغْمَاءٌ لَمْ يَبْطُلْ مَا مَضَى إِنْ لَمْ يُخْرَجْ، لأنه معذور بما عرض، فإن خرج نُظرِ إن لم يكن حفظه في المسجد فكذلك فإن أمكن ولكن يشق، فالأظهر أنه لا يبطل أيضًا، وَيُحْسَبُ زَمَنُ الإِغْمَاءِ مِنَ الاِعْتِكَافِ، كما في الصائم إذا أُغمي عليه بعض النهار، دُونَ الْجُنُونِ، لأن العبادات البدنية لا تصح منه، أَوِ الْحَيْضِ، أي لو كان الطارئ هو الحيض, وَجَبَ الْخُرُوجُ، لأنه يحرم المكث عليها. وَكَذَا الْجَنَابَةُ، كذلك أيضًا، إِذَا تَعَذَّرَ الْغُسْلُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَوْ أَمْكَنَ جَازَ الْخُرُوجُ، أي ولا يكلف الغسل في المسجد؛ فإن الخروج أقرب إلى المروءة وصيانة حرمة المسجد، وَلاَ يَلْزَمُ، أي الخروج لأجل الغسل، بل له الغسل في المسجد، وفي هذا نظر، لأنه يؤدي إلى اللبث في المسجد وهو جنب وهو حرام عليه، وقد قال القاضى: لو كان في المسجد نهر جارٍ وأراد الجنب أن يغتسل فيه؛ فإنه لا يجوز؛ لأنه يحتاج إى المكث، وَلاَ يُحْسَبُ زَمَنُ الْحَيْضِ وَلاَ الْجَنَابَةِ، أي من الاعتكاف إذا مكثا فيه. وهل يبطل بالحيض ما سبق أم يجوز البناء عليه؟ فيه تفصيلٌ سيأتى آخر الكتاب. فَصْلٌ: إِذَا نَذَرَ مُدَّةً مُتتَابِعَةً لَزِمَهُ، كما لو شرط التتابع في الصوم، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ التَّتَابُعُ بِلاَ شَرْطٍ، كما في نظيره من الصوم، والثاني: يجب وهو ما خرجه ابن سريج قولًا كما لو حلف لا يكلم فلانًا شهرًا فإنه يكون متتابعًا، وأجاب بأن اليمين مقصودها الهجران، ولا يتحقق بدون التتابع فعلى الأول لو نوى التتابع بقلبه ففي لزومه وجهان أصحهما: لا؛ كما لو نذر أصل الاعتكاف بقلبه.

стр. 559

وَأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ يَوْمًا؛ لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُ سَاعَاتِهِ، لأن المفهوم من لفظ اليوم متصل، وقد حكى عن الخليل: أن اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس، والثانى: يجوز تنزيلًا للساعات من اليوم منزلة الأيام من الشهر، والثالث: إن نوى اليوم متتابعًا لم يُجْزِهِ وإن أَطْلَقَ أَجْزَأَهُ. وَأَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ مُدَّةً كَأُسْبُوعٍ وَتَعَرَّضَ لِلتَّتَابُع وَفَاتَتْهُ لَزِمَهُ التَّتَابُعُ فِي الْقَضَاءِ، لتصريحه، والثانى: لا، لأن التتابع يقع ضرورة فلا أثر لتصريحه، وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي القَضَاءِ، أي قطعًا، لأن التتابع فيه كان من حق الوقت وضروراته، لا أنه وقع مقصودًا فأشبه التتابع في صوم رمضان. وَإِذَا ذَكَرَ، أي الناذر، التَّتَابُعَ وَشَرَطَ الْخُرُوجَ لِعَارِضٍ صَحَّ الشَّرْطُ فِي الأَظْهَرِ، لأن الاعتكاف إنما يلزمه بالتزامه فيجب بحسبه، والثانى: لا يصح؛ لأنه شرط مخالف لمقتضاه فيبطل، كما لو شرط الخروج للجماع، قال في أصل الروضة: وبالأول قطع الجمهور؛ فعلى الأول إنْ عَيَّنَ نوعًا خرج له فقط، وإن أطلق وقال: لا أخرج إلا لشغل أو عارض جاز الخروج لكل شغل مباح؛ كلقاء السلطان واقتضاء القديم؛ ولا يبطل التتابع بذلك ولا يخرج للنظارة والنزهة. وَالزَّمَانُ الْمُصْرُوفُ إِلَيْهِ، أي لذلك العارض، لاَ يَجِبُ تَدَارُكُهُ إِنْ عَيَّنَ الْمُدَّةَ كَهَذَا الشَّهْرِ، لأنه لم ينذر إلّا إعتكاف ما عدا ذلك من الشهر، وَإِلَّا فَيَجِبُ، أي وإن لم يعين مدة كشهر مطلق؛ فإنه يجب تداركه لتتم المدة الملتزمة وتكون فائدة الشرط تنزيل ذلك العوض منزلة قضاء الحاجة في أن التتابع لا ينقطع به. وَيَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِالْخُرُوج بِلاَ عُذْرٍ، أي وإن قلَّ لمنافاته اللُّبْثَ، وَلاَ يَضُرُّ إِخْرَاجُ بَعْضِ الأَعْضَاءِ، لأنه لا يسمى خارجًا، وَلاَ الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، بالإجماع، وَلاَ يَجِبُ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ دَارِهِ، وإن أمكن أي بأن كان في المسجد سقاية لما فيه من المشقة وسفوط المروءة؛ وكذا لو كان يجنبه دار صديق له وأمكنه دخولها لم يكلف حذرًا من المنة، وَلاَ يَضُرُّ بُعْدُهَما إلَّا أَنْ يَفْحُشَ فَيَضُرُّ فِي الأَصَحِّ، لأنه قد يأخذه

стр. 560

البول في عوده فيبقى طول يومه في الذهاب والمجئ اللهم إلّا أن لا يجد في طريقه موضعًا أو كان لا يليق بحاله أن يدخل لقضاء الحاجة في غير داره، والثاني: لا يضر بُعدها كما سلف من أنه يَشُقُّ عليه قضاءُ الحاجةِ في غيرِ بَيْتِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ، وحدَّ البغويُّ الْبُعْدَ بما يُذهب أكثر الوقت في التردد، وهذا الاستثناء الذي زدته ذكره الرافعي والمصنف في الروضة قال في شرح المهذب: إنه طريقة المتولي وأنه خالفه الجمهور في بعضها. فَرْعٌ: لا يجوز الخروج لغسل الجمعة والعيد والنوم على الأصح ذكره الخوارزمى في الكافي. وَلَوْ عَادَ مَرِيضًا فِي طَرِيقِهِ لَمْ يَضُرَّ مَا لَمْ يُطِلْ وُقُوفَهُ، أي بأن اقتصر على السَّلامِ والسُّؤَالِ، أَوْ يَعْدِل عَنْ طَرِيقِهِ، لأن عائشة ﵂ قَالَتْ: [إِنِّي كُنْتُ لأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَرِيضِ فِيهِ فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إلَّا وَأنَا مَارَّةٌ] رواه مسلم (١٠٢٢)، والمرجع في القليل والكثير إلى العرف. فَرْعٌ: ولو وقف في الاستئذان على المريض قال: البغوي يبطل اعتكافه. فَرْعٌ: حكم زيارة القادم في الطريق حكم عيادة المريض. فَرْعٌ: يجوز الخروج للأكل لا للماء على الأصح فيهما. وَلاَ يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِمَرَضٍ يُحْوِجُ إِلَى الْخُرُوجِ، أي إذا خرج؛ لأن الحاجة داعية إليه كالخروج لقضاء الحاجة وفيه قول: أنه ينقطع، ذَكره الرافعي فِى الْمُحَرَّرِ وأهمله المصنف وهو غريب؛ وخرجَ بالمحوج الصداعُ ونحوُه؛ فإنَّهُ ينقطعُ تتابعه بخروجه. وَلاَ بِحَيْضٍ إِنْ طَالَتْ مُدَّةُ الاِعْتِكافِ، أي بأن كانت لا تخلو عن الحيض غالبًا

стр. 561

بل تبني إذا طهرت كما لو حاضت في صوم الشهرين عن الكفارة، فَإِنْ كَانَتْ بِحَيثُ تَخْلُو عَنْهُ انْقَطَعَ فِي الأَظْهَرِ، لأنها بسبيل من أن تُشرعَ كما لو طهرت، والثاني: لا ينقطع؛ لأن جنس الحيض يتكرر في الجملة فلا يؤثر في التتابع كقضاء الحاجة. فَرْعٌ: النفاس كالحيضِ. وَلاَ بِالخُرُوج نَاسِيًا عَلَى الْمَذْهَبِ، كما لا يبطل الصوم به ناسيًا؛ وقيل: قولان؛ وجزم بهما في الْمُحَرَّرِ هما مخرجان، ووجه الانقطاع أن اللُّبثَ مأمورٌ بِهِ، والنسيان ليس بعذرٍ في ترك المأمورات، فَإِنْ قُلْنَا بالأَوَّلِ فذلك إذا تَذَكَّرَ عَلَى قُرْبٍ، أما إذا طال الزمان فقد قال المتولي: فيه وجهان كالوجهين في بطلان الصوم بالأكل الكثير ناسيًا. وَلاَ بِخُرُوجِ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ إِلَى مَنَارَةٍ، أي بفتح الميم، مُنْفَصِلَةٍ عَنِ الْمَسْجِدِ لِلأَذَانِ، أي وبابها ليس في المسجد ولا في رحبته، فِي الأَصَحِّ، لأنها مبنيةٌ للمسجدِ معدوةٌ: من توابعه، ولأنَّهُ قَدِ اعْتَادَ المؤذن الراتب صعودَها للأذانِ وقد استأنس الناس بصوته فيعذر فيه، ويجعل زمان الأذان مستثنى من اعتكافه، والثاني: ينقطع مطلقًا للاستغناء عنها بسطح المسجد فيؤذن عليه، والثالث: لا ينقطع مطلقًا أعني الراتب وغيره؛ لأنها مَبْنِيَّةٌ للمسجدِ ومعدودةٌ من توابعهِ وهذا ظاهر النص، والرابع: إن كان غيره من المؤذنين له صوت مثل صوته لم يجز له أن يخرج وإلا جاز حكاه القاضى. ولا يشترط فيها إذا كان بابها خارج المسجد أن تكون متصلة بحريمه خلافًا للغزالي؛ وزاد أبو القاسم الكرخي بالخاء المعجمة فنقل الخلاف فيما إذا كانت في رحبته منفصلة عن المسجد بينها وبينه طريق، قال في الروضة: لكن شرطوا كونها مَبْنِيَّةً للمسجد احترازًا من البعيدة، أما لو كان بابها في المسجد أو رحبتهِ فلا يضر صعودُها. فَرْعٌ: لو دخل المؤذنُ المُعْتَكِفُ إلى حجرة مهيأة للسكنى بجنب المسجد وبابها

стр. 562

إلى المسجد بطل اعتكافه قطعًا صرح به الإمام، قال: وإنما قلنا ما قلناه في المنارة؛ لأنها مبنيةٌ لإقامة شعار المسجد. وَيَجِبُ قَضَاءُ أَوْقَاتِ الْخُرُوجِ بِالأَعْذَارِ، لأنه غيرُ معتكفٍ فيها، إلَّا وَقْتَ قَضَاء الْحَاجَةِ، لأن الاعتكاف مستمر فيها، ولهذا لو جامَعَ في ذلك من غير مُكْثٍ بأن كان في هودج أو وقفة لطيفة بطل اعتكافه على الأصح، وأيضًا زمن الخروج لقضاء الحاجةِ مستثنى لا بد مِنْهُ.

стр. 563

كِتَابُ الْحَجِّ اَلْحَجُّ: هُوَ لُغَةً القَصْدُ، وشرعًا قَصْدُ الْكَعْبَةِ لِلنُّسِكِ الآتي بيانُهُ، وَالأَصْلُ فيه قَبْلَ الإِجْمَاعِ وَالسُنَّةِ الشَّهِيْرَةِ الصَّحِيْحَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ... ﴾ الآية (١٠٢٣) وقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١٠٢٤) وقال ابن إسحق: ولم يبعث الله نبيًا بعد إبراهيم إلا وقد حجَّ البيت صلوات الله عليهم؛ وحكى بعض من ألَّفَ في المناسك وجهين في أنه هل كان واجبًا على الشرائع قبلنا؟ وادعى أن الصحيح أنه لم يجب إلا على هذه الأمة، وهو غريب. وفي صحيح ابن حبان من حديث ابن عمر مرفوعًا [أَنَّ الْحَاجَّ حِيْنَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ أَنَّ رَاحِلَتَهُ لاَ تَخْطُو خُطْوَةً إلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيْئَةً، فَإِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ؛ فَإِنَّ الله يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: أُنْظُرُواْ إِلَى عِبَادِيَ أَتوْنِي شُعْثًا غُبْرًا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ قَطْرِ السَّمَاءِ وَرَمْلِ عَالِجَ، وَإِذَا رَمَى الْجِمَارَ لاَ يَدْرِي أَحَدٌ مَا لَهُ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا حَلَقَ رَأْسَهُ فَلَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَقَطَتْ مِنْ رَأْسِهِ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا قَضَى آخِرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ] رواه الأزرقي في تاريخ مكة من حديث أنس بزيادة وقال: [لاَ تَضَعُ نَاقَتُكَ خُفًّا وَلاَ تَرْفَعُهُ إلَّا كَتَبَ اللهُ لَكَ بِهِ حَسَنَةً وَمَحَى عَنْكَ سَيِّئَةً، وَأَمَّا رِكْعَتَاكَ بَعْدَ الطوَافِ فَعِتْقُ رَقَبَةٍ مِنْ وِلْدِ إِسْمَاعِيْلَ، وَأَمَّا طَوَافُكَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ فَيَعْدِلُ سَبْعِيْنَ رَقَبَةٌ] وزاد في الوقوف [أَفِيْضُوا عِبَادِيَ مَغْفُورًا لَهُمْ

стр. 564

وَلِمَنْ شَفَعْتُمْ لَهُ، وَأَمَّا رَمْيُكَ الْجِمَارَ فَيَغْفِرُ لَكَ بِكُلِّ حَصَاةٍ رَمَيْتَهَا كَبِيْرَةً مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُوْبِقَاتِ، وَأَمَّا نَحْرُكَ فَمَذْخُورٌ لَكَ عِنْدَ رَبِّكَ] وقال في الطواف [فَيَأْتِي مَلَكٌ فَيَضَعُ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيْكَ وَيَقُولُ لَكَ: إِعْمَلْ لِمَا بَقِيَ فَقَدْ غَفَرَ لَكَ مَا مَضَى] وعن ابن مسعود رفعه: [مَنْ جَاءَ حَاجًّا يُرِيْدُ وَجْهَ اللهِ فَقَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَشُفِّعَ فِيْمَنْ دَعَا لَهُ] ذكره المنذري في جزئه وفيه أيضًا عن جابر رفعه: [مَنْ قَضَى نُسَكَهُ وَسَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ]. وفيه أيضًا عن عائشة ﵂ رفعته: [إِذَا خَرَجَ الْحَاجُّ مِنْ بَيْتِهِ كَانَ فِى حِرْزِ اللهِ؛ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ نُسَكَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ] وإنفاق الدرهم الواحد في ذلك الوجه يعدل أربعين ألف ألف فيما سواه (•)، قال: هُوَ فَرْضٌ، أي مفروض بالإجماع، وَفُرِضَ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ، وَكَذَا الْعُمْرَةُ فِي الأَظْهَرِ، لما روى عن أصحاب السنن الأربعة عن أبي رَزِيْن العُقَيْلِيِّ أَنَّهُ أتَى النَّبِيَّ ﷺ فقالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبِي شَيْخْ كَبِيرٌ لاَ يَسْتَطِعُ الْحَجَّ وَلاَ الْعُمْرَةَ وَلاَ الظَّعْنَ. قَالَ: [حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ] صححه الترمذي وابن حبان والحاكم (١٠٢٥)، قال الإِمام أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجود منه ولا أصح (١٠٢٦)،

стр. 565

والثانى: أنها سُنَّةٌ لحديث [وَإِنْ تَعْتَمِرُواْ فَهُوَ أَفْضَلُ] ضعفوه، وأُنْكِرَ على الترمذيِّ تصحيحه (١٠٢٧)، وحكى عن بعض الحنفية أنها فرض كفاية وهو غريب. وَشَرْطُ صِحَّتِهِ، أي صحة ما ذكرت من الحج والعمرة: الإِسَلاَمُ، أي لا غير فلا يصح من كافر كغيره من الفروع ولا يصح له أيضًا لعدم أهليته، فَلِلْوَليِّ أنَ يُحْرِمَ عَنِ الصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يُمَيِّزُ، لأنه ﵊ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوحَاءِ فَقَالَ: [مَنِ الْقَوْمُ؟ ] فَقَالُواْ: مُسْلِمُونَ فَقَالُواْ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: [رَسُولُ اللهِ ﷺ ] فَرَفَعَتِ امْرَأَةٌ إِلَيْهِ صَبِيًّا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: [نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ] (١٠٢٨)، وَالَمَجْنُونَ، قياسًا على الصَّبيِّ، والأصح أن الولي الذي يحرم عنهما هو ولي مالهما على الترتيب، ولا يصح من الأُمِّ إلا أن تكون وصية، ولا يشترط كون الولي حلالًا ولا حضور الصبي على الأصح ولا يصير الولي باحرامه عن الصبي محرمًا. فَرْعٌ: لو أذن الولي لمن يحرم عنه؛ فالأصح من زوائد الروضة الجواز. فَرْعٌ: إذا أحرم الولي عن الصبي أحضره المواقف وأمره بأن يأتي بما يقدر عليه. فَرْعٌ: لو أحرم عن الصبي المميز وليُّهُ؛ صحَّ على الأصح أيضًا؛ خلافًا لما وقع في
следующие страницы →