← Фикх шафии

Фикх шафии · id 20561

عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج

ابن الملقن

Полный текст (1 877 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فَائِدَةٌ: رُوِيَ عَنْ إِبراهِيْمَ النَّخْعِيِّ أَنهُ قَالَ: كَانُواْ إِذَا قَضَواْ حَجَّهُم تَصَدَّقُواْ بِشَىْءٍ؛ وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ هَذَا عَمَّا لا نَعْلَمُ (•). فَصْلٌ: أَرْكَانُ الحَجِّ خَمْسَةٌ: الإِحْرَامُ، بالإجماع؛ كما نقله ابن الرفعة لكن قيل: إنه شرط حكاه ابن يونس في التَّنبِيْهِ، وَالْوُقُوفُ، بالإجماع، وَالطَّوَافُ، أي طواف الإفاضة بالإجماع أيضًا، وَالسَّعْيُ، لقوله ﵊: [اسْعَوا فَإِنَّ الله كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ] أورده الحاكم في مستدركه وابن السكن في سننه الصحاح المأثورة وأجاب ابن عبد البر عمن طعنَ فيه (١١٥٠)، وَالحَلْقُ، أي أو التقصير، إِذَا

стр. 632

جَعَلْنَاهُ نُسُكًا، لما سبق في الباب، فإن جعلناهُ استباحةَ محظورٍ فلا شك في كونه ليس ركنًا، قَال الرافعي: وينبغى أن يعد الترتيب الواجب هنا ركنًا كما عدوه في الوضوء والصلاة، ولا تُجْبَرُ، أي هذه الخمسة، بِدَمٍ، لأن الماهية لا تحصل إلَّا بجميع أركانها، وَمَا سوَى الْوُقُوفِ أَرْكَانٌ فِي الْعُمْرَةِ أَيْضًا، لأنه ﵊ أتى بها، ولم يرد ما يقتضي الاعتداد بدونها. فكانت أركانًا ويأتى في الحلق ما سلف فِي الحج. وَيُؤَدَّى النُّسُكَانِ عَلَى أَوْجُهٍ، أي ثلاثة آتية وهو إجماع، ووجه الحصر أنه إنْ قَدَّمَ الْحَجَّ فهو الإِفْرَادُ، أو العُمرةَ فالتمتعُ، أو أتى بهما فهو القِرَانُ على تفصيل، وشروطٍ لبعضها ستأتي، وَيُؤَدَّى النُّسُكُ مِنْ حَيْثُ هُوَ بِالْحَجِّ وحده أو بالعُمرة وحدها على أوجهٍ: أَحَدُهَا: الإِفْرَادُ، بِأَن يَحُجَّ ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ؛ كَإِحْرَامِ الْمَكِّيِّ وَيَأْتِي بِعَمَلِهَا، أي وكذا إذا أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ثم حج من الميقات، وكذا من لم يحرم إلا بالحج من الميقات في سنته كما صرح بهما القاضي والإمام. وقطعًا يبقى الخلاف

стр. 633

فيه، وظاهر كلام المصنف بخلاف ذلك، والمراد بإحرام المكي وهو: أن يخرج إلى أدنى الحل كما سلف (١١٥١). الثانِي: القِرَانُ؛ بِأَن يُحْرِمَ بِهِمَا مِنَ الْمِيقَاتِ وَيَعْمَلَ عَمَلَ الْحَجِّ، لأن أعماله أكثر، فَيَحْصُلانِ، أي يدخل عمل العمرة في الحج ويكفيه طواف واحد، وسعى واحد، لقوله ﷺ [مَنْ أحْرَمَ بِالحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَجْزَاهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ عَنْهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيْعًا] صححه الترمذي (١١٥٢)، والظاهر أن هذا الطواف للحج فقط والعمرة مُنْغَمِرَةٌ، وقوله (مِنَ الْمِيْقَاتِ) ليس احترازًا من شيء، لأنه لو أحرم بهما من دونه كان قارنًا، بل المراد أنه يحرم بهما معًا. فيتحد ميقاتهما، وقد قدمنا في باب المواقيت أن الأصح أن المكى يحرم بهما من مكة تغليبًا للحج. وَلَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يَحُجُّ قَبْلَ الطَّوَافِ كَان قَارِنًا، بالإجماع، ولو أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ففى صحة إدخاله عليها وجهان أحدهما: لا،

стр. 634

وهو اختيار الشيخ أبى علي وحكاه عن عامة الأصحاب وهو ظاهر كلام المصنف؛ لأنه يؤدي إلى صحة الإحرام بالحج قبل أشهره، لأن القارن في حكم الملابس لإحرام واحد، وأصحهما من زوائد الروضة: نعم؛ لأنه إنما يصير محرمًا بالحج وقت إدخاله، وهو وقت صالح للحج، واحترز بقوله (ثُمَّ يَحُجُّ قَبْلَ الطوَافِ) عما إذا طاف ثم أحرم بالحج؛ فإنه لا يصح؛ لأنه أخذ في أسباب التحلل على أصح المعانى فيه وحكم الشروع في الطواف حكم إكماله. فَرْعٌ: لو كانت عمرته فاسدة ثم أدخل عليها الحج، فالأصح إنه يصير محرمًا به كما هو ظاهر إطلاق المصنف، وقيل: ينعقد صحيحًا مُجْزِيًا؛ والأصح: لا، بل ينعقد فاسدًا؛ وقيل: صحيحًا ثم يفسد. ولا يَجُوزُ عَكْسُهُ، أي وهو إدخال العمرة على الحج، فِي الجَدِيدِ، لأنه لا يستفيد به شيئًا آخر، بخلاف إدخال العمرة عليه، فإنه يستفيد به أشياء أُخر كالوقوف؛ والرمي؛ والمبيت، والقديم جوازه، وصححه الإمام كعكسه فيجوز ما لم يشرع في أسباب تحلله. الثَّالِثُ: التَّمَتعُ؛ بِأَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ وَيَفْرُغَ مِنْهَا ثُمَّ يُنْشِئُ حَجًّا مِنْ مَكةِ، لقيام الإجماع على أن الأفاقى إذا فعل ذلك سمّي متمتعًا، وقوله (مِنْ مِيْقَاتِ بَلَدِهِ) أراد به التصور دون الاحتراز، فإن الإحرام من الميقات ليس شرطًا في كونه متمتعًا؛ ولا في وجوب الدم عند الأكثرين. وقوله (يُنْشِئُ حَجًّا مِنْ مَكةِ) ذكره للتصور أيضًا لا للاحتراز، فإنه لو أحرم بالحج من الميقات، فالمشهور أنه متمتع؛ غير أنه لا يلزمه الدم. وَأَفْضَلُهَا الإِفْرَادُ، أي إذا أحرم بالعمرة في عام الحج؛ لأنَّ رواته أكثر ومجمع على عدم كراهته بخلاف التمتع والقِران، ولعدم وجوب الدم فيه بخلافهما، فإن أخَّر العمرة عن عام الحج؛ فالتمتع والقران أفضل منه، لأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه، وَبَعْدَهُ التمَتَّعُ ثُمَّ الْقِرَان، لأن المتمتع يأتي بعملين كاملين، غير أنه لا

стр. 635

ينشئ للحج ميقاتًا، بل يحرم به من مكة، ولهذا أفضله الإفراد، فإنه ينشئ لهما ميقاتين. وأما القارنُ فإنه يأتى بعمل واحد من ميقات واحد. وَفِي قَوْلٍ: التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنَ الإفْرَادِ، لأنه أَحَدُ مَا قيل في إحرامه ﵊. ولأن فيه مبادرة إلى العمرة؛ فإن فيه تأخيرًا لفعلها فربما مات قبل الفعل، وفي قول ثالث: أن القِران أفضل واختاره المزني وابن المنذر وأبو إسحاق المروزي. وَعَلَى التمتَّعِ دَمٌ، بالإجماع وهو شاة بصفة الأضحية، ويقوم مقامها سُبْعُ بَدَنَةٍ أو سُبْعُ بَقَرَةٍ، بِشَرْطِ أَن لا يَكُون مِنْ حَاضِري الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لقوله تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١١٥٣)، وَحَاضِرُوهُ مِنْ دُونِ مَرْحَلَتَيْنِ، لأن من قرب من الشيء ودنا منه كان حاضرًا إياه، مِنْ مَكةَ، لأن المسجد الحرام المذكور في الآية الكريمة ليس المراد به حقيقته بالاتفاق، بل الحرم عند بعضهم ومكة عند آخرين، فلا بد من حمله على المجاز، وحمله على مكة أقل تجوزًا من حمله على جميع الحرم. قُلْتُ: الأَصَحُّ مِنَ الْحَرَمِ، وَالله أَعْلَمُ، لأن كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم؛ إلا قوله تعالى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١١٥٤) فإن المراد به الكعبة. وخالف طواف الوداع؛ حيث اعتبرت المسافة فيه من مكة على الصحيح، لأن الوداعَ لِلْبَيْتِ فَنَاسَبَ اعتبار مكة، وهنا الآية نَاصَّةٌ على المسجد الحرام والمراد منه الحرم كما سلف فكان الابتداء منه. وَأَن تَقَعَ عُمْرَتُهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، لأن العرب كانوا لا يزاحمون الحج بالعمرة في مظنته، ووقت إمكانه؛ ويستنكرون ذلك ويقولون: هو من أفجر الفجور. فورد التمتع رخصة وتخفيفًا، إذ الغريب قد يردُ قبل عرفة بأيام ويشق عليه استدامة الإحرام ولا سبيل إلى مجاوزته بغير إحرام، فجوز له أن يعتمر ويتحلل مع الدم، ولو أحرم

стр. 636

بها قبل أشهره. وأتى بجميع أعمالها في أشهره فالأظهر لا دَم؛ لأن العمرةَ لم تقع في أشهرِ الحجِّ، وإنما وقع بعضها، إذ النية من جملتها. ولو سبق الإحرام بها وبعض أعمالها أشهره فالخلاف مرتب، والظاهر أنه لا يجب أيضًا، ولو أحرم بها وفرغ منها قبل أشهره لم يلزمه دم لانتفاء ما ذكرناه من المزاحمة، وإن كان متمتعًا على المشهور كما قاله الرافعي في آخر الشروط، مِنْ سَنَتِهِ، أي من سَنَةِ الحجِّ، فلو اعتمر ثم حج في السَّنَةِ القابلة فلا دم عليه، سواء أقام بمكة إلى أن حج أو رجع وعاد لعدم المزاحمة، وَأَنْ لا يَعُودَ لإِحْرَامِ الْحَجِّ إِلَى الْمِيقَاتِ، أي بأن أحرم من نفس مكة واستمر، فلو عاد إلى الميقات الذي أحرم بالعمرة منه، وأحرم بالحج فلا دم؛ لأنه لم يربح ميقاتًا، ولو رجع إلى مثل مسافة ذلك الميقات وأحرم منه فكذلك لا دم عليه، لأن المقصود قطع تلك المسافة محرمًا كما نقله الرافعى عن الجويني وغيره وهو وارد على إطلاق المصنف، ولو عاد إلى ميقات أقرب إلى مكة من ذلك الميقات وأحرم منه، بأن كان ميقات عمرته الجحفة فعاد إلى ذات عرق، فهل هو كالعود إلى ميقات عمرته؟ وجهان أصحهما: نعم. لأنه أحرم من موضع ليس ساكنه من حاضري المسجد الحرام. وَاعْلَمْ: أن هذه الشروط المذكورة معتبرة لوجوب الدم، وهل تعتبر في تسميته تمتعًا؟ وجهان أحدهما: نعم. فلو فات شرط كان مُفْرِدًا، وأشهرهما: لا. ولهذا قال الأصحاب: يصح التمتع والقِران من المكيِّ خلافًا لأبى حنيفة. وَوَقْتُ وُجُوبِ الدَّمِ إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ، لأنه حينئذ يصير متمتعًا بالعمرة إلى الحج، وَالأَفضَلُ ذبحُهُ يَوْمَ النحْرِ، خروجًا من خلاف الأئمة الثلاثة، فإنهم قالوا: لا يجوز في غيره. فَرْعٌ: لم يذكر المصنف وقت الجواز، ولا شك أنه لا يجوز قبل الشروع في العمرة قطعًا، ويجوز بعد التحلل منها وقبل الإحرام بالحج على الأظهر، وقيل: يجوز قبل التحلل من العمرة أيضًا. فإِن عَجَزَ عَنْهُ فِي مَوْضِعِهِ، أي سواء قدر عليه في بلده أم لا، بخلاف كفارة اليمين، لأن الهَديَ يختص ذبحه بالحرم والكفارة لا تختص، والعجز الشرعى كما إذا

стр. 637

وجده بزيادة على ثمن المثل أو كان محتاجًا إليه أو إلى ثمنه أو نحو ذلك كالحسّى، صَامَ عَشْرَةَ أيَّامٍ؛ ثَلاثةً فِي الْحَجِّ، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (١١٥٥) أي بعد الإحرام بالحج، فلا يجوز تقديمها على الإحرام، بخلاف الدم، فإنه يجوز تقديمه كما سبق. لأن الصوم عبادة بدنية فلا يجوز تقديمها على وقتها كالصلاة بخلاف الدم فإنه عبادة مالية فجاز تقديمه كالزكاة، ووقع في شرح مسلم للمصنف: أن الأفضل أن لا يصوم حتى يُحرمَ بالحج (١١٥٦) وهو غريب مخالف لما ذكره في باقي كتبه. تُسْتَحَب قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، لأن يوم عرفة الأحب للحاج فطره كما سلف في بابه. ويستحب أن يحرم بالحج قبل السادس من ذي الحجة، ولا يجوز صومها في يوم النحر وكذا أيام التشريق في الجديد، كما ذكره المصنف في بابه أيضًا، ولا يجب عليه تقديم الإحرام بزمن يمكنه صوم الثلاثة فيه قبل يوم العيد على الأصح، وإذا فات صوم الثلاثة في الحج لزمه قضاؤها ولا دم عليه، ولو تأخر التحلل عن أيام التشريق فصامها بعد ذلك قبل أن يتحلل أثم فصارت قضاءً، وإن صدق عليه أنه في الحج؛ لأن تأخيره نادر فلا يكون مرادًا من الآية، قال الإمام: وإنما يلزمه صوم الثلاثة في الحج إذا لم يكن مسافرًا. فإن كان فلا؛ كصوم رمضان، قال الرافعى: وهذا غير متضح؛ لأن النص دال على الوجوب عليه. وقال المصنف في شرح المهذب: إنه ضعيف.

стр. 638

وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ، للآية السالفة، إِلَى أَهْلِهِ فِي الأَظْهَرِ، لقوله ﷺ : [فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَصِيَامُ ثَلَاثةِ أَيَّامٍ في الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أهْلِهِ] متفق عليه من حديث ابن عمر (١١٥٧)؛ وللبخارى تعليقًا بصيغة الجزم من حديث ابن عباس [وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَمْصَارِكُمْ] (١١٥٨)، فلو أراد الإقامة بمكة صامها، قاله في البحر، والثانى: أن المراد بالرجوع الفراغ من الحج، لأنه بالفراغ عنه رجع عما كان مقبلًا عليه، وهو قول الأئمة الثلاثة. وينْدَبُ تتَابُعُ الثَّلاثةِ وَكَذَا السَّبْعَةِ، مبادرة إلى أداء الواجب، وَلَوْ فَاتَتْهُ الثَّلَاثَةُ فِي الْحَجِّ فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أن يُفَرِّقَ فِي قَضَائِهَا بَينَهَا وَبَينَ السَّبْعَةِ، كما في الأداء، ويفارق تفريق الصلوات. فإن ذلك التفريق يتعلق بالوقت، وهذا بالفعل؛ وهو الحج والرجوع، والثاني: لا يلزمه؛ لأن التفريق في الأداء يتعلق بالوقت فلا يبقى حكمه في القضاء كالتفريق في الصلوات المؤداة وقد سلف الفرق. فَرْعٌ: هل يكفي مطلق التفريق أم لا بد من التفريق، كما في الأداء؟ وهو التفريق بأربعة أيام ومدة إمكان السير إلى الموطن فيه قولان أصحهما الثانى. فَرْعٌ: حيث صارت الثلاثة قضاء ففى السبعة قولان في التحرير للجرجانى. وَعَلَى الْقَارِنِ دَمٌ، كالمتمتع، وأَولى؛ لأن أفعال المتمتع أكثر من أفعال القارن، كَدَمِ التمَتُّع، أي في أحكامه السالفة جنسًا وسببًا وبدلًا عند العجز. قُلْتُ: بِشَرْطِ أَنْ لا يَكُون مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالله أَعْلَمُ، قياسًا على المتمتع. فَرْعٌ: لو دخل القارن الغريب مكة قبل يوم عرفة، ثم عاد إلى الميقات للحج،

стр. 639

فالنص في الإملاء أنه لا دم عليه قياسًا على التمتع، وقيل: يجب؛ لأن اسم القِران لا يزول بالعود إلى الميقات بخلاف التمتع. بَابُ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ أَحَدُهَا: سَتْرُ بَعْض رَأسِ الرَّجُلِ بمَا يُعَدُّ سَاترًا، لقوله ﷺ في المُحْرِمِ الذِي خَرَّ عَنْ بَعِيْرِهِ (•): [لا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا] متفق عليه (١١٥٩)، وذكر الوجه في هذا الحديث في مسلم غريب؛ وهو وهمٌ من بعض الرواة قاله البيهقى (١١٦٠)، واحترز بالرجل عن المرأة والخنثى وسيأتى حكمهما؛ وبما يعد ساترًا عن الماء ونحوه، إِلَّا لِحَاجَةٍ، كَمُدَاوَاةٍ أو حَرٍّ أو بَردٍ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١١٦١) لكن مع لزوم الفدية قياسًا على الحلق بسبب الأذى، وَلُبْسُ المَخِيطِ أَوِ الْمَنْسُوجِ أوِ الْمَعْقُودِ فِي سَائِرِ بَدَنِهِ، لقوله ﷺ : [لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الخِفَافَ إِلَّا أَحدٌ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ] متفق عليه (١١٦٢)، والمعتبر

стр. 640

في اللبس العادة في كل ملبوس فلو ارتدى بالقميص أو اِتَّزَرَ بالسراويل فلا فدية كما لو اتَّزَرَ بِإِزَارٍ لَفَّقَهُ مِنْ رقاعٍ، إِلَّا إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، أي غير المخيط؛ فإنه يجوز له لبسه من غير فدية وكذا يجوز له لبسه للحاجة كالحر والبرد والمداواة (•)، وَوَجْهُ المَرْأَةِ كَرَأسِهِ، أي كرأس الرجل في الأحكام السالفة لرواية البخارى، ولا تَنتقِبُ الْمَرأَةُ، نعم لها أن تستر من وجهها ما لا يَتَأتَّى سترُ الرأس إلَّا بهِ، وَلَها لُبْسُ الْمَخِيطِ، للنص فيه كما أخرجه أبو داود وصححه الحاكم على شرط مسلم (١١٦٣)، إِلَّا الْقُفَّازَ فِي الأظْهَرِ، لرواية البخارى [ولا تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ] (١١٦٤)، والثانى: يجوز لأثر فيه، ففي الأم: لا فدية (١١٦٥). وفي الإملاء: عليها الفدية أي على وجه الاستحباب، وفي شرح السُّنَّة للبغوي: أن أكثر أهل العلم على الثانى، وأنه لا فدية. وزاد: أنه أظهر قولَي الشافعي، وأنهم جعلوا ذكر القُفازَيْنِ في الحديث من قول ابن

стр. 641

عمر، والْقُفَّازُ: شَىْءٌ يُعْمَلُ لِلْيدَيْنِ لِيَقِيَهُمَا مِنَ الْبَرْدِ، يُحْشَى بِفُطْنٍ وَيَكُونُ لَهُ أَزْرَارٌ عَلَى السَّاعِدَيْنِ. فَرْعٌ: الخنثى إذا ستر وجهه ورأسَهُ؛ وجبت الفديةُ؛ أو أحدهما؛ فلا؛ للاحتمال. فَائِدَةٌ: قال بعض العلماء: الحكمة في تحريم لبس المخيط وغيره مما منع منه المحرم أن يخرج الإنسان عن عادته فيكون ذلك مذكرًا له ما هو فيه من عبادة ربه فيشتغل بها. الثَّانِي: استِعْمَالُ الطّيبِ فِي ثَوْبِهِ، لقوله ﷺ : [لا يَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَان أَوْ وَرَسٌ] متفق عليه (١١٦٦)، أَوْ بَدَنِهِ، قياسًا عليه من باب أَولى وهو إجماع أيضًا كما نقله ابن المنذر. وسواء في ذلك الأخشم وغيره، وبعض البدن كَكُلّهِ، وَالطّيْبُ: هو ما ظهرَ فيه غرضُ التَّطَيُّبِ كالورد ونحوه، والاستعمال: هو أن يلصق الطيب ببدنه أو ثيابه على الوجه المعتاد في ذلك كالاحتواء على المبخرة ونحو ذلك، ولا بد فيه من القصد، وَدَهْنُ شَعْرِ الرَّأسِ أوِ اللِّحْيَةِ، لما فيه من التزيين المنافي لحال المحرم؛ فإن الحاجَّ أشعثُ أغبر كما ورد في الحديث (١١٦٧)، وقوله دَهْنٌ: هُوَ بفتح الدال لأنه مصدر، واحترز بقوله (شَعْرِ الرَّأْسِ أَوِ اللِّحْيَةِ) عن الأصلع والأقرع والأمرد؛ فإن الأدهان لا تحرم عليهم لفقد المعنى السالف، نعم: لو كان محلوق الرأس

стр. 642

فالأصح بقاء التحريم، لأنه يحسِّن الشعر إذا نبت، واحترز أيضًا بالرأس واللحية عن دهن باقى البدن؛ فإنه يجوز شعرًا كان أو بشرًا لأنه لا يقصد تحسينه، وفي الإقناع للماوردي: الجزمُ بالتحريم في شعر الجسد أيضًا (١١٦٨) ولا شك أن المحرم له فعل ذلك بالحلال كما ذكر الرافعي مِثلَهُ في الحلق، إنما الممتنع أن يفعل ذلك بنفسه أو بمحرم آخر، ولا يُكْرَهُ غَسْلُ بَدَنِهِ وَرَاسِهِ بِخِطْمِيّ، أي وكذا ما في معناه كالسدر، لأن ذلك لإزالة الأوساخ بخلاف الدهن فإنه للتنمية، نعم الأوْلى أنْ لا يفعل ذلك بل حكى كراهته عن القديم، وإذا غسل رأسه فينبغي أن يرفق بالدلك حتى لا ينتتف شعره. وَاعْلَمْ: أن المصنف في الروضة تبعًا للرافعى جعل استعمال الطيب نوعًا والدهن نوعًا وجعلهما في الكتاب نوعًا واحدًا تبعًا لِلْمُحَرَّرِ، وكان سبب ذلك تقاربهما في المعنى، وأن كلًا منهما تَرَفةٌ وليس فيه إزالة عين. الثَّالِثُ: إِزَالَةُ الشَّعْرِ أَوِ الظُّفْرِ، أما الأول فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ (١١٦٩) أي شعر رؤوسكم وشعر سائر الجسد ملحق به بجامع الترفُّهِ، وأما الثاني: فبالقياس المذكور، وقوله (إِزَالَةُ) يتناول الحَلْقَ والقَلْمَ وغيرهما، ومراده إزالةُ ذلك من نفسهِ أو من مُحْرِمٍ، أما من حَلالٍ فلا، كما تقدمت الإشارة إليه، وإزالة الشعرة الواحدة حرام أيضًا لما ستعلمه بعد.

стр. 643

فَرْعٌ مُسْتَثْنَى: لَوْ نَبَتَتْ شَعْرَةْ أَوْ شَعَرَاتٍ داخلَ جَفْنِهِ وَتَأذَّى بِهَا، قَلَعَهَا ولا فدية على الراجح. وَتُكَمَّلُ الْفِدْيَةُ فِي ثَلَاثِ شَعْرَاتٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَظْفَارٍ، أما في الأُولى: فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ التقدير: فَحَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ فَفِديةٌ، والشعرُ جمعٌ وأقله ثلاث، والاستيعاب قام الإجماع على عدم اعتباره، وأما في الثانية: فقياسًا؛ وهذا إذا أزالها دفعة من مكان، فإن فرق زمانًا أو مكانًا فيجب مُدٌّ على الراجح. فَرْعٌ: لو حلق جميع الرأس دفعةً مِن مكانٍ واحدٍ ففديةٌ واحدةٌ؛ ولو حلق شعر رأسه وبدنه متواصلًا ففدية؛ وقيل: فديتان؛ وكذا لو قَلَّمَ أظفار يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. وَالأْظْهَرُ: أَنَّ فِي الشَّعْرَةِ مُدَّ طَعامٍ، وَفِي الشَّعْرَتَينِ مُدَّيْنِ، لأن الشرع قد عَدَّلَ الحيوان (•) بالإطعام في جَزَاءِ الصيد وغيره، والشعرة الواحدة هى النهاية في القلة، والْمُدُّ أقلُّ ما وجب في الكفارات فقوبلت به، والثاني: أنه يجب في الشعرة الواحدة ثلث دم؛ وفي شعرتين ثلثا دم عملًا بالتقسيط، والثالث: يجب في شعرة درهم؛ وفي شعرتين درهمان، والرابع: دم كامل، ومحل الخلاف إذا اختار الدم، أما إذا اختار الصيام؛ فإنه يصوم يومًا واحدًا قطعًا، أو الطعام أطعم صاعًا واحدًا قطعًا، وقد نبَّه على ذلك صاحب البيان في مشكلاته على المهذب ولا بد منه. فَرْعٌ: الظفر كالشعرة والظفران كالشعرتين. فَرْعٌ: لو قَصَّرَ الشعرة أو قَلّمَ من الظفر دون القدر المعتاد كان الحكم على ما تقدم، وقيل: يوزع المد على الشعرة ويجب بالقسط، حكاه الماوردي وصححهُ وطرده في شرح المهذب في الظفر.

стр. 644

فَرعٌ: لو أخذ من بعض جوانب الظفر ولم يستوعب جوانبه، فإن قلنا: في الظفر الواحد ثلث دم أو درهم وجب بقسطه، وإن قلنا: مُدٌّ لم يُبَعَّضْ. وَللْمَعْذُورِ، أي بمرض وكثرة قمل في رأسه أو تأذٍّ بِحَرٍّ لكثرة شعره، قال في شرح المهذب: وكذا وسخ رأسه، أَن يَحْلِقَ وَيَفْدِيَ، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الآية، وفي الصحيحين عن كعب بن عُجْرَةَ قال: فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيةُ الْمَذْكُورَةُ؛ فَأتيتُ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: [اُذنُهْ] فَدَنَوْتُ؛ فَقَالَ: [اُدْنُهْ] فَدَنَوْتُ؛ فَقَالَ: [أيؤْذِيْكَ هَوَامُّكَ] قال ابن عوف: أَظُنهُ قَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ: فَأمَرَنِي بفِديةٍ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ مَا تَيَسَّرَ (١١٧٠). وفي لفظ [فَاحْلُقْ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أوْ أطْعِمْ سِتةَ مَسَاكِينَ أَو انْسُكْ نُسَيْكَة] (١١٧١) في رواية لمسلم: [احْلُقْ ثُمَّ اذبَحْ شَاةً نُسُكًا أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتةِ مَسَاكِيْنَ] (١١٧٢). الرَّابِعُ: الْجِمَاعُ، بالإجماع يحرم على المرأة الحلال تمكينه على الأصح، لأن فيه إعانة على المعصية، وكذا يحرم على الحلال المباشرة أيضًا في حال إحرام المرأة، وَتَفْسُدُ بِهِ الْعُمْرَةُ، قياسًا على الحج، وَكَذَا الحَجُّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ، أما إفساده قبل الوقوف فإجماع، وبعده فبالقياس عليه. أما إذا وقع الجماع فيه بعد التحلل الأول، فإن الحج لا يفسد به على الأصح، نعم يجب شاة على الأظهر، وكما لا يفسد الحج لا تفسد العمرة أيضًا، إذا كان قارنًا وإن لم يأت بشئ من أعمالها، لأنها تبع

стр. 645

له. وقيل: تفسد وكلام المصنف يوهمه، وَيَجِبُ بِهِ، أي بالجماع الْمُفْسِد، بَدَنَةٌ، المفسد لقضاء الصحابة بذلك (١١٧٣). فَرْعٌ: لو أفسد حجَّهُ بالجماع؛ ثم جامع ثانيًا، فالأظهر يجب بالثاني شاة، لأن الإفساد حَصَلَ بالأول. فَائِدَةٌ: البَدَنَةُ تطلق في اللغة على الذَّكَرِ وَالأنْثَى، وعلى الإِبِلِ وَالْبَقَرِ لا عَلَى الْغَنَمِ، وإن وهم المصنف فيه في تحريره وتهذيبه على الأزهري فَاجْتَنِبْهُ. وَالمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ، لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١١٧٤) ولأن جماعة من الصحابة أفتوا بذلك ولا يعرف لهم مخالف، والمراد بالمضي فيه أن يأتي بما كان يأتي به قبل الجماع، ويجتنب ما كان يتجنبه قبله، فإن ارتكب محظورًا لَزِمَهُ الفديةُ في الأصح، وَالْقَضَاءُ، لفتوى الصحابة به، وَإِنْ كَان نُسُكَهُ تَطَوُّعًا، لأنه بالشروع فيه صار فرضًا أيضًا بخلاف باقي العبادات، وَالأصَح أنَّهُ، يعني القضاء، عَلَى الْفَوْرِ، لفتوى الصحابة به، والثاني: لا، لأن الأداء على التراخى فالقضاء أَولى (١١٧٥). تَنْبِيْهٌ: جميع ما ذكره المصنف في جماع العامد العالم بالتحريم، فأما إذا جامع

стр. 646

ناسيًا أو جاهلًا بالتحريم فالجديد أنه لا يفسد، وكذا المكره على الأصح؛ لأن الأصح تصور الكراهة. فَرْعٌ: يحرم على الْمُحْرِمِ أيضًا الاستمناءُ ويلزمه به الفدية على الأصح، والمباشرة بشهوة كالمفاخذة وإن كان لا يَفْسَدُ بها النُّسُكُ. الْخَامِسُ: اصْطِيَادُ كُل مَأكولٍ بَرِّيٍّ، أي طيرًا كان أو وحشيًا بالإجماع، واحترز بالمأكول عن غيره، وبالبري عن البحري للآية (١١٧٦)، قال الققال: والحكمة في الفرق بينهما أن البري إنما يفعل عادة للتنزه والتفرج، والإحرام ينافي ذلك بخلاف البحري؛ فإنه يصاد غالبًا للاضطرار والمسكنة فأُحِلَّ مطلقًا، ولو كان البحر في الحرم؛ كما نصَّ عليه الشافعى في الأم، واشترط الغزالي في وسيطه مع ذلك أن يكون متوحشًا؛ واستغنى المصنف عنه بلفظ الاصطياد؛ وكما يحرم الاصطياد تحرم الإعانة عليه أيضًا، ووضع اليد عليه؛ وعلى جزئه؛ وبيضهِ؛ ولَبَنِهِ؛ وَرِيْشِهِ، قُلْتُ: وَكَذَا الْمُتَوَلِّدُ مِنْهُ، أي ما ذكرناه، وَمِنْ غَيْرِهِ، وَالله أَعْلَمُ، تغليبًا للتحريم، وخالف الزكاة حيث لم تجب فيه؛ لأنها باب مواساة. وقد دخل في كلام المصنف ستة أقسام: أحدها: ما تولد بين وحشين أحدهما مأكول كالسَّبُع التولد بين الذئب والضبع. ثانيها: التولد بين المأكولين أحدهما وحشي كالتولد بين الظبي والشاة. ثالثها: المتولد بين وحشيٍّ مأكول وأهليٍّ غير مأكول كحمار الوحشي وحمار الأهلي؛ وكُلُّ هذه حرامٌ. رابعها: أن يكون متولدًا بين وحشي غير مأكول وأنسي مأكول كالمتولد بين الذئب والشاة.

стр. 647

خامسها: المتولد بين حيوانين لا يؤكلان أحدهما وحشي كالمتولد بين الحمار والزرافة. سادسها: المتولد بين أهليين أحدهما غير مأكول كالبغل. وهذه الثلاثة مباحة، لأن كلَّ واحدٍ منها لا يحرم التعرض لأصله، ووقع في الرافعي والحاوي ما يوهم تحريم القسم الرابع وليس كذلك. وَيحْرُمُ ذَلِكَ، أي اصطاد المأكول البري، فِي الْحَرَمِ عَلَى الْحَلالِ، بالإجماع؛ ويروى أن في زمن الطوفان لم تأكل كبار الحيتان صغارها في الحرم تعظيمًا له (١١٧٧). وقوله (في الحَرَمِ) هو حال من الاصطياد لكن يرد عليه ما لو كان المصطاد في الحل؛ والصائد في الحرم فإنه يحرم؛ فإن أُعرب أنه حال من الصائد؛ وَرَد عليه عكسه، فَاِن أَتْلَفَ، أي من ذكرناه، صَيْدًا ضَمِنَهُ، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ الآية (١١٧٨)، وجهات ضمان الصيد إما بالمباشرة أو بالتسبب أو باليد، فَفِي النَّعَّامَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي بَقَرِ الوَحْشِ وَحِمَارِهِ بَقَرَةٌ، وَالغَزَالِ عَنْزٌ، وَالأرْنَبِ عَنَاقٌ، وَاليَربُوعِ جَفْرَةٌ، لأن جماعة من الصحابة حكموا بذلك كله وفي الضبع أيضًا كبش لحديث صحيح فيه (١١٧٩)، وقوله (وَفِي الغَزَالِ عَنْزٌ) هو وهمٌ كما قال في

стр. 648

الروضة؛ لأن الغزال ولدُ الظَّبي ذكرًا كان أو أنثى فإن كان ذكرًا فواجبه ذكر من صغار المعز كالجدى أو أُنثى كَالعَنَاقِ أو الجَفْرَةِ، فالعنز في الحقيقة واجب الظبية والتيس واجب الظبي. فَائِدَةٌ: العنز الأنثى من المعز التي تَمتْ لَهَا سَنَة، والعَنَاقُ الأُنثى من ولد المعز إذا قَوِيَتْ مَا لَمْ تَبْلُغ سَنَةً، قاله المصنف في دقائقه وتحريره وتهذيبه (١١٨٠)، وقبله الأزهري، وفي الرافعي عن أهل اللغة إنها الأُنثى من أولاد المعز من حين تولد إلى حين تفطم وترعى وذلك بأربعة أشهر، وتبعه في الروضة، والجَفْرَةُ بفتح الجيم وإسكان الفاء هى التي بلغت أربعةَ أشهرٍ من أولاد المعز وَفُصلَتْ عَنْ أمِّهَا، والذكر جَفرٌ؛ لأنه جَفَرَ جَنْبَاهُ التي عَظُمَا، قال الرافعي: هذا معنى الجَفْرَةِ في اللغة؛ لكن يجب أن يكون المراد بالجَفْرَةِ هنا ما دون العَنَاقِ؛ فإن الأرْنَبَ خَيْرٌ مِنَ اليَربوعِ (•). وَمَا لا نَقلَ فِيهِ يَحْكُمُ بِمِثلِهِ عَدْلانِ، لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ

стр. 649

مِنْكُمْ﴾ الآية (١٠٥٥)، وليكن العدلانِ فقيهين كَيِّسَيْنِ أي فَطِنَيْنِ، والعبرة في المماثلة بالخلقة والصورة تقريبًا لا تحقيقًا، فأين النعامة من البدنة؟ ! وليست المماثلة معتبرة في القيمة بل في الصورة، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلهِ (وَمَا لا نَقْلَ فِيْهِ) عن حيوان فيه نقل عن الشارع بالمماثلة أو التقويم أو حَكَمَ بهِ عدلان من الصحابة والتابعين أو غيرهم فإنه يتعين الرجوع إليه في كل عصر، وجزم ابن الرفعة: بأنه إذا حكم به واحد من الصحابة وسكت الباقون يكفى أيضًا. وَفِي مَالا مِثْلَ لَهُ الْقِيمَةُ، أي لأن الجراد لا مثل له، وقد حكمت الصحابة فيه بالقيمة، والعبرة في هذه القيمة بموضع الإتلاف، لا بمكة على المذهب، لكن بسعر مكة على أظهر احتمالي الإمام، وهو ما جزم به الفورانى في العُمَدِ؛ ويستثنى مما لا مثل له الحمام؛ فإنه يجب فيه شاة لقضاء الصحابة بذلك (١١٨١). فَرْعٌ: يرجع في معرفة القيمة إلى عدلين. وَيَحْرُمُ قَطْعُ نَبَاتِ الْحَرَمِ الَّذِي لا يُسْتَنبَتُ، بالإجماع ويؤخذ من القطع القلع؛ فإنه أَولى بالتحريم، وأطلق النبات ليعم الشجر وغيره، وأخرجَ به اليابس؛ فإنه يجوزُ قطعه، وأما قلعهُ فإن كان شجرًا جَازَ أو حشيشًا فلا، ونباتُ الحرم هو ما نَبَتَ فيه،

стр. 650

وكذا لو كان بعض أصل الشجر فيه، وكذا لو نقل شجرة من الحرم إلى الحل لا العكس. وَالأظْهَرُ تَعَلُّقُ الضَّمَانِ بِهِ، أي بالنبات، وَبِقَطْع أَشْجَارِهِ، لأنه ممنوع من إتلافه لحرمة الحرم، فيجب به الضمان كالصيد، والثاني: لا، لأن الإحرام لا يوجب ضمان الشجر فكذا الحرم وقوله؛ وَبِقَطْع أَشْجَارِهِ، لا حاجة إليه بعد ذكره النبات، لأنه داخل فيه كما أسلفناه لكنه تبع الْمُحَرَّرَ، فَفِي الشَّجَرَةِ الكَبِيرَةِ بَقَرَةٌ، وَالصَّغِيرَةِ شَاةٌ، للاتباع (١١٨٢)، قال الإمام: وأقرب قول في ضبط الشجرة المضمونة بشاة أن تقع قريبة من سُبْع الكبيرة، فإنَّ الشاةَ سُبْعُ البقرةِ؛ فإن صغرت جدًا فالواجب القيمة. فَائِدَةٌ: لا يشترط أن تكون البقرة مجزية في الأضحية، بل يكفي أن يكون لها سنة بخلاف الشاة قاله صاحب الاستقصاء. قُلْتُ: وَالْمُسْتَنْبَتُ، أي من الشجرة، كَغَيْرِهِ عَلَى المَذْهَبِ، لعموم قوله ﷺ : [لا يُعْضَدُ شَوكُهُ] متفق عليه (١١٨٣)، والقول الثاني: لا؛ تشبيهًا له بالحيوانات الأنسية وبالزرع. والطريق الثانى: القطع بالأول، أما غير الشجر كالحنطة والشعير والقطنية والخضروات فلمالكه قطعه ولا جزاء عليه، وإن قطعه غيره فعليه قيمته لمالكه، ولا شيء عليه للمساكين، وعبارة الخفاف في خصاله: لا يجوز قطع شجر الحرم إلّا عند خصلتين: أن يكون ما غرسه الناس؛ أو ما قطع منه مساويك، قال: والورق منه يجري مجرى الثمرة؛ والغصن يجري مجرى الأصل. وَيحِلُّ الإِذْخِرُ، أي بكسر الهمزة والدال المعجمة: نباتٌ معروفٌ لاستثناء الشارع له، وَكذَا الشَّوْكُ كَالعَوْسَجِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لِكَوْنِهِ مِنَ الْمُؤْذِيَاتِ،

стр. 651

فإنه ذو شوك فأشبه ما يؤذي من الصيود، وقيل: يحرم لعموم الحديث السالف [لا يُعْضَدُ شَوكُهُ] ولأن غالب شجر الحرم كذلك، والفرق بينه وبين الصيود المؤذية أنها تقصد الأذى بخلاف الشجر. وَالأصَحُّ حِلٌّ أَخْذِ نَبَاتِهِ لِعَلْفِ البَهَائِمِ، كما يجوز تسريحها فيه، والثانى: المنع لقوله ﵊: [ولا يُختلَى خَلاهَا] متفق عليه (١١٨٤)، قال الإمام: والقائل الأول، يقول: إنما يحرم الاختلاءَ والاحتشاشَ للبيع وغيرهِ من الأغراض، قُلْتُ: اللَّهُمَّ إلَّا أن يقطع الفروع لسواك أو دواء فيحوز بيعها حينئذ؛ قاله القفال في شرحه للتلخيص، وتعقبه في الروضة قبل باب الربا فقال: فيه نظر، وينبغي ألّا يجوز كالطعام الذى أبيح له أكله، لا يجوز له بيعه. قال صاحب التلخيص: وحكم شَجَرِ النَّقِيْع بالنون الذي هو الحمى حكم أشجار الحرم فلا يجوز بيعه. فَائِدَة: العلْف هنا بسكون اللام كما رأيته بخط مؤلفه مضبوطًا؛ لأن المراد به المصدر وهو الإطعام وهو بفتح اللام ما تعتلفه البهائم. وَللدَّوَاءِ، وَالله أَعْلَمُ، لأن هذه الحاجة أعم من الحاجة إلى الإِذخِرِ، والثاني: المنع؛ لأنه ليس في الخبر إلّا استثناء الإِذْخرِ ومنهم من قَطعَ بالأول. فَرْعٌ: في معنى الدواء ما يُتَغَذَّى به كَالبَقلةِ وَالرِّجْلَةِ ونحوهما وهما في معنى الزرع.

стр. 652

فَرْعٌ: لو قطع للحاجة التي يقطع لها الإذخر كتسقيف البيوت ونحوه ففيه الخلاف، وفي قطعه للدواء لا جرم جوَّز الحاوي الصغير للحاجة مطلقًا ولم يخصه بالدواء. وَصَيْدُ الْمَدِينَةِ حَرَامٌ، أي وكذا حرمها لقوله ﷺ : [وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيْمُ مَكةَ] متفق عليه (١١٨٥)، وفي قول بعيد: لا يحرم بل يكره. فَرْعٌ: حُكْمُ نَبَاتِهِ حُكْمُ صَيْدِهِ. ولا يُضْمَنُ فِي الجَدِيدِ، لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام فلم يضمن كصيد وَجْ بفتح الواو وإسكان الجيم واد بصحراء الطائف، والقديم أنه يسلب القاتل لصيدها والقاطع لشجرها لثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ كما أخرجه مسلم في الشجر وأبو داود في الصيد (١١٨٦) وهو المختار، والأكثرون على أنه يسلب منه ما

стр. 653

يسلبه القاتل من قتيل الكفار, والأصوب في الروضة: أنه يُترَكُ له ما يستر عورته، وقال في شرح المهذب: إنه الأصح، وخالف في المناسك فصحح الأول والأصح أن السلب للسالب. فَائِدَةٌ: نظم بعضُ الشعراء حرم مكة في بيتين فقال: وَللْحَرَمِ التحْدِيْدُ مِنْ أرْضِ طَيْبَة ... ثَلَالَةُ أَميالٍ إِذَا رُمْتَ إِتقَانَهْ وَسَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِرَاقٌ وَطَائِفٌ ... وَجِدَّةُ عَشْرٌ ثُمَّ تِسْعٌ جِعْرانَهْ (•) وأما حرمُ المدينة شرفها الله تعالى، ففي الصحيح [أَنَّهُ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ] وفي رواية الطبراني في أكبر معاجمه [مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى أُحُدٍ] واستشكلت الرواية الأُولى ولا إشكال، فثور موجود فيها وهو وراء أُحد (١١٨٧).

стр. 654

فَصْلٌ: وَيتَخَيَّرُ فَي الصَّيْدِ الْمِثْلِيِّ بَيْنَ ذَبْحِ مِثْلِهِ وَالصَّدَقَةِ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَبَينَ أَن يُقَوَّمَ الْمِثْلُ دَرَاهِمَ وَيشْتَرِى بِهِ طَعَامًا لَهُمْ، أي لأجلهم، أوْ يَصُومَ عنْ كُلِّ مُدٌّ يَوْمًا، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قوله ﴿صِيَامًا﴾ (١١٨٨) وهذه الكفارة تسمى مخيرة معدلة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ ولا يجوز إخراج المثل حيا كما أخرجه بقوله (ذبْحِ مِثْلِهِ) ولا أكل شئ منه ولا يقوّم الصيد كما قاله مالك، ولا إخراج الدراهم كما قاله أبو حنيفة، وقوله (دَرَاهِمَ) ذكره على الغالب وإلّا فالمعتبر النقد الغالب والشراء ليس مُتَعَيِّنًا وإنما المراد التصدق بما يساوي النقد من الطعام كما أشار إليه الإمام وغيره، والمجزي في الطعام هو ما يجزي في الفطرة قاله الإمام، وَغَيْرُ الْمِثْلِيِّ يَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا أَوْ يَصُومُ، أي ولا يخرج الدراهم، لأنه لا مدخل لها في الكفارات أصلًا، وقد تقدم أن العبرة في هذه القيمة بموضع الإتلاف لا بمكة على المذهب، وَيَتَخَيَّرُ فِي فِديَةِ الْحَلْقِ بَيْنَ ذَبْحِ شَاةٍ، وَالتَّصَدُّقِ بِثَلَاثةِ آصُع لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَصَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١١٨٩) التقدير فحلق شعر رأَسه ففدية كما سلف، ثم أن هذه الآية مجملة بيَّنها حديث كعب بن عجرة السالف في الباب قبل النوع الرابع؛ فدلَّت الآية على تخيير المعذور بين هذه الأمور التي بَيَّنَتْهَا السُّنةُ فكذلك غير المعذور، لأن كل كفارة ثبت فيها التخيير إذا كان سببها مباحًا ثبت فيها التخيير، وإن كان سببها محرمًا ككفارة اليمين وقتل الصيد وغيرهما، وأغرب الخطابي فحكى عن الشافعى أن غير المعذور عليه الدم فقط وهذا مشهور عن أبى حنيفة. ثم شرطَ الشاة أن تجزي في

стр. 655

الأضحية؛ قال الرافعي: وكذا حيث لزمت هي أو البدنة إلا في جزاء الصيد فيجب المثل، وكل من لزمه شاة جاز أن يذبح بدنة أو بقرة مكانها؛ إلّا في جزاء الصيد. واقتصر المصنف على الصرف للمساكين؛ لأن الفقر يؤخذ منه من باب أَولى. فَرْعٌ: الْقَلْمُ كَالحَلْقِ فيما قلناهُ؛ وكذا الدم الواجب في الاستمتاعات كالطيب ونحوه على الأصح، وهذا النوع يسمى دم تخيير وتقدير. وَالأصَحُّ أَن الدَّمَ فِي تَرْكِ الْمَأْمُورِ كالإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ، أي والرمي والمبيت بمزدلفة ليلة النحر، وبمنى ليالي التشريق والدفع من عرفة قبل الغروب وطواف الوداع، دَمُ تَرْتِيبٍ، إلحاقًا له بدم التمتع لما في التمتع من ترك الإحرام من الميقات؛ ويسمى أيضًا دم تعديل جريًا على القياس، فَإِذَا عَجَزَ اشْتَرَى بِقِيمَةِ الشَّاةِ طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ، فَإن عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، والوجه الثانى: أنه كدم التمتع في التقدير والترتيب، فإن عجز عن الدم صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وهذا ما صححه الرافعي في شرحيه وتذنيبه، والمصنف في شرح المهذب والمناسك. وَدَمُ الْفَوَاتِ كَدَمِ التمَتُّعِ، أي في الترتيب والتقدير وسائر الأحكام، لأن دم التمتع إنما وجب لترك الإحرام من الميقات، والنسك المتروك في صورة الفوات أعظم، وفيه أثر صحيح عن عمر ﵁ أيضًا في الموطأ (١١٩٠)، وَيذْبَحُهُ فِي حَجَّةِ القَضَاءِ فِي الأَصَحِّ، لفتوى عمر ﵁ بذلك (١٢١١)، والثانى: يجوز ذبحه في سنة

стр. 656

الفوات قياسًا على دم الإفساد. وقوله (الأصَحِّ) صوابه الأظهر كما جزم به في الروضة تبعًا للرافعي ورجحه في شرح المهذب. فَرْعٌ: إذا قلنا بذبحه في حجة القضاء ففي وقت وجوبه وجهان؛ أصحُّهما: وقته إذا أحرم بالقضاء. كما يَجِبُ دَمَ التمتع بالإِحْرَامِ بِالحَجِّ، فعلى هذا إذا كفَّر بالصومِ، لا يقدم صوم الثلاثة على القضاء، لأَن العبادات البدنية لا تقدم على وقتها ويصوم السبعة إذا رجع. تَنْبِيْهٌ: تفاصيلُ الدماءِ سبعةُ أنواعٍ؛ ذكر المصنف هنا منها أربعة: جزاءُ الصيد؛ ودمُ الحلق؛ وَالمَنُوط بتركِ المأمورِ؛ ودمُ الفواتِ؛ وبقي عليه دمُ الاستمتاع؛ وقد ذكرتهُ؛ ودمُ الجماع؛ وقد ذكرَهُ في الكلام على تحريمه كما سلف؛ وَدَمُ الإِحْصَارِ، وسيأتى في الباب الآتى. وَالدَّمُ الوَاجِبُ بِفِعْلِ حَرَامٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ لا يَختَصُّ بِزَمَانٍ، أي بل يفعل في يوم النحر وغيره؛ لأن الأصل عدم التخصيص، ولم يرد ما يخالفه، وكذا أطلق الرافعي وغيره عدم الاختصاص، وهو في الإجزاء ظاهر، وأما الجواز فينبغي لمن يقول الكفارات التي سببها معصية على الفور أن يقول هنا بذلك. وَيَختَصُّ ذَبْحُهُ بِالحَرَمِ فِي الأظْهَرِ، لأن الذبح حق متعلق بالهدى فيختص بالحرم كالتصدق، والثانى: لا يختص؛ لأن المقصود هو اللحم، فإذا وقعت تفرقته في الحرم على مساكينه حصل الفرض، والخلاف جار في دم التمتع والقِران أيضًا. وَيَجِبُ صَرْفُ لَحْمِهِ إِلَى مَسَاكِينِهِ، أي إلى مساكين الحرم؛ لأن المقصود من الذبح هو إعطاء اللحم؛ وإلَّا فنفس الذبح مجردُ تلويثٍ للحرم وهو مكروهٌ، كما قاله ابن الرفعة، ويؤخذ من كلام المصنف: أنه لا يجوز أن يأكل شيئًا منه، وهو كذلك. والجلد كاللحم في وجوب صرفه وهو بالخيار إن شاء فرق المذبوح عليهم وإن شاء دفعه بجملته لهم.

стр. 657

فَرْعٌ: سواء في المساكين الغرباء والقاطنين، لكن الصرف إلى القاطن أولى، والصرف إلى الفقير يؤخذ من كلام المصنف من باب أَولى. فَرْعٌ: يجب النية عند تفرقته كسائر العبادات؛ قاله الروياني وغيره. فَرْعٌ: أقل ما يجزئ أن يدفع الواجب إلى ثلاثة قاله الروياني. وَأفْضَلُ بُقْعَةٍ، أي من الحرم، لِذَبْحِ المُعْتَمِرِ المَرْوَةَ، وَلِلْحَاجِّ مِنَى، لأنهما محل تحللهما كذا علله الرافعي؛ وهو يفهم أن المراد بالمعتمر هنا معتمر ليس بقارن، وَكَذَا حُكْمُ مَا سَاقَا مِنَ هَدْيٍ مَكَانًا، لأنه ﵊ أهدى في عمرة الجعرانة هديًا نُحر عند المروة، كما ذكره صاحب أعلام المناسك، وأهدى عام حجته مالة بدنة نحرت بمنى كما ثبت في الصحيح (١١٩١)، وَسَوْقُ الهدي سُنة عظيمة أهملها الناس، وَوَقْتُهُ وَقْتُ الأُضْحِيَةِ عَلَى الصَّحِيح، وَالله أَعْلَمُ، قياسًا على الأضحية، والثاني: لا يختص بوقت كدماء الجبرانات؛ وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في أثناء الباب قبله قبيل قوله (فَصْلٌ: إِذَا عَادَ إِلَى مِنَى) فراجعه منه. وإن محل الخلاف المذكور في الهدى الذي يسوقه المحرم تقربًا إلى فقراء الحرم، ثُم اعْلَمْ هُنَا: أن الهدي ثلاثة أقسام؛ أحدها: هذا، ثانيها: ما يسرقها مَنْ قَصَدَ الحرم غير مُحْرِمٍ، والظاهر أنه لا يختص بزمانه، ثالثها: ما يسوقه المعتمر تطوعًا أو نذرًا، والظاهر أنه لا يتقيد بوقت الأضحية أيضًا، بل وقته وقت التحلل منها، ولا يكلف من اعتمر أول العام وساق الهدي تأخير ذبحه إلى أيام منى. بَابُ الإحِصَارِ وَالفَوَاتِ المراد من الإِحْصَارِ الْمَنْعُ مِنْ فِعْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ أوْ مِنْ بَعْضِهِ؛ والمشهور أَحْصَرَهُ المرضُ بالهمز وَحَصَرَهُ الْعَدُو بدونِهِ. ولو مُنِعَ من الرمي والمبيت؛ فلا يجوز له

стр. 658

التحلل؛ لتمكنه من التحلل بالطواف والحلق وجبر الأولين بالدم، وَالْفَوَاتُ مصدر فَاتَ فَوْتًا وَفَوَاتًا: إذا سبق فلم يدرك، والمراد هنا فواتُ الحجِّ، فإن العمرة لا تفوتُ لإتساع وقتها، نَعَمْ: القارنُ قد تفوته العمرة تبعًا لفوات الحج. مَنْ أُحْصِرَ، أي منعه من إتمام نُسُكِهِ عَدُوٌّ، تَحَلّلَ، لقوله تعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي﴾ (١١٩٢) أي فإن أحصرتم وأردتم التحلل، لأن مجرد الإحصار لا يوجب الهدي، فإن الآية نزلت بالحديبية حين صَدَّ المشركون رسول الله ﷺ عن البيت، وكان قد أحرم بعمرة؛ فنحر ثم حلق ثم رجع وهو حلال (١١٩٣)، قال الماوردي: ولا يتحلل إذا علم أن العدو ينكشف في زمان يتسع للحج أو في زمن قريب إذا كان معتمرًا وهو ثلاثة أيام، وَقِيلَ: لا تَتَحَلَّلُ الشِرذِمَةُ، لأنه لم يَعُمَّ الكُلَّ فأشبه المرض وخطأ الطريق، وهذا قول كما بيّنه في الروضة تبعًا للرافعي لا وجه، ولا تَحَلُّلَ بِالمَرَضِ، أي بل يصبر حتى يبرأ، فإن كان محرمًا بعمرة أتمها أو بحج وفاته تحلل بعمل عمرة وذلك إجماع الصحابة كما قال الماوردى، ومال الشيخ عز الدين في قواعده إلى جواز التحلل به من غير اشتراط لما في البقاء على الإحرام من مشقة والعسر الدائم، فَإنْ شرَّطَهُ، أي مقارنًا لإحرامه، تَحَلَّلَ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، لحديث ضُباعة في الصحيحين (١١٩٤)، والثاني: لا يجوز؛ لأنها عبادة لا يجوز الخروج

стр. 659

منها بغير عذر؛ فلا يجوز بالشرط كالصلاة المفروضة، ومن قال بهذا أجاب عن الحديث بأن المراد بالحبس الموت أو هو خاص بضباعة وكلاهما باطل، والصواب الجزم بالصحة لصحة الحديث ولا عبرة بمن طعن فيه. فَرعٌ: غير المرض من الأعذار كضلال الطريق ونفاذ النفقة والخطأ في العدد ونحو ذلك كالمرض وعن الجويني أنه لغو. فرعٌ: حيث صححنا الشرطَ، فإنْ كان الشرطُ التحَلُّلَ بالهدى لزمه؛ أو بلا هديٍ فلا؛ وكذا إن أطلق على الأصح. فَرعٌ: لو شرط أن يقلب حَجهُ عمرَة عند المرض فهو أولى بالصحة من شرط التحلل ونصَّ عليه. فَرعٌ: لو قال إذا مرضت فأنا حلال صار حلالًا بنفس المرض على الصحيح المنصوص، وقيل: لا بد من التحلل. وَمَنْ تحللَ، أي أراد التحلل، ذَبَحَ شَاةً، للآية السالفة ويقوم مقامها بدنةٌ أو بقرة أو سُبْعُ أحَدِهِمَا، حَيْثُ أخصِرَ، أي سواء كان الحصر في الحل أو الحرم؛ لأنه ﵊ ذبح هو وأصحابه بالحديبية وهي من الحل. فَرعٌ: ما لزمه من الدماء وساقه من الهدايا حُكْمُهُ حكمُ دم الإحصار. قلت: إِنمَا يحصُل التحَللُ بِالذبح، لفوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١١٩٥)، وَنيَّة التَّحَلُّلِ، لأن الذبح قد بكون للتحلل وقد يكون لغيره فلا بد من قصد صارف، وَكَذَا الْحَلْقُ إِن جَعَلناهُ نُسُكًا، لأنه ركن من أركان الحج قدر على الإتيان به فلا يسقط عنه.

стр. 660

فَرعٌ: لا بد من مقارنة النية للذبح وكذا الحلق إن أوجبناه نقله في الكفاية عن الأصحاب. فَرعٌ: لابد من تقديم الذبح على الحلق للآية، فَإن فقِدَ الدم، أي حسًا أو شرعًا، فَالأظْهرُ أن لَهُ بَدلًا، كغيره من الدماء الواجبة على المحرم، والثاني: لا، لعدم النص فيبقى في ذمته إلى أن يجده، وَأنهُ، أي البدل، طَعامٌ، لأنه أقرب إلى الجبران من الصيام لاشتراكهما في المالية، فكان الرجوع إليه عند الفقد أولى، بِقِيمَةِ الشاةِ، لأنا رَاعَيْنَا القرب كما تقدم، ولا شك أن الإطعام بقدر قيمة الهدي أقرب إليه من اعتبار ثلاثة آصع كما هو؛ وجه لنا، فاِن عَجَزَ صَامَ عَنْ كُل مُدٍّ يُوْمًا، قياسًا على الدم الواجب بترك المأمور، هذا كله تفريع على الأظهر: أن لدم الإحصار بدلًا، والقول الثاني: أن بدله الصوم كدم التمتع. لأن التحلل والتمتع شُرِّعَا للتخفيف، وعلى هذا أقوال لا ترجيح فيها للرافعي ولا للمصنف، نعم صحيح الفارقي: أنه صوم التعديل عن كل مُدٍّ يومًا؛ لأنه أقرب إلى الهدي، وَلَهُ التْحَللُ فِي الحَالِ، أي قبل أن يصوم عند فقد الهدي بالنية، والحلق، فى الأظْهرِ، وَالله أَعلَمُ، لأن التحلل إنما شرع لدفع المشقة؛ فلو وقفناه على ذلك لحقته المشقة، والثاني: لا؛ بل يتوقف تحلله على فراغه منه؛ لأنه قام مقام الاطعام، ولو قدر على الإطعام لتوقف التحلل عليه فكذلك ما قام مقامه، وَإِذَا أَحرَمَ العَبد بِلا إِذْن؛ فَلِسَيِّدِهِ تَحلِيلُهُ، صيانة لحقه؛ فإن إحرامه انعقد كصلاته، أما إذا أحرم بإذنه فلا، وحكم المدبر والمعلق عتقه بصفةٍ وأُم الولدِ ومن بعضُه حرٌّ كالقن. والمراد بتحليل السيد أن يأمره به، لا أنه يتعاطى الأسباب بنفسه، فإن امتَنَعَ ارتفعَ المانعُ بالنسبة إلى السيد حتى يجوز الوطئ والاستخدام، وقال الروياني: إذا قال: حللتك عن الإحرام تحلل، فإن أَلبَسَهُ مخيطًا أو ضَمَّخَهُ بطيبٍ فليس ذلك بتحليل؛ خلافًا لأبي حنيفة. فَرعٌ: يتحلل بالحلق مع النية فقط. وَللزوْج تحلِيلها مِنْ حَجِّ تَطَوُّعٍ لَمْ يَأذَن فِيهِ، لاستيفاء حقه كما له أن يخرجها

стр. 661

من صوم النفل أما إذا أحرمت بإذنه فلا، والعمرة في ذلك كالحج بلا شك، وَكَذَا مِنَ الْفرضِ فِي الأظْهرِ، بناء على أن له منعها من إنشائه؛ لأن حق الزوج على الفور، والحج على التراخى، والثانى: لا؛ قياسًا على فرض الصلاة والصوم. فَرعٌ: معنى تحليلها أمرها به كما قلنا في العبد، وتحللها كتحلل المحصر بلا فرق، فلو لم تتحلل فللزوج أن يستمتع بها على الصواب والإثم عليها. ولا قَضَاءَ عَلَى المُحصَرِ المُتَطَوِّع، لأنه لو وجبَ لَبُيِّنَ في القُرآنِ أو السُّنة، وسواء كان الحصر عامًا أو خاصًا، نعم: لو أفسد النُّسُكَ ثم أحصر فتحلل لزمه القضاء كما استثناه ابن الرفعة من كلام الشيخ ولا يحتاج إليه، فإن كان نُسُكُهُ فَرضًا مُسْتَقِرًّا، أي كحجة الإسلام فيما بعد السنة الأولى من سني الإمكان، وكالنذر والقضاء، بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ، كما لو شرع في صلاة فلم يتمها تبقى في ذمته، وإذا أتى به بعد زوال الاحصار وقع أداء لا قضاء، صرح به ابن يونس في التنْويهِ على التنْبِيْهِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ، أي كَحَجَّةِ الإسلامِ في السَّنَةِ الأولى من سِنيِّ الإمكانِ، اعْتُبِرَتِ الاِستطاعَةُ، أي، بَعدُ، أيْ بعد زوال الإحصار. وَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ تَحللَ بِطَوَافٍ وَسَعي، أي إن لم يكن سَعَى بعد طوافِ القُدُومِ، وَحَلْقٍ، لأن ذلك مروى عن جاعة من الصحابة ولا نعرف لهم مخالف، ولا يجب عليه المبيت بمنى ولا الرمى على الأصح، ولو أراد صاحب الفوات استدامة الإحرام إلى السَّنَةِ القَابِلَةِ، فليس له ذلك، كما قاله الماوردي وغيره، لئلا يصير محرمًا بالحج وغيره في غير أشهره، وعبارة الرافعى هنا تشعر يحواز ذلك حيث قال: وإذا حصل الفوات فله التحلل كما في الإحصار فإن سعى لم يفده كما نقله في شرح المهذب عن الأصحاب، وأما ابن الرفعة فجزم في الكفاية بإعادته، وَفِيهِمَا قَولٌ، يعني في السعى والحلق لأنه يحتاج إليهما، أما السعى فلأنه ليس من أسباب التحلل ولهذا يصح تقديمه على الوقوف ولو كان من أسبابه لما جاز تقديمه عليه، وأما الحلق فبناء على أنه استباحة محظور، وَعَلَيْهِ دَمٌ، لأمر عمر ﵁ بذلك كما رواه مالك في

стр. 662

الموطأ (١١٩٦)، وَالْقَضَاءُ، لأمره به أيضًا، ولأنه لا يخلو عن تقصير بخلاف الإحصار، فإنه لا قضاء فيه كما سلف لعدم التقصير، وأطلق المصنف القضاء فَشَمَلَ الْفَرضَ وَالتطَوعَ، وليس في عبارة الرافعي في شرحه ومحرره ما يدل على أن الفرض يكون قضاء بل صرح ابن يونس في التنْوِيهِ على التنْبِيْهِ بأنه يكونُ أداءً. فَرعٌ: إذا تحلَّلَ بأعمال العمرة لا ينقلب حَجُّهُ عُمرَةً على الصحيح ولا يجزيه عن عمرة الاسلام. فَرعٌ: لا فرق في الفوات بين المعذور وغيره فيما ذكرناه، لكن يفترقان في الإثم وقد نجز شرح كتاب الحج ومتعلقاته وختمه بفروع منثورة. فَرعٌ: لا يجزي الحج بمال حرام عند الإمام أحمد خلافًا للثلاثة. فرعٌ: إذا فعل المحرم محظورَيْنِ أو أكثر هل يَتَدَاخَلُ؟ ولا شك أن المحظور قسمان: استهلاك كالحلق؛ واستمتاع كالطيب، فإن اختلف النوع كالحلق واللبس تعددت الفدية، وكذا إتلاف الصيود، وكذا إتلاف الصيد مع الحلق أو اللبس، لكن لو لبس ثوبًا مطيَّبًا لم تتعدد الفدية على الأصح، ولو حلق رأسه في مكانين أو في مكان في زمانين ففديتان، ولو حلق شعر بدنه ورأسه متواصلًا ففدية على الأصح كما تقدم في موضعه، ولو تطيب بأنواع من الطيب أو لبس أنواعًا كالقميص والعمامة والسراويل وألخُفَّ أو نوعًا واحدًا مرة بعد أخرى فإن كان ذلك في مكان واحد على التوالي فعليه فدية واحدة، فإن كان في مكانين أو مكان وَتَخللَ زَمَان فعليهِ فديتان، سواء تخلل بينهما تكفير عن الأول أم لا، وفي قول: إذا لم يَتَخللْ تكفير تَكْفِيْهِ فِديةٌ. فرعٌ: يستحب لمن دخل مكة حاجًا أو معتمرًا أن يختم القرآن فيها قبل رُجُوعِهِ. فرعٌ: المختار استحباب المجاورة بمكة إلّا أن يغلب على ظنه الوقوع في محذور

стр. 663

كخوف ملابسة ذنب؛ فإن الذنب فيها أقبح من الذنب في غيرها؛ أو خوف ملل أو قلة حرمة للأُنْسِ. فرعٌ: المختار في سترة الكعبة أن الأمر فيها إلى رأي الإمام يصرفها في بعض مصارف بيت المال بيعًا أو عطاءً. فرعٌ: ثَبَتَ عن سيدنا رسول الله ﷺ أنه كان إذا فرغ (•) من الحج أو العمرةِ كبَّر على كل مكان مرتفع ثلاثًا ثم قال: [لا إِله إِلَّا الله وحدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيْر، آيِبُونَ تَائِبونَ عَابِدُونَ سَاجدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ الله وَعدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وهزَمَ الأحزَابَ وَحدَهُ] (١١٩٧). ويكره الطروق على الأهل ليلًا، ولا يقدم بغتة (١١٩٨) وإذا أشرف على بلده فالسُنة أن يقول: [آيِبونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ] (١١٩٩) ويكررها حتى يدخل بلده؛ فإذا دخل بدأ بالمسحد فصلّى ركعتين فيه وكذا يصليهما إذا دخل بيته أيضًا إن لم يكن وقت كراهة (١٢٠٠)، ويدعو عقبهما، ويستحب الطعام عند القدوم، فروى عن جابر أنه

стр. 664

عَلَيْهِ الصلاة وَالسَلامُ لما قدم المدينة [نَحَرَ جَزُورًا أوْ بَقَرَةً] (١٢٠١)، ويستحب إعتناق القادم وَمُصَافَحَتُهُ، وكَرِة مالك المعانقة وإذا سلم على القادم قال: قَبِلَ الله حَجَّكَ وَغَفَرَ ذَنْبَكَ وَأخْلَفَ نَفَقَتَكَ. وفروع كتاب الحج كثيرة لا يسعنا إيراد المهم منها هنا؛ وفِى النفس إفراده بتصنيفٍ مُهِمٍّ جَامِع لأحكامهِ مُشتَمِلٍ عَلَى نَفَائِسَ لا توجدُ إلّا بعد الفحص الشديد يَسَّرَ الله ذلك وسَهَّلَهُ إنه بيده والقادر عليه. (آخر الربع الأول) (•).

стр. 665

كتاب البيع لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْعِبَادَاتِ، لأنها أهمُّ؛ شَرَعَ فِي الْمُعَامَلاتِ، لأنها ضَرُورِية، وَأَخَّرَ عَنْها رُبْعَ النِّكَاح لأنَّ شَهْوَتَهُ مُتَأخِّرَةٌ عَنِ الأكْلِ وَنحوه، وَأَخَّرَ عَنْهُ رُبْعَ الْجِنَايَاتِ وَالْمُخَاصَمَاتِ؛ لأَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ غَالِبًا إِنمَا هُوَ بَعدَ الْفَرَاغ مِنْ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالفَرج. والْبَيْعُ في اللغة: مُقَابَلَةُ شَيْءٍ بشَيْءٍ، وفي الشرع: مُقَابَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ وَنحْوِهِ مِنَ الحُدُودِ؛ والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأحَل الله الْبَيْعَ﴾ (١) مع السُنة الشهيرة الآتية والإحماع.

стр. 666

شَرْطُهُ الإِيْجَابُ: كَبِعتُك وَملكتكَ، وَالقَبُولُ: كاشتَرَيتُ وَتَمَلكْتُ وَقَبِلْتُ، لقوله ﵊: [إِنمَا الْبَيْعُ عَن تَرَاضٍ] صححهُ ابنُ حِبَّان (٢)، والرِّضى أمر خفي لا يطلع عليه، فأنيط الحكم بسبب ظاهر يدل عليه؛ وهو الصيغة فلا تكفي المعاطاة، والأقوى أنها تكفي في كل ما يعده الناس بيعًا، والمراد بالشرط: ما لا بد منه. وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ فِيْمَا لَيْسَ بِضمنِيٍّ مِنَ الْبُيُوع، أما الضمنيُّ منها كما إذا قال أعتق عبدك عني على كذا، فيكفي فيه الالتماس. والجواب كما ذكره في كفارة الظهار. وَيَجُوزُ تَقَدُّمُ لَفْظِ الْمُشْتَرِي، أي في غير قَبِلْتُ، ونَعَم لحصول المقصود تقدَّم أو تأخَّر، أما قبلتُ؛ فلا (٣). وبه صرح القفال في فتاويه والإمام أيضًا؛ ومثلها: نَعَم. وَلَوْ قَالَ: بِعنِي؛ فَقَالَ: بِعتُكَ؛ انعَقَدَ فِي الأظْهرِ، أي وإن لم يقل ثانيًا ابتعتُ؛

стр. 667

لدلالته على الرضى، وَالثانِي: لا، لأنه قد يقول بعني لاستبانة الرغبة. وينْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ، أي مع النية، كَجَعَلتهُ لَكَ بِكَذَا فِي الأصحِّ، قياسًا على الكتابة والخلع، والثانى: لا، لأن المخاطب لا يدري بِمَ خوطب، وأطلق المصنف الخلاف، ومحله في بيع لم يُشترط فيه إشهاد، فإن شرط فيه فلا ينعقد بها قطعًا، لأن الشهود لا يطلعون على النيةِ، اللهُمَّ إلَّا إذا توفرت القرائن، فالظاهر كما قال الغزالي: انعقاده، قال الإمام: ومحل الخلاف السابق إذا عدمت القرائن، فإذا حصلت وأفادت التفاهم فيحب القطع بالصحة. وُيشترَطُ أَن لا يَطُولَ الْفَصلُ بَيْنَ لَفظَيهِما، أي فإن طال وهو ما أشعر باعراضه عن القبول ضَرَّ، لأن الطول يخرج الثانى عن أن يكون جوابًا عن الأول، ولو عَبَّرَ بقوله بين الايجاب والقبول بدل بين لفطيهما لكان أولى؛ ليدخل الخط والإشارة من الأخرس، والمعاطاة إذا جَوَّزْنَاها، وقد عَبَّرَ بذلك في الروضة، قُلْتُ: ويشترط أيضًا أن لا يتخلل بينهما كلام أجنبى عن العقد، وأن لا يتغير الايجاب قبل القبول، ويشْتَرَطُ فِي الطَّلاقِ أَنْ يَقصدَ لَفْظَهُ أَوْ معنَاهُ؛ ولا بد من ذلك هنا أيضًا. وَأن يَقْبَلَ عَلَى وَفْقِ الإِيجَابِ، فَلَوْ قَالَ: بعتُكَ بِألْفٍ مُكَسَّرةٍ، فَقَالَ: قَبِلْتُ بِألْفٍ صَحِيحَةٍ لَمْ يَصِحَّ، لأنه قَبِلَ غير ما أوجبه البائع، وكذا لا يصحُّ عكسهُ من طريق أَولى، ولو قال: بعتك هذا العبد بألف، وهذه الجارية بمئة فقبل أحدهما وعيَّنَهُ، ففيه احتمالان في فتاوى القفال، قُلْتُ: ولا يشترط الاتفاق في اللفظ، نعم يشترط أن يقع القبول ممن وقع معه الخطاب؛ وبقاء الأهلية إلى تمام الصيغة. وِإشَارَةُ الأخْرَسِ بالعَقْدِ كَالنُّطْقِ، أي فيه للضرورة وكذا كتابته في الأصح، والحل لعقد كما ذكرهُ في الطلاق، وَشَرطُ الْعَاقِدِ الرُّشْدُ، أي فلا ينعقد بعبارة الصبي والمجنون وكذا السفيه، لما ستعرفه في بابه، نَعَم: يُرَد عليه ما إذا بذر بعد بلوغه رشيدًا فإنه لا يعود الحجر عليه إلّا بالحاكم، كما صححه في بابه، فهذا قبل الإعادة غير رشيد ويصحُّ بيعه. قُلْتُ: وَعَدَمُ الإِكرَاهِ بِغَيرِ حَق، للحديث

стр. 668

السالف (٤)، أما إذا أُكْرِة بحق، كما إذا كان عليه دين، وامتنع من أدائه، فإن الحاكم يجبره على البيع ويصح، فإن امتنع تولاه الحاكم، ويستثنى من كلام المصنف ما إذا أكره المالك رجلًا على بيع مال نفسه فباع، فإنه يصح كما قاله الفاضى. ولا يَصحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ الْمُصحَفَ وَالْمُسلِمَ فِي الأظْهرِ، لما فيه من العار، والثانى: يصح كالأرث، وأصح الطريقين في المصحف طريقةُ القَطْع بِالمَنع كما رجحه في الروضة تبعًا للرافعي؛ لأن المصحف أكثر حرمة، قُلْتُ: ولا يصح شراؤه للمرتد أيضًا على الأصح لبقاء علقة الإسلام. فرع: كتب الفقه التي فيها آثار السلف كالمصحف خلافًا للماوردي. إِلَّا أَن يعتِقَ عَلَيْهِ، أي كأبيه وابنه، فَيَصحُّ، أي الشراء، فِي الأصَح، لانتفاء الإذلال لعدم استقرار الملك، والثانى: لا يصح، لما فيه من ثبوت الملك على المسلم، ولا الْحَربِيُّ سلاحًا، وَالله أَعلَمُ، لأن الحربىَّ مستعد لقتالنا فيكون تسليمه إليه معصيةً وحينئذ فيكون معجوزًا عن تسليمه شرعًا فلا يصح، وخرج بالسلاح الحديدُ؛ لأنه لا يتعين للقتال؛ وبالحربى الذميُّ؛ لأنه في قبضتنا. فَصلٌ: وَللْمَبِيع شرُوط، أي خمسة كما سيأتي، وقد يستغنى بالملك عن الطهارة فإن النجس لا يثبت فيه ملك بل اختصاص، والقدرة على التسليم والعلم به شرط في العاقد؛ وكذا كون الملك لمن له العقد فيبقى الملك والمنفعة. أَحَدها: طَهارَةُ عَيْنهِ، أي أو يَطْهرُ بالغسل، لأن النجس محرم الأكل اتفاقًا وَمَا

стр. 669

حُرِّمَ أَكْلُهُ حُرِّمَ بَيْعُهُ، فلا يَصِحُّ بَيْعُ الْكَلْبِ وَالْخَمرِ، لأنه ﷺ [نَهى عَنْ ثَمَنِ الأوَّلِ وَحَرَّمَ بَيْعَ الثانِي] متفق على صحته (٥)، وَالْمُتَنجسِ الذِي لا يُمكِنُ تَطهِيرُهُ كَالْخَلِّ وَاللبَنِ، بالإجماع؛ أما ما يمكن كالثوب فيصح إلّا أن تستره النجاسة، وَكَذَا الدُّهْنِ فِي الأصَحِّ، لما تقدم في آخر النجاسات (٦)، وهذا معطوف على الْخَل واللبَنِ مما لا يمكن تطهيرُهُ لا على المتنجس، واقتضى كلامه جواز بيع الدهن إذا فرعنا على إمكان تطهيره، وهو وجه. والأصح المنع، ويشكل عليه القطع بصحة بيع الثوب المتنجس. فَرْعٌ: باع لحمًا على أنه لحم ميتة فبان لم مذكاة (٧)، ففيه احتمالات لوالد

стр. 670

الإمام الرويانى وكان مأخذهما أن العبرة بما ظنه أو بما في نفس الأمر، والظاهر: الصحة؛ كبيع مال أبيه على ظن حياته؛ فبان موته. الثانِي: النفْعُ، لأن بذل المال فيما لا منفعة فيه سفه (٨)، فلا يَصِحُّ بَيْعُ الْحَشَرَاتِ، لعدم النفع، ويستثنى من ذلك العلق لمنفعة امتصاص الدم، وَكُلِّ سَبُعٍ لا يَنْفَعُ، أي لا يؤكل ولا يصطاد ولا يقاتل عليه كالأسد ونحوه، ولا حَبَّتَي الحِنْطَةِ، لسقوط منفعتهما لقلتهما، وَنَحوها. آلَةَ اللهْوِ، أي المحرم كالطنبور وغيره لسقوط منفعتها شرعًا، وَقِيلَ: يَصِح فِي الآلَةِ إِن عُدَّ رُضَاضُها مَالًا، أي مكسرها مالًا؛ لأن فيها نفعًا متوقعًا فأشبه الجحش الصغير، أما مَا لا يُعَدُّ رضَاضُهُ مالًا كالمزمار الصغير من القصب فلا يصح على وجه شاذ، وَيصِحُّ بَيْعُ المَاءِ عَلَى الشَّطِّ، وَالتُّرَابِ بِالصحرَاءِ فِي الأصَحِّ، لوجود النفعة فيهما، وكثرتهما لا يخرجهما عن كونهما مالًا، والثاني: لا يصح، لأنَّ بَذْلَ المالِ فيهما مع وجود مثلهما بلا تعبٍ سفةٌ، ولا يبعد تخصيص هذا الوجه بما إذا لم يكن في المبيع صفة زائدة كبرد الماء؛ وصفوه؛ وكربلة التراب؛ ونحت الصخرة؛ ونظير هذا الخلاف بيع نصف دار شائع بنصفها الآخر والأصح الصحة أيضًا، ولهذا العقد فوائد: منها عدم رجوع الوالد فيما وهب لولده وعدم رجوع البائع إلى عين ماله. الثالِثُ: إِمكَان تَسْلِيمِهِ، أي حسًا وشرعًا ليوثق بالمقصود منه ولو عَبَّرَ بالتسلُّم بضم اللام كان أقرب، لأن التسليم فعل البائع، وستعرف في بيع المغصوب أن قدرة البائع ليست شرطًا، فلا يَصِح بَيْعُ الضَّالِّ وَالآبِقِ، أي وإن عرف موضعهما، لأنه غير مقدور على تسليمهما في الحال، وَالْمَغْصُوبِ، لما قلناه، فَإِن بَاعَهُ لِقَادِرٍ عَلَى
следующие страницы →