لأنهما لم يحصلا بالتجارة، فإن هذا نماءٌ وهي استنماءٌ، وَأَنَ حَوْلَهُ حَوْلُ الأَصْلِ، كنتاج السائمة، والثاني: لا، بل من انفصال الولد وظهور الثمار، والخلاف فِي ولد العرض إذا لم تنقص قيمة الأم بالولادة، فإن نقصت جُبِرَ نقصان الأُم بقيمته وفيه احتمال للإمام، وَوَاجِبُهَا رُبُعُ عُشْرِ الْقِيمَةِ، أما كونه رُبُعُ عُشْرٍ فلا خلاف فيه كالنقد، نعم: من أين يُخَرَّج؟ فيه أقوال: أصحها ما ذكره؛ ولا يجوز أن يُخَرَّجَ من العرض، لأن متعلق الزكاة هو القيمة، والثاني: يُخَرَّجُ مِنْهُ، والثالث: يتخَيَّر، فَإِنْ مُلِكَ بِنَقْدٍ، قُوَّمَ بِهِ إِنْ مُلِكَ بنِصَابٍ، لأن النقدَ أقربُ القيم إليه لأنه أصله، فإن بلغ به نصاباً؛ زكَّاهُ؛ وإلاّ فلا، وَكَذَا دُونَهُ فِي الأَصَحِّ، لما قلناه، والثاني: يقوم بغالب نقد البلد، كما لو اشترى بعرض، وموضع الخلاف ما إذا لم يملك من جنس النقد الذي اشترى به ما يتم النصاب، فإن ملك فلا خلاف أن التقويم جنس ما ملك به، قاله الرافعي؛ وقال فِي الروضة: يأتى فيه قولٌ: أنه يقوَّم بغالب نقد البلد، أَوْ بِعَرْضٍ؛ فَبِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ، لأنه لما تعذر التقويم بالأصل رجع إلى نقد البلد، فَإِنْ غَلَبَ نَقْدَانِ وَبَلَغَ بِأَحَدِهِمَا نِصَاباً، قُوِّمَ بِهِ، فَإِنْ بَلَغَ بِهِمَا قُوِّمَ بِالأَنْفَعِ لِلْفُقَرَاءِ، كما فِي اجتماع الحقاق وبنات اللبون، وَقِيلَ: يَتَخَيرُ الْمَالِكُ، أي فيقوّم بأيهما شاء كما يخير معطي الجُبران بين الشاتين والدراهم، وصححه المصنف فِي أصل الروضة، وكلام الرافعي فِي الشرح يقتضيه، وَإِنْ مُلِكَ بِنَقْدٍ وَعَرْضٍ، أي بأن اشترى بمائتي درهم وعرض قنية، قَوَّمَ مَا قَابَلَ النَّقْدَ بِهِ وَالْبَاقِي بِالْغَالِبِ، فإن كان النقد دون النصاب عاد الوجهان، وَتَجِبُ فِطْرَةُ عَبْدِ التَّجَارَةِ مَعَ زَكَاتِهَا، لاختلاف السبب، وَلَوْ كَانَ الْعَرْضُ سَائِمَةً، فَإِنْ كَمُلَ نِصَابُ إِحْدَى الزَّكَاتَيْنِ فَقَطْ وَجَبَتْ، أي كتسعة وثلاثين من الغنم قيمتها نصاب وأربعين قيمتها دونه، أَوْ نِصَابُهُمَا فَزَكَاةُ الْعَيْنِ، تجب، فِي الْجَدِيدِ، لقوتها؛ لأنها وجبت بالنص والأجماع، ولذلك يكفر
جاحدها بخلاف زكاة التجارة فإنها مختلف فيها، والقديم تغليب زكاة التجارة لقوتها أيضاً فإنها تجب فِي كل شيء؛ وزكاة العين تختص ببعض الأعيان، ولا خلاف أنه لا يجمع بين الزكاتين والأصح طرد الخلاف، سواء اتفق وقت الوجوب
стр. 492
أو اختلف، فَعَلَى هَذَا، يعني الجديد، لَوْ سَبَقَ حَوْلُ التِّجَارَةِ: بِأَنِ اشْتَرَى بِمَالِهَا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ نِصَابَ سَائِمَةٍ، أي ولم يقصد القنية، فَالَأصَحُّ: وُجُوبُ زَكَاةِ التَّجَارَةِ لِتَمَامِ حَوْلهَا، كيلا يُحْبَطُ بعضُ حولها، ثُمَّ يَفْتَتِحُ حَوْلاً، أي من مُنْقَرِضِ حَوْلَها (٩٤٢)، لِزَكَاةِ الْعَيْنِ أَبَداً، والثاني: تجب زكاة العين عند تمام حولها، وما سبق من حول التجارة يتعطل، والثالث: إن حول السائمة ينبي على حول التجارة كعكسه، أما إذا غلبت زكاة التجارة زكاها فِي آخر حولها جزماً.
وَإذَا قُلْنَا: عَامِلُ الْقِرَاضِ لاَ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ، أي وهو الأظهر؛ بل بالقسمة كما سيأتي فِي بابه، فَعَلَى الْمَالِكِ زَكَاةُ الْجَمِيعِ، أي رأس المال والربح؛ لأن الجميع ملكه، فَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ حُسِبَتْ مِنَ الرَّبْحِ فِي الأَصَحِّ، كالمؤَن وأرش الجناية والفطرة، وهذا ما نص عليه فِي الأم، والثاني: أنهما من رأس المال خاصة، والثالث: زكاة الربح من الربح؛ وَزَكَاةُ الأَصْلِ مِنَ الأصْلِ؛ لأنها وجبت فيهما، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ لَزِمَ الْمَالِكَ زَكَاةُ رَأْس الْمَالِ وَحِصَّتُهُ مِنَ الرِّبْحِ، لملكه ذلك، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَامِلَ زَكَاةُ حِصَّتِهِ، لِتَمَكْنِهِ مِن التوصلِ، والطريق الثاني: القطع بالمنع لعدم استقرار ملكه لاستقرار الخسران، والثالثة: أنه على القولين كالمغصوب؛ لأنه غير متمكن من كمال التصرف.
فَرْعٌ: إذا أوجبنا الزكاة على العامل لم يلزمْهُ إخراجها قبل القسمة، وابتداء حول حِصَّتِهِ من الظهور؛ واذا أراد إخراجها من مال القراض استبدَّ بِهِ على الأصح فِي الجميع (•).
стр. 493
بَابُ زَكَاةِ الفِطْرِ
تَجِبُ بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ فِي الأَظْهَرِ، لأنها مضافة فِي الحديث إلى الفطر من رمضان وهو حديث ابن عمر [فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيْرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ] متفق عليه (٩٤٣)، والثاني: أنها تجب بطلوع الفجر؛ لأنها قربة متعلقة بالعيد فلا يتقدَّمُ وقتها على العيد كالأضحية، والثالث: أنها تجب بمجموع الوقتين لتعلقها بالفطر والعيد جميعاً، ثم فَرَّعَ على الراجح فقال: فَتُخْرَجُ عَمَّنْ مَاتَ بَعْدَ
الْغُرُوبِ دُونَ مَنْ وُلِدَ، وعلى الثاني: ينعكسُ الحكمُ، وعلى الثالث: لا وجوب فيهما.
وَيُسَنُّ أَنْ لاَ تُؤَخَّرَ عَنْ صَلاَتِهِ، لأنه ﵊ أمر بها [أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الْمُصَلَّى] متفق عليه (٩٤٤).
وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهَما عَنْ يَوْمِهِ، لأنه قد ورد: [أُغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ] (٩٤٥) ويلزمه قضاؤها مع ذلك لخروجها عن الوقت، وَلاَ فِطْرَةَ عَلَى كَافِرٍ،
стр. 494
أي أَصْلِيٍّ بالاجماعِ؛ وفي المرتدِّ الأقوال فِي ملكه، إِلاَّ فِي عَبْدِهِ، أي بإرثٍ ونحوه، وَقَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ فِي الأَصَحِّ، أي فإنها تجب عليه بناءً على من وجبت فطرته على غيره وجبت على الْمُؤَدِّي عنه ويتحملها المؤدي، والثاني؛ لا، بناء على أنها وجبت على المؤدي ابتداء.
وَلاَ رَقِيقٍ، لعدم ملكه أو ضعفه، وَفِي الْمُكَاتَبِ وُجْهٌ، أنها تجب عليه فِي كسبه كنفقته، وقيل: على سَيِّدِهِ لأنه مِلْكُهُ، والأصحُّ: لا وجوب عليهما، وهذا فِي الكتابة الصحيحة، أما الفاسدة فتجب على سيده جزماً، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ يَلْزَمُهُ قِسْطُهُ، لأن الفطرةَ تتبعُ النفقةَ وهي مشتركة، وهذا إذا لم تُجْرِ مُهَايَأَةٌ بينه وبين السيِّدِ، فإن جرت فتختصُّ بمن وقع زمن الوجوب فِي نوبته، ونسب الماوردي إلى الجمهور خلافه وقال: إنه أظهرُ.
فَرْعٌ: حكمُ العبدِ المشترك حكم المبعَّضِ.
وَلاَ مُعْسِرٍ، بالإجماع؛ ثم حَدَّهُ بقولهِ: فَمَنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ فِي نَفَقَتِهِ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ شَيْءٌ فَمُعْسِرٌ، وإنما اعتبر الفضل عن القوت؛ لأنه لا بُدَّ مِنْهُ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَاضِلاً عَنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الأَصَحِّ، كما فِي الكفَّارَةِ بجامع الطُهرةٍ ويشترط كونهما لاَئِقيْنِ بِهِ (٩٤٦)، والثاني: لا؛ والفرقُ أنَّ الكفَّارة بدلاً
стр. 495
تنتقل إليه بخلاف الفطرة فهى كالدَّيْنِ ولا شك أنه يشترط كونه فاضلاً أيضاً عن دست ثوب يلبسه دون الدَّيْنِ على الأشبه فِي الشرح الصغير، وأما الحاوي الصغير فجَزَمَ بالاشتراط وهو ما نقل عن الإمام الاتفاق عليه.
وَمَنْ لَزِمَهُ فِطْرَتُهُ لَزِمَهُ فَطْرَةُ مَنْ تلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، أى بسبب زوجيَّةٍ أو قرابةٍ أو مِلْكٍ إذا كانوا مسلمين ووجد ما يؤدي عنهم، والإجماع قائم على أن الفطرة تجب على الغير بسبب الغير فِي الجملة، لَكِنْ لاَ يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ فِطْرَةُ الْعَبْدِ؛ وَالْقَرِيبِ؛ وَالزَّوْجَةِ الْكُفَّارِ، أي وإن وجبت نفقتهم بناء على التحمل وَلاَ الْعَبْدَ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ، أي حُرَّةً كانت أو أمَةً وإن كان ينفق عليها من كسبه، لأنه ليس أهلاً لِلتَّحَمُّلِ عن
زكاة نفسه فكيف يتحمل عن غيره، وَلاَ الاِبْنَ فِطْرَةُ زَوْجَةِ أَبِيهِ، أي وإن وجبت نفقتها عليه، وَفِي الإِبْنِ وَجْهٌ، كالنفقة، وأجاب الأول: بأن فَقْدَ النفقة يمكنها من الفسخ فيحتاج الابن إلى تزويجه بخلاف فقد الفطرة.
وَلَوْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ أَوْ كَانَ عَبْداً؛ فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ فِطْرَتُهَا، أى إذا كانت موسرة، وَكَذَا سَيِّدُ الأَمَةِ، فِي الأَصَحِّ (•)، بناءً على أن الوجوب يلاقي المؤدّي عنه ابتداءاً ويتحمله المؤدي، والثاني: لا تجب عليها بناء على مقابله. قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ لاَ يَلْزَمُ الْحُرَّةَ، وَالله أَعْلَمُ، أى ويلزم سيِّد الأَمَة لكمال تسليمها نفسها؛ بخلافه الأَمَة بدليل المسافرة والاستخدام ولا تستقر على الزوج المعسر بخلاف النففة (٩٤٧).
стр. 496
فَرْعٌ: العبد إذا كان لبيت المال أو موقوفاً على مسجد لا فطرة فيهما على الصحيح، أو مُعَيَّنٍ وقُلنا: الْمِلْكُ للهِ؛ وَهُوَ الأَصَحُّ فتجبُ نفقتهُ لا محالة، والأصح فِي الروضة لا فطرة، فتسثنى هذه من القاعدة السالفة.
وَلَوِ انْقَطَعَ خَبَرُ الْعَبْدِ فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ إخْرَاجِ فِطْرَتِهِ، لأنها لحقِّ الْمِلْكِ وهو لا يزول اتفاقاً، فِي الْحَالِ، أى بخلاف المال الغائب، لأنَّ الْمُهْلَةَ ثَمَّ شُرِّعَتْ لِمَعْنَى النَّمَاءِ وهو غير معتبر هنا، وَقِيلَ: إِذَا عَادَ، كزكاة المال، وَفِي قَوْلٍ: لاَ شَيْءَ، لأنَّ الأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ؛ وهذا القول مخرَّجٌ من عدم اجزائه فِي الكفَّارةِ، وهو المذهب احتياطاً لما ذكر الرافعي فِي كتاب الفرائض فِي الكلام على أرث المفقود أن زوجة المفقود إذا قُسِّمَ ماله؛ لها أن تنكِحَ على ما أفهمه كلام الأئمة، قال: فعلى هذا؛ فالعبد المنقطع خبره بعد هذه المدة أي وهي المدة التي تغلب على الظن أنه لا يعيش بعدها، لا تجب فطرته ولا تجزى عنه الكفارة قطعاً، وموضع القولين ما قبل ذلك، أما إذا لم ينقطع خبره وكان فِي طاعته، فإن فطرته تجب وإن كان آبقاً، فالمذهب الوجوب فيه، وطرد فيما إذا حيل بينه وبين زوجته وقت الوجوب، وَالأَصَحُّ أَنَّ مَنْ أَيْسَرَ ببَعْضِ صَاعٍ يَلْزَمُهُ، للقدرة، والثاني: لا، كبعض الرقبة فِي الكفارة، والأول فَرَّقَ: بَأن الفطرة لا بَدَلَ لها بخلاف الكفَّارة.
فَرْعٌ: لو وَجد بعض مُدٍّ ففيه احتمالٌ للإمام.
وَأَنْهُ لَوْ وَجَدَ بَعْضَ الصِّيعانِ قَدَّمَ نَفْسَهُ، اهتماماً بها، ثُمَّ زَوْجَتَهُ، لأن نففتها آكد بدليل أنها لا تسقط. بمضيِّ الزمان، ثُمَّ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ، لأن نفقته تثبت بالنص (٩٤٨) وفطرته تثبت بالإجماع، ثُمَّ الأَبَ، لأن نفقته فِي صغره قد تجب على
стр. 497
أبيهِ دون أُمِّهِ فكانت نفقة أبيهِ آكَدُ من نفقة أُمِّهِ، ثُمَّ الأُمَّ، لقوة حرمتها بالولادة، ثُمَّ الْكَبِيرَ، واعلم أنه قدَّم هنا الأبَ على الأم وخالف فِي النفقات، وفرَّق فِي شرح المهذب بينهما بأن النفقة لسد الخلة والأم أحوج والفطرة للتطهير والشرف، والأبُ أولى به، ومقابل الأصح من كلام المصنف تسعة أوجه فراجعها من الشرح.
وَهِيَ صَاعٌ، لحديث ابن عمر السالف فِي أول الباب؛ وهو خمسة أرطال وثلث تقريباً كما نقله فِي الروضة وشرح المهذب عن الدارمي، وخالف فِي رؤوس المسائل فقال: إنه تحديد، وَهُوَ سُتُّمَائَةِ دِرْهَمٍ وَثَلاَثَةٌ وَتُسْعُونَ دِرْهَماً وَثُلُثٌ، كذا قاله الرافعي بناء على أن رطل بغداد مئة وثلاثون درهماً، والمصنف صحح خلافه كما سبق فِي باب زكاة النبات فلذلك اعترض عليه فقال: قُلْتُ: الأَصَحُّ سِتْمَائَةِ وَخَمْسٌ وَثَمَانُونَ دِرْهَماً وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ لِمَا سَبَقَ فِي زَكَاةِ النَّبَاتِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَجِنْسُهُ الْقُوتُ الْمُعَشَّرُ، أي الذي يجب فيه العشر وهو البر والشعير والتمر والزبيب وما أشبهها، بعضها بالنص وبعضها بالقياس بجامع القوت، وَكَذَا الأَقْطُ فِي الأَظْهَرِ، لثبوته فِي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري (٩٤٩) وينبغي القطع
стр. 498
به، والثاني: لا، لأنه لا عُشر فيه، والأصح: أن اللبن والجبن فِي معناه، والأشبه أن هذا فيمن يقتَاتُهُ، وأنه لا فرق بين الحاضر والبادي فِي ذلك، وإذا جوزنا إخراج الأقط فلا يجزي إخراج المملح الذي أفسدَ كثرةُ الملح جوهرهُ؛ لأنه معيبٌ.
فَرْعٌ: الأقوات النادرة كالقت لا تجزي قطعاً.
وَيَجِبُ مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ، كالكفارة، والصواب: أن المرادَ قُوْتُ السَّنَةِ لاَ قُوْتَ وَقْتِ الْوُجُوبِ، وَقِيلَ: مِنْ قُوتِهِ، لأنها تابعة له، والاعتبار بحاله وقيل: بما يأكل منه، وَقِيلَ: يَتَخَيرُ بَيْنَ الأَقْوَاتِ، لظاهر حديث أبي سعيد السالف صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعر، وأجاب الأول بأن (أو) فيه للتنويع، وَيُجْزِىُء الأَعْلَى عَنِ الأَدْنى، لأنه زاد خيراً، وَلاَ عَكْسَ، لما فيه من الأضرار بالمستحقين،
وَالإعْتِبَارُ، أى فِي الأعلى والأدنى، بِالْقِيمَةِ فِي وَجْهٍ، رفقاً بالمساكين، وَبِزِيَادَةِ الاِقْتِيَاتِ فِي الأَصَحِّ، فَالبُرُّ خَيْرٌ مِنَ التَّمْرِ وَالأَرُزِّ، لأنه المقتات غالباً، وَالأَصَحُّ أَنَّ الشَّعِيرَ خَيْرٌ مِنَ التَّمْرِ، لأنه أبلغ فِي الاقتيات، وَأَنَّ التَّمْرَ خَيْرٌ مِنَ الزَّبِيبَ، لما قلناه، والثاني: أن التمر خيرٌ منهما، لأن الغالب أن قيمته أكثر، والصواب: تقديم الشعر على الزبيب.
وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ قُوتِهِ وَعَنْ قَرِيبِهِ أَعْلَى مِنْهُ، كما لو كان عليه كفارتان فأطعم عشرة وكسى عشرة يجزيه عنهما قطعاً، وَلاَ يُبَعَّضُ الصَّاعُ، أي المخرج عن الشخص الواحد؛ لأنه واجب واحد فلا يتبعض كالكفارة الواحدة، وَلَوْكَانَ فِي بَلَدٍ أَقْوَاتٌ لاَ غَالِبَ فِيهَا تَخَيَّرَ، وَالأَفْضَلُ أَشْرَفُهَا، لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٩٥٠).
فَرْعٌ: لو كانوا فِي بلد لا قوت لهم فيها؛ أخرجوا من قوت أقرب البلاد إليهم،
стр. 499
فإن استوى بلدان تَخَيَّرُوا الأفْضَلَ الأعْلَى.
وَلَو كَان عَبدُه بِبَلَدٍ آخَرَ؛ فَالأصَحُّ: أن الاعتِبَارَ بِقوتِ بَلَدِ العبدِ، بناء على أنها وجبت على العبد ثم تحملها السيد والشيء لا يُتحمل إلا كما وجب، والثاني: الاعتبار بقوت بلد السيد بناءً على أنها وجبت عليه ابتداءً. قلت: اَلوَاجِب الْحَبُّ السلِيم، أي فلا يجزي الدقيق والسويق؛ لأنه بدل ولا مُدخل للبدل في الزكوات، واحترز بالسليم عن المعيب بسوس ونحوه.
وَلَو أخْرَجَ مِنْ مَالِهِ فِطرَةَ وَلَدِهِ الصغِيرِ الغَنِي جَازَ، لأنه مستقل بالتمليك له؛ فكأنه ملكه ذلك ثم تولى الأداء عنه بما ملكه، كَأجْنَبِي أذن، كما لو قال لغيره إقْضِ دَيني؛ فإن لم يأذن فلا يجزيه قطعًا، لأنها عبادة، فلا تسقط عن المكلف بها بغير إذنه، بخلاَفِ الكبيرِ، أي فإنها لا تقع عنه إلّا بإذنه، لأنه لا يستقل بتمليكه، وقيدهُ في شرح المهذب بالرشيد وهو ظاهر، وسواء الأب والجد والمجنون والصبي، أما الوصيُّ فإنه لا يجوز له ذلك إلا بإذن القاضى خلافًا للماوردي.
وَلَوِ اشتَرَكَ مُوسرٌ وَمُعسِرٌ في عَبدٍ، أي والمعسر محتاج إلى خدمته، بحيث لا يكلف بيعه كما سلف، لَزِمَ المُوسِرَ نِصْفُ صاعٍ، أي إذا كانت حصته منه النصف مثلًا إذ هو قدر حصته، وَلَو أَيسَرَا، أي كلًا منهما، وَاخْتلَفَ وَاجِبُهما، أي لاختلاف قوت بلدهما، أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ نِصفَ صَاع مِن وَاجِبِهِ فِي الأصَح، وَالله أعلَمُ، لأنهما إذا أخرحا هكذا؛ أخرج كل واحد منهما ما لزمه من جنس واحد، والثاني: يخرجان من أدنى القوتين دفعًا للضرر عن المُزكيين، والثالث: يخرجان من أعلاهما حذرًا من التنويع مع النظر للمساكين، والرابع: من قوت بلد العبد لأنه طهرة له، وهذا هو الأصح؛ لأن الأصح: أن المخرج متحمل كما سلف، وقد: نبّهَ على ذلك الرافعي بعد أن صحح؛ كما صحح المصنف؛ وحذفه من الروضة وليس بجيِّدٍ منهُ.
стр. 500
بَابُ مَن تلزَمُهُ الزكاةُ وَمَا تجِبُ فيهِ
مُرَادُهُ بِمَا تَجِبُ فِيْهِ: شُرُوطُهُ، وإلّا فَقَدْ بيَّن مَا تَجِبُ فِيْهِ الزكَاةُ فِيْمَا مَضَى.
شُرُوطُ وُجُوبِ زَكَاةِ المالِ، أي السالف ذكره؛ وهو الحيوان والنبات وجوهر النقدين والتجارة والمعدن والرِّكاز:
* الإسلاَمُ، أى فلا تجبُ على كافر أصلِيّ؛ .بمعنى: أنه لا يطالَب بها في حال كفره، ولا بعد إسلامه، نعم: يعاقب عليها في الأخرى.
* وَالحُريةُ، أي فلا زكاة على قِنٍّ لعدم مِلْكِهِ، وَتلْزَمُ المرتد، أي إذا مضي عليه حول في الردة بعد ملك النصاب، إِن أبقَيْنَا مِلْكَهُ، ومؤاخذة له بحكم الإسلام، فإن قلنا أن ملكه زال، فلا، أو موقوف فموقوفة وهو الأصحُّ، أما إذا وجبت الزكاةُ ثم ارتد أُخِذَتْ مِنْ مَالِهِ على المشهورِ سواء أسلَمَ أو قُتِلَ، قاله في الكفاية؛ ونقل في شرح المهذب اتفاق الأصحاب عليه، دُون المُكاتبِ، لضعف ملكه.
وَتجِبُ في مالِ الصبي وَالمجنُون، لقوله ﷺ : [ابتَغوا فِي مَالِ اليتيمِ أوْ فِي مَالِ اليَتَامَى لاَ تُذْهِبُهَا أوْ تَستهلِكُهَا الصدَقَةُ] رواه الشافعى مرسلًا، وأكده بعموم الحديث المتصل في ايجاب الزكاة مطلقًا وبما روي عن الصحابة في ذلك (٩٥١)،
стр. 501
والأصح أنها تجب عليهما والولي مخاطب بالأداء، قال القفال في فتاويه: والاحتياطُ لِقيمِ الصبِي إذا كان حنفيًا أن تحسب زكاته حتى يبلغ ليخيره؛ ولا يخرجها فيغَرِّمهُ الحاكمُ.
فَرْع: في المال المنسوب إلى الجنين بإرث أو وصية طريقان؛ والأصح: أنه لا زكاة فيه إذ لا ثقة بحياته.
وَكَذَا عَلَى مَنْ مَلَكَ بِبَعضِهِ الحر نَصَابًا في الأصَح، لتمام ملكه عليه؛ ولهذا قال الشافعى: يُكَفرُ كالموسر ويزكي فطرةَ حريتهِ، والثاني: لا؛ لنقصانه بالرق كالمكاتبه وعليه الأكثرون، وَفِي المغصُوبِ وَالضال وَالمجحودِ في الأظْهَرِ، لملك النصاب وتمام الحول، والثاني: لا، لامتناع النماء والتصرف، فأشبه مال المكاتب لا تجب فيه الزكاة على السيد، وقيل: إن عاد بنمائه كالسائمه وجبت وإلّا كالنقد فلا، وإنما يتجه الخلاف في المغصوب حيث لا يقدر على انتزاعه، فإن قدر دون ضرر. فالظاهر الوجوب قطعًا، لأن التقصير في نزعه منه.
فَرْعٌ: السرقة كالضال؛ وقد ذكره الرافعي في المُحَررِ وأسقطهُ المصنف، وكذا إذا وقع في بحر.
وَلاَ يَجِبُ دَفعُهَا حَتى يَعودَ، أي المغصوب وغيره مما تقدم لعدم التمكن قبله؛ فيزكيه حينئذ للأحوال الماضية ما لم ينقص متعلق الزكاة عن النصاب بإخراج زكاة بعض الأحوال، وَالمشتَرَى قَبلَ قَبْضِهِ، أي تجب الزكاة فيه قطعًا إذا مضى عليه حول من يوم الشراء لتمكنه من قبض المبيع بِدَفْع الثَمَنِ، وَقِيلَ: فيهِ القَولاَنِ، أي في المغصوب وغيره، وَتجِبُ فِي الِحال عَنِ الغائِبِ إِن قدر عَلَيهِ وإلّا، أي وإن لم يقدر عليه لانقطاع الطريق وانقطاع خبره، فَكمَغصُوبٍ، أي فيأتي فيه ما سلف.
وَالدّين إِن كاَن مَاشيَةً أو غَيْرَ لاَزمٍ كَمالِ كتَابَةٍ فَلاَ زكاَةَ، أما الماشية؛ فلأن
стр. 502
السَّومَ شرط لِزَكَاتِهَا، وما في الذمة لاَ يَتصفُ بِالسَّومِ، وأمَّا مال الكتابة؛ فلأن الملك غيرُ تامٍ فيهِ ولِلْعَبْدُ إسقاطه متى شاءَ، أَوْ عَرضًا أَوْ نَقْدًا فَكَذَا فِي الْقَدِيمِ، لأنه لا مِلكَ فيهِ حقيقةً فأشبهَ دَينَ المكاتب، وَفِي الْجَدِيدِ إِن كَان حَالا وَتعَذَّر أَخْذُهُ لإعْسَارٍ وَغَيْرِهِ، أي كَغَيبةٍ وَمَطلٍ وجحودٍ ولا بَيِّنَةَ، فَكمَغْصُوبٍ، أي ففيه الخلاف السالف، فلو كان مُقِرًّا لهُ في الباطنِ وَجَبَتِ الزكاةُ دونَ الإخْرَاج قطعًا قاله في الشامِلِ، قال: وكذا إذا كانت لهُ بَيِّنَة أو يَعْلَمُهُ الحاكمُ، وَإن تيسرَ، أي بأنْ كَانَ عَلَى مُقِرٍّ بَاذِلٍ، وَجَبَتْ تَزْكِيَتُهُ فِي الحَالِ، لأنه مقدور على قبضهِ فهو كالوَدِيْعَةِ، أَو مُؤَجلًا فالْمَذهَبُ أَنه كمَغْضوبٍ، أي فيعود الخلاف السالف فيه؛ لأنهُ لاَ يَتَوَصلُ إِلَى التصَرُّفِ فِيْهِ قَبْلَ الْحُلُولِ، والطريق الثانى: القطعُ بالوجوبِ كالمالِ الغائبِ الذي يَسْهُلُ إحضارُهُ، والثالث: مقابله؛ لأن من له دَين مؤجَّلٌ لا يملك شيئًا قبل حلول الأجل كذا علله الرافعي، وَقِيلَ: يَجِبُ دَفْعُهَا قَبلَ قَبْضِهِ، كالغائب الذي يسهل إحضاره، والأصح: لا، حتى يَقْبِضَهُ كالمغصوب، وَلاَ يَمْنَعُ الديْنُ وُجُوبَهَا فِي أَظْهَرِ الأقْوَالِ، لإطلاق النصوص الواردة في الزكاة، والثاني: يمنع، لأن الزكاة حق يجب في الذمة بوجود مال، فمنع الدَّينُ وجوبه كالحج، فإذا قلنا بهذا فاعترف صاحب الدَّيْنِ به فالظاهر كما قال العجلي: تَصْدِيقُهُ كما نصدقُهُ بانقطاع الحولِ وغيره.
* وَالثالِثُ: يَمْنَعُ فِي الْمَالِ الْبَاطِنِ وَهُوَ النقدُ وَالعَرْضُ، أي دون الظاهر وهو المواشي والزروع والثمار والمعادن، والفرق أن الظاهر ينمو بنفسه أو هو نماء في نفسه والباطن ليس كذلك، وإنما أُلحِقَ بالنامى، فَعَلَى الأولِ، أي وهو أن الدَين لا يمنع الوجوب، لَوْ حُجِرَ عَلَيهِ لِدَينٍ؛ فَحَالَ الْحَولُ فِي الحَجْرِ فَكَمَغْصُوبٍ، لأنه حيل بينه وبين ماله، والحجر مانع من التصرف، واعلم أنه إذا حجر القاضى على المديون فله ثلاثة أحوال:
° أَحَدُهَا: أن يفرق ماله بين غرمائه فلا زكاة حينئذ لزوال ملكه.
° ثَانِيْهَا: أن يعين لكل واحد شيئًا من ماله على ما يقتضيه التقسيط، ومكنهم
стр. 503
من أخذه وحال الحول ولم يأخذوه، والأصح: القطع أنه لا زكاة فيه، وقيل: فيه خلاف المغصوب.
° ثَالِثُهَا: أن لا يفرق ماله ولا يعين لكل واحد شيئًا ويحول الحول في دوام الحجر وهذه مسألة الكتاب.
وَلَوِ اجْتَمَعَ زَكاة وَدَينُ آدَمِيٍّ في ترِكَةِ قُدِّمَت، لتعلقها بالعين، وَفِي قَولٍ: الديْنُ، لأنه حق آدمي وهو مبني على المضايقة، وَفِي قَولٍ: يَسْتَوِيَانِ، أي فيوزع المال عليهما، لأن الحق المالي المضاف إلى الله تعالى تعود فائدته إلى الآدميين أيضًا وهم المنتفعون بها.
وَالغَنِيمَةُ قَبلَ القِسْمَةِ، إنِ اختارَ الْغانِمُون تَمَلكَها وَمَضَى بَعدَهُ حَول، وَالجَمِيعُ صِنْف زَكَوِيٌّ، وَبَلَغَ نَصِيبُ كُلِّ شَخْص نِصَابًا، أَو بَلَغهُ الْمَجمُوعُ فِي مَوْضِع ثبوتِ الخُلْطَةِ وَجَبَت زكَاتهَا، وَإلَّا فَلاَ، أي وإن لم يختاروا تملكها فلا زكاة لعدم المِلْك أو ضعفه بدليل أنه يسقط بمجرد الإعراض، وكذا لو مضى حول من التملك وكانت أصنافًا، لأن كُل واحد منهم لا يدري ماذا يُصِيبهُ وكم نصيبه وكذا لو كانت صنفًا واحدًا زكويًا ولم تبلغ نصابًا إلّا بالخمس، إذ الخُلطة مع أهل الخمس لا يثبت؛ لأنه لا زكاة في الخمس بحال، من حيث أنه لغير معين كَمَالِ بَيْتِ الْمَالِ من الفيء وغيره ومال المساجد والرباطات.
وَلَو أصدَقَهَا نِصَابَ سائِمَةٍ مُعَينًا لَزِمَهَا زكَاته إِذَا تم حَولٌ مِنَ الإصْدَاقِ، أي سواء دخل بها أَمْ لم يدخل؛ قبضته أم لا؛ لأنها مَلَكَتْهُ بالعقدِ، وخرج بالمعين ما في الذمة؛ فإن السائمة في الذمة لا زكاة فيها كما سلف.
وَلَوْ أَكْرَى دَارًا أربعَ سِنِينَ بِثَمَانِينَ دِينَارًا وَقبضَهَا؛ فَالأظْهَر: أَنه لاَ يَلْزَمُهُ أَن يُخْرِجَ إلّا زَكاةَ مَا استقَر، لأنها قبل الاستقرار معرضه للسقوط بالانهدام فاورثت ضعف الملك، فَيخرِج عِنْدَ تمَامِ السنَةِ الأوْلَى زَكاةَ عِشْرِين، لأنه الذي استقر ملكه عليه الآن، وَلتَمَامِ الثانِيَةِ زكَاةَ عِشْرِينَ لِسَنَة، وَعِشرِينَ لِسَنَتَينِ، لأنه استقر
стр. 504
ملكه على أربعين دينارًا، وكانت في ملكه سنتين، فعليه زكاتها لسنتين وهى ديناران، لكنه قد أدى زكاة عشرين لِسَنَةٍ فيحط ذلك ويخرج الباقى، وَلتَمَامِ الثالِثَةِ زكاةَ أَربعِينَ لِسَنَةٍ، وَعِشرِينَ لِثَلاَثِ سنِينَ، لأنه استقر ملكه على ستين دينارًا، وكانت في ملكه ثلاث سنين فعليه زكاتها ثلاث سنين وهي أربعة دنانير ونصف دينار، لكنه قد أدى دينارين كما مضى فيحط ذلك ويخرج الباقي، وَلتمامِ الرابِعَةِ زكاةَ ستينَ لِسَنَةٍ، وَعِشْرِينَ لأربعٍ، لأنه استقر ملكه على الثمانين وكانت في ملكه أربع سنين؛ وزكاة الثمانين لأربع سنين ثمانية دنانير؛ لكنه قد أدى أربعة دنانير ونصف دينار كما مضى فيحرج الباقى، والثاني: يُخْرِجُ لِتَمامِ الأولَى زكاةَ الثمانين، لأنه ملكها مِلكًا تامًا، ألا نرى أنه لو كانت الأُجرة جاريةً يحل له وطؤها وتوقع السقوط لا يقدح كما في الصداق قبل الدخول، ومن قال بالأول قد يمنع تمام الملك ويقول هو موقوف، وأما الوطء فلا نسلم أنه يتوقف على ارتفاع الضعف من كل وجه، وأما الصداق فالفرق أن الأُجرة في مقابلة المنافع فبفواتها ينفسخ العقد، ولا كذلك الصداق، ألا ترى أنها لو ماتت تستحقه. وهذا الخلاف إنما هو في الإخراج كما صرح به المصنف، أما الوجوب فهو ثابت قطعًا، وأبعد من طرده فيه، وهذا الذي ذكرناه فيما إذا أخرج من غيرها، فإن أخرج من عينها نقص بحسابه، ولا يخفى أن المثال فيما إذا كانت اجرة السنين متساوية، فإن كانت متفاوتة زاد القدر المستقر في بعض السنين ونقص في بعض السنين، واحترز بالقبض عما إذا كانت معينةً غيرَ مقبوضة فحكمها حكم المبيع قبل القبض.
فصلٌ: تجِبُ الزكاةُ، أي اداؤها، عَلَى االفور إِذَا تمَكنَ، وَذَلِكَ بِحُضُور المالِ وَالأصْنَافِ، لأن الأمر بايتاء الزكاة وارد؛ وحاجة المستحقين ناجزة؛ فيتحقق الوجوب في الحال؛ وله انتظار الجار والقريب بعد التمكن، نعم: إن تلف يضمن على الأصح فيهما؛ ومحل الخلاف إذا ظهر استحقاق الحاضرين وأن لا يشتد ضررهم، ويشرط في إمكان الأداء أيضًا أن لا يكون مشتغلًا بشئ يهمه من أمر دينه أو دنياه.
стр. 505
وَلَهُ أن يُؤَدِّيَ بِنَفسِهِ زكاَةَ المالِ الباطِنِ، أي وهو النقدُ والعرضُ والرِّكازُ وزكاةُ الفطرِ بالإجماع، وَكَذَا الظاهِرِ، أى وهو المواشي والزروع والثمار والمعادن، عَلَى الجَدِيدِ، لأنها زكاة واجبة على من له التصرف في ماله فأشبهت الباطنة، والقديم: وجوب الدفع إلى الإمام أو نائبه لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ... ﴾ الآية (٩٥٢) , فظاهرهُ الوجوب، وإذا لزم الإمام الأخذ لزم أرباب الأموال الدفع، وخالف الباطنة؛ لأن للناس غرضًا في إخفائها فلا تفوت عليهم، ولا فرق في جريان الخلاف بين العادل وغيره على الأصح، قال الدارمي في استذكاره: فإن قلنا بوحوب الدفع إليه فلم يمكن أو كان فاسقًا فقيل يصبر سنة أو شهرًا أو شهرين ونحوه.
وَلَهُ التوكِيلُ، لأنه حق مالي فجاز التوكيل في أدائه كديون الآدميين، ولا فرق فى التوكيل بين أن يوكل مسلمًا بالغًا أو صبيًا أو كافر أصليًا صرح به القاضي، وعن الروياني: أنه يشترط في الكافر والصبى تعيين المدفوع إليه، ورأيته في فتاوى البغوى في الصبى ولم يتعرض للكافر، وَالصّرفُ إِلَى الإمَامِ، لأنه نائب المستحقين فجاز الدفع إليه كولي اليتيم ويبرأ بالدفع إليه، وإن قال: إن أخذها منك وأنفقها في الفسق، لأنه لا ينعزل بذلك، صرح به القفال في فتاويه، وَالأظْهَرُ: أن الصَّرفَ إِلَى الإمَامِ أفْضَلُ، لأنه أعرف بالمستحقين، إلا أن يَكُون جَائِرًا، أى فالأفضل حينئذ أن يفرق بنفسه، لأنه ليس على يقين من البراءة بالدفع إليه، والثاني: الأفضل الصرف إليه مطلقًا لما سلف، والثالث: الأفضل أن يفرق بنفسه ليكون على ثقةٍ من أدائهِ، وقوله في الأظهر كان ينبغي أن يعبر بالأصح كما في الروضة؛ وصحح في شرح المهذب صرف الظاهر إليه وإن كان جائرًا.
وَتجبُ النيةُ، للخير المشهور والاعتبار فيها بالقلب، فيَنْوِيَ هَذَا فَرضُ زكاةِ مَالِي أو فرض صَدَقَةِ مَالِي وَنحوَهُمَا، أي لزكاة مالي المفروضة أو الصدقة
стр. 506
المفروضة، وَلاَ يَكفى هَذَا فَرْضُ مَالِي، لأنه قد تكون كفارة ونذرًا، وَكذا الصدَقَةُ، أيْ صدقة مالي أو صدقة المال، فى الأصَح، لأنها قد تكون نافلة، والثانى: يكفى؛ لأنه ظاهر في الزكاة، فإن نوى الصدقة فقط، قال في شرح المهذب: لم يُجزِهِ (•) على المذهب وبه قطع الجمهور، وحكى الرافعى فيه وجهًا ضعيفًا.
فَرع: لو نوى الزكاة دون الفرضية أَجْزَأهُ في الأصحِّ، إذ لاتكون إلا فرضًا وبهذا خالفت الصلاة.
فَرْع: لو قال: هذا فرضى، قال البدنيجى: لا يجزيه قطعًا، قال: ونصُّ الشافعي ﵁ على الإجزاء مُؤَل.
فَرْع: لو أخرج خمسة ونوى بكلها الزكاة والتطوع لم تُجزِهِ عن الزكاة، وكانت تطوعًا. ذكره في البحر.
وَلاَ يَجِبُ تَعينُ المال (٩٥٣)، كالكفارات، وَلَو عَينَ لَمْ يَقَع عَنْ غيرِهِ، كما لو أخرج خمسة عن النصاب الغائب فَبَانَ تالفًا، فإنه لا يتمكن من صرفه إلى الحاضر، ويلْزَمُ الوَلي النَّيةُ إِذَا أخرَجَ زَكَاةَ الصبِيِّ وَالمَجنُونِ، لأن المؤدَّى عنه ليس أهلًا لها، فينوب عنه فيها كما في القَسمِ، وذكر في شرح المهذب السفيه معهما؛ وفيه نظر؛ لكنه لم ينفرد به فقد ذكره الجرجانى في شافيه، وَتكْفِي نيَّةُ المُوَكّلِ عِندَ الصرفِ إِلَى الوَكِيلِ فِي الأصَحِّ، لوجود النية من المتعبد بالزكاة، والثاني: لا يكفي كالحج، وفرَّقَ الأول بينهما: بأن العبادة في الحج فعل النائب فوجبت النية منه،
стр. 507
وهى هنا بمال الموكل فكفت نيته، وَالأفْضل أن يَنْوِىَ الوَكِيل عِندَ التفْرِيقِ أَيضًا، خروجًا من هذا الخلاف.
فَرْعْ: لو وكله وَفَوَّضَ إِلَيهِ النيةَ ونوى الوكيل أجزَأَة قطعًا.
وَلَوْ دَفَعَ إِلَى السلطانِ، أي طوعًا، كَفَتِ النيةُ عِنْدَهُ، أي وَإِن لَم يَنْوِ السلطان عند التصرف، لأنه نائب المستحقين؛ فالدفع إليه كالدفع إليهم، فَإن لَم يَنوِ، أي عند الدفع إليه، لَم يُجْزِئ عَلَى الصحِيح؛ وَإن نَوَى السلْطَان، لأنه نائب المساكين، ولو دفع المالك إلى المساكين بلا نية لم يجزه فكذا نائبهم، والثاني: يُجزءه وإن لم يَنْوِ السلطان وهو ظاهر النص، ولم يذكر كثير من العرقيين سواه؛ ووجهوه بأنه لا يُدْفَعُ إلى السلطان إلّا الفرض؛ وهو لا يفرق على أهل السهمان إلّا الفرض فأغنت هذه القرينة عن النية، وَالأصَح أنهُ يَلزَم السلْطَان النّية إِذَا أخَذ زَكاةَ الممتَنِع، وَأَن نِيتَهُ، أي نيَّة السلطان، تكفِي، لأن الإمام فيما يليه من أمر الزكاة كولي الطفل، والممتنع مقهور كالطفل، والثاني: لا يلزمه؛ ولا يكفي؛ لئلا يتهاون المالك في ما هو متعبد به، ومن الغريب حكاية الدارمي وجهين في وقوعهما الموقع، إذا أخذها قهرًا، ذكرها قبل صدقة البقر عن ابن سريج (•).
فصلٌ: لاَ يَصِح تعجِيلُ الزكاَةِ عَلَى مِلكِ اْلنِّصَابِ، لفقد سبب الوجوب، وهو المال الزكوي؛ فأشبه أداء الثمن قبل البيع وهذا في الزكاة العينية، أما زكاة التجارة كما لو اشترى عرضًا قيمته مئة فعجل عن مئتين وحال الحول وهو يساويها فإنه يجوز في الأصح، لأن الاعتبار بآخر الحول، ولو ملك مئة وعشرين شاة فعجل شاتين ثم حدثت سخلة فالمرجح عند أكثرهم كما قال الرافعي في الشرح الصغير: عدم الإحزاء، وجزم الحاوى الصغير بمقابله، ويجُوزُ قَبلَ الحَولِ، أي قبل تمامه، لأن العباس سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحول فرخص له في ذلك، قال
стр. 508
الحاكم: صحيح الإسناد (٩٥٤)، وَلاَ تجعّلُ لِعامَيْنِ، أي فصاعدًا، فِي الأصَح، لأن الزكاة عن السنة الثانية لم ينعقد حولها، والتعجيل قبل انعقاد الحول لا يجوز كالتعجيل قبل كمال النصاب، والثانى: نعم صححه جماعة؛ وفي الشامل: أنه المذهب المشهور لحديث فيه منقطع (٩٥٥) وهو المنصوص وعليه الأكثرون خلاف ما وقع للرافعي وشرطه أن يبقى عنده بعد التعجيل نصاب.
وَلَه تعجِيلُ الفطْرَةِ مِنْ أولِ رَمَضَان، لأن التقديمَ بيوم أو يومين جائز بإجماع المخالف؛ فنقيس الباقي بجامع إخراحها في جزء منه، وَالصحِيحُ مَنْعُهُ قَبلَهُ، لأنه تقديم على السببين؛ وهما رمضان والفطر، والثانى: لا، لأن وجود الشخص في نفسه سبب زكاة الفطر.
وَأنهُ لاَ يَجُوزُ إِخْرَاجُ زَكاَةِ الثمَرِ قَبلَ بُدُو صَلاَحِهِ، وَلاَ الحب قَبلَ اشتِدَادِهِ، لأن وجوبهما بسبب واحد فيمتنع التقديم عليه، والثانى: يجوز كزكاة المواشى قبل الحول، وَيَجُوزُ بَعدَهُمَا، أي بعد بدُو الصلاح واشتداد الحب لثبوت الوجوب وإن لم يلزم الإخراج، والثانى: لا يجوز، لعدم العلم بالقَدرِ، ولا يجوز التقديم قبل بروز الثمرة وكذا قبل السنبلِ وانعقاد الحَب.
стр. 509
وَشَرطُ إِجزَاءُ المعجل بَقَاءُ المالك أهلًا لِلوُجُوبِ إِلَى آخِرِ الحولِ، أي فلو مات؛ أو تلف ماله؛ أو باعه، لم يكن للمعجل زكاة.
فَرْعٌ: يشترطُ أيضًا بقاء المال كما نبهنَا عليهِ.
فَرْعٌ: قد يبقى المال وأهلية المالك وتتغير صفة الواجب، كما لو عَجَّلَ بنت مخاض عن خمسة وعشرين من الإبل، فبلغت بالتوالد ستًا وثلاثين قبل الحول، فإن بنت المخاض المعجلة لا تجزيه وإن صارت بنت لبون في يد القابض بل يستردها ويعطيها ثانيًا أو يخرج بنت لبون أخرى.
وَكون القابِضِ فِي آخِرِ الحولِ مُستَحِقًا، أي فلو كان مرتدًا عنده أو ميتًا لم يكن المؤدَّى مُجزِيًا لخروجه عن الأهلية عند الوجوب، وَقيلَ: إِن أَخَرَجَ عَنِ الاستحقَاقِ فِي أثناءِ الحولِ لم يُجْزِهِ، كما لو لم يكن عند الأخذ من أهله، ثم صار عند تمام الحول من أهله، والأصح الأحزاء اكتفاءً بالأهليَّة في طرفي الوجوب والأداء، وهنا حالة الأخذ؛ هو غير مُتعَدٍّ بها بخلاف تلك.
فرعٌ: لو شككنا هل مات القابض قبل الحول أو بعده؛ فالأقرب في البحر الإجزاء، وفي فتاوى الحناطى ومنها نَقَلْتُ: أنه إذا غاب المسكين عند الحول ولا يُدْرَى حاله من موتهِ وحياتهِ وفقرهِ ويسارهِ، الظاهر استمرار فقرهِ وحياتهِ مَا لَم يُعلَم وفاته وغناه من مال آخر.
فَرعٌ: إذا مات المدفوع إليه قبل الحول وهو معسر فأوجه؛ الذي يقتضيه منها كلام الجمهور؛ كما قاله في شرح المهذب: أنه يلزم المالك دفع الزكاة ثانيًا إلى المستحقين، لأن القابض ليس من أهل الزكاة وقت الوجوب.
وَلاَ يَضُرُّ غِنَاهُ بِالزَّكاَةِ، لأن الزكاة إنما تصرف إليه ليستغنى، فلا يصير ما هو المقصود منها مانعًا من الإجزاء، ويضر غناه بغيرها لخروحه عن أهلية أخذ الزكاة عند الوجوب.
فَرْعٌ: لو استغنى بزكاة أخرى واجبة أو معجلة فهو كما لو استغنى بغير الزكاة قاله الفارقى.
стр. 510
وِإذَا لَم يَقَع المعَجلُ زَكاَةً؛ استرَدَّ إِن كان شَرَطَ الاستردَادَ إِن عَرَضَ مَانِعٌ، لأنه مالٌ دفعه لما يستحقه القابض في المستقبل فإذا عرض ما يمنع الاستحقاق استرد، وَقَبْلَ عروض المانع ليس له الاسترداد لأنه تبرع بالتعجيل فهو كمن عَجَّلَ دَينًا مؤجلًا لا يسترده، وَالأصَح أنهُ إِن قالَ: هَذِهِ زَكاتي المعجلَةُ فَقَط استَرَدَّ، لأنه عينَ الجهةَ، فإذا بطلت رجع كما في تعجيلِ الأُجرَةِ وعروض الانهدام قبل انقضاء المدة، وصحح في شرح المهذب القطع به، والثاني: لا، لأن العادةَ جاريةٌ؛ بأن المدفوع إلى الفقير لا يُسْتَرَد فكأنه مَلَكَهُ بالجهة المعينة إن وجد شرطها، وإلا فهو صدقة، ومحل الخلاف إذا دفع المالك بنفسه، أما إذا فرق الإمام، فلا يمكن جعله نافلة ولا حاجة إلى شرط الرجوع، لكن لو لم يعلم القابض أنه زكاة غير معجلة، فيجوز أن يقال على الوجه الثاني: لا يسترده؛ وعلى الإمام الضمان للمالك لتقصيره بترك شرط الرجوع.
فرعٌ: لو لم يقل هذه زكاتى المعجلة لكن عَلِمَهُ القابضُ! ففيه الخلاف؛ والأصح: الرجوع أيضًا.
وَأنهُ إِن لَم يَتَعَرَّضْ لِلتعجِيلِ وَلَمْ يَعلَمْهُ الْقَابِضُ لَم يَسْتَرِد، لتفريط الدافع، والثانى: يسترد؛ لأنه لم يقع الموقع، والثالث: إن دفع الإمام ثبت الرجوع أو المالك فلا، واحترز بقوله (وَلَم يَعلَمهُ القَابِضُ) عما إذا علمه وقد عرفتَهُ، وَأنهما لَوِ اخْتَلَفَا فِي مُثبت الاسْتِردَادِ، أي وهو شرط التعجيل على الوجه الأصح، صُدِّقَ الْقَابِضُ بِيَمِينهِ، لأن الأصل عدم الاشتراط، والغالب كون الأداء في الوقت، والثاني: أن المُصَدَّق المالِكُ بيمينه؛ لأنه المؤدي وهو أعْرَفُ بِقَصْدِهِ، ووقع في شرح المهذب للمصنف تصحيحُهُ، وَمَتَى ثَبَتَ، أي الاسترداد، وَالْمُعَجَّلُ تالف وَجَبَ ضمَانُهُ، أي بالمثل إن كان مثليًا؛ وبالقيمة إن كان متقومًا، وقيل: يضمن بمثله من الحيوان وهو ظاهر النص، قال الماوردي: وهذا الخلاف في رجوع رب المال، أمَّا في حق أهل السهمان فيستحق الرجوع بالمثل دون القيمة أي ليدفعه إلى مستحقه لخروجه عن أهلية الاستحقاق، وَالأصَح اعْتِبَارُ قِيمَتِهِ يَومَ القبضِ، لأن ما زاد في ملك
стр. 511
القابض، والثانى: يوم التلف؛ لأن الحق يومئذ ينتقل إلى القيمة، والثالث: أقصى القيم، والرابع: يوم الرجوع، وَأنهُ إِن وَجَدَهُ ناقِصًا فَلاَ أَرشَ، لأنه حدث في ملكه فلا يضمنه، والثانى: نعم؛ كما يجب الضمان عند التلف فيعتبر الجزء بالجملة، وهذا الخلاف في النقص، إذا كان لا يتميز كالمرض والهزال، فإن كان متميزًا كأحد الشاتين؛ فإنه يأخذ الموجود وبدل التالف قطعًا؛ قاله في الكفاية، وَأنه لاَ يَستَرِد زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً، كما أنها تسلم للمشتري إذا ردّ الأصل بالعيب ورد عليه العوض، قال الرافعي: ولم يذكر الجمهور غيره، ويحكى عن النص، والثانى: أنه يأخذها مع الأصل؛ لأنا تبيَّنا بما طرأ آخرًا أنه لم يملك المقبوض، أما الزيادة المتصلة كالسمن فإنها تتبع الأصل.
فَصلْ: وَتَأخيرُ الزكاةِ بعدَ التمَكنِ، أي وهو ما سلف، يُوجِبُ الضمَان، وإن تَلِفَ المالُ، لتقصيره بحبس الحق عن مستحقه؛ فيؤدي ما كان يخرجه قبل التلف، وقال القفال في فتاويه: إن تلف المال في يد الإمام ينبغي أن يضمن؛ بخلاف ما إذا تلف في يد الوكيل في تفرقتها؛ لأن التفريق واجب عليه بخلاف الوكيل، وَلَو تلِفَ قَبلَ التمَكُّنِ فَلاَ، كما لو ملك زادًا أو راحلة ولم يتمكن من فعل الحج، وَلَو تلِفَ بَعْضُهُ؛ فَالأظْهَرُ: أنهُ يَغرَمُ قِسطَ مَا بَقِيَ، بناءً على أن التمكن شرط في الضمان، والثانى: أنه لا شيء عليه؛ بناء على أن التمكن شرطٌ في الوجوب، وإن أتلَفَهُ بَعْدَ الحولِ وَقَبْلَ التْمَكُّنِ لَم تسقُطِ الزكاةُ، لتقصيره بإتلافه، وَهِيَ تتعلقُ بِالمالِ تعَلُّقَ الشرِكَةِ، لأنها تجب بصفة المال، وَفِي قَولٍ: تَعَلُّقَ الرَّهنِ، لأنه إذا خلا من الواجب بيع في تخليصه كالرهن، وَفي قولٍ: بِالذّمَّةِ، كالفطرة؛ ولأنه يجوز إخراجها من مال آخر، وفي قول رابع: أنها تتعلق بالعين تعلق الأرش برقبة الجانى، وخامس: أنه إن أخرج من المال تبين تعلقها به، وإلا فلا، هذا كله إذا كان الواجب من جنس المال، فأمّا إذا كان من غيره كالشاة الواجبة في الأبل فطريقان، أحدهما: القطع بتعلقها بالذمة، وأصحهما: أنه على الخلاف السابق، فَلَو بَاعَهُ، أي باع مال الزكاة بعد وجوب الزكاة، قَبلَ إِخْرَاجِهَا، فالأظْهَرُ بُطْلانهُ فِي قدَرِهَا، تفريعًا على قول
стр. 512
الشركة؛ لأن بيع مِلك الغيرِ من غير مسوغ باطل، وَصِحتُهُ فى الباقِي، لأنه مِلكهُ وهو خلاف تفريق الصفقة بعينه، والثاني: يصح في الكل بناء على أن التعلق بالذمة، والثالث: يبطل في الكل، وهذه الأقوال الثلاثة هى خلاصة التفريع على الأقوال الثلاثة السابقة، وهذا إذا باع الجميع، فإن باعَ البعضَ؛ فإن لم يبق قدر الزكاة فهو كما لو باع الجميع، وإن بقى قدرها؛ فالأقيس البطلان تفريعًا على قول الشركة، وجميع ما ذكرناه هو في بيع المال الذى تجب فيه الزكاة في عَينهِ، فأما بيع مال التجارة بعد وجوب الزكاة فيه، فالأصحُّ جوازه، لأن متعلقها القيمة وهى لا تفوت بالبيع.
ثم قلت: تم بفضل الله ومنه ضبط الجزء الأول على أصوله توثيقًا من عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج للشيخ الإمام الفقيه المحدث ابن النحوى المشهور بابن الملقن ﵀ وتخريج أحاديثه وعزوها إلى مظانها والتعليق عليه والحمد لله وحده وله المنة.
واتفق إتجاره ليلية الجمعة الخامس عشر من شهر شوال ١٤٢٠ من الهجرة الموافق ليوم العشرين من شهر كانون الثانى ٢٠٠٠ ميلادية والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد النبى الرسول وعلى آله وصحبه وسلم. ويليه إن شاء الله الجزء الثاثنى وأوله كتاب الصيام.
стр. 513
عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج
تأليف
سراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن أحمد المعروف بـ «ابن النحوي» والمشهور بـ «ابن الملقن» (المتوفى ٨٠٤ هـ)
حققه وضبطه على أصوله وخرج حديثه وعلق عليه
عز الدين هشام بن عبد الكريم البدراني
[الجزء الثاني]
стр. 514
كتاب الصيام
الصيّاَمُ: هُوَ فِى اللغَةِ الإمْسَاكُ وَمِنْهُ ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ صَمْتًا (٩٥٦)، وَفِي الشرع: إِمْسَاك مَخْصُوصُ مِنْ شَخْصٍ مَخصُوصٍ عَنْ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ فِي زَمَنِ مَخْصُوص.
يَجِب صَوم رَمَضَان، بالإجماع باكمَالِ شَعْبَان ثَلاَثينَ، أو رُؤيةِ الْهِلاَلِ، لَيلَةَ الثلاثين لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٩٥٧) والمراد بالشهادة هنا العلم، والعلم إما بالرؤية أو باستكمال شعبان، لقوله ﷺ : [صُوموا لِرُؤيتهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤيتهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيكُم فَأكمِلُوا عِدةَ شَعبانَ ثَلاِثيْنَ] رواه البخارى (٩٥٨)، والمرادُ رؤيته في الجملة بشرطه الآتى، وَثبوتُ رؤيتهِ بِعَدْلٍ، لأن ابن عمر رآه فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فصام وأمر الناس بصيامه، رواه أبو داود وصححه ابن حبان (٩٥٩)،
стр. 515
ولقصة الأعرابي أيضًا صححه ابن حبان والحاكم (٩٦٠)، وَفِي قَوْلٍ: عَدْلاَنِ، كهلال شوال وسائر الشهادات. وللأول بأنه يجيب بأن لا تهمة تلحق الشاهد في هلال رمضان بخلاف شوال، والقياس على الشهادات غير منتظم لأنها مختلفة، وإلى هذا القول رجع الشافعى آخرًا، كما نبَّه عليه الربيع في الأم فاستفده.
فَرْعٌ: إذا قبلنا قول الواحد في الصوم، فلا خلاف في أنه لا يقع الطلاق والعتق المعلق بدخول رمضان، ولا يحل الدينُ المؤجلُ به، قاله القاضي وغيره، قال الرافعى: ولو قال قائل هل لا يثبت ذلك ضمنًا كما سبق نطيره؛ لأحْوَجَ إلى الفرق، وعنى بنظيره ما سيأتي إذا صمنا بواحد ثلانين يومًا ولم نرَ الهلال نفطر في الأصح.
وَشَرطُ الوَاحِدِ صِفَةُ العُدُولِ فِي الأصح، لاَ عَبدٍ وَامرَأَة، هذا ما نص عليه في الأم (٩٦١)، والثاني: لا يشترط ذلك؛ فيقْبَلُ منهما بناء على أنه رواية، والأصح في الصبي المَميزِ الثِّقَةِ القطعُ بعدم القبول أيضًا، قال الدارمي: وإذا قُبِلَ قوله فصام، قال ابن القطان: يجزيه، وقال ابنُ المُرزُبَانِ: محتملٌ، وصحح المصنف قبول قول المستور وفيه نظر، وِإذَا صُمنَا بعَدل وَلَم نَرَ الْهِلاَلَ بَعدَ ثَلاَثينَ أفطَرنَا فِي الأصَح، وَإن كَانَتِ السماءُ مُصْحِيةَ، لأن العدد قد كمل فأشبه ما لو صُمنا بقول عدلين، والثاني: لا يُفْطَرُ؛ لأنه يؤدي إلى الفطر بقول واحد وهو ممتنع لو ابتدأ بالشهادة، فكذلك إذا اقتضته الشهادة السابقة، وأجاب الأول: بأن الشيء وقد يثبت ضمنًا ولا يثبت صريحًا، كما في شهادة النساء لا تُقْبَل في النسب ابتداء؛ وتقْبَلُ في الولادة ابتداء.
стр. 516
وِاذَا رُؤِيَ بِبَلَدٍ لَزِمَ حُكمُهُ البَلَدَ القَرِيبَ، أي قطعًا، دُون البَعِيدِ فِي الأصَح، لأن لكل أهل بلد رؤيتهم، والثاني: يجب؛ لأن الهلال واحد والخطاب شامل، ولأن الأرضَ مُسَطحَة (٩٦٢)، فإذا رؤى الهلال في بلد رؤى في غيره، وَالْبَعِيدُ بِمَسَافَةِ الْقَصرِ، لأن اعتبار المطالع يحوج إلى حساب وتحكيم المنجمين، وقواعد الشرع تأبى ذلك فوجب اعتبار مسافة القصر التي علق الشارع بها كثيرًا من الأحكام.
وَقِيلَ: بِاخْتِلاَفِ المَطَالِع، لأن أمر الهلال لا تعلق له بمسافة القصر، هذا ما قطع به جمهور العراقيين والصيدلاني وغيرهم فلذلك قال المصنف اثره: قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ، وَالله أَعلَمُ، فإن شك في اتفاقها فلا وجوب على من لم يرَ، لأن الأصل عدم الوجوب، لكنه وافق ما صححه الرافعي في شرح مسلم (٩٦٣).
стр. 517
وَإذَا لَمْ نُوجِبْ عَلَى البَلَدِ الآخَرِ فَسَافَرَ إِلَيْهِ مِنْ بَلَدِ الرُّؤيه، فَالأصَحُّ أَنهُ يوَافِقُهُمْ في الصومِ آخِرًا، لأنه بالانتقال إلى بلدهم أخذ حكمهم وصار من جملتهم، والثانى: يفطر؛ لأنه التزم حكم البلد الأول فيستمر عليه، وَمَنْ سَافَرَ مِنَ الْبَلَدِ الآخَرِ إِلى بَلَدِ الرؤيةِ عَيدَ مَعَهُمْ وَقَضى يَوْمًا، بناءً على أن له حكم البلد المنتقل إليه، وَمَنْ اَصبَحَ مُعَيدًا فسَارَتْ سَفِينَتُهُ إِلَى بَلدَةٍ بَعِيدَةٍ؛ أَهْلُهَا صِيَام؛ فالأصَح: أَنهُ يُمْسِكُ بَقِيةَ اليوْمِ، بناء على أن لكل بَلْدَةٍ حُكْمُهَا. وأن للمنتقل حكم البلد المنتقل إليه، واستبعد الإمام ذلك من حيث أنه لم يَرِدْ فيه أثر، ويجزيه اليوم الواحد، وإيجاب إمساك بعضه بعيد، وتابعه الغزالي وهذا هو المقابل للأصح في كلام المصنف.
فَصلٌ: النِّيةُ شَرْط لِلصوْمِ، أما توقفه عليها فهو إجماع إلا من شذّ، وأما كونها شرطًا ففيه تجوز، ومحلها القلب، ولا يشترط النطق بها، ويشْتَرَطُ لِفَرْضِهِ التبْيِيتُ، لقوله ﷺ : [مَنْ لَمْ يُجمِع الصيامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ] صححه الدارقطني والخطابى والبيهقى (٩٦٤)، والأصح القطع بذلك في المنذور. والصَّبِي المميز كالبالغ كما قاله في شرح المهذب، وسبقه إليه الرويانى (•)، وتجب النية لكل يوم (•).
стр. 518
فَرْع: لو تَسَحَّرَ للصومِ أو شرب لدفع العطش نهارًا أو امتنع من الماء خوف الفجر كان ذلك نية للصوم كما نقله الرافعي عن أبي العباس الروياني، قال: وهو الحق إن خَطَرَ ببالهِ الصوم بالصفات المعتبرة.
وَالصحِيحُ: أنهُ لاَ يُشْتَرَطُ النِّصْفُ الآخِرُ مِنَ الليلِ، لأنا لو اشترطنا ذلك لشق على الناس وضاق، والثانى: نشترطه وتوجيهه في غاية البعد، وَأَنهُ لاَ يَضُرُّ الأكْلُ وَالْجِماعُ بَعْدَهَا، أي وكذا غيرهما من المنافيات، لأن الله تعالى أحلَّ الأكل إلي طلوع الفجر، ولو كان يبطل النية لما جاز أن يأكل البتة؛ لأنه يبطل النية، وهذا هو المنصوص وبه قطع الجمهور، والثاني: أنه يضر ذلك لمنافاته، وهو غلط بالاتفاق، وَأنهُ لاَ يَجِبُ التجدِيدُ إِذَا نَامَ ثُم تنبهَ، لما سبق، بل أَولى لعدم منافاة النوم الصوم، والثاني: يجب تقريبًا للنية من العبادة، بقدر الوسع، أما إذا استمر النوم إلى الفجر لم يضره، ويصح صومه قطعًا، قال الإمام: وفي كلام العراقيين تردد في أن الغفلة هل هى كالنوم؟ وكل ذلك مطرح.
ويصِح النفْلُ بِنِيةٍ؛ قَبْلَ الزوَالِ، لأنه ﷺ دخلَ على عائشة ذاتَ يومٍ فقال: [هَلْ عِنْدَكُمْ شَىْء] قَالَتْ: لاَ، قالَ: [فَإِني إِذًا أَصُومُ]، قَالَتْ: وَدَخَلَ عَلَيَّ يَوْمًا آخَرَ، فَقَالَ: [أَعِنْدَكِ شَيْء] قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: [إِذا أُفْطِرُ، وَإِنْ كُنْتُ فَرَضْتُ الصَّوْمَ] رواه الدارقطنى والبيهقى، فقالا: إسناده صحيح (٩٦٥)، وفي رواية الدارقطني؛ وقال: إسنادها صحيح أيضًا: [هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ غَدَاء] بدل [مِنْ شَيْءٍ] (٩٦٦) وهو موضع الدلالة فإن الغداء كما قال القاضي أبو الطيب وغيره: اسم لما يؤكل قبل
стр. 519
الزوال، وما يؤكل بعده يسمى عشاءً, وَكَذَا بَعْدَهُ في قَوْلٍ، أي إذا لم يتصل آخر نيته بالغروب تسوية بين أخر النهار كالليل، أما إذا اتصلت نيته بالغروب؛ فلا يصح قطعًا قاله البندنيجي، والأصح: المنع لخلو معظم العبادة عن النية.
وَالصَّحِيحُ: اشْتِرَاطُ حُصُولِ شَرْطِ الصَّوْمِ مِنْ أوَّلِ النَّهَارِ، أي من أكلٍ وشربٍ وحِماعٍ وكُفرٍ وحيضٍ وجنونٍ، وإلا فيبطل مقصود الصوم، ويجوز أن يتقدم شرط الشيء عليه، ألا ترى أنَّه يشترط تقديم الخطبة على الجمعة، والثاني: لا يشترط ذلك؛ لأن الصوم إذا كان محسوبًا من وقت النية كان بمثابة جزءٍ من الليل، وهذا الخلاف محله إذا قلنا: إنه صائم من وقت النية، أما إذا قلنا بالأصح: إنه صائم من أول النهار فلا بد من اجتماع شرايط الصوم في أول النهار.
وَيَجِبُ التَّعْيِينُ في الْفَرْضِ، أي بأن ينوي كل ليلة أنَّه صائم غدًا من رمضان أو عن قضاء رمضان أو عن نذر أو كفارة؛ لأنه قربة مضافة إلى وقتها، فوجب التعيين في نيتها كالظهر والعصر، واحترز بالفرض عن النفل؛ فإنَّه يصح بنية مطلق الصوم كما في الصلاة، قال في شرح المهذب: كذا أطلقه الأصحاب، وينبغي أن يشترط التعيين في الصوم المرتب كصوم عرفة وعاشوراء وأيام البيض ونحوها، كما يشترط ذلك في رواتب الصلاة.
وَكَمَالُهُ في رَمَضَان؛ أَن يَنْوِيَ صَوْمَ غَدٍ عَنَ أَدَاءِ فَرْضِ رَمَضَان هَذِهِ السَّنَةِ لله تَعَالَى، تمييزًا له عن القضاءِ والنفلِ، وغير رمضان هذه السنة، ونية غد بخصوصه ليست بواجبة؛ بل يكفي دخوله في عموم الشهر المنوى على الأصح حتَّى لو نوى أول ليلة من رمضان صوم جمعة صح اليوم الأول منه فقط على الصحيح.
وَفِي الأدَاءِ وَالْفَرَضِيَّةِ وَالإِضَافَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الْخِلَافُ الْمَذكُورُ في الصَّلاةِ، أي وقد سبق بيانه هناك؛ كذا قاله الرافعي في كتبه وأقرّه عليه المصنف هنا، وفي الروضة؛ وقال في شرح المهذب: الأصح في نية الفرضية هناك عند الأكثرين الاشتراط، وهنا عدمه. والفرقُ أن صوم رمضان من البالغ لا يكون إلَّا فرضًا بخلاف الصلاة.
стр. 520
وَالصَّحِيحُ: أَنْهُ لا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ السَّنَةِ؛ لأن التعرض لليوم المعين يغني عن ذلك، والثانى: يشترط؛ وزَيَّفَهُ الإمامُ.
وَلَوْ نَوَى لَيلَةَ الثَّلَاثينَ مِن شَعْبَان صَوْمَ غَدٍ عَنْ رَمَضَان إِنْ كان مِنْهُ فَكَان مِنهُ لَمْ يَقَعْ عَنْهُ إِلَّا إِذَا اعتَقَدَ كَوْنَهُ مِنْهُ بِقَوْلِ مَن يَثقُ بِهِ: مِنْ عبدٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ صِبْيَانٍ رُشَدَاءَ, لأن غلبة الظن في مثل هذا له حكم اليقين كما في أوقات الصلاة، واحترز بالاعتقاد عن عدمه وبالرشداء عن غيرهم، ولو أخبره صبيٌّ عاقلٌ برؤيتهِ فغلب على ظنه صدقه، قال في البحر: قال أبو حامد: يجوز أنْ يعقد الصوم به، وقال سائر أصحابنا بخراسان: لا يجوز ذلك؛ لأنه لا حكم لقوله، وجزم الجرجانى والمحاملي باعتماد الصبي المراهق.
وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلاثِينَ مِن رَمَضَان صَوْمَ غَدٍ إِنْ كَان مِنْ رَمَضَان أَجْزَأَهُ إِنْ كَانَ منْهُ؛ لأن الأصل بقاؤه، وَلَوِ اشْتَبَهَ، أي شهر رمضان على أسير أو محبوس أو نحوهما، صَامَ شَهْرًا بِالاجْتِهَادِ، كما يجتهد للصلاة في القبلة والوقت، فَإِن وَافَقَ مَا بَعْدَ رَمَضَان أَجْزَأَهُ، أي وغايته أنَّه أوقع القضاء بنية الأداء، وَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى الأصَحِّ، لوقوعه بعد الوقت، والثاني: أنَّه أداء لمكان العذر، والعذر قد يجعل غير الوقت وقتًا كما في الجمع بين الصلاتين، وفائدة الخلاف ما إذا كان رمضان تامًا والذي صامه ناقصًا فلهذا فرّعه المصنف على الراجح فقال: فَلَوْ نَقَصَ وَكَان رَمَضَانُ تَامًّا لَزِمَهُ يَوْمٌ آخَرُ، أي وعلى مقابله لا يلزمه شيء ولو كان الأمر بالعكس. فإن قلنا: إنه قضاء فله إفطار اليوم الأخير إذا عرف الحال، وإن قلنا إداء فلا، وَلَوْ غَلِطَ بِالتَّقْدِيمِ، أي على رمضان، وَأَدْرَكَ رَمَضَان لَزِمَهُ صَوْمُهُ، لتمكنه منه في وقته، وِإلَّا، أي وإن لم يدرك رمضان، فَالْجَدِيدُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ, لأنه أتى بالعبادة قبل الوقت فلا تجزيه كما في الصلاة، وفي القديم المنع كالحجيج إذا أخطأوا أو وقفوا العاشر يجزيهم، وبناهما جاعة على ما إذا وافق ما بعده هل يكون قضاء أم أداء، إن قلنا قضاء لم يُحْزِهِ هنا؛ لأن القضاء لا يسبق الأداء وإذا قلنا أداء أجزأَهُ.
стр. 521
فَرعٌ: لو أدرك بعضَهُ لزمهُ صومهُ، وفي قضاء ما مضى الطريقان، وبقىَ من أقسام المسألة خمس صور فراجعها من الشرح.
وَلَوْ نَوَتِ الْحَائِضُ صَوْمَ غَدٍ قَبْلَ انْقِطَاع دَمِهَا، ثُمَّ انْقَطَعَ لَيْلًا صَح إِنْ تَمَّ لَهَا في اللَّيلِ أَكْثَرُ الْحَيْضِ, لأنها تقطع بأن نهارَها كُلُّهُ طُهْرٌ، وَكَذَا قَدْرُ الْعَادَةِ في الأصَحِّ, لأن الظاهر استمرار عادتها، فقد بنت نيتها على أصل، والثاني: لا يصح؛ لأنها قد تختلف، فإن لم يكن لها عادة، وكان لا يتم أكثر الحيض بالليل، أو كانت لها عادات مختلفة؛ لم يصح الصوم, لأنها لم تجزم ولا بَنَتْ على أَصْلٍ وَلَا أَمَارَةٍ (•).
فَصْلٌ: شَرْطُ الصَّوْمِ الإمْسَاكُ عَنِ الْجِمَاع، أي عَمْدًا بالإجماع؛ فإن كان ناسيًا فلا على الراجح كما سيأتي، ومراده بالشرط ما لا بد منه دون الشرط الاصطلاحي، وَالاِسْتِقَاءَةِ، بالإجماع كما نقله ابن المنذر، وَالصَّحِيحُ: أنَّهُ لَوْ تَيَقنَ أَنهُ لَم يَرْجِعْ شَيْءٌ إِلَى جَوْفِهِ بَطَلَ، بناء على أن العلَّة في البطلان فيه نفس الاستقاءة، ووجه مقابله البناء على أن العلَّة فيه رجوع شيء مما خرج وإنْ قلَّ، وَإنْ غَلَبَهُ الْقَيْءُ فَلَا بَأْسَ، لقوله ﷺ : [مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ] صححه ابن حبان وغيره (٩٦٧).
وَكَذَا لَوِ اقْتَلَعَ نُخَامَةً وَلَفَظَهَا في الأصَحِّ, لأن الحاجة إليه مما يتكرر فليرخص فيه، والثاني: يفطر به إلحاقًا بالاستقاءة، ورجح في الروضة وشرح المهذب القطع بالأول، واحترز بقوله (وَلَفَظَهَا) عما إذا بقيت في محلها؛ فإنَّه لا يفطر جزمًا، ولو خرجت بغلبة السعال فلفظها فلا شيء عليه، فَلَوْ نَزَلَتْ مِن دِمَاغِهِ وَحَصَلَتْ في
стр. 522
حَدِّ الظَّاهِرِ مِنَ الْفَمِ، أي بأن انصبت من الدماغ من الثقبة النافذة إلى أقصى الفم فوق الحلقوم، فَلْيَقْطَعْهَا مِنْ مَجْرَاهَا وَلْيَمُجَّهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ فَوَصَلَتِ الْجَوْفَ أَفطَرَ فِي الأصَحِّ، لتقصيره، والثاني: لا؛ لأنه لم يفعل شيئًا، وإنما أمسك عن الفعل، قال ابن الصلاح: ولعله أقرب، أما إذا لم تحصل النخامة في حد الظاهر فلا مبالاة بها، وكذا إذا حصلت فيه ولم يقدر على صرفها، وإن ردَّها إلى أقصى الفم أو ارتدت إليه ثم ابتلعها أفطر، ووقع في ضبط الظاهر والباطن اضطراب أوضحته في الشرح فراجعه منه (•)، وَعَنْ وُصُولِ الْعَيْنِ إِلَى مَا يُسَمَّى جَوْفًا, لأن الصوم هو الإمساك عن كل ما يصل إلى الجوف، وفاعل هذا ما أمسك. واحترز بقوله (مَا يُسَمَّى جَوْفًا) عما لو داوى جرحه على لحم الساق والفخذ فأوصل الدواء إلى داخل اللحم أو غرز حديدة فيه؛ فإنَّه لا يفطر؛ لأنه ليس بجوف، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مَعَ هَذَا أَن يَكُون فِيهِ، أي في الجوف، قُوَّة تُحِيلُ الغِذَاءَ أَوِ الدَّوَاءَ، هذا ما أورده الغزالي؛ والصحيح: أن المعتبر ما يقع عليه اسم الجوف، ويدل عليه أنَّهم جعلوا الحلق كالجوف في بطلان الصوم بوصول الواصل، فَعَلَى الْوَجْهَينِ بَاطِنُ الدّمَاغِ وَالْبَطْنِ وَالأَمْعَاءِ وَالْمَثَانَةِ، أي وهي مجمع البول، مُفْطِرٌ بِالاسْتِعَاطِ أَوِ الأكْلِ أَوِ الْحُقنةِ أَوِ الوُصُولِ مِنْ جَائِفَةٍ أَوْ مَأْمُومَةٍ وَنحْوِهِمَا, لأنه جوف محيل، قال الإمام والبغوي: ولا يشترط الوصول إلى باطن الأمعاء وخريطة الدماغ، وفي كلام المصنف لَفٌّ وَنَشْرٌ فتأمَّلهُ (٩٦٨).
стр. 523
وَالتقْطِيرُ في بَاطِنِ الأذُنِ وَالإِحْلِيلِ مُفْطِرٌ في الأصَحِّ، بناء على الوجه الأول وهو اعتبار كل ما يسمى جوفًا، والثاني: لا، بناء على مقابله, لأنه جوف وليس فيه قوة الإحالة، والإحليل: مخرجُ البول خاصة قاله الجوهري، وَشَرْطُ الْوَاصِلِ كَوْنُهُ مِنْ مَنفَذٍ مَفتوحٍ؛ فَلَا يَضرُّ وُصُولُ الدُّهْنِ بَتَشَرُّبِ الْمَسَامِّ، وَلَا الاكْتِحَالُ وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ بحَلْقِهِ، كما لا يضر الاغتسال والانغماس في الماء وإن وجد له أثرًا في باطنه؛ ولا يكره الاكتحال (٩٦٩) سواء تنخمه أم لا؛ والْمَنفَذُ بفتح الفاء كالْمَدْخَلِ وَالْمَخْرَجِ وكذا رأيته بخط مولفه مضبوطًا، وَكَوْنُهُ بِقَصْدٍ: فَلَوْ وَصَلَ جَوْفَهُ ذُبَابٌ، أوْ بَعُوضَةٌ، أَؤ غُبَارُ الطَّرِيقِ، أَوْ غَربلَةُ الدَّقِيقِ، لَمْ يُفْطِرْ، أي وإن كان إطباق الفم واجتناب ذلك ممكنًا؛ لأن تكليف الصائم الاحتراز عن الأفعال المعتادة إلى يحتاج إليها؛ يَجُرُّ عُسرًا شديدًا، بل لو فتح فاه عمدًا فوصل الغبار إلى جوفه فالأصح العفر.
وَلَا يُفْطِرُ بِبَلْع رِيقِهِ مِن مَعِدَتِهِ، بالإجماع، فَلَوْ خَرَجَ عَنِ الْفَمِ ثُمَّ رَدَّهُ وَابْتَلَعَهُ؛ أوْ بَلَّ خَيطًا بِرِيقِهِ وَرَدَّهُ إِلَى فَمِهِ وَعَلَيهِ رُطُوبَةٌ تَنْفَصِلُ؛ أَوِ ابْتَلَعَ رِيقَهُ مَخْلُوطًا بِغَيْرِهِ أَوْ مُتَنَجِّسًا أَفْطَرَ، أما في الأُولى: فلأنه خرج عن معدته فصار كالأعيان المنفصلة، وأما في الثانية: فلأنه لا ضرورة إليه وقد ابتلعه بعد مفارقة، وأما في الثالثة: فلأنه أجنبيٌّ غيَّرَ الريقَ.
وَلَوْ جَمَعَ رِيقَهُ؛ فَابْتَلَعَهُ لَمْ يُفْطِرْ في الأصَحِّ, لأنه مما يجوز ابتلاعه ولم يخرج عن معدته فأشبه ما لو ابتلعه متفرقًا، والثاني: يفطر, لأن الاحتراز عنه هيِّن، ولو اجتمع لم يفطر قطعًا، وَلَوْ سَبَقَ مَاءُ الْمَضمَضَةِ أَوِ الاسْتِنْشَاقِ إِلَى جَوْفِهِ، أي المعروف ودماغه، فَالمَذْهَبُ أَنَّهُ إِنْ بَالغَ أفْطَرَ، لارتكابه المنهي، وَإِلَّا فَلَا، لوصوله بغير اختياره، وقيل: لا يَفْطَرُ مطقًا، وقيل: عكسه، كذا حكاها في أصل الروضة،
стр. 524
وقال الرافعي: أصح الطريقين حكايته قولين، والثانية: القطع بأنه لا يفطر، وفي محل الأولى طرق؛ أصحها: أن القولين فيما إذا بالغ؛ أما إذا لم يبالغ فلا يفطر قطعًا، وصحح في الْمُحَرَّرِ أنَّه إذا بالغ أفطر قطعًا، وإلا فالخلاف، قال الماوردي: والبطلان هو قول أكثر الفقهاء.
فَرْعٌ: المختار في الروضة الجزمُ في المرة الرابعةِ بالإفطار؛ لأنها منهي عنها (٩٧٠).
فَرْعٌ: سبق الماء عند غسل الفم لنجاسته كسبق الماء في المضمضة، والمبالغة هنا للحاجة كالسبق بلا مبالغة؛ قاله الرافعي في الكبير بلفظ ينبغي؛ وجزم به في الصغير.
وَلَوْ بَقِيَ طَعَامٌ بَيْن أسْنَانِهِ فَجَرَى بِهِ رِيقُهُ، أي من غير قصد، لَم يُفْطِرْ إِن عَجَزَ عَنْ تَمْيِيزِهِ وَمَجِّهِ، أي وإن لم يعجز أفطر لتقصيره، وَلَوْ أُوْجِرَ مُكرَهًا لَم يَفْطُرْ، لعدم القصد والفعل منه، وِإنْ أُكرِهَ حَتى أكَلَ، أي أو شرب، أَفْطَرَ في الأظْهَرِ، لأنه حصل بفعله مع علمه بالحال لدفع الضر عن نفسه فبطل كما لو فعله لدفع الجوع والمرض. قُلْتُ: الأظْهَرُ لا يُفْطِرُ، وَالله أعْلَمُ, لأن حكم اختياره ساقط؛ وأكله ليس منهيًا عنه فأشبه الناسي بل هو أَولى منه، وِإنْ أَكَلَ نَاسيًا لَم يُفْطِرْ، لقوله ﷺ : [مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ] صححه الحاكم على شرط مسلم (٩٧١)، إِلَّا أَن يَكْثُرَ في الأصَحِّ، كما في كلام الناسي في الصلاة إذا أكثر؛ لأن النسيان في الكثير نادر. قُلْتُ: الأصَحُّ لا يَفْطُرُ، وَالله أعْلَمُ، لعموم ما سلف؛ ولأن الصلاة ينقطع نَظمُهَا بذلك بخلاف الصوم، ومنع بعض شارحي الوسيط هذا الفرق، وقال: الصوم أَيضًا ذو نِظام وهو الإمساك من أول اليوم إلى
стр. 525
آخره فيحرم الأكل والشرب، قال في المطَّلب في الصلاة: ويقوي هذا تسوية الفورانى بين الوجهين في الصوم والصلاة ولم يَبْنِ الصوم على الصلاة كما فعل غيره، وما جزم به المصنف من طريقه الوجهين؛ وتعبيره بالأصح كذا فعل في الروضة وخالف في شرح المهذب وضعفها وصحح طريقة القطع بأنه لا يفطر.
وَالْجِمَاعُ كَالأَكْلِ عَلَى الْمَذْهَبِ، أي في أنَّه لا يفطر بالنسيان للرواية المذكورة ولغيره من المفطرات، والطريق الثَّانية حكايته قولين كما في جماع المحرم ناسيًا، لكن الفرق أن المحرم له هيئة يتذكر بها حالة فإذا نسي كان مقصرًا بخلاف الصائم، وَعَنِ الاِسْتِمْنَاءِ، أي وهو استخراج المنِّي، فَيُفْطِرُ بِهِ, لأنَّ الإِيْلَاجَ مِنْ غَيْرِ إِنْزَالٍ مُبْطِلٌ، فالإنزال بنوع شهوةٍ أَولى، ولو حكَّ ذكره لا لعارض؛ فالأصح في شرح المهذب: أنَّه لا يفطر؛ لأنه متولد من مباشرة مباحة، وأما إذا احتلم فإنَّه لا يفطر بالإجماع؛ لأنه مغلوب، وَكَذَا خُرُوجُ الْمَنِيِّ بِلَمْسٍ وَقُبْلَةٍ وَمُضَاجَعَةٍ؛ لأنه إنزال بشهوة مباشرة، نعم: الخنثى إذا باشرت بشهوة وأمنى بفرجيه أفطر وإلا فلا، لا فِكْرٍ؛ وَنَظَرٍ بِشَهْوَةٍ، لأنه إنزال بغير مباشرة فأشبه الاحتلام.
وَتُكْرَهُ الْقبْلَةُ لِمَن حَرَّكَتْ شَهْوَتَهُ، أي بحيث يخاف الإنزال خوفًا منه فإنَّه يفطر، وَالأوْلَى لِغَيرِهِ تَرْكُهَا، أي ولا يَحْرُمُ لآمِنِهِ. فُلْتُ: هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ في الأصَحِّ، وَالله أَعْلَمُ؛ لأنه يعرض الصوم لإفساده، وهذا ما نصَّ عليه في الأم أَيضًا (٩٧٢)، والثاني: أنها كراهة تنزيه؛ وحكى العجلي عن الشَّافعيّ ﵁ حكايته تدل
стр. 526
عليه، ولا يبعد بالنسبة إلى التطوع؛ لأن له الخروج منه (٩٧٣).
فَرْعٌ: المباشرة باليد والمعانقة لها حكم القُبْلَةِ.
وَلَا يُفْطِرُ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ، أي بل تركهما أَولى لأنهما يضعفانه؛ وصحَّ [أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ] لكنه منسوخٌ أو مُأَوَّلٌ (٩٧٤).
стр. 527
وَالاحْتِيَاطُ أن لا يَأْكُلَ آخِرَ النَّهَارِ إِلَّا بِيَقِينٍ, لأن الأصل بقاؤه؛ ويجب إمساك جزء من الليل ليتحقق استكمال النهار، وقد ورد التغليظ على من أفطر قبل الغروب من حديث أبي أمَامَةَ البَاهِلِيِّ [أَنَّهُ ﷺ رَأهُمْ في نَوْمِهِ وَهُمْ يُعَلَّقُونَ بِعَرَاقِيْبِهِمْ وَأَشْدَاقُهُمْ مُشَققَةٌ تَسِيْلُ دَمًا] رواه البيهقي في كتابه فضائل الأوقات (٩٧٥).
وَيحِلُّ بِالاجْتِهَادِ، أي بالأوراد ونحوها، في الأصَحِّ، كأَوقات الصلاة، والثاني: لا؛ لقدرته على درك اليقين بالصبر، وَيجُوزُ، الأكل، إِذَا ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْلِ، أي بالاحتهاد لأن الأصل بقاؤه. قُلْتُ: وَكَذَا لَو شَكَّ، وَالله أَعْلَمُ، لذلك أَيضًا، وَلَوْ
стр. 528
أَكَلَ بِاجْتِهَادِ أوَّلًا أَوْ آخِرًا، وَبَان الْغَلَطُ بَطَلَ صَوْمَهُ, لأنه تحقق خلاف ما ظنه، أَوْ بِلَا ظَنٍّ وَلَمْ يَبِنِ الْحَالُ صَحَّ إِنْ وَقَعَ في أوَّلهِ وَبَطَلَ في آخِرِهِ، عملًا بالأصل فيهما، أعني بقاء الليل في الأولى والنهار في الثَّانية، وَلَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ، أي الصادق وهو الشرعي، وَفى فَمِهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ صَحَّ صَوْمُهُ, لأنه لو وضعهُ في فيهِ نهارًا ولم يصل إلى حلْقِه لم يفطر فأولى إذا كان الوضع ليلًا ولو سبقه إلى جوفه؛ فالأصح من زوائد الروضة عدم فطره.
وَكَذَا لَوْ كَان مُجَامِعًا فَنَزَعَ في الْحَالِ, لأنه ترك، كما لو حلف لا يلبس فنزع؛ وسواء أنزل أو لم ينزل، فَإِن مَكَثَ، أي بعد علمه بطلوعه، بَطَلَ، لتحقق الجماع منه قصدًا؛ وتلزمه الكفَّارة والحالة هذه على المذهب، قال الرويانى: والأولى عندي في هذه الحالة: أن صومه ما انعقد أصلًا، وقيل: انعقد وفسد، وظاهر إيراد المصنف يُشعر به.
فَصْل: شَرْطُ الصَّوْمِ، أي شرط صحته: الإِسْلَامُ، بالإجماع، وَالْعَقْلُ، أي فلا يصح صوم غير المميز؛ والمجنون؛ لالتحاقهما بالبهائم، وَالنَّقَاَءُ عَنِ الْحَيضِ وَالنِّفَاسِ، بالإجماع، جَميعِ النَّهَارِ، أي فلو طرأ رِدَّةٌ أو حيضٌ أو نفاسٌ بطل صومه وكذا الجنون على الأرجح كما لو جُنَّ في خلال صلاته، وَلَا يَضُرُّ النوْمُ المُسْتَغْرِقُ، للنهار، عَلَى الصَّحِيح، لبقاء أهلية الخَطاب، والثاني: يضر كالاِغْمَاءِ وقد عرفت الفَرْق، فإن استيقظ لحظة صحَّ إجماعًا، وَالأظهَرُ: أَن الإِغْمَاءَ لا يَضُرُّ إِذَا أَفَاقَ لَحْظَةً مِنْ نَهَارِهِ، أيْ أيَّ لحظةٍ كانت اكتفاء بالنية مع الإفاقة في جزء، وأغرب صاحب المهذب فقال: لا أعرف له وجهًا، والثاني: يضر مطلقًا كالحيض، والثالث: لا مطلقًا كالنوم، والرابع: لا يضر إذا أفاق في أوله وصححه الغزالي والفارقي ومال إليه ابن الصلاح، والخامس: لا يضر إذا أفاق في طرفيه.
وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ الْعِيدَيْنِ، أضحى وفطر بالإجماع (٩٧٦)، وَكَذَا التَّشْرِيقُ في
стр. 529
الْجَدِيدِ، أي وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر لنهيه ﷺ عن صيامها كما رواه أبو داود (٩٧٧)، والقديم أن يجوز للمتمتع العادم للهَدْي صومها عن الثلاثة الواجبة في الحج لقول ابن عمر وعائشة [لَمْ يُرَخَّصْ في أيَّامِ التَّشْرِيْقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ] رواه البُخَارِيّ وصححه جماعة (٩٧٨).
وَلَا يَحِلُّ التَّطَوُّعُ يَوْمَ الشَّكِّ بِلَا سبَبٍ, لصحة النهي عنه (٩٧٩)، فَلَوْ صَامَهُ لَمْ يَصِح فِي الأصَحِّ، كيوم العيد، والثاني: يصح؛ لأنه قابل للصوم في الجملة، ونظير ذلك الصلاة في الأوقات المكروهة، وَلَهُ صَوْمُهُ عَنِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، أي من غير كراهة؛ وقيل: نعم، وَكَذَا لَوْ وَافَقَ عَادَة تَطَوُّعُهُ، للنص الصحيح فيه (٩٨٠)، وَهُوَ،
стр. 530
يعني يوم الشك، يَوْمَ الثَّلَاثينَ مِنْ شَعْبَان إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ بِرُؤيتهِ، أي ولم يعلم من هو الذي رآه، أَوْ شَهِدَ بِهَا صِبْيَانٌ أَوْ عَبِيدٌ أَوْ فَسَقَةٌ، أي وإن ظنَّ صدقهم كما صرح به الرافعي في شرحه؛ وقد تقدم: أنَّه إذا اعتقد كون غد من رمضان بقول من يثق به من عبد أو امرأة أو صبيان رشداء ونوى صومه عن رمضان إن كان منه فكان منه وقع عنه، وَلَيْسَ إِطْبَاقُ الْغَيْمِ بِشَكٍّ, لأنه ﷺ تعبدنا فيه بإكمال العدة كما تقدم أول الباب، ولا أثر لطلبنا الرؤية لولا الغيم.
وُيُسَنُّ تَعْجِيلُ الفِطْرِ عَلَى تمْرٍ وَإِلَّا فَمَاءٍ، للنص الصحيح فيه (٩٨١)، وإذا كان بمكة استحب أن يفطر على ماء زمزم لما فيه من البركة، ولو سمع بينه وبين التمر فحسن (٩٨٢).
وَتَأْخيِرُ السُّحُورِ, لأنه من سُنن المرسلين وأرفق وأقوى على العبادة، مَا لَمْ يَقَعْ في شَكّ، أي بأن يخشى طلوع الفجر, لأنه إذا أكل ربما أفطر فندب الإمساك، وَاعْلَمْ: أن المصنف لم يصرح بأصل استحباب السحور، وهو إجماع، ويحصل بكثير المأكول وقليله وبالماء أَيضًا ويدخل وقته بنصف الليل (٩٨٣).