لمنافاته الْحُريةَ والرشدَ، وإنما قلنا به عندَ طلبِ الغرماءِ للضرورةِ، فإذَا حُجرَ تَعَلقَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ، أي دَيْنًا وعينًا ومنفعةً كالرَّهْنِ، وخرج بحق الغرماء حق الزكاةِ والكفارةِ والنذرِ، وَأشْهِدَ عَلَى حَجْرِهِ؛ لِيُحْذَرَ، أي استحبابًا.
وَلَوْ بَاعَ أَوْ وَهَبَ أَوْ أعتَقَ فَفِي قَوْل: يُوْقَفُ تَصرفُهُ، فَإن فَضَلَ ذَلِكَ عَنِ الديْنِ، أي لارتفاع القيمة أو لإبراء بعض الغرماء، نَفَذَ وَإلا لَغا، إلحاقًا له بالمريض، وَالأظْهَرُ: بُطْلاَنُهُ، لتعلق حقهم به كالمرهون، فَلَوْ بَاعَ مَالَهُ، أي جميعه وكذا بَعْضَهُ، لِغُرَمَائِهِ بِدَيْنهِمْ، أي وكذا من الغريم الواحد بدينه، بطَلَ فِي الأصَحِّ، لاحتمال أن يكون له غريم آخر، فلا يصح من غير مراجعة القاضي، والثاني: يصح؛ لأنَّ الحجر لهم، والأصلُ عدمُ غيرهم، فعلى هذا لا يجوز للمفلس بيع ماله إلَّا في هذه المسألة، ولو باعَهُ لغريمهِ أو ببعض دَينهِ فهو كما لو باعَهُ لأجنبىِّ، لأنَّ ذلك لا يتضمن ارتفاعُ الحجرِ عَنْهُ، بخلافِ ما إذا بَاعَ بِكُلّ الديْنِ فإنَّه يسقط ويرتفع الحجرُ عنه، وعن هذا احترز بقوله (بِدَينهم)، ولو باع لأجنبيّ بإذنِ الغرماءِ لم يصح على الأصح، فَلَوْ بَاعَ سَلَمًا أَوِ اشترَى فِي الذِّمةِ فَالصحِيحُ صِحتُهُ ويثْبُتُ فِي ذِمتِهِ، إذ لا ضرر على الغرماء فيه، والثاني: لا يصح كالسفيه، وقوله (الأصحُّ) صَوَابُهُ الْمَشْهُورُ كما في الروضة.
ويصِحُّ نِكَاحُهُ؛ وَطَلاَقُهُ؛ وَخُلْعُهُ، إذ لا تعلق لذلك بالمال، وينفق على زوجته من كسبهِ، وَاقْتِصَاصُهُ؛ وَاسْقَاطُهُ، أي ولو مجانًا لما ذكرناه، ويصح أيضًا استلحاقُهُ النسبَ ونفيُهُ بِلِعَانٍ، وَلَوْ أَقَرَّ بِعَيْن أَوْ دَيْنٍ؛ وَجَبَ قَبْلَ الحَجرِ؛ فَالأظْهَرُ: قبولُهُ فِي حَقِّ الغُرَمَاءِ، كما لو ثَبَتَ بالبَيِّنَةِ، والثاني: المنع لما فيه من الإضرار، وبناهما الماوردى على أن هذا الحجرَ حجرُ مرضٍ أو سفهٍ، واحترز بقوله (فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ) عن حقِّ نفسهِ فإنهُ يقبلُ ويطالبُ، وَإِن أَسندَ وُجُوبَهُ إِلَى مَا بَعْدَ الحَجرِ بِمُعَامَلَةٍ أَوْ مُطلَقًا، أي إسنادًا معللًا بمعاملةٍ، أو إسنادًا مطلقًا، لم يُقْبَل فِي حَقهِم، أما في الأولى: فلتقصير مَنْ عَامَلَهُ (•)، وأمَّا في الثَّانية: فلأن قياسَ المذهبِ تنزيلُ الإقرارِ
стр. 772
على أقل المراتبِ، وأقلهَا هو دَيْنُ المعاملةِ، قال في الروضة: وهذا ظاهر إن تعذرت مراجعة المقر، فإن أمكنت فينبغي أن يراجع لأنَّه يقبل إقرارُهُ، وَإِن قَالَ: عَنْ جنايَةٍ قُبِلَ فِي الأصَحِّ، كذا عبَّر بالأصح وصوابُهُ على المَذْهَبِ كما عبَّر به في الروضة، فإنَّ أَصَحَّ الطرِيْقَيْنِ أنهُ كما لو أسند لزومه إلى ما قبل الحجر؛ أي حتَّى يقبل في الأظهر كما تقدم، والثاني: أنه كما لو قال عَن معاملةٍ.
وَلَهُ أَن يَرُد بالعَيبِ مَا كان اشتَرَاهُ إِن كَانَتِ الغِبطَةُ فِي الرَّدِّ، لأنَّ الفسخ ليس تصرفًا مبتدأ وإنَّما هو من أحكام البيع السابق، والحجرُ لا ينعطف على ماضٍ، وَالأصَح: تعدِّي الحَجرِ إِلَى مَا حَدَثَ بَعْدَهُ بِالاصطِيَادِ؛ وَالْوَصيةِ؛ وَالشِّرَاءِ إِن صَححْنَاهُ، لأنَّ مقصودَ الحجرِ وصول الحق إلى المستحقينَ؛ وهذا لا يَختصُّ بالموجودِ عِنْدَ الحَجرِ، والثاني: لا يتعدى كما أن حجر الراهن على نفسه في العين المرهونة لا يتعدى إلى غيرها، وَأنهُ لَيسَ لِبَائِعِهِ أن يَفْسَخَ، ويتَعَلقَ بِعَيْنِ مَتَاعِهِ إِن عَلِمَ الحَالَ، وَإِن جَهِلَ فَلَهُ ذَلِكَ، لأنَّ الإفلاس كالعيب؛ فيثبت الخيارُ بِسَبَبِهِ مع الجهلِ دونَ العلمِ لِدخولهِ في الأمرِ على بصيرةٍ، والثاني: له ذلك مطلقًا؛ لتعذر الوصول إلى الثمَنِ كما لو كان قبل الحجر، والثالث: لا مطلقًا؛ لتقصيره بترك البحث مع سهولة الإطلاع، فإن الحاكم يشهر أمر المحجور عليه، وَأنهُ إِذَا لَمْ يَكنِ (•) التَعَلُّقُ بِهَا لاَ يُزَاحِمُ الْغُرَمَاءَ، أي لا يضايقهم، بِالثمَنِ، لأنَّه دَيْن حادث بعد الحجرِ برضى مستحقه، والديون التي هذا شأنها لا يزاحم مستحقها الغرماءَ الأوَّلِينَ، فإن فضل شيء عن دَينهِمْ أخذَهُ وإلَّا انتظرَ إلى وجدانِ شيءٍ آخرٍ، والثاني: يزاحمهم؛ لأنَّه وإن كان دَيْنًا جديدًا فهو في مقابله ملك جديد، وقيل: لا يزاحم إلَّا بثمن المبيع خاصَّة (•).
فَصل: يُبَادِرُ القاضِي بَعْدَ الْحَجرِ بِبَيع مَالِهِ وَقَسْمِهِ بَيْنَ الْغُرَماءِ، أي على
стр. 773
نسبة ديونهم؛ لأنَّ المفلسَ يتضرَّرُ بطولِ الحجزِ؛ والغريم بِتَأخِيْرِ الحقِّ؛ لكن لا يفرط في الاستعجال؛ كيلا يطمع فيه بثمنٍ بخسٍ وهذه المبادرةُ مُسْتَحَبَّة، وَيُقَدَّمُ مَا يَخَافُ فَسَادُهُ، أي كالفواكه والبقول صيانةً لَهُ، ثُمَّ الْحَيَوَان، لأنَّه معرضٌ للتلفِ ولهُ مؤنةٌ، ثُمُّ الْمَنْقُول، لأنَّه يخشى ضياعُهُ، نعم كُتُبُ العِلْمِ لِلْعَالِمِ لا تُباعُ كما ذكره العبادي، ثُمَّ الْعَقارَ، لأنَّه لا يخشى هلاكه وتؤمن سرقته، ويقدمُ البناءُ على الأراضي، والمال الذي تعلق به حقُّ عامل القراض، ويقدَّمُ بالربح المشروطِ، وكذا بيع المرهونِ والجانى لتعجيلِ حقِّ مستحقهما إن لم يخف تلف ما يُسْرَعُ فَسَادُهُ؛ فَإنْ خِيْفَ قُدِّمَ بَيْعُهُ عليهما، وَلْيَبِعْ بِحَضْرَةِ الْمُفْلِسِ وَغُرَمَائِهِ، أي استحبابًا لأنَّه أنفى للتهمة، وأيضًا هو أعرف بِمَالِهِ، والأولى أن يتولى الْمُفْلِسُ أو وكيلُهُ البيعَ بإذن الحاكم ليقع الإشهاد وتطيب نفس المشتري، كُل شَيءٍ فِي سوقِهِ، أي استحبابًا أيضًا لأن طَالِبَهُ ثم أكثر، نعم لو كان لِنَقْلِهِ مؤنة كثيرة، ورأى الحاكم المصلحةَ أنْ يستدعى أهلَ سوقهِ إليه فَعَلَ قاله الماورديُّ، ولو باعَ في غير سوقهِ بثمنهِ جاز قاله الأصحابُ، بِثَمَنِ مِثْلِهِ حَالًا مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ، أي وجوبًا كما صرح به في الْمُحَرر؛ لأنَّ التصرف لغيره فوجب فيه رعاية المصلحة والحظ، نعم إن رضي المفلس والغرماءُ بالبيع مؤجلًا أو بغيرِ نقدِ البلدِ جازَ قاله المتولي، ولو رأى الحاكم المصلحة في البيع بمثل حقوق الغرماء جاز، ثُمَّ إِن كَان الدَّيْنُ غَيرَ جِنْسِ النقْدِ، وَلَمْ يَرْضَ الْغَرِيمُ إِلَّا بِجِنْس حَقّهِ؛ اشْتَرَى، لأنهُ واجبهُ، وِإن رَضِيَ جَازَ صَرْف النقدِ إِلَيْهِ، إِلَّا فِي السَّلمِ، لأنَّه اعتياضٌ وهو ممتنعٌ فيه لما تقدم في بابهِ.
تَنْبيْه: إذا حُجر على المكاتَبِ؛ فلا يجوزُ أن يعتاضَ السيدُ عن نجومها على الأصحِّ، وكذا المنفعةُ الواجبةُ في إجارةِ الذِّمَّةِ، الأصح منع الاعتياض عنها؛ لأنَّ الأصح فيها تغليب المعنى وهو السَّلَمُ.
وَلاَ يسلم مَبِيعًا قَبْل قَبْضِ ثَمَنِهِ، لأنَّه يتصرف لغيره فيحتاط، وَمَا قَبَضَهُ قَسَمَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، أي استحبابًا لتبرئ الذمة ويصل الحق إلى مستحقهِ، إِلَّا أَن يَعْسُرَ لِقِلتهِ
стр. 774
فَيُؤَخِّرُهُ لِيَجْتَمِعَ، أي استحبابًا، وَلاَ يُكَلفُون بَيِّنَة بِأن لاَ غَرِيمَ غَيْرُهُمْ، لأنَّ الحجر يشتهر فلو كان له غريم لظهر، فَلَوْ قَسَمَ؛ فَظَهَرَ غَرِيمٌ، شَارَكَ بِالْحِصةِ، لأنَّ المقصودَ يحصلُ بذلكَ، وَقِيلَ: تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ، لأنها وقعت على غير الوجه السائغ شرعًا، واحترز بظهور الغريم عن ظهور المال؛ فإنَّه يصرف منه إلى الغريم الذي ظهر بقسط ما أخذه الغرماءُ الآخذون بالقسمة الأولى؛ فإن بقي شيء قُسِّمَ على الجميع.
وَلَوْ خَرَجَ شَيْءٌ بَاعَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ مُسْتَحَقًّا وَالثمَنُ تَالِف فَكَدَيْنِ ظَهَرَ، أي وحكمه ما سبق لثبوته قبل الحجر، أما إذا كان باقيًا فإنَّه يسترده، واحترز بقوله (قَبْلَ الْحَجْرِ) عما إذا وقع فيه فإنَّه لا أَثَرَ لَهُ لأنَّه دَيْنٌ حادِثٌ لم يتقدم له سبب، وَإِنِ اسْتُحِق شَيْءٌ بَاعَهُ الْحَاكِمُ؛ قُدّمَ الْمُشْتَرِي بالثمَنِ، لئلا يرغب النَّاس عن شراء مال المفلس؛ فكان التقديم من مصالح الحجر كَأجرة الكَيَّالِ ونحوها من المؤن، وَفي قَوْلٍ: يُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ، كَسَائِرِ الديون، لأنَّه دَيْنٌ في ذِمَّةِ المفلسِ.
وينْفِقُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ حَتَّى يُقَسِّمَ مَالَهُ، لأنَّه موسر ما لم يزل ملكه، قُلْتُ: ويكسوهم أيضًا؛ ولا ينفق على الزوجة المتجددة بخلاف الولد، إِلا أَن يَسْتَغنِىَ بِكسْبٍ، أي فإنَّه ينفق عليه منه، فإن فضل شيء رُدَّ إلى المالِ وإن نقص شيء كُمّلَ منه.
ويبَاعُ مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ فِي الأصَحِّ، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى خَادِم لِزَمَانَتِهِ وَمَنْصِبِهِ، لأنَّ تحصيلهما بالكراء سهل، فإن تعذر فعلى المسلمين، والثاني: لا؛ إذا كانا لائقين، وهو مُخَرَّج من نصه في الكفارات، والفرق على الأوَّلِ أنَّ حقوقَ الآدميينَ أضيقُ وَلاَ بَدَلَ لها أيضًا، ويتْرَكُ لَهُ دَسْتُ ثَوْب يَلِيقُ بِهِ، أي في حال إفلاسه كما قاله الإمام، وَهُوَ، أي في حق الرجل، قَمِيصٌ؛ وَسَرَاوِيلُ؛ وَعِمَامَةٌ؛ وَمِكْعَبٌ، أي وهو الْمَدَاسُ، ويزَادُ فِي الشتاءِ جُبة، لأنَّه محتاج إلى ذلك، ولا تؤخر عنه غالبًا، أما المرأةُ فيتركُ لها المقنعة والإزار وغيرهما ممَّا يليق بحالها، ويترك أيضًا المنديل كما ذكره الرافعي في الْمُحَرَّرِ والخف والطيلسان إن كان تركها يزري به والدُّرَّاعَةُ إن كانت تليق به.
стр. 775
فَرْعٌ: إذا لم يكن المذكورُ في مالهِ اشْتُرِيَ لَهُ.
ويتْرَكُ لَهُ قُوتُ يَوْمِ الْقِسْمَةِ لِمَنْ عَلَيهِ نَفَقَتُهُ، لأنَّه موسر في أوله، قال في الوجيز: وَسُكناهُ أيضًا، وجميع ما تقدم فيما إذا كان بعضُ مالهِ خاليًا عن تعلق حقّ لِمُعَيَّنٍ، فإن تعلق بجميع مالهِ حَقٌّ لِمُعَينٍ كالمرهونِ فلا ينفقُ عليهِ ولا على عيالهِ منهُ قالَهُ الإمَامُ.
وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَعْدَ القسمَةِ أَن يَكْتَسِبَ أوْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِبَقِيةِ الديْنِ، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ... الآية﴾ (٩٥) اللَّهم إلَّا أن يكون الدَّيْنُ وَجَبَ بسببٍ هو عاصٍ به، فإن عليه الاكتساب، لأنَّ عليه التوبة ممَّا فعل وأداؤه من جملة شروطها، قاله أبو عبد الله الغُراوي من أصحابنا؛ كما أفَادَهُ ابنُ الصلاح في فوائد رحلتهِ، وَاعْلَم: أنهم جزموا هنا بأنه ليس عليه أن يكتسب، وصححوا في نفقة القريب الوجوب مع أنَّ الدَّيْنَ أقوى من نفقة القريب فإنها تسقط بمضى المدة على ما ستعلمهُ هناكَ، وَالأصَح: وُجُوبُ إِجَارَةِ أمّ وَلَدِهِ وَالأرْضِ الْمَوْقُوفةِ عَلَيْهِ، لأنَّ منافعهما كالأعيان فيصرف بدلها إلى الدَّيْنِ، والثاني: لا؛ لأنها لا تعدُّ أموالًا حاضرة، ولهذا لا يجب إجارة نفسه، وعبارة الحاوي الصَّغير: ويؤجر موقوفهُ؛ وهي أَعَمُّ مِن عبارة المصنف.
وَإِذَا ادعَى أنهُ مُعْسِر أَوْ قَسمَ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَأَنْكَرُوا، فإن لَزِمَهُ الدينُ فِي مُعَامَلَةِ مَالٍ كَشِرَاءٍ أَوْ قرضٍ فَعَلَيْهِ الْبَيّنَةُ، لأنَّ الأصلَ بقاءُ ما وقعت عليه المعاملةُ، وإلا، وإن لزمه لا بمعاملة كالصَّدَاقِ، فَيُصَدقُ بِيَمِينهِ فِي الأصَحِّ، لأنَّ الأصلَ العدمُ، والثاني: لا بد من البينة؛ لأنَّه خلاف الظاهر من أحوال الْحُرِّ، وَتُقْبَلُ بَيِّنَةُ الإعْسَارِ، أي وإن تعلقت بالنفي لمكان الحاجة كالبينة على أن لا وراث سوى هؤلاء، فِي الْحَالِ، كغيرها، وَشَرْطُ شاهِدِهِ خِبرَةُ بَاطِنِهِ،
стр. 776
أي بطول الجوار وكثرة المخالطة لأنَّ الأموال تخفى، وَلْيَقُلْ هُوَ مُعْسِرٌ، وَلاَ يُمَحِّض النَّفْيَ، لفظًا ومعنًى، كَقَوْلِهِ: لاَ يَمْلِكُ شَيْئًا.
فَرْعٌ: إذا شهدوا على المفلس بالغِنَى فلا بُدَّ من بيان سببه؛ قاله القفال في فتاويه معلِّلًا: بأن الإعدام لما لم يثبُت إلَّا من أهل الخبرة كذلك الغنى.
وَإِذَا ثَبَتَ إِعْسَارُهُ لَم يَجُزْ حَبْسُهُ وَلاَ مُلاَزَمَتُهُ بِلْ يُمْهَلُ حَتَّى يُوسِرَ، للآية السالفة قريبًا؛ ورأيتُ في أعيان الموالي في جند أهلِ مِصْرَ تأليف أبي بكر الكندي: أن فتيانَ المالكي ناظر الشَّافعي في بيع الحُرِّ في الدَّيْنِ فكان الشَّافعي يقول: يباع؛ ويقول فتيان: لا يباع، ثم شنع (•) القول على الشَّافعي وهذا نقل غريب عندنا (٩٦).
стр. 777
واحترز بقوله (ثَبَتَ) عما إذا لم يثبت فإنَّه يجوز حَبْسُهُ وللغريمِ ملازمته لأنها أخف، اللهم إلَّا أن يقول المديون للقاضي أنَّه يشق علَىَّ الطهارة والصلاة بسبب ملازمته فاحبسني فإنَّه يجاب، وَالْغَرِيبُ الْعَاجِزُ عَنْ بَيِّنَةِ الإعْسَارِ يُوَكِّلُ الْقَاضِي بِهِ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ حَالِهِ فَإذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِعْسَارُهُ شهِدَ بِهِ، لئلا يُفْضي إلى تخليدِ الْحَبْسِ عليه.
فَصْلٌ: مَنْ بَاعَ وَلَمْ يَقْبِضِ الثَّمنِ حَتَّى حَجَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْفَلَسِ، فَلَهُ فَسْخُ الْبيْعِ وَاسْتِرْدَادُ الْمَبِيع، لقوله ﵊ [إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ وَوَجَدَ الْبَائعُ سِلعتهُ بِعَيْنهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنَ الْغُرَمَاءِ] متَّفقٌ عليه (٩٧)، وكون الثمن غيرَ مقبوضٍ يحتاجُ إلى إضمارهِ في الحديثِ وبهذا الرجوع ثابت أيضًا، إذا مات الغريم مفلسًا ولا يثبت الرجوع بمجرد الإفلاس ويحصل: بِفَسَخْتُ الْبَيْعَ وَنَقَضْتُهُ ونحوهما، وَالأصَحُّ: أَنَّ خِيَارَهُ عَلَى الْفَوْرِ، كخيار العيب بجامع دفع الضرر، والثاني: أنَّه على التراخي كخيار الهبة للولد، وَأَنَّهُ لاَ يَحصُلُ الْفَسْخُ بِالْوَطء وَالإعْتَاقِ وَالْبَيْع، كالهبة، والثاني: يحصل كما في زمن الخيار، ومحل الخلاف إذا نوى بالوطئ الفسخ وإلا فلا، قاله صاحب المعين، قال: وهذا على قولنا لا يفتقر هذا الفسخ إلى حاكم وإلا فلا يحصل به قطعًا.
وَلَه الرُّجُوعُ فِي سائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ كَالْبَيْع، لعموم قوله ﵊ [مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ] متَّفقٌ عليه (٩٧). فدخل في ذلك المسلم والإجارة والقرض؛ وخرج الخلع والمصالحة عن دم العمد فإنهما ليسا كالبيع في كونه معاوضة محضة.
• وَلَه شُرُوطٌ: مِنْهَا كَوْن الثَّمَنِ حَالًا، لأنَّ المؤجلَ لا يطالب بهِ فتباعُ السلعة وتصرف إلى ديون الغرماء، وصرَّح الرافعي في الشَّرح الصَّغير بثبوته فيما إذا حل بعد الحجر.
• وَأَن يَتَعَذَّرَ حُصُولُهُ بِالإفْلاَسِ، فَلَوِ امْتَنَعَ مِنْ دَفْع الثمَنِ مَعَ يَسَارِهِ أَوْ هَرَبَ
стр. 778
فَلاَ فَسْخَ فِي الأصَحِّ، لعدم عيب الإفلاس وإمكان الاستيفاء بالسلطان؛ فإن فرض عجزٌ فنادرٌ لا عبرةَ بهِ. والثاني: يثبت لتعذر الوصول إليه حالًا مع توقعه مآلًا فأشبه المفلس، واحترز بالإفلاس عما إذا تعذر حصوله بانقطاع جنس الثمن، فإنا إن جوزنا الاعتياض عنه؛ فلا تعذر في استيفاء عوضٍ عنه، فلا فسخ، وإلا فَنَعَمٌ على الأظهرِ. وَلَوْ قَالَ الْغُرَمَاءُ: لاَ تَفْسَخْ وَنُقَدِّمُكَ بِالثَّمَنِ فَلَهُ الْفَسخُ، للمنة، وقيل: لا. وجزم به في الروضة في موضع وهو معكوس.
• وَكَوْن الْمَبِيع بَاقِيًا فِي مِلْكِ الْمُشترِي، للحديث السالف ووجد سلعته، نَعَمْ؛ لو زال ثم عاد؛ فالأصح في الشَّرح الصَّغير: أنَّه يجوز الرجوع، وصحح في الروضة مقابله، فَلَوْ فَاتَ, أي بجناية وغيرها، أَوْ كاتبَ الْعَبْدَ فَلاَ رُجُوعَ, لأنَّه كالخارج عن ملكه، وليس له فسخ هذه التصرفات بخلاف الشفيع لسبق حقه عليها، وَلاَ يَمْنَعُ التَّزْوِيجَ, لأنَّه لا يمنع البيع.
تَنْبِيْهٌ: للرجوع شرطان آخران، الأوَّلُ: أن لا يتعلق بالمبيع حقٌّ ثالثٌ كالجنايةِ فإن زال رجع، الثَّاني: أن لا يقوم بالبائع مانع من التملك كما لو أحرم وكان المبيع صيدًا.
وَلَوْ تَعَيَّبَ بِآفَةٍ أخَذَهُ نَاقِصًا، أَوْ ضَارَبَ بِالثَّمَنِ، كما لو تعيَّب المبيع في يد البائع، أَوْ بِجِنَايَةِ أَجْنَبِيّ أَوْ الْبَائِع فَلَهُ أَخْذُهُ، ويضَارِبُ مِنْ ثَمَنِهِ بِنِسْبَةِ نَقْصِ الْقِيمَةِ، لأنَّ المشتري أخذ بدلًا للنقصان فلا يحسنُ تضييعُهُ عليه، مثاله: قيمته سليمًا مائة ومعيبًا تسعون فيرجع بعشر الثمن، وَجِنَايَةُ الْمُشْتَرِي كَآفَةٍ فِي الأَصَحِّ، لأنَّ فعله وقع في ملكه قبل تعلق حق الغرماء، والثاني: أنها كجناية الأجنبي، وقوله (الأصَحِّ) صوابُهُ المذهبِ كما عبَّر به في الروضة.
وَلَوْ تَلَفَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ ثُمَّ أَفْلَسَ أَخَذَ الْبَاقِي وَضَارَبَ بِحِصَّةِ التَّالِفِ, لأنَّه ثبت له الرجوع في كل منهما، فَلَوْ كَان قَبضَ بَعْضَ الثَّمَنِ رَجَعَ فِي الْجَدِيدِ، لأنَّ الإفلاس سبب تعود به كُلُّ عَيْنٍ إليهِ فجازَ أن يعودَ بعضُهُ كالفرقة في النكاح قبل
стр. 779
الدخول، والقديم: لا يرجع, بل يضارب بباقي الثمن لحديث فيه في الدارقطني وهو مرسل ولا يصح مسندًا (٩٨)، فَإِن تَسَاوَتْ قِيمَتَهُمَا وَقَبَضَ نِصْفَ الثَّمَنِ أَخَذَ الباقِيَ بِبَاقِي الثَّمَنِ، أي يكون ما قبض في مقابلة التالف، وَفِي قَوْلِ، أي مُخَرَّجٍ: يَأخُذُ نِصْفَهُ بِنِصْف بَاقِي الثَّمَنِ ويُضَارِبُ بِنِصْفِهِ، أي بنصف الباقي وهو الربع، لأن الثمن يتوزع على المبيع وحينئذ فيوزع كل واحد من المقبوض والباقى على العبدين.
وَلَو زَادَ الْمَبِع زِيَادَةَ مُتَّصِلَةً كَسِمْنٍ وَصَنْعَةٍ فَازَ الْبَائِعُ بِهَا، جريًا على القاعدة إلا في الصداق فإن الزوج إذا طلق قبل الدخول لا يرجع في النصف الزائد إلا برضاها لما سيأتي في بابه، وَالْمُنفَصِلَةُ كاَلثَّمَرَةِ وَالْوَلَدِ لِلْمُشْتَرِي، وَيرْجِعُ البائِعُ فِي الأصْلِ، لأن الشارع إنما أثبت له الرجوع في المبيع فيقتصر عليه، فَإنْ كَان الْوَلَدُ صَغِيرًا وَبَذَلَ الْبائعُ قِيمَتَهُ أَخَذَهُ مَعَ أمِّهِ، لانتفاء المحذور وهو التفريق، وَإلَّا، أي وإن لم يبذل قيمته، فَيُبَاعَانِ لوجود المحذور، وَتُصْرَفُ إِلَيْهِ حِصَّةُ الأُمِّ، أيْ وهو ما قابل الولد إلى الغرماء، وَقِيلَ: لاَ رُجُوعَ، أي بل يضارب لما فيه من التفريق، قال الرافعى: ولم يذكروا هنا جواز التفريق، قال في الروضة: بل ذكرهُ الماورديُّ وغيرُهُ وعلَّلُوهُ بالضرورةِ كمسألة الرهن، قالوا: وليس بصحيح إذ لا ضرورة.
وَلَو كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ الرُّجُوع دُون الْبَيْع أَو عَكْسَهُ فَالأصَحُّ تَعَدِّي الرُّجُوع إِلَى الْوَلَدِ، أما في الأُولى: فلأن اْلحملَ لما تبع في البيع تبع في الرجوع، وأما في الثانية: فلأن الحمل يُعْلَمُ؛ فكأنه باعه عينين، والثاني: لا رجوع فيهما، أما في الأولى: فلأن البائعَ إنما يرجع إلى ما كان عند البيع، والحمل ليس كذلك وهذا هو الأصح في
стр. 780
نظيره من الرد بالعيب والرهن، ورجوع الوالد في الهبة، وأما في الثانية: فبناءً على أن الحملَ لا يعلم، وقوله (عَلَى الأصَحِّ) صوابُهُ على الأظهرِ كما عبَّر به في الروضةِ، ولا يخفى أنها لو كانت حاملًا عندهما أنه يرجع فيها حاملًا أو حدث بينهما وانفصل قبل الرجوع انه للمشتري وبذلك يكمل للمسألة أربع صور.
وَاستِتَارُ الثَّمَرِ بكِمَامِهِ، وَظُهُورُه بِالتَّأْثيرِ قَرِيبٌ مِن اِستِتَارِ الْجَنِينِ وَانفِصَالِهِ، أي وقد عرفت حكمه، وَأوْلَى بِتَعَدِّي الرُّجُوع، تبع في هذه العبارة الْمُحَرَّرَ، وفيها إطلاق؛ لأنها إذا كانت غير مؤبرة عند الرجوع فأَولى بعدم تعدي الرجوع، فما ذكره هو فيما إذا كانت موبرة عند الرجوع فقط.
وَلَوْ غَرَس الأرْضَ اَوْ بَنَى، فإنِ اتَّفَقَ الْغُرَمَاءُ وَالْمُفْلِسُ عَلَى تَفرِيغِهَا فَعَلُوْا، لأن الحقَّ لا يعدوهم، وَأَخَذَهَا، يعني البائع إذا اختار الرجوع في الأرض؛ لأنها عين ماله لم يتعلق بها حق لغيره، وَإِنِ امْتَنَعُوا لَمْ يُجْبَرُواْ (٩٩)، لأنه حين البناء والغراس لم يكن متعديًا بل وضعه بحق فيحترم، بَلْ لَهُ أَن يَرْجِعَ وَيتَمَلَّكَ الْغِرَاسَ وَالْبِنَاءَ بِقِيمَتِهِ، وَلَهُ أَنْ يَقلَعَ وَيضمَنَ أَرْشَ النَّقْصِ، أي وليس لهم الامتناع؛ لأنه به يندفع الضرر. وَالأظْهَرُ: أَنَّهُ لَيسَ لَهُ أنْ يَرْجِعَ فِيهَا، وَيبْقَى الْغِرَاس وَالبِنَاءُ لِلْمُفْلِسِ، لأنه ينقص قيمتها ويضرهم، وَالضَّرَرُ لاَ يُزَالُ بِالضَّرَرِ، والثاني: له ذلك كما لو صبغ الثوب يرجع فيه دون الصبغ ويكون شريكًا، والفرق على الأول أنه كالصفة التابعة للثوب.
وَلَوِ كَان الْمَبِيعُ حِنْطَة فَخَلَطَهَا بِمِثْلِهَا أوْ دُونهَا فَلَهُ أَخذُ قَدْرِ الْمَبِيع مِنَ الْمَخْلُوطِ، أي بعد الفسخ لأنه في المثل واحد حكمًا، وفي الخلط بالدون مسامح بعيب حدث بالخلط، أوْ بِأَجْوَدَ، فَلا رُجُوعَ فِي الْمَخْلُوطِ فِي الأظْهَرِ، أيْ بل يضارب بالثمن فقط للاضرار بالقسمة. والثاني: يرجع كالخلط بالمثل، وَلَوْ طَحَنهَا أَوْ قَصَّرَ الثَّوبَ، فَإن لَمْ تَزِدِ الْقِيمَةُ رَجَعَ وَلاَ شَيْءَ لِلْمُفْلِسِ، لأن المبيعَ موجودٌ من
стр. 781
غيرِ زيادةٍ؛ وإن نقصت فليس للبائع غيره، وَإِن زَادَتْ فَالأظهَرُ أَنَّهُ يُبَاعُ، وَللْمُفْلِسِ مِنْ ثَمَنِهِ بِنِسبَةِ مَا زَادَ، لأنها زيادة حصلت بفعل محترمٍ مُتَقَوَّمٍ فوجبَ أن لا يضيع عليه بخلاف الغاصب، مثاله: فيمة الثوب خمسة وبلغ بالقصارة ستة فللمفلس سدس الثمن؛ والثاني: أن البائع يفوز بالزيادة؛ لأنها أثر، وَلَوْ صَبَغَهُ بِصِبْغَةٍ، أي بصبغ المشتري، فَإن زَادَتِ الْقِيمَةُ قَدْرَ قِيمَةِ الصَّبْغ رَجَعَ، وَالْمُفْلِسُ شَرِيك بِالصَّبْغ، لأن المبيع هو الثوب خاصة، أَوْ أَقَلَّ، أي وسعر الثوب باقٍ بحاله، فَالنَّقْصُ عَلَى الصَّبْغ، لأن أجزاءَهُ تتفرقُ وتنقصُ؛ والثوبُ موجودٌ بحاله، أَوْ أَكْثَرَ؛ فَالأصَحُّ: أَنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمُفْلِسِ، بناء على أن الصبغة كالقصارة يسلك بها مسلك الأعيان، والثاني: أنها أثر فالزيادة بينهما بالقسط.
وَلَوِ اشْتَرَى مِنْهُ الصَّبْغَ وَالثوْبَ رَجَعَ فِيهِمَا إِلَّا أَن لاَ تَزِيدَ قِيمَتُهُمَا عَلَى قِيمَةِ الثَّوْبِ فَيَكُونُ فاقِدًا لِلصَّبْغ، أي يضارب بثمنه. وَلَوِ اشْتَرَاهُمَا، يعني الصبغ والثوب، مِنَ اثْنَيْنِ؛ فَإنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ مَصْبُوغًا عَلَى قِيمَةِ الثَّوبِ، فَصَاحِبُ الصَّبْغ فَاقِدٌ، وَإِن زَادَتْ بِقَدْرِ قِيمَةِ الصَّبْغ اشْتَرَكَا، وَإِن زَادَتْ عَلَى قِيمَتِهِمَا فَالأصَحُّ أَن الْمُفْلِسَ شَرِيكٌ لَهُمَا بِالزِّيادَةِ، بناء على أنها عينٌ. ووجهُ مقابلهِ بناء على أنها أثرٌ.
بِابُ الْحَجْرِ
اَلْحَجْرُ: أَصْلُهُ الْمَنْعُ، وَهُوَ في الشَّرْع: مَنْعُ التصَرُّفِ فِي الْمَالِ.
مِنْهُ حَجْرُ الْمُفْلِسِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، أي في المال الموجود والمتجدد، وَالرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ، أي في العين المرهونة، وَالْمَرِيضِ لِلْوَرَثَة، أي في ثلثي التركة إن لم يكن عليه دَيْنٌ؛ وفي جميعها إن كان عليه دَيْنٌ مستغرقٌ، وَالْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَالْمُرْتَدِّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَهَا أَبْوَابٌ، أي تقدم بعضها وبعضها يأتى، ومما قدمه أيضًا الحجرَ
стр. 782
الغريبَ لحقِّ البائع (•). وقوله (مِنْهُ) كذا فيه إشارة إلى عدم الحصر وهو كذلك، وَعَدَّ صاحبُ الخصالِ مِنَ المحجورِ عليهم أُمُّ الولدِ والفاسقِ (١٠٠)؛ وَمَقْصُودُ الْبَابِ حَجْرُ الْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ، وَالْمُبَذِّرِ، والأصل فيهم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ الآية (١٠١). قال المتولي: والبالغ الذي له أدنى تمييز ولم يكمل عقله كالصبى المميز، فَبِالْجُنُونِ تَنْسَلِبُ الوِلاَيَاتُ، لأنه إذا لم يلِ أمر نفسه فغيره أَولى، وَاعْتِبَارُ الأقْوَاُلِ، أي له وعليه لعدم قصده، أما أفعاله فلا شك في اعتبار الاتلاف منها دون غيره كالصدقة، نعم؛ لو أحرم ثم جُنَّ فقتل صيدًا فالأظهر في الروضة في بابه: عدم وجوب الجزاء وفيه نظر، وَيرْتَفِعُ، أي حجر المجنون، بِالإفاقةِ، أي بمجردها من غير فَكِّهِ (•)، وَحَجْرُ الصَّبِيِّ يَرْتَفِعُ ببُلُوغِهِ رَشِيدًا، لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى ... ﴾ الآية (١٠٢)، وَالْبُلُوغُ بِاسْتِكْمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، أي قمريةً
стр. 783
تحديدًا لحديث ابن عمر (عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ- ﷺ -وَأَنَا ابْنُ أَربعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ وَأَنَاْ ابْنُ خمس عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَني) رواه ابن حبان كذلك وأصله في الصحيح (١٠٣)، أَوْ خُرُوج الْمَنِيِّ، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (١٠٤)، وَوَقْتُ إِمْكَانِهِ استكمَالُ تِسْع سِنِينَ، للاستقراء قال في الدقائق: والمذهب أن الأنثى كالذكر، وقيل: منيُّها كحيضها (١٠٥)، وَنَبَاتُ الْعَانَةِ، أي الخشن، يَقتَضِي الْحُكمَ بِبُلُوغ وَلَدِ الكافرِ لاَ الْمُسلِمِ فِي الأصَحِّ، لأنه متهم في الانبات فربما تداوى له ليكمل ويشرف. والكفار لا تهمة في حقهم؛ لأن به يجوز قتلهم وتضرب عليهم الجزية (١٠٦)، والثاني: نعم؛ لأن الإشكال قد يقع فيه. وقوله
стр. 784
(يَقْتَضي) فيه إشارة إلى أنه ليس ببلوغ حقيقة بل علامة عليه وهو الأصح، وخرج بالعانةِ شعرُ الأبط والشارب واللحية.
فَرْعٌ: وقت إمكانه إمكان وقت الاحتلام؛ ذكره الرافعي وأسقطَهُ من الروضة.
وَتَزِيدُ الْمَرْأَةُ حَيْضًا، بالإحماع، وَحَبَلًا، لأن العادة أنها لا تحمل إلّا بعده وليس ببلوغ في نفسه كما وهم فيه بعضهم, وقوله (وَتَزِيْدُ) فيه إشارةٌ إلى أن ما تقدَّم في السِّنِّ والمنيِّ والإنباتِ عامٌّ في الذكور والإناث.
فَصْلٌ: وَالرُّشْدُ؛ صَلاَحُ الدِّينِ وَالْمَالِ، كذا فَسَّرَ بِهِ ابنُ عباس وغيره قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ (١٠٧)، فَلاَ يَفْعَلُ مُحَرَّمًا يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ، وإن لم يتعلق بالمال كالقذف والكذب، واحترز بِالْمُحَرَّمِ عما يمنعُ قبولَ الشهادة، لإخلاله
стр. 785
بالمروءة، كالأكْلِ في السُّوقِ، وَلا يُبَذِّرُ بِأَنْ يُضَيِّعَ الْمَالَ بِاحْتِمَالِ غُبْنٍ فَاحِشٍ فِي الْمُعامَلَةِ أَوْ رَمْيِهِ فِي بَحْرٍ، أَوْ إِنْفَاقِهِ فِي مُحَرَّمٍ، أي صغيرة وكبيرة لما في الأوليتين مِنْ قِلَّةِ الْعَقْلِ، والثالث: مِن قِلَّةِ الدِّيْنِ (١٠٨). ولو عبَّر بقوله: أو ضياعِهِ بدل إِنْفَاقِهِ كان أَولى، وَالأصَحُّ: أَنَّ صَرْفَهُ فِي الصَّدَقَةِ وُوُجُوهِ الْخَيْرِ وَالْمَطَاعِمِ وَالْمَلاَبِسِ التِي تَلِيقُ بِحَالِهِ لَيْسَ بِتَبْذِير، أما في الأولى: فلأنَّ لهُ فيه غرضًا وهو الثوابُ، وأما في الثانية: فلأنَّ المالَ يتخذ لينتفع به ويلتذ، ووجه مقابله في الأولى: أنه يوقع في الاحتياج، وفي الباقى: أن أهل العرف ينفونَ الرُّشْدَ عنه، ولا يبعد التوسط وهو أن
стр. 786
صرفه في الأوَّلَيْنِ ليسَ بتبذير بخلاف الآخرين، ويُختَبَرُ رُشْدُ الصَّبِيّ، أي في الدِّيْنِ والمالِ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (١٠٦) أي اختبروهم، أما في الدِّيْنِ ففى محافظته على أداءِ الواجباتِ واجتنابِ المحرماتِ وتوقِّى الشبهات ومخالطةِ أهل الخير ونحو ذلك. وأما المال: فَيَخْتَلِفُ بِالْمَرَاتِبِ، كما ذكره المصنف، فَيُخْتَبَرُ وَلَدُ التَّاجِرِ بِالْبَيْع وَالشِّرَاءِ، أي كما سيأتي، وَالمُمَاكَسَةِ فِيهِمَا، أي في النقصانِ عَمَّا طلبه البائعُ، وَوَلَدُ الزَّرَّاع بِالزِّرَاعَةِ وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْقُوَّامِ بهَا، أي الأُجَرَاءِ بها، وَالْمُحْتَرِفِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحِرْفَتِهِ، أي صَنْعَتِهِ، وَالْمَرْأَةُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَزْلِ وَالقُطْنِ، أىِ في تَهْيِئَتِهِمَا إن كانت مُخَدَّرَةً؛ فإن كانت بَرْزَةً ففي بيعهما، وَصَوْنِ الأطْعِمَةِ عَنِ الْهِرَّةِ وَنَحْوِهَا، لأن بذلك يتبين الضبطُ؛ وحفظ المال؛ وعدم الانخداع؛ وذلك قوامُ الرُّشْدِ، ثم إن تَصَرُّفَ المرأةِ بعد ذلك صحيح، ولا يحتاج إلى إذن الزوج، وأما رواية أبي داود [لاَ تَتَصَرَّفُ الْمَرْأةُ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا] فأشار الشافعى-﵁-إلى ضعفه (١٠٩) وعلى تقدير
стр. 787
صحته يُحمل على الأولى.
فَرْعٌ: يختبر الخنثى بما يختبر به الذكر والأنثى جميعًا ليحصل العلم بالرشد؛ ولأنه إذا اختبره بما يختبر بهِ أحدُ النوعينِ جَازَ أنْ يكونَ مِنَ الآخرِ صرَّح بهِ ابن الْمُسَلَّم.
ويشْتَرَطُ تَكَرُّرُ الاِخْتِبَارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، لأنه قد يصيب في المرَّةِ الواحدةِ اتفاقًا فلا بد من زيادةٍ تُفِيد غَلَبَةَ الظَّنِّ بِرُشْدهِ.
فَرْعٌ: اختبار ولد الأمير ونحوه، بأن يعطى نفقة في مدة للخبز واللحم ونحوهما، كما ذكره في الكفاية، ثم نقل عن الماورديِّ أنه يدفع إليه نفقة يومٍ ثم أسبوع، ثم شهرٍ لِلظَّنِّ بِرُشْدِهِ، واشترط الماوردي تكرره ثلاثًا؛ وهذا الخلاف كما في تعليم الجارحة الاصطِيَادِ، وَوَقْتُهُ، يعني وقت الاختبار، قَبْلَ الْبُلُوغ، لئلّا يتأخر دفع المال إليه بعد بلوغه رشيدًا، وَقِيلَ: بَعْدَهُ، لأنَّ تصرفَهُ في الصبِّي غيرُ نَافِذٍ، فَعَلَى الأوَّلِ؛ الأصَحُّ: أَنهُ لاَ يَصِحُّ عَقدُهُ، بَلْ يُمتَحَنُ فِي الْمُماَ كَسَةِ، فَإِذَا أَرَادَ الْعَقْدَ عَقَدَ
стр. 788
الْوَليُّ، لما ذكرناه من بطلان تصرفه. والثاني: يصح للحاجة، فَلَوْ بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ، أي لإختلال صلاح الدينِ أو المالِ، دَامَ الْحَجْرُ، لمفهوم الآيةِ ويتصرف له من كان يتصرف قبل البلوغ، وَإِن بَلَغَ رَشِيدًا اِنْفَكَّ بِنَفْسِ الْبُلُوغ وَأُعطِيَ مَالَهُ، لأنه حَجْرٌ ثَبَتَ بغيرِ حاكمٍ فلم يتوقف زواله على إزالةِ الحاكمِ كحَجْرِ الجنونِ يزول بمجرد الإفاقة وهذا أَوْلى، وَقِيلَ: يُشْترَطُ فَكُّ الْقَاضِي، لأن الرشد يحتاج إلى نظر واجتهاد فأشبه حَجْرَ السَّفَهِ الطَّارِئ.
فَرْعٌ: الخلافُ جارٍ أيضًا فيما إذا بلغَ غيرَ رَشِيْدٍ ثُمَّ رَشَدَ.
فَائِدَةٌ: قال ابن الصلاح: الظاهر أن الشاهد بالرشدِ يكتفى بالعدالة الظاهرة؛ ولا يشترط أن يعرف الإتصاف بالباطنةِ.
فَلَوْ بَذَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ حُجِرَ عَلَيهِ، أيْ أُعِيْدَ الْحَجْرُ عَلَيهِ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ أي أموالهم بدليل ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ (١١٠) والذي يعيده هو القاضي فقط، وَقِيلَ: يَعُودُ الْحَجْرُ بِلاَ إِعَادَةٍ، كما لو جنّ، وَلَوْ فُسِّقَ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ فِي الأصَحِّ، لأن الأوَّليْنَ لم يحجروا على الفَسَقَةِ بخلافِ الاستدامةِ، فإنَّ الحجر كان ثابتًا فبقى، والثاني: يحجر عليه إذا رأى المصلحة فيه كما لو عاد التبذير، وَمَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ طَرَأَ فَوَلِيُّهُ الْقَاضِي، لأن ولاية الأب وغيره قد زالت فلا تعود، وينظر من له النظر العام، وَقِيلَ: وَليُّهُ فِي الصِّغَرِ، كمن بلغ مجنونًا، وَلَوْ طَرَأَ جُنُونٌ، فَوَليُّهُ وَليُّهُ فِي الصِّغَرِ، وَقيِلَ: الْقَاضِي، لتعليلهما كما سلف فيه، والفرق على الأصح: أن السَّفَهَ وزوالَهُ مُجْتَهَدٌ فيه، فاحتاج إلى نظر الحاكم، بخلاف الجنون.
فَصْلٌ: وَلاَ يَصِحُّ مِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ بَيْعٌ وَلاَ شِرَاءٌ، لمكان الحجر، وَلاَ إِعْتَاقٌ، أي ولو بكتابة لما قلناه، وَهِبَةٌ، أي وكذا قبولها على ما اقتضاه كلام الرافعى، لكن الأصح من زيادات الروضة الصحةُ، وَنكَاحٌ، أي يقبله، بِغَيْرِ إِذْنِ وَليُّهِ، فأَمَّا
стр. 789
كونه ولِيًّا فيمتنعُ، ولو أذن له الولي؛ أمَّا إذا أذن له الولي في النِّكَاح فيصح كما سيأتي، فَلَوِ اشْتَرَى أَوِ اقْتَرَضَ وَقَبَضَ وَتَلِفَ الْمَأْخُوذُ في يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ فَلَا ضَمَانَ في الْحَالِ، لأن الَّذي قبض هو المضيِّعُ، وَلَا بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ، سَوَاءٌ عَلِمَ حَالَهُ مَنْ عَامَلَهُ أَوْ جَهِلَ، لتقصيره بالبحث عن حاله، وهذا كله إذا أقبضه البائعُ الرشيدُ، فأما إذا أَقْبَضَهُ السَّفِيْهُ بغير إذن البائع أو أقبضه البائع إياه وهو محجورٌ عليهِ فإِنَّهُ يضمنُهُ بالقبضِ قطعًا، وَيَصِحُّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ نِكْاحُهُ، لما ستعلمه في بابه، لَا التَّصَرُّفُ الْمَالِيُّ في الأَصَحِّ، كما لو أذن لصبي، والثاني: يصح إذا عيَّنَ الوليُّ قَدْرَ الثمَنِ، كما لو أذن له في النِّكَاح، قال الإمام: وهو المذهب، والأول غير معدود منه، وعلى الأول الفرق بينهما أن المقصود بالحجر عليه حفظ المال دون النِّكَاح، وأنه لا يصح منه، أي من بيع السفيه إزالة ملكه في الأموال بإذن ولا بغير إذن بالهبة والعتق؛ ويصح منه إزالة النِّكَاح بالطلاق، وقولُهُ (التْصَرفُ الْمَالِيُّ) يقتضي طرد الخلاف في الهبة والعتق والكتابة، ولا خلاف في بطلانها مع الإذن، وقد يُجَابُ بأنه إذا وَكَّلَ فيها؛ يجري الخلاف. أو يُقال: المفهوم ليس عامًا، بل يقتضى أن منها ما يصح على وجه.
فُرُوعٌ مُسْتَثناةٌ: يصح عفوه عن القِصاص على غير مالٍ؛ على الأصح كما ذكرهُ في بابه، وإذا وجب له قصاص فصالح المستحق على الدِّيَةِ أو أكثر منها لم يكن للولي منعه، وإذا ثبت له دَيْنٌ فقبضه بإذن وليِّه فالأرجح عند الحناطي الاعتداد به.
وَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِدَيْنٍ قَبْلَ الْحَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ، كالصبيِّ، وَكَذَا بِإِتْلَافِ الْمَالِ، أي وكذا جناية توجب المال، فِي الأَظْهَرِ، كَدَيْنِ الْمُعَامَلَةِ، وعلى هذا لا يؤاخذُ بهِ بعد الإطلاق على الصحيح، لأنه لا حكم لهذا الإقرار، والثاني: أنَّه يقبل؛ لأنه لو باشر الإتلاف ضَمَنَ، فإذا أقرَّ به قبل، وَيَصِحُّ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ، لأنه لا تعلق لهما بالمال ولبعد التهمة، وَطَلَاقه، لأن الحجرَ لم يتناوله، وَخُلْعُهُ، لأنه إذا صَحَّ مجانًا فبعوضٍ أَوْلى، إلا أنَّه لا يُسَلَّمُ إليهِ المال، وَظَهَارُهُ، لصحة عبارته وكذا إيلائه، وَنَفْيُهُ النَّسَبَ بِلِعَانٍ، لأنه ليس بتصرفٍ ماليٍّ، وَحُكْمُهُ في الْعِبَادَةِ كَالرَّشِيدِ، لاجتماع الشرائط
стр. 790
فيه، لَكِنْ لَا يُفَرِّقُ الزَّكَاةَ بِنفْسِهِ، لأنه تصرفٌ ماليٌّ، وِإذَا أَحْرَمَ بِحَجِّ فَرْضٍ، أي وكذا بعمرةٍ أو أخرهما إلى الميقات، أَعْطَى الْوَلِيُّ كِفَايَتَهُ لِثِقَةٍ يُنْفِق عَلَيْهِ في طَرِيقِهِ، خوفًا من تفريطه فيه، قال القاضي: فإن لم تجد من يفعله إلا بأجرة استأجر عليه، ولو أحرم بتطوع ثم حُجِرَ عليه قبل إتمامه فكالفرض، وِإدْ أَحْرَمَ بِتَطَوُّع وَزَادَتْ مُؤْنَةُ سَفَرِهِ عَنْ نَفَقَتِهِ الْمَعْهُودَةِ فَلِلْوَلِيِّ مَنْعُهُ، صيانةً لِمَالِهِ، وتأوَّلَ صاحِبُ المطلبِ المنعَ على الزائد لا على نفسِ السفو، وَالْمَذْهَبُ أَنهُ كَمُحْصَرٍ فَيَتَحَلَّلُ، لأنه ممنوع، وقيل: وجهان، ثانيهما: أنَّه كمن فقد الزاد والراحلة لا يتحلل إلا بلقاء البيت؛ لاشتراكهما في امتناع الذهاب. قُلْتُ: وَيتَحَلَّلُ بِالصوْمِ إِنْ قُلْنَا لِدَمِ الإِحْصَارِ بَدَلٌ، لأنَّهُ مَمْنُوع مِنَ الْمَالِ، أي وإن قلنا لا بدل له، بل يبقى في ذمةِ المحصَرِ فيظهرُ كما قال في المطلب: وقد استفدنا من هذا الكلام أن الإحرام بغير إذن الولي صحيح؛ وفي الفرقِ بينه وبين الصبي المميز نظر. والفرقُ استقلال السفيه بخلاف أن يبقى في ذمة السفيه أيضًا، وَلَوْ كَان لَهُ في طَرِيقِهِ كَسْبٌ قَدْرَ زِيَادَةِ الْمُؤْنَةِ لَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ، وَالله أَعْلَمُ، لأن الإتْمَامَ بدُونِ التَّعَرُّضِ لِلْمَالِ مُمْكِنٌ، قال في المطب: وفيه نظر، إذا كان عمله مقصودًا بالَأجرة بحيث لا يجوز له التبرع به.
فَصْلٌ: وَليُّ الصَّبِيِّ أَبُوهُ، بالإجماع، ثُمَّ جَدُّهُ، أي أَبُ الأَبِ وإن عَلا كولاية النِّكَاح، وينبغي كما قال في الروضة: أن يكون الراجح الاكتفاء فيهما بالعدالة الظاهرة، وقال صاحب المعين: الأصحُّ المنعُ، بل لا بد من ثبوتها عند الحاكم، ونقله عن بعض أصحابنا؛ وهذا التصحيح موجود في المذاكرة أيضًا من غير عزوٍ؛ والظاهر أنَّه أخذه منها، ثُمَّ وَصِيُّهُمَا، أيْ وصيٌّ مَن تأخَّرَ موتُهُ عنهما، لأنه يقوم مقامهما، ثُمَّ الْحَاكِمُ، لأَنَّهُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ، وَلَا تَلِي الأُمُّ فِي الأصَحِّ، كولاية النكاح، والثاني: يقدم على وصيّ الأب والجد؛ لأنها أحد الأبوين فأشبهت الأب.
فَرعٌ: حكم المجنون ومن بلغ سفيهًا حكم الصبيِّ في ترتيب الأولياء.
ويتَصَرَّفُ الْوَلِيُّ بِالْمَصْلَحَةِ، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِىَ
стр. 791
أَحْسَنُ﴾ (١١١) وقد أوضحت ذلك في الأصل فراجعه، ورأيت في فتاوى القفال أن أب الصبيِّ لا يودع ماله إلّا (•) عند الضرورة، وله أن يقارض به وببعضه إذا كان الطريق آمنًا، وَيَبْنِي دُورَهُ بِالطِّينِ وَالآجُرِّ، لأن الآجُرَّ وهو الطوب المشويُّ والطينُ قليل المؤنة يننفع به بعد النَّقْضِ، لَا اللَّبِنِ، وهو الطوب الَّذي لم يحرق، وَالجِصِّ، أي وهو الجبس لقلة بقائهما، ولا يبني باللبن وبالطين أيضًا لقلة بقائه؛ ولا بالآجر والجص؛ لأنه يعلق به فينكسر عند نقضه ونزعه منه، واشترط ابن الصباغ في بناء العقار أن يساوي بعد بنائه قدر ما انصرف عليه، وهذا في زماننا في غاية النُّدْرَةِ فهو في التحقيق منع للبناء، قال بعض فقهاء اليمن: وإنما يَبْنِيْهِ إذا لم يكن الشراء أحظ وهو فِقْهٌ ظَاهِرٌ، وَلَا يَبِيعُ عَقَارَهُ، إذ لا حظَّ فيه، إِلَّا لِحَاجَةٍ، أي كنفقة ونحوها، ومنها ما ذكره الرويانى في البحر: أن يكون اليتيم في بلد وعقاره في آخر، ويحتاج إلى مؤنة في توجيه من يجمع الغلة فيبيعهُ ويشتري ببلد اليتيم أو بلد فيه مثله، أَوْ غِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ، أي بأن يكون ثقيل الخراج ونحوه، قال الإمام: وضابطها أن لا يَسْتَهِيْنَ بها أرباب العقول لشرفها، وسُئِلَ القَفَّالُ عن ضيعةٍ خرابٍ لِيَتِيْمٍ تستأصل في خراجها، فقال: يجوزُ لِوَلِيِّهِ بيعُهَا بثمنٍ تافهٍ ولو بدرهم؛ لأنه المصلحةٌ.
فَرْعٌ: حكم الأواني المعدة للقنية حكم العقار، قاله البندنيحي.
تَنْبِيْهٌ: ينبغي أن يجوّز بيع أموال التجارة من غير تقييدٍ بشيءٍ من ذَلِكَ، بل لو رأى البيعَ بأقلِّ من رَأسِ المالِ ليشتريَ بالثمنِ ما هو مظنة للربح جاز، قاله بعضُ المتأخرين.
وَلَهُ بَيْعُ مَالِهِ بِعَرْضٍ وَنَسِيئَةٍ لِلْمَصْلَحَةِ، أي بأن يكون في الأولِ ربحٌ؛ وفي الثاني خوف من نهب أو إغارة، وَإِذَا بَاعَ، أي غير الأب، نَسِيئَةً أَشْهَدَ، أي على
стр. 792
البيع، وَارْتَهَنَ بِهِ، أي بالثمن رهنًا وافيًا به احتياطًا للمحجور عليه. ويشترط أن يكون المشتري ثقة موسرًا والأجل قصيرٌ بالعرف. أما إذا باعَ الأبُ مالَ وَلَدِهِ مِنْ نَفْسِهِ نَسِيْئَة فَلَا يحتاجُ إلى ارتهانٍ؛ لأنه أمينٌ في حقِّ نفسهِ، وَيَأْخُذُ لَهُ بِالْشُفْعَةِ أَوْ يَتْرُكَ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، طلبًا للأحظّ، فإن استوى الأمران فهل يجب الأخذ أم يجوز أم يمتنع؟ فيه أوجه، والنص يفهم الأول كما قاله صاحب المطلب.
فَرْعٌ: لو قال المحجور كان الأحظُّ في الأخذِ؛ ونازعَ الوَلِيُّ فعلى ما سيأتي في العقار؛ قاله صاحب المهذب وغيرُهُ، ورأيتُ في فتاوى القفال: أنَّه لو أختلف هو والمشتري في ذلك وأن وليه ترك الأحظّ فالقول قول الصبي مع يمينه إلّا أن يقيم المشتري بيِّنةً على أن الولي ترك ذلك لما فيه من الحظ.
وَيُزَكِّي مَالَهُ، وَيُنْفِقُ عَلَيهِ بِالْمَعْرُوفِ، لأنه قائِمٌ مقامَهُ، فَإِذَا ادَّعَى بَعْدَ بُلُوغِهِ عَلَى الأَبِ وَالْجَدِّ بَيْعًا بِلَا مَصْلَحَةٍ صُدِّقَا بِالْيَمِينِ، لوفور شفقتهما، وَإنِ ادَّعَاهُ عَلَى الْوَصِيِّ وَالأَمِينِ صُدِّقَ هُوَ بِيَمِينِهِ، للتهمة، ودعواهُ على المشتري كَهِيَ (١١٢) على الولِيِّ، وكذا دعواهُ على القاضي في زمن قضائهِ فيما يظهر.
стр. 793
كِتَابُ الْصُّلْحِ (•)
الصُّلْحُ: لغةً قَطْعُ المُنَازَعَةِ، وشرعًا مُعَاقَدَةٌ تَفْضِي إلَى إِصْلَاحٍ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ (١١٣).
والأصل فيه قبل الإجماع، قوله تعالى: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (١١٤) وقول رسول الله عَلَيْهِ
стр. 794
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: [الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِيْنَ إِلا صُلْحًا أَحَلُّ حَرَاما أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا] رواه أبو داود وصححه ابن حبان (١١٥).
هُوَ قِسْمَانِ؛ أَحَدُهُمَا: يَجْرِي بَيْنَ الْمَتَدَاعِيَيْنِ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: صُلْحٌ عَلَى إِقْرَارٍ، فَإِنْ جَرَى عَلَى عَيْنٍ غَيْرِ الْمُدَّعَاةِ، فَهُوَ بَيْعٌ بِلَفْظِ الصُّلْح تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ كَالشُّفْعَةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَمَنْع تَصَرُّفِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَاشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ إِنِ اتَّفَقَا في عِلَّةِ الرِّبَا، أي وغير ذلك من أحكامه، لأن حد البيع صادق عليه. وَقَوْلُهُ (علَى عينٍ غَيْرِ المدُّعاةِ) لو حذفَ لفظةَ عَيْنٍ لشملَ ما إذا صالحَ منها على عينٍ وعلى دَيْنٍ؛ فإن الحكمَ سواءٌ وقَدْ حذفها الحاوي الصغير فأصابَ، أَوْ عَلَى مَنْفَعَةٍ، أي كخدمة عبد، فَإِجَارَةٌ تَثْبُتُ أَحْكَامُهَا، لصدقِ حَدِّ الإجارَةِ عليهِ، أَوْ عَلَى بَعْضِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ فَهِبَةٌ لِبَعْضِهَا لِصَاحِبِ الْيَدِ فَتَثْبُتُ أَحْكَامُهَا، أيْ المقررةِ في بابها من اشتراط القَبُول وغيرِهِ لما ذكرناه من صدق الحدِّ وهذا يسمى صلح الحطيطة. واحترَزَ بِالْمُدَّعَاةِ عما إذا ادعى شيئًا وصالح منه على بعض عين، فإنَّ هذا الصُّلْحَ بَيْعٌ إن ادعى عينًا أو دَيْنًا، أو إجارةٌ إن ادعّى منفعةً. وقوله (فَهِبَةٌ) أيْ إذا عقد بلفظ الهبةِ أو التمليكِ وشبهِهِمَا، فإنْ عُقِدَ بِلَفْظٍ البيع أو الصُّلْح فسيأتي.
وَلَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، لأن البيع يقتضي تقابل عوضين وهو منتفٍ هنا، وَالأَصَحُّ: صِحَّتُهُ بِلَفظِ الصُّلْحُّ، أي ويكون هبة؛ لأن الخاصية التي يفتقر إليها لفظ
стр. 795
الصلح هي سبق الخصومة وقد حصلت، والثاني: لا يصح، لأن الصلح يتضمن المعاوضة، ومحال أن يقابل ملكه ببعضه.
وَلَوْ قَالَ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ خُصُومَةٍ: صَالِحْنِي عَنْ دَارِكَ بِكَذَا، فَالأَصَحُّ: بُطْلانهُ، لأن لفظ الصلح لا يطلق إلّا إذا سبقت خصومة، والثاني: يصح نظرًا إلى المعنى ولو استعملاهُ وأرَادَا به البيع كان كنايَةً، قاله الرافعي وخالفه صاحب المطلب، وَلَوْ صَالَحَ مِنْ دَيْنٍ عَلَى عَيْنٍ صَحَّ، لعموم الأدلة الدَّالَّةِ على الصلح. وقوله (عَلَى عَيْنٍ) صوابُهُ على غيره، فإنَّهُ قَسَّمَهُ بعدَ هذا إلى عَيْنٍ وَدَيْنٍ ويشترطُ في الدَّيْنِ أن يجوز الاعتياض عنه. فَإِن تَوَافَقَا، أي الدَّيْنُ المصالَحُ مِنْهُ والعوضُ المصالَحُ عليه، في عِلَّةِ الرِّبَا، كالصُّلْحِ عن الذهبِ والفضةِ ونحوه، اشْتُرِطَ قَبْضُ الْعَوَضِ في الْمَجْلِسِ، أي فمتى تفرقا قبل قبضه بطل الصلح، وَإِلَّا، أي، فَإِنْ كَانَ العِوَضُ عَيْنًا، أي وإن لم يتوافقا في علَّةِ الرِّبا كالذهب بالحنطة، لَمْ يُشْتَرَطْ قَبْضُهُ في المَجْلِسِ في الأَصَحِّ، أَوْ دَيْنًا، أي كصالحتك عن الذهب، أي الَّذي لي عليك بأردب قمح، اشْتُرِطَ تَعْيِينُهُ في الْمَجْلِسِ، وَفِي قَبْضِهِ الْوَجْهَانِ، لما سلف في الكلام على الاستبدال عن الثمن موجهًا بدلائله، وإن كان المالان ربويين في صورة الدَّيْن فلا بد من قبض العوض في المجلس، وَإِنْ صَالَحَ مِنْ دَينٍ عَلَى بَعْضِهِ فَهُوَ إِبْرَاءٌ عَنْ بَاقِيهِ، لأنه معناه وهذا صلحُ حُطَيْطَةٍ؛ وما تقدم صُلْحُ مُعَاوَضَةٍ.
فَرْعٌ: لو ضمن عشرة وصالح منها على خمسة رجع بها فقط وبرأ، وقد ذكره الرافعي في الضمان وتوقف فيه.
وَيصِح بِلَفْظِ الإِبرَاءِ وَالْحَطِّ وَنَحْوِهِمَا، أي كالإسقاط والوضع، لأنه ﵊ قال لكعب بن مالك: [ضَعْ عَنْ ابْنِ أَبِى حَدْرَدٍ] لَمَّا طَلَبَ مِنْهُ مَالَهُ الشَّطْرَ؛ متفق عليه من حديثه (١١٦)، وَبِلَفْظِ الْصُّلْحِ فِي الأَصَحِّ، لما تقدم في
стр. 796
صلح الحطيطة عن العين مع توجيه مقابله أيضًا.
فَرْعٌ: لا يَصِحُّ هذا الصلح (•) بلفظِ البيع كنظيره مِن العَيْنِ.
وَلَوْ صَالَحَ مِنْ حَالٍّ عَلَى مُؤَجَّلِ مِثْلِهِ أَوْ عَكَسَ، أي صالح من مؤجل على حالٍّ مثلهِ، لَغَا، لأن الأول إلحاقٌ للأجلِ ولا يلحق، والثاني: اسقاط له ولا يسقط، ولو خرج على الخلاف في أن الأجل يسقط بالاسقاط لم يبعد، فَإِنْ عَجَّلَ المُؤَجَّلَ صَحَّ الأَدَاءُ، لصدور الإيفاء والاستيفاء من أهلهما، ولو عجل على ظن صحةِ الصُّلْحِ؛ ففيه اضطراب، وَلَوْ صَالَحَ مِنْ عَشْرَةٍ حَالَّةٍ عَلَى خَمْسَةٍ مُؤَجَّلَةٍ بَرِئَ مِنْ خَمْسَةِ وَبَقيَتْ خَمْسَةٌ حَالَّةٌ، لأنه سامح (•) بحطِّ خمسة وبإلحاق أجل بالباقي، والأول سائغ فيبرأ عن خمسة، والثاني: وعد لا يلزم فله المطالبة بالباقي في الحال، وَلَوْ عَكَسَ، أي صاع من عشرة مؤجلة على خمسة حالَّةٍ، لَغَا، لأن صفة الحلول لا يصح إلحاقُها، والخمسةُ الأُخرى إنما تركها في مقابلته، فإذا لم يحصل الحلول لا يحصل الترك.
النَّوْعُ الثَّانِي: الصُّلْحُ عَلَى الإِنْكَارِ فَيَبْطُلُ إِنْ جَرَى عَلَى نَفْسِ الْمُدَّعَى، لأنه إن كان المدعى كاذبًا فقد استحلَّ مِنَ المدَّعي عليهِ مالَهُ وهوَ حرامٌ، وإن كان صادقًا فقد حَرَّمَ عليهِ مَالَهُ الحلال؛ فدخل في قوله ﵊: [إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ
стр. 797
حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا] (١١٧) وقوله (نَفْسِ الْمُدَّعَى) صوابُهُ: (غَيْرِ) لأن الْمُصَالَحَ عليه هو المأخوذ لا المتروك، وَكَذَا إِنْ جَرَى عَلَى بَعْضِهِ في الأَصَحِّ، قياسًا على غيره، والثاني: يصح؛ لاتفاقهما على استحقاق البعض، وَقَوْلُهُ: صَالِحْنِي عَلَى الدَّارِ الَّتِي تَدَّعِيهَا لَيْسَ إِقْرَارًا في الأَصَحِّ، لأَنَّهُ يحتمل أن يريد قطع الخصومة لا غير، والثاني: نعم، كما لو قال: مَلِّكْنِيهَا فَعَلَى الأَوَّلِ: يكون الصلح بعد هذا الالتماس صلح انكار.
الْقِسْمُ الثَّانِي: يَجْرِي بَيْنَ الْمُدَّعِيَ وَأَجْنَبِيِّ، فَإِنْ قَالَ: وَكَّلَنِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الصُّلْح وَهُوَ مُقِرٌّ لَكَ، أي في الظاهر، وأنا أعلم أنَّه لك، صَحَّ، لأن قول الإنسان في دعوى الوكالة مقبول في جميع المعاملات، ثم إنْ كان صادقًا في الوكالة صار المدعى ملكًا للمدعي عليه وإلا فهو شراءُ فضوليِّ وقد سلف في بابه.
فُرُوعٌ وَارِدَةٌ عَلَى الْمُصَنَّفِ: لَوْ قالَ الْمُنْكِرُ لِلأَجْنَبِىِّ: وَكَّلْتُكَ في الصلحِ لقطعِ الخصومةِ، فالأصح في الحاوي الكبير الصِّحَّةُ. ولو قال: هو منكرٌ ولكنه مبطل في إنكاره فصالحني له على عبدي هذا لِتنقطع الخصومة بينكما، وكان الدعي دَيْنًا؛ فالمذهب: الصحة، ولو قال: صالحني على الألف الَّذي لك على فلان على خمسمائة صح، وإن كان بغير إذنه وهذا وارد على إطلاقه، اعتبار التوكيل وما قبله وارد على إطلاق اعتبار الإقرار.
وَلَوْ صَالَحَ لِنَفْسِهِ، أي فيما إذا كان المدعى عليه عينًا، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، أي والحالة أن الأجنبي قائل بأنه مُقِرٌّ لك، صَحَّ، أي ظاهرًا وكذا باطنًا، كما قال الإمام، أما إذا كان دينًا فيجيء فيه الخلاف السابق في مرضعه في بيع الدين لغير من له عليه، وهذه الطريقة التي جزم بها المصنف هي الصحيحة. وقيل: وجهان؛ كما لو قال لغيره من غير سبق خصومة: صالحني عن دارك بكذا؛ لأن الأجنبي لم يخاصم، والمذهب: الصحة؛ لأن الصلح تَرَتَّبَ على دعوى وجواب لها، واحترز بقوله (وَالْحَالَةُ
стр. 798
هَذِهِ) عما إذا صالح لنفسه مع الإنكار وسيأتي، وَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ، كذا عبر به في الْمُحَرَّرِ، وعبارةُ الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ: كما لو اشتراه وهو الصواب، لأنه شراء حقيقى فلا معنى للتشبيه.
وَإنْ كَانْ مُنْكِرًا، وَقَالَ الأَجْنَبِيُّ: هُوَ مُبْطِلُ في إِنْكَارِهِ، فَهُوَ شِرَاءُ مَغْصُوبٍ؛ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ قُدْرَتهِ عَلَى انْتِزَاعِهِ وَعَدَمِهَا، أي عدم القدرة وقد سبق الخلاف (•) في البيع وهذا إذا كان عينًا أما الدين فقد تقدم.
فَرْعٌ: قوله أنا قادر على الانتزاع كقدرته على الأصح.
وَإِنْ لَمْ يَقُل هُوَ مُبْطِلٌ لَغَا الصُّلْحُ، لأنه اشترى منه ما لم يثبت ملكه لَهُ.
فَضلٌ: الطَّرِيقُ النَّافِدُ لَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِمَا يَضُرُّ المَارَّةَ، لأن الحق فيه ليس للمتصرف خاصة بل للمسلمين كافة، وَلَا يُشْرَعُ، أي يخرج، فيه جَنَاحٌ، وهو الخارج من الخشب، وَلَا سَابَاطٌ يَضُرُّهُمْ، لما تقدم؛ فإن لم يضر جاز، بَل يُشْتَرَطُ ارْتفَاعُهُ بِحَيْثُ يَمُرُّ تَحْتَهُ مُنْتَصِبًا، يعني الماشي وعلى رأسه الحمولة العالية كما قَيَّدَهُ (•) الماوردي، ويشترط أيضًا أن لا يؤثر في إظلام الموضع على الأصح، وَإِنْ كَان مَمَرَّ الْفُرْسَانِ وَالْقَوَافِلِ فَلْيَرْفَعْهُ بِحَيْثُ يَمُرُّ تَحْتَهُ الْمَحْمِلُ عَلَى البَعِيرِ مَعَ أَخْشَابِ الْمَظَلَّةِ، لأنه قد يتفق ذلك وإن كان نادرًا.
فَرْعٌ: ما ذكرناه خاصٌّ بالمسلم، أما الكافر؛ فليس له إشراع الجناح على الصحيح من زوائد الروضة.
وَيَحْرُمُ الصُّلْحُ عَلَى إِشْرَاعِ الْجَنَاح، لأن الهوى تابع لا يفرد بالعقد كالحمل مع الأُمِّ، وَأَن يَبْنِيَ في الطَّرِيقِ دَكَّةَ، بفتح الدال، أَو يَغْرِسَ شَجَرَةَ، لمنع الطروق في ذلك المحل، وَقِيلَ: إِدْ لَمْ يَضُرُّ جَازَ، كإشراع الجناح، وَغَيْرُ النَّافِذِ يَحْرُمُ الإِشْرَاعُ،
стр. 799
أي إشراع الجناح، إِلَيهِ لِغَير أهْلِهِ، أي وإن لم يضر؛ لأنه ملكهم فأشبه الإشراع إلى الدور، وَكَذَا لِبَعضِ أَهلِهِ فِي الأصَحِّ، كسائر الأملاك المشتركة، والثاني: يجوز إذا لم يضر؛ لأن كل واحد منهم يجوز له الارتفاق بقراره فيجوز بهوائه كالشارع، إِلَّا بِرِضَى الباقِينَ، أي مجانًا فإنه يجوز ضَرَّ أَم لَا، لأنه ملكهم، ويشترط مع إذن أهل الدرب إِذنُ المستاجرِ إنْ تَضَرَّر، وَأهلُهُ، يعني أهل غير النافذ، مَنْ نَفَذَ بَابُ دَارِهِ إِليه، لَا مَنْ لاصَقَهُ جَدَارُهُ، أي بلا باب لأنهم الذين يُسَمَّوْنَ سكانه.
وَهَل الاسْتِحقاق فِي كُلّهَا، أي في الطريق غير النافذة، لِكُلهِمْ أَمْ تَخْتَصُّ شَرِكَةُ كُل وَاحِدٍ بِمَا بَينَ رَأسِ الدَّرْبِ وَبَابِ دَارِهِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: الثانِي، لأن هذا القدر محل تردده ومروره. وما عداه فحكمه فيه حكم غير أهل السكة، ووجهُ الأولِ أنهم ربَّمَا احتاجوا إلى التردد والارتفاق بحميعه لطرح الأثقال عند الإدخال والإخراج، وَلَيسَ لِغَيرِهِم فتَحُ بَاب إِلَيهِ لِلاستِطْرَاق، لتضررهم؛ فإن أذنوا جاز لهم الرجوع ولو بعد الفتح، وَلَهُ فَتحُهُ إِذَا سَمَّرَهُ فِي الأصَح، لأن له رفع الجدار فبعضه أولى، والثاني: لا، لأنه قد يستدل به فيما بعد على استحقاق المرور وصححه جماعة، وهو أفْقَهُ.
وَمَنْ لَهُ فِيهِ بَابٌ فَفَتَحَ آخَرَ أبْعَدَ مِنْ رَأسِ الدَّرْبِ، أي من بابه الأصلي، فَلِشُرَكَائِهِ مَنْعُهُ، لتضررهم، وسواءٌ سَدَّ البابَ الأول أمْ أبقاهُ، فَإن كَان أَقرَبُ إِلَى رَأسهِ وَلَم يَسُدَّ البابَ القَدِيمَ فَكَذَلِكَ، لأن انضمام الثاني إلى الأول يورث زحمةً وكثرةَ وقوفِ الدوابِ فيتضررونَ به، وَإِن سدَّهُ فَلَا مَانِعَ، لأنه ترك بعض حقه.
وَمَن لَهُ دَارَانِ تَفْتَحَانِ إِلَى دَربَينِ مَسْدُودَينِ أوْ مَسدُودٍ وَشَارِع فَفَتَحَ بَابًا بَينَهُمَا، أي لقصد الاستطراق، لَم يُمنَع في الأصَح، لأنه يستحق المرور في السكة ورفع الحائل بينَ دَارَيهِ تَصَرُّفٌ فِي مُلْكِهِ، والثاني: يمنع، ونقلَهُ في الروضة عن الجمهور لإحداث ما لم يكن، وسواء سدَّ بابَ أحدهما أمْ لا! فالخلاف جارٍ، أما إذا قصد اتساع ملكه، فلا يمنع قطعًا، وكذا إذا رفع الجدار وخلط الدارين وترك
стр. 800
البابين على حالهما، وقوله (مَسْدُودَينِ أوْ مَسْدُودٍ) لو عبر بمملوكين أو مملوك كان أَولى لأنه لا يلزم من السد الملك بدليل ما لو كان في أقصاه مسجد ونحوه.
وَحَيثُ مُنعَ؛ فَتَحَ البابَ؛ فَصالحَهُ أَهلُ الدَّربِ بِمالٍ صَح، لأنه انتفاع بالأرض، وهذا بخلاف ما سلف في الجناح؛ لأنه هناك بدل مال في مقابلةِ الهواء المجرد، وَيجُوزُ فَتْحُ الكوَّاتِ، أي بفتح الكاف، وهي فتح في الحائط لأجل الضوء غالبًا؛ لأنه تصرف في ملكه فيفعل فيه ما يشاء، وقيَّد صاحب الشافي ذلك بما إذا كانت عاليه لا يقع النظر فيها على دار جاره.
فَصلٌ: والجِدارُ بَينَ المَالِكينِ، قَدْ يَختَصُّ بِهِ أَحَدُهُما؛ وَقَد يَشْتَرِكانِ فِيهِ، فالمُختصُّ لَيسَ لِلآخَرِ وَضْعُ الجُذُوع عَلَيهِ بِغَيرِ إِذْنِ فِي الجَدِيدِ، وَلا يُجبَرُ المَالِكُ، لقوله ﷺ في خطبة حجة الوداع [لا يَحِل لامْرِئٍ مِنْ مالِ أَخِيهِ إِلا ما أَعطاهُ عَنْ طِيبِ نَفسِهِ] رواه الحاكم بإسناد على شرط الصحيح من حديث ابن عباس (١١٨) وقياسًا على سائر أمواله، ونفله البغوي في شرح السُّنَّة عن أكثر أهل العلم، والقديم، ونصَّ عليه في البويطي أيضًا: أنه يجوز وضعها من غير إذنه وليس له منعه لقوله ﷺ [لا يَمْنَعَنُّ جارٌ جارَهُ أنْ يَضَعَ خَشَبَةً في جِدارِهِ] متفق عليه من
стр. 801
حديث أبي هريرة (١١٩) وإنما يجبر إذا كانت خفيفة لا تضر، واستغنى المالك عنه وأن تكون الأرض له، وأن لا يمكن الجدار (•) أن يسقف إلا بالوضع، واعلم أنه يجوز على هذا القول إدخال الجذوع في الحائط أيضًا ولا يختص بالوضع، فَلَوْ رَضِيَ بِلا عِوَضٍ فَهُوَ إِعارَةٌ، لصدق حدها عليه، وَلَهُ الرجُوعُ قَبْلَ البناءِ عَلَيهِ، وَكَذا بَعْدَهُ في الأصَح، كسائر العواري، والثاني: لا كما لو أعار للدفن، وفائدَةُ الرُّجُوع؛ تَخْييرُهُ بَينَ أَن يُبْقِيَهُ بأُجْرَةٍ أَوْ يَقْلَعَ وَيغْرَمَ أَرشَ نَقْضِهِ، كما لو أعار أرضًا للبناء، وَقيلَ: فائِدَتُهُ طَلَبُ الأجْرَةَ فَقَطْ، لأن ضرر القلع يصل إلى ما هو خالص ملك المستعير؛ لأن الجذوع إذا رُفعت أطرافها من جدارٍ لم تستمسك على الجدار الباقي.
وَلَو رَضِيَ بِوَضْع الجُذُوع والْبِناءِ عَلَيها بِعِوَضٍ، فَإِن أَجَّرَ رَأسَ الجِدارِ لِلْبِناءِ، فَهُوَ إِجَارَةٌ، أي فيشترط فيه شروطها إلا بيان المدة على الأصح؛ لأن الحاجة تدعو إلى دوامه، وَإِن قَال: بِعْتُهُ لِلْبِناءِ عَلَيهِ، أَوْ بعْتُهُ حَق البنِاءِ عَلَيهِ، فالأصَحُّ: أَنَّ هَذا العَقدَ فِيهِ شَوْبُ بَيعٍ، أي لكونه مؤبد، أَو إِجارَةً، أي لكونه على منفعةٍ؛ والثاني: أنه بيع لوضع الجذوع حتى لو انهدم الجدار ثم أُعيد عاد حقه، والثالث: أنَّه إجارة مؤبدة واغتفر ذلك لما سلف من الحاجة، واحترز بقوله (لِلْبِناءِ عَلَيهِ) عما إذا باعه وشرط ألا يبنى عليه؛ فإنه جائز لا محالة، وينتفع به بما عدا البناء عليه وكذا إذا باعه ولم يتعرض للبناء بالكلية على الأصح ذكره الماوردي، فَإذا بَنَى، أي بعد هذه المعاقدة، فَلَيسَ لِمَالِكِ الْجِدارِ نَقْضُهُ بِحالٍ، أي نقض بناء المشتري لاستحقاقه دوامه؛ ومن الواضح أن البائع لا يُمَكنُ من هدم هذا الجدار.
стр. 802
وَلَو انهَدَمَ الجِدارُ فأَعَادَهُ مالِكُهُ، فَلِلْمُشتَرِي إِعادَةُ البناءِ، أي بتلك الآلات وبمثلها لاستحقاقه، وَسواءٌ كان الإِذْن، في وضع البناء، بِعِوَضٍ، أَوْ بِغَيرِهِ، يُشْتَرَطُ بَيان قَدرَ المَوضِع الْمَبنِي عَلَيهِ طُولًا وَعَرضًا، وَسَمْكِ الْجُدرانِ، أي بفتح السين وهو ارتفاعه عن الأرض، قاله الرافعي؛ وطوله عبارة عن امتداده من زاوية البيت إلى زاويته الأخرى مثلًا، والعرض هو البعد الثالث، وَكَيفِيتِها، أي هل هي منضدة أو مجوفة من طوب أو غيره، وَكَيفِيةِ السَّقفِ الْمَحمُولِ عَلَيها، أي هل هو من خشب أو أزج وَهُوَ الذِي يُسَمَّى عَقْدًا؛ لأن الغرض يختلف بذلك، ولو كانت الآلات حاضرة أغنت عن كل وصف.
وَلَو أذِن في البناءِ عَلَى أَرضِهِ، كَفَى بَيان قَدرِ مَحَل الْبناءِ، لأنَّ الأرضَ تَحمِلُ كُلَّ شَيءٍ فَلا يَختلِفُ الْغَرَضُ إلَّا بِقَدرِ مَحَل الْبِناءِ.
تَنْبِيهٌ: ينبغي اشتراط قدر ما يحفر؛ لأنَّ الغرض يختلف به.
وأما الجِدارُ الْمُشتَرَكُ فَلَيسَ لأحَدِهِما وَضْعُ جُذوعِهِ عَلَيهِ بغير إِذْن في الجَدِيدِ، لما سبق في الجدار المختص، وَلَيسَ لَهُ أَن يَتِدَ فِيهِ وتدًا أَوْ يَفْتَحَ كُوَّة إِلّا بِإِذْنِهِ، كغيره من المشتركات، وكذا لا يترب الكتابَ بترابهِ بلا إذن، وَلَهُ أَن يَسْتَنِدَ إِلَيهِ وَيسنِدَ مَتاعًا لا يَضرٌّ، وَلَهُ ذَلِكَ في جِدارِ الأجنَبِي، لأنه لا ضرر على المالك، وَلَيسَ لَهُ إِخبارُ شَرِيكِهِ عَلَى الْعِمارَةِ في الْجَدِيدِ، كما لا يجبر على زراعة الأرض المشتركة، والقَدِيمُ إجباره دفعًا للضرر، وصَحَّحَهُ جَماعَةٌ وهو المختارُ، فإِن أرادَ، أي الشريك، إِعادَةَ مُنهَدِمٍ بِآلَةٍ لِنَفْسِهِ لَم يُمنَعْ، ليصل إلى حقه بذلك، نَعَمْ؛ قيل: لَهُ مَنْعُ شَرِيكِهِ من الاستناد إليه والحالة هذه، وقيل: لا؛ قال في البحر: وهو الأصحُّ عندي، وَيكُون الْمُعادُ مِلْكَهُ، يَضَعُ عَلَيهِ ما شاءَ وَينْقُضُهُ إِذا شاءَ، لأنه لا حق لغيره فيه.
وَلَوْ قَال الآخَرُ: لا تنْقُضْهُ وَأَغْرَمُ لَكَ حِصَّتِي لَمْ تلْزَمْهُ إِجابَتُهُ، كما لا تلزمه ابتداءً العمارةُ على هذا القول، وَإِن أَرادَ إِعادَتَهُ بِنَقضِهِ الْمُشْتَرَكِ فَلِلآخَرِ مَنْعُهُ،
стр. 803
لأنه تصرف في ملك غيره بغير إذنه، وقال الغزالي في وسيطه: ليس له منعه، وادَّعى الإمام اتفاق الأصحاب عليه. وقال صاحب المطلب: إنه الأشبهُ.
وَلَو تَعاوَنا عَلَى إعادَتِهِ بِنَقْضِهِ؛ عادَ مُشتَرَكًا كَمَا كان، لأنه ملكهما فلو شرط زيادة لأحدهما لم يصح على الصحيح. وَلَو انفَرَدَ أَحَدُهُما، بإعادة نقضه، وَشَرَطَ لَهُ الآخَرُ زِيادَةَ جازَ، وَكانَتْ في مُقابَلَةِ عَمَلِهِ فِي نَصِيبِ الآخَرِ، كذا أطلقوه، واستدرك الإمام فقال: هذا إذا جعل له الزيادة في الحال لتكون الأجرة حاضرة، فأما إذا شرطها بعد البناء فلا يصح لأن الأعيان لا تؤجل، وتعقبه الرافعي، وَيجُوزُ أن يُصالِحَ عَلَى إِجْراءِ الماءِ وَإِنقاءِ الثلج في مِلْكِهِ عَلَى مالٍ، كحقِّ البناء ولا يجبر على ذلك في الجديد.
فَصْلٌ: وَلَو تَنازَعا جِدارًا بَينَ مِلْكَيهِمَا، فَإن اتصَلَ بِبِناءِ أَحَدِهِما بِحَيثُ يُعْلَمُ إِنهُما بَنَيا مَعًا، فَلَهُ اليَدُ، لأن اتصاله به أمارةٌ ظاهرةٌ على يده وتصرفه، ومن صور ذلك أن يدخل نصف لَبِناتِ الجدارِ المُتَنازَع فيهِ في جداره الخاص ونصف من جداره الخاص في المتنازع فيه ويظهر ذلك في الزوايا، قوله (إِنهُما) وهو بكسر الهمزة، وإلا، أي وإن لم يحصل الاتصال المذكور، بأن كان منفصلًا عنهما أو متصلًا بهما اتصالًا لا يمكن فيه الإحداثُ أو يمكن؛ أو متصلًا بأحدهما فقط ولكن لا يمكن إحداثُهُ، فَلَهُما، لعدم المُرجّح، فَإن أَقامَ أَحَدُهُما بَيِّنَة قُضِيَ لَهُ، لأن البينة مقدمة على اليد، وإلّا، أي وإن لم يقم أحدهما بيِّنة أو أقامها كل منهما، حَلَفا، أي حلف كل لصاحبه؛ لأن كل واحد منهما مدّعى عليه ويده على النصف، فالقول قوله فيه كالعين الكاملة ويحلف كل منهما على النصف الذي في يده على الأصح، فَإِن حَلَفا، أي حَلَفَ كُل مِنْهُما عَلَى نَفْي استِحقاقِ صاحِبِهِ لِلنِّصف الذِي في يَدِهِ، أَوْ نَكَلا جُعِلَ بَينَهُما، لظاهر اليد، وإن حَلَفَ أَحَدُهُما، أي ونكل الآخر، قُضِيَ لَهُ، أي بالكل.
فَرعٌ: لا ترجيح بالدواخل والخوارج وأنصافِ اللَّبِنِ ومعاقد القِمْطِ.
стр. 804
وَلَو كان لأحَدِهِما عَلَيهِ جُذُوعٌ لَم يُرَجَّح، لأنها قد تكون بإجارة أو بيع أو يكون قاضٍ قضى بها فلا يترك المحقق بالمحتمل فينزل على الإعارة لأنها أضعف الأسباب، والسقفُ بَينَ عُلُوِّهِ وَسُفْلِ غَيرِهِ، كَجدارٍ بَينَ مِلكَينِ، فَيُنْظَرُ أيمكِنُ إحداثُهُ بَعدَ العُلُوِّ، أي بأن يكون السقف عاليًا فَينْقَبُ رأس (•) الجدارِ ويوضع رأس الجذوع في النقب فيصير البيت بيتين، فَيَكُون فِي يَدِهِما، لاشتراكهما في الانتفاع به، أوّلًا، أي وإن لم يكن إحداثه كالأزَجِّ الذي لا يمكنُ عقدُهُ على وسط الجدار بعد امتداده في العلوِّ (١٢٠)، فَلِصاحِبِ السُّفْلِ، لاتصاله ببنايته على سبيل الترصِيفِ.
стр. 805
كِتَابُ الحوالةِ
الْحِوالةُ: هي بفتح الحاء وكسرها مشتقة من التحويلِ والانْتِقالِ، وفي الشرع نَقْلُ حَقٍّ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ؛ فكأنَّ المال المأخوذَ حُوِّلَ من ذمّةٍ المُحِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحالِ عَلَيهِ وَهِيَ مُجْمَعٌ عَلَيها، والأصحُّ أنها بَيعُ دَينٍ بِدَينٍ واسْتُثْنى لِلحاجَةِ (١٢١).
يُشْتَرَطُ لَها رِضَى الْمُحِيل، لأنَّ الحَقَّ في ذِمَّتِهِ مرسلًا فلا يتعين قضاؤه من محل معين كما لو طلب منه الوفاء من كيس بعينه، والمُحتالِ، لأنَّ حقهُ في ذمة المحيل فلا ينتقل إلى غيره إلا برضاه، لأن الذمم متفاوتة، لا المُحالِ عَلَيهِ في الأصحِّ، لأنه محل الحق والتصرف فلا يعتبر رضاهُ كما لا يعتبر رضا العبد المبيع، والثاني: يشترط؛ لأنه أحد أركان الحوالة كالآخرين.
стр. 806
وَلا تَصِحُّ عَلَى مَنْ لا دينَ عَلَيهِ، بناءً على أَنها بَيعٌ، وَقِيلَ: تَصِحُّ بِرِضاهُ، بناءً على أنها استيفاء، وكأَنَّ المحتال أخذَ حقهُ ممَّنْ هو عليه وأقرضه من المحال عليه؛ وعَدَلَ المصنفُ عن الصِّيغَةِ إلى اشتراط الرضى المستلزم لها لأنه الأصل المعتبر، ويعتبر في المحيل والمحتال من الأهلية للتصرف ما يعتبر في سائر المعاملات.
وَتَصِحُّ بِالدَّينِ اللازِمِ وَعَلَيهِ، أي سواء اتفق الدَّينانِ في سببِ الوُجُوبِ أمِ اختلَفا، بأن كانَ أحدُهما ثمنًا والآخر أُجرةَ أو قرضًا أو بدل متلف لما سلف من الأدلة، قال في الروضة: وكان ينبغي وصف الدَّين بالاستقرار ليخرجَ دَينُ السَّلَمِ فإنَّه لازمٌ، ولا تصح الحوالة به ولا عليه على الصحيح، قُلْتُ: لكن يرد على الاستقرار ثمن المبيع قبل القبض والصداق قبل الدخول والْمَوْتِ؛ ونجمُ الكتابةِ المحال به والأجرة قبل مضيِّ المدَّة، والجواب عن دَين السلم أن المنع فيه لتعذر الاعتياض لا لعدم الاستقرار، فإن المعنيَّ بالاستقرار ما جاز بيعه لا ما أمنّا انفساخ العقد فيه بتلفه أو تلف مقابله، والْمِثْلِيِّ، أي كالأثمان والحبوب، وَكَذا الْمُتَقَوِّمِ، أي بكسر الواو كالثياب والعبيد، في الأصَحِّ، لثبوته في الذمة ولزومه، والثاني: لا، لأن المقصود من الحوالة أيصال الحق إلى مستحقه من غير تفاوت، ولا يتحقق فيما لا مثل له، وَبِالثمَنِ في مُدَّةِ الْخِيارِ، أي بأن يحيل المشتري البائع على إنسان، وَعَلَيهِ، بأن يحيل البائع إنسانًا على المشتري، في الأصَح، لأنه صائر إلى اللزوم والجواز عارض (•) فيه، والثاني: لا يصح به ولا عليه لعدم اللزوم، واحترز بقوله (في مُدَةِ الْخِيارِ) عما إذا حال به بعد انقضائه وقبل قبض المبيع فإنها جائزة قطعًا كما هو المشهور.
والأصَحُّ: صِحةُ حَوالةِ الْمُكاتَبِ سَيِّدَهُ بِالنُّجُومِ، دُون حَوالةِ السَّيّدِ عَلَيهِ، لاستقرار ما أحال عليه بخلاف العكس إذ له اسقاطها متى شاء فلا يمكن إلزامه الدفع للمحتال، والثاني: المنع فيهما كالاعتياض، والثالث: الصحة فيهما؛ لأنه دَينٌ ثابتٌ فجازت الحوالة به وعليه كسائر الديون، وإطلاق المصنف تبعًا للرافعي يقتضي
стр. 807
أنه لا فرق بين النُّجُومِ الحالَّةِ والمُؤجَّلَةِ وفي الحالةِ نظرٌ. وخرج بقول المصنف (بِالنُّجُومِ) ما إذا كان للسيد عليه دَينُ معاملة فأحال عليه، فإن الأصح في الروضة الصحة ولا نظر لسقوطها بعجزه.
ويشْتَرَطُ العِلْمُ بِما يُحالُ بهِ وَعَلَيهِ، لأنَّ المجهول لا يصح بيعه ولا استيفاؤه، قَدرا وَصِفَة، أي بصفات السلم، والصفة تغني عن الجنس فلذا حذفها، وَفِي قَوْلٍ: تَصِحُّ بإبِلِ الديةِ وَعَلَيها، لحصول المقصود من الجانبين فإنها مصورة (•) بما إذا أوضحت إنسانًا وأوضح ذلك الإنسان آخر فإن الواجب له عليه خمس من الإبل فأحال بها على الجاني أولًا، والأظهر المنع للجهل بصفاتها.
ويشْتَرَطُ تساويهِما جِنْسًا وَقَدْرًا، لأنها إرفاق كالقرض، فلو جوّزت مع الاختلاف لصار المطلوب منها الفضل فتخرج عن موضوعها، وَكَذا حلُولًا؛ وَأَجَلًا، وَصِحة؛ وَكَسْرًا في الأصَحِّ، إلحاقًا لتفاوت الوصف بتفاوت القدر، والثاني: لا يشترط وكأنه تبرع بالزيادة ولا تجوز الحوالة بالحالِّ على المؤجل قطعًا؛ لأن حقَّ المحتال حالُّ وتأجيلُ الحالُ لا يلزم.
فَرعٌ: الجَوْدَةُ والرَّداءَةُ كالصحَّةِ والتكْسِيرِ (•).
وَيبرَأ بِالْحَوالةِ المُحِيلِ عَن دَينِ المُحتالِ، والمُحتالُ عَلَيهِ عَن دَينِ المُحِيلِ وَيتَحَوّلُ حَقُّ المُحتالِ إِلَى ذِمَّةِ المُحالِ عَلَيهِ، بالإجماع كما أفاده الماوردي، فَإن تَعَذَّرَ بِفَلَسٍ أوْ جَحدٍ وَحَلْف وَنَحوهِما، أي كموت البينة وامتناعه، لَم يَرجِعْ عَلَى المُحِيلِ، كما لو اعتاض عن دَينهِ وَتَلِفَ عِنْدَهُ.
فَرعٌ: لو شرط في الحوالة الرجوع على المحيل بتقدير الإفلاس أو الجحود فهل تصح الحوالة أو الشرط؛ أم الحوالة فقط؛ أم لا يصحان؟ فيه أوجهٌ لا ترجيح في الرافعي فيها، وثانيها: هو مقتضى كلام المصنف.
стр. 808
فائِدَةٌ: قال الخفاف في خصاله: لا رجوع في الحوالة إلا في حالتين أن يحتال الأَبُ على ابنهِ الصغيرِ وكذا الجد.
فَلَوْ كان مُفْلِسًا عِنْدَ الحَوالةِ؛ وَجَهِلَهُ المُحْتالُ؛ فَلا رُجُوعَ لَهُ، لأنه مقصّر بترك الفحص، وَقيلَ: لَهُ الرُّجُوعُ إِن شُرِطَ يَسارُهُ، كما لو شرط كون العبد كاتبًا فأخلف، وَلَو أَحال المُشتَرِي، أي البائع، بِالثمَنِ فَرَدَّ المَبِيعَ بِعَيبٍ، أي وكذا بإقالة أو تحالف، بَطَلَت في الأظْهَرِ، لأنه أحاله بالثمن، فإذا انفسخ العقد خرج المحال به عن أن يكون ثمنًا وسقط حق العاقد فبطلت، والثاني: لا، كما لو استبدل عن الثمن ثوبًا ثم ردَّ المبيع بعيب؛ فإنه يرجع بالثمن ولا يبطل الاستبدال على الأصح، والخلاف جارٍ سواء رُدَّ بعد قبض المبيع أو قبله، وسواء كان الرد بعد قبض المحتال مال الحوالة أم قبله على الأصح، أَو البائِعُ بِالثمَنِ، أي أحال البائع رجلًا بالثمن على المشتري، فَوُجِدَ الردُّ تَبطُل عَلَى المَذهَبِ، لتعلق الحق بثالث، والطريق الثاني طرد القولين في المسألة قبلها.
وَلَوْ باعَ عَبدًا وَأحال بِثَمَنِهِ، ثُمَّ اتّفَقَ المتُبَايِعانِ والمُحتَالُ عَلَى حُريتهِ أَوْ ثَبَتَت بِبَيِّنَةٍ بَطَلَتِ الحَوالةُ، لأنه بانَ أن لا ثمنَ، والمراد بالبطلان هنا عدم الصحة؛ لأن الحوالة لم يتقدم لها صحة وهذه البيِّنة يُقيمها العبد أو يشهدون حسبه ولا يُتصور أن يقيمها واحد من المتبائعين، لأنه كذبها بالدخول في البيع، فَإن كَذبَهُما المُحتالُ وَلا بَينَةَ، حَلفاهُ عَلَى نَفي العِلْمِ، طردًا للقاعدة، ثُمَّ يأخُذُ المَال مِنَ المُشتَرِي، لبقاء الحوالة في حقه بحلفه. وهل يرجع المشتري على البائع؟ فيه وجهان: قال صاحب المطلب: والحَق نَعَمْ.
وَلَو قَال المُستَحَقُّ عَلَيهِ: وَكَّلْتُكَ لِتَقبِضَ لِي، وَقال المُستَحِقُّ: أحَلتنِي، أي بأن قال: اقبض لي كذا وفهم كلُّ واحد ما ذكر، أوْ قَال: أرَدتُ بِقَوْلي أَحَلتكَ الوَكالةَ، وَقال المُستَحِق: بَل أرَدتَ الحَوالةَ صُدقَ المُستَحِق عَلَيهِ بِيَمِينهِ، لأنه أعرف بقصده والأصل بقاء الحقين ويتخرج عليهما ما إذا لم يكن له بينة، قال في
стр. 809
المطلب: ولم أرَ فيه نقلًا، وَفِي الصُّورَةِ الثانِيَةِ وَجْهٌ، لأن ظاهر اللفظ يوافق دعواه، أما لو قال: أحَلتكَ على فلان بمَالِكَ عَلَي فهي حوالة قطعًا، ومنهم من أجراه وجهًا ثالثًا وهو بعيد، وَإِن قَال: أَحَلتَكَ؛ فَقَال: وَكلْتَنِي، صُدِّقَ الثانِي بِيَمِينهِ، إِذِ الأصْلُ بَقَاءُ حَقِّهِ، وَيَظهرُ هذَا عِنْدَ إِفْلاسِ المُحِيلِ.
فَرعٌ نَخْتِمُ بِهِ البابَ: قال في البحر: هل يصح اشتراط الرهن فيها والضمان؟ إن قلنا هي في حكم بيع دَينٍ بِدَينٍ لم يجز، وإن قلنا هي في حكم بيع عين بِدَينٍ جاز.