← Фикх шафии

Фикх шафии · id 20561

عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج

ابن الملقن

Полный текст (1 877 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وَلا تَصِحُّ عَلَى مَنْ لا دينَ عَلَيهِ، بناءً على أَنها بَيعٌ، وَقِيلَ: تَصِحُّ بِرِضاهُ، بناءً على أنها استيفاء، وكأَنَّ المحتال أخذَ حقهُ ممَّنْ هو عليه وأقرضه من المحال عليه؛ وعَدَلَ المصنفُ عن الصِّيغَةِ إلى اشتراط الرضى المستلزم لها لأنه الأصل المعتبر، ويعتبر في المحيل والمحتال من الأهلية للتصرف ما يعتبر في سائر المعاملات. وَتَصِحُّ بِالدَّينِ اللازِمِ وَعَلَيهِ، أي سواء اتفق الدَّينانِ في سببِ الوُجُوبِ أمِ اختلَفا، بأن كانَ أحدُهما ثمنًا والآخر أُجرةَ أو قرضًا أو بدل متلف لما سلف من الأدلة، قال في الروضة: وكان ينبغي وصف الدَّين بالاستقرار ليخرجَ دَينُ السَّلَمِ فإنَّه لازمٌ، ولا تصح الحوالة به ولا عليه على الصحيح، قُلْتُ: لكن يرد على الاستقرار ثمن المبيع قبل القبض والصداق قبل الدخول والْمَوْتِ؛ ونجمُ الكتابةِ المحال به والأجرة قبل مضيِّ المدَّة، والجواب عن دَين السلم أن المنع فيه لتعذر الاعتياض لا لعدم الاستقرار، فإن المعنيَّ بالاستقرار ما جاز بيعه لا ما أمنّا انفساخ العقد فيه بتلفه أو تلف مقابله، والْمِثْلِيِّ، أي كالأثمان والحبوب، وَكَذا الْمُتَقَوِّمِ، أي بكسر الواو كالثياب والعبيد، في الأصَحِّ، لثبوته في الذمة ولزومه، والثاني: لا، لأن المقصود من الحوالة أيصال الحق إلى مستحقه من غير تفاوت، ولا يتحقق فيما لا مثل له، وَبِالثمَنِ في مُدَّةِ الْخِيارِ، أي بأن يحيل المشتري البائع على إنسان، وَعَلَيهِ، بأن يحيل البائع إنسانًا على المشتري، في الأصَح، لأنه صائر إلى اللزوم والجواز عارض (•) فيه، والثاني: لا يصح به ولا عليه لعدم اللزوم، واحترز بقوله (في مُدَةِ الْخِيارِ) عما إذا حال به بعد انقضائه وقبل قبض المبيع فإنها جائزة قطعًا كما هو المشهور. والأصَحُّ: صِحةُ حَوالةِ الْمُكاتَبِ سَيِّدَهُ بِالنُّجُومِ، دُون حَوالةِ السَّيّدِ عَلَيهِ، لاستقرار ما أحال عليه بخلاف العكس إذ له اسقاطها متى شاء فلا يمكن إلزامه الدفع للمحتال، والثاني: المنع فيهما كالاعتياض، والثالث: الصحة فيهما؛ لأنه دَينٌ ثابتٌ فجازت الحوالة به وعليه كسائر الديون، وإطلاق المصنف تبعًا للرافعي يقتضي

стр. 807

أنه لا فرق بين النُّجُومِ الحالَّةِ والمُؤجَّلَةِ وفي الحالةِ نظرٌ. وخرج بقول المصنف (بِالنُّجُومِ) ما إذا كان للسيد عليه دَينُ معاملة فأحال عليه، فإن الأصح في الروضة الصحة ولا نظر لسقوطها بعجزه. ويشْتَرَطُ العِلْمُ بِما يُحالُ بهِ وَعَلَيهِ، لأنَّ المجهول لا يصح بيعه ولا استيفاؤه، قَدرا وَصِفَة، أي بصفات السلم، والصفة تغني عن الجنس فلذا حذفها، وَفِي قَوْلٍ: تَصِحُّ بإبِلِ الديةِ وَعَلَيها، لحصول المقصود من الجانبين فإنها مصورة (•) بما إذا أوضحت إنسانًا وأوضح ذلك الإنسان آخر فإن الواجب له عليه خمس من الإبل فأحال بها على الجاني أولًا، والأظهر المنع للجهل بصفاتها. ويشْتَرَطُ تساويهِما جِنْسًا وَقَدْرًا، لأنها إرفاق كالقرض، فلو جوّزت مع الاختلاف لصار المطلوب منها الفضل فتخرج عن موضوعها، وَكَذا حلُولًا؛ وَأَجَلًا، وَصِحة؛ وَكَسْرًا في الأصَحِّ، إلحاقًا لتفاوت الوصف بتفاوت القدر، والثاني: لا يشترط وكأنه تبرع بالزيادة ولا تجوز الحوالة بالحالِّ على المؤجل قطعًا؛ لأن حقَّ المحتال حالُّ وتأجيلُ الحالُ لا يلزم. فَرعٌ: الجَوْدَةُ والرَّداءَةُ كالصحَّةِ والتكْسِيرِ (•). وَيبرَأ بِالْحَوالةِ المُحِيلِ عَن دَينِ المُحتالِ، والمُحتالُ عَلَيهِ عَن دَينِ المُحِيلِ وَيتَحَوّلُ حَقُّ المُحتالِ إِلَى ذِمَّةِ المُحالِ عَلَيهِ، بالإجماع كما أفاده الماوردي، فَإن تَعَذَّرَ بِفَلَسٍ أوْ جَحدٍ وَحَلْف وَنَحوهِما، أي كموت البينة وامتناعه، لَم يَرجِعْ عَلَى المُحِيلِ، كما لو اعتاض عن دَينهِ وَتَلِفَ عِنْدَهُ. فَرعٌ: لو شرط في الحوالة الرجوع على المحيل بتقدير الإفلاس أو الجحود فهل تصح الحوالة أو الشرط؛ أم الحوالة فقط؛ أم لا يصحان؟ فيه أوجهٌ لا ترجيح في الرافعي فيها، وثانيها: هو مقتضى كلام المصنف.

стр. 808

فائِدَةٌ: قال الخفاف في خصاله: لا رجوع في الحوالة إلا في حالتين أن يحتال الأَبُ على ابنهِ الصغيرِ وكذا الجد. فَلَوْ كان مُفْلِسًا عِنْدَ الحَوالةِ؛ وَجَهِلَهُ المُحْتالُ؛ فَلا رُجُوعَ لَهُ، لأنه مقصّر بترك الفحص، وَقيلَ: لَهُ الرُّجُوعُ إِن شُرِطَ يَسارُهُ، كما لو شرط كون العبد كاتبًا فأخلف، وَلَو أَحال المُشتَرِي، أي البائع، بِالثمَنِ فَرَدَّ المَبِيعَ بِعَيبٍ، أي وكذا بإقالة أو تحالف، بَطَلَت في الأظْهَرِ، لأنه أحاله بالثمن، فإذا انفسخ العقد خرج المحال به عن أن يكون ثمنًا وسقط حق العاقد فبطلت، والثاني: لا، كما لو استبدل عن الثمن ثوبًا ثم ردَّ المبيع بعيب؛ فإنه يرجع بالثمن ولا يبطل الاستبدال على الأصح، والخلاف جارٍ سواء رُدَّ بعد قبض المبيع أو قبله، وسواء كان الرد بعد قبض المحتال مال الحوالة أم قبله على الأصح، أَو البائِعُ بِالثمَنِ، أي أحال البائع رجلًا بالثمن على المشتري، فَوُجِدَ الردُّ تَبطُل عَلَى المَذهَبِ، لتعلق الحق بثالث، والطريق الثاني طرد القولين في المسألة قبلها. وَلَوْ باعَ عَبدًا وَأحال بِثَمَنِهِ، ثُمَّ اتّفَقَ المتُبَايِعانِ والمُحتَالُ عَلَى حُريتهِ أَوْ ثَبَتَت بِبَيِّنَةٍ بَطَلَتِ الحَوالةُ، لأنه بانَ أن لا ثمنَ، والمراد بالبطلان هنا عدم الصحة؛ لأن الحوالة لم يتقدم لها صحة وهذه البيِّنة يُقيمها العبد أو يشهدون حسبه ولا يُتصور أن يقيمها واحد من المتبائعين، لأنه كذبها بالدخول في البيع، فَإن كَذبَهُما المُحتالُ وَلا بَينَةَ، حَلفاهُ عَلَى نَفي العِلْمِ، طردًا للقاعدة، ثُمَّ يأخُذُ المَال مِنَ المُشتَرِي، لبقاء الحوالة في حقه بحلفه. وهل يرجع المشتري على البائع؟ فيه وجهان: قال صاحب المطلب: والحَق نَعَمْ. وَلَو قَال المُستَحَقُّ عَلَيهِ: وَكَّلْتُكَ لِتَقبِضَ لِي، وَقال المُستَحِقُّ: أحَلتنِي، أي بأن قال: اقبض لي كذا وفهم كلُّ واحد ما ذكر، أوْ قَال: أرَدتُ بِقَوْلي أَحَلتكَ الوَكالةَ، وَقال المُستَحِق: بَل أرَدتَ الحَوالةَ صُدقَ المُستَحِق عَلَيهِ بِيَمِينهِ، لأنه أعرف بقصده والأصل بقاء الحقين ويتخرج عليهما ما إذا لم يكن له بينة، قال في

стр. 809

المطلب: ولم أرَ فيه نقلًا، وَفِي الصُّورَةِ الثانِيَةِ وَجْهٌ، لأن ظاهر اللفظ يوافق دعواه، أما لو قال: أحَلتكَ على فلان بمَالِكَ عَلَي فهي حوالة قطعًا، ومنهم من أجراه وجهًا ثالثًا وهو بعيد، وَإِن قَال: أَحَلتَكَ؛ فَقَال: وَكلْتَنِي، صُدِّقَ الثانِي بِيَمِينهِ، إِذِ الأصْلُ بَقَاءُ حَقِّهِ، وَيَظهرُ هذَا عِنْدَ إِفْلاسِ المُحِيلِ. فَرعٌ نَخْتِمُ بِهِ البابَ: قال في البحر: هل يصح اشتراط الرهن فيها والضمان؟ إن قلنا هي في حكم بيع دَينٍ بِدَينٍ لم يجز، وإن قلنا هي في حكم بيع عين بِدَينٍ جاز.

стр. 810

كتاب الضمان الضَّمَانُ: معناه ضَمُّ ذمةٍ إِلَى ذِمَّةٍ (١٢٢). والأصلُ فيه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (١٢٣) وقوله ﵊: [الزَّعِيمُ غَارِمٌ] صححه

стр. 811

ابن حبان وأجمع المسلمون عليه في الجملة (١٢٤). شَرطُ الضامِنِ: الرشْدُ، لأنهُ تَصَرُّف في المالِ، فلا يصح ضمانُ الصَّبِي؛ والمجنون؛ والسَّفيهِ في صحيحه (•) وكذا المُبرسَمِ الذِي يَهْذِي؛ وَالنائِمِ، ويردُ عليه المكره والمكاتب وَالْمُبَذِّرُ بعد بلوغه رشيدًا ولم يحجر الحاكم عليه، فإنه لا يصح ضمان الأولين، ويصح ضمان الثالث وهو غير رشيد، والسكران بِمُبَاح لا يصح ضمانه وَبِمُحَرمٍ فيه الخلاف في تصرفاته وقد ذكره المصنف فِي الطلاق. وَضَمَان مَحجُورِ عَلَيهِ بِفَلَسٍ كشرِائهٍ، أي والصحيح صحته كما تقدم في بابه، ويطالب به بعد فك الحجر، وهذا يصح ضمانه وليس من أهل التبرع، وَضَمَان عَبْدٍ بِغَيرِ إِذْنِ سيدِهِ، أي مأذونًا كان أو غيره، بَاطل فِي الأصَح، كنكاحه، والثاني: يصح ويتبع به إذا عتق وأيسر إذ لا ضرر على سيده كما لو أقَر بإتلافِ مال وكذبه السَّيدُ، ويصِح بإذنِهِ، كالنكاح. وهل يشترط معرفةُ السيد قَدرَ الدينِ؟ فيه نظرٌ، فإن عَينَ لِلأدَاءِ كسبهُ، أو غَيرَهُ، قَضَى مِنْهُ، لتَصريحه بذلك، وإلَّا، أي كان أطلق الإذن في الضمان ولم يعين له طريقًا، فالأصح أنهُ إِن كان مَاذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ تَعلقَ بِمَا في يَدِهِ، أي ربحًا ورأس مالٍ، وَمَا يَكسِبُهُ بَعدَ الإذْنِ، كما في نكاحه، والثاني:

стр. 812

يتعلق بذمته، لأنه أذن في الالتزام دون الأداء، والثالث: يتعلق بكسبه بعده، والرابع: يتعلق به وبما في يده من الربح الحاصل، وَإلا، أي وإن كان غير مأذون له في التجارة، فَبِمَا يَكْسِبُهُ، أي بعد الأذن كالمهر، والثاني: يتعلق برقبته، والثالث: بذمته يتبع به إذا عتق، وحكى القاضي حسين في كتاب النكاح في بابِ ما عَلَى الأوْلِيَاءِ قَولا قَدِيما أنهُ يتعلق بذمة السيدِ كما قيل به أيضًا في النكاح. فَرع: إذا قلنا في المأذون له أنه يتعلق بكسبه، فقيل: يتعلق بالمتجدد خاصة كغير المأذون، وقيل: به وبما فِي يده من الربح الحاصل، والأصح: بهما وبرأس المالِ، وهذا إذا لم يكن عليه دَينْ، فإن كان وَحُجِرَ عَلَيهِ بِالفَلَسِ فلا يتعلق الضمان بما في يدهِ، وإلّا فأوجه، أصحها في الروضة أنه يتعلق بما فَضَلَ عَنْ حُقُوقِهِم رِعَايَة لِلْجَانِبَينِ. وَالأصَحُّ اشتِرَاطُ مَعرِفَةِ الْمَضمُونِ لَهُ، لتفاوت الناس في الاستيفاء، والغرض يختلف فيه فأشبه معرفة قَدرِ الدينِ، والمراد معرفته بالعينِ لا النسب كما دل عليه كلام الماوردي، وصرح به صاحب المعين، فقال: المراد معرفة العين لا معرفة المعاملة، والثاني: لا يشترط، لظاهر الآية وحديث أبي قتادةَ المشهور في صحيح البخاري (١٢٥)، فإنه ضمن من لا يعرف، أو لأنه ﵊ لم يسأله هل عرفه أم لا؟ فكان على عمومه. وَأنهُ لَا يُشْتَرَطُ قُبولُهُ وَرِضَاهُ، لحديث أبي قَتَادَةَ المذكور، والثاني: يشترط

стр. 813

رضاه دون قبوله لفظًا لأنه لو اشترط لاعتبرت المواجهة فيه، وقد ضمن أبو قَتَادَةَ دَينَ الميتِ مع غيبةِ صاحبهِ، والثالث: يشترط قبوله في الحال كالرَّهْنِ. وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ قَطْعًا، لضمان أبي قتادة دَين الميت، وما ادعاه من القطع تبع فيه الإمام، لكن حكى القاضي حسين فيه وجهًا وهو بعيد، وَلَا مَعرِفَتهُ فِي الأصَح؛ إذ ليس ثَمَّ معاملة ولهذا لا يشترط رضاه، والثاني: نعم؛ ليعرف حاله وأنه هل يستحق اصطناع المعروف إليه؟ ويشْتَرَطُ فِي الْمَضمُونِ كَوْنُهُ ثَابتًا، أي حال العقد، فلا يصح ضمان ما سيجب (•) بعد بِبَيع أَوْ قرض، لانَّ الضمَانَ وثيقة بالْحَقّ فلا يسبقه كالشهادة. وَصححَ الْقَدِيمُ ضمَان مَا سَيَجِبُ، لأنه قد تمس الحاجة إلىه، وَالْمَذْهبُ صِحَّةُ ضمَانِ الدَّرَكِ، لأن الحاجة تدعو إلى معاملة الغريب، ولا يوثق بملكه، ويخاف عدم الظفر به لو ظهر الاستحقاق، والثاني: لا يصح، لأنه ضمان ما لم يجب، وضمان مجهولٍ؛ فإنه قد يخرج البعض في النسخة الشِّقْص مستحقًا، والطريق الثاني القطعُ بالأولِ، بَعدَ قَبْضِ الثمَنِ، أي فلا يصح قبله، لأنه إنما يضمن ما دخل في ضمان البائع، ولا يوجد ذلك قبل القبض، وقيل: لا يشترط ذلك، وادعى الإمام: أنه المذهب، وصححه ابن أبي عصرون. وَهُوَ، يعني ضَمَانُ الدَّرَكِ، أَن يَضْمَنَ لِلْمُشْتَرِي الثَّمَنَ، إن خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا؛ أَوْ مَعِيبًا؛ أَوْ نَاقِصا لِنَقْصِ الصَّنْجَةِ، أي وكذا لو حاء المشتري بصنجةٍ وزنَ بها فاتهمه البائع فيها فضمنَ ضامن نقصها إن نقصت، وَكَوْنُهُ لازِمًا، أي حالًا ومآلًا؛ وسواء كان مستقرًا كعوض الخلع أو غير مستقر كثمن المبيع قبل قبضه، لَا كَنُجُومِ كتَابَةٍ، لعدم لزومها كما لا يصح الرهن بها، ويصِحُّ ضمَانُهُ الثمَنَ في مُدَّةِ الْخِيَارِ فِي الأصَحِّ، لأنه آيل إلى اللزوم فَأُلْحِقَ بِهِ، والثاني: لا، لعدم لزومه في

стр. 814

الحال، ومحل الخلاف إذا كان الخيار للمشتري وحده؛ أَوْ لَهُمَا. فإن كان للبائع وحده صح قطعًا؛ لأن الدَّينَ لازم في حق من هو عليه. وأشار الإمام إلى أنَّ محل الصحة، إذا قلنا إن الملك ينتقل بالعقد وإلّا فهو ضمان ما لم يجب. وَضَمَان الْجَعلِ كَالرَّهْنِ بِهِ، أي وقد سبق في بابه؛ وأنه يصح بعد تمامه فقط. والفرق بين الجعل والثمن في مدة الخيار أنه لا يصيرُ إلى اللزوم إلّا يعمل بخلافه، وَكَوْنَهُ مَعلُومًا فِي الْجَدِيدِ، أي فإذا قال ضمنت لك ما على فلان وهو لا يعرفه؛ فإنه لا يصح، لأنه إثبات مال في الذمة لآدمي بعقد لازم فلم يصح مع الجهالة كالثمن، والقديم: صحته؛ لأن أسباب معرفته متيسرة، أما إذا قال: ضمنت لك شيئًا مما لك على فلان؛ فباطل قطعًا فمحل الخلاف أن تتأتّى الإحاطة به. وَالإبْرَاءُ مَنَ المجهُولِ بَاطِلٌ فِي الْجَدِيدِ، لأن البراءَةَ مُتَوَقِّفَة عَلَى الرِّضَى ولا تعقل (•) مع الجهالة، وجائز في القديم، لأنه أولى من الضمان، فإن الضمان التزام، والإبراء إسقاط، وَهُنَا مُهمَّات فِي الشَّرح لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مُرَاجَعَتها، قال في البويطي: ولو أن رجل حلَّلَ رجلا من كل شيء وجب له عليه لم يبرأ حتى يبين، فإن لم يعرف قدره حلله من كذا إلى كذا، إلا مِنْ إِبِلِ الْدِيةِ، أي فإنه يصح الإبراء منها على القولين؛ وإن كانت مجهولة الصفة واللون لأنا أثبتناها في ذمة الجاني مع اغتفار هذه الجهالة فكذا هنا، وَيَصِحُّ صمَانُها فِي الأصَحِّ، كالإبراء، والثاني: لا، لجهالته وصفها ولونها. وَلَوْ قَال: ضَمِنْتُ مَا لَكَ عَلَى زَيدٍ مِنْ دِرهم إِلَى عَشرَةٍ، فالأصَح: صِحتُهُ، لانتفاء الغرر بذكر الغاية، والثاني: لا يصح، لجهالة المقدار، فإنه متردد ما بين الدرهم والعشرة، وَأَنهُ يَكُون ضَامِنًا لِعَشْرَةٍ، أي إن كانت عليه أو كان عليه أكثر منها إدخالًا للطرفين في الالتزام. قُلْتُ: الأصَحُّ لِتِسعة، وَالله أعلَمُ، إدخالًا للطرف

стр. 815

الأول؛ لأنه مبدأ الالتزام، وهذا ما صححه في نظيره من الإقرار كما سيأتي، وقيل: يكون ضامنًا لثمانية إخراجًا للطرفين. فَصْلٌ: المذهب صحةُ كَفَالةِ البَدَنِ، لأن بالناس حاجة إليها كما في كفالة المال، قال في البحر: أجزناها للأخبار وإجماع الناس عليها؛ وقول الشافعي: كفالة البدن ضعيفة؛ أراد من جهة القياس، والثاني: لا، لأنه ضمان ما يدخل تحت اليد ولا يقدر على تسليمه، والطريق الثاني: القطع بالأول، فَكان كَفَلَ بَدَن مَنْ عَلَيهِ مال لَم يُشْتَرَطِ الْعِلْمُ بِقَدرِهِ، لأن الكفالة بالبدن لا بالمال، ويشتَرَطُ كَونُهُ، أي المال المطالب به، مَما يَصِح ضَمَانُهُ، أي فلا يصح بِبَدَنِ المكاتب للنجوم التي عليه كضمانها، وَالْمذهبُ صِحتُها بِبَدَنِ مَنْ عَلَيهِ عُقُوبَة لآدَمي كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذفِ، لأنه لآدمي كالدين، والثاني: لا، وادعى الروياني: أنه المذهب، لأن العقوبات مبنية على الدَّرءِ، والطريق الثاني: القطع بالأول، والثالث: القطع بالثاني، والخلاف مبني على أنه إذا مات هل يغرم الكفيل ما عليه من الدَّينِ، إن قلنا: نعم؛ لم يصح، وإلّا صحت، وَمَنْعُها فِي حُدُودِ اللهِ تعَالى، أي كحد الخمر والزنا والسرقة؛ لأن بناءها على الإسقاط؛ وتوجيه الصحة القياس على حقوق الآدميين، والأشهر هنا طريقة القطع، وَتصِح بِبَدَنِ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ، لأنه قد يستحق إحضارهما لإقامة الشهادة على تعيين صورتهما في الإتلافات وغيرها، ثم إن تكفل بإذن وليهما فله مطالبة الولي بإحضارهما عند الحاجة وإلّا فكالكفالة ببدن العاقل البالغ بغير إذنه، وَمَحبوسٍ وَغَالِبٍ، أي بإذنه كما سيأتي وإن تعذر تحصيل الغرض في الحال كما يصح أن يضمن المعسر المال، وَميتٍ، أي قبل دفنه، لِيُحضِرَهُ فَيَشهدَ عَلَى صُورَتهِ، لأنه قد تحتاج إلى إحضاره للشهادة على عينه إذا تحملوها كذلك ولم يعرفوا نسبه. فَرعٌ: يشترط تعيين المكفول ببدنه. ثُمَّ إِن عَيَّنَ مَكان التسلِيمِ تَعَيَّنَ وإلا، أي كان أطلق، فَمَكانُها، أي مكان الكفالة؛ لأن العرف قاضٍ بذلك.

стр. 816

ويبرَأ الكَفِيلُ بِتَسلِيمِهِ فِي مَكَانِ التسلِيمِ بِلا حَائِلٍ كَمُتغَلّبِ، لأن حقيقة التمكين لم توجد، قال القفال في فتاويه: ولو سلمه له؛ وقال: قد رددته عليك فلم يقبل، فإن كان في موضع لا يمكنه الامتناع منه في الغالب فقد بَرِئَتْ ذِمتُهُ، وإن كان في مفازة فلا، وَبِأَن يحضُرَ المَكْفُولُ بِهِ ويقُولَ: سَلمتُ نَفْسِي عَنْ جِهةِ الكفِيلِ، كما يبرأ الضامن بأداء الأصيل الدين، وَلَا يَكفِي مُجَردُ حُضُورِهِ، أي حتى يقول سَلْمتُ نفسي عن جهة الكفيل، لأنه لم يُسَلِّمهُ إليه ولا أحد من جهتهِ، فإِن غَابَ لَم يَلزَمِ الكَفِيلَ إِحضَارُهُ إِن جَهِلَ مَكَانَهُ، لعدم إمكانه، وإلا، أي وإن عرف مكانه والطريق آمن ولم يذهب إلى قوم يمنعونه منه، فَيَلْزَمُهُ، لإمكانه، والمؤنة في إحضاره عليه، ويمهلُ مُدَّةَ ذَهابٍ وَإيابِ، لأنه الممكن، فَإن مَضتْ، أي مدة الذهاب والإياب، وكذا الإقامة التي لا تؤثر للاستراحة ونحوها فيما يظهر، وَلَم يحضِرهُ حُبِسَ، أي إن لم يوف الدين لتقصيره، وَقِيلَ: إِن غَابَ إِلَى مَسَافَةِ القصرِ لَم يَلْزمه إِحضَارُهُ، إلحاقًا لها بالغيبة المنقطعة والأصح وهو اللزوم كما لو كان المديون غائبًا إلى هذه المسافة يؤمر بإحضاره. فَرعٌ: لو كان غائبًا حال الكفالة فالحكم في إحضاره حكم ما لو غاب بعدها. وَالأصَحُّ: أنهُ إِذَا مَاتَ وَدُفِنَ لَا يُطَالبُ الكَفِيلُ بِالمَالِ، لأنه لم يلتزمه، والثاني: نعم، لأنه وثيقة كالرهن، والمختار: أنه يطالب بالدين، كما ذكره في الروضة، لا بأقل الأمرين منه، ودية المكفول به، وظاهر إطلاق المصنف يقتضي أنه لا فرق في جريان الخلاف بين أن يحلفَ المكفولُ وفاءً أم لا، وظاهر كلام غيره اختصاصه بما إذا لم يحلف، وَأنهُ لَوْ شرِطَ فِي الْكفالةِ، أنهُ يَغْرَمُ المال إِن فَاتَ التَّسلِيمُ، أي قوله كقوله كفلت بدنه بشرط الغرم ونحوه، بَطَلَت، لأنه شرط ما ينافيها وهذا بناء على أنه لا يغرم عند الإطلاق، والثاني: يصح بناء على مقابله، فإن قال: كفلت بدنه، فإن مات فعليّ المال صحت الكفالة وبطل الالتزام، قاله الماوردي، وَأنها لَا تَصِحُّ بِغَيرِ رِضَى المَكْفُولِ، به لأنه لا يلزمه الحضور معه، والثاني: يصح

стр. 817

بناءً على أنه يغرم عند العجز، وقيده القاضي والبغوي. مما إذا كان بعد ثبوت الحق قال، وأما قبله فلا يصح من غير رضاه قطعًا. فَرعٌ: لا يشترط رضى المكفول له ولا تبطل بموت المكفول له على الأصح فيهما، ولو مات الكفيل بطلت وفيه وجه للماوردي. فَصْلٌ: يشترط في الضمان وَالكَفَالةِ لَفْظٌ يُشْعِرُ بِالْتِزَامٍ، كغيره من العقود، وقوله (لَفْط) مُخْرِجٌ للخطّ، وإشارةُ الأخرس وهو منعقد بهما، كَضَمِنْتُ دينكَ عَلَيهِ، أَو تَحملْتُهُ، أَوْ تقَلدتُهُ، أَو تكَفْلْتُ بِبَدَنِة، أَوْ أَنَا بِالمَالِ، أَوْ بإِحضَارِ الشخْصِ ضَامِن، أوْ كفِيل، أَوْ زَعِيم، أَوْ حَمِيل، لثبوت بعضها بالنص والباقي بالقياس، وقَوله دَين فلان إليّ ليس بصريح على الأقوى في الروضة، ولو قال: خلِّ عن فلان والدَّين الذي عليه عندي فليس بصريح بخلاف عَلَى ما على فلان كما ذكره الرافعي في الإقرار، وَلَوْ قَال: أؤَدِّي الْمَال أَوْ أُحْضِرُ الشخْصَ فَهُوَ وَعد، أي وليس التزامًا، لأن الصيغة لا تشعر به، قال في المطلب: وهذا إذا خلا عن القرينة وإلّا فينبغي الصحة، وَالأصَح أَنهُ لَا يَجُوزُ تَعلِيقُهُمَا، يعني كفالة البدن والمال، بِشَرطٍ، كما لا يصح توقيتهما، وقال ابن سريج: إذا جاز على القديم ضمان المجهول وما لم يجب جاز التعليق، وَلَا تَوقِيتُ الْكَفَالة، كضمان المال، والثاني: يجوز، لأنه قد يكون له غرض في تسليمه في هذه المدة بخلاف المال فإن المقصود منه الاداء، وَلَوْ نَجَّزَها وَشَرَطَ تَأخيِرَ الإحضارِ شهْرًا، أي كقوله ضمنت إحضاره بعد شهر، جَازَ، للحاجة كمثله في الوكالة، وتوقف فيه الإمام، واحترز بذكر الشهر عما إذا ذكر زمانًا مجهولًا؛ فإن الأصح البطلان، وَأنهُ يَصح ضَمَان الحَالِّ مُؤجلا أَجَلًا مَعلُومًا، للحاجة، والثاني: لا، للاختلاف، فعلى الأول يثبت الأجل على الأصح، وعبارة المُحَرر: الْمَالِ الحَالِّ، فحذفه المصنف ليدخل من تكفل كفالة مؤجلة ببدن من تكفل بغيره كفالة حالة، وَأَنهُ يَصِح ضمان الْمُؤَجَّلِ حَالا، لأنه تبرع بالتزام التعجيل فيصح تبرعه به كأصل الضمان، والثاني: لا، للمخالفة، قال الروياني: وهو الأصح

стр. 818

عندي، وَأَنهُ لا يَلْزَمُهُ التعجِيل، كما لو التزم الأصيلُ التعجيلَ، والثاني: يلزمه كأصل الضمان، فعلى الأول هل يثبت الأجل في حقه مقصودًا أو تبعًا؟ فيه وجهان تظهر فائدتهما فيما لو مات الأصيل؛ فإن جعلناهُ في حقِّه تابعًا حَل عليهِ، وإلَّا فلا كما لو مات المضمون على الصحيح. فَرع: لو ضمن المؤجَّلَ إلى شهرين مؤجلًا إلى شهرٍ؛ فهو كضمان المؤجل حالا. فصل: وَللْمُسْتَحِقِّ مُطَالبَةُ الضامِنِ، لقوله: [الزَّعِيمُ غَارِم]، وَالأصِيلِ، لأن الضمان معناه ضم ذمة إلى ذمة والغرض به التوثق، وَالأصَح: أنهُ لَا يَصِحُّ، يعني الضمان، بِشرطِ بَرَاءَةِ الأصِيلِ، لمنافاته مقتضاه، والثاني: يصح الضمان والشرط، وفيه حديث صحيح الحاكم إسناده (١٢٦)، والثالث: يصح الضمان فقط. وَلَوْ أبرأَ الأصِيلَ بَرِيء الضامِنُ، لأنه فرعه فيسقط بسقوط أصله، وَلَا عَكْسَ، لأنه إسقاط وثيقة فلا يسقط بها الدين كفك الرهن، وفي معنى الإبراءِ أَدَاءُ الدَّينِ والاعتياضُ عنه والحوالة به وعليه، فلو عبَّر بقوله برئ كان أشمل (١٢٧)، وَلَوْ مَاتَ

стр. 819

أَحَدُهُمَا حَلَّ عَلَيهِ، لوجود بسبب الحلول، دُونَ الآخَرِ، لأنه حيٌّ يرتفق بالأجل، وَإذَا طَالبَ الْمُسْتَحِقُّ الضَّامِنَ، فَلَهُ مُطَالبَةُ الأَصِيلِ بتَخْلِيصِهِ بِالأَدَاءِ إِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ، كما أنه يغرمه إذا غرم، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُطَالِبُهُ قَبْلَ أَنْ يُطَالبَ، قلنا لأنه لم يَغْرَمْ شيئًا ولم يتوجه عليه طلب، والثاني: نعم؛ كما لو استعار المعير عينًا للرهن ورهنها، فإن للمالك مطالبته بفكها، وفرق الأول بأن الرهن محبوس وفيه ضرر والضامن ليس محبوسًا به، ومحل الخلاف إذا كان الدَّين حالًّا، فأما إذا كان مؤجلًا فليس له مطالبته قطعًا، نبَّه عليه صاحب المعين وهو ظاهر. وَلِلضَّامِنِ الرُّجُوعُ عَلَى الأَصِيلِ، إِنْ وُجِدَ إِذْنُهُ فِي الضَّمَانِ وَالأَدَاءِ، لأنه صرف ماله إلى منفعة الغير بإذنه فأشبه ما لو قال أعلف دابتي فعلفها، وَإِنِ انْتَفَى فِيهِمَا، أي في الضمان والأداء، فَلَا، لأنه متبرع، وَإِنْ أَذِنَ فِي الضَّمَانِ فَقَطْ، أي بأن سكت عن الأداء، رَجَعَ فِي الأَصَحِّ، لأنه أذن في سبب الوجوب، والأداء مترتب عليه، والثاني: لا، لانتفاء الإذن في الأداء. فَرْعٌ مُسْتَثْنًى: لو ادعى أنَّ له على زيدٍ وعلى غائب ألفًا، وأن كل واحد منهما ضمن ما على الآخر، وأقام بذلك بيّنة فأخذ الألف من زيد نصَّ على أنه يرجع على الغائب بنصف الألف، قال الجمهور: هذا إذا لم يكن وجد من زيد تكذيب للبيِّنة، فإن كان! لم يرجع، لأنه مظلوم بزعمه فلا يطالب غير ظالمه، وَلَا عَكْسَ فِي الأَصَحِّ، أي وهو ما إذا ضمن بغير الإذن وأدى بالإذن، لأن الأصل الالتزام وهو غير مأذون فيه، والثاني: يرجع، لأنه أسقط الدَّينَ عن الأصيل بإذنهِ. فَرْعٌ: لو أذن في الأداء بشرط الرجوع والحالة هذه رجع على ما صححه في الروضة.

стр. 820

وَلَوْ أَدَّى مُكَسَّرًا عَنْ صَحَاحِ أَوْ صَالحَ عَن مِائَةٍ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ خَمْسُون، فَالأصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَّا بِمَا غَرِمَ، لأنه الذي بدله، والثاني: يرجع بالصحاح والمئة لحصول براءة الذمة، والنقصان جرى من ربِّ المالِ مسامحةً. فَرْعَانِ: الأَوَّلُ: لو باع لرب الدَّين العرض بألف وتقاصَّا، رجع بالألف، لأنه ثبت له في ذمته ألف. الثّانِي: لو قال: بعتك هذا بما ضمنت لك، فالمختار في الروضة من الوجهين صحة البيع، والرجوع بما ضمنه، وَمَنْ أَدَّى دَينَ غَيرِهِ بِلا ضَمَانٍ وَلَا إِذْنٍ فَلَا رُجُوعَ، لتبرعه وبَرِئَ الْمَدِينُ، وَإِنْ أَذِنَ بِشَرْطِ الرُّجُوع رَجَعَ، وفاءً بالشرط، وَكَذَا إِنْ أَذِنَ مُطْلَقًا فِي الأَصَحِّ، للعرف، والثاني: لا يرجع، لأنه ليس من ضرورة الأداء الرجوعُ. فَرْعٌ: لو قال: أدِّ عَنِّي دَينِي رجع في الأصح، أو أدِّ دَينَ فلان ولم يقل عنّي فلا رجوع في الأصح، ذكره في البحر. وَالأصَحُّ: أَنَّ مُصَالحَتَهُ عَلَى غَيرِ جِنْسِ الدَّينِ لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، لأنه مقصوده أن تبرأ ذمته وقد فعل، والثاني: يمنع، فإنه ما أذن له في المصالحة، ثُمَّ إِنَّمَا يَرْجِعُ الضَّامِنُ وَالْمُؤَدِّي إِذَا أَشْهَدَا بِالأَدَاءِ رَجُلَينِ، لأنه نصاب، أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَينِ، لثبوت الحق بهما كالرجلين، وَكَذَا رَجُلٌ لِيَحْلِفَ مَعَهُ فِي الأَصَحِّ، لأنه كافٍ في إثبات الاداء، والثاني: لا، لأنهما قد يترافعان إلى حنفي لا يقضي بشاهد ويمين فكان ذلك ضربًا من التقصر، فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ، أي وأنكر رب المال، فَلَا رُجُوعَ إِنْ أَدَّى فِي غَيبَةِ الأَصِيلِ وَكَذَّبَهُ، أي الأصيل؛ لأن الأصل عدم الأداءِ، وهو مقصر بترك الإشهاد، وَكَذَا إِنْ صَدَّقَهُ فِي الأَصَحِّ، لأن الأصيل لم ينتفع، ولأن الحق مستمر، والثاني: يرجع لاعترافه بتبرئه ذمته بإذنه، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمَضمُون لَهُ، أي وكذبه المضمون عنه، أَوْ أَدَّى بِحَضْرَةِ الأَصِيلِ رَجَعَ عَلَى الْمَذْهَبِ، أما الأُوْلَى: فلسقوط الطلب، فإنه أقوى من البينة، ووجه مقابله أن قولَ المُسْتَحِقِّ لا يكونُ حُجَّةً عليهِ، ويحتمل أن يكون أبرأه، وأما في الثانية: فلأنه في الغيبة مستبد بالأمر، فعليه الاحتياط

стр. 821

والتوثق. وإذا كان الأصيل حاضرًا فهو أجدر بالاحتياط، والتقصير بترك الإشهاد منسوب إليه. ووجه مقابله القياس على ما إذا أداه في غيبته. وتعبيره بالمذهب فيه مخالف لتعبيره في الروضة في الأُولى بالأصح، وفي الثانية بالصحيح وعبارة الرافعي في الثانية أنه ظاهر المذهب، وعبارة المتولي في الثانية أنه المذهب فلعل ذلك يقيم عذرًا للمصنف. خَاتِمَةٌ: في فتاوى الحناطي ومنها نقلتُ: أنه سئل عن من مات وعليه دَينٌ، هل يتعلق به الدائن في الآخرة أو آخر ورثته؟ فأجاب: يرثه الله في آخر الأمر ثم يرده إليه في القيامة، وإن كان قد أدى إلى بعض ورثته خرج عن المظلمة إلّا بقدر ما سَوَّفَ وماطل فيتعلق به، كذلك قال: وفي وجه لأصحابنا يكون لآخر من مات من الوارثين.

стр. 822

كِتَابُ الشِّرْكَةِ الشِّرْكَةُ: هِيَ بِكَسْرِ الشِّينِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ عَلَى أَفْصَحِ اللُّغَاتِ، وَأَصْلُهَا الامْتِزَاجُ، وهي في الشَّرْعُ ثُبُوتُ الْحَقِّ لاثنينِ فَصَاعِدًا فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ كَيفَ كَانَ، والأصلُ فيها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ ... ﴾ الآية (١٢٨) وقوله ﷺ : [يَقُولُ الله تَعَالى أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَينِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَإِنْ خَانَ خَرَجْتُ مِنْ بَينِهِمَا] رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح الإسناد (١٢٩).

стр. 823

هِيَ أَنوَاعٌ، أي أربعة، شِرْكَةُ الأَبْدَانِ كَشِرْكَةِ الْحَمَّالِينَ، وَسائِرُ الْمُحْتَرِفَةِ، لِيَكُون بَينَهُمَا كَسْبُهُمَا مُتَسَاويًا أَو مُتَفَاوتًا مَعَ اتَّفَاقِ الصَّنْعَةِ أَو اختِلافِهَا، أي كنجار وخياط، وعليهما ما يعرِض أي بكسر الراء من غُرْمٍ. وَشِرْكةُ الْمُفَاوَضَةِ لِيَكُونَ بَينَهمَا كَسْبُهُمَا، أي سواء كان بالبدن أو بالمال، وَعَلَيهِمَا مَا يَعْرِضُ مِنْ غُرْمٍ، من غير خلط مال. وَشِرْكةُ الْوُجُوهِ بِأَنْ يَشْتَرِكَ الْوَجِيهَانِ لِيَبْتَاعَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمُؤَجَّلٍ لَهُمَا، فَإِذَا بَاعَا، كانَ الْفَاضِلُ عَنِ الأَثْمَانِ بَينَهمَا، وَهَذِهِ الأَنْوَاعُ بَاطِلَةٌ، لما في الأَوَّلِ وَالثَّانِي مِنَ الْغَرَرِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلأَنَّهَا شِرْكَةٌ فِي غَيرِ مَالٍ فَلَمْ تَصُحَّ، كالشركة على الاحتطاب، ولو استعملا لفظ المفاوضة، وأرادا شركة العنان جاز، نص عليه، وسميت مفاوضة من قولهم تفاوضا في الحديث إذا شرعا فيه جميعًا. وَشِرْكَةُ العِنَانِ، أي بكسر العين، صَحِيحَةٌ، بالإجماع من عنان الدابة أو من عنّ الشيء إذا ظهر، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى الإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ، أي من كل واحد للآخر في نصيب نفسه، لأن المال المشترك لا يحوز لأحد الشريكين التصرف فيه إلّا بإذن صاحبه، ولا يعرف الإذن إلّا بصيغة تدل عليه، فَلَو اقْتَصَرَ عَلَى اشْتَرَكْنَا لَمْ يَكْفِ فِي الأَصَحِّ، لاحتمال كونه إخبارًا عن حصول الشركة في المال؛ ولا يلزم منه جواز التصرف بدليل الوارثين، والثاني: يكفي لفهم المقصُودِ عرفًا، وَفِيهِمَا، أي في الشريكين، أَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ، أي على ما سيأتي لأن كل واحد منهما موكل ووكيل وفي جواز عقد الشركة في مال المحجور عليه نظر لاستلزامها خلط ماله قبل العقد بلا مصلحة بل يؤثر نقصًا، ولو كان أحدهما المتصرف دون الآخر فيشترط في الإذن أهلية التوكيل وفي المأذون له أهلية التوكل حتى يصح أن يكون الأول أعمى دون الثاني، وَتَصِحُّ فِي كُلِّ مِثْلِيٍّ، بالإِجماع، دُونَ الْمُتَقَوِّمِ، أي بكسر الواو إذ لا يتحقق الخلط فيها، وَقِيلَ: تَخْتَصُّ بِالنَّقْدِ الْمَضْرُوبِ، كالقراض وفي جوازه في التِبْرِ وَجْهٌ.

стр. 824

فَرْعٌ: الأَصَحُّ في الروضة جواز الشركة في المغشوش إذا استمر رَوَاجُهُ. فَرْعٌ: يشترط في المثلي التساوي في الصفات والقيمة. ويشْتَرَطُ خَلْطُ الْمَالينِ بِحَيثُ لَا يَتَمَيَّزَانِ، لأنه إذا لم يحصل خلط وتلف أحد المالين قبل التصرف تلف على صاحبه فقط، وتَعَذُّرُ إثباتِ الشركة في الباقي، وَلَا يَكْفِي الْخَلْطُ مَع اخْتِلافِ جِنْسٍ, أي كدراهم ودنانير، أَوْ صِفَةٍ كَصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ، لإمكان التمييز. فَرْعٌ: ينبغي أن يتقدم الخلط على العقد، فإن تأخر؛ فالأصح: المنع إذ لا اشتراك حال العقد. هَذَا إِذَا أخْرَجا مَالينِ وَعَقَدَا، فَإِنْ مَلَكَا مُشْتَرَكًا بِإِرْثٍ وَشِرَاءٍ وَغَيرِهِمَا، وَأَذِنَ كُلٌّ لِلآخَرِ فِي التِّجَارَةِ فِيهِ تَمَّتِ الشِّرْكَةُ، لأن المقصود بالخلط حاصل على وجه أكمل، وَالْحِيلَةُ فِي الشِّرْكَةِ فِي الْعُرُوضِ أَنْ يَبِيعَ كلُّ وَاحِدٍ بَعْضَ عَرْضِهِ بِبَعْضِ عَرْضِ الآخَرِ، أي كنصف بنصف وسواء تجانس العرضان أو اختلفا، وَيَأْذَنْ لَهُ، أي ثم يأذن له، فِي التَّصَرُّفِ، أي بعد تقابضهما وغيره مما شُرِطَ في البيع، قال الماوردي وغره: هذا إذا لم يشترطا في التبايع الشركة، فإن شرطاها فسد البيع، وقوله (كُلٌّ) لا حاجة إليه، ولا يشترط عِلْمُهُمَا بقيمة العرض عند المعاقدة على الصحيح في الروضة. وَلَا يُشْتَرَطُ تَسَاوي قَدْرَ الْمَالينِ، أي بل تثبت الشركة مع التفاوت على نسبة المالين لأنه لا محذور فيه، وَالأَصَحُّ: أَنّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِقَدْرِهِمَا، أي بقدر المالين، أي بأن يعرف أن المال بينهما مثالثة أو مناصفة، عِنْدَ الْعَقْدِ، أي إذا أمكن معرفته من بعد كما قيده الرافعي لأن الحق لا يعدوهما وقد تراضيا، والثاني: يشترط وإلّا يؤدي ذلك إلى جهل كل واحد بما أَذِنَ فيه وبما أُذِنَ له فيه، وَيَتَسَلَّطُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى التَّصَرُّفِ بِلا ضَرَرٍ، كتصرف الوكيل، فَلَا يَبِيعُ نَسِيئَةً وَلَا بِغَيرِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَلَا

стр. 825

بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَلَا يُسَافِرُ بِهِ وَلَا يُبْضِعُهُ، أي وهو دَفْعُهُ إلى من يعمل فيه متبرعًا وريعُهُ لِلْمَالِكِ، بِغَيرِ إِذْنٍ، هذا قيد في الكلِّ، فإن وُجِدَ جاز. فَرْعٌ: لا يشتري بالغبن أبيضًا. وَلِكُلٍّ فَسْخُهُ، أي فسخ عقد الشركة، مَتَى شَاءَ، كالوكالة، وَيَنْعَزِلانِ عَنِ التَّصَرُّفِ بِفَسْخِهِمَا، أي بفسخ كلٍّ منهما، لأن العقد قد زال، فَإِنْ قَال، أَحَدُهُمَا: عَزَلْتُكَ، أَوْ لَا تَتَصَرَّفْ فِي نَصِيبِي، لَمْ يَنْعَزِلِ الْعَازِلُ، أي بل المخاطب فقط إذا لم يوجد ما يقتضي عزله فينصرف في نصيب المعزول، وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَبِجُنُونِهِ وَإغْمَائِهِ، كالوكالة وكذا بِطَرُوءِ السَّفَهِ. وَالرِّبْحُ وَالْخُسْرَانْ عَلَى قَدْرِ الْمَالينِ تَسَاوَيَا فِي الْعَمَلِ أَوْ تَفَاوَتَا، أي سواء شرطاه أم لا عَمَلًا بقضية الشركة، فَإِنْ شَرَطَا خِلافُهُ فَسَدَ الْعَقْدُ، لأنه مخالف لموضوعها، فَيَرْجِعُ كُلُّ عَلَى الآخَرِ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ فِي مَالِهِ، أي في مال الآخر كما في القراض إذا فسد، وَتَنفُذُ التَّصَرُّفَاتُ، لوجود الإذن، وَالرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الْمَالينِ، لأنه مستفاد منهما. وَيَدُ الشَّرِيكِ يَدُ أَمَانَةٍ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ وَالْخُسْرَانِ وَالتَّلَفِ، كالمودع، فَإِنِ ادَّعَاهُ، يعني التلف، بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ بِالسَّبَبِ. ثُمَّ يُصَدَّقُ فِي التَّلَفِ بِهِ، أي بخلاف الخفي فإنه يقبل قوله لعسر إقامة البيّنة عليه بخلاف الظاهر، وَلَوْ قَال مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ: هُوَ لِي، وَقَال الآخَرُ: مُشْتَرَكٌ، أَوْ بِالْعَكْسِ؛ صُدِّقَ صَاحِبُ الْيَدِ، عملًا بها، وَلَوْ قَال: اقْتَسَمْنَا وَصَارَ لِي؛ صُدِّقَ المُنْكِرُ، لأن الأصل عَدَمُهَا، وَلَو اشْتَرَى وَقَال: اشْتَرَيتُهُ لِلشِّرْكَةِ، أَوْ لِنَفْسِي، وَكَذَّبَهُ الآخَرُ صُدِّقَ الْمُشْتَرِي، لأنه أَعْلَمُ بقصده وسواء ادعى أنه صرح بالشراء للشركة أو نواه، والأول: يقعُ عند ظهور الخسران، والثاني: عند ظهور الربح. فَرْعٌ نَخْتُمُ بِهِ الْبَابَ: إذا انفسخت الشركة وللشريك دُيُونٌ فاتفقا على أن يكون لكل منهما على بعض الغرماء حصة لم يصح، قال في الاستقصاء: لأنه بيع دَينٍ بِدَينٍ.

стр. 826

كِتَابُ الْوَكَالةِ الْوَكَالةُ: هي بفتح الواو وكسرها: التَّفْويضُ، وهي في الشَّرْعِ: إِقَامَةُ الْوَكِيلِ مَقَامَ الْمُوكِلِ فِي الْعَمَلِ الْمَأْذُون فِيهِ، والأصلُ فيها إجماع الأمة والسُّنَّة الصحيحة الشهيرة كقصة عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ (١٣٠) وغيرِهِ (١٣١)، وفي القرآن الكريم ما يدل لها أيضًا

стр. 827

كقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ ... ﴾ الآية (١٣٢) وهي مندوبةٌ أيضًا. شَرْطُ الْمُوَكِّلِ صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ مَا وَكَّلَ فِيهِ بِمِلْكٍ أَوْ ولايَةٍ، فَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، لأن التصرف الخاص بالإنسان أقوى من تصرفه بغيره، فإذا يقدر على الأقوى فعلي الأضعف أَوْلى، والمغمى عليه كالمجنون وكذا النائم، واحترز بالمِلْكِ والولاية عن التوكيل؛ فإنه لا يوكل عند الإطلاق كما سيأتي؛ لأنه ليس بمالك ولا ولي، وعن العبد المأذون لأنه إنما يتصرف بالإذن فقط، ويرد على الضابط المذكور الوكيل، فإنه قد يوكل عنه لا عن الموكل كما سيأتي، وحينئذ فلا يصح اشتراط كون الموكل مالكًا للتصرف بملك أو ولاية، وقوله (وَكَّلَ فِيهِ) هو بفتح الواو، وَلَا الْمَرْأَةِ وَالْمُحْرِمِ فِي النِّكَاحِ، أمَّا المرأة فلأنها لا تباشره (١٣٣)، والمرادُ أنها لا توكل أجنبيًّا في تزويجها، فأما إذا أذنت للولي بصيغة الوكالة فإنه يصح. وأما الْمُحْرِمُ فللنهي عنه في صحيح مسلم (١٣٤)؛ وهذا محمول على ما إذا وكل ليعقد عنه

стр. 828

في حال الإحرام، فإن وكله ليعقده إذا حَلَّ أو أطلق صح، وكذا لو وكله حلال ليُوكل حلالًا بالتزويج على الأصح لأنه سَفِيرٌ محضٌ. وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الْوَلِيِّ، أي وهو الأب والجد والوصي والقَيِّمُ، فِي حَقِّ الطِّفْلِ، لولايته عليه، والمجنون والسفيه كالطفل، وَيُسْتَثْنَى، أي عما ذكرناه، تَوْكِيلُ الأَعْمَى فِي الْبَيعِ وَالشِّرَاءِ فَيَصِحُّ، وإن لم يقدر على مباشرته للضرورة، وكذا في القبض على الأصح، وكذا لو علق الطلاق بسبق الثلاث، فقال: إذا طلقتك فأنت طالق قبله ثلاثًا، وقلنا بامتناع التطليق فإنه يُوكِّلُ فيه وفي سائر العقود المتوقفة على الرؤية كالإجارة، يصح توكيله فيها أيضًا، ويستثنى من القاعدة المذكورة طردًا أو عكسًا مسائل فراجعها من الشرح تركتها خشية التطويل. وَشَرْطُ الْوَكِيلِ صِحَّةُ مُبَاشَرَتهِ التَّصَرُّفَ لِنَفْسِهِ، كما في الموكل، ويستثنى توكيل الولي فاسقًا في بيع مال الطفل فإنه لا يجوزه، لَا صَبيٍّ وَمَجْنُونٍ، لسلب عبارتهما؛ والمغمى عليه كالمجنون وكذا النائم، وَكَذَا الْمَرْأَةُ وَالْمُحْرِمُ فِي النِّكَاحِ، لسلب عبارتهما فيه إيجابًا وقبولًا، والمحرم بضم الميم كما هو كذلك فيما سلف أيضًا، والْمَحْرَمُ بفتحها يصح أن يكون وكيلًا في القبول، وإن كان لا يصح تعاطيه لنفسه، والخنثى ينبغي إلحاقه بالمرأة للشك في أهليته، لَكِنِ الصَّحِيحُ اعْتِمَادُ قَوْلَ صَبِيٍّ، أي ثقة، فِي الإِذْنِ فِي دُخُولِ دَارٍ وَإِيصَالِ هَدِيَّةٍ، لتسامح السلف في مثل ذلك، وهو توكيل من جهة الإذن والمهدي، والثاني: المنع لما سلف؛ وصحح في أصل الروضة القطع بالأول، ومحل الخلاف إذا لم لِكن قرينة وإلّا فيعتمد قطعًا. فَرْعٌ: الكافر والفاسق كالصبي فِي ذلك. فَرعٌ: قال القفال في فتاويه: إذا اشترى طعامًا وبعثَ صبيًّا ليستوفيه، فكال البائع عليه؛ حلَّ له التصرف فيه، إن كان الصبي يعقل عقل مثله، وكذا في بابِ السَّلَمِ إذا بعث صبيًّا؛ قال: وكذا في باب الهِبَةِ. فَرْعٌ: يجوز توكيل الصبي في دفع الزكاة على الأصح كما سلف في بابه.

стр. 829

وَالأصَحُّ: صِحَّةُ تَوْكِيل عَبْدٍ فِي قبولِ نِكَاح، لأنه لا ضرر على السيد فيه، والثاني: لا، لأنه لا يستقل فيه بنفسه، ومحل الخلاف إذا لم يأذن؛ فإن أذن صح قطعًا. كذا ذكره في الروضة في النكاح، وقال هنا بعد أن حكى الخلاف مع الإذن: المختار الجواز مطلقا، وَمَنْعُهُ فِي الإِيجَابِ، لأنه إذا لم يزوج بنت نفسه فبنت غيره أَوْلى، والثاني: الصحة، لصحة عبارته في الجملة، والمبعَّضُ أَوْلى بالصحة منهُ فيما يصح توكيله فيه فيما يظهر. وَشَرطُ المُوَكلِ فِيهِ أَن يَمْلِكَهُ المُوَكّلُ، فَلَوْ وَكلَ بِبَيع عَبْدٍ سَيَمْلِكُهُ، وَطَلاقِ مَنْ سَيَنْكِحُهَا بَطَلَ فِي الأصَحِّ، لأنه لا يتمكن من مباشرته بنفسه، فلا يتمكن من استنابة غيره فيه، والثاني: يصح، ويكفي حصول الملك عند التصرف، فإنه المقصودُ عند التوكيل، ويستثنى القِرَاضُ؟ فإنه يصح إذن المالك للعامل في بيع ما سيملكه من العروض، إذ لا تتم مصالحُ العقد إلا بذلك، ولو قال: وكلتك في بيع كذا وأن تشتري بثمنه كذا فأشهر القولين صحة التوكيل بالشراء كما ذكره صاحب المطلب. وأن يَكُون قَابِلًا لِلنيابَةِ، لأن التوكيل تفويض وإنابة، فَلَا يَصِحُّ فِي عِبَادَة، لأن المقصود منها ابتلاء الشخص واختباره بإتعابِ نفسه، إِلَّا الْحَج، أي عند العجز لما ذكرناه في موضعه. ويندرج فيه ركعتا الطواف ويقعان عن المستأجر في الأصح، والعمرة ملحقة بالحج، وَتفْرِقَةَ زَكَاةٍ، وَذَبْحَ أضْحِيَة، لما تقدم في الزكاة، ويأتي في الأضحية. وفي صوم الولي عن الميت خلاف كما سلف في موضعه، ويلحق بالزكاة الكفارات والصدقات، وبذبح الأضحية الهدي ونحوه، وقد سلف في باب الوضوء الاستعانة فيه؟ وفِي باب التيمم الاستنابة فيه. والتوكيل في إزالة النجاسة جائز، وعنه احترز المصنف بقوله (عِبَادَة)، لأنه من باب التروك. ولذلك لا يشترط فيها النية على الأصح، وَلَا في شهَادَةٍ، وإيلاءٍ، وَلعانٍ، وَسَائِرِ الأيمَانِ، أي باقيها إلحاقًا بالعبادات. فَرْعٌ: الشهادة على الشهادة ليست بتوكيل.

стр. 830

وَلَا فِي الظِّهَارِ فِي الأصَحِّ، لأنه منكرٌ وزورٌ؛ وفي ذلك إعانة عليه. والثاني: يصح بناء على أن المغلب فيه شائبة الطلاق على شائبة اليمين، والأول غلب فيه شائبة اليمين. فيقول على الثاني؛ موكلي يقول: أَنْتِ عَلَيهِ كَظَهرِ أُمِّهِ. فَرْعٌ: في معنى الأيمان النذور؛ وتعليق الطلاق؛ والعتق. ويصِحُّ فِي طَرَفَي بَيع؛ وَهِبَةٍ؛ وَسَلَمٍ؛ وَرَهْنٍ؛ وَنكَاح، أما النكاح فبالنص وأما الباقي فبالقياس؛ وَطَلاق، أي منجزًا لأنه إذا جاز في العقد ففي حِلِّهِ أوْلى، أمَّا المعلق فلا على الأصح؛ وَسَائِرِ الْعُقُودِ، أي كالضمان ونحوه، وَالْفُسُوخ، أي المتراخية، أما التي على الفور فلا للتقصير، وَقَبضِ الديونِ وَإقْباضُهَا؛ وَالدَّعْوَى؛ وَالْجَوَابِ، قياسًا على ما سلف ولعموم الحاجة، ويستثنى من جواز التوكيل في القبض قبض العرض في الصرف في غيبة الموكل؛ لأن بغيبته فسد العقد، وَكَذَا فِي تَمَلكِ المُبَاحَاتِ؛ كَالإحْيَاءِ؛ وَالاصْطِيَادِ؛ وَالاحْتِطَابِ فِي الأظْهَرِ، لأنه أحد أسباب الملك فأشبه الشراء فيحصل الملك للموكل إذا قصده الوكيل له، والثاني: لا، كالاغتنام إذ الملك بالحيازة، ولو استأجره ليحتطب أو يَسْتَقى؛ فالأصح في الروضة: الجواز، لَا فِي الإقْرَارِ، أي بأن يقول: وكلتك لِتُقِرَّ عني لفلان بكذا، فِي الأصَحَّ، لأنه إخبار فأشبه الشهادة، والثاني: يصح، لأنه قول يلزم بالحق كالشراء، فعلى هذا لا يلزمه شيء قبل إقرار الوكيل على الصحيح في الروضة، وعلى الأول يجعل مقرًا بنفس التوكيل على ما صححه الأكثرون على ما ذكره في الروضة من زوائده أيضًا. وجزم في الحاوي الصغير بخلافه. ويصِحُّ فِي اسْتِيفَاءِ عُقُوبَةِ آدَمِيٍّ كَقَصَاصٍ؛ وَحَدِّ قَذْفٍ، كسائر الحقوق بل يتعين ذلك في حدِّ القذف، وكذا في قطع الطرف على الأصح كما ذكره في موضعه، أما حقوق الله تعالى فلا يجوز التوكيل في إثباتها؛ لأنها مبنية على الدرءِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِحَضرةِ الْمُوَكلِ، لاحتمال العفو في الغيبة قال الروياني: وبه أُفتى، وقوله (وَقِيلَ) صَوَابُهُ وَفِي قَوْلٍ، قال صاحب العين: ومحل الخلاف في تمكين الحاكم

стр. 831

الوكيل من الاستيفاء، أما استيفاء الوكيل فصحيح قطعًا. فَرْعٌ: يجوز التوكيل في استيفاء حدود الله تعالى من الإمام والسَّيِّدِ، نعم؛ يُمْتَنَعُ التوكيلُ في إثباته إلا في دعوى القاذف على المقذوف أنه زِنا. وَلْيَكُنِ الْمُوَكِّلُ فِيهِ مَعلُومًا مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ، لئلا يعظم الغرر، وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ مِنْ كُل وَجْه، لأنها شرعت تسهيلًا ورفقًا فَسُومح فيها، فَلَو قال: وَكْلتكَ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرِ، أَو فِي كُل أُمُورِي، أَوْ فَوَّضْتُ إِلَيكَ كُل شَيءٍ لَم يَصح، لأنه غَرَرٌ عظيمٌ لا ضرورة إلى احتماله. فَرْعٌ: في تهذيب الشيخ نصر المقدسي: أنه لو وكله في شراء ما شاء لم يصح، لأنه قد يعجز عنه لكثرته. وإن قَال: في بَيع أَموَالِي وَعِتْقِ أَرقائِي صَحَّ، لأن ذلك محصور وغررهُ قليلٌ، وَإِنْ وَكلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ وَجَبَ بَيَان نوعِهِ، أي كتركي وهندي وغيرهما تقليلًا للغرر، فإن الأغراض مختلفة، ولا يشترط استقصاء الأوصاف التي في السَّلَمِ ولا ما يقرب منها اتفاقًا قاله الإمام، لكن اعتبر القاضي ذكر الصفات التي يختلف الثمَنُ باختلافها، وقال الجويني: إذا اختلفت الأصناف الداخلة تحت النوع الواحد اختلافًا ظاهرًا اشترط ذكر أوصاف تميزه، قال الإمام: ولم يتعرضوا له، قُلْتُ: ذكره صاحبُ التنْبِيهِ فيه؛ لكنه عبَّر عن المصنف بالوصف، وقال: إنه الأشبه، وذكره الجرجاني في تحريره أيضًا. فَرْعٌ: لو كان القصد المَجارة؛ فلا يشترط النوع ولا الجنس. أَوْ دَارٍ وَجَبَ بَيَان المَحِلَّةِ، أي وهي الحارة، وَالسِّكَّةِ، أي بكسر السين وهو الزقاق، لاختلاف الغرض بذلك اختلافًا ظاهرًا، ويعين في الحانوت السوق، لَا قَدْرَ الثمَنِ فِي الأصَحِّ، أي في هذه والتي قَبلها، لأنه قد يتعلق الغرض بعبد من ذلك النوع أو دارًا نفيسًا كان أو خسيسًا، والثاني: يشترط بيان قدره أو غايته، بأن يقول من مائة إلى ألف لظهور التفاوت.

стр. 832

ويشتَرَطُ مِنَ الْمُوَكِّلِ لفْظ يَقتَضِي رضَاهُ؛ كَوَكلتكَ فِي كَذَا، أَوْ فَوضته إِلَيكَ، أَوْ أنْتَ وَكِيلِي فِيِه، أي ونحوها كأنَبْتُكَ كما يشترط الإيجاب في سائر العقود، ويؤخذ من كلام المصنف: أنه لا بد من تعيين الوكيل، وبه صرَّح الغزالي وَإِمَامُهُ، فَلَوْ قَال: بِع أَو أَعْتِق حَصَلَ الإذْن، لأنه أبلغ مما سبق، وَلَا يُشتَرَطُ القَبُولُ لَفْظًا، لأن التوكيل إباحة ورفع حَجْرِ؛ فأشبه إباحة الطعام، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ، لأنه تمليك حق كسائر التصرفات، وَقِيلَ: يُشتَرَط فِي صيَغ العُقُودِ كَوَكلتكَ، دُون صِيَغ الأمْرِ كَبِعْ وَأَعْتِقْ، نظرًا إلى الصيغة، واحترز بقوله لفظًا عن القبول معنى، فإنه لا بد منه في دوام الوكالة قطعًا حتى لو رُدَّ بطُلَت. فَرْعٌ: إذا قلنا بالأصح فوكله؛ والوكيل لا يعلم ثبتت وكالته في الأصح، فلو تصرف صح على الأظهر. وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِشَرطٍ، أي من صفة أو وقت، فِي الأصَح، كسائر العقود، والثاني: يصح كالوصية والإمارة، والأول فرق بأن الوصية تقبل الجهالة فيقبل التعليق، فإِن نجَّزَهَا، وشرطَ لِلتصَرُّفِ شرطا جَازَ، لأنه إنما علق التصرف فقط وفيه نظر. فَرْعٌ: يجوز توقيتها. وَلَو قَال: وَكلتكَ؛ وَمَتَى عَزَلتكَ فَأنتَ وَكِيلِي؛ صَحَّت فِي الحالِ؛ فِي الأصَح، لأنه نجزها، والثاني: لا، لأنه أبَّدَهَا، ومحل الخلاف ما إذا قال ذلك متصلًا بالتوكيل بصيغة الشرط وَبِكُلّمَا وعمَّ نفسه وغيره، وَفي عَوْدِهِ وَكِيلًا بَعْدَ العَزلِ الْوَجهَانِ فِي تعلِيقِهَا، لأنه علَّق الوكالة ثانيًا على العزل؛ والأصح: عدم العود؛ لأن الأصح فساد التعليق، والثاني: يعود بناء على صحته، ويجرِيَانِ فِي تعلِيقِ العَزلِ، أي وأولى بالقبول؛ لأنه لا يشترط فيه قبول قطعًا؛ واشتراطه في الوكالة مختلف فيه. فصلٌ: الوَكِيلُ بِالبَيع مُطْلَقًا لَيسَ لَهُ البَيعُ بِغَيرِ نَقدِ البَلَدِ، لدلالة القرينة العُرفِيَّةِ عليه، وَلَا بِنَسِيئةٍ، أي وإن كان قدر ثمن المثل؛ لأن الإطلاق يقتضي الحلول لأنه

стр. 833

المعتاد غالبًا، وَلَا بِغَبْنٍ فَاحِش وَهُوَ مَا لَا يُحتَمَلُ غالبًا، كالوصي والوكيل بالشراء، أما اليسير فيغتفر، واحترز بقوله (مُطْلَقًا) عما إذا نصَّ عليه الموكل، فإنه مجوز؛ لأن المنع كان لحقه فزال بإذنه، وقوله (ليسَ لَهُ) هو صريح في المنع، فلو فعل فالمذهب بطلان تصرفه، وفي قول: أنه موقوف على إجازة الموكل، فَلَوْ بَاعَ عَلَى أحَدِ هَذِهِ الأنوَاع وَسلمَ المَبِيعَ ضَمِنَ، لتعديه، أمَّا قبل التسليم فلا. فَرْعٌ: لو باع بثمن المثل وطلب في المجلس بزيادة، فالحكم المنع كما سبق في عدل الرهن. فَإن وَكلَهُ لِيَبِيعَ مُؤَجَّلًا؛ وَقَدَّرَ الأجَلَ فَذَاكَ، أي فيجرز أن يبيعه إلى ذلك الأجل الذي قدره، من غير زيادة عليه، فإن باع بانقص، فإن كان في وقت لا يؤمن النهب والسرقة، أو كان لحفظه مؤنة في الحال لم يصح وإلا صَحَّ في الأصح، وإنْ أَطْلَقَ صَحَّ فِي الأصَحَّ، لصحة اللفظ، والثاني: لا، لأنه مجهول، والغرض يختلف باختلاف الآجال، وَحُمِلُ عَلَى الْمُتَعَارَفِ فِي مِثْلِهِ، لأن مطلق الوكالة يحمل على ذلك، وعرف الناس يختلف باختلاف الأجناس، فإن لم يكن عَرَفَ رَاعَى الأنْفَعَ، والثاني: له التأجيل إلى ما شاء لإطلاق اللفظ، والثالث: لا يريد على سنة كتقدير الديون المؤجَّلَةِ بِها شرعًا كالجزية، وَلَا يَبِيعُ لِنَفْسِهِ، أي ولو أذن لتضاد الغرضين وهما الاسترخاصُ لنفسهِ والاستقصاء للموكل، نعم؛ لو أذن له في البيع من نفسه وقدَّر الثمن ونهاه عن الزيادة فينبغي الجواز، كما قاله صاحب المطلب، وَوَلَدِهِ الصغيرِ، لما قلناه. فَرْعٌ: الشراء في ذلك كالبيع. وَالأصَح: أنهُ يَبِيع لأبِيهِ وَابنِهِ البالغ، أي وكذا سائر أصوله وفروعه المستقلين، لأنه باع بالثمن الذي لو باع به من أجنبي صح، والثاني: لا، لأنه متهم بالميل إليهم، أما غير الأصول والفروع فيبيع منهم ويشتري قطعًا. فَرْعٌ: لو عين الموكلُ الثمن! ففي جواز بيعه منهم وجهان مرتبان؛ وأوْلى بالصحة لانتفاءِ التهمة ذكره القاضي حسين.

стр. 834

فَرْعٌ: لو أذن له في البيع منهم جاز قطعًا. وَأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيع لَهُ قَبْض الثَّمَنِ، لأنه من توابع البيع ومقتضاه، والثاني: لا، لأنه قد يرضاه للبيع دون القبض، ومحل الخلاف إذا لم يكن القبض شرطًا، فإن كان كالصرف ونحوه فله القبض والإقباض قطعًا وكذا رأس مال السَّلَمِ، وإذا باع بثمن مؤجل فإنه لا يملك قبض الثمن قطعًا، وكذا إذا نهاه عن قبض الثمن، قال صاحب المعين: وإذا كان الموكل غائبًا أو لم يعين المشتري فله قبض الثمن قطعًا، وليس محل الخلاف لئلا يضيع، وَتسْلِيمُ المبيع، أي إذا كان مسَلَّمًا إليه؛ لأنه من مقتضياته، وقيل: فيه الخلاف في قبض الثمن، وَلَا يُسَلِّمُة حَتى يَقْبِضَ الثمَنَ، لأن في تسليمه قبل قبضه خطر ظاهر، فَإن خَالفَ ضَمِنَ، لتعديه. وَإذَا وَكَّلَهُ فِي شرَاءٍ لَا يَشْتَرِي مَعِيبًا، أي لا ينبغي له ذلك؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة، فَإنِ اشترَاه فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ يُسَاوي مَعَ الْعَيبِ مَا اشترَاهُ بِهِ؛ وَقَعَ عَنِ المُوَكلِ إِذ جَهِلَ الْعَيبَ بِهِ، لأنه يمكن استدراكه بالرد فلا ضرر فيه، ولا ينسب الوكيل إلى مخالفة لجهله، وقوله (فِي الذِّمَّةِ) قد يُوهِم أنه إذا اشترى بعين مال الموكل لا يقع له، وليس كذلك بل يقع له أيضًا، إذا أوقعناه له هناك لكن ليس للوكيل الردُّ في الأصح، فأتى بهذا القيد ليحترز به عما يقتضيه كلامه بَعْدُ مِنَ الرَّدِّ، وَإِن عَلِمَهُ فَلَا فِي الأصَحِّ، أي سواء ساوى ما اشتراه به أم زاد؛ لأن الإطلاق يقتضي سليمًا، والثاني: يقع له، لأن الصيغة مطلقة ولا نقص في المالية، والثالث: إن كان يشتريه للتجارة وقع له، أو لِلْقِنْيَةِ فلا وهو حسن، وإن لَم يُسَاوهِ، أي لم يساو ما اشتراه به، لَم يَقَعْ عَنهُ، أي عن الموكل، إِن عَلِمَهُ، للمخالفةِ المُوَرِّطَةِ في الغرامةِ، وَإن جَهِلَه وَقَعَ فِي الأصَحِّ، كما لو اشتراه لنفسه جاهلًا، والثاني: لا، لأن الغبن يمنع الوقوع عنه مع السلامة فعند العيب أولى. وإذَا وَقعَ لِلْموَكِّلِ؛ فَلِكُلّ مِنَ الوَكِيلِ وَالمُوَكلِ الرَّدُّ، أما الموكل فلأن الملك له، وأما الوكيل فلأنه أقامَهُ مقام نفسه في العقدِ وَلَوَاحِقِهِ، ويُستثنى من ذلك ما إذا

стр. 835

رضي الموكل بالعيب، وكذا إذا رضي الوكيل. وَلَيسَ لِلْوَكِيلِ أَن يوكِّلَ بِلا إِذْن إِن تأتى مِنْهُ مَا وَكّلَ فِيهِ، كما ليس للوصي أن يوصي، نعم؛ قال الجُوْرِيُّ: لو وكَّله في قبض دين فقبضه وأرسله مع بعض عياله إلى الموكل لم يضمن أو مع غيره ضمن، وإن لَمْ يَتَأَتَّ لِكَونِهِ لَا يُحْسِنُهُ أَوْ لَا يَليقُ بِهِ فَلَهُ التوْكِيلُ، عملًا بالعرف فإن المقصود من مثله الاستنابة. وَلَو كَثُرَ؛ وَعَجَزَ عَنِ الإتيَانِ بِكُلّهِ؛ فَالمَذْهَبُ: أَنهُ يُوَكِّلُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمُمكِنِ، أي عن موكله لا عن نفسه على الأصح دون الممكن لعدم الضرورة إليه، وقيل: يوكل في الممكن، لأنه ملك التوكيل في البعض فيوكل في الكل كما لو أذن صريحًا، والطريق الثاني: إطلاق وجهين في الكل، وعبارة المُحَرَّرِ بدل العجز عدم الإمكان. وَلَوْ أذِن فِي التَّوْكِيلِ وقال: وَكِّل عَن نَفْسِكَ، فَفَعَلَ، فَالثانِي وَكِيلُ الوَكِيلِ، لأنه مقتضى الإذن، وَالأصَحُّ: أَنْهُ يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ وَانْعِزَالِهِ، أي ينعزل الثاني بعزل الأول وبانعزاله أيضًا أي بموته وجنونه وهذا بناء على أن الثاني وكيل الوكيل، ووجه مقابله مبني على أنه وكيل الموكل ولم يذكر في المُحَرَّرِ مسألة الانعزال، وَإِن قَال: وَكِّل عَنِّي، الثانِي وَكِيلُ المُوَكلِ، لأن التوكيل في التوكيل جائز اتفاقًا، وَكَذَا لَو أَطْلَقَ، أي بأن قال: وكلتك في كذا وإذنت لك في أن توكل فيه ولم يقل عنك ولا عني، فِي الأصَح، لأن التوكيل تصرف بولاية الوكيل بإذن الموكل فيقع عنه، والثاني: أنه وكيل الوكيل، وكأنه قصد تسهيل الأمر عليه، وهذا هو الأصح في نظره في القاضي إذا قال لنائبه استنب ولم يَقُل عَنِّي. قُلتُ: وَفي هَاتَينِ الصُّورَتَينِ لَا يَعْزِلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ وَلَا يَنْعَزِلُ بِانْعِزَالِهِ، لأنه ليس وكيلًا له؛ ولو سكت المصنف عن هذا لَعُلِمَ من التفريع، ولكنه أراد زيادة إيضاح. وَحَيثُ جَوَّزنَا لِلوَكِيلِ التوكِيلُ؛ يُشتَرَطُ أن يُوَكِّلَ أَمِينًا، رعاية لمصلحة الموكل، فإن وكل خائنًا لم يصح، لأنه خلاف المصلحة وظاهر إطلاق المصنف أنه

стр. 836

لا يجوز توكيل الخائن وإن كان الموكل عين الثمن والمبيع منه، لأنها استنابة عن الغير وهو أحد احتمالي صاحب المطلب، إِلَّا أَن يُعَيِّنَ المُوَكلُ غَيرَهُ، أي غير الأمين فيتبع تعيينَهُ لإذنه فيه، وَلَوْ وَكَّلَ أَمِينًا فَفُسِّقَ! لَم يَملِكِ الوَكِيلُ عَزْلَهُ فِي الأصَح، وَالله أعلَمُ، لأنه أذن له بالتوكيل دون العزل، والثاني: نعم، لأن الإذن في التوكيل يقتضي توكيل الأمناء، فإذا فُسِّقَ لم يجز استعماله فيملك عزله، وخصَّ الغزالي الجواز بما إذا قال: وكل عني، وَاستَشكلَ بَعْضُهُمْ جَوَازَ العَزْلِ، كما قال ابن الرفعة: لأنه ليس وكيلًا عنه فكيف يقدر على عزله، وقال بعض المتأخرين: ينبغي أن يفرع على أنه وكيل عن نفسه فيملك عزله أو عن الموكل فلا يملك. فَصْلٌ: قَال بِعْ لِشَخْصٍ مُعَيَّن أو في زَمَنٍ أَو مَكانٍ مُعَينٍ تَعَيَّنَ، تبعًا لتخصيصه، وَفِي المَكانِ وَجهٌ إِذَا لَمْ يتَعَلَّقْ به غَرَضٌ، أي أنه لا يتعين لاتفاق الغرض فيها، وهذا ما أوردَهُ جماعة وهو المنصوص، وهذا إذا لم يُقَدِّر الثمن، فإن قَدَّرهُ جاز البيع في غيرِهِ، أما إذا تعلق به غرض بأن كان الراغبون فيه أكثر والنقدُ أجود، فإنه لا يجوز البيع في غيره جزمًا إذا لم يُقدِّر الثمن، ولو نهاه صريحًا عن البيع في غيره امتنع قطعًا. وَإِن قَال: بِعْ بِمِائَة، لَمْ يَبِعْ بِأقَل، أي ولو بقيراط، وَلَهُ أنْ يَزِيدَ، لأن ذلك زيادة خير، إِلَّا أن يُصَرِّحَ بِالنهْي، لأن النطق أبطل حكم العرف، وقوله (وَلَهُ) يفهم أنه لا يجب عليه البيع بالزيادة إذا كان هناك راغب؛ والأصح في الروضة خلافه، وهذا كله إذا لم يعين المشتري، فإن عيَّنَهُ لم يزدْ قطعًا لأنه ربما قصد إرفَاقه، قال الغزالي: إلا إذا عَلِمَ خلافهُ بالقرينة ولو قال: اشتر عبد فلان بمائة فاشترى بأقل منها صح، وفرق الماوردي بأنه في البيع ممنوع من قبض ما زاد على المائة، وفي الشراء مأمور بدفع مائة ودفع الوكيل بعض المأمور به جائز. وَلَوْ قَال: اشتَرِ بِهَذَا الدِّينَارٍ شَاةً وَوَصَفَهَا فَاشترَى بِهِ شَاتينِ بِالصِّفَةِ، فَإن لَم تُسَاو وَاحِدَة دِينارًا لَم يَصِح الشرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ، أي وإن زادت قيمتها على الدينار

стр. 837

لفوات ما وكل فيه، واحترز بقوله (وَوَصَفَهَا) عَمَّا إِذَا لَمْ يَصِفْهَا فَإِنَّ التوْكِيلَ لَا يَصحُّ، وَإِن سَاوَتْهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ؛ فَالأظْهَرُ: الصِّحَّةُ، وَحُصُولُ الْمِلْكِ فِيهِمَا لِلْمُوَكِّلِ، لأنه حصل المقصود وزاد خيرًا فأشبه ما لو قال بِع بخمسة فباع بعشرة، والثاني: لا تقع الشاتان معًا للموكل؛ لأنه لم يأذن إلا في واحدة، بل إن اشترى في الذِّمَّةِ فللموكِّلِ واحدة بنصف دينار والأخرى للوكيل، وللموكِّل تقريرُ العقدِ فيهما على الأصح إذا عقد له. أو بالعين فالوكيل فضولي، وقوله (وَإِنْ سَاوَتْهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ) هو طريقة، والأصح في الروضة: إنَّ الشرط أن يكون أحداهما فقط مساوية للدينار. وَلَوْ أَمَرَهُ بِالشِّراءِ بِمُعَين فَاشْتَرَى في الذِّمَّةِ لَم يَقَعْ لِلْمُوَكلِ، لمخالفته، فإنه ألزم ذمة الموكل ما لم يأذن فيه ويقع العقد له وإن صرح بالسفارة، وَكَذَا عَكسُهُ فِي الأصَحِّ، للمخالفة؛ فإنه أمرَهُ بِعَقْدٍ يلزم مع بقاء المدفوع وتلفِه فَعَقَدَ عقدًا يلزمُ مع بقائه دُونَ تلَفِهِ، وقد يكون غرض الموكل تحصيل المبيع على كل حال، والثاني: يصح، لأنه أقلُّ غررًا فقد زاد خَيرًا. وَمَتَى خَالفَ الْمُوَكّلُ فِي بَيع مَالِهِ، أي بأن قال: بِعْ هذا العبد فباع غيره، أَو الشرَاءِ بِعَينهِ، فاشترى في الذمة، فَتَصَرُّفُهُ بَاطِل، أما في الأوْلى: فلأن المالك لم يرضَ بإزالة ملكه عنه، وأما في الثانية: فكالبيع. وَلَو اشْتَرَى في الذِّمَّةِ وَلَمْ يُسَمِ الْمُوَكِّلُ؛ وَقَعَ لِلْوَكِيلِ، لأن الخطاب جرى معه وإنما ينصرف بالنية إلى الموكل إذا كان موافقًا لإذنه، فإذا خالف لغت نيَّته وصار كأجنبي يشتري لغيره في ذمته، وَإِن سَمَّاهُ فَقَال الْبَائِعُ: بِعْتُكَ، فَقَال: اشْتَرَيتُ لِفُلانٍ؛ فَكَذَا فِي الأصَحِّ، أي وتلغوا التسمية لأنها غير معتبرة في الشراء، فإذا سمّاه ولم يمكن صرفه إليه صار كأنه لم يسمِّه، والثاني: أن العقد باطل من أصله لامتناع إيقاعه عنه بالإضافة إلى الغير وهذا من فوائد القاعدة الأصولية أَنَّ الْخُصُوصَ إِذَا بَطَلَ هَلْ يُبطِلُ الْعُمُومَ؟ وَإن قَال: بِعْتُ مُوَكِّلَكَ زيدًا، فَقَال: اشْتَرَيتُ لَهُ فَالمَذهَب بطْلانُهُ، لأن البيع

стр. 838

عقد لا يمكن تعليقه بغير العاقد ولم تَجْرِ بينهما مخاطبة؛ بخلاف النكاح؛ فإنه لا يصح إلا كذلك فإنه سفارة محضة، وكذلك لو وكله في قبول نكاح زينب له فقبل نكاح حفصة لم يصح العقد للموكل ولا للوكيل، وقوله (فَالْمَذْهَبُ) كذا عبر به في الروضة وكذا هو في الْمُحَرَّرِ. وعبارة الرافعي في شرحيه أنه ظاهر المذهب؛ وهي لا تشعر بحكاية خلاف البتة؛ ولم يذكر في الروضة تبعًا للشرح ما يقابل ذلك، نعم؛ أفاد ابن الرفعة حكاية وجهين في ذلك عن الجويني فوجب إبدال المذهب بالأصح. فَصلٌ: ويَدُ الوَكِيلِ يَدُ أَمَانَةٍ، وَإِن كان بِجُعْلٍ، لأنها عقدُ إرفاق ومعُونةٍ؛ والضمانُ مُنَافٍ لذلك ومنفر عنه، فَإن تعَدَّى ضَمِنَ، كغيره من الأمناء، وَلَا يَنْعَزِلُ فِي الأصَحِّ، لأنها أمانة وإذن في التصرف فلا يلزم من ارتفاع حكم العقد وهو الأمانة بطلانه كالرهن بخلاف الإيداع فإنه مَحْضُ ائْتِمَانٍ، والثاني: ينعزل كالوديعة وهذا إذا تعدى بالفعل؛ فإن تعدى بالقولِ كما لو باع بغبن فاحش ولم يسلم لا ينعزل جزمًا، لأنه لم يتعدَّ فيما وُكلَ فيه، ذكره في الكفاية عن البحر. وَأَحْكَامُ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ دُون الْمُوَكّلِ؛ فيعتَبَرُ فِي الرؤيةِ وَلُزُومِ العَقْدِ، بِمُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ، وَالتَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، حَيثُ يُشْتَرَطُ، أي كالصرف، الْوَكِيلُ دُون الْمُوَكِّلِ، لأن الوكيل هو العاقد حقيقة، وإذَا اشتَرَى الْوَكيلُ طَالبَهُ الْبَائعُ بِالثمَنِ إِن كَان دَفَعَهُ إلَيهِ الْمُوَكّلُ، عملًا بالعرف، إلَّا إِن كان الثمَنُ مُعَينًا، لأنه ليس في يده وحق البائع مقصور عليه، وَإِن كان فِي الذّمّةِ طَالبَهُ إِن أَنْكَرَ وَكَالتَهُ، أوْ قَال: لَا أعْلَمُهَا، لأن الظاهر أنه يشتري لنفسه والعقد معه، وَإِنِ اعْتَرَفَ بِهَا طَالبَهُ أَيضًا فِي الأصَح، كَمَا يُطَالِبُ الْمُوَكّلَ، وَيَكُون الْوَكِيلُ كَضامِنٍ وَالْمُوَكلُ كَأصِيلٍ، لأن العقد للموكل والوكيل قابل فألزمناهما، وَخيَّرْنَا البائعَ في مطالبَةِ مَنْ شَاءَ منهما، فعلى هذا يرجع الوكيل إذا غرم، والثاني: أن المطالب الموكل لا غير؛ لأن العقد وقع له والوكيل معينٌ، والثالث: مقابله ورجحه الرافعي في مسألة خلع الأجنبي، والرابع: إن صرح بالسفارة طالب الموكل وإلا فلا، وَإذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ

стр. 839

بِالبَيع الثمَنَ، وَتلِفَ فِي يَدِه، وَخَرَجَ الْمَبِيعُ مُستَحَقًا، رَجَعَ عَلَيهِ المُشترِي، وَإِنِ اعتَرَفَ بِوَكَالتِهِ فِي الأصَحِّ، لحصول التلف عنده، والثاني: يرجع به على الموكل، لأنه سفيره وَيَدُهُ كَيَدِهِ، ونَسَبَهُ القاضي حسين إلى عامة الأصحاب، والثالث: يرجع على من شاء منهما للمعنيين، ثُمَّ يَرجِعُ الوَكِيلُ عَلَى المُوَكلِ، لأنه غرَّه. قُلْتُ: وَللمشتَرِي الرجُوعُ عَلَى الْمُوَكلِ ابْتِدَاء فِي الأصَح، وَالله أعلَمُ، لأن الوكيل مأمور من جهته، والثاني: لا، لتلفه تحت يد الوكيل، وجزم المصنف في نظيره من الرهن بتخيير المشتري بين رجوعه على العدل وبين رحوعه على الراهن والقرار عليه. فَصل: الْوَكَالةُ جَائِزَةٌ مِنَ الجَانِبَينِ، أي ولو كانت بِجُعل لضررِ الإلزام؛ فإنَّه قد يَبْدُو لِلْمُوَكلِ في الإنابةِ أو في إنابةِ غيرِ ذلك الشخص وقد لا يتفرغ الوكيل. فَرعٌ: لو عقداها بلفظِ الإجارةِ فهي إجارة لازمةٌ من الجانبين. فإذَا عَزَلَهُ المُوَكّلُ فِي حُضورِهِ، أَوْ قَال، أي في حضوره: رَفَعتُ الْوَكالةَ أَوْ أَبطَلتها أوْ أخْرَجتُكَ مِنْها، انعَزَلَ، لأنها إما عقد حائز كما قررناه فينفسخ بالفسخ، وإما إذنٌ فيبطل برجوع مَن منه الإذن، فَكان عَزَلَهُ وَهُوَ غَائِب العَزَلَ فِي الحَالِ، كالطلاق ويخالف القاضي لتعلق المصالح الكلية به، كذا فرق الرافعي، ومقتضاه أن الحاكم في واقعة خاصة حكمه حكم الوكيل، وَفي قَولٍ: لَا، حَتى يَبلُغَهُ الخَبَرُ، كالقاضي، وبناهما بعضهم على الخلاف فِي أن الحكم هل يكون منسوخًا عن المكلفين قبل بلوغ الفسخ إليهم إذا بلغ الشارع، وهذا البناء يأباه اختلاف الصحيح في المسألتين. وَلَوْ قَال: عَزَلتُ نَفْسِي أو رَدَدتُ الوَكالةَ انعَزَلَ، أي سواء كان الموكل حاضرًا أو غائبًا، لأنه قطع للعقد فلا يفتقر إلى حضور من لا يعتبر رضاه كالطلاق، وقيل: إن كانت بصيغة الأمر فلا، لأنها إذنٌ وإباحة كإباحةِ الطامِ، وينعَزِلُ بِخُرُوج أَحَدِهِمَا عَنْ أهلِيةِ التَّصَرُّفِ بِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ، لأنه لو قارن مُنِعَ الانعقادُ فإذا طرأ قطعهُ، والصوابُ أن الموتَ ليس بعزل كما قاله صاحب المطلب؛ بل

стр. 840

الوكالة تنتهي به كما قلنا في النكاح، وفي الجنون الزائل عن قرب وجه بعيدٌ، ومن الواضح أنه لا ينعزل بالنوم كان خرج به عن أهلية التصرف، وَكَذَا إِغْمَاء فِي الأصَح، كالجنون، والثاني: لا، لأنه لا يلتحق بمن تولى عليه، وصححه الإمام، وقال القاضي: إنه ظاهر المذهب، وقال أبو علي الفارقي: المؤثر منه ما أثر في الصوم، وفي البحر وجهٌ أن الخلافَ إذا لم تَطُل مُدَتُهُ بحيث يولى عليه فإن طالت انعزل. فَرع مستثنى: الأصحُّ عدم انعزال الوكيل في رمي الجمار بإغماء الموكل. وَبِخُرُوج مَحَل التَّصَرُّفِ عَنْ مِلكِ المُوَكلِ، أي بأن باع الموكلُ ما وَكلَهُ في بيعه أو أعتقه لاستحالة بقاء الوكالة (•) والحالة هذه وكذا إيجارُ الموَكلِ في بيعه، وَإنكَارُ الوكيلِ الْوَكالةَ لِنسيانِ أوْ لِغَرَضٍ فِي الإخفَاءِ لَيسَ بِعَزْلٍ، أي لعذره، فإن تعمَّدَ وَلَا غَرَضَ انعَزَلَ، لانتفائه، وقيل: لا ينعزل مطلقًا كما صححوه في الموكل إذا أنكرها، ولو أنكر الخصومة وقد ادَّعى عليه بحقّ على موكله فقامت البينة بقبوله؛ فإنه لا ينعزل ولا تندفع عنه الخصومة إلا أن يعزل نفسه ذكره الجُورِيُّ، وَإذا اخْتَلَفَا في أَصلِها أَوْ صِفَتها بِأن قَال: وَكلتني فِي البَيع نَسِيئَةَ أو الشرَاءِ بِعِشْرِينَ، فَقَال: بِل نَقدًا أو بِعشرَةٍ، صُدِّقَ المُوَكِّلُ بِيَمِينهِ، أما فِي الأولى: فلأنَّ الأصلَ عدم الإذن، وأما في الثانية: لأن الأصل عدم الإذن فيما يَدَّعِيهِ الوكيل؛ والموكل أعرف بحال الإذن المصادر منه. وَلَو اشتَرَى جَارَيةً بِعِشرِينَ وَزَعَمَ أن المُوَكِّل أمَرَهُ، فَقَال: بَل بِعَشْرَةٍ، أي أذنت في عشرة، وَحَلَفَ، فَإنِ اشْتَرَى بِعَينِ مَالِ المُوَكّلِ وسماهُ فِي العَقدِ، وَقَال بَعدَهُ، أي بعد العقد: اشترَيتُهُ لِفُلان وَالمَالُ لَهُ، وَصَدقَهُ البائِعُ، أي في كونه وكيلًا وفي كون المال لغيره، فالبَيعُ بَاطل، لأنه ثبت بتسميته في الأولى، وبتصديق البائع في الثانية أن المال والشراء للغير وثبت بيمين من له المال أنهُ لم يأذن في الشراء

стр. 841

الذي باشره الوكيل فيلغو، إذا بطل فالجارية للبائع وعليه ردّ ما أخذ، وَإِن كَذْبَهُ، يعني البائع بأن قال: إنما اشتريت لنفسك والمال لك، حَلَفَ عَلَى نَفْي الْعِلْمِ بِالْوَكَالةِ، أي إن ادعى الوكيل علمه بها، وَوَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ، أي ظاهرًا وسلم الثمن المعين إلى البائع وعزم الوكيل بدله للموكل، وَكَذَا إِنِ اشْتَرَى فِي الذّمِّةِ وَلم يُسَم الْمُوَكلَ، أي ولكن نواه فالجارية للوكيل والشراء له ظاهرًا، وظاهر كلام المصنف وغيره أنه لا فرق في وقوع العقد للوكيل بين أن يصرح بالسفارة أم لا، ولا بين أن يُصَدِّقَ البَائِعُ الْمُوَكَّلَ أو يكذبه، وَكَذَا إِن سماه، وَكَذَّبَه الْبَائِعُ، أي بأن قال: أنت مبطل في تسميته، فِي الأصَحِّ، كما لو اقتصر على النيّة، والثاني: أن الشراء يبطل من أصله، وَإِن صَدَّقَهُ بَطَلَ الشّرَاءُ، لاتفاقهما على وقوع العقد للموكل وثبوت كونه بغير إذنه بيمينه. وَحَيثُ حُكِمَ بِالشِّرَاءِ لِلوَكِيلِ، يستحب لِلْقَاضِي أَن يَرفُقَ بِالْمُوَكِّلِ، أي يتلطف به، لِيَقُولَ لِلْوَكِيلِ: إِن كُنْتُ أَمَرتُكَ بِعِشْرِينَ فَقَد بِعتُكَها بِها، ويقُول هوَ: اشْتَرَيتُ لِتَحِلَّ لَهُ، أي باطنًا ولا يضر التعليق المذكور للضرورة إليه. وَلَوْ قَال: أَتَيت بِالتصَرفِ الْمأذُونِ فِيهِ، وَأَنْكَرَ الْموَكِّلُ صُدقَ الْمُوَكلُ، لأن الوكيل أقر عليه بما يبطل عليه ملكه مع أن الأصل فيما ادعاه العلم، وَفِي قَوْلِ: الْوَكِيلُ، لأن الموكل أقامه مقام نفسه فَنَفَذَ قوله عليه فيما هو إليه وصححه جماعة، ومحل الخلاف ما إذا وقع قبل العزل؛ فإن وقع بعده فلا يقبل قوله إلّا ببينة قطعًا كما جزم به الرافعي، لأنه غير مالك للتصرف حينئذ، على أن كلام الماوردي يفهم جريان الخلاف مطلقًا، وَقَوْلُ الْوَكِيلِ فِي تَلَفِ المالِ مَقْبُولٌ بِيَمِينهِ، أي من غير ضمان كالْمُودَع، فإن أسنده إلى سبب ظاهر أقام البيّنة وحلف على التلف به كالمودع، وَكَذَا فِي الردّ، لأنه قبض العين لحق المالك كالودع، قال في المطلب: وهذا قبل العزل، وظاهر إطلاقَ المصنف تبعًا للرافعي عدم الفرق، وَقِيلَ: إن كَان بِجُعْلٍ فَلَا، لأنه قبض العين لمنفعة نفسه فأشبه المرتهن، والأصح: الأول؛ لأنه مؤتمن

стр. 842

من جهةٍ لا يضمن العين عند التلف فكان القول قوله في الرد كالمودع. وَلَو ادَّعَى الرّدَّ عَلَى رَسُولِ الْمُوكلِ وَأَنْكَرَ الرسُولُ صُدِّقَ الرسولُ، لأنه لم يأتمنه فلا يقبل قوله عليه، وَلَا يَلْزَمُ الْمُوكّلَ تَصدِيقُ الوَكِيلِ عَلَى الصحِيح، لأنه يدعي الرد على من لم يأتمنه فليقم البيّنة عليه، والثاني: يلزمه، لأن يَدَهُ كَيَدِهِ وبه أفتى ابن الصلاح وقال: إذا ادعى أنه أشهد وضاعت الحجة فلا ضمان. وَلَوْ قَال: قبضتُ الثمَنَ، وَتلف، وَأَنْكَرَ الْموَكّلُ، صدقَ الْمُوَكّلُ إِن كَان قَبْلَ تسْلِيمِ بالْمَبِيع، لأن الأصل لقاء حقه، وَإلا فَالْوكِيل عَلَى المَذْهبِ، لأن الموكل يدعي تقصيره وخيانته بالتسليم بلا قبض والأصل عدمه، وقيل: القول قول الموكل، لأن الأصل بقاء حقه، وقوله (عَلَى الْمَذهبِ) ينبغي عوده إليهما كما صرح به الرافعي. وَلَوْ وَكَّلَهُ بِقَضَاءِ دَينٍ، فَقَال: قَضيتُهُ وَأَنْكرَ الْمُسْتَحِق، صُدِّقَ الْمُستَحِق بِيَمِينهِ، لأن الأصلَ عَدَمُ الْقَضَاءِ، وَالأظهرُ أنهُ لَا يُصدَّقُ الوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكّلِ إلا بِبَيِّنَةِ، لأنه أمره بالدفع إلى من لم يأتمنه فكان من حقه الإشهاد عليه، والثاني: يصدق؛ لأنه أئْتمنهُ فأشبه ما لو ادعى الرد عليه، فعلى الأظهر ينظران ترك الإشهاد على الدفع، فإن دفع بحضرة الأصيل فلا رجوع للموكل عليه في الأصح؛ وإن دفع في غيبته رجع سواء صدقه الموكل بالدفع أم لا على الصحيح لتقصره. فلو قال: دفعت بحضرتك صدق الموكل بيمينه، حزم به الرافعي؛ لأن الأصل عدم الحضور عند الدفع، وقال ابن الصباغ: عندي أن القولَ قولُ الوكيلِ بيمينه كما لو ادَّعى الردَّ عليهِ وأنكرَ. وفرق بينه وبين دعوى القبض على أحد القولين؛ فإنه في القبض يثبت على الموكل حقًّا لغيره وهنا يسقط عن نفسه الضمان كذا ذكره المتولى. وَقَيِّمُ الْيَتيمِ إِذَا ادَّعَى دَفْعَ الْمالِ إِلَيهِ بعدَ الْبُلُوغ؛ يَحتَاجُ إلَى بَينَةٍ عَلَى الصحِيح، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيهِمْ﴾ (١٣٥) فدل على

стр. 843

أنهم لو جحدوا لا بد من بينة، ويخالف الإنفاق فإنه يعسر إقامة البينة عليه. والثاني: يقبل قوله مع يمينه لأنه أمين، وتُحمل الآية على الإرشاد، ومراده بقيم اليتيم من يقوم بأمره أبًا كان أو جدًّا أو وصيًا أو حاكمًا، وقد فرضها الغزالي في الولي، والمصنف في الوصايا في الوصي وهنا في القيم. وَليس لِوَكِيلٍ، وَلَا مُوَدَّعٍ، أَن يَقُولَ بَعدَ طَلَبِ الْمالِكِ: لَا أَرُدُّ المال إلا بإِشْهاد فِي الأصَحِّ، لأن قوله في الرد مقبول فلا حاجة إليه، والثاني: له ذلك تحرزًا من الاختلاف، والثالث: إن اقتضى الإشهاد تأخير التسليم فليس له وإلّا فلا، والرابع: إن كان قبضها بالإشهاد فله وإلا فلا، وَللْغَاصِبِ وَمَنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرّدّ ذلِكَ، أي إن كان عليه بيّنة بالأخذ قطعًا؛ لأنه يحتاج إلى بيّنة الأداء، وكذا إن لم تكن على ما صححه البغوي وأورده أكثر المراوزة والماوردي فإن قوله في الرد غير مقبول، والذي أورده العراقيون أنه ليس له ذلك، لأنه يمكنه أن يقول ليس له عندى شيء؛ ويحلف؛ ولا يبعد أن يقال؛ ليس للغاصب التأخير إلى الإشهاد؛ لأن التوبة والرد واجبان في الحال. فَرعٌ: المديون في هذا الحكم كمن لا يقبل قوله في رد الأعيان إليه. وَلَوْ قَال رَجُل: وَكْلَنِي المُستَحِق بِقَبضِ مَا لَهُ عِنْدَكَ مِن دَينٍ أَوْ عَينٍ وَصَدَّقَهُ، أي الذي عنده المال، فَلَهُ دَفْعُهُ إِلَيهِ، لأنه محق بزعمه، وَالْمَذْهبُ: أنه لَا يَلْزَمُهُ، يعني الدفع، إلا بِبينَةِ عَلَى وَكَالتِهِ، لاحتمال إنكار الموكل، وقال المزني: يلزمه لاعترافه وأخذه من نَصِّهِ فيما إذا ادَّعى وارثه، والصحيح تقرير النصين، والفرق أن في اعترافه بالإرث صار الحق للوارث وحصل اليأس عن التكذيب بخلاف تلك، واحترز بقوله (وَصَدَّقَهُ) عما إذا كَذبَهُ؛ فإنه لا يكلف الدفع إليه قطعًا. وَلَوْ قَال: أَحَالنِي عَلَيكَ، وَصَدَّقَهُ وَجَبَ الدفْعُ فِي الأصَحِّ، كالوارث فإنه اعترف بانتقال الحق إليه، والثاني: لا يجب، لخوف إنكار المستحق، واحترز بقوله (وَصَدَّقَهُ) عمَّا إذا كَذَّبَهُ ولم تكن بينة، فله تحليفُهُ إنْ ألزمناه الدفعَ وإلا فكما سبق

стр. 844

في الوكيل. قُلْتُ: وإن قَال أَنَا وَارِثُهُ، أي ولا رارث له غيري، وَصَدقَهُ وَجَبَ الدفْعُ عَلَى الْمَذْهبِ، وَالله أعلَمُ، لاعترافه بانتقال الحق ويأسه عن الإنكار؛ وفيها قول مخرج من دعوى الوكالة كما تقدم قربيًا، وقد سبق الفرق، وأن المذهب تقرير النصين، وقيل: قولان فيهما. فُرُوعٌ مَنثورَة نَخْتِمُ بِها البَابَ: لو وكله فِي التزويج من زيد فزوج من وكيل زيد صح بخلاف البيع؛ فإنه يَقْبَلُ نقلَ الملك بخلافه قاله في البيان. ولو ادّعى الوكيل الوكالة فصدقهُ الخصم؛ فمذهب الشافعي كما قال الروياني: إن الحاكمَ لا يسمع مخاصمتها لما فبه من إثبات الحجة على صاحبها خلافًا لابن سُريح، ولو وكلَ في طلاق واحدةٍ من نسائه لم يجز حتى يُعَيِّنَ وفيه احتمال للروياني. ولو وكله بمطالبة زيد بحق، قال الروياني: ظاهر المذهب أن له قبضه. ووجه مقابله: أنه قد يرتضيه للطلب لا للقبض.

стр. 845

كتاب الإقرار الإقرَارُ: هو في اللغة الإثْبَاتُ، وفي الشَّرع إِخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ (١٣٦). والأصلُ فيه قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ (١٣٧) وقوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ (١٣٨) وقوله ﷺ : [اُغْدُ يَا أُنَيس إِلَى امرَأَةِ هذا؛ فَإِنِ اعتَرَفَتْ فَارجُمها] متفق عليه (١٣٩) والإجماع أيضًا.
следующие страницы →