← Фикх шафии

Фикх шафии · id 20561

عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج

ابن الملقن

Полный текст (1 877 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

القياس على الصلاة. ووجه الأوَّل أن الطواف يحتمل فيه ما لا يحتمل فيها كالفعل الكثير والكلام، ولو عبر بقوله تطهر لكان أَولى لشموله الأصغر والأكبر. وَأَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمُبْتَدِئًا بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ مُحَاذِيًا لَهُ فِي مُرُورِهِ بِجَمِيع بَدَنِهِ، للاتباع كما أخرجه مسلم (١٠٨٦) وشبهه القاضي أبو الطب بتكبيرة الإِحرام في الصلاة، فَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِ الْحَجرِ، أي لو بدأ بالباب مثلًا، لَمْ يُحْسَبْ، فَإِذَا انْتَهَى إِلَيهِ، أي إلى الحجر، ابْتَدَأَ مِنْهُ، كما لو قدم المتوضئ على غسل الوجه غسل عضو آخر؛ فإنه يجعل غسل الوجه ابتداء وضوئه. فَرْعٌ: لو نُحِّيَ الحجر والعياذ بالله من مكانه وجب في أدائه محاذاة الرُّكْنِ قاله القاضي أبو الطيب. وَلَوْ مَشَى عَلَى الشَّاذَرْوَانِ أَوْ مَسَّ الْجِدَارَ في مُوَازَاتِهِ، أي في موازاة الشاذروان، أَوْ دَخَلَ مِنْ إِحْدَى فَتْحَتَي الْحِجْرِ وَخَرَجَ مِنَ الأُخْرَى لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ، لأن الطائف والحالة هذه طائف في البيت لا بالبيت. وقد قال تعالى: ﴿وَلْيَطوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١٠٨٧) واحترز بِقَيْدِ الموازاة عما مسَّ الجدار الَّذي في جهة الباب، وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَسِّ وَجْهٌ، أي أن طوافه يصح؛ لأن معظم بدنه خارج، ويصدق أن يقال: إنه طائف بالبيت ولأن العبرة بالقدمين لا باليد والرأس، ولهذا نفوا التحريم عن الجنب ووجوب الكفارة على الحالف بفعله. فَائِدَةٌ: للبيت أربعة أركان: رُكنانِ يَمَانِيَّانِ أحدهما فيه الحَجَر بفتح الحاء، واثنان شاميان والحِجر بكسر الحاء عندهما، وسبب إِخراج الشاذروان والحجر عن بناء البيت أنَّ قُرَيْشًا لَمَّا أعادت بناءها قصرت بهم النفقة عن ذلك فتركوها كذلك،

стр. 597

لكن صحَّ أن ابن الزبير لَمَّا بلغه حديث عائشة ﵁ في إعادتها على ما كانت عليه لولا قرب عهدهم بجاهلية قال: أَنَا الْيَوْمَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ؛ وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ فَهَدَمَهَا وَبَنَاهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيْمَ ﵊ وَأَدْخَلَ فِيْهَا الْحَجَرَ وَجَعَلَ لَهَا بَابَيْنِ، ثم هدم الحجَّاجُ الشق الَّذي من ناحية الحجر فقط كما قال الأزرقى وغيره، وأعاده على ما كان عليه في زمن قريش، والشق الآخر بناءُ ابنُ الزبير وهو يظهر للرائى عند رفع الأستار فحينئذ يَنبغى الصحة في الطواف على الشاذروان لا كما قاله الأصحاب. وَأَنْ يَطُوفَ سَبْعًا دَاخِلَ الْمَسْجِدِ، للاتباع (١٠٨٨). وَأَمَّا السُّنَنُ؛ فَأَنَّ يَطُوفَ مَاشِيًا، أي إن كان يطيقه حماية للمسجد والناس عن أذى الدابة؛ فإن طاف راكبًا جاز وإن لم يكن عذر ولا كراهة كما نقله الرافعى عن الأصحاب، لكن في الكفاية عن الماوردي وغيره الجزم بها، وَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، أي يلمسه باليد، أَوَّلَ طَوَافِهِ، للاتباع، ولو نُحِّى الحجر استلم الركن الَّذي كان فيه وقبَّلهُ وسجدَ عليهِ قاله الدارمي؛ وَيُقَبِّلُهُ، للاتباع (١٠٨٩)، ولا يستحب ذلك أعني الاستلام والتقبيل للنساء إلا عند خُلُوِّ المطاف ذكره في الروضة، وعبارة صاحب الخصال ليس على النساء استلام الحجر. فَرْعٌ: قال القاضي أبو الطيب: يستلم ويُقبِّل الرُّكْنَ الَّذي فيه الْحَجَرُ أيضًا، وظاهرُ كلام الجمهور كما قاله في شرح المهذب: الاقتصار على فعل ذلك في الْحِجْرِ.

стр. 598

وَيضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ، للاتباع (١٠٩٠). فَرْعٌ: قال الشافعي في الأُمِّ: لا أحب الزحام إلا في بَدْءِ الطَّوافِ وآخره؛ بل صريحهُ أنَّهُ لا تكرهُ المزاحمةُ على تقبيل الحَجَرِ؛ وهو ردٌّ على مَن كَرَّهَهُ، نَعَمْ يحمل على زحام غير مؤذٍ. فَإن عَجَزَ، أي عِن تقبيل الحجر، اسْتَلَمَ، أي استلمه بيده أو بِعَصًا ثمْ قَبَّلَ ما استلم به للاتباع، فَإِنْ عَجَزَ، عن الاستلام، أَشَارَ، إليه، بيَدِهِ، لأنه قدر استطاعته، وفي البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: (طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيْرٍ كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ) (١٠٩١)، ولا يشير إلى القُبلة بالفم لأنه لم يُنقل، وعن ذلك احترز بقوله بيده؛ لكن التقييد بذلك قد يوهم أنَّه لا يشير بما في يده مع أنَّه يشير به كما صرح به في شرح المهذب ثم نبَّه على أنَّه يقبِّل ما أشار به، ويرَاعِي ذَلِكَ في كُلِّ طَوْفَةٍ، لحديث ابن عباس المذكور. تَنْبِيْهٌ: في صحيح مسلم أن [ابْنَ عُمَرَ ﵁ اسْتَلَمَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ] قال المصنف في شرحه لمسلم: (هَذَا الْحَدِيْثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَن تَقْبِيْلِ الْحَجَرِ؛ وِإِلَّا فَالْقَادِرُ يُقبلُ الْحَجَرَ وَلَا يَقتصِرُ فِي الْيَدِ عَلَى الاِسْتِلَامِ بها) (١٠٩٢)، هذا كلامه ولا حاجة إلى هذا الحمل فظاهر نص الشافعي ﵁ في الأُم؛ بل صريحه يدل على طبق ما في الحديث من كونه يستلم اليَدَ

стр. 599

أولًا ثم يقبِّلها، وصرح به ابن الصلاح في مناسكه وأهمل ذلك المصنف في كتبه خلا المناسك تبعًا للرافعي، وكذا ابن الرفعة فَتَنَبَّهْ لهُ. وَلَا يُقَبِّلُ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَيْنِ وَلَا يَسْتَلِمُهُمَا، لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم، وَنَقَلَ بَعْضُ مَنْ ألَّفَ عن الشافعي ﵀ أنَّه قال: تكفيه الإشارة إليهما بيده، وهو نص غريب، نعم في الأُم: وَلَا آمُرُهُ باستلامهما ولو استلمهما أومأ بين الأركان كان البيت لم يكن عليه إعادة ولا فدية إلا أني أحب أن نقتدي بالنبيِّ ﷺ ، وقال في مرضع آخر منها: إنه إن مسحهما رَجُلٌ كما مسح سائر البيت فحسن وإلا فالقادرُ يُقَبِّلُ الحجر، وَيَسْتَلِمُ الْيَمَانِي، للاتباع، وَلَا يُقَبِّلُهُ، لعدم صحة النقل به وعلى تقدير صحته فيحمل على إرادة الركن الَّذي فيه الحجر. فَرْعٌ: يُستحب تقبيل اليد بعد استلامه للاتباع أيضًا. فَرْعٌ: إذا لم يمكنه استلام اليماني فقال ابن أبي الصيف اليمني: لا يشير إليه، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: يشير إليه، قال المحبُّ الطبري: وهُوَ أَوْجَهُ لأنها تدل عنه لِتَرَتُّبِهَا عليه عند العجز في الحجر الأسود فكذا هنا. وَأَنْ فيَقُولَ أَوَّلَ طَوَافِهِ: [بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكبَرُ، اللَّهُمً إِيْمَانًا بِكَ وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسْنَّةِ نَبِيكِّ مُحَمَّدٍ ﷺ ]، للاتباع (١٠٩٣) كما أورده الرافعي؛ وبعضُهُ مَرْوِيٌّ؛ وهذا الدعاء يستحبُّ أيضًا في كل طوفة. نعم هو في الأُولى آكد كما صرح به في شرح المهذب، وَلْيَقُلْ قُبَالَةَ الْبَابِ، أي جهته: [اللَّهُمَّ إنَّ إلْبَيتَ بَيْتُكَ، وَالْحَرَمُ حَرَمُكَ، وَالأَمْنُ أَمْنُكَ، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ]، وهذا الدعاء ذكره الجويني وزاد هذا بعد (اللَّهُمَّ)، وكذا هو في الْمُحَرَّرِ، قال: ويُشير بلفظه هذا إلى مقام إبراهيم، وقال غيره: يشير إلى نفسه أي

стр. 600

هذا مقام الملتجئ المستعيذ بك من النار، وَبَيْنَ الْيَمَانِيَّينِ: [الَّلهُمَّ آتِنَا في الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وِقِنَا عَذَابَ النَّارِ] للاتباع (١٠٩٤) لكن بلفظ (رَبَّنَا) بدل (الَّلهُمَّ) وكذا هو لفظ الْمُحَرَّر، فلا أدري لِمَ غيَّره، نعم روى أبو داود من حديث ابن عباس ﵁ رفعه [مَا مَرَرْتُ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ إِلَّا وَعِنْدَهُ مَلَكٌ يُنَادِي آمِيْنَ آمِيْن، فَإِذَا مَرَرْتُمْ بِهِ فَقُولُواْ: اللَّهُمَّ آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ... إلى آخره] (١٠٩٥)، وَلْيَدْعُ بِمَا شَاءَ، رجاء الإجابة، وَمَأْثُورُ الدُّعَاءِ، أي منقوله، أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ، للتأسي، وَهِيَ أَفْضَلُ مِن غَيْرِ مَأثُورِهِ، لأن الموضع موضع ذكر والقرآن أفضل الذكر كما نقله الشيخ أبو حامد عن النص، وَأَن يَرْمُلَ فِي الأشْوَاطِ الثَّلَاثةِ الأُوْلَى، أي مستوعبًا لها: بِأَنَّ يُسْرِعَ مَشْيَهُ مُقَارِبًا خُطَاهُ وَيَمْشِي في الْبَاقِي، أي على هيئته كما صرح به في الْمُحَرَّرِ للاتباع (١٠٩٦)؛ فإن تركَهُ كُرِهَ؛ نص عليه؛ كما نقله صاحب التقريب. فَرْعٌ: لا فرق في استحباب الرَّمْلِ بَيْنَ الرَّاكِبِ والمحمولِ وغيرهما على الأظهر، فيرمل به الحامل ويحرك هو الدابة.

стр. 601

فَائِدَةٌ: المختارُ عند المصنف في شرح المهذب: أنَّه لا يُكره تسمية الطواف شوطًا؛ كما نطق به هنا تبعًا لِلمُحَرَّرِ، وكذا نطق به ابن عباس ﵁ في الصحيح؛ وإن نقل عن الشافعي ﵀ والأصحاب الكراهة؛ لأن الشوطَ هو الهلاكُ. وَيَخْتَصَّ الرَّمْلُ بِطَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ، لانتهائه إلى تواصل الحركات بين الجبلين، وَفِي قَوْلٍ بِطَوَافِ الْقُدُومِ، لأنه أول العهد بالبيت؛ فيليق به النشاط والاهتزاز؛ ولا رَمْلَ في طواف الوداع لانتفاء المعنيين، ويرمل من قدم مكة معتمرًا لوجودهما، وأما الحاج فإن كان مكيًا فيرمل على الأول دون الثانى، وإن كان أفاقيا فيرمل إن دخل مكة بعد الوقوف، وإن دخلها قبله فينظر إن أراد السعى بعده رمل قطعًا، وإن أراد تأخيره رمل على الثانى دون الأول بل يؤخره إلى طواف الإفاضة، وإذا طاف للقدوم وسعى بعده ولم يرمل فلا يقتضيه في طواف الإفاضة على الأصح، وَليَقُلْ فِيهِ، أي في رمله: [الَّلهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا] للاتباع كما ادعاه الرافعي ولم يذكره البيهقي في سننه مع كثرة اطلاعه إلا من كلام الشافعي ﵀ وهذا في الحاج، وذكرَ الخفافُ في خصاله هذا الدعاء في السعى بين الصفا والمروة؛ وزاد [وَعَمَلًا مَقْبُوْلًا]، أما المعتمر فالذي يناسبه أن يقول: [الَّلهُمَّ اجْعَلْهَا حَجَّةً مَبْرُورَةً]، ويغتفر التعبير بالحج إرادة لأصله وهو القصد، وسكت المصنف عما يقول في الأربعة الأخيرة تبعًا للرافعى؛ وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ والأصحابُ على أنَّه يستحب أن يقول فيها: [رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمْ إِنَّكَ أَنْتَ الأعَزُّ الأَكْرَمْ اللَّهُمَّ رَبنَا آتِنَا بِالدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ]. وَأَنْ يَضْطَبِعَ فِي جَمِيع كُلِّ طَوَافٍ يَرْمُلُ فِيهِ، للاتباع (١٠٩٧) وقوله جميع أشار

стр. 602

به إلى أن الرمل والاضطباع وإن كانا متلازمين لكن الرمل يختص بالطوفات الثلاثة الأُول والاضطباع مستحب في السبعة (١٠٩٨)، وَكَذَا فِي السَّعْي عَلَى الصَّحِيح، لأنه أحد الطوافين فأشبه الطواف بالبيت، والثانى: لا، لعدم وُروده. فَرْعٌ: لا يُسَنُّ (١٠٩٩) في ركعتي الطواف على الأصح لكراهة الاضطباع في الصلاة، وَهُوَ، أي الاضطباع، جَعْلُ وَسَطِ رِدَائِهِ تَحْتَ مَنكِبِهِ الأيْمَنِ وَطَرَفَيْهِ عَلَى الأَيْسَرِ، ويبقى منكبه الأيمن مكشوفًا كدأب أهل الشطارة، وسمِّى بذلك؛ لأنه افتعال من الضّبع بإسكان الموحدة وهو العضد. وَلَا تَرْمُلُ المَرْأَةُ وَلَا تَضطَبِعُ، لأنهما يقدحان في الستر وليست المرأة من أهل الجَلَد؛ والخنثى كالمرأة، وَأَنَّ يَقْرُبَ مِنَ الْبَيتِ، لشرفه، ونقل بعض من ألَّف في المناسك عن أصحابنا أنَّه يجعل بينه وبين البيت قَدْرَ ثلاث خطوات ليكون خارجًا عن الشاذروان وهو نقل غريب عنهم، نعم إن تأذى بالزحمة أو آذى غيره فالبُعْدُ أَولى، ونقل البندنيجي عن نصه في الأُم: أنَّه يستحب الاستلام في أول الطواف وآخره وإن تأذى في الزحام أو أوذي، وهذا كله خاص بالرجل، أما المرأة فالبُعْدُ لها أنضل إلا في خلوة المطاف، فَلَوْ فَاتَ الرَّمَلُ بِالْقُرْبِ لِزَحْمَةٍ فَالرَّمَلُ مَعَ بُعْدٍ أَوْلَى، لأن القربَ فضيلةٌ متعلقةٌ بمكانِ العبادةِ، والرَّمْلُ فضيلةٌ متعلقة بنفس العبادة والمتعلق بنفس العبادة أَولى بالمحافظة، ألا ترى أن الصلاة بالجماعة في البيت أفضل من الانفراد في المسجد وهذا كله إذا كان لا يرجو فرجة، فإن رجاها وقف ليرمل فيها؛ كذا قيده في الروضة تبعًا للرافعي، إِلَّا أنْ يَخَافَ صَدْمَ النِّسَاءِ، أي بأن كُنَّ في حاشية المطاف، فَالْقُرْبُ بِلَا رَمَلٍ أَوْلَى، تحرزًا من مصادمتهنَّ وملامستهنَّ، وَأَنْ يِوَالِيَ

стр. 603

طَوَافَهُ، خروجًا من الخلاف الآتى في وجوبه، وَأَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَة رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ، للاتباع (١١٠٠) فإن لم يفعلهما خلفه ففي الحجر تحت الميزاب وإلا ففي المسجد وإلا فحيث شاء من الحرم وغيره، ولو صلى فريضة أجزأته عنهما كتحية المسجد الحرام، وكلام المصنف يشعر بأن فعلهما خلف المقام أفضل من فعلهما في الكعبة وفيه وقفة لكن يساعده الاتباع. فَائِدَة: قال الشيخ عز الدين: الصلاة عند البيت إلى وجهه أفضل من سائر الجهات. يَقْرَأُ في الأُوْلَى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَفِي الثَّانِيَةِ الإِخلَاصَ، للاتباع (١١٠١) , وَيَجْهَرُ لَيلًا، كغيرها وهذا إذا خلا بنفسه وإلا فالتوسط بين الجهر والإسرار أَولى فيما يظهر لئلا يشوِّش على غيره، ومن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس نهارًا لا ليلًا ويجهر فيهما أيضًا في الجهريات كما نبه عليه في الروضة في بابه، وَفِي قَوْلٍ: تَجِبُ الْمُوَالَاةُ وَالصَّلَاةُ، لأنه ﵊ أتى بهما وقال: [خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ] (١١٠٢) والأصح استحبابهما وقد قال عَلَيْهِ أَفضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ لذلك

стр. 604

السائل: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: [لَا؛ إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ] (١١٠٣) والخلاف هنا في الموالاة كالخلاف في الموالاة في الوضوء؛ لأن كل واحد منهما عبادة يجوز أن يتخللها ما ليس منها بخلاف الصلاة والتفريق اليسير بعذر لا يضر. فَرْعٌ: الخلاف في وجوب ركعتي الطواف محله إذا كان فرضًا؛ فإن كان سُنَّة فطريقان أحدهما: طرد القولين وصححه صاحب البيان، والثاني: القطع بأن الصلاةَ سُنَّةٌ؛ وصححه الإمام وغيره. وَلَوْ حَمَلَ الْحَلَالُ مُحْرِمًا وَطَافَ بِهِ حُسِبَ لِلْمَحْمُولِ، أي بشرطه كما لو ركب دابة، وقولي بشرطه ليتناول دخول وقته واجتماع شرائطه. وما ذكره ظاهر فيما إذا لم ينو الحامل شيئًا، أو نوى الطواف عن المحمول له، أما إذا نواه لنفسه فينبغي أن يقع عن الحامل، وَكَذا لَوْ حَمَلَهُ مُحْرِمٌ قَد طَافَ عَنْ نَفْسِهِ، أي بشرطه لأنه لا طواف عليه إذًا (•)، وَإِلَّا، أي وإن لم يطف، فَالأَصَحُّ أَنَّهُ إِن قَصَدَهُ لِلْمَحْمُولِ فَلَهُ، أي خاصة تنزيلًا للحامل منزلة الدابة، والثاني: أنَّه للحامل خاصة؛ كما إذا أحرم عن غيره وعليه فرضه، والثالث: أنَّه يحسب لهما جميعًا، لأن أحدهما قد دار والآخر قد دِيْرَ به، وَإنْ قَصَدَهُ لِنَفْسِهِ أَوْلَهُمَا فَلِلْحَامِلِ فَقَطْ، لأن الفعل صدر منه ولم يصرفه عن نفسه؛ وقيل: للمحمول؛ لأنه دار به. فَرْعٌ: لو لم يقصد واحدًا من الأقسام الثلاثة فهو كما لو قصد نفسه أو كليهما. فَرْعٌ: لو نَوَى كُلُّ واحدٍ الطَّوَافَ لِنَفْسِهِ فَالأَصَحُّ وُقُوعُهُ لِلْحَامِلِ، وثانيها: للمحمول، وثالثها: لهما، ذكره في شرح المهذب وأهمله الرافعى وهو في التنبيه. خَاتِمَةٌ: رُوي أنَّه ﷺ قال: [مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ فَأَحْصَاهُ كَانَ كَعَتْقِ رَقَبَةٍ]

стр. 605

وعنه أنَّه ﷺ قال: [إِنَّ الطَّائِف لَا يَرْفَعُ قَدَمًا وَلَا يَضَعُ قَدَمًا إِلَّا حَطَّ الله تَعَالَى عَنْهُ بِهَا خَطِيْئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً] (١١٠٤) وعنه ﷺ : [أَنَّهُ جُعِلَ فِي رَكْعَتَي الطَّوَافِ ثَوَابَ عَتْقِ رَقَبَةٍ]. فَصْلٌ: يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَصَلَاتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصَّفَا لِلسَّعْي، وَشَرْطُهُ أَنْ يَبْدَأَ بالصَّفَا، وَأَنْ يَسْعَى سَبْعًا: ذِهَابُهُ مِنَ الصَّفَا إِلَى الْمَرْوَةِ مَرَّةٌ، وَعَوْدُهُ مِنْهَا إِلَيْهِ أُخْرَى، للاتباع. فَائِدَةٌ: كان ابن عمر ﵄ لا يخرج من المسجد الحرام حتَّى يستلمَ الرُّكْنَ في طواف كان أو غير طواف؛ ونقل مثل ذلك عن جماعة من علماء التابعين. وَأَن يَسْعَى بَعْدَ طَوَافِ رُكْنٍ أَو قُدُومٍ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُمَا، أي بين السعي وطواف القدوم، الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، بالإجماع، ونقل صاحب البيان عن الشيخ أبي نصر: أنَّه يجوز لمن أحرم بالحج من مكة إذا طاف للوداع لخروحه إلى منى أن يقدم السعي بعد هذا الطواف، قال الصنف في شرح المهذب: ولم أرَ لغيره ما يوافقه. قُلْتُ: ظاهر إطلاق صاحب الخصال من قدماء أصحابنا يوافقه؛ فإنه قال: إذَا وَقعَ السَّعْىُ بَعْدَ طَوافٍ بإحرامٍ أجزأَهُ سواء كان الطواف فرضًا أو نفلًا قبل عرفة أو بعدها، هذا لفظهُ ومنه نقلتهُ، ثم رأيت في المجاملي في آخر المناسك من تحريره نقل عن نص الشافعي ﵁ في البويطي أنَّه قال: وإذا أراد الخروج من مكة إلى الحج فأُحب أن يودع البيت فيطوف ويسعى ويصلي ركعتين. وهذا شاهد لما حكاه صاحب البيان لكن راجعت البويطي فلم أرَ فيه ذلك وهذا لفظه؛ ومن نسختين منه نَقَلْتُ. فإذا أراد التوجه إلى عرفة توجه يوم التروية قبل الظهر وطاف بالبيت سبعًا للوداع ثم أهلَّ بالحجِّ متوجهًا من المسجد.

стр. 606

وَمَنْ سَعَى بَعْدَ قُدُومٍ لَمْ يُعِدْهُ، أي بعد طواف الإفاضة لأن السعى ليس قربة في نفسه كالوقوف بخلاف الطواف فإنه عبادة يتقرب بها وحدها، فإن أعاده فخلاف الأَولى، وقيل: مكروه، ورأيتُ في فتاوى القفال: أنَّه يستحب إعادته ثم ذكر بعده أن الشرع لم يرد بفعله ثانيًا وهذا تناقض. وُيُسْتَحَبُّ، أي للرجل، أَنْ يَرْقَى عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَدْرَ قَامَةٍ، للاتباع (١١٠٥) أما المرأة فلا ترقى طلبًا للستر؛ قاله صاحب التنبيه؛ وهو من زوائده على الرافعي والروضة، والظاهرُ أن الخنثى مِثْلُهَا، فَإِذَا رَقِيَ قَالَ: ﴿الله أَكبَرُ الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ وَللَّهِ الْحَمْدُ، الله أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَوْلانَا، لَا إلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحِيِي وُيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]، للاتباع (١١٠٦) بنحوه ولم أرَ فيه قوله بيده الخير، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ دِيْنًا ودُنْيَا. قُلْتُ: وَيُعِيدُ الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ ثَانِيًا وَثَالِثًا، للاتباع، وَاللهُ أَعْلَمُ، وقيل: لا يعيدُ الدعاءَ في المرة الثالثَّة وبه جزم الرافعي، وَأنْ يَمْشِيَ أَوَّلَ السَّعْىِ وَآخِرَهُ، أي على هيئته، وَيَعْدُوْ في الْوَسَطِ، أي يسعى سعيًا شديدًا فوق الرمل كما ذكره في شرح المهذب للاتباع، وَمَوْضِعُ النَّوْعَيْنِ مَعْرُوفٌ، أي موضع المشي

стр. 607

والعَدْوِ؛ فإن العَدْوَ يكون قبل وصوله إلى الميل الأخضر وهو العمود المبني في ركن السجد بقدر ستة أذرع إلى أَنَّ يتوسط بين العمودين المعروفين وما عدا ذلك فهو محل السعى. فَرْعٌ: المرأة تمشى ولا تسعى وكذا الخنثى. فَرْعٌ: لَم يتعرض المصنف هنا لاشتراط الستر والطهارة كما تعرض له في الطواف؛ والأمر كذلك فإنهما مستحبان لا واجبان. فَرْعٌ: تستحب الموالاة فيه وكذا بينه وبين الطواف. فَرْعٌ: يستحب أن يكون ماشيًا، فإن ركب كره إلَّا لعذر؛ نصَّ عليه كما نقله الترمذي؛ ووقع في شرح المهذب نقل الاتفاق على عدم الكراهة. فَائِدَةٌ: روى سعيد بن منصور عن أنس أنَّه قال: (إِنَّ الطَّوَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةَ يَعْدِلُ عِتْقَ سَبْعِيْنَ رَقَبَةً). فَصْلٌ: يَسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ أَوْ مَنْصُوبِهِ أَن يَخْطُبَ بِمَكَّةَ في سَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ خُطْبَةً فَرْدَةً، يَأْمُرُهُمْ فِيهَا بِالْغُدُوِّ إِلَى مِنًى، وَيُعَلِّمُهُمْ مَا أَمَامَهُمْ مِنَ الْمَنَاسِكِ، للاتباع (١١٠٧)، ويأمر المتمتعين أن يطوفوا للوداع قبل الخروج، قال في الروضة تبعًا للرافعي؛ قال في شرح المهذب: وهذا الطواف مستحب لهم ليس بواجب، قُلْتُ: والمكيُّ؛ كالمتمتع كما نقله بعد ذلك في شرح المهذب عن الشافعي ﵀ والأصحاب. فَرْعٌ: لو توجهوا إلى الموقف قبل دخول مكة استحب لإمامهم أن يفعل كما

стр. 608

يفعل بمكة لو دخلها قالهُ الْمُحِبُّ الطبَرِيُّ ﵀. وَيَخْرُجُ بِهِمْ مِنَ الْغَدِ إِلَى مِنًى، أي بعد صلاة الصبح وقبل الظهر، وَيَبِيتُونَ بِهَا، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، أي على ثبير (•)، قَصَدُوا عَرَفَاتٍ. قُلْتُ: وَلَا يَدْخُلُونَهَا بَلْ يُقِيمُون بِنَمِرَةَ بِقُرْبِ عَرَفَاتٍ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَالله أَعْلَمْ، للاتباع، ثُمَّ يَخْطُبُ الإِمَامْ، أي بمسجد إبراهيم وصدره من عُرَنَةَ (•) وآخره من عرفات، بَعْدَ الزَّوَالِ خُطْبَتَيْنِ، للاتباع، ثُمَّ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا، للاتباع وهذا الجمع بسبب السفر لا بسبب النسك فلا يجوز للمقيم، وَيَقِفُواْ، أي الإمام والناس، بِعَرَفَةَ إِلَى الْغُرُوبِ، للاتباع، وَيَذْكُرُونَ اللهَ تَعَالَى ويدْعُوهُ، وَيُكْثِرُواْ التَّهْلِيلِ، لقوله ﵊: [خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيِونَ مِنْ قَبْلِى: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرُ] رواه الترمذي وحسنه مع الغرابة (١١٠٨)، وفي كتاب الدعوات للمستغفري من حديث ابن عباس ﵁ مرفوعًا: [مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ أَلْفَ مَرَّةٍ يَوْمَ عَرَفَةَ أُعْطِىَ مَا سَأَلَ]، وفي كتاب فضائل الأوقات للبيهقي من حديث حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال: [رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَدْعُو بعَرَفَةَ يَدَاهُ إِلَى صَدْرِهِ كَاسْتِطْعَامِ الْمِسْكِينِ] (١١٠٩). فَرْعٌ: يستحب العتق والصدقة بعرفة؛ كما رأيته في الخصال لأبي بكر الخفاف. فَائِدَةٌ: ليحسن الواقفُ الظنَّ بالله ؛ فقد نظر الفضيل بن عياض

стр. 609

إلى بكاء الناس بعرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل واحد فسألوه دانقًا أكان يردهم؟ فقالوا: لا والله فقال: واللهِ للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل بدانق. وينبغى ألا يشتغل في ذلك اليوم بغير الله تعالى، ورأى سالم بن عمر ﵁ سائلًا يسأل الناس فقال: يَا عَاجِزُ أَيُسْأَلُ فِي هَذَا الْيَوْمِ غَيْرُ اللهِ تَعَالَى. وصحَّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: [مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يَعْتِقَ الله فِيْهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِن يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلًائِكَةَ] (١١١٠). فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَصَدُوأ مُزْدَلِفَةَ؛ وَأَخرُوا الْمَغْرِبَ لِيُصَلُّوهَا مَعَ الْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ جَمْعًا، للاتباع (١١١١) ويكون قبلَ حَطِّ الرِّحَالِ بها إنْ تَيَسَّرَ، ونصَّ الشافعى ﵀ في الأُم والإملاءِ على أنه لو خاف فوت وقت الاختيار جمع في الطريق وتابعه جماعات، قال في شرح المهذب: ولعل إطلاق الأكثرين يحمل عليه، وهذا الجمع بسبب السفر لا النسك كما تقدم في عرفة. فَائِدَةٌ: قال صاحب الخصال: يقول عند منصرفه من عرفة: [اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَقْبَلْتُ وَمِنْ عَذَابِكَ أَشْفَقْتُ، اللَّهُمَّ اقْبَلْ نُسُكِي وَأَعْظِمْ أَجْرِي] وقال الإمام أحمد ﵁: إذا أفضت من عرفة فهلِّلْ وَكَبِّرْ وَلَبِّ وَقُلْ: [اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَفَضْتُ وَإِلَيْكَ رَغِبْتُ وَمِنْكَ

стр. 610

رَهِبْتُ فَاقْبَلْ نُسُكِي وَأَعْظِمْ أَجرِي وَتَقَبَّلْ تَوْبْتِى وَارْحَمْ تَضَرُّعِى وَاسْتَجِبْ دُعَائِى وَأَعْطِنِى سُؤْلِي]. وَوَاجبُ الْوُقُوفِ حُضُورُهُ بِجُزءٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، لقوله ﷺ : [وَقَفْتُ هَا هُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ] رواه مسلم (١١١٢)، وأما الدليل على وجوب الوقوف فسيأتى، وَإِن كَان مَارًا فِي طَلَبِ آبِقٍ وَنَحْوِهِ، أي ولا يشترط المكث وكذا لو حضرها وهو لا يعلم أنَّهَا عرفة، وأشار بقوله (فِي طلَبِ آبِقٍ وَنَحْوِهِ) إلى أن صرفَهُ إلى جهةٍ أخرى لا يقدح، قال الإمام: ولم يذكروا فيه الخلاف في صرف الطواف إلى جهة أخرى، قال: ولعل الفرق أن الطواف قربة مستقلة بخلاف الوقوف، قال: ولا يمنع طرد الخلاف فيه إذا صُرِفَ قصدًا عن جهةِ النُّسُكِ، قال: ولكن الظاهر أنه لا يجزي. يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ لا مُغْمَى عَلَيْهِ، لعدم أهليته لها؛ ولهذا لا يجزيه الصوم إذا كان مغمى عليه طول نهاره، وقيل: يجزيه اكتفاءً بالحضور، ووقع في الروضة وشرح المهذب أن الرافعي صحح هذا؛ ثم اعترض عليه؛ وتبعه ابن الرفعة والقمولي وهو سهوٌ؛ فالذي في الرافعي: أنه جزم أولًا بعدم الإجزاء؛ ثم حكى الوجه الآخر بأنه يجزيه؛ وكذا هو في الشرح الصغير أيضًا. فَرْعٌ: المجنون أَولى بعدم الإجزاء من المغمى عليه؛ ولذلك حذفه المصنف وإن صرح به في الْمُحَرَّرِ قال في التتمة: لكن يقع نفلًا كحجِّ الصبيِّ الذي لا يميز. فرْعٌ: السكران كالمغمى عليه. ولا بَأْسَ بِالنْوْمِ، أي المستغرق لحضوره، وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنَ الزَّوَالِ يَوْمُ عَرَفَةَ، لأنه ﵊ وقف بعده وقال: [خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ] (١١١٣) لكن لم

стр. 611

يقف إلّا بعد أن خطب خطبتين وصلى الظهر والعصر، فينبغى اعتبار قَدْرَ مُضِيِّهِمَا كما قال الأصحاب بمثله في دخول وقت الأضحية، وَالصَّحِيحُ بَقَاؤُهُ إِلَى الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: [مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهَ الصَّلاةَ وَأَتَى عَرَفَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ] وصحَّحَهُ الأئمةُ الترمذي وابن حبان والحاكم (١١١٤) وهو من قواعد الإسلام، وقوله ﵊: [الْحَجُّ عَرَفَةٌ؛ مَنْ جَاءَ لَيْلَة جَمْعٍ قَبْلَ صلاة الصُّبْحِ فَقَدْ أَدْرَكَ حَجَّهُ] صححه ابن حبان والحاكم (١١١٥)، وهو أُمُّ المناسك، والثاني: يخرج بالغروب لعمله ﵊، والثالث: إن أحرم نهارًا جاز الوقوف ليلًا وإلّا فلا، وَلَوْ وَقَفَ نَهَارًا ثُمَّ فَارَقَ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَلَمْ يَعُدْ أَرَاقَ دَمًا اسْتِحْبَابًا، للحديث السالف فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَفِي قَوْلٍ: يَجبُ، لأنه نُسُكٌ؛ وقد صحَّ عن ابن عباس: [مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ] (١١١٦). وأصَل هذا الخلاف أنه هل يجب الجمع بين الليل والنهار على من

стр. 612

تمكن منه أم لا، فيه خلاف؛ وصحح ابن الصلاح الوجوب وتبعه النووي في مناسكه، وعند المالكية: أنَّ من خرج من عرفة قبل الغروب ولم يعد إليها حتى طلع الفجر من ليلة النحر فاته الحجُّ، وَإِنْ عَادَ فَكَانَ بِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ فَلا دَمَ، لأنه جمع بين الليل والنهار، وَكَذَا إِنْ عَادَ لَيْلًا فِي الأَصَحِّ، لما قلناه وصحح في شرح المهذب القطع به، والثانى: يجب؛ لأن الوارد هو الجمع بين آخر النهار وأول الليل، وَلَوْ وَقَفُواْ الْيَوْمَ الْعَاشِرَ غَلَطًا، أي بأن غُمُّ هلالُ ذي الحجة فأكملوا عدة ذي القعدة ثم قامت بيّنة على رؤيته ليلة الثلاثين، أَجْزَأَهُمْ، بالاتفاق، ولأَنه لا يُؤْمَنُ وقوع مثله في القضاء، إِلَّا أَن يَقِلُّواْ عَلى خِلَافِ الْعَادَةِ فَيَقْضُون فِي الأَصَحِّ، لانتفاء المشقة العامة، والثاني: لا قضاء؛ لأنهم لم يأمنوا مثله في القضاء، وَإِنْ وَقَفُواْ فِي الثَّامِنِ وَعَلِمُواْ قَبْلَ الْوُقُوفِ، فوت الوقت، وَجَبَ الوُقُوفُ فِي الْوَقْتِ، تداركًا له، وَإِنْ عَلِمُواْ بَعْدَهُ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الأَصَحِّ، أي بخلاف الغلط في التأخير، لأن تأخير العبادة عن الوقت أقرب إلى الاحتساب من تقديمها عليه. فَصْلٌ: وَيَبِيتُونَ بِمُزْدَلِفَةَ، للاتباع (١١١٧) والمرادُ المكث بها وإن لم ينم، ويستحب الإكثار في هذه الليلة من التلاوة والذكر والدعاء والصلاة، وَمَنْ دَفَعَ مِنْهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، أي بعذر وغيره، أَوْ قَبْلَهُ وَعَادَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، أما في الأُولى: فلأَنَّ سودة وأُم سلمة أفاضتا في النصف الأخير بإذنه ﷺ ولم يأمرهما بالدم؛

стр. 613

ولا النَّفَر الَّذِينَ كانوا معهما (١١١٨)، وأما في الثانية: فكما لو دُفع من عرفة قبل الغروب ثم عاد إليها قبل الفجر، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي، أي ساعة منه سواء كان بها فِي النصف الأول أو لم يكن، أَرَاقَ دَمًا، وَفِي وُجُوبِهِ الْقَوْلانِ، أي المتقدمان في الفصل الذي قبله فيما إذا فارق عرفة قبل الغروب ولم يعد، ومقتضى هذا ترجيح استحبابه كالمبيت بمنى ليلة عرفة، لكن الصحيح عند المصنف في الروضة وغيرها وجوبه بل القوِيُّ رُكْنِيَّتُهُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيْلِ، وعبارة الخفاف من أصحابنا في خصاله المبيت بمزدلفة سُنَّة ليس من الأركان والدَّمُ ينوب عنه قال: وكذا المبيت بمنى هذا لفظه، وشرط وجوب الدَّمِ أن يكون الترك لغير عذر، وأما أصحاب الأعذار فلا دَمَ عليهم، ومنهم من انتهى إلى عرفة ليلة النحر واشتغل بالوقوف عن مزدلفة، وكذا من أفاض من عرفة إلى مكة وطاف للافاضة بعد نصف الليل ففات المبيت لذلك على ما قاله القفال وصاحب التقريب وفيه احتمال للإمام لعدم الضرورة إلى ذلك، وفي معناهم المرأة تخاف أن تحيض. ويُسَنُّ تَقْدِيمُ النِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ إِلَى مِنًى، وَيَبْقَى غَيْرُهُمْ حَتَّى يُصَلُّواْ الصُّبْحَ مُغَلِّسِينَ ثُمَّ يُدْفَعُون إِلَى مِنًى، للاتباع (١١١٩)، وَيَأخُذُون مِنْ مُزْدَلِفَةَ

стр. 614

حَصَى الرَّمْيِ، لأن بها جبلًا في أحجاره رخاوة، قلت: والمنقول أنه ﷺ لما دخل مُحَسِّرًا وهو من مِنى قال: [عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْحَذْفِ الَّذِي تُرْمَي بِهِ الْجَمْرَةُ] أخرجه مسلم (١١٢٠) وهو يدل على الأخذ من وادي مُحَسَّرٍ وهو أول منى، وفي سنن النسائي وابن ماجه وصحيحي ابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس أنه ﵊ قال له غداة العقبة وهو على راحلته: [هَاتِ القُطْ لِى حَصًى] فلقطت له حصيات هن حصيات الحذف، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين فلا ينبغى أن يعدل عن ذلك (١١٢١). فَرْعٌ: يأخذ سبعًا ليوم النحر، وقيل: الكل؛ وهو ظاهر إيراد المصنف. فَرْعٌ: يأخذها ليلًا قبل صلاة الصبح، وقيل: بعد الصلاة؛ وهو المنصوص، وصريح الحديث السالف قال صاحب الخصال من أصحابنا: ويشدها في ردائه. فَإِذَا بَلَغُواْ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، وَقَفُواْ وَدَعَوْا إِلَى الإِسْفَارِ، للاتباع، ويجتهد في الدعاء ويكثر من الدعاء والعتق والتقرب إلى الله تعالى؛ ذكره صاحب الخصال قال ويقول: [هَذَا جَمْعٌ وَاسْأَلُكَ أَنْ تَرْزُقَنِي جَوَامِعَ الْخَيْرِ كُلِّهِ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ وَأَسْأَلُكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ عَاجِلَهُ وَآجِلَهُ اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَاعْتِقْنِي وَأَوْسِعْ عَلَيَّ مِنْ رِزْقِكَ الْحَلَالِ].

стр. 615

فَرْعٌ: هذا الوقوف سُنَّة ويكتفى فيه بالمرور كما فِى عرفة قاله القاضي؛ ويتأدى بكل موضع من المزدلفة؛ وقيل: يختص بالمشعر الحرام. ثُمَّ يَسِيرُونَ، أي بسكينةٍ ووقارٍ، فإذا وجدوا فرجة أسرعوا فإذا بلغوا محسرًا وهو مسيلُ ماءٍ فاصلٌ بين مزدلفةَ ومِنَى أسرعوا قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ مخالفة للنصارى فإنه كان موقفهم ويسمى وادي النار أيضًا؛ لأنه يقال: إن رجلًا صاد فيه صيدًا فنزلت عليه نار فأحرقته (١١٢٢)، فَيَصِلُونَ مِنًى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَيَرْمِي كُلُّ شَخْصٍ حِينَئِذٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، للاتباع (١١٢٣)، وَيُحْسَنُ إذا وصل إلى منى أن يقول ما روي عن بعض السلف: [اللَّهُمَ هَذِهِ مِنَى قَدْ أَتَيْتُهَا وَأَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ أَسْأَلُكَ أَنْ تَمُنَّ عَليَّ بِمَا مَنَنْتَ بِهِ عَلَى أَوْلِيَائِكَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْحِرْمَانِ وَالْمُصِيْبَةِ فِي دِيْنِي يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ]. فَائِدَةٌ: روى عن ابن مسعود وابن عمر رضى الله عنهما أنهما لَمَّا رَمَيَا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قالا: [اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُوْرًا وَذَنْبًا مَغْفُوْرًا]. فَرْعٌ: الأصحُّ عند المصنف في كيفية الرميِّ أن يجعل مكة عنْ يسارهِ ومِنَى عن يمينهِ ويستقبل الجمرة، وجزم الرافعي بأنه يستقبل الجمرة ويستدبر الكعبة. وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الرَّمْي، لأنه ﵊ [لَمْ يَزَلْ يُلَبِّى حَتَّى رَمَاهَا] متفق عليه (١١٢٤) من حديث الفضل بن عباس والمعنى: أنها شعارُ الإحرامِ، والرَّمْىُ أَخْذٌ في التحلُّلِ والانصراف، ثم لا يختص قطع التلبية بابتداء الرمى،

стр. 616

بل متى شرع في باقى أسباب التحلل، وهو الحلق والطواف قطعها إذا قدمه على الرمي لما قلناه، وكذا يقطعها المعتمر إذا افتتح الطواف؛ لأنه من أسباب تحللها. وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ؛ ثُمَّ يَذْبَحُ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ؛ ثُمَّ يَحْلِقُ، للاتباع (١١٢٥) والمراد فعل الحلق بنفسه وبغيره، أَوْ يُقَصِّرُ، لقيامه مقامه كما سيأتى، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ، بالإجماع (١١٢٦)، قال الخفاف من قدماء أصحابنا في كتاب الخصال: وسُنَنُهُ ثمانِ خِصَالٍ: حلقُ الجميع في حق الرجال دون النساء؛ وأن يكون بعد كمال الرمي؛ وأن لا يشارط عليه؛ وأن يجلس مستقبل القبلة؛ وأن يبدأ بشقه الأيمن؛ وأن يبلغ إلى العظمين مِن الأصداغ؛ وأن يُكبِّرَ بعد فراغه من ذلك؛ وأن يأخذ شيئًا من ظفره بعد فراغه؛ وأن يقول عند فراغه [اللَّهُمَّ آتِنِي بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً وَارْفَعْ لِي بِهَا دَرَجَةً وَاغْفِرْ لِي وَلِلْمُحَلِّقِيْنَ وَالْمُقَصِّرِيْنَ وِلِجَمِيْعِ الْمُسْلِمِيْنَ] قال: ويستحب أن يتناول شيئًا من الطيب. وَتُقَصِّرُ الْمَرْأَةُ، لأنَّ حَلْقَ رَأْسِهَا مُثْلَةً (١١٢٧) واستثنى اللَّخمى من المالكية من

стр. 617

ذلك الصغيرة وهو ظاهر. فَرْعٌ: الخنثى كالمرأة. وَالْحَلْقُ، أي والتقصير، نُسُكٌ عَلَى الْمَشْهُورِ، أي فيثاب عليه؛ لأنه أفضل من التقصير ولا تفضيل في المباحات وروي عنه ﷺ قال: [إِنَّ لِمَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَقَطَتْ مِنْ رَأْسِهِ نُوْرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ] رواه ابن حبان في صحيحه (١١٢٨)، كما سلف أول الباب وعلى هذا هو ركن، وقيل: واجب، والثانى: أنه استباحة محظور لا يثاب عليه كالطيب واللباس، وَأَقَلُّهُ ثَلاثُ شَعْرَاتٍ، لأنها أقل مسمّى الجمع؛ وقد قام الإجماع على عدم وجوب الاستيعاب وسواء المسترسل وغيره على الأصح ولو كان له شعرة أو ثنتان وجب إزالتهما ذكره في البيان ولا يرد على المصنف لندرته. فَرْعٌ: لَوْ حَلَقَ ثَلاثَ شَعَرَاتٍ في دفعات فمتقضى ما في أصل الروضة عَدَمُ الإِجْزَاءِ وخالف في شرح المهذب فقال: المذهب الإجزاء مع فوات الفضيلة وهو مقتضى إطلاقه هنا. حَلْقًا أَوْ تَقْصِيرًا أَوْ نَتْفًا أَوْ إِحْرَاقًا أَوْ قَصًّا، لأن المقصود الإزالة، اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا نَذَرَ الْحَلْقَ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ ولا يجزيه غيره، وَمَنْ لا شَعْرَ بِرَأسِهِ، أي بأن حلق ولا شَعْرَ عليهِ أو كان قد حلق واعتمر من ساعته، يُسْتَحَبُّ إِمْرَارُ الْمُوسَى عَلَيْهِ، لما روى الدارقطني والحاكم وصححه على شرط الشيخين من حديث ابن عمر رضى الله عنهما [أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ: فَكَانَ النَّاسُ يَحْلُقُونَ

стр. 618

فِى الْحَجِّ ثُمَّ يَعْتَمِرُونَ عِنْدَ النَّفْرِ فَيَقُولُ أَمْرِرْ الْمُوسى عَلَى رَأْسِكَ] (١١٢٩) وبالإجماع أيضًا وتشبيهًا بالحالقين كعرض العود على الإناء، وخالف المسح حيث يجب مسح الرأس والحالة هذه لأن الوجوب ثَمَّ تعلق بها وهنا بالشعر، والظاهر أنه إذا كان على بعض رأسه شعر يستحب إمرار الموسى على الباقى وفاءً بالتشبيه، فَإِذَا حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ دَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ طَوَافَ الرُّكْنِ، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (١١٣٠) أي وهو الرمى ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (١٠٥٤) أي ذبح الهدايا ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١٠٥٤) والإجماع قائم على أن المراد بهذا الطواف هو طواف الإفاضة، واستحب بعضهم أن يشرب بعد ذلك من سقاية العبَّاس؛ لأنه صح أنه ﷺ [جَاءَ بَعْدَ الإِفَاضَةِ وَهُمْ يَسْتَقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ] (١١٣١). فَرْعٌ: إذا كان عليه طواف الإفاضة فنوى غيره عن غيره أو عن نفسه تطوعًا أو

стр. 619

قدومًا أو وداعًا وقع عن طواف الإفاضة كما في واجب الحج والعمرة، جزم به المصنف في الروضة من زوائده وهو أحد المواضع الذي يتأدى فيه الفرض بنية النفل، ومنها إذا جلس فِي التشهد الأخير يظنه الأول ثم تَذَكَّرَ أَجْزَأَهُ عن الأخير ومنها ما ذكره المصنف في بابه فيما إذا ترك سجدة وكان جلس بنية الاستراحة. وَسَعَى إِن لَمْ يَكُنْ سَعَى، لأنه أحد أركانه كما سيأتي، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مِنى، للاتباع، وَهَذَا الرَّمْيُ؛ وَالذَّبْحُ؛ وَالْحَلْق؛ وَالطَّوَافُ يُسَنُّ تَرْتِيبُهَا كَمَا ذَكَرْنَا، اقتداءً به ﷺ فإن غيَّر هذا الترتيب جاز للنص الصحيح فيه، وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا، أي وقت الأعمال الأربعة المذكورة، بِنِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، أما الرمى فلحديث عائشَة [أَرْسَلَ رَسُولُ الله ﷺ ؛ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ؛ ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ؛ وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي يَكُونُ رَسُولُ اللهِ ﷺ (تعني) عِنْدَهَا] رواه أبو داود وصححه الحاكم على شرط مسلم (١١٣٢)، وحكى الترمذي عن الشافعي ﵁: أنه لا يدخل وقته إلا بطلوع الشمس. وهو غريب وفيه حديث صحيح (١١٣٣). وأما الطواف والحلق إذا جعلناه نسكًا فبالقياس على الرمي لاشتراك الثلاثة في كونها من أسباب التحلل، نعم جواز هذه الأشياء في هذا الوقت مشروط بتقدم الوقوف عليها، أما الذبح

стр. 620

فسيأتي في بابه. وعبارة الخفاف في خصاله في وقت الرمى أن وقته بعد نصف ليلة النحر بقدر ما يأتي من مزدلفة إلى منى، وَيَبْقَى وَقْتُ الرَّمْي إِلَى آخِرِ يَوْمِ النَّحْرِ، لما روى البخاري عن ابن عباس [أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ، فَقَالَ: لا حَرَجَ] (١١٣٤) والمساء يُطلقُ على ما بعد الزوال. وهل يمتد الرمي تلك الليلة؟ فيه وجهان؛ أصحهما في الرافعي والروضة: لا؛ لعدم وروده، والثاني: نعم تشبيهًا بالوقوف، وصححه المصنف في مناسكه الكبرى في الكلام على رمي أيام التشريق، ووقع في موضع من الرافعى: أن وقته من انتصاف ليلة النحر إلى الزوال، وينبغي أن يحمل على وقت الفضيلة وبه صرح الماوردي. ولا يَخْتَصُّ الذَّبْحُ، أي ذبح الهدايا، بِزَمَنٍ، ولكن يختص بالحرم؛ بخلاف الضحايا فإنها تختص بالعيد وأيام التشريق دون الحرم. قُلْتُ: الصَّحِيحُ اخْتِصَاصُهُ بِوَقْتِ الأُضْحِيَةِ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ عَلَى الصَّوَابِ، وَالله أَعْلَمُ، كذا ذكر المصنفُ مثلَ هذا الاعتراض على الرافعى في الروضة وشرح المهذب وهو وارد عليه من جهة أنه أطلق ذكر الهدي هنا ولم يخصه بواجب ولا غيره. ولا شك أن الهدي يطلق على دماء الجبرانات والمحظُورات؛ وهذا لا يختص بزمان قياسًا على الديون وغيرها، ويطلق على ما يسوقه المحرم تقربًا إلى فقراء الحرم وهذا محل الخلاف، والصحيح الاختصاص قياسًا على الأضحية، والثانى: لا قياس على دماء الجبرانات، والقسم الأول هو مُراد الْمُحَرَّرِ هنا، والثاني: هو مراده في آخر باب محرمات الإحرام، فَلَيْسَتَا مَسْأَلَةً وَاحِدَةً ولا تَنَاقُضَ فِى كَلامِهِ وَللهِ الْحَمْدُ، وقد أوضح ذلك الرافعى نَفْسَهُ في كلامهِ على لفظ الوجيز وقد ذكرته بلفظه في الأصل فاستفده.

стр. 621

والْحَلْقُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ لا آخِرَ لِوَقْتِهَا، لأن الأصل عدم التأقيت لكن ينبغي أن لا يخرج من مكة حتى يطوف، فإن طاف للوداع وخرج وقع عن الزيارة، وإن خرج ولم يطف أصلًا لم تحل له النساء، وإن طال الزمان، قال الرافعى: وقضية قولهم لا يَتَأَقَّتُ آخِرُ الطَّوافِ أنه لا يصيرُ قضاءً، لكن في التتمة: أنه إذا تأخر عن آخر أيام التشريق صار قضاءً. وَإِذَا قُلْنَا: الْحَلْقَ نُسُكٌ، أي وهو الصحيح كما سلف، فَفَعَلَ اثْنَيْنِ مِنَ الرَّمْي وَالْحَلْقِ وَالطَّوَاف حَصَلَ التَّحَلُّلُ الأوَّلُ، أي وليس للنحر أثر في التحلل؛ لأنه سُنّة، فإن جعلناه استباحة محظور فللتحلل سببان الرمي والطواف، فإذا أتى بأحدهما حصل التحلل الأول، وإن أتى بالثانى حصل الثانى، قال الرافعى: لا بد من السعي بعد الطواف إن لَمْ يَسْعَ قبل، لكنهم لم يفردوه وعدّوه مع الطواف سببًا واحدًا، وَحَلَّ بِهِ، أي بالتحلل الأول، اللُّبْسُ وَالْحَلْقُ وَالْقَلْمُ، أي وكذا سترُ الرَّأْسِ كما ذكره في الْمُحَرَّر يَعْنِى لِلرَّجُلِ؛ وَالْوَجْهُ لِلْمَرْأَةِ وَالطِّيبُ. أما الطِّيْبُ فلأن عائشة [كَانَتْ تُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لإحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَمَحَلُّهُ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ] أخرجه الشيخان عنها (١١٣٥) والباقي قياسًا بجامع ما اشتركا فيه من الاستمتاع، وَكَذَا الصَّيْدُ وَعَقْدُ النِّكَاحِ، أي وكذا المباشرة فيما دون الفرج بشهوة كالقبلة والملامسة، فِي الأَظْهَرِ، لأنها من المحرمات التى لا توجب تعاطيها إفسادًا فاشبهت الحلق، والثانى: التحريم أما في المباشرة وعقد النكاح فلتعلقهما بالنساء. قُلْتُ: الأَظْهَرُ لا يَحِلُّ عَقْدُ النِّكَاحِ، وَالله أَعْلَمُ، هو كما قال. فَرْعٌ: في التطييب طريقان أشهرهما كما قال الرافعي أنه على القولين، والمذهب الحل؛ بل يستحب بين التحللين لحديث عائشة السالف، والثانية: القطع بالحل ورجحها في شرح المهذب فقال: هى الصحيحة وبها قطع الجمهور وإن كانت الأُولَى باطلةً مُنَابِذَةً لِلسُّنَّة.

стр. 622

وَإِذَا فَعَلَ الثَّالِثَ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الثَّانِي، وَحَلَّ بِهِ بَاقِي الْمُحَرَّمَاتِ، بالإجماع؛ ويجب عليه الإتيان بما بقى من أعمال الحج وهو الرمى والمبيت مع أنه غير محرم، كما يسلم التسليمة الثانية وإن كان قد خرج من الصلاة بالأُولى. فَائِدَةٌ: ليس للعمرة إلا تحلل واحد وخالفت الحج، لأن زمنه يطول وأعماله تكثر، فأُبيح بعض محرماته في وقت، وبعضها في آخر بخلافها. فَصْلٌ: إِذَا عَادَ إِلَى مِنَى بَاتَ بِهَا لَيْلَتَيِ التَّشْرِيقِ، وَرَمَى كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْجَمَرَاتِ الثَّلاثِ كُلَّ جَمْرَةٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، للاتباع؛ ومال الرافعي إلى ترجيح سُنِّية هذا المبيت ويرد عليه للاتباع، ويُسَنُّ استقبال القبلة في رمي هذه الأيام (١١٣٦). فَرْعٌ: لا يحصل المبيت إلا بمعظم اللَّيل؛ وفِى قول: إن الاعتبار بوقت طلوع الفجر. فَائِدَتَانِ: الأُوْلَى: أيام التشريق ثلاثة بعد يوم النحر، سميت بذلك لإشراق نهارها بالشمس، ولياليها بالقمر، وقيل: غير ذلك. الثَّانِيَةُ: الجَمرات الثلاث بفتح الجيم وهى معروفة؛ الأُولى: تلي مسجد الخيف وهى أولهن من جهة عرفات؛ وثانيها:

стр. 623

الوسطى وهى معروفة بمنى؛ وثالثها: جمرة العقبة وليست من منى، كذا قال أصحابنا وهو غريب في الثالثة، ووقع في المحكم لابن سِيَدَه: أن الجمرات والجمار الحصيات التي يرمى بها في مكة. ويُحمل كلامه على أن مراده بمكة الحرم كما نقله في موضع آخر عن يعقوب. فَائِدَةٌ ثَالِثَةٌ: روى من حديث أنس أنه ﵊ قال: [يَغْفِرُ اللهُ بِكُلِّ حَصَاةٍ رَمَاهَا كَبِيْرَةً مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُوْبِقَاتِ الْمُوْجِبَاتِ] ومن حديث ابن عمر أَنَّ رجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ رَمْيِ الْجِمَارِ مَا لَنَا فِيْهِ؟ فَقَالَ: [تَجِدُ ذَلِكَ عِنْدَ رَبِّكَ أَحْوَجُ مَا يَكُونُ إِلَيْهِ] (١١٣٧). فَائِدَةٌ رَابِعَةٌ: يستحب التبرك بالصلاة في مسجد الخيف بمنى فقد روى أنه صلى في مكانه سبعون نبيًا منهم موسى وأن فيه قبر سبعين نبيًا صلوات الله عليهم، ويقال: إِنَّ مُصَلَّى نبينا عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصلاة وَالسَّلامِ عند الأحجار أَمَامَ الْمَنَارَةِ. فَإِذَا رَمَى الْيَوْمَ الثَّانِيَ وَأَرَادَ النَّفْرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ جَازَ، وَسَقَطَ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَرَمْىُ يَوْمِهَا، أي ولا دم عليه لقوله تعالى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١١٣٨)، نعم: الأفضلُ عدم النفر للاتباع إلا لعذر كغلا ونحوه. فَرْعٌ: قال الروياني: من لا عذر له؛ إذا لم يَبِت ليلتي اليومين الأولين من التشريق ورمى في اليوم الثانى؛ وأراد النفر مع الناس، قال أصحابنا: ليس له ذلك؛ لأنه لا عذر له وإنما جوز ذلك للدعاء، وأهل السقاية للعذر، وجوز لعامة الناس أن ينفروا؛ لأنهم أتوا بمعظم الرمي والمبيت، ومن لا عذر له لم يأت بالمعظم فلم يجز له النفر. فَإِنْ لَمْ يَنْفُرْ حَتَّى غَرَبَتْ وَجَبَ مَبِيتُهَا وَرَمْيُ الْغَدِ، لما روى مالك فِى الموطأ

стр. 624

عن نافع أن ابن عمر كان يقول: [مَنْ غَرَبَتْ بِهِ الشَّمْسُ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ بِمِنى، فلا يَنْفِرَ، حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ مِنَ الْغَدِ] (١١٣٩) ولا يصح رفعه. فَرْعٌ: لو ارتحل فغربت قبل انفصاله من منى جاز له النفر، وكذا لو غربت وهو في شغل الارتحال أو نفر قبل الغروب ثم عاد لشغل في الأصح، فلو تبرع فِي هذه الحالة بالمبيت لم يلزمه الرمى في الغد نص عليه. فَرْعٌ: إذا أوجبنا المبيت فتركه فإن كان مبيت مزدلفة وحدها أراق دمًا، وإن كان مبيت الليالي الثلاث فكذلك على الأظهر، فإن ترك ليلة فالأظهر وجوب مُدٍّ، وقيل: درهم، وقيل: ثُلُثُ دم وإن ترك ليلتين فعلى هذا القياس، وإن ترك الليالي الأربع؛ فالأظهر: وجوب دمين؛ دمٌ للمزدلفة ودمٌ لليالي منى. فَرْعٌ: التَّارِكُ نَاسِيًا كالعامدِ في وجوبِ الدَّمِ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ. تَنْبِيْهٌ: هذا كله فيمن لا عذر له أما من ترك مبيت مزدلفة أو منى لِعُذْرٍ، فلا دم عليه، كما إذا كان له مال يخاف ضياعه أو أمر يخاف فوته أو مريض يحتاج إلى أن يتعهده، وكالمشتغل بعرفة أو الطواف عن مزدلفة كما تقدم وكرعاء الإبل، وأهل سقاية العبّاس فلهم إذا رموا جمرة العقبة يوم النحر أن ينفروا ويَدَعُوا المبيت بمنى ليالي التشريق، وللصنفين جميعًا أن يَدَعُوا رمى يوم ويقضوه في اليوم الذي يليه قبل رمى ذلك اليوم وليس لهم أن يَدَعُوا رمي يومين متواليين. فَائِدَةٌ: ينبغى لمن نفر من منى أن ينزل بِالْمُحَصَّبِ (•) ويصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويرقد رقدة ثم يذهب إلى البيت لطواف الوداع للاتباع (١١٤٠).

стр. 625

وَيَدْخُلُ رَمْيُ التَّشْرِيقِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ، للاتباع (١١٤١)، ويستحبُّ فعله قبل فعل الظهر كما قدمته في كتاب الصلاة، وجوَّزَ أبو حنيفة وحده الرمى في اليوم الثالث من طلوع الفجر مع الكراهة وخالفاه صاحباه. وَيَخْرُجُ، أي رمي اليومين الأولين، بِغُرُوبِهَا، لعدم وروده في الليل، وَقِيلَ: يَبْقَى إِلَى الْفَجْرِ، قياسًا على الوقوف بعرفة، أما رمى اليوم الثالث فينقضي بانقضاء يومه قطعًا؛ لانقضاء أيام المناسك، كذا قاله الرافعى، واعلم أنه ذكر أيضًا في كلامه على الرمى أن الأظهر بقاء الوقت إلى آخر أيام التشريق، وظاهره مخالفة ما قاله هنا، وجمع ابن الرفعة بينهما بأن يحمل ذلك على وقت الجواز وهذا على وقت الاختيار، قال: وحينئذ يكون للرمي ثلاثة أوقات فضيلةٌ واختيارٌ وجوازٌ. وَيُشْتَرَطُ رَمْيُ السَّبْعِ، وَاحِدَةً وَاحِدَةً، للاتباع (١١٤٢)، نعم لو رمى بحصاة ثم أخذها ورمى بها وهكذا سبعًا فالأصح الجواز، والثانى: لا؛ وهو ظاهر كلام المصنف، قال الإمام: وهو الأظهر، وقال ابن الصلاح: إنه أقوى. ولو رمى بحصاتين دفعة واحدة أحدهما باليمين والأخرى باليسرى لم تحسب إلا واحدة قطعًا قاله

стр. 626

الدارمى، وَتَرْتِيبُ الْجَمَرَاتِ، أي فيرمى الجمرة الأُولى التى تلى مسجد الخيف ثم الوسطى ثم جمرة العقبة للاتباع، فلو عكس اعْتُدَّ له بالأُولى، أعني التي تلى مسجد الخيف، وَكَوْنُ الْمَرْمِيِّ حَجَرًا، للاتباع؛ أيضًا فلا يجزي اللؤلؤ وما ليس بحجر من طبقات الأرض كالنورة والجواهر المنطبعة كالنقدين، وَأَنْ يُسَمَّى رَمْيًا فلا يَكْفِي الْوَضْعُ، لأن المأمور به هو الرمى فلا بد من صدق الاسم، واشتراط الرمى قد علم من قوله قبله، ويشترط رمى السبع فهو تكرار. فَرْعٌ: يشترط أيضًا قصد الرمى فلو رمى في الهوى فوقع في المرميَّ لا يعتد به. فَرْعٌ: لا يجزئ الرمى عن القوس ولا الدَّفْعُ بِالرِّجْلِ، لأنَّهُ لا يطلق عليه اسم الرمي. وَالسُّنَّة أَن يَرْمِيَ بِقَدْرِ حَصَى الْخَذَفِ، اقتداء به ﵊ قولًا وفعلًا وهو دون الأنملة طولًا وعرضًا في قدر الباقلاء. فَرْعٌ: جزم الرافعي أنه يرمى على هيئة الحذف والأصح لا. ولا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْحَجَرِ فِي الْمَرْمَى، أي حتى لو تدحرج وخرج بعد الوقوع لم يضر، لأن اسم الرمى قد حصل، لكن لا بد أن يقع فيه، فإن شك في وقوعه فالجديد عدم الإجزاء، ولا كَوْنُ الرَّامِي خَارِجًا عَنِ الْجَمْرَةِ، أي حتى لو وقف في طرفها ورمى إلى الطرف الآخر جاز لحصول اسم الرمى، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الرَّمْيِ، أي لمرض أو حبس، اسْتَنَابَ، خشية فواته لضيق وقته ويشترط كون النائب رمى عَنْ نَفْسِهِ وإلّا فيرميه عنه دون المنيب كأصل الحج وأن لا يرجى زوال السبب إلى آخر الوقت فإن رُجِيَ وَوَقْتُ الرَّمْي باقٍ لم يَجُزْ، وَإِذَا تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ، أي عمدًا أو سهوًا، تَدَارَكَهُ فِي بَاقِي الأَيَّامِ فِي الأَظْهَرِ، كالرعاء أهل السقاية، والثاني: لا، كما لا يتداركه بعد أيام التشريق، والخلاف جار في تدارك رمى جمرة العقبة فيها أيضًا، ولا دَمَ، أي عند التدارك لحصول الجبر بالمأتيِّ به، وإلَّا، أي وإن لم يتداركه، فَعَلَيْهِ دَمٌ، لأنه ترك نسكًا، وقد قال ابن عباس: [مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ

стр. 627

دَمٌ] (١١٤٣)، وَالْمَذْهَبُ تَكْمِيلُ الدَّمِ فِي ثَلَاثِ حَصَيَاتٍ، لوقوع اسم الجمع على ذلك، ولا يلزمه زيادة عليه، لو زاد في الترك على الثلاث حتى لو ترك رمى النحر وأيام التشريق يلزمه دم واحد على أصح الأقوال، لاتحاد جنس الرمى فأشبه حلق الرأس، والطريق الثانى: أن الجمرات الثلاث كالشعرات الثلاث فلا تكمل الفدية في بعضها. بل إن ترك جمرة ففيها الأقوال الثلاثة في الشعرة، وإن ترك جمرتين فعلى هذا القياس، وإن ترك حصاة من جمرة فعن صاحب التقريب إن قلنا: في الجمرة ثلث دم، ففي الحصاة جزء من إحدى وعشرين جزءًا من دَمٍ رعايةً للتبعيضِ، وإن قلنا: في الجمرة مُدًّا ودرهم فيحتمل أن يوجب سُبْعَ مُدّ أو سُبْعَ درهم، ويحتمل أن لا يبعضها، والطريق الثالث: أن الدم يكمل بجمرة واحدة، كما يكمل بجمرة العقبة في يوم النحر ولا يكمل بأقل منها، وَاعْلَمْ أنَّ الطريقة الأُوْلى ليست في الشرح الكبير وأسقطها نسيانًا؛ ، لأنه قال: إن الإمام جمع في المسألة طرقًا فذكر ثنتين منها، ولما لم يجد المصنف فِى الروضة إلّا طريقين قال: فيه طريقان. فَصْلٌ: وَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ، أي بعد قضاء النسك وجميع أشغاله، طَافَ لِلْوَدَاعِ، أي طوافًا كاملًا بركعتيه للاتباع قولًا وفعلًا (١١٤٤)، والأقرب في الرافعي أنه ليس من المناسك، وإنما يؤمر به من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر كما اقتصر عليها الرافعي والمصنف في الروضة، والمناسك وكذا دونها على الأصح في شرح المهذب، مكيًا كان أو أفاقيًا تعظيمًا للحرم، ونصَّ الشافعى ﵀ في الأُمِّ على أنه من المناسك وبه قطع المحاملي والقاضي، ونصَّ في الإملاء على أنه من الحج والعمرة، قُلْتُ: ويستثنى من ذلك الفرع الآتى عن صاحب البيان، والفرع الآتي بعده أيضًا، فإن الطواف في حقهما مستحب؛ فَتَنَبَّهْ لَهُ. أو يحمل الوجوب هنا على من

стр. 628

أراد المفارقة إلى وطنه. فَرْعٌ: إذا أراد الانصراف إلى بلده من منى لزمه دخول مكة لطواف الوداع أيضًا، إن قلنا بوجوبه؛ ولا يكفيه طواف الوداع يوم النحر بعد طوافه للافاضة على الصحيح في شرح المهذب؛ ومقابله ليس ببعيد لمن اضطر إليه؛ كمن نفر من منى مع الغروب؛ فإنه يشق عليه الوداع بعد ذلك. فَرْعٌ: قال صاحب البيان: قال الشيخ أبو نصر في المعتمد: ليس على المعتمر الخارج إلى التنعيم وداع ولا دَمَ في تركهِ عندنا، وقال سفيان الثوري: يلزمه، دليلنا أن النبي ﷺ أمر عبد الرحمن أن يعتمر بعائشة من التنعيم ولم يأمرهما عند ذهابهما إلى التنعيم بوداع. فَرْعٌ: سبق في فضل الخروج إلى منى أن الإمام يأمر المتمتعين أن يطوفوا للوداع، وإن ذلك على وجه الاستحباب، ونقل المصنف في شرح المهذب عن نصه في البويطي واتفاق الأصحاب على أنه: يستحب لمن أحرم وأراد الخروج إلى عرفات أن يطوف بالبيت ويصلى ركعتين ثم يخرج، قال الشيخ أبو حامد: وهذا يتصور في صورتين وهما المتمتع والمكّي إدا أحرما بالحج من مكة. ولا يَمْكُثُ بَعْدَهُ، أي لقضاء شغل أو زيارة صديق ونحوهما فإن أقام لنحو ما ذكرناه لم يعتد بطوافه عن الوداع، لأنه حينئذ غير مودع، فلو تشاغل بأسباب الخروج كشراء زاد ونحوه لم يحتج إلى إعادته في الأصح؛ قال في الروضة من زوائده: ولو أُقيمت الصلاة فصلّاها لم يعده، وَهُوَ وَاجِبٌ، لقوله ﷺ : [لا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ] رواه مسلم من حديث ابن عباس (١١٤٥) وفي رواية له وللبخاري أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت؛ إلّا أنه خفف عن المرأة الحائض (١١٤٦).

стр. 629

يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ، طردًا للقاعدة في أن الواجب يُجبر بدم، وَفِي قَوْلٍ: سُنةٌ لا يُجْبَرُ، أي وجوبًا كطواف القدوم، والأوَّل فَرَّق بأن طواف القدوم تحية البقعة وليس مقصودًا في نفسه بخلافه، فَإن أَوْجَبْنَاهُ فَخَرَجَ بِلا وَدَاع وَعَادَ قَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ سَقَطَ الدَّمُ، كما لو جاوز الميقات غير محرم ثم عاد إليه، أَوْ بَعْدَهَا فلا عَلَى الصَّحِيحِ، قَال في شرح المهذب: وبه قطع الجمهور لاستقراره بالسفر الطويل، ووقوع الطواف بعد العودة حقًا للخروج الثاني كذا علّله الرافعيُّ وهو ماشٍ على ما في الرافعي والروضة من اختصاص الأمر بالوداع بالمسافر سفرًا طويلًا، أما على ما قَدَّمْنَاهُ عن تصحيح شرح المهذب من عدم اختصاصه بذلك فلا، والثاني: يسقط كما لو عاد قبل الانتهاء إليها فلا بد من طوافين على الصحيح؛ ولا يجب العود في الحالة الثانية للمشقة، ويجب من الأُولى على المنصوص، ثم إن أوجبنا العود فعاد سقط الدم، وإن لم يعد؛ لم يسقط، وإن لم نوجبه فلم يعد فعليه دم، وَللْحَائِضِ النَّفْرُ بِلا وَدَاعٍ، للحديث السالف. فَرْعٌ: لو طَهُرَتْ قبل مفارقة خطة مكة؛ لزمها العودُ والطوافُ، وإن طهرت بعد بلوغها مسافة القصر فلا، وإن لم تبلغ مسافة القصر فالنص أنه لا يلزمها العود، والنص أن المقصر بالترك يلزمه العود والمذهب الفرق كما نص عليه، لأنها مأذونة في الانصراف بخلافه، وقيل: فيهما قولان، فإن قلنا: لا يلزم العود؛ فالنظر إلى نفس مكة أو إلى الحرم وجهان؛ أصحهما مكة.

стр. 630

فَرْعٌ: النُّفَسَاءُ في هذا كالحائض، والظاهر أن المعذور كالخائف من ظالم أو خوف لفوت رفقة أو معسر ونحو ذلك كهما. ويسَنُّ شُرْبُ مِاءِ زَمْزَمَ، لأنها مباركةٌ؛ ولأنها طعام طعم كما أخرجه مسلم وشفاء سقم كما أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (١١٤٧)، وصحَّ [مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ] كما أوضحته في الأصل، ويروى أن مياه الأرض ترفع قبل يوم القيامة غير زمزم (١١٤٨)، وَزِيَارَةُ قَبْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ فرَاغ الْحَجِّ، أي يتأكد تأكدًا شديدًا وإلا فزيارته ﷺ مستحبة في كل وقت قال ﷺ : [مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي] رواه ابن خزيمة (١١٤٩).

стр. 631

فَائِدَةٌ: رُوِيَ عَنْ إِبراهِيْمَ النَّخْعِيِّ أَنهُ قَالَ: كَانُواْ إِذَا قَضَواْ حَجَّهُم تَصَدَّقُواْ بِشَىْءٍ؛ وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ هَذَا عَمَّا لا نَعْلَمُ (•). فَصْلٌ: أَرْكَانُ الحَجِّ خَمْسَةٌ: الإِحْرَامُ، بالإجماع؛ كما نقله ابن الرفعة لكن قيل: إنه شرط حكاه ابن يونس في التَّنبِيْهِ، وَالْوُقُوفُ، بالإجماع، وَالطَّوَافُ، أي طواف الإفاضة بالإجماع أيضًا، وَالسَّعْيُ، لقوله ﵊: [اسْعَوا فَإِنَّ الله كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ] أورده الحاكم في مستدركه وابن السكن في سننه الصحاح المأثورة وأجاب ابن عبد البر عمن طعنَ فيه (١١٥٠)، وَالحَلْقُ، أي أو التقصير، إِذَا

стр. 632

جَعَلْنَاهُ نُسُكًا، لما سبق في الباب، فإن جعلناهُ استباحةَ محظورٍ فلا شك في كونه ليس ركنًا، قَال الرافعي: وينبغى أن يعد الترتيب الواجب هنا ركنًا كما عدوه في الوضوء والصلاة، ولا تُجْبَرُ، أي هذه الخمسة، بِدَمٍ، لأن الماهية لا تحصل إلَّا بجميع أركانها، وَمَا سوَى الْوُقُوفِ أَرْكَانٌ فِي الْعُمْرَةِ أَيْضًا، لأنه ﵊ أتى بها، ولم يرد ما يقتضي الاعتداد بدونها. فكانت أركانًا ويأتى في الحلق ما سلف فِي الحج. وَيُؤَدَّى النُّسُكَانِ عَلَى أَوْجُهٍ، أي ثلاثة آتية وهو إجماع، ووجه الحصر أنه إنْ قَدَّمَ الْحَجَّ فهو الإِفْرَادُ، أو العُمرةَ فالتمتعُ، أو أتى بهما فهو القِرَانُ على تفصيل، وشروطٍ لبعضها ستأتي، وَيُؤَدَّى النُّسُكُ مِنْ حَيْثُ هُوَ بِالْحَجِّ وحده أو بالعُمرة وحدها على أوجهٍ: أَحَدُهَا: الإِفْرَادُ، بِأَن يَحُجَّ ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ؛ كَإِحْرَامِ الْمَكِّيِّ وَيَأْتِي بِعَمَلِهَا، أي وكذا إذا أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ثم حج من الميقات، وكذا من لم يحرم إلا بالحج من الميقات في سنته كما صرح بهما القاضي والإمام. وقطعًا يبقى الخلاف

стр. 633

فيه، وظاهر كلام المصنف بخلاف ذلك، والمراد بإحرام المكي وهو: أن يخرج إلى أدنى الحل كما سلف (١١٥١). الثانِي: القِرَانُ؛ بِأَن يُحْرِمَ بِهِمَا مِنَ الْمِيقَاتِ وَيَعْمَلَ عَمَلَ الْحَجِّ، لأن أعماله أكثر، فَيَحْصُلانِ، أي يدخل عمل العمرة في الحج ويكفيه طواف واحد، وسعى واحد، لقوله ﷺ [مَنْ أحْرَمَ بِالحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَجْزَاهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ عَنْهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيْعًا] صححه الترمذي (١١٥٢)، والظاهر أن هذا الطواف للحج فقط والعمرة مُنْغَمِرَةٌ، وقوله (مِنَ الْمِيْقَاتِ) ليس احترازًا من شيء، لأنه لو أحرم بهما من دونه كان قارنًا، بل المراد أنه يحرم بهما معًا. فيتحد ميقاتهما، وقد قدمنا في باب المواقيت أن الأصح أن المكى يحرم بهما من مكة تغليبًا للحج. وَلَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يَحُجُّ قَبْلَ الطَّوَافِ كَان قَارِنًا، بالإجماع، ولو أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ففى صحة إدخاله عليها وجهان أحدهما: لا،

стр. 634

وهو اختيار الشيخ أبى علي وحكاه عن عامة الأصحاب وهو ظاهر كلام المصنف؛ لأنه يؤدي إلى صحة الإحرام بالحج قبل أشهره، لأن القارن في حكم الملابس لإحرام واحد، وأصحهما من زوائد الروضة: نعم؛ لأنه إنما يصير محرمًا بالحج وقت إدخاله، وهو وقت صالح للحج، واحترز بقوله (ثُمَّ يَحُجُّ قَبْلَ الطوَافِ) عما إذا طاف ثم أحرم بالحج؛ فإنه لا يصح؛ لأنه أخذ في أسباب التحلل على أصح المعانى فيه وحكم الشروع في الطواف حكم إكماله. فَرْعٌ: لو كانت عمرته فاسدة ثم أدخل عليها الحج، فالأصح إنه يصير محرمًا به كما هو ظاهر إطلاق المصنف، وقيل: ينعقد صحيحًا مُجْزِيًا؛ والأصح: لا، بل ينعقد فاسدًا؛ وقيل: صحيحًا ثم يفسد. ولا يَجُوزُ عَكْسُهُ، أي وهو إدخال العمرة على الحج، فِي الجَدِيدِ، لأنه لا يستفيد به شيئًا آخر، بخلاف إدخال العمرة عليه، فإنه يستفيد به أشياء أُخر كالوقوف؛ والرمي؛ والمبيت، والقديم جوازه، وصححه الإمام كعكسه فيجوز ما لم يشرع في أسباب تحلله. الثَّالِثُ: التَّمَتعُ؛ بِأَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ وَيَفْرُغَ مِنْهَا ثُمَّ يُنْشِئُ حَجًّا مِنْ مَكةِ، لقيام الإجماع على أن الأفاقى إذا فعل ذلك سمّي متمتعًا، وقوله (مِنْ مِيْقَاتِ بَلَدِهِ) أراد به التصور دون الاحتراز، فإن الإحرام من الميقات ليس شرطًا في كونه متمتعًا؛ ولا في وجوب الدم عند الأكثرين. وقوله (يُنْشِئُ حَجًّا مِنْ مَكةِ) ذكره للتصور أيضًا لا للاحتراز، فإنه لو أحرم بالحج من الميقات، فالمشهور أنه متمتع؛ غير أنه لا يلزمه الدم. وَأَفْضَلُهَا الإِفْرَادُ، أي إذا أحرم بالعمرة في عام الحج؛ لأنَّ رواته أكثر ومجمع على عدم كراهته بخلاف التمتع والقِران، ولعدم وجوب الدم فيه بخلافهما، فإن أخَّر العمرة عن عام الحج؛ فالتمتع والقران أفضل منه، لأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه، وَبَعْدَهُ التمَتَّعُ ثُمَّ الْقِرَان، لأن المتمتع يأتي بعملين كاملين، غير أنه لا

стр. 635

ينشئ للحج ميقاتًا، بل يحرم به من مكة، ولهذا أفضله الإفراد، فإنه ينشئ لهما ميقاتين. وأما القارنُ فإنه يأتى بعمل واحد من ميقات واحد. وَفِي قَوْلٍ: التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنَ الإفْرَادِ، لأنه أَحَدُ مَا قيل في إحرامه ﵊. ولأن فيه مبادرة إلى العمرة؛ فإن فيه تأخيرًا لفعلها فربما مات قبل الفعل، وفي قول ثالث: أن القِران أفضل واختاره المزني وابن المنذر وأبو إسحاق المروزي. وَعَلَى التمتَّعِ دَمٌ، بالإجماع وهو شاة بصفة الأضحية، ويقوم مقامها سُبْعُ بَدَنَةٍ أو سُبْعُ بَقَرَةٍ، بِشَرْطِ أَن لا يَكُون مِنْ حَاضِري الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لقوله تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١١٥٣)، وَحَاضِرُوهُ مِنْ دُونِ مَرْحَلَتَيْنِ، لأن من قرب من الشيء ودنا منه كان حاضرًا إياه، مِنْ مَكةَ، لأن المسجد الحرام المذكور في الآية الكريمة ليس المراد به حقيقته بالاتفاق، بل الحرم عند بعضهم ومكة عند آخرين، فلا بد من حمله على المجاز، وحمله على مكة أقل تجوزًا من حمله على جميع الحرم. قُلْتُ: الأَصَحُّ مِنَ الْحَرَمِ، وَالله أَعْلَمُ، لأن كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم؛ إلا قوله تعالى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١١٥٤) فإن المراد به الكعبة. وخالف طواف الوداع؛ حيث اعتبرت المسافة فيه من مكة على الصحيح، لأن الوداعَ لِلْبَيْتِ فَنَاسَبَ اعتبار مكة، وهنا الآية نَاصَّةٌ على المسجد الحرام والمراد منه الحرم كما سلف فكان الابتداء منه. وَأَن تَقَعَ عُمْرَتُهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، لأن العرب كانوا لا يزاحمون الحج بالعمرة في مظنته، ووقت إمكانه؛ ويستنكرون ذلك ويقولون: هو من أفجر الفجور. فورد التمتع رخصة وتخفيفًا، إذ الغريب قد يردُ قبل عرفة بأيام ويشق عليه استدامة الإحرام ولا سبيل إلى مجاوزته بغير إحرام، فجوز له أن يعتمر ويتحلل مع الدم، ولو أحرم
следующие страницы →