← Фикх шафии

Фикх шафии · id 20561

عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج

ابن الملقن

Полный текст (1 877 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وَجْهٌ، لأن نَصْبَهُ للحفظِ والسُّكْنَى لا يَتَوَقَّفُ عليهِ، قُلْتُ: وَفِي السَّقْفِ أَيضًا وجهٌ. فَرْعٌ: لا يشترط السكنى بحال، وقال المحاملي: الإِيوَاءُ إِلَيهَا شَرْطٌ. أَوْ زَرِيبَةَ دَوَابٍ فَتَحْويطٌ، أي بما جرتِ العادةُ به، ولا يكفي نَصْبُ سقفٍ وأحجارٍ من غيرِ بناءٍ، لَا سَقْفٌ، لأنه العادةُ فيه، وَفِي الْبَابِ الْخِلافُ، أي السالفِ في المسكنِ، بتعليله؛ وشرطَ صاحبُ الإِفْصَاحِ: أَنْ يَعْمَلَ عَلَى الْحِيطَانِ شَوْكًا. فَائِدَةٌ: الزَّرِيبَةُ: حَظِيرَةُ الْغَنَمِ مِنْ خَشَبِ؛ قاله الجوهريُّ. أَوْ مَزْرَعَةً فَمَجْمَعُ التُّرَابِ حَوْلَهَا، لينفصل المحيى عن غيره، وفي معناهُ نصبُ قصبٍ وحجرٍ وشوكٍ ولا يحتاجُ إلى تحويطٍ، وَتَسْويَةُ الأَرْضِ، أي بِطَمِّ المنخفض وَكَسْحِ المستعلي وحراثَتُها وَتَلْيِينُ تُرَابِهَا، فإن لم يتهيأْ ذلك إلا بما يُساقُ إليها فلا بد منه لِتَتَهَيَّأَ لِلزِّرَاعَةِ، وَتَرْتِيبُ مَاءٍ لَهَا، أي بِشَقِّ ساقيةٍ من نهرٍ، أو بحفرِ بئرٍ أو قناةٍ، إِنْ لَمْ يَكْفِهَا الْمَطَرُ الْمُعْتَادُ، لأنهُ لا يحصل المقصودُ بدونه، فإنْ كَفَاهَا فلا يحتاج إلى ترتيب ماء لها على الصحيح، لَا الزرَاعَةُ في الأَصَحِّ، لأنها استيفاءُ منفعة؛ وهو خارج عن الإحياءِ، والثاني: لا بد منه؛ لحصول الملك، لأنَّ الدَّارَ لا تصير مُحياةً حتَّى يحصلُ فيها عَينُ مَالِ الْمُحْيِيِّ فكذلك الزراعةُ، أَوْ بُسْتَانًا فَجَمْعُ التُّرَابِ، كالمزرعة. وحكمُ الْكَرْمِ حكمُ البستانِ، وَالتَّحْويطُ حَيثُ جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ، عملًا بها، والرجوع فيما يحوط به إلى العادة، وَتَهْيِئَةَ مَاءٍ، كما سلف في المزرعة سواء، وَيُشْتَرَطُ الْغَرْسُ عَلَى الْمَذْهَبِ، أي بخلاف الزراعة كما تقدم، والفرق أن اسم الْمَزْرَعَةِ يَقَعُ على الأرضِ قَبْلَ الزَّرْعِ بخلاف الْبُسْتَانِ قَبْلَ الْغَر، وقيل: لا يعتبر إذا لم يُعْتَبَرِ الزَّرْعُ هُنَاكَ. فَرْعٌ: يكفي غرسُ البعضِ كما صحَّحَهُ الإمامُ. فَرْعٌ: هل يُشترط أنْ يُثْمِرَ الغَرْسُ؟ فيه خلافٌ حكاهُ بعض الفضلاءِ المتأخرينَ، والظاهِرُ أنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ. فَصْلٌ: وَمَنْ شَرَعَ فِي عَمَلِ إِحْيَاءٍ وَلَمْ يُتِمَّهُ أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بُقْعَةٍ بِنَصْبِ أَحْجَارٍ

стр. 947

أَوْ غَرَزَ خَشَبًا فَمُتَحَجِّرٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، لقول رسول الله ﷺ [مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ] رواه أبو داود (١٧٢)، وهذه الأَحَقِّيَّةُ أَحَقِّيَّةُ اختصاصٍ لا مِلْكٍ على الأصح، لأن سَبَبَهُ الإحياءُ ولم يُوجد، لَكِنِ الأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيعُهُ، لأن حَقَّ التَّمَلُّكِ لا يُباعُ كَحَقِّ الشفيعِ، والثاني: يصحُّ ويعتمدُ حَقَّ الاختصاصِ، كبيع علو البيت للبناء والسكنى دون أسفله، وادعى الفورانيُّ: أنَّه المذهب، وَأَنَّهُ لَوْ أَحْيَاهُ آخَرُ مَلَكَهُ، لأنهُ حَققَ الْمِلْكَ وإن كانَ ظالمًا، كَمَا لَوْ دَخَلَ فِي سَوْمِ أَخِيهِ وَاشْتَرَى، والثاني: لا يملكه، لئلا يبطل حق غيره وهو أقيس، والثالث: إن انضم إلى التحجر إقطاعُ الإمام منع التملك وإلا فلا، ومحل الخلافِ إذا كان أحياها مزرعةً، فأما إذا كان له بناءٌ فلا يجوز له نَقْلُهُ والتصرفَ فيه بغير إِذْنِ مالكه كما نبَّه عليه الفارقي، ويصحُّ أيضًا بيعهُ كما قاله بعضُ متأخري أصحابنا على ما حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُعِينِ، قال: وربما خالفه الرافعيُّ، وهذا أيضًا إذا لم يكن له عذر، ولم يعرض عن العمارة؛ فإنْ أعرضَ عنها مَلَكَهُ الْمُحييُّ قطعًا، وإن ترك لعذرٍ فلا قطعًا؛ قاله الجيلي، والخلافُ في المسألة شبيهٌ بما إذا عَشَّشَ الطائرُ في مِلْكِهِ وَأَخَذَ الْفَرْخَ غَيرُهُ هَل يَمْلِكُهُ؟ وكذا لو تَوَحَّلَ ظَبيٌّ في أرضهِ، أو وَقَعَ الثَّلْجُ فيها ونحو ذلكَ، وَلَوْ طَالتْ مُدَّةُ التَّحَجُّرِ قَال لَهُ السُّلْطَانُ، أي أَوْ نَائِبُهُ: أَحْيِ أَو اتْرُكْ، لأنَّ فيهِ نوعَ حمَّى فَمُنِعَ مِنْهُ، والرجوعُ في طولِهَا إلى العادةِ، فَإِنِ اسْتَمْهَلَ، أي لعذرٍ أبداهُ، أُمْهِلَ مُدَّةً قَرِيبَةً، رِفْقًا بهِ ودفعًا للضَّرَرِ عنه وأَلْحَقَ في البحرِ ما إذا لم يُبْدِ عذرًا بذلك أيضًا. فَرْعٌ: المرجعُ في قَدْرِ هذهِ الْمُدَّةِ إلى رَأيِ السُّلْطَانِ وَلَا تَتَقَدَّرُ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ عَلَى الأصَحٌ.

стр. 948

وَلَوْ أَقْطَعَهُ الإِمَامُ مَوَاتًا صَارَ أَحَقَّ بإِحْيَائِهِ كَالْمُتَحَجِّرِ، لظهور فائدة الإقطاع [وَقَدْ أقْطَعَ ﵊ أرْضًا لِلزُّبَيرِ وَغَيرِهِ] (١٧٣) ومعنى إقطاعه إِذْنُهُ فِيهَا، وإذا طالت المدة أو أحياه غيره فالحكم كما سبق في المتحجر، وَلَا يُقْطِعُ إِلَّا قَادِرًا عَلَى الإِحْيَاءِ، وَقَدْرًا يَقْدِرُ عَلَيهِ، لأنه عين المصلحة، وَكَذَا التَّحَجُّرُ، أي لا يتحجرُ إلَّا ما يمكنهُ القيامُ بعمارتهِ ولا يزيدُ، فإن زاد فالأقوى في الروضة أنَّ لغيرهِ إحياءَ الزائدِ، وَالأظْهَرُ أنَّ لِلإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ، أي يمنع، بُقْعَةَ مَوَاتٍ لِرَّعْيِ نَعَمِ جِزْيَةٍ، وَصَدَقَةٍ، وَضَالَّةٍ، وَضَعِيفٍ عَنِ النُّجْعَةِ، أي عن الذهابِ لطلبِ الرَّعْيِّ وغيرهَ وهي بضم النون لأن النبي ﷺ [حَمَى النَّقِيعَ -بالنون- لِلْخَيلِ خَيلِ المُسْلِمِينَ]، رواه ابن حبان (١٧٤) و [حَمَى عُمَرُ ﵁ الشَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ] رواه البخاري (١٧٥)، وإنما يجوزُ

стр. 949

ذلك إذا لم يَضُرَّ بالمسلمينَ، والثاني: لا، لأنه لا يجوز أن يحمي لنفسهِ فلا يحمي لغيره كغيرهِ (•) من الرعية وعكسه النبي ﷺ كان له أن يحمى لنفسه ولم يفعله فكان له أن يحمي لغيره، وخرج بالإمام الآحادُ؛ وبقوله لِرَعِي نَعَمٍ إلى آخرهِ الحمى لنفسه وبه صَرَّح بعدُ، ودخل في قوله الإمامُ نَائِبُهُ، وَأَن لَهُ نَقْضَ مَا حَمَاهُ لِلْحَاجَةِ، رعايةَ للمصلحةِ، والثاني: لا، لِتَعَيُّنهِ لتلكَ الجهةِ كالمسجدِ والمقبرةِ. أما ما حماهُ النبي ﷺ فلا ينقض بحال لأنهُ نَص، وبه قطعَ صاحبُ الرَّوْنَقِ وَقَال: بحوازهِ لا حَق غيرهِ من الأئمةِ إلا الخلفاءُ الأربعةُ؛ فقال فيهم قولان؛ أصحهما: أنه لا يجوز، وهذا غريب، وَلَا يَحمِي لِنَفْسِهِ، لأن ذلك من خصائصه عَلَيهِ أَفْضَلُ الصلاةِ وَالسَّلامِ ولم يقع ذلك فيه ولو وقع لكان أيضًا لمصلحةِ المسلمينِ؛ لأن ما كان مصلحة له فهو مصلحة لَهُمْ. فَصْلٌ: مَنْفَعَةُ الشارِع، أي الأصْلِيَّةِ، الْمُرُورُ، أي وهو مستحق للناس كافة، وَيَجُوزُ الْجُلُوس بِهِ لاسْتِرَاحَةٍ وَمُعَامَلَة وَنَحْوهِمَا، أي كالانتظارِ، إِذَا لَمْ يُضيق عَلَى الْمَارَّةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ إِذْن الإمَامِ، لاتفاق الناس عليه على تلاحقِ الأعصارِ مِنْ غيرِ نكير، وقد ذَكَرَ المصنفُ المسألةَ في الصُّلْح وعير عن الشَّارع بِالطرِيقِ، وَلَهُ تَظْلِيلُ مَقْعَدِهِ بِبَارِيَّه، أي وهي المنسوجةُ من القصبِ بتشديدِ المثناة تحت على الأفْصَح، وَغَيرِهَا، أي مما ينقل معه كثوبٍ، لأن ذلك لا يضر بالمارةِ، فإن كان بِنَاء لم يجز، وَلَوْ سَبَقَ إِلَيهِ، أي إلى الشارِع، اثْنَانِ، أي وَتَنَازَعَا في موضع مِنهُ كصفة، أقْرِعَ، لعدم المزيةِ، وَقِيلَ: يُقَدمُ الإِمَامُ بِرَأيِهِ، كمالِ بيتِ المالِ. فَرْعٌ: في ثبوتِ هذا الارتفاقِ لأهل الذمة وجهان؛ والذي يَظَهَرُ ثُبوتَه، لأنَّ ضَرَرَهُ لَا يَتَأبَّد.

стр. 950

فَرْعٌ: لَيسَ لِلإِمَامِ وَلَا غَيرَهُ مِنَ الْوُلاةِ أَنْ يَأخُذَ مِمَّنْ يَرْتَفِقُ بِالجُلُوسِ وَالْبَيع وَنَحْوهِ فِي الشَّارِع عِوَضًا قَطْعًا. وَلَوْ جَلَسَ فِيهِ لِلْمُعَامَلَةِ، أي وكذا الصناعة كخياطة وَنَحْوهَا، ثُم فَارَقَهُ، أي فارقَ موضعَ جلوسهِ، فَإنْ فَارَقَهُ، تَارِكًا لِلْحِرْفَةِ أَو منَتَقِّلًا إِلَى غَيرِهِ بَطَلَ حَقُّهُ، لإعراضهِ عَنْهُ، وإن فارَقَهُ لِيَعُودَ لَم يَبْطُل، إِلأ أَن تَطُولَ مُفَارَقَتُهُ بِحَيثُ يَنْقَطِع مُعَامِلُوهُ عَنْهُ ويألفُون غَيرَهُ، لأن الغرضَ من الموضع المتعينِ أن يُعرفَ فيعَامَلَ، وسواء فارقَ بعذرٍ أو بغيرِهِ، واحترزَ بالمعاملةِ عمَّا إذا جلسَ لاستراحة وشبهها فإن حَقهُ يبطلُ بِمُفَارَقتِهِ، أما الجَوَّالُ فينقطعُ حَقهُ بِمُفَارَقتِهِ جزْمًا، وَمَنْ أَلِفَ مِنَ الْمَسْجِدِ مَوْضِعًا يُفْتِي فِيهِ ويقْرِىُء، أي القرآنَ أو العلمَ وكذا التدريسَ، كَالْجَالِسِ فِي شَارع لِمُعاملة، لأن لهُ غَرضًا في ملازمتهِ ذلكَ الموضعَ لِيَألفَهُ الناسُ، ونقل الماوردي في أحكامه هذا عن مالك؛ وحكى عن جمهور الفقهاءِ أنه متَى قَامَ بَطَلَ حَقهُ لقوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (١٧٦)، وَلَوْ جَلَسَ فِيِه لِصَلاة لَم يَصِرْ أَحَق به فِي غَيرِهَا، أي بخلافِ مقاعدِ الأسواقِ وفي الفَرْقِ نَظرٌ، فَلَو فارَقَهُ لِحَاجَب لِيَعُودَ، أي كما إذا فارقَهُ لقضاءِ حاجة ونحرِها، لَم يَبطُلِ اختصَاصُهُ فِي تلْكَ الصلاةِ، فِي الأصَحِّ، وَإِن لَمْ يَتْرُكْ إِزارَهُ، لقوله ﷺ : [إِذَا قَامَ أحَدُكُم مِنْ مَجْلِسِهِ، ثم رَجَعَ إِلَيهِ، فَهُوَ أحَق بِهِ] رواه مسلم (١٧٧)، والثاني: يبطلُ حَقُّهُ لحصولِ المفارقةِ كما بالإضافةِ إلى سائرِ الصلواتِ، وَلَوْ سَبَقَ رَجُلٌ إِلَى مَوْضِع رِبَاط مُسَبلٍ أَوْ فَقِيهٌ إِلَى مَدْرَسَة، أَوْ صُوفِي إِلَى خَانِقَاهُ لَمْ يُزْعَجْ، وَلَمْ يَبْطُلْ حَقهُ بِخُرُوجِهِ لِشِرَاءِ حَاجَةِ وَنَحْوهِ، أي سواء خَلِفَ أحدًا فيه أو متاعه أم لا! لعمومِ الحديثِ السَّابقِ، نعم؛ لو اتخذه

стр. 951

مسكنًا أزعجَ منهُ، ولا يجوزُ أنْ يقيمَ فيه أكثرَ من مُدَّةِ المسافرينَ ثلاثة أيام بلياليها كما قاله في المطلب، وقوله (لِشِرَاءِ حَاجَةٍ وَنَحْوهِ) هو بدل قوله فِي الْمُحَرَّرِ لِشِرَاءِ طَعَامٍ وَمَا أشبهَهُ فعبارةُ الكتابِ أَعَمُّ. فَائِدَة: سُئل القفالُ عن تعليمِ الصبيانِ في المسجدِ؛ فقال: الأغلبُ من الصبيانِ الضرَرُ بالمسحدِ فَيَجُوزُ مَنْعُهُمْ (١٧٨). فَصل: المعدِن الظاهِرُ؛ وَهُوَ مَا خَرَجَ بِلا عِلاجٍ، أي عَمَلٍ، كَنِفْطٍ وَكِبرِيتٍ وَقارٍ، أي هو الزِّفْتُ، وَمُومْيَاءَ، أي بالمدِّ والقَصرِ وهو شيء يُلقيهِ الماءُ في بعضِ البلادِ على الساحِلِ فَيَجْمَدُ وَيَصيرُ مِثْلَ القارِ، ويقال أيضًا: إِنهَا حجارة تكونُ باليَمَنِ سَوْدَاءَ، والمرادُ التي تُوجدُ في أجزاء الأرضِ لَا المأخوذِ مِن عِظَامِ المَوْتَى، وَبِرَامٍ وَأحْجَارِ رَحًى لَا يُمْلَكُ بِالإحْيَاءِ، لأَنهُ إِذَا امْتَنَعَ إِقْطَاعُهَا كَمَا سَيَأتِي فَتَملِيكُهَا أوْلَى، وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ اخْتِصَاص بِتَحَجُّر وَلَا إِقْطَاع، بل هي مشتركة بينَ الناسِ كالمياهِ الجَارِيَةِ وَالكَلإِ وَالحَطَبِ (١٧٩)، فَإن ضَاقَ نَيلُهُ، أي المستخرجُ مِنْهُ، قُدمَ السابِقُ

стр. 952

بِقَدْرِ حَاجَتِهِ، أي وَالرُّجُوعُ فِيهِ إلى العُرفِ فيأخذُ ما تقتضيهِ العَادَةُ لأمثالهِ قالهُ الإمامُ، فإن طلبَ زِيَادَةً فَالأصَح إِزْعَاجُه، لشدةِ الحاجةِ إلى المعادِنِ فإقامَتُهُ عليهِ كَالتحويطِ المَانِع مِنَ الأخْذِ، والثاني: لا يزعجُ وَيَأخُذُ بِحَق السَّبقِ مَا شَاءَ لِلْحَدِيثِ السَّالف [مَن سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقهُ إِلَيهِ مُسْلِم فَهُوَ لَهُ] (١٨٠)، فلو جَاءَا مَعا أقرِعَ في الأصَح، لعدم المزيةِ، والثاني: يَجْتَهِدُ الإمَامُ ويقَدمُ مَنْ يَرَاهُ أحْوَجَ كَمَالِ بَيتِ المَالِ، والخلافُ جارٍ في الأخذِ للحاجةِ وللتجارةِ على الأشهَرِ، وَالمَعدِن الباطِنُ؛ وَهُوَ مَا لَا يَخْرُجُ إِلا بِعِلاج كَذَهَب؛ وَفِضة؛ وَحَدِيد؛ وَنُحَاسٍ لَا يُملَكُ بِالحفْرِ وَالعَمَلِ، أي في مواتٍ بقصدِ التملك، فِي الأظْهَرِ، لأنَّ المواتَ لَا يملَكُ إلا بالعمارةِ؛ وحفر المعدن تَخْرِيب، ولأن المواتَ إذا مُلِكَ لا يحتاجُ في تحصيلِ مقصُودهِ إلى مِثْلِ العَمَلِ الأولِ، بخلافِ المعدِنِ، والثاني: يملكُ إلى القرار؛ لأنه لا يتوصلُ إلى منفعتِهِ إلا بتعب ومُؤنَةٍ فكان كغيره من أراضي المواتِ، أما إذا لم يتقصِدِ التمَلكَ؛ بَلْ قَصَدَ الحفرَ لينال وَيَنْصَرِفَ فلا يَمْلِكُ قَطْعًا قاله البندنيحي، وَمَن أَحيا مَوَاتًا فظَهَرَ فيهِ مَعْدِن بَاطِن مَلَكَهُ، لأنه بالإحياء مَلَكَ الأرضَ بِأجْزَائِهَا، وهو مِن أَجزَائِهَا بخلافِ الركازِ لأنه مودَّع فِيهَا، وَهَذَا إذا لم يعلم أن بها معدِنًا، فإنْ عَلِمَ واتخَذَ عليهِ دارًا فطريقان؛ أحدهما: أنه على الخلاف السابقِ، والثاني: في القطع بالملك، وأما البقعةُ المحياةُ فقال الإمامُ: ظاهرُ المذهبِ أنها لا تُملَكُ؛ لأن المعدِنَ لا يتخذ دارًا ولا مَزْرَعَة، فالقصدُ فاسد، وقيل: يملكها، وقوله (بَاطِن) ليس مرادهُ أنَّ الظْاهِرَ لا يملكُهُ فإنه يملكه أيضًا قطعًا إذا ظَهَرَ في الأرض المحياة كما صرح بِهِ الماوردي، وأنه يملكُهُ مِلكًا مؤبَّدًا قطعًا لأنَّ المعدِنَ لم يَظْهَرْ إلا بالإحياءِ فَصَارَ كَعَينٍ استَنبَطَهَا. فَصْلٌ: وَالمِيَاهُ المُبَاحَةُ منَ الأوْدِيَةِ وَالعُيُونِ فِي الجمالِ، أي وسيول الأمطار، يَستَوي الناسُ فِيهَا، لقوله ﵊: [ثَلاث لَا يُمنَعنَ: الماءُ وَالكَلأ

стр. 953

وَالنارُ] رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح (١٨١)، فَإن أَرَادَ قَوْم سقْيَ أَرَاضِيهِمْ مِنْهَا فَضَاقَ سَقْيُ الأعْلَى فَالأعلَى، لأنه ﷺ [قضَى فِي سَيل مَهْزُورٍ ومُذنب أن الأعْلَى يَرْسِلُ إِلَى الأسْفَلِ وَيَحْبِسَ قَدْرَ كَعبينِ] رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين (١٨٢)، ومَهْزُور: هذا بتقديم الزاي على الراء وادٍ بالمدينة، وَمُذَنبُ: اسمُ موضع بها أيضًا، وَحَبَسَ كُلُّ وَاحِدِ الماءَ حَتى يَبلغَ الْكَعبَينِ، للحديث المذكور، واحترز بقوله أولًا (ضَاقَ) عما إذا لم يضِق بأن كان كثيرًا يَفِي بالكُلِّ، فإنَّ كلَّ واحدِ يسقي ما شاءَ متى شاءَ، فَإن كَان في الأرْضِ ارْتفاع وَانخِفَاض أفْرِدَ كُل طَرَفٍ يسَقْي، لأنهما لو سَقَيَا معًا لزادَ الماءُ في المنخفضةِ على القدر المستحق، وطريقُهُ أنْ يسقي المنخفضَ حَتى يَبلُغَ الكعبينِ ثُمَّ يَسُدُّهُ وَيَسْقِي المُرْتفِعَ، وَمَا أخِذَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ، يعني المباحَ، فِي إِنَاء مُلِكَ عَلَى الصحِيح، كما لو إحْتَشَّ أو احتَطَبَ، والثاني: لا يُمْلَكُ الْمَاءُ بِحَالِ، بَلْ يَكُونُ مُحْرِزُهُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيرِهِ، وحكمُ المزادةِ والحوضِ الْمَسْدُودِ ونحوهِمَا كالإناء، واحترز بالإناءِ عن الداخلِ في مِلْكِهِ بسَيلٍ فَإنهُ لا يُمْلَكُ بدخولهِ في الأصَحِّ، وَحَافِرُ بِئْر بِمَوَات لِلارْتفَاقِ، أي كالسقي، أوْلَى بِمَائِهَا حَتي يَرْتَحِلَ، أي فإذا ارتحل صارت كَالنهْرِ فإن عادَ فهو كغيره، وَالمحفُورَةُ لِلتمَلُّكِ أَوْ فِي مِلك؛ يَملِكُ مَاءَهَا في الأصَح، لأنهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ كَالثمَرَةِ وَاللبِنِ، والثاني: لا يَمْلِكُ لعمومِ ثلاثٍ لا يُمْنَعنَ وَعَدَّهُ منها، وَسَوَاء مَلَكَهُ؛ أَم لَا؛ لَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ مَاء فَضَلَ عَن حَاجَتِهِ لِزَرعٍ، وَيَجِبُ لِمَاشِيَة عَلَى الصحِيح، لحرمةِ الرُّوْح (•)، وَوجْهُ مُقابِلِهِ الْقِيَاسُ عَلَى بَذلِ الْمَاءِ المُحْرَزِ في إناء،

стр. 954

واختارَهُ الإمامُ وَنَسَبَهُ إلى المحققينَ، إِلا أَنْ يَخَافَ هَلاكَ المَاشِيَةِ فَيَجِبُ بَذلهُ بالْقِيمَةِ، لِحُرمَةِ الرُّوْح، وَمَحِلُّ الْخِلافِ أَنْ لا يَجِدَ صَاحِبُ الْمَاشِيَةِ ماء مُبَاحًا، وأن يكون هناك كلأً يرعى، وأن يكون الماءُ في مستقرهِ وإلا فلا يجب؛ وفيهما وجه ضعيف، واشترطَ الماوردي أيضًا ألا يكونَ عليهِ فِي وُصُولِ (•) الماشيةِ إلى مائِهِ ضَرَر بِزَرْع وَلَا شَجَرِ؛ فإن استُضرَّ بها سقط حق تمكينها من المكانِ، وقيل لأربابها: إنْ أَمْكَنَكُمْ سَوْقُ الماءِ إليها حيثُ يَأمَنُ على زَرْعِهِ وَشَجَرِهِ فلزومُ بَذْلِهِ باقٍ عليهِ، وعليه تَمْكِينُكُمْ من استيفاء الفضل من مائِهِ وسوقه إلى ماشيتكم وإن لم يُمْكِنكُمْ سَقطَ عنهُ وجوبُ البدلِ، قُلْتُ: والمرادُ بالبذلِ التخْلِيَةُ بَينَ رَبِّ المَاشِيَةِ وَالبِئْرِ. فَرعٌ: الأصح وجوبُ البذلِ للرُّعَاةِ أيضًا لأنهُمْ أَوْلَى مِنَ المَاشِيَةِ وَهُوَ وَارِد عَلَى المُصَنّف. وَالْقناةُ المشتَرَكَةُ يُقْسَمُ مَاؤُهَا بِنَصبِ خَشَبَةِ فِي عَرْضِ النهرِ فيهَا ثقَبٌ مُتَسَاوية أَو مُتَفَاوتَة عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ، لأنَّ بذلك يَصِلُ الحقُّ إلى مستحقهِ، ويجوزُ أن تكونَ الثُّقَبُ متساويةً مَعَ تَفَاوُتِ الحقوقِ، إلا أن صَاحِبَ الثُلُثِ يَأخُذُ ثُقبَةً وَالآخَرُ ثُقْبَتَينِ، وقوله (ثُقَبْ) هو بالثاءِ المثلثةِ كما هو بِخَط مُؤلّفِهِ وتجوزُ قراءتُهُ بالنونِ أيضًا، وَلَهُمُ، أي للشركاء، الْقِسْمَةُ مُهَايَأة، أي ليسقي كل منهم يومًا كالمهاياةِ في النافع، وقد يكونُ الماءُ قليلًا لا يُنتفَعُ بِهِ إلا كَذَلِكَ، وخالفت المهاياة في لَبَنِ الْحَلُوبِ لأنهُ مَجْهُول. فَرْعٌ: نَخْتِمُ بِهِ الْبَابَ: لَا حَرِيمَ لِلنَّهرِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، وَخَالفَهُ صَاحِبَاهُ وَهُوَ مَذْهبنَا، وَكَانَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الصَّالِحِينَ يَسْتَنْكِرُ الْعَمَائِرَ التِي عَلَى حَافاتِ النّيلِ وَيَقولُ: إِنهُ لَا يَجُوزُ إِحياؤُهَا (١٨٣).

стр. 955

كتاب الوقف الوَقفُ؛ وَالتحبِيس؛ وَالتسْبِيلُ بمعنى واحِد، يُقَالُ: وَقفْتُ كَذَا، وَلَا يُقَالُ: أوْقفْتُ إِلا فِي لُغَة ضَعِيفَة رَدِيئَة، وَهُوَ فِي الشرع: حَبْسُ مَال يُمكِنُ الانتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَينهِ مَمْنُوعٌ مِنَ التصَرُّفِ في عَينهِ، وَتُصْرَفُ مَنَافِعُهُ إِلَى البرِّ تَقَرُّبا إِلَى الله تَعَالى. وَالأصلُ فِي البَابِ السُّنة الصحِيحَةُ الشَّهِيرَةُ (١٨٤)، وَاتّفَاقُ الصُّحَابَةِ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَوَقفَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِي وَزَيد بْنُ ثَابِب وَعَبْدُ الله بنُ عُمَرَ وَأَنَس (١٨٥)، وَرُوي

стр. 956

أيضًا وَلَكِنْ بلَفظِ الصدَقَةِ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ وأبِي بَكْرٍ وَفَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ وَالزبيرِ بْنَ العَوَّامِ وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَالأرقَمِ وَالْمِسْوَرَ بنِ مَخْرَمَةَ وَجبَير بنِ مُطْعِم وَعَمْرِو بن العَاصِ (١٨٦). قَال الشَّافِعِيُّ: وَبَلَغَنِي أنَّ أَكثرَ مِنْ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أصْحَابِ النبِي ﷺ

стр. 957

مِنَ الأَنْصَارِ تَصَدَّقُوا بِصَدَقَاتٍ مُحَرَّمَاتٍ، وَالشَّافِعِي يُسَمِّي الأوْقَافَ الصدَقَاتُ المحَرمةُ (١٨٧). شرْطُ الْوَاقِفِ صِحةُ عِبَارَتهِ، أي فَلَا يَصح وَقْفُ الصَّبي وَالْمَجْنُونِ لأنهُ تَصَرُّف في الْمَالِ، وَأَهْلِيةُ التبَرع، أي فلا يصح من المبذرٍ والمكاتبٍ، ولو اتخذ ذِمِّي مِلكَهُ مَسْجِدًا جَازَ، قاله البغوي في فتاويهِ وأبدى فيه احتمالًا آخر. فَرْعٌ: للإمامِ أنْ يَقِفَ مِن بيت الْمالِ كما قالهُ الأكثرونَ وبِهِ أَفتى المصنفُ. وَالْمَوْقُوفِ، أي وشرطُ الموقوفِ، دَوَامُ الانْتِفَاع بِهِ لَا مَطْعُوم، لأن منفعتَهُ في استهلاكهِ، وَرَيحَانٌ، لسرعة فسادهِ وهذا في الريحانِ المحصودِ. أمَّا القَائِمُ؛ فإنه يبقى مدة ففي صِحةِ وَقْفِهِ نَظَر، وكذا ما يبقى من الطِّيبِ كالصندل والكافور ينبغي أنْ يصحَّ وقفُهُ للشَّمِّ، ويصِح وَقْفُ عَقَار، بالإجماع، منقُولِ، للإنفاقِ على وقف الحُصُرِ، والقناديل والزلالي في كل عصر مِنْ غَيرِ نكِيرٍ، وَمُشاع، لأن عمر ﵁[وَقَفَ مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ خَيبَرَ مَشَاعًا] رواهُ الشافعي ﵀ (١٨٨). ولا يسري إلى

стр. 958

الباقي؛ لأنها من خواصِّ العتقِ، لَا عَبْدٍ وَثَوْب في الذمَّةِ، كالعتقِ. فَرْعٌ: لا يشترطُ رؤيةُ الموقوفِ على الأصحِّ. وَلَا وَقْفُ حُرٍّ نَفْسَهُ، لأن رقبتَهُ غَيرُ مَملُوكَةٍ. فَرْعٌ: مالكُ المنفعةِ دونَ رَقَبَتِهَا لا يصح وَقْفُهُ إِياهَا. وَكَذا مُسْتَوْلَدَةٍ وَكَلْبٍ مُعَلَّمٍ وَأحَدِ عَبْدَيهِ فِي الأصَحِّ، أما في المستولدةِ فلأنهُ حلَّها حرمةُ العتقِ فكأنها عَتِيقة، ووجهُ مقابلهِ القياسُ على إِجَارَتهَا، وأما في الكلبِ المعلَّم فلأن رقبتَهُ غيرُ مملوكةٍ، ووجهُ مقابلهِ القياسُ على جوازِ إجارتهِ أو هِبَتِهِ، أو أنَّ الوقفَ لا ينقل المِلك، وأمَّا في أحدِ عَبْدَيهِ فبالقياس عَلَى الْبَيع، ووجهُ مقابلهِ القياسُ على العَتْقِ، وقولُهُ (مُعَلَّم) لَعَلَّ مرادَهُ ما ينتفعُ بِهِ لِيَخْرُجَ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ؛ فإنهُ لا يَصح وَقْفُهُ قطْعًا، نَعَمْ الكلبُ القابلُ لِلتعْلِيمِ يَنْبَغِي جريانُ خلافِ فيه كاقتنائهِ، فيحمل قوله (مُعَلَّمٍ) على أنه مما يُعَلَّمُ وهو من جنس كلابِ الصيدِ كبارَها وصغارَها. وَلَو وَقَفَ بِنَاءً أَوْ غَرْسًا فِي أَرْض مُسْتَأجَرَةٍ لَهُمَا، فالأصَحُّ جَوَازُهُ، لأنه مملوك يمكنُ الانتفاعُ بهِ مع بقاءِ عَينهِ، والثاني: لا، لأنَّ مالكَ الأرضِ بسبيلٍ من قلعهِ فكأنهُ وقفَ ما لَا يُنتفَعُ بهِ، والخلافُ جارٍ فيما إذا اسْتَعَارَ أرضًا للبناءِ فبنى ثُمَّ وقفَهُ كما رأيتُهُ في فتاوى القَفالِ. فَرْعٌ: أَجَّرَ أَرْضَهُ ثُمَّ وَقَفَهَا؛ فالأصَحُّ الصِّحَّةُ، وقدْ يفعلُ ذلكَ مَن يريدُ إبقاءَ الوقف لنفسهِ مُدَّةً بعد الوقف. فَرْعٌ: يجوزُ وقفُ المغصُوب كعتقهِ قاله الجُوْرِيُّ. فَإن وَقَفَ عَلَى مُعَينٍ وَاحِدٍ أَوْ جَمْع اشئتُرِطَ إِمْكان تملِيكِهِ، لأنَّ الوقفَ تمليكُ العينِ والمنفعةِ، إن قلنا بانتقالِ الملكِ للموقوفِ عليهِ، وَتمليك المنفعةِ إن لم نَقُل به.

стр. 959

وخرجَ بالعين الفُقَرَاءُ كما ذكرهُ بعدُ، ولا بد في الموقوفِ عليه أن يكونَ موجودًا، وعبارة الْمُحَرَّر: وجَمَاعَةٍ بَدَلَ جَمْعٍ وهي أحسنُ لدخولِ الاثنينِ فيها، فَلَا يَصِحُّ عَلَى جَنِينٍ، أي بخلاف الوصيَّةِ لأنها تتعلق بالمستقبل، والوقفُ تسليطٌ في الحالِ، وَلَا عَلَى الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ، لأنَّهُ تمليكٌ مُنَجَّزٌ فلا يصحُّ كالبيعٍ، فَلَوْ أطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَيهِ فَهُوَ وَقْفٌ عَلَى سَيِّدِهِ، أي إذا تَمَّ بالقبولِ كما لو أوصَى لهُ أو وهبَ لَهُ. فَرْعٌ: الوقفُ على الرقيقِ الموقوفِ لسدانة الكعبة وخدمة قبر رسول الله ﷺ صحيحٌ على الأصحِّ. وَلَوْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَى بَهِيمَةٍ لَغَا، لأنها ليست أهلًا للملك بحال، وَقِيلَ: هُوَ وَقْفٌ عَلَى مَالِكهَا، كما لو وقف على العبد، وَيَصِحُّ عَلَى ذِمِّيٍّ، أي معين كما تجوز الوصية له، لَا مُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ، لأنهما مقتولان، والوَقْفُ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فلا يوقفُ على مَن لا يَبْقَى، كما لا يوقفُ مَا لَا يَبْقَى، وَنَفْسِهِ، لتعذر تمليكِ الإنسانِ مِلْكَهُ لِنَفْسِهِ، فِي الأَصَحِّ، أي في المسائل الثلاث المذكورة، ووجهُ الجوازِ في المرتدِّ والحربيِّ القياس على الذِّمِّيِّ. وفي الوقف على نفسِهِ؛ أنَّ استحقاقَ الشئِ مِلكًا غير استحقاقِهِ وَقْفًا، وقد يُقْصَدُ حَبْسُهُ ومنعُ نفسه من تصرفِ المزيلِ للملك، وقيل: إنْ وَقَفَ على نفسهِ وغيرِهِ جَازَ قياسًا على المسجدِ والهَدْيِ والأُضحية، فإنه إذا قال: على أن لا يصلى فيهِ غيري فَبَاطِلٌ، وإن قال: أُصَلِّي فيهِ أَنَا وغَيري جَازَ، حكاهُ ابنُ خَيرَانَ في لطيفه ومنه نقلتُهُ، وصوَّرَ الماورديُّ المسألةَ بما إذا قاك: وقفتُ هذِهِ الأرضَ أو الشجرَةَ على الْفُقَرَاءِ، وشرطَ أنْ يأكُلَ من مغل الأرضِ أو ثمرةِ الشجرة غَنِيًّا كان أو فَقِيرًا، وقطعَ بالبطلانِ فيما إذا قَال: وَقَفْتُ عَلَى نَفْسي وَسَكَتَ، وحكى قولين فيما إذا قال: وقفت على نفسي ثُمَّ الفقراء والحيلة على المذهبِ في وقفهِ على نفسهِ أنْ يقفَ على أولادِ أبيهِ الَّذِينَ مِنْ صِفَتِهِمْ كَذَا وَيَذكُرَ أَوْصَافًا تَقْتَضِي حَصْرَ الْوَقْفِ فِيهِ فيصحُّ، وَيَحْصِلُ مَقْصُودَهُ أوْ يَرْفَعَهُ إِلَى حَاكِمٍ يَرَى ذَلِكَ فَيَحْكُمَ لَهُ بِهِ، وفي فَتَاوَى القَفَّالِ: أنهُ لَوْ وَقَفَ أرْضًا وَشَرَطَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا مَا احْتَاجَ إِلَيهِ جَازَ وَلَا يَبْطلُ بِهِ الْوَقْفُ، وَلَهُ أَنْ

стр. 960

يَأْكُلَ مِنْهُ بِخِلافِ مَا إِذَا شَرَطَ أنْ يَأْكُلَهُ كُلَّهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَيهِ، وقال: مَرَّةً هَذَا الشَّرْطُ أعْنِي الأوَّلُ نافذٌ كذا رويتُهُ عَنْ جَمِيعِ مَشَايِخِي والقضاةِ، وما رأيتُ أحدًا أنكرَ هذا فهو كالإجماع مِنْهُمْ، وإِنْ وَقَفَ عَلَى جِهَةِ مَعْصِيَةٍ كَعِمَارَةِ الْكَنَائِسِ فَبَاطِلٌ، لما فيه من الإعانة على المعاصي، وهذا في كنيسة بُنِيَتْ للتعبدِ، أما المعدَّةُ لنزولِ المارَّةَ، فالجمهورُ على أنهُ يجوزُ أنْ يُوصِي ببناءِ كنيسةٍ يَنْزِلُهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ كما نقلهُ عنهُم في المطلبِ، قال: فيشبه أنْ يكون له الوقف كذلك فيأتي فيه الخلاف، وفي فتاوى القفال: أنَّ اليهوديَّ إذا وقفَ ضيعةً على عمارةِ الكنيسةٍ فإنَّ الوقفَ باطلٌ، فإن رُفع إلينا مَكَّثَّاهُ من بيعهِ أوْ كانَ الواقفُ قَدْ ماتَ ولا وارثَ لهُ كان ذلك فَيئًا كما لو مَاتَ ذِمِّيٌّ ولا وارثَ لهُ، قال: وعلى هذه العلَّة يجوزُ للإمامِ بيعُ الكنائسِ لأنها لا يُعْرَفُ لها مَالِكًا فيكونُ فَيئًا، وقال في موضع آخر منها: أمَّا ما كانَ وَقْفًا عَلَيهَا قَبْلَ الْبِعْثَةِ فَإِنَّهُ يُقَرُّ وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ كَالْكَنَائِسِ، أَوْ جِهَةِ قُرْبَةٍ، أي على جهةٍ يَظْهَرُ فِيهَا قَصْدُ الْقُرْبَةِ؛ لأنَّ الْوَقْفَ كُلَّهُ قُرْبَةٌ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ صَحَّ، لظهور مقصود الوقف، أَوْ جِهَةٍ لَا تَظْهَرُ فِيهَا الْقُرْبَةُ كَالأغْنِيَاءِ صَحَّ فِي الأصَحِّ، بناءً على أنَّ المرعيَّ في الوقفِ على الجهةِ العَامَّةِ التَّمْلِيكُ كَمَا فِي الوَصِيَّةِ، لَا القربةَ، والثاني: لا، بناءً على مقابلهِ، قال الرافعيُّ: والأحسنُ أنَّهُ يصحُّ على الأغنياءِ؛ ويبطل على اليهودِ والنصارَى وسائرِ الْفُسَّاقِ لِتَضَمُّنِهِ الإعانةَ على المعصيةِ، قال صاحبُ المطلبِ: وهو صحيحُ ببادِئ الرَّأْيِ، ولكنه ناظرٌ في الأغنياءِ لقصدِ التمليكِ، وفي أهلِ الذِّمَّةِ لِقَصْدِ القربةِ وهو كإحداثِ قولٍ بعدَ إجماعِ الأوَّلينَ على قولينِ. في المسألة تَتِّمَاتٍ يَتَعَيَّنُ عَلَيكَ مُرَاجَعَتُهَا مِنَ الأصْلِ. فَائِدَةٌ: رأيتُ في فتاوي الحناطي وقد سئل: هل يصح الوقف على دارٍ أو حانوت مُعَيَّنَينِ؟ فأجاب: إنهُ لا يصحُّ إلا أنْ يقولَ: وقفت على هذه الدار على أن يأكل فوائدها طارقوها، فيصح على أظهر الوجهين. وَلَا يَصحُّ إِلَّا بِلَفْظٍ، كغيرِهِ مِن التَّمْلِيكَاتِ، نَعَمْ لو بَنَى مسجدًا في مَوَاتٍ كَفَتٍ النِّيَّةُ، كما قاله الماوردي؛ لأنَّ المواتَ لم يدخل في مِلك المحييِّ لَهُ مسجدًا، وأما للبناءِ

стр. 961

فصارَ لَهُ حكمُ المسجدِ بطريقِ التَّبَعِيَّةِ وخالفَ الفارقيُّ في ذلكَ. فَرْعٌ: إشارةُ الأخرسِ المُفْهِمَةُ كالنُّطْقِ، كما ذكره المصنفُ في البيع وغيرِهِ. وَصَرِيحُهُ: وَقَفْتُ كَذَا أَوْ أَرْضِي مَوْقُوفَةٌ عَلَيهِ، لأنه موضوع له، وأشار بقوله وَقَفْتُ وَمَوْقُوفَةٌ إلى أنه لا فَرْقَ بين الفعلِ وما يُشْتَقُّ منهُ، وَالتَّسْبِيلُ وَالتَّحْبِيسُ صَرِيحَانِ عَلَى الصَّحِيحِ، لكثرةِ استعمالهما واشتهارهما شرعًا وعُرفًا، والثاني: أنهُمَا كنايتان؛ لأنهما لَمْ يَشْتَهِرَا اشتهار الوقفِ، والثالث: أنَّ التَّحْبِيسَ صَرِيحٌ وَالتَّسْبِيلَ كِنَايَةٌ. وَلَوْ قَال: تَصَدَّقْتُ بِكَذَا صَدَقَةً مُحَرَّمَةَ أَوْ مَوْقُوفَةً أَوْ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ فَصَرِيحٌ فِي الأصَحِّ، لانصرافهِ بهذا عن التمليك الْمَحْضِ، والثاني: أنه كنايةٌ، لأنه صريحٌ في التمليكِ المحضِ المخالفِ لمقصودِ الوقفِ، والخلافُ في الثانية بعيدٌ، عِوَضًا عن كونِهِ قَويًّا، لأنَّهُ قَطَعَ بصراحةِ لفظِ الوقفِ عند الانْفِرَادِ، فما ظَنُّكَ بحالةِ الاجتماعِ مع غَيرِهَا، نَعَمْ هو ظاهرٌ فيما لو قال: صدقةٌ مؤبَّدَةٌ، وَقَوْلُهُ: تَصَدَّقْتُ فَقَطْ، لَيسَ بِصَرِيحٍ وَإنْ نَوَى، لتردُّدِ اللَّفظِ بينَ صدقِةِ الْفَرضِ وَالتَّطَوُّع وَالصَّدَقَةِ الْمَوْقُوفَةِ، إِلَّا أن يُضِيفَ إِلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ وينْويَ، أي بأنْ قال: تَصَدَّقْتُ بِهَذَا عَلَى الْفُقَرَاءِ فَإنَّهُ يَصِيرُ وَقْفًا على الأصحِّ، لأنَّ الصدقةَ بمعنى الْهِبَةِ لا تَصُحُّ مِنْهُمْ، فانصرفَ إلى ما يَصِحُّ إِضَافَتُهُ إِليهِمْ حَذَرًا مِن إِلْغَاءِ اللَّفظِ وهو الوَقْفُ، ومقتضى كلام المصنف أنه إذا أَضَاف إلى جهةٍ عامَّةٍ ونَوَى، صارَ صريحًا؛ ولفظُ الْمُحَرَّرِ بخلافهِ، فإنه قال: ولو نَوَى لَمْ يَحْصَلِ الْوَقْفُ أيضًا إلّا إذا نَوَى إلى جهةٍ عَامَّةٍ، وكذا عبارةُ الشَّرْحِ، واحْتَرَزَ بِالْجِهَةِ الْعَامَّةِ عَنِ الْمُعَيَّنِ، فإنهُ لا يكونُ وَقْفًا على الأصَحِّ، بل ينفذ فيما هو صريحٌ فيه وهو التمليك المحض، كذا قاله الإمامُ وفيه بحثٌ للرافعيِّ، وَالأصَحُّ: أَنَّ قَوْلَهُ حَرَّمْتُهُ أَوْ أَبَّدْتُهُ لَيسَ بِصَرِيحٍ، لأنَّهُمَا لا يُستعملان مستقلَّينِ وإنما يؤكدُ بهما الألفاظَ السَّابقةَ، والثاني: أنهما صريحان لإِفَادَتِهِمَا الغرضَ كَالتَّحْبِيسِ وَالتَّسْبِيلِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: جَعَلْتُ الْبُقْعَةَ مَسْجِدًا، تَصِيرُ بِهِ مَسجِدًا، لإشعارِهِ بالمقصودِ

стр. 962

واشتهاره فيهِ، والثاني: لَا تَصِيرُ، لِفَقْدِ الألْفَاظِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وقد وَصَفها بما وَصَفها الشَّرعُ حيثُ قال: [جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا] (١٨٩) وهو ما عليه الأكثرُ كما أوضحتُهُ في الأصلِ، قال في الكفاية: ومحل الخلافِ إذا خَلا عن نِيَّةِ الْوَقْفِ، أما إذا نَوَى بقوله جَعَلْتُهَا مَسْجِدًا الْوَقْفَ صارَتْ مَسْجِدًا قاله القاضي، وَأنَّ الْوَقْفَ عَلَى مُعَيَّنٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ قُبُولُهُ، لأنَّهُ يَبْعُدُ دُخُولُ عينٍ أو منفعةٍ في مِلْكِهِ قَهْرًا وعلى هذا فَلْيَكُنْ مُتَّصِلًا بالإيجابِ كما في البيعِ، والثاني: أنهُ لا يُشترطُ كالعتقِ وهو ظاهر نَصِّهِ في الأُمِّ وهو المختارُ، والثالث: الفرقُ بين البطن الأَوَّلِ وغيره، وَلَوْ رَدَّ بَطَلَ حَقُّهُ شَرَطْنَا الْقُبُولَ أَمْ لَا؟ كالوصية والوكالة، وقال البغويُّ وصاحبُ الكافي: لَا يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ، وهو متجهٌ، كما قال ابنُ الصلاح، واقتصرَ المصنفُ على بُطْلانِ حَقِّهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ بَطَلَ حَقُّهُ مِنَ الْغَلَّةِ أَوْ مِنَ الْوَقْفِ، وبالأول قال الماورديُّ والصحيحُ الثَّانِي، واحترزَ المصنفُ بقوله أولًا على (مُعَيَّنٍ) عمَّا إذا كان الوقفُ على جهةٍ عامَّةٍ كالفقراءِ أو جهةِ تَحْرِيرٍ كَالْمَسْجِدِ، فإنه لا يُشترطُ القَبُولُ قَطْعًا لِتَعَذُّرهِ، قال الرافعي: ولم يجعلوا الحاكم نائبًا في القبولِ كما جُعِلَ نائبًا عن المسلمينَ في استيفاءِ القِصَاصِ والأمْوَالِ ولو صَارُوا إليه لَكَانَ قَرِيبًا. فَرْعٌ: في اشتراطِ القَبْضِ في الوقفِ على الْمُعَيَّنِ وَجْهَانِ كالوجهينِ في اشتراطِ القَبُولِ إنْ قُلْنَا الْمِلْكُ للموقوفِ عليهِ اشْتُرِطَ، وإن قلنا لله تعالى فلا على المشهورِ المنصوصِ، كما قاله صاحبُ المطلب، وقال في الروضة: شَذَّ الْجُرْجَانِيُّ حيثُ قال: إذا كان على شخصٍ، وَقُلْنَا الْمِلْكُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيهِ افْتَقَرَ إِلَى قَبْضِهِ كَالْهِبَةِ. فَصْلٌ: وَلَوْ قَال: وَقَفْتُ هَذَا سَنَةَ فَبَاطِلٌ، لفسادِ الصيغةِ لأنَّ وَضْعَهُ لِلتَّأْبِيدِ، ولو قال: وقفتُ هذا على زَيدٍ سَنَةً وبعدَ السَّنَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، قال العمراني: ظاهرُ كلامِ ابنِ الصَّبَّاغِ أنَّهُ يَصِحُّ قَطْعًا، ومن هنا شَرَعَ الشيخُ في الشرائطِ؛ لأنَّ الأركانَ فرعٌ مِنْهَا وهي الواقفُ والموقوفُ عليهِ والصيغةِ، وَلَوْ قَال: وَقَفْتُ عَلَى

стр. 963

أَوْلادِي أَوْ عَلَى زَيدٍ، ثُمَّ نَسْلِهِ، وَلَمْ يَزِدْ، فَالأظْهَرُ صِحَّةُ الْوَقْفِ، لأنَّ مقصودَ الوقفِ الْقُرْبَةُ والدَّوَامُ فإذا بَيَّنَ مَصْرِفَهُ ابتداءً سَهُلَتْ إِدَامَتُهُ، وهذا هو المسمَّى منقطعُ الانتهاءِ، والثاني: بطلانُهُ؛ لأنهُ لم يُؤَبِّدْهُ ولم يردْهُ إلى ما يدوم فكان كالتأقيت، والثالث: إن كان حيوانًا صحَّ إذ مصيره إلى الهلاك فربما هلكَ قبل موت الموقوف عليه بخلاف العقار، فَإِذَا انْقَرَضَ الْمَذْكُورُ، فَالأظْهَرُ: أَنَّهُ يَبْقَى وَقْفًا، لأنَّ وَضْعَ الوقفِ الدَّوَامُ، والثاني: ينقطعُ الوقفُ ويعودُ مِلْكًا للواقفِ أو إلى ورثَتِهِ إنْ كانَ ماتَ، لأن إقرارَ الوقفِ بلا مصرف متعذرٌ، وإثباتُ مصرفٍ لم يتعرَّضْ لهُ الواقفُ بعيدٌ فَتَعَيَّنَ ارتفاعُهُ، وَأنَّ مَصْرِفَهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ يَوْمَ انْقِرَاضِ الْمَذْكُورِ، لأنَّ الصَّدَقَةَ على الأقاربِ أفضلُ لما فيه من صلةِ الرَّحِمِ، فكان الصرفُ إليهم أهمُّ، فإنْ لَمْ يَكُونُوا، صُرِفَ إلى الفقراءِ قالهُ المتولّي وابنُ الصَّلاحِ، والمعتبرُ قُرب الرَّحمِ، وقيل: باستحقاق الإرثِ، وقيل: بالجوازِ، حكاهُ القاضي، والأظهرُ أنهُ يختصُّ بفقراءِ الأقاربِ، ومقابلُ الأظهرِ في كلام المصنِّفِ ثلاثةُ أقوالٍ؛ أحدُها: أنَّ مصرِفَهُ إلى المساكين، وثانيها: إلى المصالح العامَّةِ، وثالثها: إلى مستحقِّي الزكاةِ خاصَّة، وَلَوْ كَانَ الْوَقْفُ مُنْقَطِعَ الأَوَّلِ؛ كَوَقَفْتُهُ عَلَى مَن سَيُولَدُ لِي، فَالْمَذْهَبُ: بُطْلانُهُ، لأنَّ الأولَ باطلٌ لعدمِ إمكانِ الصرفِ إليهِ في الحالِ، والثاني: فرعُ الباطل، والطريق الثاني فيهِ قولانِ: وجهُ الصِّحَّةِ أنَّ الأوَّلَ لَمَّا بَطَلَ صَارَ كالمعدومِ وكان الثاني مبتدأً بِهِ وطريقُهُ القطعُ صَحَّحَهَا الجمهورُ، كما أفاده في المطلب فلهذا قَدَّمْتُهَا، والرافعي لم يصحِّحْ واحدًا من الطريقين، أَوْ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ؛ كَوَقَفْتُ عَلَى أَوْلادِي، ثُمَّ رَجُلٍ، ثُمَّ لِلْفُقَرَاءِ، فَالْمَذهَبُ: صِحَّتُهُ، هذا الخلاف مرتبٌ على منقطعِ الآخرِ، فإن صححناهُ، فهذا أَولى، وإلّا فوجهان أصحهما: الجوازُ، ويصرِف عند توسطِ الانقطاعِ إلى مَنْ صَرَفْنَاهُ إليهِ هناكَ؛ كما سبقَ بالخلافِ فيهِ، وَلَو اقْتَصَرَ عَلَى، قولِهِ: وَقَفْتُ، أي ولم يذكر الصرفَ، فَالأَظْهَرُ: بُطْلانُهُ، لأن جهالة المصرفِ مُبْطِلَةٌ فعدمُ ذكرها أَوْلى، والثاني: يصح كما لو قال: أوصيتُ بِثُلُثِ مَالي واقتصرَ عليهِ، فإنَّهُ يَصِحُّ ويصرفُ إلى الفقراءِ، واستشكلَ الرافعيُّ الفَرْقَ، وَفَرَّقَ في الروضةِ بأنَّ الوصيةَ مبنيةٌ على

стр. 964

المساهَلَةِ فيصحُّ بالمجهولِ بخلافِ الوقفِ، وَبِأَنَّ أغْلَبَ الْوَصَايَا للمساكينِ فَحُمِلَ المطلقُ عليهِ بخلافِ الوقفِ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ، كَقَوْلِهِ: إِذَا جَاءَ زَيدٌ فَقَدْ وَقَفْتُ، أي كذا على زيد ثُمَّ الفقراءِ كَالْهِبَةِ. فَرْعٌ: قال: وَقَفْتُ دَارِي هَذِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ بَعْدَ مَوْتِي فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ وَصِيَّةٌ. وَلَوْ وَقَفَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، أي كما إذا شَرَطَ أن يرجع فيه أو يَبِيعُهُ مَتَى شَاءَ، بَطَلَ عَلَى الصَّحِيحِ، كَالصَّدَقَةِ، والثاني: يبطلُ الشَّرْطُ وَيَصِحُّ الوقفُ، وهو احتمال لابن سريج وحكاه الجوريُّ قولًا وكذا الَّذي قبله وقاس الثاني على من طَلَّقَ على أن لا رجعةَ، ونُقِلَ عن أبي يوسف وغيرُه أنَّ الوقفَ جائزٌ والشرطَ ثَابِتٌ، قال: وكذلكَ لو اشترطَ أنَّ لهُ بَيعُهُ إِذا عُطِبَ أو خربَ أو بطلتْ منافِعُهُ، وأنْ يُصْرَفَ ثَمَنُهُ في أرضِ غيرِهِ فيكونُ موقوفًا، أو شرطَ أنَّ لهُ بيعها إذا رأى الحظَّ في نقلهِ إلى موضع غيرهِ، فجميع ذلك جائز عندهم. قال: وهو قويٌّ، ثم زاد على ذلك فقال: له الاستبدالُ إذا رآهُ حَظًّا للوقفِ، وإن لم يشرط، وهذا غريبٌ منه، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ اُتُّبِعَ شَرْطُهُ، كسائِرِ الشُّرُوطِ لما فيه من وجوبِ المصلحةِ، والثاني: لا، لِتَضَمُّنِ الْحَجْرِ على مستحقِّ المنفعةِ، والثالث: إنْ مَنَعَ الزيادةَ على سَنَةٍ اتُّبِعَ، لأنَّهُ مِن مَصَالِحِهِ وإنْ مَنَعَ مُطْلَقًا فَلَا. فَرْعٌ: لو شرط ألّا يؤجِّر أكثرَ من ثلاثِ سنينَ وصححناهُ وهو الأصحُّ فأجَّرَهُ النَّاظِرُ ثلاثًا في عقدٍ وثلاثًا قبل مضيِّ الْمُدَّةِ الأُولى لا يصحُّ الثاني، قاله ابن الصلاح اتِّباعًا لشرطِ الواقفِ وأَفتى أيضًا أنَّهُ إذا وَقَفَ بشرطِ أَنْ لا يُؤَجِّرَ أكثرَ من سَنَةٍ ولا يُورد عقدًا على عقدٍ فخربَ ولا يمكن عمارتُهُ إلَّا بإيجارِهِ سنتينِ أنَّهُ يصحُّ إيجارُهُ سنتينِ بعقودٍ متفرقةٍ، ولا يصحُّ بشرط ألّا يُدخل عقدًا على عقدٍ في هذه الحالة؛ لأنه يُفضي إلى تعطيلهِ فهو مخالفٌ لمصلحةِ الوقفِ. وَأَنَّهُ إِذَا شَرَطَ فِي وَقْفِ الْمَسْجِدِ إخْتِصَاصَهُ بِطَائِفَةٍ كَالشَّافِعِيَّةِ اخْتُصَّ، أي فَلا يصلي فيه ولا يعتكفُ غَيرُهُمْ، كَالْمَدْرَسَةِ وَالرِّبَاطِ، رعايةً لغرضهِ وقطعًا

стр. 965

للنزاع، قال القاضي في آخر كتاب الجزيةِ: وهو مكروهٌ، والثاني: لا يَخْتَصُّ، لأَنَّ جَعْلَ الْبُقْعَةِ مَسْجِدًا كَالتَّحْرِيرِ، فَلَا مَعْنَى لاخْتِصَاصِهِ بِجَمَاعَةٍ وَهُوَ قَويٌّ، وقوله (كَالْمَدْرَسَةِ وَالرِّبَاطِ) أي فإنَّهُ إذا شَرَطَ في وقفهما الاختصاص اخْتَصَّ قطعًا، ثُمَّ الخلافُ إذا جعل مآله عند انقراضِ المذكورينَ إلى عامَّةِ المسلمينَ فإنْ لم يَتَعَرَّضْ لَهُ ففيهِ خلافٌ آخرُ لاحتمال انقراضها، قال في الروضة: وَالأَصَحُّ أَو الصَّحِيحُ الصِّحَّةُ. وَلَوْ وَقَفَ عَلَى شَخْصَينِ، ثُمَّ الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، فَالأَصَحُّ: الْمَنْصُوصُ، أي في حرملةٍ، أَنَّ نَصِيبَهُ يُصْرَفُ إِلَى الآخَرِ، لأنَّ شرطَ الانتقالِ إلى الفقراءِ انقراضَهُمَا جميعًا ولم يُوْجَدْ، وإذا امتنعَ الصرفُ إليهم فالصرفُ إلى مَن ذَكَرَهُ الواقفُ أَولى، والثاني: أنَّهُ يصرفُ إلى الفقراءِ؛ لأنَّ نَصِيبَهُمَا إذا انْقَرَضَا لَهُمْ، قال الرافعيُّ في شرحيه والْمُحَرَّرِ: والقياسُ وجهٌ ثالثٌ؛ وهو أنَّهُ لا يُصرفُ إلى صَاحِبِهِ ولا إلى المساكينِ بَلْ صَارَ الوقفُ في نصيبِ الْمَيِّتِ منقطعُ الوَسَطِ، وهذا الذي أبداهُ حكاهُ في شرحهِ يُعَدُّ وجهًا عن السَّرْخَسِيِّ في الكلامِ على مَا إذا وَقَفَ على أولادهِ بَطْنًا بعدَ بطنٍ وماتَ واحدٌ مِن الْبَطْنِ الأَوَّلِ. فَصْلٌ: قَوْلُهُ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلادِي وَأَوْلادِ أَوْلادِي، يَقْتَضِي التَّسْويَةَ بَينَ الْكُلِّ، أي بين الأولادِ وأولادِ الأولادِ، والتَّسْويَةُ بينَ أفرادِ كُلِّ مِنْهُمَا لأنَّ المعطوفَ شريكِ المعطوفِ عليهِ، هذا إذا قلنا الواو لمطلقِ الْجَمْع كما هُو الصَّحِيحُ، فإن قلنا إنها للترتيبِ وهو ما حكاه الماورديُّ في باب الوضُوءِ عن أكثر أصحابنا فَيُرَتَّبُ ولم يذكروهُ هنا، وقد أدخلَ المصنِّفُ الأَلِفَ وَاللَّامَ على (كُلٍّ) وقد أجازهُ الأخفش والفارسي واستعملهُ الزجاجي في الجُمَلِ كما استعملَهُ المصنِّفُ هنا. والجمهورُ على منعِهِ، وَكَذَا لَوْ زَادَ مَا تَنَاسَلُوا، أي فإنه يقتضي التسوية بين الكُلِّ أيضًا، والمرادُ عليهِمْ وَعَلَى أَعْقَابِهِمْ مَا تَنَاسَلُوا، أَوْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، أي فإنهُ يقتَضِي التسويةَ أيضًا، والجمهورُ على أنَّ هذا يقتضي الترْتِيبَ أيضًا، كما لو قال: الأعلى فالأعلى أو الأقربُ فالأقرب كما أوضحتُهُ في الأصل فراجعه، وما جزَمَ بِهِ المصنِّفُ تَبَعَ فيه الفورانيُّ والبغويُّ فقط.

стр. 966

فَرْعٌ: لو جَمَعَ بينهما فقال: وقفتُ على أولادي وأولاد أولادي ما تناسلوا بطنًا بعد بطنٍ، فأفتى الأستاذُ أَبُو طاهرٍ الزِيَادِيِّ والقاضي حُسين بأنه للترتيبِ وهو ظاهرٌ، وخالفَ أبُو عاصمِ العباديِّ والفورانيُّ ولم يذكر المصنفُ تبعًا للرافعي هذِهِ الصورةَ. فَرْعٌ: لو قال: وقفتُ على ذُرِّيَّتِي أو نَسْلِي أو عقبي بطنًا بَعْدَ بطنٍ فينبغي أن يجيء فيه ما سَبَقَ. فَرْعٌ: قوله: نسلًا بَعْدَ نسلٍ هل هو كقوله بطنًا بعد بطن؟ فيه نظر، وينبغي كما قال بعضُ المتأخرين: أن لا يكون للترتيبِ لأنَّ كُلَّ مَنْ وُجِدَ وإنْ كان مِن بطنينِ وأكثرَ يُسَمَّى نَسْلًا فيستحِقُّونَ ويكونونَ هُم النسل الأول، ومن لم يُوْجَدْ بَعْدَهُمْ النسلُ الثَّانِي إذا وُجِدُوا بِخِلافِ البطنِ فَإِنَّ لِلْعُرْفِ فيه دلالةٌ تَخُصُّ الطبقةَ الواحدةَ مِن النَّسْلِ. وَلَوْ قَال: عَلَى أَوْلادِي، ثُمَّ عَلَى أَوْلادِ أَوْلادِي، ثُمَّ أَوْلادِهِمْ مَا تَنَاسَلُوا، أَوْ عَلَى أَوْلادِي وَأَوْلادِ أَوْلادِي الأعْلَى فَالأَعْلَى، أَو الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ فَهُوَ لِلتَّرْتِيبِ، لأجل (ثُمَّ) في الأولى المقتضية للترتيب، وتصريحُهُ به لا الثَّانِيَةِ، وقوله (الأَوَّلِ فَالأوَّلِ) ضَبَطَهُ الْمُصَنِّفُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَيَجُوزُ الْفَتْحُ أيضًا فالكسرُ إمَّا على البَدَلِ، وَإمَّا على إضمارِ فِعْلٍ أي وَقَفْتُهُ عَلَى الأَوَّل فَالأَوَّل والفتحُ إمَّا على الحالِ والأَلِفِ وَاللَّامِ قيل: زَائِدَةٌ، وقيل: معرفةٌ، وإما على أنهُ مُشَبَّه بالمفعولِ، وَلا يَدْخُلُ أَوْلادُ الأَوْلادِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الأَوْلادِ، فِي الأصَحِّ، لأنَّهُ لا يَقَعُ حقيقةً إلَّا على أَوْلادِ الصُّلْبِ، ألا تَرى أنَّهُ يَنتظِمُ أَنْ يُقَال: لَيسَ هَذَا وَلَدُهُ وَإِنَّمَا هُوَ وَلَدُ وَلَدهِ وهذا ما نصَّ عليه في البويطي، والثاني: يدخلُ لقوله تعالى ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ (١٩٠)، وخرَّجَهُ صاحبُ الإِفْصَاحِ قولًا وغَلَطَ فِيهِ، والثالث: يدخلُ أولادُ البنينِ للانتسابِ دُوْنَ أولادِ البناتِ، وهذا الخلاف عند الإطلاق؛ وقد يقترنُ بِاللَّفْظِ ما يقتضي الجزمَ بخروجهم

стр. 967

كقوله: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلادِي؛ فإذا انقرضُوا فَلأَحْفَادِي الثُّلُثُ والبَاقِي للفقراء، وقد يقترنُ به ما يقتضي الجَزْمَ بِدُخُولهِمْ كقوله: وقفتُ على أولادي وليسَ لهُ إلَّا أولاد أولاد فإنه يَتَعَيَّنُ حَمْلُ كلامِهِ عليهِمْ. وَيَدْخُلُ أَوْلادُ الْبَنَاتِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ وَالنَّسْلِ وَالْعَقِبِ وَأَوْلادِ الأوْلادِ، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ﴾ إلى أن ذكر ﴿عِيسَى﴾ (١٩١) ﵈ وَلَيسَ هُوَ إِلَّا وَلَدُ الْبِنْتِ، وأما في أولاد الأولاد فلصدق الاسم عليهم، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: عَلَى مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَيَّ وَمِنهُمْ، أي فإنَّ أولادَ البناتِ لا يدخلونَ في أولادِ الأولادِ؛ وقيل: يدخلونَ لقوله ﵊ في الحسن بن عليٍّ [إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ] أخرجهُ البخاري (١٩٢)، لكن مِنْ خَصَائِصِهِ ﵊ أَنَّهُمْ يُنْسبونَ إِلَيهِ.

стр. 968

فَائِدَةٌ: الْعَقِبُ؛ قال القاضي عياضُ: هُوَ وَلَدُ الرَّجُلِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ. وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ وَلَهُ مُعْتِقٌ، أي بكسرِ التَّاءِ، وَمُعْتَقٌ، أي بِفَتْحِهَا، قُسِمَ بَينَهُمَا، لتناول الاسم لهما، وَقِيلَ: يَبْطُلُ، لأنه وقفٌ على مجهولٍ، فإنَّ الْمَوْلَى يَشْمَلْهُمَا، ولا يمكنُ حَمْلُ اللَّفْظِ على العمومِ لاختلاف معناهُما، وما صحَّحَهُ المصنِّفُ هو ما صحَّحَهُ الأكثرونَ. والرافعيُّ في الْمُحَرَّرِ لَمْ يُرَجِّحْهٌ؛ بل قال: رَجَّحَ كُلًّا مُرَجِّحُونَ؛ وكذا فعل الحاوي الصغير والرافعيُّ في الشرح الكبير لم يصحِّحْ شيئًا؛ بَلْ نَقَلَ الأوَّلَ عن تصحيحِ صاحبِ التَّنْبِيهِ خاصَّةً، واقتصر في الشرح الصغير على عزو تصحيحِ البُطلانِ إلى الغزاليِّ ولم يذكرْ تصحيحًا عن غيره، والمسألةُ مبسوطةٌ في الأصل بفوائِدَ لا بُدَّ لكَ مِن مُرَاجَعَتِهَا، وَالصِّفَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى جُمَلٍ مَعْطُوفَةِ؛ تُعْتَبَرُ فِي الْكُلِّ كَوَقَفْتُ عَلَى مُحْتَاجِي أَوْلادِي وَأَحْفَادِي، أي وَهُمْ أوْلادُ الأوْلادِ، وَإخْوَتِي، وَكَذَا الْمُتَأَخِّرَةُ عَلَيهَا، وَالاسْتِثْنَاءُ إِذَا عُطِفَ بِوَاوٍ كَقَوْلهِ: عَلَى أَوْلادِي وَأَحْفَادِي، وَإِخْوَتِي الْمُحْتَاجِينَ أَوْ إِلَّا أنْ يَفْسُقَ بَعْضُهُمْ، لِمَا تَقَرَّرَ في الأصولِ مِن أنَّ الأصلَ اشتراكُ المعطوفِ والمعطوفِ عليهِ في جميع الْمُتَعَلِّقَاتِ كالصِّفَةِ وغيرها، وَكَذَا الاستثناءُ بجامع عدم الاستقلالِ، وَمَثَّلَ الإمامُ في الأصولِ الاستثناءَ بقولهِ: وَقَفْتُ عَلَى بَنِي فُلان دَارِي وَحَبَسْتُ عَلَى أقَارِبِي ضَيعَتِي وَسَبَّلْتُ عَلَى خَدَمِي بَيتِي إِلَّا أَنْ يَفْسُقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وهو مثالٌ مطابقٌ. وَقَيَّدَ الإمامُ أيضًا ما ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ والأصحاب بِقَيدَينِ، وحُمِلَ إطلاقُ الأصحابِ على ذلك؛ أحدُهما: أنْ يكونَ العطفُ بالواو الجامعةِ كما مَثَّلَهُ المصنِّفُ، فإنْ كانَ بـ (ثُمَّ) اختصَّ الاستثناءُ والصفةُ بالأخيرة وَتَبِعَهُ عَلَى هَذَا الْقَيدِ الآمِدِيُّ في الإِحكام وابنُ الحاجبِ، ولم يذكرْ الأصحابُ حُكْمَ عطفِ بـ (لَكِنْ) وَبِـ (بَلْ) وَبِـ (أَوْ) وكذا لم يذكرُوا حُكْمَ الجُمَلِ بِغَيرِ عَطفٍ، نَعَمْ إِطْلاقُ الإِمَامِ فَخْر الدِّينِ يَشْمَلُهُ، والظاهرُ خِلافُهُ، لأنَّ بِتَرْكِ العَطْفِ لَا يَكُونُ بَينَهُمَا ارْتبَاطٌ، نَعَمْ ذَكَرَ الْبَيَانِيُّونَ أنَّ تَرْكَ العطفِ قَدْ يَكُونُ لِكَمَالِ الارْتبَاطِ؛ فإذا كانَ في مِثْلِ ذلكَ فالظاهرُ مَجِيءُ الخلاف فيه، والثاني: أن لا يَتَخَلَّلَ بين الجملتينِ كلامٌ طويلٌ، فَإِنْ تَخَلَّلَ كَوَقَفْتُ عَلَى أَوْلادِي، عَلَى أَن مَن مَاتَ مِنْهُمْ

стр. 969

وَأَعْقَبَ فَنَصِيبُهُ بَينَ أَوْلادِهِ لِلذكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأْنثيَينِ، وَإِلا فَنَصِيبُهُ لِمَنْ في دَرَجَتِهِ، فَإذَا انْقَرَضُوا صُرِفَ إلَى إِخْوَتِي فُلانٌ وَفُلانٌ الْفقَرَاء؛ إلا أَنْ يَفْسُقُوا؛ اختصَّ بِالْجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، وَذَكَرَ النُّحَاةُ المسألَةَ، وَلَمْ يَخصُّوهَا بِالْجُمَلِ، بل قالوا: إذا عَقَبَ الاستثناءَ معمولات، والعاملُ فيها واحدٌ، نحو اهْجُرْ بَنِي فُلانٍ وَبَنِي فُلانٍ وَبَنِي فُلانٍ إِلا مَنْ صَلُحَ، كان الاستثناءُ راجعًا إلى تِلْكَ المعمولاتِ، وَكَذَا لو تَكَرَّرَ العاملُ والمعمولُ في صفةٍ واحدةٍ كقوله تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (١٩٣) فقال ابنُ مالكٍ: الْحُكْمُ كَالْحُكْمِ فِيمَا إِذَا اتحَدَ الْعَامِل، وقيل: لا يكونُ الاستثناءُ إلَّا مِنَ الْجُمْلَةِ التِى تَلِيهِ وَهُوَ بَعِيدٌ. فَصْلٌ: الأظْهَرُ: أَن الْمِلْكَ في رَقَبَةِ الْمَوْقُوفِ يَنْتَقِلُ إِلَى اللهِ تَعَالى؛ أَي يَنْفَكُّ عَنِ اخْتِصَاصِ الآدَمِيّ، فَلَا يَكُونُ لِلْوَاقِفِ وَلَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيهِ، هاتان مسألتان، الأولى: هل يزولُ مِلْكُ الواقفِ عن رقبةِ الموقوفِ؟ فيه تفصيلٌ؛ فإنْ جعل الأرض مسجدًا أو الأرضَ مقبرةً ونحوهُ فهو تَحْرِيرٌ لَا يَقتضِي تَمْلِيكًا كما جَزَمَ بِهِ الرافعيُّ، وقيل: يقتضيه. وإن كان الوقفُ على جهةٍ عامةٍ أو على مُعَيَّنٍ؛ وهي مسألةُ الكتاب: فقولان: أصحهما أنَّ المِلكَ ينتقلُ عن الواقف كالعتق، والثاني: لا بدليل اتِّبَاع شَرْطِهِ. الثانية: إذا فرَّعنا على الانتقال وهو الأظْهَرُ، فَإِلَى مَنْ يَنْتَقِلُ؟ فيه طرقٌ؟ أظهرُهَا: كما اقتصرَ عليه المصنِّفُ حكايةَ قولينِ أصحهُمَا أنهُ ينتقلُ إلى اللهِ تعالى، ومعناه انفكاكُهُ عَنِ اختصاصِ الآدمينِ كالعتق، والثاني: أنه ينتقلُ إلى الموقوفِ عليه كالصدقة، والثاني: القطع بالأول، والثالث: القطع بالثاني، وَمنافِعُهُ مِلْكٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيهِ؛ لأنَّ ذلك هو مقصودُ الوقفِ، يَسْتَوْفِيهَا بنَفْسِهِ أَوْ بِغَيرِهِ بإعَارَةٍ وَإِجَارَةٍ، كسائرِ الأمْلاكِ، اللَّهُمَّ إلا أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ على أَنْ يَسْكُنُهَا فَلَيسَ لَهُ الإسْكَانُ، وفي المنع مِن إِعَارَةِ بَيتِ الْمُدَرِّسِ في المدرسةِ الذي جعل لسكناهُ نظرٌ، وَيمْلِكُ الأجْرَةَ، أي فيما إذا أجَّرها عند الإطلاق لأنَّها من المنافع، وَفوائِدَهُ كَثَمَرَةٍ وَصُوفٍ وَلَبَنٍ،

стр. 970

أي ويملكُ أيضًا فوائدَهُ المذكورةِ لأنَّ الوقف كذلك يَنْشَأ، ويملكُ الشَّعْرَ والوَبَرَ أيضًا، وكذا الريشَ والبَيضَ، ولا يملكُ أغصانَ الشجرةِ مع نَمَائِها إلا فيما يُعْتَادُ قَطْعُهُ كشجرةٍ، فأغصانُهَا كَثَمَرَةِ غيرها واستثنى الإمامُ أيضًا ما إذا شَرَطَ قطعَ أغصان الأشجارِ مع ثمرتِها، وَكَذَا الْوَلَدُ في الأصَحّ، كالثمرة، وَالثانِي: يَكود وَقْفًا، تبعًا لأُمِّهِ كولدِ الأضْحِيَةِ، والثالث: نَعَمْ لا وَلَدِ النعَمِ فَقَطْ، والرابع: أنه يُصرف إلى أقربَ الناسِ إلى الواقف ثمَّ ما ذكرناهُ لا الدارِ، والنَّسْلُ مَحِلُّهُ فيما إذا أطلقَ أو جَعَلَهُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيهِ، أما لو وَقَفَ دَابَّة على رَكوبِ زيدٍ وَلَم يَشْرُطْ لَهُ الدَّرَّ وَالنسْلَ، فَالأوْجُهُ في الرَّافِعِيِّ أَنهُ لِلْوَاقِفِ، وَلَوْ مَاتَتِ الْبَهِيمَةُ اخْتَصَّ بِجِلْدِهَا؛ لأنه أَولى من غيره، فلو دبغَهُ ففي عودهِ وقفًا وجهان؛ قال المتوفى: أصحهُما العَودُ، وَلَهُ مَهْرُ الْجَارِيَةِ إِذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ إِن صَحَّحْنَاهُ؛ لأنهُ من جملةِ الفوائدِ كالثمرة فَلَوْ وُطِئَتْ لَا بِشُبْهَةٍ وَلَا بِنِكَاحٍ، فَإِنْ كَانت مُكْرَهَة فَلَها الْمَهرُ ثُمَّ هُوَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيهِ، أَوْ مُطَاوعَة فَلَا على الصَّحِيح، وَهُوَ الأصَحُّ، أي صحَّةُ نكاحِهَا كإجارتها، ومقابله المنعُ لِمَا فِيهِ مِنَ النقْصِ وَرُبَّمَا مَاتت مِنَ الطْلْقِ فَيَفُوتُ حَقُّ الْبَطنِ الثانِي؛ فَعَلَى الأصَحِّ ولايَةُ تَزْويجِهَا تُخَرَّجُ عَلَى أقوالِ الملك. وَالمذْهَبُ: أَنهُ لَا يَمْلِكُ، أي الموقوفُ عليه، قِيمَةَ العَبدِ الْمَوْقُوفِ إِذَا أتْلِفَ، أي سواء أَتلفَهُ أَجْنَبِيّ أو الواقِفُ أو الموقُوفُ عليهِ، بَلْ يُشْتَرَى بِهَا عبد لِيَكُون وَقْفًا مَكَانَهُ، مراعاة لغرضِ الواقِفِ من استمرارِ الثوابِ وتعليقِ حَق البطنِ الثاني، وما بعدهُ بِهِ، فإِنْ تَعَذَّرَ فَبَعْضُ عَبْدٍ؛ لأنه أقربُ إلى غَرَضِهِ، وهذا بخلاف الأضحية حيثُ لا يُشترى بقيمة مُتْلَفِهَا شَقْص لِتَعَذُّرِ التضْحِيَةِ بِهِ، والطريق الثاني: التخريجُ على أقوالِ مِلْكِ الرقبةِ إن قلنا لله تعالى اشترى بها عبدًا يكون وَقْفًا مكانه، فإنْ لم يوجدْ فبعضُ عبدٍ، وإن قلنا للموقوفِ عليه أو للواقفِ فالأصحُّ كذلك، والثاني: يصرفُ ملكًا إلى مَنْ حَكَمْنَا لَهُ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، فإنها بدلُ مِلْكِهِ. وينتهي الوقفُ، ولم يُرَجِّحِ الرافعيُّ واحدًا من هذين الطريقين، وقال بعد حكايتهما: وأصحابُ الطريقين مُتفِقُونَ على أن الفَتْوَى بأنْ يُشترى عبد.

стр. 971

فَرْعٌ: إذا اشترى عبدًا وفضل من القيمة شيءٌ، فالمختار في الروضة: أنه يُشْتَرَى بِهِ شَقْصُ عَبْدٍ؛ وهُو ظاهرٌ؛ إِنْ لَمْ يَتَعَذرْ شِرَاؤُهُ. فَرْعٌ: لا يجوزُ شراءُ عبدٍ بقيمةِ الجارِيَةِ ولا عكسُهُ، وكذا شراءُ الصَّغِيرِ بِقِيمَةِ الْكَبِيرِ عَلَى الأقْوَى في الروضة. فَرْعٌ: إذا اشترى العبدَ فالأصحُّ في الروضة والشرح الصغيرِ: أنه لا بُد مِن إنشاءِ وَقْفِهِ، والخلافُ جارٍ في بَدَلِ المرهونِ إذا تَلَفَ، وصححَ فيه من زوائدهِ في الروضةِ أنهُ رَهْنٌ في ذِمَّةِ الْجَانِي؛ قال في المطلب: وذَكَرَ الماورديُّ والرويانيُّ تفصيلًا في بَدَلِ الأُضْحِيَةِ يظهرُ مجيئُهُ هُنا، وهو أنهُ إِنِ اشترى بعينِ القيمةِ أو في الذِّمَّةِ ونوى أنها أضحيةٌ لم يَحْتَجْ إلى إنشاء جَعْلِهَا أُضْحِيَةٌ، وإلّا فلا بُد مِنْ جَعْلِهَا أُضْحِيَة، قلتُ: وبهذا جزَم في الروضة تبعًا للرافعيِّ؛ أعْنِي في بَدَلِ الأضْحِيَةِ. وَلَوْ جَفتِ الشجَرَةُ، أي وكذا لو قَلَعَهَا الرّيحُ، لَمْ يَنْقَطِع الْوَقْفُ عَلَى الْمَذْهَبِ، بَلْ يُنْتَفَعُ بِهَا جذْعًا، إدامةً للرقفِ في عَينِهِ، وقيل: ينقطعُ كما لو مَاتَ العبدُ فينقلبُ الْحَطَبُ مِلْكًا للواقفِ، وَقِيلَ: تُبَاعُ، لتعذر الانتفاع بشرطِ الواقفِ واختارَهُ في الْمُرشِدِ، وَالثَّمَنُ كَقِيمَةِ الْعَبْدِ، أي الْمُتلَفِ، ففي وجهٍ يُصْرَفُ إلى الموقوفِ عليهِ مِلْكًا، وعلى وجهٍ يُشترى بهِ شجرةً أو شقصَ شجرةٍ من جِنْسِهَا ليكونَ وَقفًا، قال الرافعي: ويجوزُ أنْ يُشترى به وَدِيٌّ يغرسُ موضعها، وقوله (عَلَى الْمَذْهَبِ) صوابُهُ على الأصَحّ كما عبَّر به في الْمُحَرَّرِ، وهو في الروضة، قال في الكفاية: وإنما ينتفع بإجارتها جذعًا إن لم يكن في استيفاءِ منفعتهِ استهلاكهُ، فإنْ كان فالأصحُّ أنها تكونُ للموقوفِ عليهِ. وَالأصَحُّ: جَوَازُ بَيع حُصْرِ الْمَسْجِدِ إِذَا بَلِيَتْ وَجُذُوعِهِ إِذَا انكسَرَتْ وَلَمْ تَصلُحْ إلا لِلإحْرَاقِ، لِئَلَّا تضيعَ ويضيقَ المكانُ بها من غير فائدةٍ، فَتَحصِيلُ نُزْرٍ يَسِير مِنْ ثَمَنِهَا يَعُودُ على الواقِفِ أوْلى مِنْ ضَيَاعِهَا, ولا يدخلُ بذلك تحتَ بيع الوقفِ لأنها صارتْ في حُكْمِ المعدومةِ، وهذا الوجه صَحَّحَهُ المصنِّفُ تَبَعًا للرافعي، وهو

стр. 972

تَبِعَ الإمامَ؛ والمتولِّي لم يُصَحِّحْ في المسألةِ شيئًا، وكذا الماورديُّ وصاحبُ المهذبِ، والثاني: لا تُباع لأنها عَينُ الوَقْفِ، بل تُتركُ بحالِها أبدًا، كما لو وَقَفَ أرضًا فَخَرَبَتْ، واستبعدَهُ الإمامُ، لكنهُ الْمُصَحَّحُ في التهذيبِ والبيانِ، وبهِ جَزَمَ الْجُرْجَانِيُّ في شافيهِ حيث قال: ولو وقف حصيرًا أو جذوعًا على مسجدٍ فَبَلِيَ لم يَجُزْ بَيعُهُ وَلَا نَقلهُ إلى مسجدٍ آخرَ، لكن يُنتفَعُ بِهِ في تسقيفٍ أو طبخِ جص أو آجُر للمسجد. انتهى. أما إذا صلحت لأنْ ينتفعَ بِها في الوقفِ أدنَى انتفاع فيبقى قطعًا، فعلى الأول قالوا يصرفُ ثَمَنُهَا في مصالح المسجدِ، والقياسُ كما قال الرافعي: أن يُشترَى بِثَمَنِ الْحَصِيرِ حَصير، ولا يصرفُ إلى منفعةٍ أخْرَى، ويُشْبِهُ أَنْ يكونَ هو المرادُ لإطلاقِهم، والخلافُ جارٍ في الدَّارِ الْمُنْهَدِمَةِ وَالْمُشْرِفَةِ على الانهِدام؛ والجذع المشرف على الانكسارِ، قالهُ الرافعي ومقتضاهُ جوازُ البيعُ، وبه صرح الحاوي الصغير لكن المنقول: المنعُ كما أوضحتُهُ في الأصلِ، ونقلَهُ الإمامُ عن الأكثرينَ في المشرفةِ على الانهِدَامِ، وجميعُ ما ذكرنَاهُ في حُصُرِ المسجدِ، ونظائرها هو فيما إذا كانت موقوفةً على المسجدِ. أما ما اشتراهُ الناظرُ للمسجدِ أو وَهَبَهُ لَهُ وَاهِبٌ وَقَبِلَهُ الناظرُ فيجوزُ بيعُهُ عندَ الحاجةِ بلا خلاف كما نَقَلَهُ الرافعيُّ لأنه مِلْكٌ، قال في الروضة: هذا إذا اشتراهُ الناظرُ ولم يَقِفْهُ، فأما إذا وَقَفَهُ فإنهُ يصيرُ وَقْفًا قطعًا وتجري عليهِ أحكامُ الوقفِ. وَلَو انْهَدَمَ مَسْجِدٌ وَتعَذَّرَتْ إِعَادتُهُ لَمْ يُبَعْ بِحَالِ، كالعبد إذا عُتق ثم زَمِنَ، وليس كجفاف الشجرةِ لِتَوَقع العمارةِ ولإمكانِ الصَّلاةِ في عَرَصَتِهِ، وكذا لو تَعَطلَ المسجدُ بِتَفَرُّقِ الناسِ عن البلدِ أو خَرَابِهَا فإنهُ لا يباعُ أيضًا بل إن لم يَخَفْ مِن أهلِ الفسادِ نَقْضُهُ لم يُنْقَضْ وإن خِيفَ نُقِضَ وَحُفِظَ نَقْضُهُ، وإن أراد الحاكمُ أن يُعَمِّرَ بهِ مسجدًا آخرَ جازَ وما كانَ أَقْرَبَ إليهِ فَهُوَ أَوْلى. فَرْعٌ: قال الجرجاني في الشافي: لو وقفَ دابَّةً فَزَمِنَتْ، أو شجرةً فَجَفتْ، فقولان؛ أحدهما: لا تُباعُ كما لو وَقَفَ دارًا فَانهَدَمَتْ وَصَارَتْ بَرَّاحًا لا يُنتفعُ بِها، والثاني: تُباعُ ويُصرفُ ثَمَنُهَا إلى الموقوفِ عليهِ، لبطلانِ الانتفاع بالأصلِ رأسًا بخلاف الْبَرَاح، وحكَى القاضي أبو الطيب الخلافَ من غيرِ ترجيحٍ أيضًا لكنَّهُ حكاهُ

стр. 973

وجهينِ، وحَكَى الفورانيُّ وابنُ الصباغ أيضًا وزاد أَنهُ يَنْبَغِي إِذَا قُلنا تُبَاعُ أنْ يَكُونَ ثَمَنُهَا بِمَنزِلَةِ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَوْقُوفِ إِذَا تَلِفَ وصَحَّحَ الْبَغَويُّ الْمَنْعَ. فَصْلٌ: إِن شَرَطَ الْوَاقِفُ النظَرَ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيرِهِ اُتُّبِعَ، لأنَّهُ الْمُتَقَرِّبُ بِصَدَقَتِهِ فَهُوَ أَحَقُّ مَن يَقُومُ بِإِمْضَائِهَا وَصَرْفِهَا إلى مَصَارفِهَا وَمَنْ نَصبهُ لِذَلِكَ كَانَ أَحَق بِهِ مِنْ غَيرِهِ (١٩٤)، وَإِلا، أي وإنْ لم يشرط شيئًا، فَالنَّظَرُ للْقَاضِي عَلَى الْمَذْهَبِ، مجموعُ ما حكى الرافعيُّ في هذه المسألة ثلاثُ طُرُق: الأولى: أنهُ للواقفِ؛ ونقلها عن كثيرينَ. وثانيها: أنَّ فيه ثلاثَةَ أوجهٍ أحدُها: أنهُ لَهُ؛ لأنهُ لم يَصْرِفِ النظَرَ عَنْهُ، وثانيها: أنهُ للموقوفِ عليهِ لأنه المنتفعُ، وثالثها: أنهُ للحَاكِمِ لأنَّ لَهُ النظَرَ العَامَّ. الثالثة: أن يبنى على أقوال الملك والأظهر أنه لله تعالى كما تقدم، فالنظرُ للقاضي قال الرافعي: وهو الذي يقتضي كلامَ الْمُعْظَمِ الْفَتْوَى بِهِ. فَرْعٌ: لو شرط الواقفُ النظرَ للحاكِمِ هل يُشَارِكُهُ الإمَامُ؟ فيه نظرٌ. وَشَرْطُ النَّاظِرِ، أي وَاقِفًا كانَ أو غَيرَهُ، العَدَالةُ؛ وَالْكِفَايَةُ؛ وَالاهْتِدَاءُ إِلَى التصَرُّفِ، كما في الوصيِّ لأنهَا ولايَةٌ على الغَيرِ، وقوله: (وَالاهْتِدَاءُ إِلَى التَّصَرُّفِ) هُوَ بَيَانٌ لِمَا أجْمَلَهُ مِنَ الْكِفَايَةِ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَهْتَدِي إِلَى التَّصَرفِ لَا يَكُونُ كَافِيًا. فَرْعٌ: لَوْ فَسَقَ الناظرُ ثُمَّ صارَ عَدْلًا عادَتْ ولايتُهُ إنْ كانتْ لهُ بشرطِ الواقفِ، وَإِلا فَلَا؛ قالهُ المصنِّفُ في فتاويهِ. فَرْعٌ: قبولُ المتولي ينبغي أن يجيء فيه ما في قبولِ الوَكِيلِ والموقوفِ عَلَيهِ قالهُ الرافعيُّ، وَوَظِيفَتُهُ، أي عندَ الإطلاقِ، الْعِمارَةُ وَالإجَارَةُ وَتحصِيلُ الْغَلَّةِ وَقِسْمَتُهَا، على وجهِهِ، وكذا حِفْظُ الأصولِ والغَلاتِ على الاحتياطِ، لأنَّهُ المعهودُ في مثلهِ،

стр. 974

والتولية للمدرس وكذا تقديرُ الْجَامَكِيَّةِ، فَإن فَوَّضَ إِلَيهِ بَعْضَ هَذِهِ الأمورِ لَمْ يَتَعَدهُ، اتباعًا لشرطهِ. فَرْعٌ: إذا ادَّعَى متولِّي الوقفِ صرفَهُ إلى مستحقِّهِ وهو مُعَيَّن فالقولُ قولُ المستحقِّ ولهُ المطالبهُ بالحسابِ فإن كان غيرَ مُعَيَّنِ فهل للإمامِ مطالبته بالحسابِ، فيه وجهان حكاهما القاضي شُريح في آداب القضاء. وَللْوَاقِفِ عَزْلُ مَنْ وَلاهُ وَنَصْبُ غَيرِهِ، كما يُعزل الوكيل، إلا أَن يُشْتَرِطَ نَظَرَهُ حَال الْوَقْفِ، أي فإنه ليس للواقف عزلُهُ، قال الرافعي: ويشبه أنْ تكون المسألةُ مصورةً في التولية بعدَ تمامِ الوقفِ دونَ ما إذا وقفَ بشرطِ أن تكون التوليةُ لفلان وما قاله مُتَعَين، وَإِذَا أَخرَ النَّاظِرُ فَزَادَتِ الأجْرَةُ في الْمُدَّةِ أَوْ ظَهَرَ طَالبَ بِالزِّيَادَةِ لَمْ يَنْفَسِخ الْعَقْدُ في الأصَح؛ لأن العقدَ جرَى بالغبطةِ في وقتهِ فَأَشبهَ ما إذا باعَ الوليُّ مال الطفلِ ثم ارتفعت القيمةُ بالأسواقِ أو ظَهَرَ وطالبَ بالزيادةِ، والثاني: ينفسخُ لأنهُ تَبَيَّنَ وُقوعهُ على خلافِ الغبطةِ في المستقبلِ فينفسخُ بنفسهِ وفيه احتمالٌ للإمامِ، والثالث: إنْ كانت الإجارَةُ سَنَةً فما دُونها لم يتأثرِ العقدُ، وإن كانت أكثرَ فالزيادةُ مردودةٌ، ومحِلُّ الخلافِ عند إلامامِ إذا تغيرت الأجرة بكثرة الطالبينَ، أما إذا وجد زبونًا يزيدُ على أجرةِ المثلِ فلا أثرَ لهُ وغيرُهُ فَرَضَهُ كما في الكتاب، واحترز بالناظرِ عما إذا أجَّر الموقوف عليه بحكم الملك وجوزناه فزادت الأُجرة في المدَّةِ أو ظَهَرَ طالب بالزيادةِ فإنَّ العقدَ لا ينفسخُ قطعًا كما لو أجَّرَ الملك الطَلْقَ، قال الإمامُ: ولو كانَ أجَّرَهُ بدونِ أُجْرَةِ المثلِ؛ لأنَّ لَهُ إِعَارَتَهُ. فُرُوعٌ مَنثورَةٌ نَخْتِمُ بِهَا الْبَابَ: قال الدارمي في الاستذكار: إنْ شَرَطَ أنَّ لهُ بيعه أو نقضه والاستبدال به وبما شاءَ منهُ بطل، إلَّا أنْ يحكُمَ به حَاكِم يجوزُ حكمهُ، ولو حكم حاكم ببطلان وقف الْمُشَاع نُقِضَ؛ نقلَهُ الدارميُّ عن ابن القطان، ولو وقف على مسجدٍ يعمره ويشتري كُل سَنَةٍ كذا ويعمرُ بكذا ويُسْتَزَادُ في غَلَّتِهِ صَحَّ، نقلَهُ عَنْهُ أيضًا، وإذا اشترى شيئًا فاسدًا فوقفه لم يصح خلافًا لأبي يوسف ومحمد بن

стр. 975

الحسن، وإذا حصل مال كثير من غَلةِ المسجدِ أعد منهُ قَدْرَ مَا لَوْ خَربَ المسجدُ أعيدَتْ بِهِ العمارةُ والزائدُ يشتري به ما فيه للمسجد زيادةُ غَلتِهِ قالهُ ابنُ كج، والموقوف لعمارةِ المسجدِ لا يُشترى به شيء أصلًا؛ لأنَّ الوَاقِفَ وَقَفَ على العمارةِ، أفتى به القفالُ، وقال الدارمي: إذا فضل من غَلةٍ للوقف عن نَفَقَةِ المسجدِ؛ قال ابن القطان: قال ابن أبي هريرة: يُوْقَفُ حَتى يُحْتَاجَ، قال ابن القطان: يُزاد في غَلَّتِهِ إذا كان في الشرط إذا لم تكْفِهِ الغَلةُ تُمَّمَ مِن بيتِ المالِ، وفي فتاوى الغزالي: إذا اشترى الحاكمُ للمسجدِ من غَلتِهِ وَقْفًا عَقَارًا يكونُ طَلْقًا إلا إذا وقفهُ الحاكمُ على المسجدِ ورأى ذلك صوابًا فيصيرُ وقفًا فإنا بمجرد الشراءِ لا نجعله وقفًا، وفروع الباب كثيرة ومنتشرة وقد ذكرنا في الأصل ها هنا فروعًا مهمة بلغت أوراقًا فسارع إليها ترشد والله المعين.

стр. 976

كتاب الهبة الْهِبَةُ: أَصْلُهَا مِنْ هُبُوبِ الريح أَي مُرُورِهِ، وَاسْتَأنسُوا لَهَا بِقَولِهِ تَعَالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ (١٩٥)، قيل: الْمُرَادُ بِهَا الْهِبَةُ؛ وَقَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾ (١٩٦) قيل: المُرَادُ بِهَا الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَفِي الْبَيهَقِي بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ [تَهَادَوا تَحَابوا] (١٩٧).

стр. 977

التَّمْلِيكُ بِلا عِوَضٍ، أي تَبَرُّعًا في الحياة، هِبَة، فإِنْ مَلكَ مُحْتَاجًا لِثَوَابِ الآخِرَةِ فَصَدَقَةٌ، فَإن نَقَلَهُ إِلَى مَكَانِ الْمَوْهُوبِ لَهُ إِكْرَاما لَهُ فَهَدِيةٌ، أي فَتَمْتَازُ الْهَدِيَّةُ عَنِ الْهِبَةِ بِالنقْلِ، فَكُلُّ هديةِ وصدقة هِبَةٌ ولا ينعكسُ، وفي اختصاص اسم الصدقةِ بالمحتاج نظرٌ، فإنها على الغنيِّ جائزة، نَعَمْ، المصنِّفُ والأصحابُ جَرَوْا على الغالبِ، والأشبَهُ أنه لا يشترطُ في الهدلِةِ أن يكونَ بينهُ وبينَ الْمُهْدَى إِلَيهِ رسول؛ والصدقةُ أَفْضَلُ هذهِ الأنواع (١٩٨).

стр. 978

وَشرْطُ الْهِبَةِ إِيجَابٌ وَقبولٌ لَفْظًا، كما في البيع وسائِرِ التمليكاتِ، فلا يقومُ الأخذُ والإعطاءُ مقامَهُمَا كما في البيع، قال الإمامُ: ولا شَكَّ أن مَن يصيرُ إلى انعقاد البيع بالْمُعَاطَاةِ يُجْزِئُهُ في الهبةِ، وتستثنى الهبةُ الضِّمْنِية؛ فلا تحتاجُ إلى قبولٍ كأعتق عبدك عنِّي فَأعْتَقَهُ، فإنه يدخُلُ في مِلْكِهِ هِبَة ويُعْتَقُ عليهِ، وكذا لو قال: اشْتَرِ لِي بدراهِمِكَ ثَوْبًا وشراهُ لَهُ بِهَا، وصحَّحْنَاهُ، وقُلنا: يكونُ هِبَةً لا قَرْضًا على أحدِ الوجهينِ، وفي الكافي عن القفال: أنه لو اشترى حُلِيًّا لزوجتهِ وَزَيَّنَهَا بهِ لا يصيرُ مِلْكًا لها؛ وفي الْوَلَدِ الصَّغِيرِ يَكُونُ تَمْلِيكًا لَهُ. فَرْعٌ: هل تنعقدُ الهبةُ بالكنايَةِ مع النية إذا اشترطنا فيها القَبُولَ لَفْظًا؟ قال في المطلب: يَشبهُ أنْ يكونَ فيه الخلافُ في البيع وفي كلامِ الرَّافِعِيِّ إشارة إليه. وَلَا يُشْتَرَطَانِ في الْهَدِيَّةِ عَلَى الصحِيح، بَلْ يَكْفِي الْبَعْثُ مِنْ هَذَا، أي ويكونُ كالإيجابِ؛ وَالْقَبْضُ مِنْ ذَاكَ، أي ويكونُ كالقَبُولِ اتِّبَاعًا لِمَا جَرَى عَلَيهِ الناسُ في الأعصارِ، والثاني: يُشترطان كالبيع والوَصيَّةِ. فَرْعٌ: الصَّدَقَةُ كَالْهِبَةِ. فَرْعٌ: في فتاوي البغويّ: يحصل مِلك الهدية بوضع الْمُهْدَى بَينَ يَدَيهِ إِذَا أَعْلَمَهُ بِهِ، قال: ولو أَهْدَى إلى صَبِيٍّ ووضعَ بين يديهِ؛ أو أخَذَهُ الصَّبِيُّ لَا يَمْلِكُهُ! فَرْعٌ: اشترى الحاجُّ شيئًا في سَفَرِهِ بأسماء أصدقائِهِ وَمَاتَ؛ فَوَرَثتهُ بِالْخِيَارِ فِيمَا اشْتَرَاه وَسَمَّاه لأصدقائِهِ؛ قاله القاضي أبو الطيب؛ ويؤخذ من كلام المصنّفِ أيضًا. تَنْبِيهٌ: أَهْمَلَ المصنِّفُ الكلام على العاقدينِ لِوُضُوح حالهِمَا وما يُعتبر فيهما، وقد اعْتَذَرَ الرافعيُّ عن إِهْمَالِ الغزاليِّ لهما بذلك، ومرادُ المصنِّفِ بالشرطِ فيما ذَكَرَهُ لا بد منهُ دونَ حقيقتهِ.

стр. 979

وَلَوْ قَال: أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ؛ فَإِذَا مُتَّ فَهِيَ لِوَرَثَتِكَ، أو لعقبك، فَهِيَ هِبَة، أي لكنه طَوَّلَ العبارَةَ، فإذا ماتَ فالدارُ لورثتِهِ. فإن لم يكونوا فلبيت المال، ولا تعود إلى الواهب بحال لقوله ﵊ [أَيَّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنهَا للَّذي أُعْطِيّهَا؛ لا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا, لأنَّهُ أَعْطى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ] رواهُ مسلم (١٩٩)، وتمثيلُ المصنِّفِ بالدار تَبِعَ فِيهِ أكثرَ الأصحابِ، ولا فَرْقَ بينها وبين غيرها وهو ظاهرُ الحَديثِ. وَلَو اقْتَصَرَ عَلَى أَعْمَرْتُكَ، أي ولم يَتَعَرَّضْ لِمَا بعدَ الموتِ، فَكَذَا في الْجَدِيدِ، أي يَصِحُّ ولَهُ حُكْمُ الْهِبَةِ لقوله ﵊ [الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لأهْلِهَا] متفق عليه (٢٠٠)، والقديمُ البطلانُ لقول جابر ﵁[إِنمَا الْعُمْرَى الَّتِي أجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَقُولَ هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَال هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا] رواه مسلم (٢٠١)، وهذا أشهر الأقَوال في القديم. وَلَوْ قَال: فَإِذَا مُتَّ عَادَتْ إِلَيَّ، فَكَذَا في الأصَحِّ، لإطلاقِ الأحاديثِ الصحيحةِ، قال الرافعي: وكأَنَّهُمْ عَدَلُوا بهِ عن قياسِ سائِرِ الشروطِ الفاسدةِ، والثاني: تبطلُ لأنهُ شَرَطَ مَا يُخَالِفُ مُقتضَى الْمِلْكِ، والثالث: تَصِحُّ وَلَا يُلْغَى الشَّرْطُ حكاهُ صاحبُ التنبيهِ، وعبارةُ الْمُحَرَّرِ: أنَّ هذهِ الصورةَ تَتَرَتَّبُ على صورةِ الإطلاقِ وَأَولى بالبطلانِ وكان ينبغي للمصنِّفِ هناكَ أَنْ يُعَبِّرَ بالمذهبِ بَدَلَ الأصَحِّ.

стр. 980

فَرْعٌ: لو قال: جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرِي أوْ عُمْرَ زَيدٍ؛ فالأصحُّ: البطلانُ لخروجِهِ عنِ اللفظِ المعتادِ. وَلَوْ قَال: أَرْقَبْتُكَ أَوْ جَعَلْتهَا لَكَ رُقْبَى؛ أَي إِن مُتَّ قَبْلِي عَادَتْ إِلَيّ، وَإن مُتُّ قَبْلَكَ اسْتَقَرَّتْ لَكَ، فَالْمَذْهَبُ طَرْدُ الْقَوْلَينِ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ، أي فعلى الجديد (•) يصحُّ هبةً وَيَلْغُوا الشَّرطُ لقوله ﵊ [لا تُعْمِرُوا وَلَا تُرْقِبُوا فَمَنْ أَرْقَبَ شَيئًا أَوْ أَعْمَرَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ] رواه أبو داود والنَّسائيّ (٢٠٢)، والقديم البطلانُ، والطريق الثاني: القطعُ بالبطلانِ. وقوله (أَي) هِيَ تَفْسِيرِيَّةٌ ومقتضاهَا أنَّه لم يُصَرِّحْ بالشَّرطِ المذكورِ، وقطع الماوردي فيما إذا صَرَّحَ بهِ بالبطلانِ لمنافاتِهِ حُكمَ الْمِلْكِ لكن تعميمُ الخلاف هو الظاهرُ لأنهُ إذا كان معناها وتفسيرها كذلك فلا فَرْقَ بَينَ أنْ يُصَرِّحَ به أمْ لا، وحاصلُ المذهبِ صِحَّةُ العُمري والرُّقْبَى في الأحوالِ الثلاثِ. فَائِدَة: الْعُمْرِي مِنَ الْعُمْرِ، وَالرُّقْبَى مِنَ الْمُرَاقَبَةِ، فكلٌّ منهما يرقبُ موتَ صاحبه؛ وكانا عقدين في الجاهلية. فَصْلٌ: وَمَا جَازَ بَيعُهُ، أي من الأعيان، جَازَ هِبَتُهُ, لأنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ نَاجِزٌ كالبيع. وحذف التاء من (جَازَ هِبَتُهُ) لِمُشَاكَلَةِ (جَازَ بَيعُهُ) ولأنَّ تَأْنِيثَ الْهِبَةِ غَيرُ حَقِيقِيٍّ، واحترزنا بالأعيان عن الدَّينِ، وعن بيع الأَوْصَافِ سَلَمًا في الذِّمَّةِ، فإنَّه جائزٌ؛ ولا تجوزُ الهبةُ على نَحْوهِ مثلَ أن يقول: وَهَبْتُكَ أَلْفًا في ذِمَّتِي وَيُعَيِّنُهُ في المَجْلِسِ وَيَقْبِضُهُ كما صَرَّحَ به القاضي والإِمامُ، وَمَا لا، أي وما لا يجوزُ بَيعُهُ، كَمَجْهُولٍ وَمَغْصُوبٍ وَضَالٍّ، أي وآبقٍ، فَلَا، لِمَا قُلناهُ، ويُستثنى من المجهرلِ هبةُ الموقوف إلى الاصطلاح للضرورة ذَكَرَهُ الرافعيُّ في الْفَرَائِضِ، وكذا مسألةُ اختلاطُ حَمَامِ الْبُرْجَينِ كما سيأتي في بابهِ.

стр. 981

فَرْعٌ: مما يجوزُ بَيعُهُ المنافعُ بطريقِ الإجارةِ؛ وفي هِبَتِهَا؛ هل تكونُ عَارِيَةً؟ وجهان؛ وَجَزَمَ الماورديُّ بأَنهَا عَارِيَةٌ لا تَلْزَمُ. فَرْعٌ: قال: أنتَ في حِلٍّ مما تأخذُ مِن مَالي أو تُعْطِي أَوْ تَأْكُلُ، قال العبادي: جازَ الأكلُ دُونَ الأخذِ والإعطاءِ؛ لأنَّ الأكْلَ إِبَاحَةٌ، وهي تصح مجهولة بخلافهما؛ قال: ولو قال لرجل اُدْخُلْ كَرْمِي وَخُذْ مِنَ الْعِنَبِ مَا شِئْتَ أوْ خُذْ مِنْ ثَمَرِي مَا شِئْتَ لا يزيد على عنقودٍ واحدٍ، لأنَّهُ أَقَلُّ مَا يقعُ عليه الاسمُ، وفيه إشكالٌ. وقد قال القفال في فتاويه: لو قال ادْخُلْ بُسْتَانِي وَأَبَحْتُ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ ثِمَارِهِ مَا شِئْتَ كانَ إباحة. إلا حَبَّتَي حِنْطَةٍ وَنَحْوهِمَا، أي من المحقرات فإنَّه يجوزُ هِبَتُهَا قطعًا، وإن كان لا يجوزُ بَيعُهَا على الصحيح, لأنَّ بَدَلَ المالِ في مقابلتِهِ سَفَهٌ، وهذا التعليل مفقودٌ في الهبةِ، والمانعُ في بَيعِهِ لَيسَ في ذاتِهِ كَالْكَلْبِ؛ لأنهُ يباعُ مَعَ غَيرِهِ، وإنما المانعُ الانفرادُ، فَاغتفِرَ في الهبةِ إذ لا محذورَ، وهذا الاستثناءُ مما زادَهُ المصنفُ، وفي كلامِ الرافعيِّ في بابِ اللُّقَطَةِ في التعريف ما يقتضي أنَّه لا تجوز هِبَتُهُ. وقال الامامُ: يظهرُ عِنْدِي تصحيحُ الْهِبَةِ فيهِ على مَعْنَى إحلالُ الموهوبِ لَهُ مَحِلَّ الوَاهِبِ في الاختصاصِ، لكي لا أقطعُ بِهِ لأنَّ لَنَا تَرَدُّدًا في هِبَةِ الْكَلْبِ، والمنعُ هنا أَقْوَى لأنَّ في الكلب إمكانُ الانتفاع. ولا يقعُ فيما لا يُتَمَوَّلُ ولو أَتْلَفَهُ مُتْلِفٌ ولا مِثْلَ لَهُ لم يَجب فيه شيءٌ، وإنْ كانَ لهُ مِثْل ففي ضَمَانِهِ بِمِثْلِهِ خِلَافٌ عَلَيهِ يُخَرِّجُ الذي ذَكَرْنَاهُ في الهبةِ، قال: والأظهرُ إِبْطَالُ الْهِبَةِ. فَرْعٌ: قال في الروضة: ينبغي القطعُ بصحة الصدقةِ بالزَّيتِ النجِسِ لِلاسْتِصْبَاحِ وَنَحْوهِ وَقَدْ جَزَمَ المتولي بِأَنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُ الْيَدِ فِيهِ بِالْوَصِيَّةِ وَنَحْوهَا. فَرْعٌ: جِلْدُ الأضْحِيَةِ لا يَجُوزُ بَيعُهُ بَلْ يُتَصَدَّقُ بِهِ، أَوْ يُنتفَعُ بِهِ، كما ذكرَهُ في بابهِ، وكذا ما جَازَ لَهُ أَكْلُهُ مِنْهَا. فَرْعٌ: عكس هذا إذا استولَدَ الرَّاهِنُ الجاريَةَ المرهونَةَ أو أَعْتَقَهَا وَهُوَ مُعْسِرٌ جَازَ

стр. 982

لَهُ بَيعُهَا للضرورةِ ولا يجوزُ هِبَتُهَا لا من الراهنِ ولا من غيرِهِ كما صَرَّحَ به الرافعيُّ في بابِهِ. وَهِبَةُ الدَّينِ لِلْمَدِينِ إِبْرَاءٌ، أي ولا يحتاج إلى قبولٍ عَلَى الْمَذْهَبِ اعتبارًا بالمعنى، وقيل: يحتاجُ اعتبارًا باللفظ، وَلغَيرِهِ بَاطِلَةٌ في الأصَحِّ، كالبيع وَصَحَّحَ في الروضة القطعَ بِهِ، والثاني: صحيحةٌ بناءً على صِحَّةِ رَهْنِهِ. وَلَا يُمْلَكُ مَوْهُوبٌ إلا بِقَبْضٍ, لأنه رُوي عن جمعٍ من الصَّحَابَة، نقلَهُ صاحبُ المغني الحنبليِّ عن الخلفاءِ الأربعةِ منهُمْ، ولا مخالفَ لهم وكالقرض، وفي قولٍ: يُمْلَكُ بِالْعَقْدِ، وكلامُ المصنِّفِ في باب الاستبراءِ يُوْهِمُ تَرْجِيحَهُ (•) كما ستعلمُهُ هناك إن شاء الله تعالى، وفي ثالث: أنَّه موقوفٌ، فإن قبض تَبَيَّنَّا أنهُ مَلَكَ بالعقدِ، بِإِذْنِ الْوَاهِبِ، أي فلو قبض من غير إذنه لم يجزْ ولم يملكه قياسًا على الرَّهْنِ، وَيَضْمَنُهُ سواءً قبضَ في مجلس العقدِ أو بعده، قال القاضي وغيرُه: ولا يتوقف على إقباضٍ خلافًا للماوردي، وكيفيَّةُ القبضِ في المنقولِ والعقارِ كما مَرَّ في البيع. فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أي الواهب أو الموهوب له، بَينَ الْهِبَةِ وَالْقَبْضِ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ، أي فيتخير في الأولى في الإقباض؛ ويقبضُ وارثُهُ في الثَّانية إنْ أَقْبَضَهُ الواهِبُ؛ ولا ينفسخ العقدُ لأنه عقد يَؤُوْلُ إلى اللزومِ، فلَمْ يَنْفَسِخْ بالموتِ كالبيع المشروطِ فيه الخيارُ، وَقِيلَ: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، لجوازهِ، كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالةِ وقد أسلفتُ الفَرْقَ؛ فإنَّه يَؤُوْلُ إلى اللزومِ بخلافهما. فَرْعٌ: الخلافُ جارٍ في جُنونِ أحدهِمَا وإغمائِهِ. فَصْلٌ: ويُسَنُّ لِلْوَالِدِ الْعَدْلُ في عَطِيّةِ أَوْلَادِهِ، لِئَلَّا يُفضي بهم الأمرُ إلى العقوقِ، فإنْ تَرَكَ العدلَ فقد فَعَلَ مكروهًا، وقال ابن حبان: فعل حرامًا، نَعَمْ لو تفاوت أولاده في الحاجةِ فليس فيهِ المحذورُ السَّالِفُ كما نبَّهَ عليه صاحبُ المطلبِ

стр. 983

والأُمُّ فيما ذَكَرَهُ، كالوالدِ وكذا الْجَدُّ وَالْجَدَّة وَأَفْهَمَ كلامُ الغزاليِّ وغَيرُهُ أن الأقَارِبَ كالأخوةِ لا يجري فيهم الحكمُ المذكورُ ويحتملُ طردُهُ فِيهِمْ لِما فيه من الإيحَاشِ، وقد يفرقُ بأنَّ المحذورَ في الأولادِ عدمُ الْبِرِّ وهو واجبٌ نَبَّهَ عليهِ صاحبُ المطلبِ ثُمَّ ذكرَ المصنِّفُ كيفيَّةَ عَدَمِ التَّفْضِيلِ فقال: بِأنْ يُسَوِّيَ بَينَ الذكَرِ وَالأنْثَى, لأنه إذا فاضل أَدَّى إلى الْوَحْشَةِ وَالْعُقُوقِ (٢٠٣)، وَقِيلَ: كَقِسْمَةِ الإِرْثِ، نَظَرًا لإعطاء الله تعالى ما وجبَ لَهُمْ فَإنَّهُ الْعَدْلُ، والأَوَّلُ فَرَّقَ بِأَنَّ الوارثَ رَاضٍ بِمَا فَرَضَ الله لَهُ بخلافِ هذَا، والخنثى كالذكر لا كالأنثى حتَّى يجري فيه الخلاف كما نبَّهَ عليه المصنِّفُ في نواقِضِ شَرْع المهذَّبِ. وَللأَبِ الرُّجُوعُ فِيٍ هِبَةِ وَلَدِهِ، لقوله ﵊ [لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَة فَيَرْجِعَ فِيهَا إلا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ] صححه التِّرْمِذِيّ وغيره (٢٠٤)، نَعَمْ يُكرهُ إنْ كان الولد عفيفًا بارًّا، وَكَذَا لسائِرِ الأُصُولِ، أي كالأُمِّ

стр. 984

والأجدادِ والجدَّاتِ من الجهتينِ، عَلَى الْمَشْهُورِ, لأنهم كالأبِ في العِتقِ والنَّفَقةِ وَسُقُوطِ الْقَصَاصِ فكذا في الرجوع، والثاني: لا رُجوعِ لهم؛ لأنَّ الخبر خاصٌّ بالأبَ كذا عَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ، والوالدُ في الخبرِ يَشْمَلُ الْجَدَّ أَيضًا، نعَمْ هل هو حقيقةٌ أو مجازٌ؟ فيه خلافٌ سَتَعْرِفُهُ في الفَرَائضِ إن شاء الله، واحترز بالأصولِ عن الإخوةِ والأعْمَامِ وغيرهم من الأقارِبِ، فإنَّهُ لا رُجوع لهم قطعًا كما لا رُجوع للأجَانِبِ وَذَكَرَهُ المصنفُ بَعْدُ. فَرْعٌ: حُكمُ الرجوع في الهديَّةِ كالهبَةِ، وكذا في الصَّدَقَةِ على الأصَحّ المنصوصِ، لأنهَا هِبَةٌ؛ كذا صَحُّحَهُ الرافعيُّ هنا، ومقابِلُهُ جَزَمَ به في أوائل العارية، وصحَّحَهُ في الشرح الصغيرِ هنا لأنَّ قَصْدَ المتصدق الثوابَ في الآخرةِ وهُو مَوْعُود بِهِ، وجَزَمَ القفالُ في فتاويه: بِأَنَّ للمُهدي الرجعُ في المُهْدَى ما دامَ باقيًا؛ لأنهُ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الإِبَاحَةِ. وَشَرْطُ رُجُوعِهِ بَقَاءُ الْمَوْهُوبِ في سَلْطَنَةِ الْمُتَّهَبِ فَيَمْتَنِعُ بِبَيعِهِ وَوَقْفِهِ، صيانة لحقِّ الغيرِ وكذا لو أعْتَقَهُ أوْ كَاتَبَهُ أَو اسْتَوْلَدَهَا، لا بِرَهْنِهِ وَهِبَتِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، لبقاء السلطة بخلافِ ما إذا أقبضهما، وَتَعْلِيقِ عِتْقِهِ وَتَزْويجِهَا وَزِرَاعَتِهَا، لما ذكرناهُ مِن بقاءِ السلطةِ، وَكَذَا الإِجَارَةُ عَلَى الْمَذهَبِ، كما لو أَعَارَهُ أو زَوَّجَهَا وهذا جوابُ الأكثرينَ ومقابِلُهُ قولُ الإمامِ: إِنا إنْ صَحَّحْنَا بيعَ المستأجرِ رجعَ وإلّا فإنْ جَوَّزْنَا الرجوعَ في المرهونِ فكذلك، وإنْ مَنَعْنَا ففي المستأجرِ تَرَدُّدٌ. وَلَوْ زَال مِلْكُهُ وَعَادَ لَم يَرْجِعْ في الأصَحِّ, لأنهُ في يَدِهِ الآن مِن غيرِ جِهَةِ الأبِ فهو كما لو وَهَبَ لَهُ دراهِمَ فاشْتَرَى بها سِلْعَةً، والثاني: يرجع لوجودِ العَينِ في يَدِهِ على صِفَتِهَا، والخلافُ مَبْنِيٌّ على الخلافِ في أنَّ الزَّائِلَ الْعَائِدَ كَالَّذِي لَمْ يَزَلْ أَوْ كَالَّذِي لَمْ يَعُدْ. فَرْعٌ: لو ارتَدَّ الوَلَدُ وَقُلنا بِزَوَالِ الْمِلْك بِالرِّدَّةِ ثُمَّ عَادَ إِلَى الإسْلَامِ فَالْمَذْهَبُ الرُّجُوعُ.

стр. 985

فَرْعٌ: لو وَهَبَ له عَصِيرًا فَصَارَ خمرًا ثُمَّ صارَ خَلًّا فالصحيحُ الرجوعُ. وَلَوْ زَادَ رَجَعَ فِيهِ بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ, لأنها تتبعُ الأصلَ، لا الْمُنْفَصِلَةِ، أي كالكَسْبِ لأنها حَدَثَتْ في خالِصِ مِلْكِهِ. وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِرَجَعْتُ فِيمَا وَهَبْتُ أَو اسْتَرْجَعْتُهُ أَوْ رَدَدْتُهُ إِلَى مِلْكِي أوْ نَقَضْتُ الْهِبَةَ، أي وما أَشْبَهَهُ كَأَبْطَلتهَا, لأنَّ ذلك كله يفيدُ المقصودَ. قال الرويانيُّ: وصريحُهُ رَجَعْتُ وكنايته أَبْطَلْتُ الْهِبَةَ وَفَسَختهَا، وقال القاضي: الفَسْخُ صريحٌ، وذكر البندنيجي تبعًا للشيخ أبي حامد: أنَّ كُلَّمَا كانَ رُجوعًا في الفَلَسِ كان رُجوعًا في الهِبَةِ وما لا فَلَا، لا بِبَيعِهِ؛ وَوَقْفِهِ؛ وَهِبَتِهِ؛ وَإِعْتَاقِهِ؛ وَوَطْئِهَا في الأصَحِّ، لِكَمَالِ مِلْك الابنِ بدليل نفُوذ تَصَرُّفهِ، والثاني: أنَّهُ رُجوعٌ وينفذُ التصَرُّفُ كما أن هذه التَّصَرفَاتِ فَسْخٌ للبيع في زَمَنِ الخِيَارِ، وَالأَوَّلُ فَرّقَ بِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ ضَعِيفٌ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنّفُ في الْهِبَةِ ظَاهِرٌ إِنْ وُجِدَ مَعَهَا إِقْبَاضٌ، فإنْ لم يوجدْ فَهَلْ يلتحقُ بما إذا قبضَ أو يقطعُ بأنَّهُ لا يكون رُجُوعًا؟ فيه احتمال لصاحبِ المطلبِ، قال الإمامُ: ولا خلافَ أنَّ الوطءَ حرامٌ على الأبِ وإن قَصَدَ به الرُّجُوعَ لاستحالةِ اسْتِبَاحَةِ الوَطْءِ لِشَخْصَينِ. وَلَا رُجُوعَ لِغَير الأُصُولِ في هِبَةٍ مُقَيَّدَةٍ بِنَفْي الثَّوَابِ، لما سلف، وقوله (مُقيَّدَةِ بِنَفْي الثَّوَابِ) ومقصودُهُ بِهِ بَيَانُ مُجْمَلِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الكلامِ فيه؛ إلى لا تُسَلَّطُ للأجنبيِّ على الرُجوع فيها، ومقصودُهُ أَيضًا التدَرجُ إلى الكَلامِ في الثَّوَابِ، وَمَتَى وَهَبَ مُطلَقًا، يعني ولم يُقيِّدْهُ، فَلَا ثَوَابَ إِن وَهَبَ لدُونهِ، أي في الرُّتْبَةِ إذ لا يقتضِيهِ لفظٌ ولا عادةٌ، وذلك كهبةِ الأميرِ والقاضي لمن دُوْنَهُمَا، والثوابُ هو العوضُ، وَكَذَا لأَعْلَى مِنْهُ في الأَظْهَرِ، أي كما إذا وَهَبَ الْمَرؤُوْسُ لِلرَّئِيسِ, لأنَّهُ لو أعَارَهُ دَارًا لا يَلْزَمُ الْمُسْتَعِيرَ شيءٌ فكذلكَ إذا وَهَبَ إِلْحَاقًا لِلأعْيانِ بِالْمَنَافِع، والثاني: يجبُ الثوابُ لإطراد العادَةِ بِهِ، وأصلُ الخلافُ أنَّ العادَةَ الجاريَةَ هل تُجْعَلُ كَالْمَشْرُوطَةِ؟ وفيه قولان، وَلنَظِيرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ, لأنَّ القصدَ في مثلِهِ الصِّلَةُ وتأكيدُ الصَّدَاقَةِ، هذا
следующие страницы →