الذي باشره الوكيل فيلغو، إذا بطل فالجارية للبائع وعليه ردّ ما أخذ، وَإِن كَذْبَهُ، يعني البائع بأن قال: إنما اشتريت لنفسك والمال لك، حَلَفَ عَلَى نَفْي الْعِلْمِ بِالْوَكَالةِ، أي إن ادعى الوكيل علمه بها، وَوَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ، أي ظاهرًا وسلم الثمن المعين إلى البائع وعزم الوكيل بدله للموكل، وَكَذَا إِنِ اشْتَرَى فِي الذّمِّةِ وَلم يُسَم الْمُوَكلَ، أي ولكن نواه فالجارية للوكيل والشراء له ظاهرًا، وظاهر كلام المصنف وغيره أنه لا فرق في وقوع العقد للوكيل بين أن يصرح بالسفارة أم لا، ولا بين أن يُصَدِّقَ البَائِعُ الْمُوَكَّلَ أو يكذبه، وَكَذَا إِن سماه، وَكَذَّبَه الْبَائِعُ، أي بأن قال: أنت مبطل في تسميته، فِي الأصَحِّ، كما لو اقتصر على النيّة، والثاني: أن الشراء يبطل من أصله، وَإِن صَدَّقَهُ بَطَلَ الشّرَاءُ، لاتفاقهما على وقوع العقد للموكل وثبوت كونه بغير إذنه بيمينه.
وَحَيثُ حُكِمَ بِالشِّرَاءِ لِلوَكِيلِ، يستحب لِلْقَاضِي أَن يَرفُقَ بِالْمُوَكِّلِ، أي يتلطف به، لِيَقُولَ لِلْوَكِيلِ: إِن كُنْتُ أَمَرتُكَ بِعِشْرِينَ فَقَد بِعتُكَها بِها، ويقُول هوَ: اشْتَرَيتُ لِتَحِلَّ لَهُ، أي باطنًا ولا يضر التعليق المذكور للضرورة إليه.
وَلَوْ قَال: أَتَيت بِالتصَرفِ الْمأذُونِ فِيهِ، وَأَنْكَرَ الْموَكِّلُ صُدقَ الْمُوَكلُ، لأن الوكيل أقر عليه بما يبطل عليه ملكه مع أن الأصل فيما ادعاه العلم، وَفِي قَوْلِ: الْوَكِيلُ، لأن الموكل أقامه مقام نفسه فَنَفَذَ قوله عليه فيما هو إليه وصححه جماعة، ومحل الخلاف ما إذا وقع قبل العزل؛ فإن وقع بعده فلا يقبل قوله إلّا ببينة قطعًا كما جزم به الرافعي، لأنه غير مالك للتصرف حينئذ، على أن كلام الماوردي يفهم جريان الخلاف مطلقًا، وَقَوْلُ الْوَكِيلِ فِي تَلَفِ المالِ مَقْبُولٌ بِيَمِينهِ، أي من غير ضمان كالْمُودَع، فإن أسنده إلى سبب ظاهر أقام البيّنة وحلف على التلف به كالمودع، وَكَذَا فِي الردّ، لأنه قبض العين لحق المالك كالودع، قال في المطلب: وهذا قبل العزل، وظاهر إطلاقَ المصنف تبعًا للرافعي عدم الفرق، وَقِيلَ: إن كَان بِجُعْلٍ فَلَا، لأنه قبض العين لمنفعة نفسه فأشبه المرتهن، والأصح: الأول؛ لأنه مؤتمن
стр. 842
من جهةٍ لا يضمن العين عند التلف فكان القول قوله في الرد كالمودع.
وَلَو ادَّعَى الرّدَّ عَلَى رَسُولِ الْمُوكلِ وَأَنْكَرَ الرسُولُ صُدِّقَ الرسولُ، لأنه لم يأتمنه فلا يقبل قوله عليه، وَلَا يَلْزَمُ الْمُوكّلَ تَصدِيقُ الوَكِيلِ عَلَى الصحِيح، لأنه يدعي الرد على من لم يأتمنه فليقم البيّنة عليه، والثاني: يلزمه، لأن يَدَهُ كَيَدِهِ وبه أفتى ابن الصلاح وقال: إذا ادعى أنه أشهد وضاعت الحجة فلا ضمان.
وَلَوْ قَال: قبضتُ الثمَنَ، وَتلف، وَأَنْكَرَ الْموَكّلُ، صدقَ الْمُوَكّلُ إِن كَان قَبْلَ تسْلِيمِ بالْمَبِيع، لأن الأصل لقاء حقه، وَإلا فَالْوكِيل عَلَى المَذْهبِ، لأن الموكل يدعي تقصيره وخيانته بالتسليم بلا قبض والأصل عدمه، وقيل: القول قول الموكل، لأن الأصل بقاء حقه، وقوله (عَلَى الْمَذهبِ) ينبغي عوده إليهما كما صرح به الرافعي.
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِقَضَاءِ دَينٍ، فَقَال: قَضيتُهُ وَأَنْكرَ الْمُسْتَحِق، صُدِّقَ الْمُستَحِق بِيَمِينهِ، لأن الأصلَ عَدَمُ الْقَضَاءِ، وَالأظهرُ أنهُ لَا يُصدَّقُ الوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكّلِ إلا بِبَيِّنَةِ، لأنه أمره بالدفع إلى من لم يأتمنه فكان من حقه الإشهاد عليه، والثاني: يصدق؛ لأنه أئْتمنهُ فأشبه ما لو ادعى الرد عليه، فعلى الأظهر ينظران ترك الإشهاد على الدفع، فإن دفع بحضرة الأصيل فلا رجوع للموكل عليه في الأصح؛ وإن دفع في غيبته رجع سواء صدقه الموكل بالدفع أم لا على الصحيح لتقصره. فلو قال: دفعت بحضرتك صدق الموكل بيمينه، حزم به الرافعي؛ لأن الأصل عدم الحضور عند الدفع، وقال ابن الصباغ: عندي أن القولَ قولُ الوكيلِ بيمينه كما لو ادَّعى الردَّ عليهِ وأنكرَ. وفرق بينه وبين دعوى القبض على أحد القولين؛ فإنه في القبض يثبت على الموكل حقًّا لغيره وهنا يسقط عن نفسه الضمان كذا ذكره المتولى.
وَقَيِّمُ الْيَتيمِ إِذَا ادَّعَى دَفْعَ الْمالِ إِلَيهِ بعدَ الْبُلُوغ؛ يَحتَاجُ إلَى بَينَةٍ عَلَى الصحِيح، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيهِمْ﴾ (١٣٥) فدل على
стр. 843
أنهم لو جحدوا لا بد من بينة، ويخالف الإنفاق فإنه يعسر إقامة البينة عليه. والثاني: يقبل قوله مع يمينه لأنه أمين، وتُحمل الآية على الإرشاد، ومراده بقيم اليتيم من يقوم بأمره أبًا كان أو جدًّا أو وصيًا أو حاكمًا، وقد فرضها الغزالي في الولي، والمصنف في الوصايا في الوصي وهنا في القيم.
وَليس لِوَكِيلٍ، وَلَا مُوَدَّعٍ، أَن يَقُولَ بَعدَ طَلَبِ الْمالِكِ: لَا أَرُدُّ المال إلا بإِشْهاد فِي الأصَحِّ، لأن قوله في الرد مقبول فلا حاجة إليه، والثاني: له ذلك تحرزًا من الاختلاف، والثالث: إن اقتضى الإشهاد تأخير التسليم فليس له وإلّا فلا، والرابع: إن كان قبضها بالإشهاد فله وإلا فلا، وَللْغَاصِبِ وَمَنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرّدّ ذلِكَ، أي إن كان عليه بيّنة بالأخذ قطعًا؛ لأنه يحتاج إلى بيّنة الأداء، وكذا إن لم تكن على ما صححه البغوي وأورده أكثر المراوزة والماوردي فإن قوله في الرد غير مقبول، والذي أورده العراقيون أنه ليس له ذلك، لأنه يمكنه أن يقول ليس له عندى شيء؛ ويحلف؛ ولا يبعد أن يقال؛ ليس للغاصب التأخير إلى الإشهاد؛ لأن التوبة والرد واجبان في الحال.
فَرعٌ: المديون في هذا الحكم كمن لا يقبل قوله في رد الأعيان إليه.
وَلَوْ قَال رَجُل: وَكْلَنِي المُستَحِق بِقَبضِ مَا لَهُ عِنْدَكَ مِن دَينٍ أَوْ عَينٍ وَصَدَّقَهُ، أي الذي عنده المال، فَلَهُ دَفْعُهُ إِلَيهِ، لأنه محق بزعمه، وَالْمَذْهبُ: أنه لَا يَلْزَمُهُ، يعني الدفع، إلا بِبينَةِ عَلَى وَكَالتِهِ، لاحتمال إنكار الموكل، وقال المزني: يلزمه لاعترافه وأخذه من نَصِّهِ فيما إذا ادَّعى وارثه، والصحيح تقرير النصين، والفرق أن في اعترافه بالإرث صار الحق للوارث وحصل اليأس عن التكذيب بخلاف تلك، واحترز بقوله (وَصَدَّقَهُ) عما إذا كَذبَهُ؛ فإنه لا يكلف الدفع إليه قطعًا.
وَلَوْ قَال: أَحَالنِي عَلَيكَ، وَصَدَّقَهُ وَجَبَ الدفْعُ فِي الأصَحِّ، كالوارث فإنه اعترف بانتقال الحق إليه، والثاني: لا يجب، لخوف إنكار المستحق، واحترز بقوله (وَصَدَّقَهُ) عمَّا إذا كَذَّبَهُ ولم تكن بينة، فله تحليفُهُ إنْ ألزمناه الدفعَ وإلا فكما سبق
стр. 844
في الوكيل. قُلْتُ: وإن قَال أَنَا وَارِثُهُ، أي ولا رارث له غيري، وَصَدقَهُ وَجَبَ الدفْعُ عَلَى الْمَذْهبِ، وَالله أعلَمُ، لاعترافه بانتقال الحق ويأسه عن الإنكار؛ وفيها قول مخرج من دعوى الوكالة كما تقدم قربيًا، وقد سبق الفرق، وأن المذهب تقرير النصين، وقيل: قولان فيهما.
فُرُوعٌ مَنثورَة نَخْتِمُ بِها البَابَ: لو وكله فِي التزويج من زيد فزوج من وكيل زيد صح بخلاف البيع؛ فإنه يَقْبَلُ نقلَ الملك بخلافه قاله في البيان. ولو ادّعى الوكيل الوكالة فصدقهُ الخصم؛ فمذهب الشافعي كما قال الروياني: إن الحاكمَ لا يسمع مخاصمتها لما فبه من إثبات الحجة على صاحبها خلافًا لابن سُريح، ولو وكلَ في طلاق واحدةٍ من نسائه لم يجز حتى يُعَيِّنَ وفيه احتمال للروياني. ولو وكله بمطالبة زيد بحق، قال الروياني: ظاهر المذهب أن له قبضه. ووجه مقابله: أنه قد يرتضيه للطلب لا للقبض.
стр. 845
كتاب الإقرار
الإقرَارُ: هو في اللغة الإثْبَاتُ، وفي الشَّرع إِخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ (١٣٦). والأصلُ فيه قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ (١٣٧) وقوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ (١٣٨) وقوله ﷺ : [اُغْدُ يَا أُنَيس إِلَى امرَأَةِ هذا؛ فَإِنِ اعتَرَفَتْ فَارجُمها] متفق عليه (١٣٩) والإجماع أيضًا.
стр. 846
يَصِح مِنْ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ، بالاتفاق ويستثنى المكره كما سيأتي، وَإِقْرَارُ الصبِي وَالمَجْنُونِ لاغٍ، أي كتصرفهما، وسواء في الصبي المراهق وغيره، أذِنَ الوَليُّ أم لَمْ يَأذَنْ، وإن كانت عبارته معتبرة في اختيار أحد أبويه كما ذكره المصنف في بابه؛ وفي دعواه استعجال الإنبات بالدواء نص عليه، وفي الإذن في الدخول وإيصال الهدية كما سلف في الوكالة، وَنُصَحِّحُ إقرارهُ بالوصية والتدبير إذا صححناهما منه، وقضيته أن يلحق بهما إقرار بالإسلام إذا صححناه منه كما قال ابن الرفعة، فَإِنِ ادَّعَى الْبلُوغَ بِالاحتلامِ مَعَ الإِمكَانِ، أي بأن يكون في سن تحتمل سن البلوغ، صُدِّقَ، وكذا دعوى الصبية بلوغها بالحيض مع إمكانه، لأنه لا يعرف إلا من جهتها، والمراد بالاحتلام خروج المني كيف كان، وَلَا يُحَلفُ، لما ذكرناه من أن ذلك لا يعرف إلا جهتهما، وَإِنِ ادعَاهُ بِالسِّنِّ طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ، لإمكانها وكذا لو كان غريبًا خامل الذكَرِ على الأصح لإمكانها في الجملة.
فَرعٌ: لو أقرَّ بعد بلوغه ورشده أنه أتلف في صباه مالًا لزمه الآن قطعًا كما لو قامت به بيِّنة.
فَرع: يلتحق بالمجنون المغمى عليه ومن زال عقله بسبب يعذر فيه، وفيما لا يعذر فيه الخلاف الآتي في الطلاق.
وَالسفِيهُ وَالْمُفْلِسُ سَبَقَ حُكْمُ إِقْرَارِهِمَا، أي فِي بابيهما واضحًا كما تقدم، وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الرقِيقِ بِمُوجِبِ، أي بكسر الجيم، عُقُوبَةٍ، أي كالزنا؛ والقصاص؛ ونحوهما كالبيِّنة، بل هو أَوْلى لِبُعدِ التُّهْمَةِ.
стр. 847
فَرعٌ: لو أقرَّ بسرقةٍ توجب القطع؛ قُبلَ مِنهُ قطعًا؛ لا في المال على الأظهر.
وَلَوْ أَقَرَّ بِدَينِ جِنَايَةٍ لَا تُوجِبُ عُقُوبَةً، أي كجناية خطأ، فَكَذَّبَه السَّيِّدُ، تَعَلقَ بِذِمتِهِ دُون رَقَبتِهِ، للتهمة، فيتبع به إذا عُتق، واحترز بقوله (لَا تُوْجِبُ عُقُوبَةً) عن الفرع الذي قدمته آنفًا، وبقوله (فَكَذبهُ) عما إذا صدَّقَهُ فإنه يتعلق برقبته ويباع إلّا أن يفديه بأقل الأمرين من قيمته، وَقَدَّرَ الدَّين على الأصح، وإذا بيع فبقى شيء من الدَّينِ؛ فالأظهر: أنه لا يتبع به إذا عتق، وَإنْ أَقَرَّ بِدَيْنِ مُعَامَلَةٍ، لَم يُقْبَل عَلَى السيدِ إِن لَم يَكُن مَأذُونا لهُ فِي التجارَةِ، أي بل يتعلق المقر به بذمته يُطَالبُ به إذا عتق سواء صدقهُ السيدُ أَم لَا؟ لتقصير من عامله بخلاف الجناية، ويقْبَلُ إِن كَان، لقدرته على إنشائه، قال الرافعي: إلّا أن يكون مما لا يتعلق بالتجارة كالقرض، ويؤدي مِنْ كَسبِهِ وَمَا فِي يَدِهِ، لما سلف في بابه حيث ذكره.
ويصِحُّ إِقْرَارُ المَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ لأجْنَبِيٍّ، بالإجماع كما ادعاه الغزالي، قال القفال: ولو أراد الورثة تحليف المُقَرِّ لَهُ على الاستحقاق لم يكن لهم ذلك، وَكَذَا لِوَارِثٍ عَلَى الْمَذهبِ، كالأجنبي، والثاني: لا تقبل؛ للتهمة في حرمانه بعض الورثة، والطريق الثاني: القطع بالأول، واختار الروياني مذهب مالك؛ وهو: أنه إن كان متهمًا لم يقبل إقرارُهُ؛ وإلا فيقبل؛ ويجتهد الحاكمُ في ذلك لفساد الزمان.
وَلَوْ أقَرَّ في صِحتِةِ بِدَينٍ، وَفِي مَرَضِهِ لآخَرَ لم يُقَدّمِ الأولُ، بل هما سواء كما ثبتا بالبيّنة، وَلَوْ أقر فِي صِحتِهِ أوْ مَرَضِهِ، أي بدين، وَأَقَر وَارِثُهُ بَعدَ مَوتهِ لآَخَرَ، لَم يُقدمِ الأولُ في الأصَحِّ، لأن الوارث يقوم مقامه فصار كما لو أقر بدينين، والثاني: يقدم ما أقر به المورث لأن بالموت تعلق بالتركة، فلا يتمكن الوارث من صرفها عنه.
وَلَا يَصحُّ إِقرَارُ مُكْرَهٍ، كسائر تصرفاته، وَاعلَم: أنه بقي من المحجور عليهم المرتد، وإقراره في بدنه لازم، وكذا في ماله قبل الحجر عليه وبعده إن قلنا حجره كحجر المرض، فإن قلنا كحجر السفه ففي صحة إقراره وجهان.
стр. 848
فصلٌ: ويشْتَرَطُ فِي الْمقَرِّ لَهُ أَهلِيَّةُ استِحقَاقِ الْمُقَر بِهِ، أي وإلّا كان الكلام لغوًا، ويخرج بالأهلية ما لو أقر بدَين للغير عقب ثبوته بحيث لا يحتمل جريان ناقل فلا أثر لاستثناء صاحب التلخيص عوض البضع وأريق الجناية بل سائر الأعيان كذلك، حتى لو أعتق عبده ثم أقر له السيد أو غيره عقب الاعتاق بِدَين أوْ عَينٍ لم يصح، لأن أهلية الملك لم تثبت له إلَّا في الحال، ولم يجر بينهما ما يوجب المال، فَلَو قَال لِهذِهِ الدابَّةِ: عَلي كَذَا، فَلَغوٌ، لأنها لا تملك شيئًا ولا تستحقه، فَإن قَال: بِسَبَبها لِمَالِكها، وَجَبَ، حَملًا على أنه جنى عليها، أو إكراهًا، أما إذا اقتصر على قوله بسببها عَلَيَّ كذا! سُئِلَ وحكم بموجب بيانه قاله الرافعي.
وَلَوْ قَال: لِحملٍ هِنْدٍ كَذا، أي عليَّ أو عندي، بإرثٍ أو وَصيةٍ لَزِمَهُ، لإمكانه، وَإن أَسْنَدَهُ إِلَى جِهةٍ لَا تُمكنُ فِي حَقِّهٍ فَلَغو، أي بأن قال: باعني به شيئًا، لأنا نقطعُ بكذبهِ في ما ادعاه، وصحح الرافعي في شرحيه الصحة، لأنه عقبه بما هو غير مقبول فأشبه قوله على ألفٍ لا يلزمني، وإن أَطْلَقَ، يعني الإقرار فلم يسنده إلى جهة صحيحة أو فاسدة، صَحَّ في الأظهرِ، أي ويحمل على الجهة الممكنة في حَقِّهِ، وإن كانت نادرة؛ لأنَّ كلام المُكَلّف يُحمل على الصحة في الأقارير ما أمكن؛ وهو ممكن هنا لجواز ملكه بطريق صحيح أو وصية أو إرث، والثاني: أنه باطل، لأن المال في الغالب إنما يجب بمعاملة، وهي متعذرة أو جناية ولم تكن! فيحمل الإقرار على الوعد.
وَإِذَا كَذبَ المُقَرُّ لَهُ المُقرَّ، تُرِكَ المَالُ في يَدِهِ فِي الأصَح، لأنا لا نعرف مالكه، فذو اليد أولى الناس بحفظه، ومقتضى هذا أن يَدَهُ يَدُ اسْتِحفَاظ، وهو الأشبه؛ كما قال في المطلب، لا كما قاله في المهذب من أن يده يد ملك، والثاني: ينزعه الحاكم ويتولى حفظه إلى أن يظهر مالكه كالمال الضائع، فإن رأى استحفاظ صاحب اليد فهو كما لو استحفظ عدلًا آخر، والثالث: يجبر المقر له على القبول والقبض وهو بعيد، والخلاف جار في العين والدَّين كما صرح به الرافعي، وإن استغرب في الكفاية جريانه في الدَّين.
стр. 849
فَرْعٌ: لو رجع المُقَرُّ لهُ عن الإنكارِ فحاصل المذهب عدم تسليمه إليه.
فَإن رَجَعَ الْمُقِرُّ فِي حَالِ تَكْذِيبِهِ، وَقَال: غَلِطْتُ، أي أو تعمدت الكذب، وقلنا يُقَرُّ في يدهِ، قُبِلَ قوْلُهُ فِي الأصح، بناء على أن الترك في يده إبطال للإقرار، والثاني: لا، بناءً على أنه لو عاد المقر له وصدقه قُبل منه، وإذا كان ذلك متوقعًا يلتفت إلى رجوعه.
فَصْلٌ: قَولُهُ لِزَيدٍ كَذَا، صِيغَةُ إِقْرَارٍ، لأن اللَّامَ تَدُل علَى الْمِلْك، وهذا إذَا قَال: لَهُ على أو عندي أو نحوهما مما سيأتي، وإلا فهو مجرد إخبار، وَقولُهُ: عَلَي وَفِي ذِمَّتِي لِلدَّينِ، أي الملتزم في الذمة؛ لأنه المتبادر عرفًا، وَلَوْ عَبَّرَ بِأَوْ بَدَلَ الوَاو كَانَ أحْسَنَ، ويؤاخَذُ مما ذكره على الأصح، وَمَعِي وَعِنْدِي لِلْعَين، أي كلّ منهما؛ لأن مَعَ وَعِنْدَ ظَرْفَانِ، ومعنى كونه إقرارًا بالعين؛ أنه يحمل عند الإطلاق على الوديعة حتى لو ادعى الرد أو التلف قَبْلُ، كما سيأتي من كلامه بخلاف الدينِ.
وَلَوْ قال: لِي عَلَيكَ أَلْفٌ، فَقَال: زِن؛ أَوْ خُذْ؛ أَوْ زِنْهُ؛ أَوْ خُذْهُ؛ أَوْ اخْتِمْ عَلَيهِ؛ أَو اجْعَلْهُ فِي كِيسِكَ فَلَيسَ بإقْرَارٍ، لأنه ليس بالتزام وإنما يذكر للاستهزاء، وَلَوْ قَال: بَلَى؛ أَوْ نَعَمْ؛ أَوْ صَدَقْتَ؛ أَوْ أَبْرَأتنِي مِنْهُ؛ أَو قَضيتُهُ؛ أَو أَنَا مُقِرٌّ بِهِ فَهُوَ إِقرَارٌ، لأنها ألفاظ موضوعة للتصديقِ والموافقةِ ولا بد من بيِّنة الإبراء، قال الرافعي: وكلامهم في الأخير يئول على أن الحكمَ بكونه إقرارًا محله إذا خاطبه فقال: أنا مُقِرٌّ لك به وإلّا فهو يَحْتَمِلُ الإقرارَ بهِ لغيرهِ.
وَلَوْ قَال: أَنَا مُقِرٌّ، أي ولم يقل به، أَوْ أَنَا أقر به فَلَيسَ بِإقرَارٍ، أما في الأولى: فلجواز أن يريد الإقرار ببطلان دعواه أو بالوحدانية، وأما في الثانية: فلأنه قد يريد الوعد بالإقرار في ثاني الحال.
وَلَوْ قَال: أَلَيسَ لِي عَلَيكَ كذَا؟ فَقَال: بَلَى؛ أَوْ نَعَمْ فَإقْرَارٌ، وَفِي نَعَمْ وَجْهٌ، لأنهُ مُقتضَاهُ في اللغة، ووجه الأول أنَّ الإقرارَ يُحْمَلُ على مفهومِ أهلِ العُرفِ لا على
стр. 850
دَقائقِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَوْ قَال: اقْف الألْفَ الذِي لِي عَلَيكَ، فَقَال: نَعَمْ؛ أَوْ اقْضِي غَدًا؛ أَوْ إمْهِلْنِي يَوْمًا؛ أَوْ حَتى أَقْعُدَ؛ أوْ أَفْتَحَ الْكِيسَ؛ أَوْ أَجِدَ، المفتاح، فَإِقْرَار فِي الأصَح، لأن هذه الألفاظ تذكر للالتزام؛ وجزم صاحب العمدة بمقابله في قوله غدًا.
فَصْلٌ: يُشْتَرَطُ فِي الْمُقَرِّ بِهِ أَن لَا يَكُون مِلْكًا لِلْمُقِرّ، لأن الأقرار ليسَ إزالةَ مِلْك؛ وإنما هو إخبار عن كونه مملوكًا لِلْمُقَر لَهُ، فلا بد من تقديم الْمُخْبَرِ عنه على الْخَبَرِ، فَلَوْ قَال: دَارِي؛ أَوْ ثَوْبِي؛ أَوْ دَيني الذِي عَلَى زَيد لَعَمرو، فَهُوَ لَغْو، لأن الإضافة إليه تقتضي الْمِلْكَ حقيقة فينافي إقراره به لغيره ويفهم منه الوعد.
وَلَوْ قَال: هَذَا لِفُلان، وَكَان مِلْكِي إِلَى أَن أَقْرَرْتُ بِهِ فَأولُ كَلامِهِ إِقْرَار، وَآخِرُهُ لَغْوٌ، لمناقضتهِ لأَوَّلِهِ وكذا لو عكس صرح به الإمامُ. تَنْبِيه: يشترط في القر به أيضًا أن يكون مما يستحق جنسه لا كعيادةٍ أو إحسان. وَلْيَكُن الْمُقَرُّ بِهِ فِي يَدِ المُقِر، لِيُسَلِّمَ بِالإقْرَارِ لِلْمُقِرّ لَهُ، لأنه إذا لم يكن كذلك كان دعوى عن الغير بغير إذنه أو شهادة بغير لفظها فلم ينظر إليه، فَلَوْ أَقَر وَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ، ثُم صَارَ، عُمِلَ بِمُقْتَضَى الإقْرَارِ، لوجود شرط العمل به، فإذا أقر أنه في ملك عمرو أو في إجارته ألزمناه بتسليمه، والمرادُ بِالْيَدِ الْيَدَ الْحِسِّيَّةَ وَالشرْعِيَّةَ، ويشترط فِي اليد الاستقلال؛ فإن كانت يد نائبة عن غيره بأن أقر بمال تحت يده ليتيم أو جهة وقف هو ناظره لم يصح إقراره، فَلَو أَقَر بِحُريةِ عَبْد فِي يَدِ غَيرِهِ، ثُم اشْتَرَاهُ؛ حُكِمَ بِحُريتهِ، أي وترفع يده عنه، لوجود شرط العمل بالإقرار، ويصح الشراء والحالة هذه تنزيلا للعقد على قول من صدقه الشارع، وهو البائع، وإن اعتقد المشتري حريته استنقاذًا له من رق ظلم، وقوله (عَبْد) لو عبر بدله بقوله بِحُريةِ شخص كان أَوْلى، ثُم إن كَان قَال: هُوَ حُر الأصلِ؛ فَشِرَاؤهُ افْتِدَاءٌ، أي من جهته كما صرح به في الْمُحَرَّرِ، لأن اعترافه بحريته مانع من جعله بيعًا من جهته، أما من جهة البائع ففيه الخلاف الآتي وبه صرح في المطلب أيضًا، وَإن قَال: أعْتَقَهُ، أي ويسترقه ظلمًا، فَافْتِدَاءٌ مِنْ جِهَتِهِ، لتعذر شراء الحر بزعمه، وَبَيع مِنْ
стр. 851
جِهَةِ البائِع عَلَى المَذْهَبِ، بناء على اعتقاده، وفي وجه أنه شراء من جانب المشتري، وهو بعيد غير منتظم كما في جانب البائع، وقيل: بيع منهما، وقيل: فداء منهما، أي يجري على كل منهما الفداء تغليبًا لجانب المشترى وهو بعيد غيرُ منتظم من جانب البائع، فَيَثْبُتُ فِيهِ الخيارَانِ لِلْبَائِع فَقَطْ، بناء على أنه بيع من جهته، وقيل: يثبت له خيارُ الشرطِ دونَ خيار المجلس ذكرهُ الإمام بحثًا.
فَرْعٌ: لو قال: العبد الذي في يَدِكَ غَصَبْتَهُ مِن فلانٍ ثم اشتراه، فالأصحُّ: الصِّحةُ كما لو أقر بحريتهِ ثم اشتراه.
فَصْلٌ: وَيَصح الإقْرَارُ بِالمجهُولِ، للحاجة ولأنه إخبار عن حقّ سابقٍ، والشئُ يُخْبَرُ عَنْهُ تارةً مُجْمَلًا وَمُفَصَّلًا أُخْرَى، فَإذَا قَال لَهُ: عَلَي شَيء، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بكُل مَا يُتَمَوَّلُ وَإن قَلَّ، أي كفلس لصدق الاسم، وَلَوْ فَسرَهُ بِمَا لَا يُتمَوَّلُ، لَكنهُ مِنْ جِنْسِهِ؛ كَحَبَّةِ حِنْطَةٍ؛ أَوْ بِمَا يَحِلُّ اقْتِنَاؤهُ كَكَلبٍ مُعَلّمٍ وَسِرْجِينٍ، قُبِلَ فِي الأصَح، لأنه شيء يحرم أخذه، ويجب على أخذه رده، والثاني: لا يقبل فيهما، أما الأول: فلأنه لا قيمة له فلا يصح التزامه بكلمة علي، وأما الثاني: فلأنه ليس بمال، وظاهر الإقرار للمال، وَلَا يُقْبَلُ بِمَا لَا يُقْتَنَى كَخِنزِير وَكَلْب لَا نَفْعَ لِيهِ، إذ ليس فيها حق ولا اختصاص ولا يلزم ردها، وقوله (عَلَى) يقتضي ثُبوت حَقّ لِلْمُقَر لَهُ، نعم لو قال له عندي شيء أو غصبت منه شيئًا، يصح تفسيره بما لا يقتنى، ولو قال: له في ذمتى شيء وفسره بحبة حنطة أو بكلب أوخنزير لا يقبل، لأن هذه الأشياء لا تثبت في الذمة، وَلَا بِعِيَادَةٍ وَرَدِّ سَلامٍ، أي لا يقبل تفسير الشيء بهما، وكذا بجواب كتاب لبعده عن الفهم في معرض الإقرار إذ لا مطالبة بهما.
وَلَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ أَو مَالٍ عَظِيمٍ أَوْ كَبِيرٍ أو كَثِير، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِمَا قَلَّ مِنْهُ، لصدق الاسم؛ والأصل براءة الذمة مما سواه، وَكَذَا بِالْمُسْتَولَدَةِ فِي الأصَح، لأنه ينتفع بها وتستأجر وإن كانت لا تباع، والثاني: لا، لخروجها عن اسم المال المطلق، لَا بِكَلْبٍ وَجِلدَ مَيتةٍ، أي فإنه لا يقبل تفسير المال بهما لمباينة اسم المال لهما،
стр. 852
وكذا الخمر والسرجين والخمرة المحترمة؛ لأنها ليست بمال، وَقَوْلُهُ: لَهُ كَذَا كَقَولِهِ شَيءٌ، لإبهامهما، وَقَولُهُ: شَيءٌ شَيءٌ، أَوْ كَذَا كَذَا، كمَا لَو لَم يُكَرر، لأن الثاني تأكيد.
وَلَو قَال: شَيء وَشَيء، أَوْ كَذَا وَكَذَا، وَجَبَ شَيئَانِ، لاقتضاء العطف المغايرة وله التفسير بأيِّ شيئين شاء، وَلَو قَال: كَذَا دِرْهَما، أَو رَفع الدرهمَ، أَوْ جَرهُ، لَزِمَهُ دِرْهَم، أما في حالة النصب فَلأن الدِّرْهَمَ تَفْسِيرُ مَا أَبهَمَهُ وَالنصبُ فِيهِ جائِزٌ عَلَى التميزِ، وأما في حالةِ الرفع فتقديره عليَّ شيء وهو دِرْهَم فهو عَطْفُ بيان أو بَدَلٍ، وأما في حالة الجَر فهر وإن كان لحنًا عند البصريين لكنه لا أثر له كما لو لحن في لفظة أخرى من الإقرارِ، وَالمَذْهَبُ: أنهُ لَو قَال: كَذَا وَكَذَا دِرْهَما بِالنصبِ وَجَبَ دِرْهَمَانِ، لأنه أقر بجملتين مبهمتين وعقبهما بالدرهم، والظاهر كونه تفسيرًا لهما، والقول الثاني: يلزمه درهم واحد لجواز تفسير اللفظين معًا بالدرهم، وحينئذ يكونُ المراد من كل واحد نصف درهم، والثالث: يلزمه درهم وشيء، والطريق الثاني: القطع بالأول.
فَرْعٌ: ثُمُّ كَالوَاو، وَأمَّا الْفَاءُ فَإنْ أرَادَ العَطْفَ فَكَذَلِكَ وَإِلا فَدِرْهَم.
وَأَنَّهُ لَو رَفع الدرهمَ أَو جَر فَدِرهَم، أما في الأولى: فلأنه حينئذ يكون خبرًا عن المبهمين فيكرن تقديره هما درهم، والأصح القطع به، والطريق الثاني: طرد القولين الأولين لأنه يسبق إلى الفهم أنه تفسير لهما وإن أخطأ في إعراب التفسيرِ. وأما في الثانية: فعبارته في الروضة في إيراد الخلاف فيها تبعًا للرافعي، يلزمه درهم فقط وأنه يمكن أن يخرج على ما سبق أنه يلزمه شيء وبعض درهم أو لا يلزمه إلا بعض درهم ففي التعبير حينئذ بالمذهب في هذه نظر.
وَلَوْ حَذَفَ الْوَاوَ، فَدِرْهَم فِي الأحوَالِ، أي المذكورة نصبًا ورفعًا وجرًّا لاحتمال التأكيد، وَاعلَم: أنه يتحصل من ذلك اثنا عشرة مسألة؛ لأن كذا إما أن يُؤتى بها مفردة أو مركبة أو معطوفةً، والدرهم إما أن يُرفع أو يُنصب أو يُجر أو
стр. 853
يُسكن ثلاثة في أربعة يحصل اثنا عشر؛ الواحد منها ستة دوانق. والواجب في جميعها درهم إلا إذا عُطِفَتْ وَنُصِبَ تَمْيِيزُهَا فدرهمان.
وَلَوْ قَال: لَهُ أَلْف وَدِرْهَم، قُبِلَ تَفْسِيرُ الألِفِ بِغَيرِ الدرَاهِمِ، لأنه مبهم والعطف إنما يفيد زيادة على العدد ولا يفيد تفسيرًا، وَلَوْ قَال: خَمْسَة وَعِشْرُون دِرْهَمًا، فَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ عَلَى الصحيح، لأنه لم يعطف الدرهم بل جعله تَمْيِيزًا فيكون تفسيرًا للكل، والثاني: الخمسة مُجْمَلَةٌ، والعشرون مُفَسَّرَة بالدراهم لمكان العطف (•).
وَلَوْ قَال: الدرَاهِمُ التِي أَقرَرْتُ بِهَا نَاقِصَةَ الْوَزْنِ، فَإن كانَتْ دَرَاهِمُ الْبَلَدِ تَامةَ الْوَزْنِ، أي كالدراهم الإسلامية، فَالصحِيحُ قبولُهُ إِن ذَكَرَهُ مُتصِلًا، كما لو استثنى، وَمنْعُهُ إِن فَصَلَهُ عَنِ الإقْرَارِ، أي وتلزمه دراهم الاسلام إلا أن يصدقه المقر له، وقال ابن خيران: في قبول الأول قولان؛ بناء على تبعيض الإقرار، واختار الروياني القبول في الثاني؛ لأن اللفظ يحتمله، وَالأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وحكاهُ عن جماعةٍ مِنَ الأَصْحَابِ. ولو عبر المصنف بالمذهب في الأولى لكان أَولى، وَإِن كانَتْ نَاقِصَة، أي كالدراهم الطبرية كل درهم أربعةُ دَوَانِقَ، قُبِلَ إِن وَصَلَهُ، لأن اللفظ والعرف يصدقانه فيه، وَكَذَا إِن فَصَلَهُ فِي النص، حملًا على المعهود وفي وجه لا يقبل حملًا لإقراره على وزن الإسلام (•).
وَالتفْسِيرُ بِالْمَغْشُوشَةِ كَهُوَ بِالناقِصَةِ، لأن نُقْرَتَهَا تَنْقُصُ عَنِ التامةِ فيعودُ التفصيلُ فيها، وَلَوْ قَال: عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشْرَة لَزِمَهُ تِسْعَة فِي الأصَح، إدخالًا للطرف الأول؛ لأنه مبدأ الالتزام، والثاني: ثمانية، والثالث: عشرة، وقد مر نظير
стр. 854
الأوجه في الضمان، ومن نظائرها الطلاق، والإبراء؛ والوصية؛ واليمين، والنذر، وَإن قَال: دِرْهَم فِي عَشرَة، فإن أَرَادَ المَعِيةَ لَزِمَهُ أَحَدَ عَشَرَ، لأنَّ فِي تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى مَعَ. قال تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ (١٤٠)، أَوْ الحِسَابَ فَعَشْرَة، لأنه موجبه عندهم، وهذا إذا كان يعرف الحساب، فإن كان لا يعرفه ففي الكفاية أنه يشبه إن يلزمه درهم واحد، وإن قال: أردت ما يريد الحساب، وهو قياس ما ذكره المصنف في الطلاق كما سيأتي، وَإِلا، أي ولم يرد المعيّة ولا الحساب بل أراد الطرفَ أو أطلق، فَدِرْهَمٌ، لأنه الْيَقِينُ.
فَصلٌ: قَال: لَهُ عِنْدِي سَيفٌ في غِمْدٍ، أَو ثَوْبٌ فِي صُنْدُوقٍ، لا يَلْزَمُهُ الظرْفُ، آخذًا باليقين فإن المظروف غير الظرف، والقاعدة: أَن الإقْرَارَ بِالمَظْرُوفِ لَيسَ إِقْرَارًا بِالظرْفِ وَكَذَا عَكْسُهُ. وَدَلِيلُهُ مَا قُلناهُ، أَو غِمْد فِيهِ سَيف، أَوْ صُنْدُوقٌ فِيهِ ثَوْبٌ، لَزِمَهُ الظرْفُ وَحْدَهُ، أي دون المظروف لما قلناه، والغِمد بكسر الغين المعجمة بخلاف السيف، أَوْ عَبدٌ عَلَى رأسه عِمَامَةٌ، لَم تَلْزَمْهُ الْعِمَامَةُ عَلَى الصحِيح، لأنَّ الإقْرَارَ لَا يَشْمَلُهَا، والثاني: يلزمه؛ لأنَّ العبدَ لهُ يَدٌ عَلَى مَلْبُوسِهِ وما في يَدِ العبدِ فهو في يَدِ سَيِّدِهِ، أَوْ دَابةٌ بِسَرْجِهَا، أَوْ ثَوْب مُطَرزٌ، لَزِمَهُ الْجَمِيعُ، لأن المعنى بسرجها أي مع سرجها والطراز جزء من الثوب، ولو قال: دابة مسروجة، لا يكون مقرًا بالسِّرْج، ولو قال: عليه طراز، فيظهر عدم اللزوم.
وَلَوْ قَال: فِي مِيرَاثِ أَبِي أَلف، فَهُوَ إِقْرَار عَلَى أَبِيهِ بِدَينِ، وَلَوْ قَال: فِي مِيرَاثِي مِن أَبِي أَلْف، فَهُوَ وَعْدُ هِبَةٍ، أي إلا أن يريد إقرارًا، كذا نص عليه فيهما، والفرق أنه في الثانية أضاف التركة إلى نفسه ثم جعل له منها جزءًا ولا يكون إلا هبةً وفي الأولى لم يُضفْ وأثبت حق المقر له في التّرِكَةِ، واستشكله القاضي فإن الدَّينَ عندنا لا يمنع الإرث ولعله بناه على العرف، وقوله (فَهُوَ وَعْدُ هِبَةٍ) عبارة الوجيز لم يلزمه، واستشكل صاحب المطلب حمل الأول على الإقرار بالدين على الأب، وقال: لم لا
стр. 855
يصح تفسيره أيضًا بالوصية وبالرهن على دَينِ الغَيرِ ونحو ذلك، قال: وصورة المسألة ما إذا كان الميراث دراهم، فإن لم يكن فإنه يلتحق بما إذا قال: له في هذا العبد ألف أي فيسأل ويبين هذا المجمل، قال: وهذا وإن لم أره منقولًا فلا شك فيه عندي، ثم نبَّه على أن المقر إذا لم يكن حائزا وكذّبه الباقون فلا يغرم إلا بالحصة على الأظهر. كما في نظائره، وهذا كله إذا لم يذكر كلمة الالتزام، فإن ذكرها بأن قال علي ألف في ميراثي من أبي فهو إقرار بكل حالٍ.
وَلَوْ قَال: لَهُ عَلَي دِرْهَمٌ دِرْهم، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ، لاحتمال إرادة التأكيد بالإقرار، وإن كرره ألف مرة وسواء كَرَّرَهُ في مجلس أو مجالس عند الحاكم أَوْ غَيرِهِ، فإن قال: له عَلَيَّ وَدِرْهَمٌ، لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ، لاقْتِضَاءِ الْعَطْفِ المُغَايَرَةَ وَثُمَّ كَالْوَاو وَأَما الفَاءُ فَإنْ أَرَادَ الْعَطْفَ فَكَذَلِكَ وَإِلا فَدِرْهَمٌ، وفي نظيره من الطلاق يلزمه طلقتان هذا هو المنصوص فيهما.
وَلَو قَال: لَهُ دِرْهَمٌ وَدِرهَمٌ وَدِرْهَمٌ، لَزِمَهُ بالأولَينِ دِرْهَمَانِ، لاقتضاء العطف المغايرة كما قررناه، وَأَما الثالِثُ؛ فَإن أَرَادَ بِهِ تأكِيدَ الثانِي؛ لَم يَجِبْ بِهِ شيءٌ، وَإن نَوَى الاسْتِئْنَافَ، لَزِمَهُ ثالِثٌ، عملًا بإرادته ونيّته، وَكَذَا إِن نوَى تأكِيدَ الأولِ، أي بالثالث، أَوْ أطْلَقَ فِي الأصَحِّ، أما في الأولى: فلأن التكرار إنما يُؤَكدُ به إذا لم يتخلل بينهما فاصل، ووجه مقابله: العمل بما نوى، وأما في الثانية: فهو الذي قطع به الأكثرون، وقال ابن خيران: فيه قولان كالطلاق ينظر في أحدهما إلى صورة اللفظ، وفي الثاني إلى احتمال التكرار، والأصح القطع بأنه يلزمه ثلاثة هنا. والفرق أن دخول التأكيد في الطلاق أكثر منه في الإقرار، لأنه يقصد به التخويف والتهديد، ولأنه يؤكد بالمصدر فيقال هي طالق ثلاثًا، والإقرار بخلافه، وطريقة ابن خيران هي مقابل الأصح في المسألة الثانية، ولو عبَّر المصنف بالأصحِّ في الأولى وبالمذهب في الثانية كما فعل في الروضة لكان أحسنُ. وَاعْلَمْ: أن ابن الصباغ حكى قول ابن خيران فيما إذا قال: أردت بالثالث تأكيد الثاني، وكذا قاله سليم، وأشار إليه القاضي أبو الطيب؛ لكن ابن الصباغ فرض المسألة فيما إذا قال له عندى بدل علي
стр. 856
ولفظ عندي إقرار بالعين وارادة تأكيد الأعيان تقل كما في الاستثناء منها.
وَمَتَى أَقَر بِمُبْهَمٍ كَشَيء، وَثوب وَطُولبَ بِالْبيانِ فَامتَنَعَ، فَالصحِيحُ أنهُ يُحْبَسُ، كحبس من امتنع من أداء الحق؛ لأن التفسير واجب عليه. والثاني: لا يحبس، لأنه يمكن حصول الغرض بدونه وهذا كله إذا لم يمكن معرفته دون مراجعته فإن أمكن لم يحبس، وذلك بأن نحيله على معروف، وهو ضربان، الأول: أن يقول بِزِنَةِ هذه الصنْجَةِ أو قدر ما باع به فلان فرسَهُ ونحوه، فيرجع إلى ما أحال عليه، والثاني: أن يمكن استخراجه بالحساب وقد ذكره الرافعي في شرحه وتبعه الحاوى الصغير وقد أوضحته في شرحه فراجعه منه.
وَلَوْ بَيَّنَ، يعني إقراره المبهم، وَكَذَّبَهُ الْمُقَر لَهُ فلْيُبَين وَليَدَع، وَالْقَولُ قَولُ الْمُقِر في نَفْيِهِ، أي في نفي ما ادعاه المُقر له، وَلَو أَقَر لَهُ بِألف، ثُم أَقَر لَهُ بِألف في يَوْمٍ آخَرَ، لَزِمَهُ أَلْف فَقَط، لأن الإقرار خبر ولا يلزم من تعدده تعدد المخبر؛ وسواء وقع الإقرار به في مجلس أو مجلسين وسواء كتب به صكًّا أم لا، وإن اختلَفَ القَدر، أي بأن أقر في يوم بألف وفي آخر بخمسمائة، دَخَلَ الأقَل فِي الأكثرِ، إذ يحتمل أنه ذكر بعض ما أقر به أولًا، فلو وَصَفَهُمَا بِصِفَتَينِ مُخْتَلِفَتَينِ، أي بأن قال مرة بمائة صحاح وأخرى بمائة مكسرة، أَوْ أسنَدَهُمَا إِلَى جِهَتَينِ، أي بأن قال له علي ألف من ثمن مبيع وقال ألف بَدَلَ قَرضٍ، أَو قال: قَبَضتُ يَومَ السبتِ عَشرة، ثم قَال: قَبَضْتُ يَوْمَ الأحَدِ عَشْرَة، لَزِمَا، لتعذر الجمع.
وَلَو قَال: لَهُ عَلَيَّ أَلفٌ مِن ثمَنِ خَمر؛ أو كَلْب، أو أَلفٌ قَضيتُهُ، لَزِمَهُ الألْفُ في الأظْهَرِ، عملًا بأول الإقرار؛ وألفًا إلغاءً لآخره؛ لأنه وصل به ما يرفعه فأشبه قوله الألف لا يلزمني، والثاني: يقبلُ؛ ولا يلزمه شيء، لأن الكل كلام واحد فتعْتَبَرُ جُملتهُ وَلَا يَتَبَعَّضُ، فعلى هذا للمقر تحليفه إن كان من ثمن خمر. قال الإمام: وَكُنْتُ أود لو فصل فاصل بين أن يكون المقر جاهلًا بأن ثمن الخمر لا يلزم، وبين أن يكون عالمًا، فيعذر الجاهل دون العالم لكن لم يَصِر إليه أحد من الأصحاب، ومحل الخلاف
стр. 857
إذا وقع قوله من ثمن خمر موصولًا كما فرضه المصنفُ، فإن وقع مفصولًا عن قوله له ألف لم يقبل، ويلزمه ألف؛ وما إذا قدم ذكر الألف، فلو قدم الخمر؛ فقال: له عليَّ من ثمن خمر ألف؛ فلا يلزمه شيء بحال، نعم؛ طرد الخلاف فيه الشاشي في المعتمد.
وَلَوْ قَال: مِن ثَمَنِ عَبْدٍ لَمْ أَقْبِضهُ إِذَا سَلمَهُ؛ سَلمْتُ، قُبِلَ عَلَى الْمَذهَبِ وَجُعِلَ ثَمَنًا، لأن المذكور هنا آخرًا لا يرفع الأول بخلاف ثمن الخمر، والطريق الثاني طرد القولين في المسألة قبلها، لأنه يرفعه على تقدير عدم إعطاء العبد.
وَلَوْ قَال: لَهُ عَلَي أَلْف إِن شاءَ الله، لَم يَلْزَمهُ شَيء عَلَى الْمَذْهَبِ، لأنه لم يجزم بالإقرار وإنما علّقه بالمشيئة، وهي غيب عنا، والثاني: طرد القولين. وقيد المصنف نظر المسألة من الطلاق بما إذا قصد التعليق كما ستعلمه إن شاء الله تعالى.
وَلَوْ قال أَلف لَا يَلْزَمُ؛ لَزِمَهُ، لأنه غير منتظم، وَلَو قَال: لَهُ عَلَي أَلْفٌ، ثُم جَاءَ بِألْفٍ، وَقَال: أَرَدتُ بهِ هَذَا، وَهُوَ وَدِيعَةٌ، لَقَال الْمُقَر لَهُ: لِي عَلَيهِ أَلْف آخَرُ. صُدِّقَ المُقِرُّ فِي الأظهَرِ بِيَمِينهِ، لأن الوديعة يجب حفظها؛ والتخلية بينها وبين مالكها، فَلَعَلهُ أرَادَ بِكَلِمَةِ عَلَيَّ: الإخْبَارُ عَلَى هَذَا الوَاجِبِ، ويحتمل أيضًا أنه تعدى فيها حتى صارت مضمونة عليه، فلذلك قال هي عليَّ وأيضًا فقد يريد بـ (عَلَي) عندي قال تعالى ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ (١٤١). والثاني: أن القولَ قولُ الْمُقَرّ لهُ؛ لأنه على الإيجاب في الذمة، فقد التزم مالًا في ذمته ثم جاء بعين فأشبه من أقر بثوب ثم جاء بعبد فأنه يؤخذ منه ويطالب بالثوب، فَإن كَان قَال: في ذِمتِي أَو دَينا، ثم جاء بالف وَفَسَّرَ كما ذكرنا، صُدق الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى المَذْهَبِ، لأن العين لا تثبت في الذمة والرديعة لا تكون في ذمته بالتعدي بل بالتلف، ولا تلف، والطريق الثاني: حكاية وحهين، ثانيهما: القول قول المقر لجواز أن يريد ألفًا في ذمتي إن تلفت الوديعة؛ لأني تعديت فيها.
стр. 858
فَرْعٌ: لو جمع بينهما، فقال: له عليَّ ألف درهم دَينًا في ذمتي؛ فالخلاف مرتب؛ وأوْلى بأن لا يقبل.
تَنْبِيهٌ: جميع ما تقدم فيما إذا كان زَعْمُهُ الْوَدِيعَةَ مَفْصُولًا عن الإقرارِ كما فرضَهُ المصنف، فإن وصله بإقراره بأن قال: له عليّ ألف وديعة فيقبل على المذهب، وقيل: على قولين كقوله ألف قضيته.
قُلْتُ: فَإذَا قبِلْنَا التفْسِيرَ بِالْوَدِيعَةِ، فَالأصَحُّ: أَنهَا أَمَانَة، فَيُقْبَلُ دَعوَاهُ التْلَفَ بَعْدَ الإقْرَارِ وَدَعْوَى الردِّ، لأن هذا شأن الوديعة بخلاف ما إذا ادّعى التلف أو الرد قبل الإقرار، فإنه لا يقبل؛ لأن التالف والمردود لا يكون عليه بمعنى من المعاني، وهذا ما صرح به ابن الصباغ واقتضاه كلام غيره، والثاني: أنها تكون مضمونة فلا تقبل دعوى الرد والتلف أخذًا بقوله علَيَّ فإنها متضمنة للالتزام، وهذا قول الأصحاب كما ذكره الإمام عنهم ثم استشكله توجيهًا ونقلًا.
وَإِن قَال: لَهُ عِنْدِيَ أَو مَعِيَ أَلْف؛ صُدقَ فِي دَعوَى الوَديعَةِ وَالرد وَالتلَفِ قَطْعًا، وَالله أَعْلَمُ، لأنه لا إشعار له بالدينية ولا بالضمان، وَلَوْ أَقَر بِبَيع أَوْ هبة وإقباض، ثُم قال: كان فاسِدا، وَأَقررْت لِظَنِّيَ الصِّحةَ، لَم يُقْبَلْ، لأن الاسم يختص بالصحيح عند الإطلاق، وهذا هو الصحيح في نظيره فيما إذا ادعى أحدهما صحة البيع والآخر فساده، كما سلف عند ذكر المصنف له في بابه، وَله تحلِيفُ الْمُقَر لَهُ، لأن ما ادعاه ممكن، وجهات الفساد قد تخفى عليه، فَإن نَكَلَ، حَلَفَ الْمُقِر وَبَرِىَء لأنَّ الْيَمين المَردُودَةَ كالإقرار أو كالبيِّنةِ وَكلاهُمَا يحصل هذا الغرض، وعبارة المُحَرَّرِ والشرحين والروضة: وَحكِمَ بِبُطْلانِهِ بَدَلَ وَبَرِئ وهي أحسنُ؛ لأن النزاع في عَينٍ لا دَينٍ، واحترز بقوله (أوْ هِبَةٍ وَإقبَاض) عمَّا إذا أقر بالهبةِ فقطْ فإنه لا يكون مقرًا بالإقباض على المذهب.
وَلَو قَال: هَذِهِ الدارُ لِزَيد بَل لَعَمرو أو غَصبْتُهَا مِنْ زَيدٍ بل مِن عَمرو، سُلمَت لِزيدٍ، لأنه مَنْ أَقَر لآدَميّ بِحَقٍّ لَم يُقبَلْ رُجُوعُهُ، وَالأظْهَرُ: أن المقر يغْرَم قِيمَتَهَا
стр. 859
لِعَمْرٍو، للحيلولة، بِالإِقْرَارِ، الأول. والثاني: لا، لمصادقة الإقرار الثاني مِلْكَ الغير، والخلاف جارٍ سواء سلمها بنفسهِ أو بالحاكمِ؛ فَصَلَ بين الإقرار لَهُمَا أو وَالا.
فَرْعٌ: ثُمَّ كَـ (بَلْ) فِيمَا ذَكَرْنَاهُ.
فَصْلٌ: وَيَصِح الاسْتِثْنَاءُ, لأنهُ معهود في القرآنِ والسُّنَّةِ، وَهُوَ إِخْرَاجُ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ في الأوَّلِ، إن اتَّصَلَ، بإجماع أهل اللغة، فإنِ انفصلَ فهو لغوٌ. وشَرَطَ الحاوي الصغير أن يقصد الاستثناء من أول الإقرار، وصحح المصنف في الطلاق أنَّه يشترط أن يقصده قبل فراغ اليمين كما ستعلمه هناك، وَلَمْ يَسْتَغْرِق، أي فإن استغرق كعَليَّ عشرةٌ إلّا عشرة فإنَّه باطل وهو إجماع أَيضًا إلّا مَن شذ، فَلَوْ قَال: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلا تِسْعَةً؛ إلا ثَمَانِيَةً، لَزِمَهُ تِسْعَةٌ؛ لأن الاسْتِثناءَ مِنَ الإثْبَاتِ نَفْيٌّ وَعَكْسُهُ كما سيأتي في الطلاق.
وَيصِحُّ مِنْ غَيرِ الْجِنْسِ كَأَلْفٍ إلا ثَوْبًا، لوروده لغةً وشرعًا ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (١٤٢)، وَيُبَيِّنُ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ دُون أَلْفٍ، أي حتَّى لا يستغرق، فإن استغرق فالتفسير لغو وكذا الاسثناء على الأصح؛ لأنه بيَّن ما أراد بالاستثناء، فكأنه تَلَفَّظَ بهِ فهو مستغرق، وَمِنَ المُعَيَّنِ، أي ويصح الاستثناء منه كما يصح من المطلق، كَهَذِهِ الدَّارُ لَهُ إلا هَذَا الْبَيتَ، أَوْ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ لَهُ إلَّا ذَا الدّرْهَمَ، لأَنَّهُ إِخْرَاجٌ بِلَفْظٍ مُتَّصِلٍ فَهُوَ كَالتَّخْصِيصِ، وَفِي الْمُعَيَّنِ وَجْهٌ شَاذٌ، أي أنَّه لا يصح الاستثناء منه؛ لأن الاستثناء المعتاد إنما يكون من المطلق لا من المعيّن، واستشهد قائله بأنه لو قال هذه الدار لَهُ وهذا البيت لفلانِ؛ لم يصح لأنه رجوع بعد الإقرار وهذا الاستشهاد (•) ممنوع.
قُلْتُ: لَوْ قَال: هَولَاءِ الْعَبيدِ لَهُ إلا وَاحِدًا، قُبِلَ، لأن الاستثناء يصح وإن كان مجهولًا كما لو قال: عشرة إلَّا شيئًا؛ إذ لا فرقَ بين العَينِ أو المُعَيَّنِ وَالدَّينِ، وَرَجَعَ
стр. 860
فِي الْبَيَانِ إِليهِ, لأنه أعرف بما أراد ويلزمه البيان لتعلق حق الغير به كالعتق، فَإن مَاتُوا إلا وَاحِدًا؛ وَزَعَمَ أَنَّهُ الْمُسْتَثْنَى، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ عَلَى الصَّحِيح، وَالله أعْلَمُ، لاحتمال صدقه؛ والثاني: لا؛ للتهمة.
فَرْعٌ: لو مات قبل البيان؛ قامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ.
فَصْلٌ: أَقَرَّ بِنَسَبٍ، أي من يعتبر إقراره بأن يكون صحيح العبارة، إِن أَلْحَقَهُ بِنَفْسِهِ، أي بأن قال هذا ابْنِي، اشْتُرِطَ لِصِحَّتِهِ: أَنْ لا يُكَذّبَهُ الْحِسُّ، أي بأنه يمكن ما يدعيه؛ وقد ضبط المصنف زمن ذلك في اللعان، وفي معنى تكذيب الحس أن يكون المستلحق ممسوحًا على الصحيح إذ الولد لا يلحقه في زمن يتقدم على زمن العلوق بالمستلحق، وَلَا الشَّرْعُ، أي وأن لا يكذبه الشرع أَيضًا، بِأَنْ يَكُون مَعْرُوفَ النَّسَبِ مِنْ غَيرِهِ, لأن النسب الثابت من شخص لا ينتقل إلى غيره وسواء صدقه المستلحق أم لا! وَأَن يُصَدِّقَهُ الْمُسْتَلْحَقُ، أي بفتح الحاء، إِن كَان أَهْلًا لِلتّصْدِيقِ، أي وهو البالغ العاقل؛ لأن له حقًّا في نسبه؛ وهو أعرف به من غيره، وقضية هذا أنَّه لو سكت لم يثبت النسب وبه صرح الرافعي هنا، وخالف في فصل التسامع في الشهادة؛ فقال: إن سكوتَ البَالِغ في النَّسَبِ كالإقرارِ، واحترز المصنف بالأهل عن الصبي والمجنون ونحوهما، فَإِن كَان بَالِغًا، أي عاقلًا، فَكَذْبَهُ، أو سكت فكذبه، لَمْ يَثْبُتْ إِلّا بِبَيِّنَةٍ، كسائر الحقوق.
تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ أَيضًا أن لا يزاحمَهُ غيره في الاستلحاق، فإن زاحمَهُ فسيأتي قريبًا، ويشترطُ أَيضًا: أن لا يكون المقر له عبد الغير أو معتقه إن كان صغيرًا، واستلحاقُ المرأة والعبد والكافر يأتي في اللقيط. ويشترط أَيضًا: أن لا يولد على فراش نكاح صحيح.
وَإنِ اسْتَلْحَقَ صَغِيرًا ثَبَتَ، أي نسبه عند وجدان شروطه، ولا يعتبر تصديقه، فَلَوْ بَلَغَ وَكَذّبَهُ؛ لَم يَبْطُلْ في الأصَحِّ, لأن النسب يحتاط له؛ فلا يندفع بعد ثبوته كالثابت بالبينة، والثاني: يبطل للتكذيب، وهذا إذا لَم نُشَاهِدْ فِرَاشًا وَلَا ولَادَةً
стр. 861
عَلَيهِ، فإن شاهدنا ذلك لم نلتفت إلى الإنكار، والخلاف جارٍ فيما لو استلحق مجنونًا فأفاق فأنكر.
وَيصِحُّ أَن يَسْتَلْحِقَ مَيِّتًا صَغِيرًا، أي وإن كان له مال لبناء أمر النسب على التغليب، ولهذا يَثْبُتُ بمجرُّدِ الإمكانِ حتَّى لو قَتَلَهُ ثم استلحقهُ قُبِلَ مِنْهُ وحكم بسقوط القصاص، وَكَذَا كَبيرٌ في الأصَحِّ، كالصغير, والثاني: لا، لفوات التصديق وهو شرط، وَيرِثُهُ، أي يرث الميت المستلحق؛ لأنه فرعُ النسب ولا ينظر إلى التهمة.
وَلَو اسْتَلْحَقَ اثنَانِ بَالِغًا ثَبَتَ لِمَنْ صَدَّقَهُ، لاجتماع الشرائط فيه دون الآخر، فإن لم يصدق واحد منهما عرض على القائف، وَحُكْمُ الصَّغيرِ يَأْتِي في اللَّقِيطِ إِن شَاءَ الله تَعَالى، وَلَوْ قَال لِوَلَدِ أَمَتِهِ: هَذَا وَلَدِي، ثَبَتَ نَسَبُهُ، أي عند اجتماع شروطه كما تقدم، وَلَا يَثْبُتُ الاسْتِيلَادُ في الأظْهَرِ, لأن الأصل الرّقُّ، ويحتملُ أَن الإِسْتِيلَادَ كَانَ في نِكَاحٍ قَبْلَ الْمِلْكِ، والثاني: يثبت عملًا بالظاهر، وصححه الشيخُ أَبو حامدٍ وجاعةٌ، وَكَذَا لَوْ قَال وَلَدِي وَلَدَتْهُ في مِلْكي، لاحتمال أن يحبلها قبل الْمِلْكِ بالنكاح ثم يشتريها فتلد في الْمِلْكِ فيجري فيها القولان، فَإِن قَال: عَلِقَتْ بِهِ في مِلْكِي، ثَبَتَ، يعني، الاسْتِيلَادُ، وانقطع الاحتمال وكانت أُم ولدٍ لا محالة، قاله الرافعي وفيه نظر؛ لأنها قد تكون في تلك الحالة مرهونة وهو معسر فبيعت في الدَّين ثم اشتراها ففي ثبوت الاستيلاد والحالة هذه خلاف مشهور فلم ينتفِ الاحتمال، فَإن كانَتْ، أي الأَمة، فِرَاشًا لَهُ، وأقر أي بوطئها لَحِقَهُ بِالْفِرَاشِ، مِنْ غَيرِ اسْتِلْحَاقٍ، لإطلاق الحديث الصحيح [الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ] (١٤٣) فيعتبر فيه الإمكان
стр. 862
فقط، وَإنْ كَانَتْ مُزَوَّجَةَ فَالْوَلَدُ لِلزَّوْج، وَاستِلْحَاقُ السَّيِّدِ بَاطِل، للحوقه بالزوج؛ لأن الْفِرَاشَ لَهُ، وَأَمَّا إِذَا أَلْحَقَ النَّسَبَ بِغَيرِهِ؛ كهَذا أَخِي أَوْ عَمِّي، فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنَ الْمُلْحَقِ بهِ، أي إذا كان رجلًا، بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ، أي فيما إذا ألحقه بنفسه وشرائط أخر تأتي، ومرادُهُ بالغير من يتعدى النسب منه إلى نفسه لا إلى الأجانب.
ويشْتَرَطُ كَوْنُ المُلْحَقِ بِهِ مَيِّتًا، أي فما دام حيًّا ليس لغيره الإلحاق به، وَلَا يُشْتَرَطُ أَن لا يَكُون نَفَاهُ في الأصَحِّ، كما لو استلحقه المورث بعد ما نفاه بلعان وغيره، والثاني: يشترط؛ لأنه نسب سبق الحكم ببطلانه؛ ففي إلحاقه بعد الموت إلحاق عارٍ بنسبه.
ويُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُقِرِّ وَارِثًا حَائِزًا، أي فلا يثبت بإقرار الأجنبي والقريب الذي لا يرث, لأنه يشير خليفة للمورث؛ ويشترط موافقة الزوج والزوحة على الصحيح، وَالأصَحُّ: أَنَّ الْمُسْتَلْحَقَ لا يَرِثُ، كذا هو بخطه، وإطلاقه يقتضي أنَّه؛ مع كون المقر وارثًا حائزًا؛ أن الأصح: أن المستلحق لا يرث، وهذا لا يعقل، فَسَقَطَ هنا شيء وهو في الْمُحَرَّر على الصَّوَابِ فإنَّه فرضه فيما إذا كان المقرُّ وارثًا غيرُ حائزٍ، ووجه المنع: أن الإرث فرع النسب وهو لم يثبت، وإذا لم يثبت الأصلُ لم يثبت الفرعُ، ومقابله يتَأيد بما إذا قال أحدُ الابْنَينِ فُلَانَةٌ بِنْتُ أَبِينَا، وأنكرَ الآخرُ، فإنَّه يحرم على المقر نكاحها مع أنَّه فرع النسب الذي لم يثبت، وَلَا يُشَارِكُ الْمُقِرَّ في حِصَّتِهِ، أي دون الذي لم يقر به قطعًا، وَأَنَّ الْبَالِغَ مِنَ الْوَرَثَةِ لا يَنْفَرِدُ بِالإِقْرَارِ, لأنه غير حائز، والثاني: ينفرد احتياطًا للنسب.
وَأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الْوَارِثِينَ، أي بثالث، وَأَنْكَرَ الآخَرُ وَمَاتَ، يعني المنكر، وَلَمْ
стр. 863
يَرِثْهُ إلا الْمُقِرُّ؛ ثَبَتَ النَّسَبُ, لأن جميع الميراث صار له، والثاني: المنع, لأن إقرار الفرع مسبوق بإنكار الأصل، وقوله (وَلَمْ يَرِثهُ إلا الْمُقِرُّ) أي بأن لم يخلِّف وارثًا سواه، فإن خلف وارثًا آخر كما لو كانا أخوين فمات المنكر وخلف ابنًا وأقرَّ؛ فالخلاف جارٍ فيه أَيضًا كما ذكره الرافعي وغيره؛ ولا خلاف أن الميراثَ يثبت بتوافق الباقين, لأنه لم يكذب فرعه، وعنه احترز بقوله (وَأَنْكَرَ الآخَرُ).
وَأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ ابْنٌ حَائِزٌ بِأُخُوَّةِ مَجْهُولٍ، فَأَنْكَرَ الْمَجْهُولُ نَسَبَ الْمُقِرِّ، أي بأن قال لَستَ ابْنَ أبِي، لَمْ يُؤَثّرْ فِيهِ؛ لأن المُقِرَّ (•) مشهور النسب فإنكاره لا وجه له، والثاني: نعم، لإنكاره إياه.
وَيثْبُتُ أَيضًا نَسَبُ الْمَجْهُولِ، لِحُكمِنَا بأنَّهُ وارث حائز، والثاني: لا, لأن المقرَّ ليس بوارث في زعمهِ، وَأنَّهُ إِذَا كَان الْوَارِثَ الظَّاهِرُ يَحْجُبُهُ الْمُسْتَلْحَقُ كَأَخٍ أَقَرَّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ ثَبَتَ النَّسَبُ وَلَا إِرْثَ، للدور، والثاني: يثبتان ويحجب الْمُقِرُّ واختاره جماعة.
стр. 864
كِتَابُ الْعَارِيَّةِ
الْعَارِيَّةُ: أصلها من عَارَ الْفَرَسَ إِذَا ذَهَبَ وَجَاءَ، ومنه قيل للغلامِ الخفيف عَيَّارٌ، ولا يصح قول الجوهري كأنها مشتقة من العَارِ, لأنَّ الشَّارِعَ فَعَلَهَا؛ وهي بتشديد الياء وتخفيفها، وَحَقِيقَتُهَا إِبَاحَةُ الانْتِفَاع بِمَا يَحِلُّ الانتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَينِهِ لِيَرُدُّهَا عَلَيهِ (١٤٤)، والأصلُ في استحبابها قبل الإجماع قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ
стр. 865
وَالتَّقْوَى﴾ (١٤٥) وَفِعْلُهُ ﷺ كَمَا سَلَفَ (١٤٦). وكانت واجبة في ابتداء الإِسلام ثم نسخت، وأفتى الزُّبيريّ بوجوبها فيما إذا كتب صاحب كتاب الحديث اسم من سمعه ورواه في كتابه، ومثله ما إذا كتب بإذنه ليكتب نسخة السماع.
شَرْطُ الْمُعِيرِ صِحَّةُ تَبَرُّعِهِ، أي فلا يَصُحُّ إِعَارَةُ الصَّبِي وَالسَّفِيهِ وَالْمَجْنُونِ؛ لأنَّهَا إِبَاحَةُ لِلْمَنَافِع فَصَحَّتْ مِنْهُ دُونَ غَيرِهِ كَإِبَاحَةِ الأَعْيَانِ، وقال الماوردي: يجوزُ للسفيهِ إِعَارَةُ بَدَنِهِ إِذَا كَانَ عَمَلُهُ لَيسَ مَقْصُودًا في كَسْبِهِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ بِمَالِهِ، وَمِلْكُهُ الْمَنْفَعَةَ، أي دون الرقبة؛ لأن الإعارةَ تَرِدُ عليها دونها، نعم إذا نذر هديًا أو أضحيةً له أن يعيره؛ وللإمام إعارة أراضي بيت المال وغيرها من الأعيان؛ لأن له تمليكها، وللأب إعارة ولده الصغير لخدمة لا تقابل بأجرة ولا تضر بالصبيِّ، وإن أطلق صاحب العدّة المنع منه والروياني الجواز، فَيعيِرُ مُسْتَأْجِرٌ, لأنه ملك المنفعة والموصى له بالمنفعة، لا مُسْتَعِيرٌ عَلَى الصَّحِيحِ, لأنَّهُ غَيرُ مَالِكٍ لَهَا؛ ولهذا لا يؤجر؛ فإن أذن جاز، والثاني: يعير كما للمستأجر أن يؤجر وليس بشيء, لأن لِلْمُسْتَأْجِرِ مِلْكُ الْمَنْفَعَةِ، ولو قيل بالفرق بين أن توجد قرينة دالة على الإعارة فتجوز أو مانعة فلا، لم يبعد ولم يذكروه.
وَلَهُ أَن يَسْتَنِيبَ مَنْ يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةَ لَهُ، أي كما إذا استعار دابة للركوب فله أن يركبها وكيلًا لهُ في حاجة؛ لأن المنفعة تحصل له، وَاعْلَمْ: أن الشيخ لم يذكر حَدَّ المستعيرِ، وقال الماوردي: كُلُّ مَنْ صَح مِنْهُ قُبُولُ الْهِبَةِ صَحَّ مِنْهُ طَلَبَهَا وَمَنْ لا فَلَا، وأورد عليه السفيه. وَالْمُسْتَعَارِ، أي وشرط المستعار، كَوْنُهُ مُنْتَفِعًا بِهِ، أي منفعة
стр. 866
مباحة ظاهرة، مَعَ بَقَاءِ عَينِهِ، أي فلا يجوز إعارة الأطعمة لأن منفعتها في استهلاكها، فإن خفيت المنفعة كإعارة الدراهم والدنانير للتزيين عند الإطلاق فلا يصح في الأصح، فإن صرح بالتزيين فينبغي الصحة كما قال الرافعي وبه أجاب في التتمة.
وَتَجُوزُ إِعَارَةُ جَارِيَةٍ لِخِدْمَةِ امْرَأَةٍ أَوْ مَحْرَمٍ، لعدم المحذور في ذلك، وكذا إعارتها لزوجها، وَخَرَجَ بِالْمَحْرَمِ غَيرُهُ اللَّهُمَّ إلا إِذَا كَانَتْ لا تُشْتَهَى فَالأصَحُّ في الرَّوْضَةِ الْجَوَازُ، وصحَّحَ الرافعي في الشرح الصغير الْمَنْعَ، وَخَرَجَ بِالْخِدْمَةِ الاسْتِمْتَاعُ فَإنَّهُ حَرَامٌ.
فَرْعٌ: لو كان المستعيرُ أو الْمُسْتَعَارُ خُنْثَى امْتَنَعَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَيُكْرَهُ إِعَارَةُ عبد مُسْلِمٍ لِكَافِرِ، لتحريمِ خِدمتهِ عليه وهي كراهةُ تَنْزِيهٍ على الأصح في الروضة.
تَنْبِيهٌ: لا بد أن يكون المستعير معينًا دون المستعار.
وَالأصَحُّ: اشتِرَاطُ لَفِظِ كَأَعَرْتُكَ أَوْ أَعِرْنِي، وَيكْفِي لَفْظُ أَحَدِهِمَا مَعَ فِعْلِ الآخَرِ، تشبيهًا لها بإباحة الطعام، والثاني: لا يعتبر اللفظُ في واحدٍ منهما؛ حتَّى لو رآه عاريًا فأعطاهُ قَمِيصًا صَحَّتِ العارِيَةُ، والخلافُ مبنيٌّ على أن العارية هبة للمنافع أو إباحة.
فَرْعَانِ وَارِدَانِ عَلَى اشْتِرَاطِ اللفْظِ: إذا انتفع الْمُهْدَى إليه بظرف الهدية؛ وكانت بلا عرضٍ؛ فإنَّه عاريةٌ، وإذا اشترى من إنسان شيئًا وَسَلَّمَهُ في ظرفٍ وتلف الظرفُ في يد المشترى؛ فالأصح في كتاب الإجارة من الرافعي: أنَّه يكون مضمونًا عليه ضمان العارية.
وَلَوْ قَال: أَعَرْتُكَهُ لِتَعْلِفَهُ أَوْ لِتُعِيرَنِي فَرَسَكَ، فَهُوَ إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ تُوجِبُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، لجهالة العلف والمدة، والتعليق في الثَّانية، وصحح في المطَّلب أنَّه عارية فاسدة نظرًا إلى اللفظ فلا أجرة، قال: وفيه بُعْدٌ؛ لأنه لم يَبذُلِ المنفعة مجانًا، وَمُؤْنَةِ الرَّدِّ
стр. 867
عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، لقوله ﵊ [عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ] حسنَهُ التِّرْمِذِيّ وصححه الحاكم (١٤٧)، فَإن تَلِفَتْ لا بِاسْتِعْمَالٍ، ضَمِنَهَا وَإن لَمْ يفَرِّطْ، لأنه ﵊ [اسْتَعَارَ أدْرَاعًا (•) يَوْمَ حُنَينٍ مِنْ صَفْوَانِ بنَ أُمَيَّةَ فَقَال: أغَصْبٌ يَا مُحَمَّد؟ فَقَال: لا، بَلْ عَارِيَة مَضْمُونَةٌ] رواه أبو داود والحاكم وذكر له شاهد على شرط مسلم (١٤٨)، وفي كيفية الضمان خلاف ذكره المصنف آخر الباب.
стр. 868
وخرج بعدم الاستعمال ما إذا تلفت به؛ وسيأتي. ولم يذكر المصنف ضمان الأجزاء، والأصح: أنَّه كالعين كما سيأتي.
فَرْعٌ: لو استعار بشرط أن المستعار أمانة فالشرط لاغٍ.
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لا يَضْمَنُ مَا يَنْمَحِقُ، أي وهو التلف بالكلية كلبس الثوب إلى أن يبلى، أوْ يَنْسَحِقُ، وهو نقصان الأجزاء، بِاسْتِعْمَالٍ، لحدوثه عن سبب مأذون فيه، والثاني: أنَّه يضمن؛ لأن حَقَّ العَارِيَةِ أنْ تُرَدَّ، فإذا تعذَّرَ ضمنه فيضمنه في الانمحاق في آخر حالات التقويم، وَالثَّالِثُ: يَضمَنُ الْمُنمَحِقَ, لأن العارية مؤداة؛ فإذا تلف بعضها فقد فات رده فيضمن بدله أي دون المنسحق لما تقدم؛ وإن تلفت باستعمال غير مأذون فيه ضمنها قطعًا؛ كما لو أعارَهُ قميصًا ليلبسه فاتزر به.
فَرْعٌ: أعاره سيفًا فقاتل به فانكسر؛ قيل: لا يضمن؛ كانسحاق الثوب ذكرهُ الصَّيمَرِيُّ.
وَالْمُسْتَعِيرُ مِن مُسْتَأْجِرٍ، لا يَضْمَنُ فِي الأَصَحِّ, لأن يَدَهُ نَائِبَةٌ عَن يَدٍ غَيرِ مَضْمُونَةٍ، والثاني: يضمن كما لو استعار من المالِكِ، والخلاف جارٍ أَيضًا فيما إذا استعار من الموصى له بالمنفعة أو من الموقوف عليه.
فَرْعٌ: مُؤْنَةُ الرَّدِّ في هذه الاستعارة على المستعير إن رد على المستأجر وعلى المالك إن رد عليه كما لو رد عليه المستأجر فيستثنى ذلك من قوله أولًا: (وَمُؤْنَةِ الرَّدِّ عَلَى المُسْتَعِيرِ).
وَلَوْ تَلِفَتْ دَابَّتُهُ في يَدِ وَكِيلٍ بَعَثَهُ في شُغْلِه أَوْ في يَدِ مَن سَلَّمَهَا إِلَيهِ لِيُرَوِّضَهَا، أَي يعلمها، فَلَا ضَمَانَ, لأنه لم يأخذها لِغَرَضِ نَفسِهِ.
فَصْلٌ: وَلَهُ الانْتِفَاعُ بِحَسَبِ الإِذْنِ، لأَنَّهُ وضعُ العَارِيَةِ، فَإِنْ أعَارَهُ لِزِرَاعَةِ حِنْطَةٍ زَرَعَهَا، لإذنه فيها، وَمِثلَهَا إِنْ لَم يَنْهَهُ, لأنَّ رضاهُ بالحنطة رضي بمثلها, وله زرع الشعير من طريق الأَولى؛ إلا أنْ يَنهَاهُ، ولا يجوزُ أن يزرع أضرَّ منهما قطعًا كالقطن والذرة.
стр. 869
فَرْعٌ: لو عيَّن نوعًا وَنُهِيَّ عَنْ غَيرِهِ امْتَثَلَ؛ صَرَّحَ بهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَأَهْمَلَهُ الْمُصَنِّفُ.
أَوْ لِشَعِيرٍ لَمْ يَزْرَعْ مَا فَوْقَهُ كَحِنْطَةٍ، لأن ضررها أكثر من ضرره، وَلَوْ أَطْلَقَ الزِّرَاعَةَ، أي بأنْ قال: أعرتك للزراعة، صَحَّ فِي الأَصَحَّ وَيزْرَعُ مَا شَاءَ، لإطلاق اللفظ، والثاني: لا يصح؛ لتفاوت الضرر، قال الرافعي: ولو قيل: يصح؛ ولا يزرع إلا أقل الأنواع ضررًا لكان مذهبًا.
وَإِذَا اسْتَعَارَ لِبِنَاءٍ أَوْ غِرَاسٍ فَلَهُ الزَّرْعُ، لأنه أخف، وَلَا عَكْسَ، لأن ضررهما أكثرُ ويقصد منهما الدوامُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَغْرِسُ مُسْتَعِيرٌ لِبِنَاءٍ، وَكَذَا الْعَكْسُ، أي لا يبني مستعيرٌ لغراسٍ؛ لاختلافِ الضررِ، إذ ضرر البناء في الظاهرِ والغِرَاسُ في الباطنِ لانتشار العروق، والثاني: يجوز، لأن كلا منهما للتأبيد.
وَأَنَّهُ لَا تَصِحُّ إِعَارَةُ الأرْضِ مُطْلَقَةً، بَلْ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ نَوْعِ الْمَنْفَعَةِ، لأنَّ الإِعَارَةَ مَعُونَةٌ شَرْعِيَّةٌ جوزت للحاجة؛ فلتكن على حسبها، ولا حاجة إلى الإعارةِ المرسلةِ، وهذا هو الأظهر عند الإمام والغزالي، والثاني: يصح مطلقهُ ولا يضر ما فيه من الجهالة، لأن العاريةَ يُحْتَمَلُ فِيهَا مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الإِجَارَةِ، وهذا ما أَوْرَدَهُ العراقيونَ والماورديُّ والبغويُّ والرويانيُّ فينبغي ترجيح هذا لأن عليه الأكثرُ، كما قررناه، قال الرافعي: والوجهُ الفطعُ بأنَّ إطلاقَ الاعارةِ لا يُسَلَّطُ على الدَّفْنِ لما فيه من ضرر اللزومِ، هذا كله إذا كان المستعار ينتفعُ بِهِ من جهتين فصاعدًا كالأرض والدابة، أما إذا كان لا ينتفع به إلا بجهةٍ واحدةٍ كالبساطِ بالفَرش؛ فإنه لا يحتاج في إعارته إلى بيان الانتفاعِ ويستعملُهُ فِي ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ.
فَصْلٌ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا رَدُّ الْعَارِيَةِ مَتَى شَاءَ، لأَنَّهَا مَبَرَّةٌ مِنَ الْمُعِيرِ، وَارْتفَاقٌ مِنَ الْمُسْتَعِيرِ، فلا يليقُ بها الإلزامُ وَسَوَاءً الْمُطْلَقَةُ وَالْمُقَيَّدَةُ، إلا إِذَا أَعَارَ لِدَفْنٍ فَلَا يَرْجِعُ حَى يَنْدَرِسَ أَثَرُ الْمَدْفُونِ، محافظةً على حرمة الميت، وله الرجوع قبل الحفر وبعده ما لم يوضع فيه الميت وقوله (حَتَّى يَنْدَرِسَ أَثَرُ الْمَدْفُونِ) هو أول جَوَابَي
стр. 870
القاضي حُسَين وأخِرُها: أَنهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ قَطْ؛ لأَنَّ الدَّفْنَ لِلتَّأْبِيدِ.
تَنْبِيهٌ: العَارِيَةُ قد تلزم من جهة المستعير فقطْ، وَهِيَ مَا إِذَا اسْتَعَارَ الدَّارَ لِسُكْنَى الْمُعْتَدَّةِ، وَلَوْ كَفَّنَ أَجْنَبِيٌّ مَيِّتًا، وقلنا بأنَّ الكَفَنَ بَاقٍ على مِلْكِ الأجْنَبِيِّ وهو الأصحُّ، فإنه يكون من العواري اللازمة، قاله في الوسيط في كتاب السرقة، وإذا قال: أَعِيرُوا دَارِي بَعْدَ مَوْتِي لِفُلانٍ شَهْرًا كَانَتْ عَارِيَةً لازِمَةً، ذكره الرافعي في التَّدْبِيرِ، وكذا إذا نذر المعيرُ ألا يَرْجِعَ أَوْ نَذَرَ أَنْ يَرْجِعَ، قاله المتولي. ولو أعار سترةً للمصلي؛ فَصَلَّى فِيهَا ثُمَّ رَجَعَ فيها فهل يلتحق بالدفن؟ فيه نظر واحتمال، ولو أعاره سفينةً فَطَرَحَ فيها مالًا؛ لم يكن له الرجوع؛ قاله في البحر.
فَرْعٌ: أعاره للدفن لم يجز أن يدفن معه آخر، قال الروياني: إلا أن يتجاوز مكان لَحْدِهِ فيجوز إن كان مقاربًا.
وَإذَا أَعَارَ لِلْبِنَاءِ أَو الْغِرَاسِ، أي لِغَرْسِ الْغِرَاسِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُدَّةً، ثُمَّ رَجَعَ، بعد أن بَنَى وَغَرَسَ، إِن كَان شرَطَ الْقَلْعَ مَجَانًا، أي بلا بدل، لَزِمَهُ، لأنه رضي بالتزام الضرر الذي يدخل عليه بالقلع، فإن امتنع فللمعير القلعُ مجانًا، ولم يذكر الشافعي ﵀ في الأُمِّ والمختصر لفظة مجانًا وحذفُها أَولى، واحترز بالمدة عن العارية المطلقة وستأتي بعد، وَإِلَّا، أي وإن لم يشترط عليه القلع، فَإِنِ اخْتَارَ الْمُسْتَعِيرُ الْقَلْعَ قَلَعَ، لأنهُ مَلَكَهُ فَلَهُ نَقْلُهُ عَنْهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَسْويَةُ الأَرْضِ فِي الأَصَحِّ، لأنه مأذون فيه؛ فلم يلزمه ضمان نقصه كاستعمال الثوب المستعار. قُلْتُ: الأَصَحُّ تَلْزَمُهُ، وَالله أَعْلَمُ، لِيَرُدَّ كما أخذ، ومحل الخلاف فيما إذا كانت الْحُفَرُ الْحَاصِلَةُ في الأرض على قَدْرِ الْحَاجَةِ، فإن كانت زائدةً على حاجة القلع لزمه حكم الزائد قطعًا، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ، يعني القلع، لَمْ يَقْلَعْ مَجَانًا، لأنه محترم، بَلْ لِلْمُعِيرِ الْخِيَارُ بَينَ أَنْ يُبْقِيَهُ بِأُجْرَةٍ، إلى أجرة مثله، أَوْ يَقْلَعَ وَيَضْمَنَ أَرْشَ النَّقْصِ، أي حال البدل، وهو قدر التفاوت ما بين قيمته قائمًا ومقطوعًا؛ لأنه لا يليق بالعاريَةِ مَنْعُ الْمُعِيرِ مِنْ مَالِهِ ولا يضيعُ مال المستعيرِ فجمعنا بذلك بين الْحَقَّينِ، وخيَّرنا المعيرَ؛ لأنه الْمُحْسِنُ؛ فإن لم يحصل بالقلع نقصٌ؛ فليس له إلا القلع.
стр. 871
قِيلَ: أَوْ يَتَمَلَّكَهُ بِقِيمَتِهِ، أي حال التملك فهذه خصلة ثالثة، ووجه مقابله: أن ذلك بيع؛ فلا بد فيه من التراضي. وصحح المصنف في أصل الروضة أنه يتخير بين القلع بضمان الأرش والتملك بالقيمة، وهذه المسألة اضطربَ فيها الترجيحُ كما بينته في الشرح مع نظائرها، ولو كان في الأرض شيء للمستعير لم يكن له إلا التبقية بأجرة، قاله المتولي، ولو كان على الأشجار ثمر بدا صلاحها تأخر التخيير بين الحصاد إلى الجداد، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ، أي المعير من اختيار شيء مما خير فيه، لَمْ يَقْلَعْ مَجَانًا، إِنْ بَذَلَ الْمُسْتَعِيرُ الأُجْرَةَ، لأنه غير ظالم، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَبْدُلُهَا فِي الأَصَحِّ، لأَنَّ الْعَارِيَةَ تَقْتَضِي الانْتِفَاعَ مِنْ غَيرِ عِوَضٍ، والثاني: يَقلَعُ لأَنَّهُ بَعدَ الرُّجُوعِ لَا يَجُوزُ الانْتِفَاعُ بِمَالِهِ مِنْ غَيرِ أُجْرَةٍ. وَعَلَى الأَصَحِّ، ما الذي يفعل؟ فيه وجهان؛ حَكَاهُمَا المُصَنِّفُ حَيثُ قَال: ثُمَّ قِيلَ: يَبِيعُ الْحَاكِمُ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا وَتُقْسَمُ بَينَهُمَا، فصلًا للخصومة. وفي كيفية التوزيع الخلاف السالف في الرهن.
وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُعْرِضُ عَنْهُمَا حَتَّى يَخْتَارَا شَيئًا، لأن المستعيرَ لا تقصير منه فكيف يزال بغير اختياره؟ والبيع ليس هو واجبٌ فليس بيعه كبيعِ مَالِ الْمُمْتَنِعِ، وقوله (حَتَّى يَخْتَارَا) كذا هو بخطه بالألف وحذفها بخطه من الروضة، وصحح على موضع سقوطها وهو أحسن؛ أي يختار المعير وبه تنفصل الخصومة. ثم ذكر المصنف ما يترتب على الوجه الأصح: وهو الإعراض عنهما إلى الاختيار فقال: وَللْمُعِيرِ دُخُولُهَا وَالانْتِفَاعُ بِهَا، لأنها ملكه، وَلَا يَدْخُلُهَا الْمُسْتَعِيرُ بِغَيرِ إِذْنٍ لِلتَّفَرُّجِ، لأنه لا ضرورة به إليه فكان كالأجنبي. وَيَجُوزُ لِلسَّقْيِ وَالإِصْلاحِ فِي الأَصَحِّ، صيانةً لملكه عن الضياع، والثاني: لا، لأنه يشغل ملك غيره إلى أن يصل إلى ملكه، وَلِكُلٍّ، أي من المعير والمستعير، بَيعُ مِلْكِهِ، أي من الآخر، وللمعير أيضًا بيع ملكه لثالث على الأصح، ثم يخير المشترى تخيير المعير، وَقِيلَ: لَيسَ لِلْمُسْتَعِيرِ بَيعُهُ لِثَالِثٍ، لأن ملكه غير مستقرٍ، فإن للمعيرِ تملكه بالقيمةِ، وأجاب الأول عنه: بِأَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ الْبَيعَ كَمَا فِي بَيعِ الشَّقْصِ الْمِشْفُوعِ، وَالْعَارِيَةُ الْمُؤَقَّتَةُ كَالْمُطلَقَةِ، فيما سلف من الأحكام وبيان المدة، تكون للمنع من إحداث البناء والغراس بعد هذا أو لطلب
стр. 872
الأجرة، وَفِي قَوْلٍ: لَهُ الْقَلْعُ فِيهَا مَجَانًا إِذَا رَجَعَ، أَي بَعْدَ الْمُدَّةِ ذَهَابًا إِلَى أَنَّ فَائِدَةَ بَيَانِ الْمُدَّةِ الْقَلْعُ بَعْدَ مُضِيِّهَا.
وَإِذَا أعَارَهُ لِزِرَاعَةِ وَرَجَعَ قَبْلَ إِدْرَاكِ الزَّرْعِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيهِ الإِبْقَاءَ إِلَى الْحَصَادِ، لأنه محترم وله أمدٌ ينتظرُ، والثاني: للمعير أن يقلع ويغرم أرش النقص كما مرَّ في الغِرَاسِ تخريجًا من العَارِيَةِ الْمُؤَقَّتَةِ، والثالث: له تملكه بالقيمة، وَأَنَّ لَهُ الأُجْرَةَ، لأنه إنما أباح له المنفعة إلى وقت الرجوع فأشبهَ مَنْ أَعَارَ دَابَّةً إلى بلدٍ ثُمَّ رجعَ في الطريقِ؛ فَإِنَّ عَلَيهِ نَقْلَ مَتَاعِهِ إِلَى مَأْمَنٍ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، والثاني: لا أُجرة له؛ لأن منفعة الأرضِ إلى الحصادِ كالمستوفاة، ومحل ما ذكره في الزرع فيما إذا كان مما لا يحصد قصيلًا كالقمح ونحوه، فإن كان مما يحصد قصيلًا كالرطب فله قطعه، فَلَوْ عَيَّنَ مُدَّةً وَلَمْ يُدْرِكْ فِيهَا لِتَقْصِيرِهِ بِتَأْخِيرِ الزِّرَاعَةِ قَلَعَ مَجَانًا، لما أشار إليه من كونه مقصرًا وإلا فهو كما لو أعاره مطلقًا، وَلَوْ حَمَلَ السَّيلُ، أي وكذا الهوى، بَذْرًا إِلَى أَرْضِهِ فَنَبَتَ، فَهُوَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، أي ولو كان حبة واحدةً؛ لأنه باقٍ على مِلْكِهِ وهذا فِي حَبَّةٍ وَنَوَاةٍ لم يعرض عنها مَالِكُهَا، أمَّا إِذَا أعْرَضَ عَنْهَا وَأَلْقَاهَا فَيَنْبَغِي الْقَطْعُ بِكَوْنِهَا لِصَاحِبِ الأَرْضِ، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ، لأن المالِكَ لم يَأْذَنْ فيهِ فهو كما لو انتشرت أغصانُ شجرةٍ في هواء دار غيره؛ فإن له قطعها، والثاني: لا يجبر مجانًا، لأنه غير متعدٍ؛ فهو مستعير فينظر في النابت: أهو شَجَرٌ أَمْ زَرْعٌ؟ وَيَكُونُ الحُكْمُ عَلَى مَا سَبَقَ.
فَصْلٌ: وَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً وَقَال لِمَالِكِهَا: أَعَرْتَنِيهَا، أي وهي باقية، فَقَال: بَلْ أَجَّرْتُكَهَا، أَو اخْتَلَفَ مَالِكُ الأَرْضِ وَزَارِعُهَا كَذَلِكَ، فَالْمُصَدَّقُ الْمَالِكُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأن المنافع تصح المعارضة عليها كالأعيان، ولو اختلفا لي العين بعد استهلاكها؛ فقال المالك: بعتكها؛ وقال: بل وهبتنيها؛ صُدِّقَ المالكُ فكذا هنا، والثاني: أن القولَ قَوْلُ الرَّاكِبِ وَالزَّارِعِ؛ لأَنَّهُمَا اتَّفَقَا على إباحةِ المنفعةِ؛ والأصلُ براءَةُ الذِّمَّةِ عَنِ الأُجْرَةِ، هذا أصحُّ الطريقين، إن المسألة على قولين نقلًا وتخريجًا،
стр. 873
وقيل: هما منصوصان، والثاني: يصدق مالك الأرض دون مالك الدابة، وهذا هو المنصوص فيهما، واختاره القفال؛ لأن الدواب يكثر فيها الإعارة بخلاف الأرض.
وَكَذَا لَوْ قَال: أَعَرْتَنِي، أي هذه الدَّابة أو الأرض، وَقَال: بَل غَصَبْتَ مِنِّي، فالمصدق المالك على المذهب لأن الأصل عدم إذنه، والثاني: أن القول قول المستعير؛ لأن الظاهر أن تصرفه بحق، والطريق الثاني: القطع بالأول، والثالث: القطع بالثاني، فَإن تَلِفَتِ الْعَينُ فَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى الضَّمَانِ، لأن كلًّا من العارية والمغصوب مضمون، لَكنِ الأَصَحُّ أَنَّ الْعَارِيَةَ تُضْمَنُ بِقِيمَةِ يَوْمِ التَّلَفِ، لأن الأصل رد العين، وإنما تجب القيمة بالفوات وهذا إنما يتحقق بالتلف، لَا بِأَقْصَى الْقِيَمِ وَلَا بِيَوْمِ الْقَبْضِ، لأنه لو ضمنها لضمن ما أذن له في إتلافه وهو لا يضمنها كما تقدم، والثاني: يضمنها بأقصى القيم كالمغصوب، والثالث: بقيمة يوم القبض كالقرض، قال المتولي: ومحل الخلاف إذا نقصت القيمة بتغير السوق! فإن نقصت بالاستعمال ولم تذهب العين ثم تلفت لم يضمن الزائد، فَإِنْ كَانَ مَا يَدَّعِيهِ الْمَالِكُ أَكْثَرَ حَلَفَ لِلزِّيَادَةِ، لأن غريمه ينكرها.
الْكُفَّارِ بِالاغْتِنَامِ، وزاد القاضي جَهْرًا لِتَخْرُجَ السَّرِقَةُ، ولو حَبَسَ المالِكَ عن سقي ماشيته ونخيله فَتَلِفَا فالأصحُّ لا ضمانَ بخلاف فتح الزق عن جامدٍ وإذابت الشَّمْسِ مَا فِيهِ وَضَاعَ، لأَنَّهُ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي الْمَالِ، فَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً أَوْ جَلَسَ عَلَى فِرَاشٍ فَغَاصِبٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْ، لحصول غاية الاستيلاء وسواء قصد الاستيلاء أو لم يقصده كما صرح به في أصل الروضة، وَلَوْ دَخَلَ دَارَهُ، أي بأهلهِ على هيئةِ مَنْ يَقْصِدُ السُّكْنَى كما قَيَّدَهُ الرافعيُّ، وَأَزْعَجَهُ عَنْهَا، أَوْ أَزْعَجَهُ وَقَهَرَهُ عَلَى الدَّارِ، أي بالطريق الذي جعلناهُ قبضًا في بَيعِهَا، وَلَمْ يَدْخُلْ؛ فَغَاصِبٌ، أمَّا فِي الأُوْلَى: فسواء قَصَدَ الاستيلاء أم لا! لأنَّ وجودَ الاستيلاءِ يُغْنِي عَنْ قَصْدِهِ؛ وإذا اجتمعَ الإزعاجُ والدخولُ الْخَالِي عن هيئةِ السكونِ، فالأقربُ كما قاله صاحب المطلب: إنه غصبٌ، لأنه قرينةٌ دَالَّةٌ على الاستيلاءِ، وأمَّا في الثانية: فلأنها في قبضتِهِ عُرفًا؛ ولا بد من قصد الاستيلاء قاله الماوردي والإمامُ، وَفِي الثَّانِيَةِ: وَجْهُ وَاهٍ، أي أنه لا يكون غاصبا ما لم يدخل، وهذا مقتضى إطلاق الغزالي؛ وهو ما سلف للمصنف في حكايته كما قاله الإمام فأعلَمْهُ، وقوله (وَأَزْعَجَهُ وَقَهَرَهُ) احترز به عمَّا إذا لم يُوجد إلّا إزعاجٌ فقط؛ فإنه لا ضمانَ قطعًا كما قاله الإمام.
وَلَوْ سَكَنَ بَيتًا، وَمَنَعَ الْمَالِكَ مِنْهُ دُونَ بَاقِي الدَّارِ، فَغَاصِبٌ لِلْبَيتِ فَقَطْ، لقصور الاستيلاء عليه، وَلَوْ دَخَلَ بِقَصْدِ الاسْتِيلاءِ وَلَيسَ الْمالِكُ فِيهَا فَغَاصِبٌ، لحصول الاستيلاء في الحال، واحتَرزَ بالقصدِ عمَّا إذا دخلَ لا على قصدٍ، بل ينظر: هل تصلح له أو غير ذلك! فإنه لا يكون غَاصبًا، وَإِنْ كَانَ، وَلَمْ يُزْعِجْهُ؛ فَغَاصِبٌ لِنِصْفِ الدَّارِ، لاجتماع يَدِهِمَا واستيلائِهما، إلا أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا لَا يُعَدُّ مُسْتَوْلِيًا عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ، أي فإنه لا يكون غاصبًا لشيء منها لانتفاءِ الاستيلاءِ والحالةُ هذهِ.
فَصْلٌ: وَعَلَى الْغَاصِبِ الرَّدُّ، لقوله ﵊: [عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُوَدِّيَهُ] (١٥٠)، فَإِنْ تَلِفَ عِنْدَهُ ضَمِنَهُ، بالإجماع، نعم؛ لو كان التالف لا قيمةَ
стр. 876
له كالسرجينِ ونحوه فلا ضمان، والحربيُّ لا ضمان عليه.
وَلَوْ أَتْلَفَ مَالًا فِي يَدِ مَالِكِهِ ضَمِنَهُ، بالإجماع أيضًا، وَلَوْ فَتَحَ رَأْسَ زِقٍّ مَطْرُوحٍ عَلَى الأَرْضِ فَخَرَجَ مَا فِيهِ بِالْفَتْحِ، أَوْ مَنْصُوبِ، فَسَقَطَ بِالْفَتْحِ، أي بأن حَلَّ وكاءَهُ، وَخَرَجَ مَا فِيهِ ضَمِنَ، أما في الأُولى: فلمباشرةِ الإِتْلافِ، وأما في الثانية: فلأنه نَاشِئٌ عَنْ فِعْلِهِ، وَإِنْ سَقَطَ بِعَارِض رِيحٍ لَمْ يَضْمَنْ، لأنه لم يُوجد منهُ الخروجُ بفعلهِ، واحترز بالعارضِ عن المقارنِ فإنهُ مِن ضمانِ الفاتح كما أَشعَرَ بِهِ كَلامُهُ؛ وعروضُ الزَّلْزَلَةِ؛ ووقوعُ الطائرِ عليهِ كالريح؛ وحكم حَلِّ السفينة كالزق.
وَلَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ وَهَيَّجَهُ فَطَارَ ضَمِنَهُ، بالإجماع، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَتْحِ فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ إِذَا طَارَ فِي الْحَالِ ضَمِنَ، وَإِنْ وَقَفَ ثُمَّ طَارَ فَلَا، لأنه في الأول يشعر طيرانه بتنفيره، وفي الثاني يشعر باختياره، والثاني: يضمن مطلقًا، لأنه لولا الفتح لم يطر، والثالث: لا مطلقًا، لأن له اختيارًا.
وَالأَيدِي الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ أَيدِي ضَمَانٍ، وَإِنْ جَهِلَ صَاحِبُهَا الْغَصْبَ، لأَنَّ الْجَهْلَ لَيسَ مُسْقِطًا لَهُ وَقَدْ أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَى مَالِ غَيرِهِ بِغَيرِ إِذْنِهِ، ثُمَّ إِنْ عَلِمَ، أي الثاني الغصبَ، فَكَغَاصِبِ مِنْ غَاصِبُ، فَيَسْتَقِرُّ عَلَيهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ عِنْدَهُ، أَي فَيُطَالبُ بِكُلِّ مَا يُطَالبُ بِهِ الْغَاصِبُ، وَإِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ فِي يَدِهِ فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيهِ، وَكَذَا إِنْ جَهِلَ، يعني الثاني الغصب، وَكَانَتْ يَدُهُ فِي أَصْلِهَا يَدَ ضَمَانٍ كالعَارِيَةِ، لأنه دخل في العقد على الضَّمَانِ فَلا غرور، وَإِنْ كَانَتْ يَدَ أَمَانَةٍ كَوَدِيعَةٍ، فَالْقَرَارُ عَلَى الْغَاصِبِ، لأنه دخل على أَنَّ يَدَهُ نَائِبَةٌ عَنْ يَدِ الْغَاصِبِ، وَمَتَى أَتْلَفَ الآخِذُ مِنَ الْغَاصِبِ مُسْتَقِلًّا بِهِ، أي بالإتلاف، فَالْقَرَارُ عَلَيهِ مُطلَقًا، أي سواء كانت يَدُهُ يَدَ ضَمَانٍ أَوْ أَمَانَةٍ، لأنَّ الإِتْلافَ أَقْوَى مِنْ إِثْبَاتِ الْيَدِ العَادِيَةِ، وقوله (مُسْتَقِلًّا) احترز به عما إذا حُمِلَ عليهِ وسيأتي على الأثرِ، وَإِنْ حَمَلَهُ الْغَاصِبُ عَلَيهِ؛ بِأَنْ قَدَّمَ لَهُ طَعَامًا مَغْصُوبًا ضِيَافَةً فَأكَلَهُ؛ فَكَذَا فِي الأَظْهَرِ، لأنَّهُ الْمُتْلِفُ، والثاني: أن القرارَ على الغاصبِ، لأنَّهُ غَرَّهُ، وَعَلَى هَذَا، يعني: القولُ الأظهرُ، لَوْ
стр. 877
قَدَّمَهُ لِمَالِكِهِ فَأَكَلَهُ بَرِئَ الْغَاصِبُ، لما قررناه من تقديم المباشرة؛ وعلى الثاني: لا يبرأُ.
فَصْلٌ: تُضْمَنُ نَفْسُ الرَّقِيقِ بِقِيمَتِهِ، أي كَالْحُرِّ بقيمتهِ بالغةً ما بلغتْ وَلَوْ زَادَتْ عَلَى أَعْلَى الدِيَّاتِ، تَلِفَ أَوْ أُتْلِفَ، تَحْتَ يَدٍ عَادِيَةٍ، بتخفيف الياء، وَأَبْعَاضُهُ الَّتِي لَا يَتَقَدَّرُ أَرْشُهَا، من الْحُرِّ بِمَا نَقَصَ مِن قِيمَتِهِ، أي كذهاب البكارة، وَكَذَا الْمُقَدَّرَةُ، أي كاليد، إِنْ تَلِفَتْ، أي بآفة سماوية؛ لأن ضَمَانَ الْيَدِ سَبِيلُهُ لسَبِيلُ ضَمَانِ الأمْوَالِ، وإِن أُتْلِفَتْ، أي بالجناية عليها، فَكَذَا فِي الْقَدِيمِ، أي أنه يجب ما نقص من قيمته كسائر الأموال، وَعَلَى الْجَدِيدِ تَتَقَدَّرُ مِنَ الرَّقِيقِ، وَالْقِيمَةُ فِيهِ كَالْدِيَّةِ فِي الْحُرِّ، فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ، لما ستعلمه في آخر الديات فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ أَعَادَهَا هُنَاكَ، وَسَائِرُ، أي باقي، الْحَيَوَانِ، يضمن، بِالْقِيمَةِ، لأنها لا تشبه الحُرَّ، وَغَيرُهُ، أي غير الحيوان من الأموال؛ يَنْقَسِمُ إلى: مِثْلِيٌّ وَمُتَقَوِّمٌ، أي بكسر الواو، لأنه إن كان له مثل فالمثليُّ وإلّا فالمتقوِّم، وللأصحاب عباراتٌ في حَدِّ المثليِّ لا نطول بذكرها، والأصح منها ما صحَّحهُ الْمُصَنِّفُ حيثُ قال: وَالأَصَحُّ: أَنَّ الْمِثْلِيَّ مَا حَصَرَهُ كَيلٌ أَوْ وَزْنٌ وَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ، واحترز بالكيل والوزن عن المعدود والمذروع كالحيوان والثياب فليسا بِمِثْلَينِ وإنْ جازَ السَّلَمُ فيهما وخرجَ بجوازِ السَّلَمِ مَا لَا يجوز كالجواهر الكبار، وغيرها على ما سبق في بابه، ويرد على هذه العبارة القمحُ المختلطُ بالشعير فإنه لا يجوز السُّلَمُ فيه ويرد مثله؛ ثم ذكر المصنف لذلك أمثلة فقال: كَمَاءٍ، أي باردٍ، أما الحار فإنه متقوم لدخولِ النَّارِ فيه ودرجات حموهِ لا تَنْضَبِطُ، كذا ذكره صاحب المطلب في الإجارة، وَتُرَابٍ، أي ورمل لا القُمَامَاتِ التي تجتمع في الأراضي؛ فلا ضمان فيها؛ لأنها محقرة، وَنُحَاسٍ، أي وحديد، وَتِبْرٍ، أي وهو غير المضروب، وَمِسْكٍ؛ وَكَافُورٍ؛ وَقُطْنٍ، أي بعد إخراج حبه، أما قبله فيظهر القطع بأنه متقوِّم كما قاله صاحب المطلب، وَعِنَبٍ وَدَقِيقٍ، أي وكذا نخالة كما قاله ابن الصلاح، لَا غَالِيَةٍ وَمَعْجُونٍ، لأنهما مختلطان من أجزاءٍ مختلفة.
стр. 878
فَرْعٌ: قال الشافعيُّ: الصوف يُضْمَنُ بالمثلِ إن كان له مثلٌ، وهذا توقف منه في أنه مثليٌّ أم لَا! قال في البحر: وقيل: فيه قولان.
فَرْعٌ: قال القفال في فتاويه ومنها نقلتُ: بزر الدود لا مثل له، ولا يجوز السَّلَمُ فيهِ، لأَنَّ أَهْلَ الصَّنْعَةِ لَا يَعْرِفُونَ أَن هَذَا الْبَزْر يَكُونُ نَسْجُهُ أَبْيَضَ أَمْ أَحْمَرَ فَهُوَ كَالسَّلَمِ فِي الْجَوْهَر.
فَيُضْمَنُ الْمِثْلِيُّ بِمِثْلِهِ تَلِفَ أَوْ أُتْلِفَ، لأنه أقرب إلى التالف، ويستثنى من ذلك ما إذا غصب ماءً في بَرِّيَةٍ ثم ظفر به على الشط فإن المطالبة هنا تكون بقيمة البرية، فَإِنْ تَعَذَّرَ، أي إما لإعوازه وإمّا لوجوده بأكثر من ثمن المثل، فَالْقِيمَةُ، أي قيمة المثل كما صرح به في التنبيه، وقيل: قيمة المغصوب، أمَّا عِنْدَ الإِعْوَازِ؛ فَلأَنَّهُ الْمُمْكِنُ، وَأَمَّا عِنْدَ وُجُودِهِ بِثَمَنٍ غَالٍ؛ فَلأَنَّهُ كَالْمَعْدُومِ.
فَرْعٌ: لو اصطلحا على أخذ القيمة مع وجود المثل صح في الأصح قاله في البحر.
وَالأَصَحُّ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَقْصَى قِيَمِهِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إِلَى تَعَذُّرِ الْمِثْلِ، لأن وجودَ المثلِ كَبَقَاءِ عَينِ الْمَغْصُوبِ، لأَنَّهُ كانَ مأمورًا بِرَدِّهِ كما كانَ مأمورًا بِرَدِّ المغصُوبِ فإذا لم يفعل غرم أقصى قيمة في الْمُدَّتَينِ، ومقابل الأصح في كلام الشيخ أَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا ذكرتُها في الشرحِ الكبيرِ فَرَاجِعْهَا مِنْهُ، ومنها أن الاعتبارَ بيومِ المطالبةِ لأنَّ الإعْوَازَ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ، ونقله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ عن الأكثرين.
وَلَوْ نَقَلَ الْمَغْصُوبَ الْمِثْلِيَّ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فَلِلْمَالِكِ أَن يُكلِّفَهُ رَدَّهُ، أي إِذَا عَلِمَ مَوْضِعَهُ لإطلاق الحديث السالف [عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ]، وقولُ المصنف فيما مضى (وَعَلَى الْغَاصِبِ الرَّدُّ) يشمَلُ هذا وَغَيرَهُ، لعمومه المثليُّ والمتقوِّم وغيرهما بخلاف عبارته هنا، وَأَنْ يُطَالِبَهُ بِالْقِيمَةِ فِي الْحَالِ، للحيلولة ليقع الجبر بقدر الإمكانِ، وهذه القيمة يملكها الآخذ على الأصح، فَإذَا رَدَّهُ رَدَّهَا، أي وجوبًا لِزَوَالِ الْحَيلُولَةِ، قال الماورديُّ: ولو كان على مسافةٍ قريبةٍ لَمْ يُطَالبْ بِالْقِيمَةِ بَلْ
стр. 879
يُرَدُّ الْمَغْصُوبُ، فَإِنْ تَلِفَ فِي الْبَلَدِ الْمَنْقُولِ إِلَيهِ، طَالبَهُ بِالْمِثْلِ فِي أيِّ الْبَلَدَينِ شَاءَ، لتوجيه الطلب عليه بِرَدِّ العَينِ في الْمَوْضِعَينِ، فَإِنْ فُقِدَ المِثْلُ غَرَّمَهُ قِيمَةَ أَكْثَرِ الْبَلَدَينِ قِيمَةً، تغليظًا عليه، لأنه كان يجوز له المطالبة بالمثل فيها.
وَلَوْ ظَفِرَ بِالْغَاصِبِ فِي غَيرِ بَلَدِ التَّلَفِ؛ فَالصَّحِيحُ: أنَّهُ إِنْ كَانَ لَا مُؤْنَةَ لِنَقْلِهِ؛ كَالنَّقْدِ؛ فَلَهُ مُطَالبَتُهُ بالْمِثْلِ، وَإِلَّا فَلَا مُطَالبَةَ بِالْمِثْلِ، لما فيه من الضرر، بَل يُغَرَّمُهُ قِيمَةَ بَلَدِ التَّلَفِ، قطعًا للنزاع، والثاني: يطالب بالمثل مطلقًا، والثالث: المنع مطلقًا، وهو مُخَرَّجٌ من كلام الوسيط.
وَأَمَّا الْمُتقوِّمُ؛ فَيُضمَنُ بِأَقْصىَ قِيمِهِ مِنَ الْغَصْبِ إِلَى التَّلَفِ، لأنه في حالة زيادة القيمة غاصب مطالب بالرد، فإذا لم يرد ضمن بدله، وتجبُ قيمتُهُ من نقد البلد الَّذِي تَلِفَ فِيهِ، وَفِي الإِتلافِ بِلا غَصْبٍ بِقِيمَةِ يَوْمِ التَّلَفِ، أي إذا أتلفَ متقوَّمًا بلا غَصْبٍ لَزِمَهُ مَا ذَكَرَ، ووجهه: أنَّ ضمانَ الزائدِ في المغصوبِ إنَّما كَانَ بِالْيَدِ الْعَادِيَةِ وَلَمْ يُوْجَدْ هُنَا، فَإِنْ جَنَى وَتَلِفَ بِسِرَايَةٍ، فَالْوَاجِبُ الأَقْصَى أيضًا، أي إذا جنى وحصل التلف بتدرج وسرايةٍ واختلفت قيمته في تلك المدة، فإنْ جَرَحَ بهيمةً قيمتُها مائةٌ ثُمَّ تلفت وقيمتها خمسون لَزِمَهُ مائةٌ؛ لأنَّا إذا اعتبرنا الأقصَى في اليدِ العادِيَةِ فَلأنْ نَعْتَبِرَهُ في نفسِ الإتلافِ أوْلَى.
فَصْلٌ: وَلَا تُضْمَنُ الخَمْرُ، سواء كانت لِمُسْلمٍ أو ذِمِّيٍّ جازَ إِرَاقَتُهَا أَمْ لَا؟ إذ لا قيمة لها. والخنزير كالخمر، وكذا ما هو نَجِسُ الْعَينِ كالميتةِ؛ والنبيذُ كالخمرِ. وكذا الحشيشُ، إِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ فِيمَا يَظْهَرُ، وَلَا تُرَاقُ عَلَى ذِمِّيٍّ، لأنهم مقرون على الانتفاع بها كذا علله في الكفاية، إلا أَن يُظْهِرَ شُرْبهَا أوْ بَيعَهَا، أي من مثله وكذا هبتها ونحو ذلك، لأنهُ عرَّضَها حينئذ لإراقتها، لأن عَقْدَ الذِّمَّةِ قَدْ جَرَى عَلَى مَنْع إِظهَارِهِمْ لَهَا، والإِظهَارُ: هُوَ الإِطِّلاعُ عَلَيهِ مِنْ غَيرِ تَجَسُّسٍ، قال الإمامُ: واستعمالهم للأوتار بحيث يسمعها من ليس في دُوْرِهِمْ إظهارٌ لها، وَتُرَدُّ عَلَيهِ إِنْ بَقِيَتِ العَينُ، أي إذا كان أخذها منه عند عدم الإظهار لما سبق من تقريرهم عليها،
стр. 880
فإن تَلِفَتْ؛ فلا. ونسبَ الإِمامُ إلى المحقِّقِينَ: أن الواجبَ التَّمْكِينُ لا الرَّدُّ.
وَكَذَا الْمُحْتَرَمَةُ إِذَا غُصِبَتْ مِن مُسْلِمٍ، لأن له إمساكها لتصير خلًا، واحترز بالمحترمة عن غيرها، فإنها إذا غُصبت من مسلمٍ لا تُرَدُّ عليهِ وَتُرَاقُ، وَالأَصْنَامُ، أي وكذا الصُّلْبَانُ، وَآلاتُ الْمَلاهِي، أي كالطنبورِ، لَا يَجِبُ فِي إِبْطَالِهَا شَيءٌ، لأنها محرمةُ الاستعمالِ ولا حُرْمَةَ لِتِلْكَ الصَّنْعَةِ وروى البيهقي عن أبي حَصِين (أَنَّ رَجُلًا كَسَرَ طُنْبُوْرًا لِرَجُلٍ فَرَفَعَهُ إِلَى شُرَيحٍ فَلَمْ يُضَمِّنْهُ) (١٥١)، وَالأَصَحُّ: أَنَّهَا لَا تُكْسَرُ الْكسْرَ الْفَاحِشَ بَل تُفْصَلُ لِتَعُودَ كَمَا قَبْلَ التَّأْلِيفِ، لأنه إذا فَصَلَ الأجزاءَ كُلَّهَا زال الاسمُ وعسر العَوْدُ فكان أدْعَى إِلَى التَّرْكِ، والثاني: أنها تُكْسَرُ وَتُرَضُّ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى حَدٍّ لَا يُمْكِنُ إتِّخَاذُ آلَةٍ مُحَرَّمةٍ مِنْهُ. لا الأُوْلى وَلَا غَيرُهَا؛ لأنَّهُ أبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عنِ العَوْدِ، فَإِنْ عَجَزَ الْمُنْكِرُ عَن رِعَايَةِ هَذَا الْحَدِّ؛ لِمَنْع صَاحِبِ الْمُنكَرِ أَبْطَلَهُ كَيفَ تَيَسَّرَ، أي وإن زاد على ما قُلْنَاهُ إذا لم يمكن بما دونه.
فَصْلٌ: وَتُضْمَنُ مَنْفَعَةُ الدَّارِ وَالْعَبْدِ وَنَحْوهِمَا بِالتَّفْويتِ وَالْفَوَاتِ فِي يَدٍ عَادِيَةٍ، لأنها مضمونة بالعقد الفاسد فتضمن بالغصب كالأعيان، ورأيتُ في فتاوى القفال: أنه لو غصب عبدًا محترفًا بحرفتين لا يلزمه أن يضمن أجر مثلهما، وَلَا تُضْمَنُ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ، أي وهو الفرج، إلا بِتَفْويتٍ، أي وهو الوطء، فَيَضْمَنُهُ بمهر المثل على تفصيل يأتي آخر الباب، ولا تضمن بالفوات تحتَ الْيَدِ، لأنَّ الْيَدَ لا تثبت عليها، وَكَذَا مَنفَعَةُ بَدَنِ الْحُرِّ فِي الأصَحِّ، لأنه لا يدخلُ تحتَ اليدِ فمنافعُهُ تفوتُ تحتَ يَدِهِ، والثاني: أنها تضمن بالفوات أيضًا، لأنها تَتَقَوَّمُ بالعقد الفاسد فأشبهت منافع الأموالِ، وَإذَا نَقَصَ الْمَغْصُوبُ بِغَيرِ اسْتِعْمَالٍ، أي كعمي العبدِ وسقوطِ اليدِ بآفةٍ سماويةٍ، وَجَبَ الأرْشُ مَعَ الأُجْرَةِ، للنقص والفوات، وتجب أجرته سليمًا قبل حدوث النقصان، ومعيبًا لما بعد حدوثه، وَكَذَا لَوْ نَقَصَ بِهِ، أي بالاستعمال، بِأَنْ