له كالسرجينِ ونحوه فلا ضمان، والحربيُّ لا ضمان عليه.
وَلَوْ أَتْلَفَ مَالًا فِي يَدِ مَالِكِهِ ضَمِنَهُ، بالإجماع أيضًا، وَلَوْ فَتَحَ رَأْسَ زِقٍّ مَطْرُوحٍ عَلَى الأَرْضِ فَخَرَجَ مَا فِيهِ بِالْفَتْحِ، أَوْ مَنْصُوبِ، فَسَقَطَ بِالْفَتْحِ، أي بأن حَلَّ وكاءَهُ، وَخَرَجَ مَا فِيهِ ضَمِنَ، أما في الأُولى: فلمباشرةِ الإِتْلافِ، وأما في الثانية: فلأنه نَاشِئٌ عَنْ فِعْلِهِ، وَإِنْ سَقَطَ بِعَارِض رِيحٍ لَمْ يَضْمَنْ، لأنه لم يُوجد منهُ الخروجُ بفعلهِ، واحترز بالعارضِ عن المقارنِ فإنهُ مِن ضمانِ الفاتح كما أَشعَرَ بِهِ كَلامُهُ؛ وعروضُ الزَّلْزَلَةِ؛ ووقوعُ الطائرِ عليهِ كالريح؛ وحكم حَلِّ السفينة كالزق.
وَلَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ وَهَيَّجَهُ فَطَارَ ضَمِنَهُ، بالإجماع، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَتْحِ فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ إِذَا طَارَ فِي الْحَالِ ضَمِنَ، وَإِنْ وَقَفَ ثُمَّ طَارَ فَلَا، لأنه في الأول يشعر طيرانه بتنفيره، وفي الثاني يشعر باختياره، والثاني: يضمن مطلقًا، لأنه لولا الفتح لم يطر، والثالث: لا مطلقًا، لأن له اختيارًا.
وَالأَيدِي الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ أَيدِي ضَمَانٍ، وَإِنْ جَهِلَ صَاحِبُهَا الْغَصْبَ، لأَنَّ الْجَهْلَ لَيسَ مُسْقِطًا لَهُ وَقَدْ أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَى مَالِ غَيرِهِ بِغَيرِ إِذْنِهِ، ثُمَّ إِنْ عَلِمَ، أي الثاني الغصبَ، فَكَغَاصِبِ مِنْ غَاصِبُ، فَيَسْتَقِرُّ عَلَيهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ عِنْدَهُ، أَي فَيُطَالبُ بِكُلِّ مَا يُطَالبُ بِهِ الْغَاصِبُ، وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ فِي يَدِهِ فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيهِ، وَكَذَا إِنْ جَهِلَ، يعني الثاني الغصب، وَكَانَتْ يَدُهُ فِي أَصْلِهَا يَدَ ضَمَانٍ كالعَارِيَةِ، لأنه دخل في العقد على الضَّمَانِ فَلا غرور، وَإِنْ كَانَتْ يَدَ أَمَانَةٍ كَوَدِيعَةٍ، فَالْقَرَارُ عَلَى الْغَاصِبِ، لأنه دخل على أَنَّ يَدَهُ نَائِبَةٌ عَنْ يَدِ الْغَاصِبِ، وَمَتَى أَتْلَفَ الآخِذُ مِنَ الْغَاصِبِ مُسْتَقِلًّا بِهِ، أي بالإتلاف، فَالْقَرَارُ عَلَيهِ مُطلَقًا، أي سواء كانت يَدُهُ يَدَ ضَمَانٍ أَوْ أَمَانَةٍ، لأنَّ الإِتْلافَ أَقْوَى مِنْ إِثْبَاتِ الْيَدِ العَادِيَةِ، وقوله (مُسْتَقِلًّا) احترز به عما إذا حُمِلَ عليهِ وسيأتي على الأثرِ، وَإِنْ حَمَلَهُ الْغَاصِبُ عَلَيهِ؛ بِأَنْ قَدَّمَ لَهُ طَعَامًا مَغْصُوبًا ضِيَافَةً فَأكَلَهُ؛ فَكَذَا فِي الأَظْهَرِ، لأنَّهُ الْمُتْلِفُ، والثاني: أن القرارَ على الغاصبِ، لأنَّهُ غَرَّهُ، وَعَلَى هَذَا، يعني: القولُ الأظهرُ، لَوْ
стр. 877
قَدَّمَهُ لِمَالِكِهِ فَأَكَلَهُ بَرِئَ الْغَاصِبُ، لما قررناه من تقديم المباشرة؛ وعلى الثاني: لا يبرأُ.
فَصْلٌ: تُضْمَنُ نَفْسُ الرَّقِيقِ بِقِيمَتِهِ، أي كَالْحُرِّ بقيمتهِ بالغةً ما بلغتْ وَلَوْ زَادَتْ عَلَى أَعْلَى الدِيَّاتِ، تَلِفَ أَوْ أُتْلِفَ، تَحْتَ يَدٍ عَادِيَةٍ، بتخفيف الياء، وَأَبْعَاضُهُ الَّتِي لَا يَتَقَدَّرُ أَرْشُهَا، من الْحُرِّ بِمَا نَقَصَ مِن قِيمَتِهِ، أي كذهاب البكارة، وَكَذَا الْمُقَدَّرَةُ، أي كاليد، إِنْ تَلِفَتْ، أي بآفة سماوية؛ لأن ضَمَانَ الْيَدِ سَبِيلُهُ لسَبِيلُ ضَمَانِ الأمْوَالِ، وإِن أُتْلِفَتْ، أي بالجناية عليها، فَكَذَا فِي الْقَدِيمِ، أي أنه يجب ما نقص من قيمته كسائر الأموال، وَعَلَى الْجَدِيدِ تَتَقَدَّرُ مِنَ الرَّقِيقِ، وَالْقِيمَةُ فِيهِ كَالْدِيَّةِ فِي الْحُرِّ، فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ، لما ستعلمه في آخر الديات فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ أَعَادَهَا هُنَاكَ، وَسَائِرُ، أي باقي، الْحَيَوَانِ، يضمن، بِالْقِيمَةِ، لأنها لا تشبه الحُرَّ، وَغَيرُهُ، أي غير الحيوان من الأموال؛ يَنْقَسِمُ إلى: مِثْلِيٌّ وَمُتَقَوِّمٌ، أي بكسر الواو، لأنه إن كان له مثل فالمثليُّ وإلّا فالمتقوِّم، وللأصحاب عباراتٌ في حَدِّ المثليِّ لا نطول بذكرها، والأصح منها ما صحَّحهُ الْمُصَنِّفُ حيثُ قال: وَالأَصَحُّ: أَنَّ الْمِثْلِيَّ مَا حَصَرَهُ كَيلٌ أَوْ وَزْنٌ وَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ، واحترز بالكيل والوزن عن المعدود والمذروع كالحيوان والثياب فليسا بِمِثْلَينِ وإنْ جازَ السَّلَمُ فيهما وخرجَ بجوازِ السَّلَمِ مَا لَا يجوز كالجواهر الكبار، وغيرها على ما سبق في بابه، ويرد على هذه العبارة القمحُ المختلطُ بالشعير فإنه لا يجوز السُّلَمُ فيه ويرد مثله؛ ثم ذكر المصنف لذلك أمثلة فقال: كَمَاءٍ، أي باردٍ، أما الحار فإنه متقوم لدخولِ النَّارِ فيه ودرجات حموهِ لا تَنْضَبِطُ، كذا ذكره صاحب المطلب في الإجارة، وَتُرَابٍ، أي ورمل لا القُمَامَاتِ التي تجتمع في الأراضي؛ فلا ضمان فيها؛ لأنها محقرة، وَنُحَاسٍ، أي وحديد، وَتِبْرٍ، أي وهو غير المضروب، وَمِسْكٍ؛ وَكَافُورٍ؛ وَقُطْنٍ، أي بعد إخراج حبه، أما قبله فيظهر القطع بأنه متقوِّم كما قاله صاحب المطلب، وَعِنَبٍ وَدَقِيقٍ، أي وكذا نخالة كما قاله ابن الصلاح، لَا غَالِيَةٍ وَمَعْجُونٍ، لأنهما مختلطان من أجزاءٍ مختلفة.
стр. 878
فَرْعٌ: قال الشافعيُّ: الصوف يُضْمَنُ بالمثلِ إن كان له مثلٌ، وهذا توقف منه في أنه مثليٌّ أم لَا! قال في البحر: وقيل: فيه قولان.
فَرْعٌ: قال القفال في فتاويه ومنها نقلتُ: بزر الدود لا مثل له، ولا يجوز السَّلَمُ فيهِ، لأَنَّ أَهْلَ الصَّنْعَةِ لَا يَعْرِفُونَ أَن هَذَا الْبَزْر يَكُونُ نَسْجُهُ أَبْيَضَ أَمْ أَحْمَرَ فَهُوَ كَالسَّلَمِ فِي الْجَوْهَر.
فَيُضْمَنُ الْمِثْلِيُّ بِمِثْلِهِ تَلِفَ أَوْ أُتْلِفَ، لأنه أقرب إلى التالف، ويستثنى من ذلك ما إذا غصب ماءً في بَرِّيَةٍ ثم ظفر به على الشط فإن المطالبة هنا تكون بقيمة البرية، فَإِنْ تَعَذَّرَ، أي إما لإعوازه وإمّا لوجوده بأكثر من ثمن المثل، فَالْقِيمَةُ، أي قيمة المثل كما صرح به في التنبيه، وقيل: قيمة المغصوب، أمَّا عِنْدَ الإِعْوَازِ؛ فَلأَنَّهُ الْمُمْكِنُ، وَأَمَّا عِنْدَ وُجُودِهِ بِثَمَنٍ غَالٍ؛ فَلأَنَّهُ كَالْمَعْدُومِ.
فَرْعٌ: لو اصطلحا على أخذ القيمة مع وجود المثل صح في الأصح قاله في البحر.
وَالأَصَحُّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَقْصَى قِيَمِهِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إِلَى تَعَذُّرِ الْمِثْلِ، لأن وجودَ المثلِ كَبَقَاءِ عَينِ الْمَغْصُوبِ، لأَنَّهُ كانَ مأمورًا بِرَدِّهِ كما كانَ مأمورًا بِرَدِّ المغصُوبِ فإذا لم يفعل غرم أقصى قيمة في الْمُدَّتَينِ، ومقابل الأصح في كلام الشيخ أَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا ذكرتُها في الشرحِ الكبيرِ فَرَاجِعْهَا مِنْهُ، ومنها أن الاعتبارَ بيومِ المطالبةِ لأنَّ الإعْوَازَ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ، ونقله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ عن الأكثرين.
وَلَوْ نَقَلَ الْمَغْصُوبَ الْمِثْلِيَّ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فَلِلْمَالِكِ أَن يُكلِّفَهُ رَدَّهُ، أي إِذَا عَلِمَ مَوْضِعَهُ لإطلاق الحديث السالف [عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ]، وقولُ المصنف فيما مضى (وَعَلَى الْغَاصِبِ الرَّدُّ) يشمَلُ هذا وَغَيرَهُ، لعمومه المثليُّ والمتقوِّم وغيرهما بخلاف عبارته هنا، وَأَنْ يُطَالِبَهُ بِالْقِيمَةِ فِي الْحَالِ، للحيلولة ليقع الجبر بقدر الإمكانِ، وهذه القيمة يملكها الآخذ على الأصح، فَإذَا رَدَّهُ رَدَّهَا، أي وجوبًا لِزَوَالِ الْحَيلُولَةِ، قال الماورديُّ: ولو كان على مسافةٍ قريبةٍ لَمْ يُطَالبْ بِالْقِيمَةِ بَلْ
стр. 879
يُرَدُّ الْمَغْصُوبُ، فَإِنْ تَلِفَ فِي الْبَلَدِ الْمَنْقُولِ إِلَيهِ، طَالبَهُ بِالْمِثْلِ فِي أيِّ الْبَلَدَينِ شَاءَ، لتوجيه الطلب عليه بِرَدِّ العَينِ في الْمَوْضِعَينِ، فَإِنْ فُقِدَ المِثْلُ غَرَّمَهُ قِيمَةَ أَكْثَرِ الْبَلَدَينِ قِيمَةً، تغليظًا عليه، لأنه كان يجوز له المطالبة بالمثل فيها.
وَلَوْ ظَفِرَ بِالْغَاصِبِ فِي غَيرِ بَلَدِ التَّلَفِ؛ فَالصَّحِيحُ: أنَّهُ إِنْ كَانَ لَا مُؤْنَةَ لِنَقْلِهِ؛ كَالنَّقْدِ؛ فَلَهُ مُطَالبَتُهُ بالْمِثْلِ، وَإِلَّا فَلَا مُطَالبَةَ بِالْمِثْلِ، لما فيه من الضرر، بَل يُغَرَّمُهُ قِيمَةَ بَلَدِ التَّلَفِ، قطعًا للنزاع، والثاني: يطالب بالمثل مطلقًا، والثالث: المنع مطلقًا، وهو مُخَرَّجٌ من كلام الوسيط.
وَأَمَّا الْمُتقوِّمُ؛ فَيُضمَنُ بِأَقْصىَ قِيمِهِ مِنَ الْغَصْبِ إِلَى التَّلَفِ، لأنه في حالة زيادة القيمة غاصب مطالب بالرد، فإذا لم يرد ضمن بدله، وتجبُ قيمتُهُ من نقد البلد الَّذِي تَلِفَ فِيهِ، وَفِي الإِتلافِ بِلا غَصْبٍ بِقِيمَةِ يَوْمِ التَّلَفِ، أي إذا أتلفَ متقوَّمًا بلا غَصْبٍ لَزِمَهُ مَا ذَكَرَ، ووجهه: أنَّ ضمانَ الزائدِ في المغصوبِ إنَّما كَانَ بِالْيَدِ الْعَادِيَةِ وَلَمْ يُوْجَدْ هُنَا، فَإِنْ جَنَى وَتَلِفَ بِسِرَايَةٍ، فَالْوَاجِبُ الأَقْصَى أيضًا، أي إذا جنى وحصل التلف بتدرج وسرايةٍ واختلفت قيمته في تلك المدة، فإنْ جَرَحَ بهيمةً قيمتُها مائةٌ ثُمَّ تلفت وقيمتها خمسون لَزِمَهُ مائةٌ؛ لأنَّا إذا اعتبرنا الأقصَى في اليدِ العادِيَةِ فَلأنْ نَعْتَبِرَهُ في نفسِ الإتلافِ أوْلَى.
فَصْلٌ: وَلَا تُضْمَنُ الخَمْرُ، سواء كانت لِمُسْلمٍ أو ذِمِّيٍّ جازَ إِرَاقَتُهَا أَمْ لَا؟ إذ لا قيمة لها. والخنزير كالخمر، وكذا ما هو نَجِسُ الْعَينِ كالميتةِ؛ والنبيذُ كالخمرِ. وكذا الحشيشُ، إِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ فِيمَا يَظْهَرُ، وَلَا تُرَاقُ عَلَى ذِمِّيٍّ، لأنهم مقرون على الانتفاع بها كذا علله في الكفاية، إلا أَن يُظْهِرَ شُرْبهَا أوْ بَيعَهَا، أي من مثله وكذا هبتها ونحو ذلك، لأنهُ عرَّضَها حينئذ لإراقتها، لأن عَقْدَ الذِّمَّةِ قَدْ جَرَى عَلَى مَنْع إِظهَارِهِمْ لَهَا، والإِظهَارُ: هُوَ الإِطِّلاعُ عَلَيهِ مِنْ غَيرِ تَجَسُّسٍ، قال الإمامُ: واستعمالهم للأوتار بحيث يسمعها من ليس في دُوْرِهِمْ إظهارٌ لها، وَتُرَدُّ عَلَيهِ إِنْ بَقِيَتِ العَينُ، أي إذا كان أخذها منه عند عدم الإظهار لما سبق من تقريرهم عليها،
стр. 880
فإن تَلِفَتْ؛ فلا. ونسبَ الإِمامُ إلى المحقِّقِينَ: أن الواجبَ التَّمْكِينُ لا الرَّدُّ.
وَكَذَا الْمُحْتَرَمَةُ إِذَا غُصِبَتْ مِن مُسْلِمٍ، لأن له إمساكها لتصير خلًا، واحترز بالمحترمة عن غيرها، فإنها إذا غُصبت من مسلمٍ لا تُرَدُّ عليهِ وَتُرَاقُ، وَالأَصْنَامُ، أي وكذا الصُّلْبَانُ، وَآلاتُ الْمَلاهِي، أي كالطنبورِ، لَا يَجِبُ فِي إِبْطَالِهَا شَيءٌ، لأنها محرمةُ الاستعمالِ ولا حُرْمَةَ لِتِلْكَ الصَّنْعَةِ وروى البيهقي عن أبي حَصِين (أَنَّ رَجُلًا كَسَرَ طُنْبُوْرًا لِرَجُلٍ فَرَفَعَهُ إِلَى شُرَيحٍ فَلَمْ يُضَمِّنْهُ) (١٥١)، وَالأَصَحُّ: أَنَّهَا لَا تُكْسَرُ الْكسْرَ الْفَاحِشَ بَل تُفْصَلُ لِتَعُودَ كَمَا قَبْلَ التَّأْلِيفِ، لأنه إذا فَصَلَ الأجزاءَ كُلَّهَا زال الاسمُ وعسر العَوْدُ فكان أدْعَى إِلَى التَّرْكِ، والثاني: أنها تُكْسَرُ وَتُرَضُّ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى حَدٍّ لَا يُمْكِنُ إتِّخَاذُ آلَةٍ مُحَرَّمةٍ مِنْهُ. لا الأُوْلى وَلَا غَيرُهَا؛ لأنَّهُ أبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عنِ العَوْدِ، فَإِنْ عَجَزَ الْمُنْكِرُ عَن رِعَايَةِ هَذَا الْحَدِّ؛ لِمَنْع صَاحِبِ الْمُنكَرِ أَبْطَلَهُ كَيفَ تَيَسَّرَ، أي وإن زاد على ما قُلْنَاهُ إذا لم يمكن بما دونه.
فَصْلٌ: وَتُضْمَنُ مَنْفَعَةُ الدَّارِ وَالْعَبْدِ وَنَحْوهِمَا بِالتَّفْويتِ وَالْفَوَاتِ فِي يَدٍ عَادِيَةٍ، لأنها مضمونة بالعقد الفاسد فتضمن بالغصب كالأعيان، ورأيتُ في فتاوى القفال: أنه لو غصب عبدًا محترفًا بحرفتين لا يلزمه أن يضمن أجر مثلهما، وَلَا تُضْمَنُ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ، أي وهو الفرج، إلا بِتَفْويتٍ، أي وهو الوطء، فَيَضْمَنُهُ بمهر المثل على تفصيل يأتي آخر الباب، ولا تضمن بالفوات تحتَ الْيَدِ، لأنَّ الْيَدَ لا تثبت عليها، وَكَذَا مَنفَعَةُ بَدَنِ الْحُرِّ فِي الأصَحِّ، لأنه لا يدخلُ تحتَ اليدِ فمنافعُهُ تفوتُ تحتَ يَدِهِ، والثاني: أنها تضمن بالفوات أيضًا، لأنها تَتَقَوَّمُ بالعقد الفاسد فأشبهت منافع الأموالِ، وَإذَا نَقَصَ الْمَغْصُوبُ بِغَيرِ اسْتِعْمَالٍ، أي كعمي العبدِ وسقوطِ اليدِ بآفةٍ سماويةٍ، وَجَبَ الأرْشُ مَعَ الأُجْرَةِ، للنقص والفوات، وتجب أجرته سليمًا قبل حدوث النقصان، ومعيبًا لما بعد حدوثه، وَكَذَا لَوْ نَقَصَ بِهِ، أي بالاستعمال، بِأَنْ
стр. 881
بَلَى الثَّوْبُ، أي باللبس، فِي الأَصَحِّ (•)، كما لو حصل النقصان بسبب آخر، والثاني: لا يجب إلّا أكثر الأمرين من أجرة المثل وأرش النقصان، لأن النقصان نشأ من الاستعمال وقد قوبل الاستعمال بالأجرة؛ فلا يجب له ضمان أحر، والقائل بالأول يقول الأجرة ليس في مقابلة الاستعمال؛ بل في مُقَابَلَةِ الفوات.
فَصْلٌ: ادَّعَى تَلَفَهُ وَأَنْكَرَ الْمَالِكُ؛ صُدِّقَ الْغَاصِبُ بِيَمِينِهِ عَلَى الصَّحِيح، لأنه قد يعجز عن البينة وهو صادق فَيَتَخَلَّدُ حَبْسُهُ، وهذا عند إطلاقه دعوى التلف؛ فإن قيده بسبب ظاهر فَلَا يَبْعُدُ أَن يُحْبَسَ حتى يُقِيمَ بَيِّنَةً بِالتَّلَفِ لإِمْكَانِهِ، والثاني: يُصَدَّقُ المالك، لأن الأصلَ البقاءُ، فَإِذَا حَلَفَ غَرَّمَهُ الْمَالِكُ فِي الأصَحِّ، لعجزه عن حقه بيمين الغاصب، والثاني: لا، لبقاء العين في زعمه، وَلَو اخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ، يعني مع الاتفاق على الهلاك، أَوْ فِي الثِّيَابِ الَّتِي عَلَى الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ أَوْ فِي عَيبٍ خَلْقِيٍّ، بأن قال ولد أكمه أو أعرج أو عديم اليد، صُدِّقَ الْغاصِبُ بيَمِينِه، أما في الأُولى: فَلأَنَّ الأصْلَ بَرَاءَةُ ذِمِّتِهِ عَنِ الزِّيادَةِ، وعلى المالك البَيِّنَةُ، وَأما في الثانية: فلثبوت يده، فإن العبدَ وما عليه في يد الغاصب، وأما في الثالثة: فَلأَنَّ الأصْلَ الْعَدَمُ وَتَمَكُّنَ الْمَالكِ الْبَيِّنَةَ، وخرج بالعبدِ الحرُّ الصغير الَّذِي يظهر تصديق الولي، لأن الأصح أن يد غاصبِ الحرِّ وسارِقُهُ لا تثبت على ثيابه، وَفِي عَيبٍ حَادِثٍ، أي كما إذا قال أقطع أو سارقًا، يُصَدَّقُ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ فِي الأصَحِّ، لأن الأصل والغالب السلامة، والثاني: يُصَدَّقُ الْغَاصِبُ، لأن الأصل براءة الذمة، وقوله (الأَصَحِّ) مُخَالِفٌ لِمَا في الروضة والرافعي فإن فيهما أنه أظهر القولين.
فَصْلٌ: وَلَوْ رَدَّهُ نَاقِصَ الْقِيمَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيءٌ، لأن الفائت رغبات الناس فقط، والمغصوب باقٍ بحاله، وَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ، فَصَارَتْ بِالرُّخْصِ دِرْهَمًا، ثُمَّ لَبِسَهُ فَأَبْلاهُ، فَصَارَتْ نِصْفَ دِرْهَمٍ فَرَدَّهُ، لَزِمَهُ خَمْسَةٌ، وَهِيَ قِسْطُ التَّالِفِ مِنْ أَقْصَى الْقِيَمِ، لأن بالاستعمال انسحقَتْ أجزاءٌ مِن الثوبِ وتلكَ الأجزاءُ في هذهِ
стр. 882
الصورة نصفُ الثوبِ فَيَغْرَمُ النِّصْفَ بمثلِ نسبته من أقصى القيم كما يغرم الكل عند تلفه بالأقصى.
قُلْتُ: وَلَوْ غَصَبَ خُفَّينِ قِيمَتُهُمَا عَشْرَةٌ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا وَرَدَّ الآخَرَ وَقِيمَتُهُ دِرْهَمَانِ أَوْ أُتْلِفَ أَحَدُهُمَا غَصْبًا، أي له فقط، أَوْ فِي يَدِ مَالِكِهِ لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ فِي الأصَحِّ، وَالله أَعْلَمُ، خمسةٌ للتالف لِتَلَفِهِ عندهُ وثلاثة لأَرش ما حصل من التفريق الحاصل عنده، والثاني: يلزمه درهمان؛ لأنَّهُ قيمةُ ما أَتْلَفَهُ، حكاه في الروضة عن التَّتِمَّةِ في الأُولى، وهو وَهْمٌ؛ فالذي فيها؛ إنما هو حكايةُ وجه بلزوم خمسة وهو وجه في الثانية أيضًا أعني لزوم خمسة، قال في الروضة: إنه الأقوى، وقوله (غَصَبَ خُفَّينِ) أي فردتين أي فكل واحدة تسمَّى خُفًّا.
فَرْعٌ: الحكم كذلك في أحد زوجي النعل ومصراعي الباب.
وَلَوْ حَدَثَ نَقْصٌ، يعني في المغصوب، يَسْرِي إِلَى التَّلَفِ؛ بِأَنْ جَعَلَ الْحِنطَةَ هَرِيسَةً فَكَالتَّالِفِ، لإِشرافهِ على الهلاكِ فيغرم بدل كل مغصوبٍ من مثل أو قيمةٍ، وَفِي قَوْلٍ: يَرُدُّهُ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ، قياسًا على ما لا سراية له، وليس للمالك إلا ذلك، وفي قول ثالث: أن المالِكَ يَتَخَيَّرُ في ذلك ويجعل كالهالك، قال الرافعي في الشرح الصغير: وهو أحسن، واحترز بقوله (يَسْرِي) عما لا سِرَايَةَ لَهُ؛ فإن على الغاصب أرشه ورد الباقي كما سَلَفَ.
فَرْعٌ: لو عفن الطعام في يده لطول المكث فقيل هو كالهريسة، والأصحُّ من زوائد الروضة: أنه يتعين أخذه مع الأرش قطعًا.
وَلَوْ جَنَى الْمَغْصُوبُ فَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ مَالٌ، لَزِمَ الْغَاصِبَ تَخْلِيصُهُ، لأنه نقصٌ حَدَثَ في يدهِ وهو مضمونٌ عَلَيهِ، بِالأقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَالْمَالِ، أي الواجبِ، لأنَّ الأقلَّ إنْ كَانَ هو القيمةُ فهو الَّذي دخلَ في ضمانهِ وإن كان هو المالُ المتعلقُ بالرقبةِ فهُوَ الَّذي وَجَبَ، فَإِن تَلِفَ، أي الجاني، فِي يَدِهِ، أي في يد الغاصب، غَرَّمَهُ الْمَالِكُ، أي أقصى القيم كغيره من الأعيان المضمونة، وَللْمَجْنِيِّ عَلَيهِ تَغْرِيمُهُ، أي
стр. 883
تغريم الغاصب، إن لم يكن غَرَّمَهُ، لأنها مضمونةٌ عليه، وَأَن يَتَعَلَّقَ بِمَا أَخَذَهُ الْمَالِكُ، أي المالكُ مِنَ الْغَاصِبِ لأنَّ حَقهُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بالرقبة فتعلق ببدلها كما إذا أتلف المرهون كانت قيمته رهنًا، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ، أي ثم إذا أخذ المجنيُّ عليه حقه من تلك القيمة رجع المالك. مما أخذه المجنيُّ عليهِ على الغاصب؛ لأنه لم يُسَلِّمْ له بل أخذ منه بحنايةٍ مضمونةٍ على الغاصب، فإن لم يأخذ وطلب المالك الأرش من الغاصب فلا يجاب، صرح به الإمام وإليه الإشارة بقوله (ثُمَّ)، وأما صاحب المطلب فخالفه وقال: لَهُ الْمُطَالبَهُ، وَلَوْ رَدَّ الْعَبْدَ إِلَى الْمَالِكِ فَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ رَجَعَ الْمَالِكُ بِمَا أَخَذَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيهِ عَلَى الْغَاصِبِ، لأن الجناية حصلت حين كان مضمونًا عليه.
فَصْلٌ: وَلَوْ غَصَبَ أرْضًا فَنَقَلَ تُرَابَهَا، أي كما إذا كَشَطَ وجهَ الأرضِ، أَجْبَرَهُ الْمَالِكُ عَلَى رَدِّهِ، أي إنْ كان باقيًا، أوْ رَدِّ مِثْلِهِ، أي إن كان تالفًا بهبوب ريحٍ أو سيلٍ، وإعَادَةِ الأرْضِ كَمَا كَانَتْ، أي من انبساط، وارتفاع أو انخفاض؛ لأن التراب من ذوات الأمثال كما سلف في موضعه، وَللْنَّاقِلِ الرَّدُّ وَإن لَمْ يُطَالِبْهُ الْمَالِكُ إِن كان لَهُ فِيهِ غَرَضٌ، أي بأن كان دخل في الأرض نقص يرتفع بالرد ويندفع عنه الأرش لدفع الضرر عنه.
فَرْعٌ: إِذَا رَدَّهُ فَمَنَعَهُ الْمَالِكُ مِنْ بَسْطِهِ لَمْ يَبْسُطْهُ، وإن كان في الأصلِ مَبْسُوْطًا.
وإِلَّا، أي وإن لم يكن له فيه غرض بأن نقله إلى موات، فَلَا يَرُدُّهُ بِلا إِذْنٍ فِفِي الأَصَحِّ، لأنه تصرف في ملك غيره على وجه الإتعاب بلا نفع وذلك سَفَهٌ، والثاني: لهُ رَدُّهُ، لأنه رد ملكه إلى محله، ومحل الخلاف إذا لم يَمْنَعْهُ الْمَالِكُ مِنَ الرَّدِّ فَإِنْ مَنَعَهُ فَإِنهُ لَا يُرَدُّ جَزْمًا، ويُقَاسُ بِمَا ذَكَرْنَا حَفْرُ الْبِئْرِ وَطَمُّهَا، أي فله الطم بترابه إن كان باقيًا وبمثله إن كان تالفًا على هيئته الأُوْلَى، ثُمَّ إِنْ أَمَرَهُ الْمَالِكُ بِالطِّمِّ لَزِمَهُ وإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِهِ لَيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ خَطَرَ الضَّمَانِ بِالسُّقُوطِ فِيهَا، فإنْ منعهُ فلهُ إنْ كان له فيه غرضٌ سوى دفع ضمان السقوط وإلا فلا، وإذَا أعَادَ الأَرْضَ كَمَا كَانَت
стр. 884
وَلَمْ يَبْقَ نَقصٌ فَلَا أَرْشَ، لعدم الموجب له، لَكِن عَلَيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمُدَّةِ الإِعَادَةِ، لوضع اليد عليه تَعَدِّيًا وكذا الرَّدُّ كما زادهُ في أصل الروضةِ، وَإِنْ بَقِيَ نَقْصٌ وَجَبَ أَرْشُهُ مَعَهَا، أي مع الأجرة لاختلاف سببهما وكما يضمن سائرَ صِفَاتِ المغصوبِ الفَائِتَةِ.
فَصْلٌ: وَلَوْ غَصَبَ زيتًا وَنَحْوَهُ، أي كَدُهْنٍ، فَأَغْلاهُ فَنَقَصَتْ عَينُهُ دُون قِيمَتِهِ، أي بأن غصب صاعًا قيمته درهم صار إلى نصف صاع قيمته درهم، رَدَّهُ وَلَزِمَهُ مِثْلُ الذَّاهِبِ فِي الأصَحِّ، إذ له بدلٌ مقدر وهو المثل، فصار كما لو خَصَى العبدَ والزيادةُ الحاصلةُ أثرٌ محضٌ لا ينجبر به النقصان كَمَا لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْغَاصِبُ شَيئًا إِذَا لَمْ يَكُنِ النُّقْصَانُ، والثاني: يَرُدُّهُ ولا شيءَ عليهِ إذ ما فيه من الزيادة والنقصان حصل بسببٍ واحدٍ فينجبرُ النقصانُ بالزيادةِ، وَإِن نَقَصَتِ الْقِيمَةُ فَقَطْ لَزِمَهُ الأرْش، جبرًا له، وَإن نَقَصَتَا غَرِمَ الذَّاهِبَ وَرَدَّ الْبَاقِي مَعَ أرْشِهِ إِن كان نَقْصُ الْقِيمَةِ أَكْثَرَ، أي مما نقص من العينِ كما إذا كان صاعًا يساوي درهمًا فرجع إلى نصفٍ يساوي أقلَّ من نصفِ درهمٍ فإن لم يكن نقص القيمة أكثر؛ بأن لا يحصل في الباقي نقصٌ فيغرم الذاهبُ ولا أرش للباقي.
فَرْعٌ: لو لم يَنْقَصْ واحد منهما فلا شيء عليه وأهمله المصنف لوُضُوحِهِ.
فَرْعٌ: غصب عصيرًا وأغلاه؛ فقيل: هو كالزيت فيضمن مثل الذاهب، وإن لم تنقصْ قيمته في الأصح، والأصح: لا؛ فلا يضمن المثل والحالة هذه، لأن الذاهبَ مَائِيَّتُهُ والذاهب من الزيتِ زيتٌ.
وَالأصَحُّ: أَنَّ السِّمَنَ لَا يَجْبُرُ نَقْصَ هُزَالٍ قَبْلَهُ، أي فيما إذا غصبها فهزلت في يده ثم سَمِنتْ وَعَادَت قِيمَتُهَا كما كانت، لأن السمنَ الثاني غيرُ الأولِ، والثاني: يجبره، كما لو جنى على عين فابيضت وزال البياض فلو كان السمن مفرطًا فزال ورجعت إلى الاعتدال ولم تنقص قيمتها لم يلزمه شيء، لأن السمن ليس له بدل مقدر، ولو انعكس الحال فكذلك أيضًا قاله القاضي أبو الطيب، وَأَنَّ تَذَكُّرَ صَنْعَةٍ
стр. 885
نَسِيَهَا يَجْبُرُ النِّسْيَان، أي فيما إذا غصبه وهو يحسن صنعة فنسيها ثم تذكرها أو تعلمها، لأن تذكرها لا يعد شيئًا متجددًا بخلاف السمن الثاني، والثاني: لا يجبرُ كالسمن، وَتَعَلُّمُ صَنْعَةٍ لَا يَجْبُرُ نِسْيَان أخْرَى قَطْعًا، أي وإن كانت أرفع من الأولى لانتفاء تخيل وجود المثل الصوري فيما رده، ولو تذكر في يد الغاصب فالذي يظهر الجبر كما قاله في الكفاية.
وَلَوْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ، ثُمَّ تَخَلَّلَ، فَالأصَحُّ: أَنَّ الْخَلَّ لِلْمَالِكِ، لأنه عين ماله، وَعَلَى الْغَاصِبِ الأرْشُ إِن كَان الخَلُّ أَنْقَصَ قِيمَةً، أي من العصير لحصوله تحت يده؛ فلو لم تنقص قيمته عن قيمة العصير اقتصر عليه، والثاني: يغرم مثل العصير، وقال الماوردي: يغرم قيمته، لأنه بالتخمر كالتالفِ وعلى هذا فالخل للمالك على الأصح، لأنه فرع ملكه.
وَلَوْ غَصَبَ خَمْرًا فَتَخَلَّلَتْ، أَوْ جِلْدَ مَيتَةٍ فَدَبَغَهُ، فَالأصَحُّ: أَنَّ الخَلَّ وَالْجِلْدَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، لأنهما فَرْعُ مِلْكِهِ، فإن تَلَفَا في يده غرمهما، والثاني: أنهما للغاصب؛ لحصولهما عنده بما ليس بمال، والثالث: الخل للمالك دون الجلد؛ لأنه صار ما لا يفعله، والرابع: عكسه؛ لأن جلدَ اليتةِ يُقْتَنَى بخلافِ الخمرِ.
فَرْعٌ: إذا قلنا بالأصح أنهما للمالك فلو أعرض المالك عنهما فأخذهما آخذٌ؛ فالأصح من زوائد الروضة هنا، وأصلها في الذبائح أنه ليس للمعرض الاسترداد.
فَصْلٌ: زِيَادَةُ الْمَغْصُوبِ إِن كَانَتْ أَثَرًا مَحْضًا كَقُصَارَةٍ فَلَا شَيءَ لِلْغَاصِبِ بِسَبَبِهَا، لتعديه، وَللْمَالِكِ تَكْلِيفُهُ رَدَّهُ كَمَا كان إِن أَمْكَنَ، أي كما لو اتخذ من النقْرَةِ دَرَاهِمَ لما قلناه من تعدية بما فعل، فإن لم يكن كما في القصارة فلا يكلف ذلك بل يرده بحاله، وَأَرْشَ النَّقْصِ، إن نقصت قيمته، وأرش النقص أي إذا رده ناقصًا لدخوله في ضمانه، وَإِنْ كَانَتْ عَينًا كَبِنَاءٍ وَغِرَاسِ كُلِّفَ الْقَلْعَ، وأرش ما نقص؛ لأنه عرق ظالمٌ، وَإِنْ صَبَغَ الثوْبَ بِصَبْغِهِ، وكان عينا لا تمويهًا، وَأَمْكَنَ فَصْلُهُ، أي بأن كان الصبغُ غيرَ معقودٍ، أجْبِرَ عَلَيهِ فِي الأصَحِّ، كما يملك إجباره
стр. 886
على إخراج الغراس، والثاني: لا لما فيه من الضرر بخلاف الغراس، فإنه لا يضيع بالإخراج، وهذا ما نسبه القاضي إلى عَامَّةِ الأصْحَابِ، وَإن لَمْ يُمْكِن، أي وهو الصبغ المعقود كما قاله الإمام، فَإِن لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ، أي بأن كانت قيمة الثوب عشرة فصارت بعد الصبغ عشرة؛ لا لإِنْخِفَاضِ سُوْقِ الثَّوْبِ بَلْ لأجْلِ الصَّبْغ، فَلَا شَيءَ لِلْغَاصِبِ فِيهِ، لأن صبغه كالمنمحقِ والحالة هذه، ولا شيء على ربِّ الثوب، وَإِنْ نَقَصَتْ، أي قيمته بأن صار يساوي خمسة، لَزِمَهُ الأرْشُ، كغيره من النقص الحاصل في المغصوب بفعل الغاصب، وَإِن زَادَتْ، أي بأن صار يساوي عشرين، اشْتَرَكَا فِيهِ، أي هذا بصبغه وهذا بثوبه، فإن اتفقا على إبقائه فذاك، أو على بيعه قسِّم الثمن بينهما بالسوية، ولو صارت القيمة خمسة فقط أطلقَ الأكثرونَ أنَّ النقصَ محسوبٌ مِنَ الصَّبغِ، وفي تعليق القاضي حسين وأبي الطب والشامل والتتمةِ: أنه إن كان النقص لانخفاض سعر الثياب، فالنقصُ محسوبٌ من الثوبِ، وإن كان الانخفاض من سعر الأصباغ فمن الصبغ، وكذا لو كان النقص بسبب العملِ؛ لأن صاحب الصبغ هو الذي عمل، قال الرافعي: ويمكن أن يكون إطلاق من أطلق منزلًا على هذا التفصيل. واحترز المصنف بقوله: أَوَّل المسألة بصيغة عن صورتين أوضحتهما في الشرح فراجعهما منه مع فوائد جمة يطول بذكرها؛ هذا المختصر.
فَصْلٌ: وَلَوْ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ بِغَيرِهِ وَأَمْكَنَ التَّمْيِيزُ لَزِمَهُ وَإِنْ شَقَّ، أي سواء خلط بالجنس أو بغيره لإمكان رد عين ما أخذ، فإن لم يمكن تمييز جميعه وجب تمييز ما أمكن قاله ابن الصباغ، فَإِنْ تَعَذَّرَ، أي بأن خلط الزيت بالزيت، فَالْمَذهَبُ أَنَّهُ كَالتَّالِف فَلَهُ تَغْرِيمُهُ، سواءً خلطه بأَجودَ أو بِأَرْدَأَ أو بمثله؛ لأنه لما تعذر ردُّهُ أشبه التالِفَ، والثاني: أنهما يشتركان في المخلوط ويرجع في قدرِ حَقِّهِ منه، والطريق الثاني: القطع بالأول، والثالث: إن خَلَطا بالمثلِ اشْتَرَكَا وإلّا فكالهالك، وَلِلْغَاصِبِ أَن يُعْطِيَهُ مِنْ غَيرِ الْمَخْلُوطِ، لأنَّ الْحَقَّ قَدِ انْتَقَلَ إِلَى الذِّمَّةِ لأنا صَيَّرْنَاهُ كَالْهَالِكِ.
فَرْعٌ: لو خلط بغير الجنس كزيت بشيرج فالمغصوب هالكٌ لِبطلانِ فائدةُ
стр. 887
خَاصيَّتَّهِ بخلاف الْجَيِّدِ بالرَّدِئِ، وقيل: هو الخلاف في الاختلاط بالجنس.
وَلَوْ غَصَبَ خَشَبَةً وَبَنَى عَلَيهَا أخْرِجَتْ، أي ولو تلف على الغاصب بسببه أضعافَ قيمتهِ لتعدِّيه، وهذا إن لم تَعْفَنْ فإنْ عَفِنَتْ فهي هالكة، وحكم الآجُرَّ؛ وَاللِّبْنِ؛ وَالجُصِّ؛ حُكْمُ الْخَشَبَةِ، وَلَوْ أدْرَجَهَا فِي سَفِينَةٍ فَكَدَلِكَ، أي أنها تخرج لتعديه؛ اللَّهُمَّ إلَّا أنْ تَعَفَّنَ، إلا أن يَخَافَ تَلَفَ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ مَعْصُومَينِ، أي بأن كانت في لُجَّةِ الْبَحْرِ والخشبةُ في أسفلِها لِحُرمَتِهَا، وله أمدٌ ينتظر، وله المطالبة بالقيمة للحيلولة، أما إذا كانت السفينة على الشطِّ أو بقربه رقاق نزع، قاله الماوردي. ولو كان فيها مال للغاصب فالأصح عند الأكثرين كما في الروضة أنه لا ينزعُ، والمعصوم من المال يحترز به عن مال الحربي، وسَبَقَ بَيَانُ الْمُحْتَرَمِ مِنَ النفْسِ فِي التَّيَمُّمِ.
فَصْلٌ: وَلَوْ وَطئَ الْمَغْصُوبَةَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ حُدَّ، لأنه زنًا، وسواء كانت هي عَالِمَةٌ أوْ جَاهِلةٌ، وَإِنْ جَهِلَ، أي تحريمه كجهله بتحريم الزنا مطلقًا أو لتوهم حِلَّهَا لدخولها بالغصبِ في ضمانهِ وقبلنا قوله، فَلَا حَدَّ، لِلشُّبْهَةِ، وَفِي الْحَالينِ يَجِبُ المَهْرُ، أي في حالِ علمهِ دونها وجهلهِ مع جَهْلِهَا؛ لأنها ليست زانيةً والحالةُ هذهِ، إلا أنْ تُطَاوعَهُ فلا يَجِبُ عَلَى الصَّحيح، لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ مَهْرِ البَغِيِّ (١٥٢) وَهِىَ الزَّانِيَةُ، والثاني: يجبُ، لأنَّهُ لِلسَّيِّدِ فلا تُؤَثِّرُ طَوَاعِيَتُهَا فِيهِ، وأجاب الأولُ: بِأَنهُ يُؤَثِّرُ صُنْعُهَا فِيهِ كَرْتِدَادِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَعَلَيهَا الحَدِّ إِنْ عَلِمَتْ، لِزِنَاهَا؛ فإنْ حَهِلَتْ فَلَا، وسكتَ المصنفُ عن أرش البَكَارَةِ، وقد صحح في الروضة هنا تبعًا للرافعي أنه يَلْزَمُهُ مَهْرُء ثَيبٍ وَأرْشَ بَكَارَةٍ.
وَوَطءُ الْمُشْتَرِي مِنَ الْغَاصِبِ كَوَطْئِهِ، أي كوطء الغاصب، في الحَدِّ وَالمَهْرِ،
стр. 888
لاشتراكهما في وضع اليدِ فيعودُ ما ذكرناه في حالتي العلم والجهل، إلّا أنَّ جهلَ المشتري قد ينشأ من الجهلِ بكونها مغصوبة أيضًا، فتقبل دعواهُ من غير اشتراط قرب عهده بالإسلام وكونه نشأَ بباديةٍ بعيدة، فَإِنْ غَرَمَهُ، يعني غَرَمَ الْمَالِكُ الْمُشْتَرِيَّ المَهْرَ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ، أي المشترى، عَلَى الغاصِبِ فِي الأظْهَرِ، لأنه باشر الإتلاف، والثاني: يرحع إذا جهل، لأن الغاصب قد غرَّهُ والبيعُ لا يقتضي ضمانَ المهرِ والخلافُ جارٍ في أرشِ الافتضاضِ إن كانتْ بِكْرًا، قال الرافعي: وعدم الرجوع به أظهر لأنه بَدَلَ جزءٍ منها أَتْلَفَهُ فَأشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا.
وَإنْ أَحْبلَ، أي الغاصبُ أو المشترى منه، عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ غَيرُ نَسِيبٍ، لأَنَّهُ زِنًا، وَإنْ جَهِلَ فَحُرٌّ نَسِيبٌ، للشبهة، والمشهور كما قال في المطلب: إِنَّهُ انْعَقَدَ حُرًّا لَا رَقِيقًا ثُمَّ عُتِقَ، وَعَلَيهِ قِيمَتُهُ، أي بتقدير رِقِّهِ لَتَفْويتِهِ رِقّهُ بِظَنِّهِ، يَوْمَ الإِنْفِصَالِ، أي إن انفصل حيًّا؛ لأن التقويم قبله غيرُ ممكنٍ، فإن انفصل ميتًا بغير جنايةٍ، فالأصحُّ: أنه لا شيء عليه؛ لأنَّ حَيَاتَهُ غَيرُ مُتَيَقَّنةٍ. وإن انفصلَ بجنايةِ الغاصبِ لَزِمَهُ الضَّمَانُ، وَيَرْجِعُ بِهَا، أي بالقيمةِ، الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ، لأنَّ الشِّرَاءَ لم يوجبْ ضَمَانَهُ، لأن مقتضاه أنْ يُسْلِمَ لَهُ الْوَلَدَ حُرًّا مِنْ غَيرِ غَرَامَةٍ.
وَلَوْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَغَرِمَهُ لَمْ يَرْجِعْ لِهِ، أي عالمًا كان أو جاهلًا؛ لأنَّ الشِّرَاءَ عَقْدُ ضَمَان، وَكَذَا لَوْ تَعَيَّبَ عِندَهُ، أي بآفة سماوية، فِي الأَظْهَرِ، كما لا يُرْجِعُ بالقيمةِ عندَ هلاكِ الكُلِّ تسوية بين الجملةِ والأَجْزَاءِ، والثاني: أنه يرجع، لأن العقد يوحبُ ضَمَانَ الْجُمْلَةِ وَلَا يُوْحِبُ ضَمَانَ الأَجْزَاءِ عَلَى الإِنْفِرَادِ، أما إذا تعيَّب بفعل المشتري فإنه يستقرُّ عليهِ ضمانُهُ فطعًا وكذا لو تلف الجميعُ.
وَلَا يَرْجِعُ بِغُرْمِ مَنفَعَةٍ اسْتَوْفَاهَا، أي كالسكنى والركرب واللُّبْسِ، في الأَظْهَرِ، هما القولان في الْمَهْرِ وَأرْشِ الْبَكَارَةِ وقد مَرَّ تَوْجيهِهِمَا، ويرْجِعُ بِغُرْمِ مَما تَلِفَ عِنْدَهُ وَبِأَرْشِ نَقْضِ بِنَائِهِ وَغِرَاسِهِ إِذَا نُقِضَ في الأَصَحِّ، أمَّا الأُولى: وهي منافعُ المغصوب إذا تلفت تحت يد المشتري ولم يستوفها فيضمنها للمالك بأُجْرَةِ مِثْلِهَا، وهل يرجع
стр. 889
بها على الغاصب؟ فيه وجهان؛ أحدهما: لا. تنزيلًا للتلفِ تحتَ يدهِ منزلة الإتلافِ، وَأَصَحُّهُمَا: نعم، لأنه لم يتلف ولا شَرَعَ في العقدِ على أنْ يَضْمَنَهُ، وأما في الثانية: وهي ما إذا بنى المشتري أو غرس في الأرض المغصوبةِ فجاءَ المالكُ ونقضهُ فهل يرجع بأرش النقصان على الغاصب؟ فيه وجهان؛ أحدهما: لا، كما لايرجع بما أنفق على العمارة وكأنه بالبناء متلف ماله، وأصحُّهما: نعم، لشروعه في العقد على ظَنِّ السَّلامَةِ وإنما جاء هذا الضرر مِن تَغْرِيرِ الْغَاصِبِ.
فَرْعٌ: ثمرة الشجرة ونتاجُ الدَّابَّةِ وكسبُ العبدِ كالمنفعةِ؛ قاله المتولي، ويمكن دخوله في لفظ المصنف.
وَكُلُّ مَا لَوْ غَرِمَهُ الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِهِ لَوْ غَرِمَهُ الْغَاصِبُ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي، أي كُلُّ مَا لو غرمه المشتري لكان يرجع به على الغاصب كقيمة الولد وأُجرة المنافع الفائتة تحت يده، لو فرضنا أن الغاصب طولب به وغرمه فإنه لا يرجع بذلك على المشتري، لأن القرار عليه لا على المشتري وَالرُّجُوعُ عَلَى مَنْ عَلَيهِ الْقَرَارُ، وَمَا لَا فَيَرْجِعُ، أي وكل ما لو غرمه المشتري لكان لا يرجع به على الغاصب كقيمةِ العينِ للأجزاءِ والمنافع التي استوفاها فإذا غرمه الغاصب رجع به على المشتري، لأن القرار عليه. قُلْتُ: وَكُلُّ مَنِ انْبَنَتْ يَدُهُ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ فَكَالْمُشْتَرِي، وَالله أَعْلَمُ، أي في الضابط المذكور في الرجوع وعدمه، وليسَ المرادُ أنَّهُ كالمشتري في جميع ما سلف، وقوله (انْبَنَتْ يَدُهُ) هو بألفٍ ثُمَّ نونٍ ثُمَّ باءٍ موحدةٍ ثُمَّ نونٍ ثُمَّ تَاءٍ مثناة فوق كذا رأيتهُ بخطه ﵀ في الأصلِ.
فُرُوعٌ مَنْثُورَةٌ نَخْتِمُ بِهَا الْبَابَ مُهِمَّةٌ
فَرْعٌ: لَوْ قَال رَجُلٌ: غَصَبْنَا مِنْ فُلانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَكُنْا عَشْرَةً، قَال مُحَمَّدٌ بْنُ الْحَسَنِ: لَا يُصَدَّقُ وَيَلْزَمُهُ الكُلُّ، وَقَال زِفْرٌ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينهِ، قَال فِي الْبَيَانِ:
стр. 890
وَبِهِ قَال بَعْضُ أَصْحَابِنَا؛ لأَنَّ مَا قَالهُ مُحْتَمَلٌ، وَالأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لأَنْهُ لَمْ يُضِفِ الْغَصْبَ إِلَى نَفْسِهِ خَاصَّةً.
فَرْعٌ: لو اشتركَ مَجُوسِيٌّ وَمُسْلِمٌ في ذبحِ شَاةٍ ضَمِنَ الْمَجُوسِيُّ نِصْفَ قِيمَتِهَا وَضَمِنَ الْمُسْلِمُ نِصْفَ نَقْصِهَا لو لم يكن المشارك لهُ في الذبحِ مجوسيًّا، قاله الماوردي، وقال الروياني: الضمان عليهما نصفين.
فَرْعٌ: غصب أرضًا وزرع فيها زرعًا قُلع الزرع! وقال الإمامُ أحمدُ: ليس له قلعه، وصاحب الأرض بالخيار بين أن يدفع إليه ثمن البذر والنفقة وبين أن يقره في الأرض إلى أوان الحصاد بأجرة المثل، ودليله قوله ﵊ [مَنْ زَرَعَ أَرْضَ قَوْمٍ بِغَيرِ إِذْنِهِمْ فَلَيسَ لَهُ مِنَ الزَّرْع شَيءٌ وَنَفَقَتُهُ عَلَيهِ] رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث رافع بن خديج، قال الترمذي: حسنٌ غريبٌ، وَحَسَّنَهُ البخاري. لكن قال أبو زرعة وغيره: لم يسمع عطاء بن أبي رباح من رافع بن خديج وضَعَّفَهُ الخطابيّ ونقل تضعيفه عن البخاري وهو خلاف ما نقله الترمذي عنه، وَضَعَّفَهُ البيهقي أيضًا، وكان موسى بن هارون الحمال ينكر هذا الحديث ويضعفه ويقول: لَمْ يَرْوهِ غَيرُ شريك ولا رواه عن عطاء غير أبي إسحاق نقله الخطابي (١٥٣)،
стр. 891
لكن قيل: إِنَّ قَيسَ بْنَ الرَّبِيع تَابَعَهُ لَكِنَّهُ سَيِّءُ الحِفْظِ (١٥٤).
فَرْعٌ: سُئِلَ ابنُ الصلاحِ عن رجلٍ أخذ بيدِ مملوكٍ لِغَيرِهِ وَخَوَّفَهُ بسببِ تُهْمَةٍ،
стр. 892
فَهَرَبَ مِنْ سَاعَتِهِ فَهَلْ عَلَيهِ ضَمَانُهُ؟ فأجاب بأنه لا يضمنه ما لم يكن نقله من مكان إلى مكان وقصد الاستيلاء.
فَرْعٌ: لو غصب فحلًا فأنزاهُ على شاةٍ له فالولد للغاصب وعليه أرش نقصِ الفحلِ ولا أُجرة عليه للنَّهْيِ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ ذكره الشيخ نصر في تهذيبهِ.
تَبَعًا، لِحَدِيثِ جَابِرٍ [قَضَى رَسُولُ الله ﷺ بِالشُّفْعَةِ في كُلِّ شَرِكَةٍ لَمْ يُقْسَمْ رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ؛ فَإنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ] رواه مسلم (١٥٧)، وَالرَّبْعَةُ: الْمَنْزِلُ الَّذِي يَرْبَعُ بِهِ الإنْسَانُ وَيَتَوَطَّنهُ؛ وَالْحَائِطُ: هُوَ الْبُسْتَانُ بِغِرَاسِهِ، واحترز بقوله (تَبَعًا) عمَّا إذا بِيعَ البناءُ والغراسُ منفردين فإنه لا شفعة فيهما على الأصح؛ لكونهما منقولين كالعبد، ويحترز به أيضًا عما إذا باع أرضًا وفيها شجرة جافة فشرطا دخولها في البيع؛ فإنها لا تؤخذ بالشفعة؛ لأنها إنما دخلت بالشرط لا بالبيع، وَكَذَا ثَمَرٌ لمْ يُؤَبَّرْ فِي الأَصَحِّ، لأنه يتبعه في البيع فكذا في الأخذ، والثاني: أنها كالمؤبرة، لأنها منقولة. فعلى الأول: لو تأخر الأخذ لغيبة الشفيع حتى أُبِّرَتْ؛ فالأصح: أنه يأخذها لتقدم حقه وزيادتها كزيادة الشجرة، واحترز بقوله (لَمْ يُؤبَّرْ) عما إذا كان على الشجر ثمرة مُؤَبَّرَةٌ وَأُدْخِلَتْ في البيع بالشَّرطِ، فإنه لا شُفْعَةَ فيها، لأنها لا تدومُ في الأرضِ فيأخذُ الشَّفِيعُ الأرضَ والنَّخلَ بِحِصَّتِهَا.
فَرْعٌ: لو بيعت الأشجار ومغارسها فقط أو بيع الجدار مع الأرض الأُسِّ فلا شفعة على الأصح، لأن الأرضَ تابعةٌ هنا والمتبوعُ منقولٌ.
وَلَا شُفْعَةَ فِي حِجْرَةٍ بُنِيَتْ عَلَى سَقْفٍ غَيرِ مُشْتَرَكٍ، أي بأن بنيا على سقفٍ لثالثٍ أو لأحَدِهِمَا ثم يبيع أحدُهما نصيبَهُ منها؛ إذ لا قرار لها فهي كالمنقولات، وَكَذَا مُشْتَرَكٌ في الأَصَحِّ، لما قلناه، والثاني: نعم، لحصول الشركة في أرض الحجرة وجدرانها، وهذا الفرع لا يوجد لغير الغزالي في وجيزهِ ووسيطهِ ولم يذكره في بسيطهِ، وَكُلُّ مَا لَوْ قُسِمَ بَطَلَتْ مَنْفَعَتُهُ الْمَقْصُودَةُ كَحَمَّامٍ وَرَحَى، أي صغيرين كما ذكره في القسمة، لَا شُفْعَةَ فِيهِ فِي الأَصَحِّ، الخلاف مبني على علَّة ثبوتها في
стр. 895
المنقسم، هل هو لدفع ضرر مؤنة القِسْمَةِ أو لِسُوءِ المشاركةِ؟ فعلى الأول: لا شُفْعَةَ فيما لا يقبل القِسْمَةَ، وعلى الثاني: نعم، وما ذكره المصنف في الضابط المذكور وهو ما صححه في بابِ القسمةِ كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وعبارة الْمُحَرَّرِ بدل الرَّحى الطَّاحُونَةُ، وهي هِيَ كما قال الجوهري. والمراد هنا المكان دون الْحَجَر فإنه منقولٌ، وإنما تَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ تبعًا للمكان، وَلَا شُفْعَةَ إِلّا لِشَرِيكٍ، أي فلا تثبت للجار ملاصقًا كان أو غيره لما سلف من الأحاديثِ، والأحاديثُ الواردةُ بذلك محمولة على الشَّرِيكِ جَمْعًا بين الأَخْبَارِ.
فَرْعٌ: لا شُفْعَةَ لمالك المنفعة فقط، وهو يخرج بقوله (لِشَرِيكٍ).
وَلَوْ بَاعَ دَارًا، أي في درب غير نافذ، وَلَهُ شَرِيكٌ فِي مَمَرِّهَا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ فِيهَا، لانتفاء الشركة، وقيل: نعم، لأنه شريك في الممر. فإن كان نافذًا فلا شفعة فيها ولا في ممرها قطعًا، لأن هذا الدرب غير مملوك، وَالصَّحِيحُ: ثُبُوتُهَا فِي المَمَرِّ إنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي طَرِيقٌ آخَرَ إِلَى الدَّارِ أَوْ أَمْكَنَ فَتْحُ بَابٍ إِلَى شَارِعٍ، لإمكان الوصول إليها من غير ضرر، وهذا إذا كان قابلًا للقسمة؛ وإلا فعلى الخلاف في غير المنقسم، وَإلَّا، أي وإن لم يكن للمشتري طريق آخر ولا أمكن اتخاذه، فَلَا، لما فيه من الإضرار بالمشتري، والثاني: لهم الشفعة والمشتري هو المضر بنفسه لشراء هذه الدار، والثالث: إن مَكَّنُوا المشتريَ من المرور فلهم الشُّفْعَةُ وإلا فلا جمعًا بين الْحَقَّينِ، وَإنْمَا تَثْبُتُ فِيمَا مُلِكَ بِمُعَاوَضَةٍ، أي محضةٍ كالبيعِ وغيرِها كالمهر، مِلْكًا لازِمًا، مُتَأَخِّرًا عَنْ مِلْكِ الشَّفِيعِ كَمَبِيعٍ؛ وَمَهْرٍ؛ وَعِوَضِ خُلْعٍ؛ وَصُلْحِ دَمٍ؛ وَنُجُومِ كِتَابَةٍ؛ وَأُجْرَةٍ؛ وَرَأْسِ مَالِ سَلَمٍ، أي ونحو ذلك كالمتعة والجعالة بعد الفراغ، أما في البيع فلحديث جابر السالف أول الباب، وفيما عداه بالقياس عليه بجامع الاشتراك في المعاوضة مع لحوقِ الضَّرَرِ الْمُتَقَدِّمِ، واحترز بالمعاوضة عما مُلِكَ بِالإرْثِ؛ فإنه لا شُفْعَةَ فيه، لأنه مقهورٌ فلم يضر بالشريك. وعمَّا مُلِكَ بِالْهِبَةِ بِلا ثَوَابٍ؛ وَالْوَصِيَّةِ. وبقوله (مِلْكًا لازِمًا) عمَّا إذا جرَى البيعُ بشرطِ الخيارِ، وسنذكره بعد وستعلم هناك
стр. 896
أنَّ هذا القيد لا نحتاج إليه على الصحيح. وبقوله (مُتَأَخِّرًا عَنْ مِلْكِ الشَّفِيعِ) عما إذا اشترى اثنان دارًا؛ فإنه لا شفعة لأحدهما على الآخر، كما سيأتي. وقوله (كَمَبِيعٍ وَمَهْرٍ وَعِوَضِ خُلْعٍ) إلى آخره هو أمثلة لما دخل في قسم المعاوضة وقوله (وَصُلْحِ دَمٍ) أي عن دم، وذلك حيث كانت الجناية عمدًا؛ فإن كانت خطأ؛ فالواجب فيها إنما هو الإبل، والمصالحة عنها باطلة على الصحيح لجهالة صفاتها. وقوله (وَنُجُومٍ وَأُجْرَةٍ وَرَأْسِ مَالٍ سَلَمٍ) أي والعوض الذي صالح عن النجوم عليه. وهذا بناءً على صحة الاعتياض؛ وهو وجه نص عليه في الأُمِّ. والصحيح: المنع. وَيَرِدُ على الضابطِ المذكورِ فَرْعَانِ فراجعهما من الأصل.
وَلَوْ شُرِطَ في الْبَيع الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ؛ لَمْ يُؤخَذْ بِالشُّفعَةِ حَتَّى يَنْقَطِعَ الْخِيَارُ، لأن الشريك لا يتمكن من إبطال حق البائع وإن انتقل الْمِلْكُ بناءً على القولِ الضَّعِيفِ، وَإنْ شُرِطَ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ يُؤخَذُ إِنْ قُلْنَا الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي، لأنه لا حق فيه لغيرهِ، والشفيع متسلط عليه بعد لُزُومِ الْمِلْكِ وَاسْتِقْرَارِهِ فقبله أوْلى، وفي هذا استدراكٌ على قَيدِ اللُّزُومِ، والثاني: لا يؤخذ؛ لأن المشتري لم يَرْضَ بلزوم العقدِ. وفي الأخذِ إلزامٌ وإثباتٌ للعهدة عليه، وَإلّا، أي وإن قلنا إن الملك للبائع أو موقوف، فَلَا، يُؤْخَذُ على الأصح كما ذكره في أصل الروضة لا على الأظهر كما هو ظاهر كلامه هنا لعدم تحقق زوال مِلكهِ، ووجه مقابله انقطاعُ سلطنة البائعِ.
وَلَوْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالشِّقْصِ عَيبًا وَأَرَادَ رَدَّهُ بِالْعَيبِ، وَأرَادَ الْشَفِيعُ أَخْذَهُ، وَيَرْضَى بِالْعَيبِ؛ فَالأظْهَرُ: إِجَابَةُ الْشَفِيعِ، لأنَّ حَقَّهُ سَابِقٌ فإنه يثبتُ بالبيعِ، والثاني: إجابة المشتري؛ لأنَّ الشفيعَ إنَّمَا يأخذهُ إِذَا استقرَّ العقدُ.
وَلَو اشْتَرَى اثْنَانِ دَارًا أوْ بَعْضَهَا فَلَا شُفْعَةَ لأَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ، لاستوائهما في حصول الملك؛ وهذا ما احترز عنه بقوله (مُتَأَخِّرًا عَنْ مِلْكِ الشَّفِيعِ) لما أسلفتهُ.
وَلَوْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي شِرْكٌ فِي الأَرْضِ، أي نصيب بأن كانت بين ثلاثة أثلاثًا؛ فباع أحدهم نصيبه لأحد صاحبيه، فَالأَصَحُّ: أَنَّ الشَرِيكَ لَا يَأَخُذُ كُلَّ الْمَبِيعِ بَلْ
стр. 897
حِصَّتَهُ، أي وَهُوَ السُّدُسُ، وفي مثالنا كما لو كان المشتري أجنبيًّا لاستوائهما في الشركة، والثاني: أن الشريك الثالث يختص بالشفعة، ولا حق فيه للمشتري، لأنه يؤدي إلى أن يأخذ الشفعة من نفسه وهو محال، والأول أجاب بأن لا نقول يأخذها من نفسه وإنما يدفع الشريك عن الأخذ عن نفسه.
فَصْلٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ في التَّمَلُّك بِالشُفْعةِ حُكْمُ حَاكِمٍ، لثبوته بالنصِّ، وَلَا إِحْضَارُ الثَّمَنِ، كالبيع، وَلَا حُضُورُ الْمُشْتَرِي، كالردِّ بالعيبِ، ولا يتوقفُ أيضًا على رِضَي المُشْتَرِي، نعم يتوقفُ على رضي الشَّفِيع، لأنهُ حَق لَهُ لَا عَلَيهِ، واستشكلَ صاحبُ المطلبِ عدم اشتراطِ الأمورِ الثلاثةِ التي ذكرها المصنف لما ستعلمه عقبه أنه لا بد من أخذها أو مما يلزم منه أخذها، ثم قال: وأقربُ ما يمكنُ أنْ يحمل عليه أنَّ مجموع الثلاثة لايشترط، ويُشتَرَطُ لَفْظٌ مِنَ الشَّفِيع كَتَمَلَّكْتُ أوْ أَخَذْتُ بِالشُفْعَةِ، أي وما أشبههما مما يدل على ذلك كاخترت الأخذ بالشفعة وكاخترت التملك وإلا فهو من باب المعاطاة، ولو قال: أنا مطالبه بالشفعة لم يحصل به التملك على الأصح، [ولهذا قال الماوردي: تثبتُ الشُّفْعَةُ بالبيع، وتُستحق بالمطالبة، وتُملك بالأخذ، ولا يكفي أن يقول: لي حَقُّ الشُّفْعَةِ أو أنا طالب بها، لأن المطالبة] (•)؛ لأنه رغبة في التملك والملك لا يحصل بالرغبة، ويشتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ، أي مع اللفظ، إِمَّا تسلِيمُ العِوَضِ إِلَى المُشتَرِي، فَإذَا تسَلَّمَهُ، أَوْ أَلْزَمَهُ القَاضِي التَّسَلُّمَ، أي أو يقبض عنه القاضي، مَلِكَ الشَّفِيعُ الشقصَ، وَأَمَّا رِضى المُشتَرِي بِكَوْنِ العِوَضِ في ذِمَّتِهِ، وَأمَّا قَضَاءُ الْقَاضِي لَهُ بِالشفعَةِ إِذَا حَضَرَ مَجْلِسَهُ وَأَثبَتَ حَقَّهُ فَيَمْلِكُ بِهِ في الأصَحِّ، لأن اختيار التملك تأكَّد بحكم الحاكم، والثاني: لا يحصل الملك في الأخيرة حتى يقبض عوضه أو يرضى بتأخيره، والمراد بالقضاء إنما هو القضاء بثبوت حق الشفعة لا بالملك كما صرح به صاحب المطلب، ولو باع شقصًا من دار عليها صفائح من ذهبٍ بِالفِضَّةِ أو عكسه فيحب التقابضُ في المجلسِ، وأهمل المصنفُ من
стр. 898
الأمور هنا وذكره في الروضة تبعًا للرافعي، وإشهاد عدلين على الطلب واختيار الشفعة؛ فإن لم يثبت الملك بحكم القاضي فهنا أَولى؛ وإلا فوجهان لقوة قضاء القاضي له أي بِالشُّفْعَةِ، والأظهر في الوجيز المنع ولم يفرقوا بين أن يقدر على الحاكم أم لا وفيه بحث لصاحب المطلب، وَلَا يَتَمَلَّكُ شِقْصًا لَمْ يَرَهُ الشفِيعُ عَلَى المَذْهَبِ، بناء على منع بيع الغائب وليس للمشترى منعه من الرؤية وهذا أظهر الطريقتين، والثانِيَةُ: القطعُ بالمنع وإن صححنا بيع الغائب؛ لأن البيع جرى بالتراضي فأثبتنا الخيار فيه وهنا أخذ الشفيع من غير رضي المشترى فلا يمكن إثبات الخيار فيه؛ فلو رضي المشترى بأن يَأخُذُهُ الشفيع ويكون بالخيار كان على قولي الغائب.
فصْلٌ: إِنِ اشْتَرَى بِمِثْلِيّ أَخَذهُ الشَّفِيعُ بِمِثْلِهِ، لأنه الأعدلُ والأقرب إلى حقِّهِ، أَوْ بِمُتَقَوِّمِ فَبِقِيمَتِهِ، لأنه مثل في المعنى، يَوْمَ الْبَيع، أي تعتبر قيمة المتقوم يوم البيع؛ لأنه يوم إثبات العوض واستحقاق الشفعة، وَقِيلَ: يَوْمَ استِقْرَارِهِ بِانقِطاع الْخِيَارِ، لأنه وقت استقرار السبب، أَوْ بِمُؤَجَّلِ، أي وإن اشتراه بمؤجل، فالأظهَرُ أنهُ مُخَيَّرٌ بَينَ أن يُعَجِّلَ ويأخُذَ في الحَالِ أَوْ يَصْبِرَ إِلَى المَحِلِّ، أي بكسر الحاء، ويأخُذ، لأن مطالبته بالمال في الحال إجحاف به، لأنه أزيدُ مما لَزِمَ المشترى فإنَّ الأجل يقابله قسط من الثمن وأخذه بثمن مؤجل إجحافٌ بالمشترى لاختلاف الذمم فتعين ما ذكرناه، والثاني: أنه يأخذُه بالموجل تنزيلًا للشفيع منزلة المشترى، والثالث: أنه يأخذه بِعَرْضٍ (•) يساوي الثمن مؤجلًا لتعذر أخذه بحال أو موجل فيعين هذا لأنه أقرب إلى العدل.
وَلَوْ بِيعَ شِقْصٌ وَغَيرُهُ، أي كسيف وثوب، أَخَذَهُ، يعني الشقص لوجود سبب الأخذ فيه دون غيره، ولا خيار للمشتري وإن تفرقت صفقته عليه لدخوله فيها عالمًا بالحال، بِحِصَّتِهِ مِنَ القِيمَةِ، أي باعتبار قيمة يوم العقد؛ لأنه وقت المقابلة، وقوله (مِنَ الْقِيمَةِ) صوابُهُ مِنَ الثمَنِ، كما عبَّر به في الروضة تبعًا للرافعي وعبارة الْمُحَرَّرِ:
стр. 899
أخذ الشقص بحصته، والمراد من الثمن فإذا اشترى شقصًا قيمته مائتان وسيفًا قيمته مائة بألف أخذ الشقص بثلثي الألف ويبقى السيف للمشري بالثلث الباقي.
وَيُؤْخَذُ الْمَمْهُورُ بِمَهْرِ مِثْلِهَا، لأنَّ الْبُضْعَ متقوِّمٌ وقيمتُهُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَكَذَا عِوَضُ الْخُلْعِ، أي كما إذا خالعها على شقص، والاعتبار بمهر مثلها يوم النكاح ويوم الخلع.
وَلَو اشْتَرَى بِجُزَافٍ وَتَلِفَ امْتَنَعَ الأَخْذُ، لتعذر الوقوف على الثمن، وهذا من الحيل المسقط للشفعة، فَإِنْ عَيَّنَ الشَّفِيعُ قَدْرًا، أي بأن قال: اشتريته بكذا، وَقَال الْمُشْتَرِي: لَمْ يَكُنْ مَعْلُومَ الْقَدْرِ، حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، أي بذلك المقدار لأنه محتمل، وَإِنِ ادَّعَى عِلْمَهُ، أي علم المشتري وطالبه بالبيان، وَلَمْ يُعَيِّنْ قَدْرًا لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ فِي الأَصَحِّ، أي حتى يعين قدرًا فيحلف عليه المشتري حينئذ أنه لا يَعْرِفُ لأنَّهُ يَدَّعِ حَقًّا لَهُ، وهذا ما نَصَّ عليهِ في الأُمِّ أيضًا، والثاني: يسمع، ونقله المتولي عن عامة الأصحاب؛ والرافعي نقل الأول عن تصحيح البغوي خاصة، ويحلف المشتري على منع ما يقوله، فإن نكل حلف الشفيع على علم المشتري وحبس المشتري حتى يتبيَّنَ قدرُهُ، وَإِذَا ظَهَرَ الثَّمَنُ، أي ثمن المبيع، مُسْتَحَقًّا فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا بَطَلَ الْبَيعُ، أي سواء كان الثمن عرضًا أو نقدًا؛ إلا أن النقد عندنا يتعين بالعقد كالعَرْضِ، وَالشُّفْعَةُ، لَتَرَتُّبهَا على البيعِ، وعلى الشَّفِيعِ رَدُّ الشقص إن كان قبضه، وإن خرج بعضه مستحقًا بطل البيع في ذلك القدر، وفي الباقي قولٌ تفريق الصفقة، وَإِلَّا، أي وإن كان في الذمة، أُبْدِلَ؛ وَبَقِيَا، أي البيع والشفعة بحالها لأن إعطاءه عما في الذمة لم يقع الموقع؛ فكان وجوده كَعَدَمِهِ.
وَإِنْ دَفَعَ الشَّفِيعُ مُسْتَحَقًّا لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ إِنْ جَهِلَ، لأنه معذورٌ والقولُ قولُهُ في ذلكَ لأنَّهُ أمرٌ باطلٌ، وَكَذَا إِنْ عَلِمَ فِي الأَصَحِّ، لأنه لم يُقَصِّرْ في الطلبِ، والشفعة لا تستحق بمال معين، والثاني: البطلان؛ لأنه أخذ بما لا يملك فصار كأنه ترك الأخذ مع القدرة، والصحيح في الروضة: أن الخلاف فيما إذا كان الثمن معيبًا
стр. 900
بأن قال: تملكتُ الشقصَ بهذهِ الدراهمِ، أما إذا كان غير معين؛ كقوله تملكته بعشرة دنانير؛ ثم نَقَدَ الْمُسْتَحِقُّ؛ فلا تبطل قطعًا.
فَصْلٌ: وَتَصَرُّفُ الْمُشتَرِي فِي الشِّقْصِ كَبَيعٍ وَوَقْفٍ وإِجَارَةٍ صَحِيحٌ، لأنها في ملكه، وَلِلشَّفِيعِ نَقْضُ مَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ كَالْوَقْفِ، أي والهبة والإجارة، وَأَخْذُهُ، ويتَخَيَّرُ؛ فِيمَا فِيهِ شُفْعَةٌ كَبَيعٍ؛ بَينَ أَنْ يَأْخُذَ بِالْبَيعِ الثَّانِي أَوْ يَنْقُضَهُ أَوْ يَأَخُذَ بِالأَوَّلِ، لأن حقه سابق، والمراد بالنقض الأخذ كما استنبطه صاحب المطلب من كلامهم، والتعبير بالإبطال أَوْلى منه، لأن النقضَ رَفْعُ الشَّيءِ مِنْ أصْلِهِ؛ وحكم جعله مسجدًا كالوقف صرح به ابن الصباغ.
وَلَو اخْتَلَفَ الْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ صُدِّقَ الْمُشْتَرِي، أي بيمينه لأنه أعلم، وَكَذَا لَوْ أَنْكَرَ الشِّرَاءَ، أي بأن قال: لم أشتره بل وَرِثْتُهُ أَوْ وُهِبْتُهُ، أَوْ كَوْنَ الطَّالِبِ شَرِيكًا، أي فالقول قوله بيمينه، لأن الأصلَ عَدَمُهَا، فَإِنِ اعْتَرَفَ الشَّرِيكُ، أي القديم، بِالْبَيعِ فَالأَصَحُّ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ، لأن اعترافه يتضمن الْحَقَّينِ فلا يبطل حق الشفيع بإنكار المشترى، والثاني: لا، فإن الشفيع فرع المشتري وهو منكر، والثالث: إن لم يعترف البائع بقبض الثمن؛ يثبت. وإن اعترف بقبضه؛ فلا.
فَرْعٌ: لو كان المشتري غائبًا فالحكم كما لو كان منكرًا حاضرًا؛ قاله القاضي حسين.
وَيُسَلَّمُ الثَّمَنُ إِلَى الْبَائِعِ إِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِقَبْضِهِ، لأنه يتلقى الملك منه، وَإِنِ اعْتَرَفَ، أي بقبضه، فَهَلْ يُتْرَكُ فِي يَدِ الشَّفِيعِ أَمْ يَأْخُذُهُ الْقَاضِي وَيَحْفَظُهُ؟ فِيهِ خِلافٌ سَبَقَ فِي الإِقْرَارِ نَظِيرُهُ، وقد تقدم واضحًا، وأنَّ الأصحَّ أنهُ يتركُ في يدهِ، قال في المطلب: وهذا يقتضي حصول الملك للشفيع والقدرة على التصرف في الشقص، قال: وهو يخالف ما سلف من توقف التصرف على تسليم الثمن لأجل حق الحبس؛ قال: والذي يظهر هو الوجه الثاني، وقوله (أَمْ يَأْخُذُهُ) صوابه أَوْ يَأْخُذُهُ؛ لأَنَّ أَمْ تَكُونُ بَعْدَ الْهَمْزَةِ لَا بَعْدَ هَلْ.
стр. 901
فَصْلٌ: وَلَو اسْتَحَقَّ الشُّفْعَةَ جَمْعٌ أَخَذُوا عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ، لأنه حق مستحقٌّ بالملك فَقُسِّطَ على قدره كالأجرة والثمرة، وَفِي قَوْلٍ عَلَى الرُّؤُوسِ، لأن سَبَبَ الشُّفْعَةِ أَصْلُ الشَّرِكَةِ؛ بدليل أن الشريك الواحد يأخذ الجميع وإنْ قَلَّ نصيبُهُ، وهما في أصل الشركة سواء والخلاف حكاه الشافعي في الأم، ولما حكى الثاني قال: وبه أقولُ كما نبَّه عليه صاحب المطلب.
وَلَوْ بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَينِ نِصْفَ حِصَّتِهِ لِرَجُلٍ، ثُمَّ بَاقِيهَا لآخَرَ، أي بأن كانت الدار بينهما مناصفة، فباع نصف نصيبه أو ثلثه أو أقلَّ لرجلٍ ثم باع الباقي لآخر، فَالشُّفْعَةُ فِي النّصْفِ الأَوَّلِ للشَّرِيكِ الْقَدِيمِ، لأنه ليس معه في حال بيعه شريك إلا البائع، والبائع لا يأخذ ما باعه بالشفعة، وقوله (ثُمَّ بَاقِيهَا) أشار بذلك إلى تَرَتُّبِ البيعينِ؛ فإنْ وقعا معًا فالشفعة فيهما للأول خاصَّة.
وَالأَصَحُّ: أَنّهُ إِنْ عَفَى، أي الشريك القديم، عَنِ النّصْفِ الأَوَّلِ؛ شَارَكَهُ الْمُشْترِي الأَوَّلُ فِي النِّصْفِ الثَّانِي لأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ سَبَقَ الصَّفْقةَ الثَّانِيَةَ وَاسْتَقَرَّ بِعَفْو، الشَّرِيكِ الْقَدِيمِ، وَإِلَّا فَلَا، أي وإن لم يعفُ الشريك القديم عن النصف الذي اشتراه بل أخذه منه فلا يشارك الأول القديم لزوال ملكه، والثاني: يشاركه مطلقًا، لأنَّ شريك حال الشراء، والثالث: المنع مطلقًا، لأنَّ الشريكَ القديمَ مُتَسَلِّطٌ على مِلْكِهِ فكيف يزاحمه؟ وقال القاضي حسين: إنه ظاهر المذهب، ثم محل الخلاف ما إذا لم يكن الشريك القديم عفى عنها قبل البيع الثاني، فإن عفى اشتركا فيها قطعًا، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ لَوْ عَفَى أَحَدُ شَفِيعَينِ سَقَطَ حَقُّهُ، كسائر الحقوق المالية، وَتَخَيَّرَ الآخَرُ بَينَ أَخْذِ الْجَمِيعِ وَتَرْكِهِ، أي كالمنفرد، وَلَيسَ لَهُ الاقْتِصَارُ عَلَى حِصَّتِهِ، لئلا تتبعض الصفقة على المشتري، والثاني: أنه يسقط حق العافي وغيره كالقصاص، والثالث: لا يسقط حق واحد منهما تغليبًا للثبوت، وَأَنَّ الْوَاحِدَ إِذَا أَسْقَطَ بَعْضَ حَقِّهِ سَقَطَ كُلُّهُ، كالقصاص، والثاني: لا يسقط شيء؛ كعفوه عن بعض حد القذف، والثالث: يسقط ما عفى عنه ويبقى الباقي؛ لأنه حقٌّ ماليٌّ يقبلُ الانقسامَ،
стр. 902
والأشبه في المطلب جريان الخلاف سواء قلنا أن الشفعة على الفور أم لا.
وَلَوْ حَضَرَ أَحَدُ شَفِيعَينِ، فَلَهُ أَخْذُ الْجَمِيعِ فِي الْحَالِ، أي لا البعض، لأنه ربما لا يأخذ الغائب فتتفرق الصفقة على المشتري فيحصل الضرر، فَإذَا حَضَرَ الْغَائِبُ شَارَكَهُ، لأنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ وحضورَهُ بَعْدَ أَخْذِ الأَوَّلِ كَحُضُورِهِ قَبْلَهُ.
فَرْعٌ: لو قال: لا آخذ إلّا قَدْرَ حِصَّتِي؛ فَإِنَّ حَقَّهُ يبطلُ إذا قَدِمَ الغائبُ، لأن الشفعة إذا أمكن أخذها! فالتأخير تقصير مفوت بخلاف نظيره من القسامة كما ذكره الرافعي في بابها.
وَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ تَأْخِيرُ الأَخْذِ إِلَى قُدُومِ الْغَائِبِ، لأنَّ لهُ غرضًا ألّا يَأْخُذَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ، والثاني: لا، لِتَمَكُّنِهِ من الأخذ.
فَرْعٌ: ما أخذَ الحاضرُ من الفوائد واستوفاهُ من المنافعِ لا يزاحِمُهُ فيهِ الغَائِبُ عَلَى الأَصَحِّ.
وَلَو اشْتَرَيَا شِقْصًا فَلِلشَّفِيع أَخْذُ نَصِيبِهِمَا وَنَصِيبِ أَحَدِهِمَا، إذ لا تفريق عليه، وَلَو اشْتَرَى وَاحِدٌ مِنِ اثْنَينِ فَلَهُ أَخْذُ حِصَّةِ أَحَدِ الْبَائِعَينِ فِي الأَصَحِّ، لأن الصفقة متعددة، والثاني: لا، لأن الشتري مَلَكَ الْكُلَّ صفقةً واحدةً فلا يفرقُ مِلْكَهُ عَلَيهِ.
فَصْلٌ: وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الشُّفْعَةَ عَلَى الْفَوْرِ، لأنه خيارٌ ثَبَتَ لدفعِ الضَّرَرِ فيكونُ على الفورِ كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيبِ، والمرادُ بكونها على الفور هو طلبها لا تملكها كما نبَّهَ عليه صاحب المطلب، والثاني: يمتد ثلاثة أيام فقد يحتاج فيها إلى نظر وتأمل، والثالث: يمتد مُدَّةً تَسَعُ التأَمُّلَ في مثل ذلك، والرابع: يمتد إلى التصريح بإسقاطها كحق القصاص وهو قويٌّ، فَإِذَا عَلِمَ الشَّفِيعُ بِالْبَيع فَلْيُبَادِرْ عَلَى الْعَادَةِ، أي ولا يكلف البدار على خلافها بِالْعَدْو ونحوه؛ بل يرجع فيه إلى العرف فما يُعَدُّ تقصيرًا في الطلب أسقط حقه وما لا فلا، واحترز بالعلم عما إذا لم يعلم فإنه على شفعته ولو
стр. 903
مضى عليه سُنُون، فَإِنْ كَانَ مَريضًا أَوْ غَائِبًا عَنْ بَلَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ خَائِفًا مِنْ عَدُوِّ فَلْيُوَكلْ إِنْ قَدَرَ وَإِلَّا فَلْيُشْهِدْ عَلَى الطَّلَبِ، حسب طاقته؛ قال الروياني: ولا يكفي شاهد ليحلف معه! قال في المطلب: ولا يبعد الاكتفاء به، فَإِنْ تَرَكَ الْمَقْدُورَ عَلَيهِ مِنْهُمَا، أي من التوكيل والإشهاد، بَطَلَ حَقُّهُ فِي الأَظْهَرِ، لتقصيرهِ في الأُوْلى، ولإشعار السكوت مع التمكن من الإشهاد بالرضا في الثانية، ووجهُ مقابلهِ في الأُولى أنه قد يلحقه مِنَّةٌ أو مؤنةُ، وفي الثانية أنَّ الإشهاد إنما هو لإثبات الطلب عند الحاجة، وقوله (فِي الأَظْهَرِ) هو صحيح في الثانية، وأما في الأُولى؛ فالصواب التعبير فيها بالأصح كما عبَّر به في الروضة.
فَرْعٌ: لو بلغه الخبر وهو غائب فسار في طلبه على العادة من غير إرهاق وأشهد، فهو على شفعته وإلّا فالأصح بطلانها.
فَلَوْ كَانَ فِي صَلاةٍ أَوْ حَمَّامٍ أَوْ طَعَامٍ فَلَهُ الإِتْمَامُ، أي ولا يكلف قَطْعَهَا على خلاف المعهود على الصحيح، بل لو دخل وقت الأكل والصلاة أو قضاء الحاجة جازَ لهُ أنْ يُقَدِّمَهَا، وإنْ كانَ ليلًا حتى يصبح. وهنا فروع مهمة ذكرتها في الأصل فراجعها منه.
وَلَوْ أَخَّرَ، أي الطلب، وَقَال: لَمْ أُصَدِّقِ الْمُخْبِرَ، لَمْ يُعْذَرْ إِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلانِ، لأنه كان من حقه أن يعتمد عليهما، وكذا لو أخبرهُ عدلٌ وامرأتانِ عدلٍ ولو كانا مستورين فينبغي أن يعذر، وَكَذَا ثِقَةٌ، أي ولو عبد أو امرأة، لِي الأَصَحِّ، لأنه حُجَّةٌ مع اليمينِ فأشبهَ ما لو أخبرهُ نِصَابٌ، والثاني: يعذر؛ فإن الحقَّ لا يقوم بالواحد، والثالث: يعذر فِي العبد فقط، وَيُعْذَرُ إِن أَخْبَرَهُ مَنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، لأنه معذور، وهذا إذا لم يبلغ عدد المخبرين حدًّا لا يمكن التواطؤ على الكذب، فإنْ بلغه بطل حقه وإنْ كانوا فساقًا، وهذا كله أيضًا بالنسبة إلى الظاهر، أما بالنسبة إلى الباطن، فالاعتبار بما وقع في نفسه من الصدق سواء فيه الكافر وغيره صرح به الماوردي.
стр. 904
وَلَو أُخْبِرَ بِالْبَيعِ بِأَلْفٍ فَتَرَكَ فَبَانَ بِخَمْسِمِائَةٍ! بَقِيَ حَقُّهُ، لأنه لم يتركه زُهدًا بل للكثرةِ وَالْغَلاءِ فَلَيسَ مُقَصِّرًا. وَإِنْ بَانَ بِأَكْثَرَ بَطَلَ حَقُّهُ، للكثرة، لأنه إذا لم يرغب فيه بالأول فبالثاني أَولى، وَلَوْ لَقِيَ الْمُشْتَرِي فَسَلَّمَ عَلَيهِ أَوْ قَال: بَارَكَ الله فِي صَفْقَتِكَ لَمْ يَبْطُلْ، أما في الأُولى: فلأنَّهُ سُنَّةٌ قبل الكلام (١٥٨)، وأما في الثانية: فلأنه قد يدعو له بالبركة ليأخذ صفقة مباركة، وَفِي الدُّعَاءِ وَجْهٌ، أي أنه يبطل به حق الشفعة؛ لأنه يشعر بتقرير الشقص في يده، فلا ينتظم الطلب عقبه.
فَرْعٌ: لو جمع بين السَّلامِ والدعاءِ لم يبطل أيضًا على ما اقتضاه كلام المحاملي في تجريده.
وَلَوْ بَاعَ الشَّفِيعُ حِصَّتَهُ جَاهِلًا بِالشُّفْعَةِ فَالأَصَحُّ بُطْلانُهَا، لزوال سببها، والثاني: لا، لأنه كان شريكًا يوم البيع ولم يرض بسقوطِ حَقِّهِ، واحترز بالجهل عن العِلمِ وهو ظاهرٌ، وهذا كله إذا باع جميع حصته، فإن باع بعضها عالمًا؛ فالأظهر: البطلان؛ أو جاهلًا؛ فالأصح من زوائد الروضة: عَدَمُهُ.
فَرْعٌ: الهِبَةُ فيما ذكره كالبيع.
فَرْعَانِ: لو عرضَ الشَّفِيعُ شِقْصَهُ لِلْبَيعِ لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ في الأصح؛ قاله الجرجاني، ويصح عفو المريض عن الشُّفْعَةِ، وإن كان الخط في أخذها، وإذا مات لا يكون لورثته أخذها قاله الروياني.
وَيَشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ كَوْنُ الْمَالِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ خَالِصَةً، بالإجماع كما اعتمده الجويني؛ فلا يكون من غيرهما، ويجوز أن يكون دراهم ودنانير معًا، فَلا يَجُوزُ عَلَى تِبْرٍ وَحِلِيٍّ، لاختلاف قيمتهما كالعروض، وَمَغْشُوشٍ، أي وإن راجت وعُلِمَ ما فيها من الخالص، وجوَّزنا التعامل بها؛ لأنها نقدٌ وعرضٌ وهي مُتَقَوِّمَةٌ. قال الجرجاني: وهذا إذا كان الغِشُّ ظاهرًا، فَإِنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا، فيجوز؛ لأنه كالمعدومِ، وفي وجهٍ: يجوز اعتبارًا برواجهِ وعليه عَمَلُ الناسِ والحاجةُ دَاعِيَةٌ إِلَيهِ، وَعُرُوْضٍ، أي مثليًّا كان أو متقوِّمًا لاختلاف قيمته.
فَرْعٌ: لا يجوزُ جَعْلُ المنافعَ رَأْسُ مَالِ قِرَاضٍ كَسُكْنَى الدَّارِ وَهُوَ أَوْلَى مِنَ الْعَرْضِ.
وَمَعْلُومًا، أي قدرًا وصفةً، فلا يجوز على دراهم مجهولةِ القدرِ أو الصفةِ للجهل بالربح بخلاف رأس مالِ السَّلَمِ؛ لأنه لم يوضع على الفسخِ بخلافهِ، مُعَيَّنًا، أي فلو قال: على ألف درهم ولم يُعَيِّنْهُ لم يَصح إذا لم يُعَيِّنْهُ في المجلسِ، فإنْ عَيَّنَهُ فيه، فمقتضى كلام الشرح الصغير ترجيحُ الجوازِ، ولا يجوز أن يعارضَهُ على دَينٍ أيضًا كما سلف، وَقِيلَ: يَجُوزُ عَلَى إِحْدَى الصُّرَّتَينِ، أي بأن أحضرهما وفي كل منهما ألف مثلًا، وقال: قَارَضْتُكَ عَلَى أحَدِهِمَا لِتَسَاويهِمَا، والأصحُّ: المنعُ؛ لعدم التعيين كما في البيع، وَضَبَطَ المُصَنِّفُ بِخَطِّهِ الصُّرَّتَينِ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ بَعْدَ الصَّادِ فَإِيَّاكَ أنْ تُصَحِفَهُ، وَمُسَلَّمًا إِلَى الْعَامِلِ، أي بحيث يستقلُّ باليدِ عليه والتصرفُ فيهِ.
فَلَا يَجُوزُ شَرْطُ كَوْنِ الْمَالِ فِي يَدِ الْمَالِكِ، أن يُوَفى الثمن إذا اشترى العاملُ شيئًا، لأنه قد لا يجده عند الحاجة، وَلَا عَمَلِهِ، أي عَمَلَ الْمَالِكِ، مَعَهُ، لأن وضع القراض؛ مالٌ من المالك وعملٌ من العاملِ، فالجمع بينهما على ربِّ المال ينافي مقتضاه، لأن بعض الربح يكون له بعمله وبماله.
стр. 907
وَيَجُوزُ شَرْطُ عَمَلِ غُلامِ الْمَالِكِ مَعَهُ، أي وهو معروف بشخصهِ أو صفتهِ، عَلَى الصَّحِيحِ، لأن غلامَهُ مالُهُ فجازَ أنْ يُجْعَلَ تَابِعًا لِمَالِهِ؛ وخالف عمل المالك إذ لا وجه لجعله تابعًا، والثاني: لا يجوز، لأنَّ عملَهُ كَعَمَلِ سَيِّدِهِ وَهُوَ الْقِيَاسُ. ومحل الخلاف إذا لم يشترط مراجعة الغلام في التصرف، فإنْ شَرَطَ فَسَدَ الْعَقْدُ قطعًا، وكذا لو شَرَطَ كَوْنَ الْمَالِ فِي يَدِهِ.
وَوَظِيفَةُ الْعَامِلِ التِّجَارَةُ وَتَوَابِعُهَا كَنَشْرِ الثِّيَابِ وَطَيِّهَا، أي وذرعها وإدراجها في السِّفْطِ وإخراجها وما سيأتي في أثناء الباب، لأنَّ الإطلاقَ يُحْمَلُ عَلَى الْعُرفِ وهو قاضٍ بذلكَ، فَلَوْ قَارَضَهُ لِيَشْتَرِيَ حِنْطَةً فَيَطْحَنُ ويخْبِزُ، أَوْ غَزْلًا يَنْسُجُهُ وَيَبِيعُهُ فَسَدَ الْقِرَاضُ، لأنَّ الْخَبْزَ وَالطَّحْنَ وَنَحْوهِمَا أَعْمَالٌ مضبوطةٌ يمكن الاستئجارُ عَلَيهَا فلا ضرورة إلى ارْتِكَابِ جَهَالةٍ مُسْتَغْنىً عَنْهَا، فلو شرط أن يستأجرَ العاملُ من يفعلَ ذلك من مالِ القراضِ وحَظٌّ العاملِ التَّصَرُّفُ فقطْ فَالْعِلَّةُ مفقودةٌ: فيظهر في هذه الحالة الجواز كما قاله في المطلب.
وَلَا يَجُوزُ أنْ يَشْرِطَ عَلَيهِ شِرَاءَ مَتَاعٍ مُعيَّنٍ، أي كَهَذِهِ السِّلْعَةِ، أَوْ نَوْعٍ يَنْدُرُ وُجُودُهُ، كَالْخَيلِ الْبُلْقِ وَالْيَاقُوتِ الأَحْمَرِ، أَوْ مُعَامَلَةَ شَخْصٍ، لإخلاله بالمقصودِ، لأَنَّ المُعَيَّنَ قَدْ لَا يَرْبَحُ وَقَدْ لَا يَجِدُ النَّادِرَ؛ وَالشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ قَدْ لَا يُعَامِلُهُ، وقد لا يجدُ عندهُ مَا يُتَوَهَّمُ حُصُولُ الرِّبْحِ فِيهِ أو لا يبيع إلا نثمن غال، أما إذا لم يَنْدُرْ ودام شتاءً وصيفًا كالحبوبِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ جزمًا، وكذا إذا لم يَدُمْ كالثمارِ الرَّطِبَةِ على الأصحِّ.
فَرْعٌ: لا يشترطُ تعيينُ نوعٍ يتصرفُ فيه على الظاهرِ بخلافِ الوكالةِ، وقال المتولي: إن مقابلَهُ ظاهرُ المذهَبِ.
وَلَا يُشرَطُ بَيَان مُدَّةِ الْقِرَاضِ، أي بخِلافِ الْمُسَاقَاةِ كما سيأتي بم لأَنَّ مَقْصُودَهَا زَهْوُ الثَّمَرَةِ وتنضبطُ بِالْمُدَّةِ بِخِلافِهِ، فإنَّ الربحَ المقصودَ من القِراضِ لا ينضبطُ وقتُهُ فَالتَّأقِيتُ يُفْسِدُهُ، فَلَوْ ذَكَرَ مُدَّةً وَمَنَعَهُ التَّصَرُفَ بَعْدَهَا، أي مطلقًا أو من البيع،
стр. 908
فَسَدَ، لإِخْلالِهِ بِالْمَقْصُودِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَجِدُ رَاغِبًا فِي الْمُدَّةِ فَلَا تَحْصُلُ التِّجَارَةُ وَالرِّبْحُ، وخرج بقوله (بَعْدَهَا) ما إذا ذكر مُدَّةً وَمَنَعَهُ التَّصَرُّفَ قَبْلَهَا، كما إذا قارضه في الحالِّ وعلَّقَ التَّصَرُّفَ عَلَى مُضِيِّ شَهْرٍ مَثَلًا، لكن الأصح فيه البطلانُ، كما لو قال: بِعْتُكَ وَلَا تَمْلِكُ إِلَّا بَعْدَ مُضِيِّ شَهْر؛ وقيل: يصح كالو كالة، وَإنْ مَنَعَهُ الشِّرَاءَ بَعْدَهَما، أي دون البيع، فَلَا فِي الأَصَحِّ، لأنَّ الْمَالِكَ يَتَمَكَّنُ مِنْ مَنْعِهِ مِنَ الشِّرَاءِ مَتَى شَاءَ بِخِلافِ الْبَيعِ، والثاني: نعم. لأنَّ ما وَضَعَهُ على الإطلاقِ من العقود لا يجوزُ فيهِ التوقيت، وصَحَّحَهُ الغَزاليُّ، وإذا قلنا بالأولِ فالشرطُ كما قال الإمام: أَنْ يَذْكُرَ وَقْتًا يَتَأَتَّى فِيهِ الانْبِسَاطُ فِي الشِّرَاءِ عَلَى مُوَافَقَةِ غَرَضِ الاسْتِرباحِ، حَتَّى لَوْ قَال: قَارَضْتُكَ عَلَى أَنْ تَشْتَرِىَ فِي سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ مَنَعَهُ مِنَ الشِّرَاءِ بَعْدَهَا وَسَكَتَ عَنِ الْبَيعِ فَمُقْتَضَى إِطْلاقِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَفسَدُ، ومقتضى ما في الشرحين والروضة الْفَسَادُ، لأَنَّهُمَا قَيَّدَاهُ بِمَا إِذَا مَنَعَهُ مِنَ الشِّرَاءِ وَصَرَّحَ بِجَوَازِ الْبَيعِ كَمَا قَيَّدْتُ بِهِ كَلامَ الْمُصَنِّفِ، قَال صَاحِبُ الْمَطْلَبِ: وَالْخِلافُ يَظْهَرُ جَرَيَانُهُ مُطْلَقًا وَإِن سَكَتَ عَنِ الْبَيعِ.
فَرْعٌ: لَو اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ قَارَضْتُكَ سَنَةً فَسَدَ فِي الأَصَحِّ، لأَنَّ ظَاهِرَهُ انْتِهَاءُ الْقِرَاضِ.
قَاعِدَةٌ: لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ القِرَاضِ كَغَيرِهِ مِنَ الْعُقُودِ.
وَيُشْتَرَطُ اخْتِصَاصُهُمَا بِالرِّبْحِ، أي فلا يجوزُ شرط شيءٍ منه لثالثٍ؛ لأنه ليس بعاملٍ ولا مالكٍ للمالِ؛ إلَّا أنْ يشترطَ عليهِ الْعَمَلَ مَعَهُ؛ فيكونُ قِراضًا مع رجلينِ، قال الماوردي: إلَّا أنْ يتصادقَا على أنَّ ما سُمِّيَ لغيرهِمَا هُوَ لِرَبِّ الْمَالِ وذكرَ اسْمَهُ اسْتِعَارَةً، وَاشْتِرَاكُهُمَا فِيهِ، أي ليأخذ المالكُ بِمِلْكِهِ وَالْعَامِلُ بِعَمَلِهِ، وَلَوْ قَال: قَارَضْتُكَ عَلَى أَن كُلَّ الرِّبْحِ لَكَ فَقِرَاضٌ فَاسِدٌ، نظرًا إلى اللفظِ، وَقِيلَ: قِرَاضٌ صَحِيحٌ، نظرًا إلى المعنى، وَإِنْ قَال: كُلَّهُ لِي فَقِرَاضٌ فَاسِدٌ، وَقِيلَ: إِبْضَاعٌ، لما ذكرناه من النظر إلى صِيَغِ العقودِ أو مَعَانِيهَا، وقوله (إِبْضَاعٌ) مَعْنَاهُ بِضَاعَةٌ جَمِيعُ
стр. 909
ربحِها لِرَبِّ المَالِ، والعاملُ وَكِيل مَتَبَرع، وعلى الأولِ لا يستحقُّ أُجرةَ مِثلَ تَصَرُّفِهِ على الأصح، لأنهُ عملَ مجانا كَمَا ذَكَرَهُ المصنفُ فِي الفصلِ الآتي، وكونُهُ معلُوما، أي ويشترط كون الاشتراك معلومًا فلا يجوز كرنه مجهولًا كما سيأتي، بِالْجُزئيةِ، أي كالنصف والثلثِ مثلًا، ويشترطُ كونُ العلم به من حيثُ الجُزْئيَّةِ لا من حيثُ التقديرِ فلو قال: لكَ من الربح أولى مِنْهُ درهم أو مائةٌ والباقي بيننا نصفين فَسَدَ الْقِرَاضُ، لأنه ربما لا يربحُ إلّا ذلك القدر فيختص أحدُكما بهِ، فلَوْ قَال: عَلَى أن لَكَ فيهِ شِركَة أَوْ نَصِيبا فَسَدَ، للجهل بالعوض، أوْ بَينَنَا فَالأصَحُّ الصّحةُ، ويكُون نِصفَينِ، كما لو قال: هذه الدارُ بَيني وَبَينَ فُلان، فإنها تجعل بينهما نصفين، والثاني: الفسادُ، لأنه يحتملُ أنه بينهما مناصفةً أو مثالثةً فكان مجهولًا فبطل، وَلَوْ قَال: لِيَ النِّضفُ، أي وسكت عن جانب العامل، فَسَدَ فِي الأصَحِّ، لأنه ذكر لنفسهِ بَعضَ الربْح الذِي هُوَ مَالِك لِجَمِيعِهِ، فلم يكن فيه بيان ما للعامل، والثاني: يَصِحُّ حملًا على موجب القراض من اشتراكهما في الربح، فَبَيَانُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا يُظْهِرُ الآخَرَ، كقوله تعالى ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمهِ الثلُثُ﴾ (١٦٢) فإنَّ فيه دلالة على أن الباقي للأبِ، وَإِن قَال: لَكَ النِّصفُ، أي وسكت عن جانبه، صَح عَلَى الصحِيح، لأنَّ الربْحَ نَمَاءُ المَالِ فمقتضاهُ أَنَّ جميعَهُ لِرَبِّ الْمَالِ، فإذا شَرَطَ لِلْعَامِلِ مِنْهُ شَيْء معلوم بَقِيَ الباقي لمالك الأصلِ، والثاني: لا يصح، لأنه لم يُبَيِّنْ مَا لَهُ مِن المالِ. وَلَوْ شَرَطَ لأحَدِهِمَا عَشْرَةً أَوْ رِبحَ صِنفٍ فَسَدَ، لأنُّ الربحَ قد ينحصرُ في العشرةِ أو في ذلك المصنف فَيُؤَدِّي إلى أَنْ يفوزَ أحدُهُما بربح الجميع وهو خلاف وضع القراض.
فَصل: يُشْتَرَطُ إيجَاب وَقبول، كما في سائر العقود وَتَسَمَّحَ المصنفُ بقوله (يُشْتَرَطُ) فإنهما رُكنانِ وما أحسنَ قولَ الْمُحَرَّرِ: لَا بُدَّ فِي الْقِرَاضِ مِنْهُمَا لدلالة (فِي) على الدخُولِ فِي الْمَاهِيَّةِ، وَقِيلَ: يَكْفِي الْقَبُولُ بِالْفعلِ، أي فيما إذا قال: خُذْ هذِهِ الدَّرَاهِمَ واتجر فِيها عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَينَنَا كَذَا، فَأخَذَ كالوكالةِ والْجُعَالةِ والأصَحُّ
стр. 910
المنعُ بخلافِهِمَا. لأنَّ الْقِرَاضَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مُختصٌّ بِمُعيَنٍ. أمَّا لفظُ القِرَاضِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُعَامَلَةِ فلا بُدَّ من اشتراطِ القبول اللفظيِّ فيها كما اقتضاهُ كلامُ الشرحَينِ وَالْمُحَرَّرِ وَالروْضَةِ لأنَّ هذِهِ الصِّيغَةَ تَقتضي الْمُفَاعَلَةَ، وَشَرطُهُمَا، يعني المالك والعامل، كَوَكِيلٍ وَمُوَكِّلٍ، لأن القراض توكيل وتوكلٌ فَاعتُبِرَ فِيهِمَا مَا اعتُبِرَ فِي الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ فلا يصح أنْ يُقَارِضَ سفيهٌ وَلَا صَبِي ولا أن يُقَارَضَ، وأمَّا الْمَحجُورُ عَلَيهِ بِالْفلس فلا يصح أن يُقَارَضَ ويصح أنْ يَكُونَ عَامِلًا.
فَرعٌ: يجوز لولي الطفلِ وَالْمَجْنُونِ أَنْ يُقَارَضَ بِمَالِهِمَا أَبًا كَانَ أَوْ غَيرَهُ.
فرعٌ: لا يصح أنْ يُقَارَضَ الْعَبْدُ الْمأذُونِ بِغَيرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ وَلَا يُقَارِضَ.
وَلَوْ قَارَضَ الْعَامِلُ آخَرَ بإِذْنِ الْمَالِكِ لِيُشَارِكَهُ فِي الْعَمَلِ وَالربْح لَمْ يَجُزْ في الأصَح، لأنه خلافُ موضوعِهِ، والثاني: يجوز كما لو قَارَضَ المالكُ شَخْصَينِ في الابتداء وهو قويٌّ. واحترز بالمشاركة عما إذا أَذِنَ لَهُ في ذلكَ على أن يَنْسَلِخَ هُو من القرَاضِ ويكونَ وكيلًا فيهِ عن الالكِ، والعاملُ هو الثاني؛ فإنه يصح جزمًا كما لو قَارَضَهُ المالكُ بِنَفْسِهِ، وَبِغَيرِ إِذْنِهِ فَاسِدٌ، لأنَّ الالكَ لم يأذن فيهِ ولم يَأتمِنْ على المالِ غيرَهُ، فَكان تَصرفَ الثانِي فَتَصَرُّفُ غَاصِبٍ، لما قلناه، فَإنِ اشْتَرَى فِي الذِّمةِ، أي وَسَلمَ الْمَغْصُوبَ فيما الْتَزَمَهُ وَرَبِحَ، وَقُلْنَا بِالْجَدِيدِ، أَي وَهُوَ أنَّ الرِّبْحَ كلَّهُ لِلْغَاصِبِ، لأَنَّ التصَرُّفَ صَحِيحٌ وَالتسْلِيمَ فَاسِدٌ، فيضمن المال الذِي سَلمَهُ وَيَسْلَمُ لَهُ الربْحُ وهذا الجديد لَمْ يُقَدّم المصنفُ لَهُ ذِكْرًا حتى يُفَرِّعَ عَلَيهِ، وأما الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ فَوَضَّحَ ذَلِكَ، فَالرِّبْحُ الْعَامِلِ الأؤلِ فِي الأصَح، لأن الثاني تَصَرَّفَ بِإِذْنِهِ كالوكيل، وَعَلَيهِ لِلثانِي أجْرَتهُ، لأنه لم يعمل مجانًا. وَقِيلَ: هُوَ لِلثانِي، لأنهُ المتصرفُ كالغاصِبِ، ومقابل الجديد قولٌ قديمٌ أنَّ الربحَ للمالكِ. وَإن اشْتَرَى بِعَينِ مَالِ الْقِرَاضِ لَباطِلٌ، لأنهُ فُضُولي.
ويجُوزُ أَن يُقَارِضَ الْوَاحِدُ اثْنَينِ مُتَفَاضِلًا وَمُتَسَاويًا، لأن ذلك كَعَقْدَينِ، وَالاثنانِ وَاحِدًا، لأن ذلك أيضًا كَعَقْدَينِ، وَالربحُ بَعدَ نَصِيبِ الْعَامِلِ بَينَهُمَا
стр. 911
بِحَسَبِ الْمالِ، أي كما إذا كان المالُ بينهما نِصفَينِ وَشَرَطَا للعاملِ نصف الربح وباقيه لهما بالسوية، ولو شرطاه لا على نسبةِ الْمَالينِ لَم يَصح، وَإِذَا فَسَدَ القِرَاضُ نَفَذَ تَصَرُّفُ الْعَامِلِ، لوجود الإذن كما في الوكالة الفاسدة، وَالربحُ لِلمَالِكِ، أي بكماله لأنه نماءُ مِلْكِهِ، وَعَلَيهِ لِلعَامِلِ أجْرَةُ مِثلِ عَمَلِهِ، لأنه عملَ طَامِعًا في الْمُسمَّى، فإذا فات وحب ردُّ عمله وهو متعذرٌ فتجب قيمتُهُ، إلا إِذَا قال: قارَضْتُكَ وَجَمِيعُ الربح لِي، فَلا شَيءَ لَهُ فِي الأصَحِّ، لأنه عمل راضيًا بأنه لا شيءَ لَهُ، والثاني: يرجع بأجرة المثل كسائر صُوَرِ الفَسَادِ وَصَححَهُ ابنُ الرّفْعَةِ.
فَصل: وَيَتَصَرَّف العَامِلُ مُختَاطًا لَا بِغبنٍ، أي فاحش كما ذكره في الوكالة كالوكيل، وَلَا نَسِيئَةٍ، كما قلناهُ، بِلا إِذْن، لأن المنعَ لَحِقَهُ وَقَد زَال بِإِذْنِهِ، وَلَهُ الْبَيعُ بِعرضٍ، وَلَهُ الرَّدُّ بِعَيبٍ تَقْتَضِيهِ مَصلَحَة، أي بخلاف الوكيل. ومنع ابن الصباغ والروياني وغيرُهما من البيع بغيرِ نقدِ البلدِ، وفيه نظر، فإن الغرضَ حُصُولُ الرئع ولهذا يشتري المعيب، اللهُمَ إلا أنْ يُقَال لَا رَوَاجَ بغَيرِ نَقْدِ البَلَدِ فَيَتَعَطلُ الربحُ بِخِلافِ الْعرضِ، فَإنِ اقْتضت الإِمسَاكَ فَلَا فِي الأَصَحّ، لإخلالهِ بِالمَقْصُودِ، والثاني: نعم؛ كالوكيل، وهُو ظَاهِرُ نَصِّهِ في المُختصَرِ وَهُوَ مُتجِهٌ، وَللمَالِكِ الرد، أي حيثُ يجوز للعامل بطريق أَوْلى، فَإِنِ اختَلَفَا، أي هُو والمالكُ في الرَّد بالعيبِ، عُمِلَ بِالْمَصلَحَةِ، لتعلق حَق الآخَرِ بِها، وَلَا يُعَامِلُ المَالِكَ، لأن المال ملكَهُ كالعبدِ المَأذُونِ، وَلَا يَشرِي لِلْقِرَاضِ بِأكثَرَ مِنْ رَأسِ المَالِ، لأن المالِكَ لم يرضَ بأن يشغل العامل ذمَّتَهُ إلا بِهِ، فَإنْ فَعَلَ لَم يَقع مَا زَادَ عَنْ جِهةِ الْقِرَاضِ، وَلَا مَنْ يَعتِقُ عَلَى المَالِكِ بِغَيرِ إِذْنِهِ، أي كأصوله وفي وعه، لأَنهُ خُسْرَان كُلُّهُ فَكان أذِنَ صَح، وَكَذَا زَوجُهُ فِي الأصَحّ، للضَّرَرِ بِرَبّ الْمَالِ بِسَبَبِ انْفِسَاخ نكاحهُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الإملاءِ، والثاني: يجوز لأنه قد يكون مريحًا، وقوله (زَوْجُهُ) يشمل الذكر والأنثى، وَلَوْ فَعَلَ، أي مَا مُنِعَ مِنْهُ وَهُوَ شِرَاءُ الْقَرِيبِ وَالزوج، لَمْ يَقع لِلْمَالِكِ، ويقَعُ لِلْعامِلِ إِنِ اشترَى فِي الذَّمةِ، أي إذا لم يصرح بالسفارةِ، فإنْ صَرحَ بها فوجهان في الكفاية، واحترز بِالذمَّةِ عَنِ العَينِ فإنه باطل من أصله كما تقدم أيضًا.
стр. 912
وَلَا يُسَافِرُ بِالمَالِ بِلا إِذْنِ، أي وَإِنْ كَانَ السَفَرُ قَرِيبًا وَالطرِيقُ آمِنًا وَلَا مُؤنَةَ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخَطَرِ وَالتعَرض لِلْهلاكِ، ولا يجوز لهُ رُكُوبُ البحرِ إلا أَنْ ينصَّ عليه قالهُ في الروضة، وَلَا يُنفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ حَضَرًا، لاقتضاء العرف ذلكَ. وَكَذَا سَفَرًا فِي الأظْهرِ، كالحَضَرِ، والثاني: يُنْفِقُ ما يزيدُ بِسَبَبِ السَّفَرِ، لأنهُ حَبَسَهُ عنِ التَّكَسُّبِ بِالسَفَرِ لأجْلِ القِرَاضِ فأشبه حَبْسَ الزَّوْحَةِ بِخِلافِ الحَضَرِ.
وَعَلَيهِ فعلُ مَا يُعتَادُ كَطَيِّ الثوبِ؛ وَوَزْنِ الْخَفِيف كَذَهب وَمِسك، لأن العُرفَ قاض بِهِ كما تقدم أيضًا في أوائل الباب، لَا الأمتِعَةِ الثقِيلَةِ وَنَحوُهُ، أي كنقل المتاع من الخانِ إلى الحانوتِ لجَرَيَان العرفِ بالاستئجارِ لذلكَ، وَمَا لَا يَلْزَمه لَهُ الاسْتِئْجَارُ عَلَيهِ، أَي مِنْ مَالِ القِرَاضِ؛ لأنهُ مِنْ تَتمَةِ التجَارَةِ وَمَصَالِحِها فَلَو تَوَلاهُ بِنَفْسِهِ فَلَا أجْرَةَ لَهُ، أَمَّا مَا يَلْزَمُهُ فَلَهُ الاسْتئْجَارُ عَلَيه أَيضًا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الإِمَامُ فِي آخِرِ الْوَصِيَّةِ لكن الأجرةُ عَلَيهِ.
فَصل: وَالأظهر أن الْعَامِلَ يَملِكُ حِصتَهُ مِنَ الربْح بِالقِسمَةِ لَا بِالظُّهُورِ، لأنه لَوْ مَلَكَها قَبْلَ القِسمَةِ لَصَارَ شَريكًا لِلمَالِك حَتى لَوْ هلَكَ شَيء مِنْهُ هلَكَ مِنَ المَالينِ، وَلَيسَ كَذَلِكَ؛ بَلِ الربحُ وقَايَة لِرَأسِ المَالِ، والثاني: أَنهُ يَملِكُها بِالظهُورِ كَرَبِّ المَالِ، وقياسًا على المُسَاقَاةِ، وقد فَرعَ المصنفُ على الخلافِ في بابِ زكاةِ التجارةَ زكاةَ مَالِ القِراضِ فَرَاجِعهُ، وإذا قُلنا بالثاني؛ فليس مِلكًا مُستقرًا، نَعَم؛ في حصولِ الاستقرارِ بارتفاع العقدِ ونضوضِ المالِ مِنْ غيرِ قسمةِ، وجهان أصَحهُمَا نَعَم؛ فلو اقتسما الربحَ بالتراضِي قَبْلَ فَسخ العَقْدِ لَم يَحصَلِ الاسْتِقْرَارُ بَلْ يحصُلُ خُسْرَان بَعدَهُ؛ كَانَ عَلَى الْعَامِلِ جَبْرُهُ بِمَا أَخَذَ، وإذا قلنا بالأول فله فيهِ حق مؤكد حتى يورثَ عَنْهُ. وثمار الشَّجَرِ؛ وَالنتاج؛ وَكَسبُ الرقِيقِ؛ وَالمَهرُ الحَاصِلَةُ مِن مَالِ القِرَاضِ يَفُوزُ بِها الْمَالِكُ، لأنها ليسَت مِنْ فَوَائِدِ التجَارَةِ، وَقِيلَ: مَالُ قِرَاض، لأنها حَاصلَة بِسَبَبِهِ، وَبهذَا جَزَمَ الإمَامُ، وَتَوَابِعُهُ أَنها مِنْ فَوَائِدِهِ فَهِىَ مِنَ الربح عَلَى الأصح، وَالنْقصُ الحَاصِلُ بِالرُخْصِ مَحسُوب مِنَ الربح مَا أَمكَنَ وَمَجبورٌ بِهِ،