فَرْعٌ: مما يجوزُ بَيعُهُ المنافعُ بطريقِ الإجارةِ؛ وفي هِبَتِهَا؛ هل تكونُ عَارِيَةً؟ وجهان؛ وَجَزَمَ الماورديُّ بأَنهَا عَارِيَةٌ لا تَلْزَمُ.
فَرْعٌ: قال: أنتَ في حِلٍّ مما تأخذُ مِن مَالي أو تُعْطِي أَوْ تَأْكُلُ، قال العبادي: جازَ الأكلُ دُونَ الأخذِ والإعطاءِ؛ لأنَّ الأكْلَ إِبَاحَةٌ، وهي تصح مجهولة بخلافهما؛ قال: ولو قال لرجل اُدْخُلْ كَرْمِي وَخُذْ مِنَ الْعِنَبِ مَا شِئْتَ أوْ خُذْ مِنْ ثَمَرِي مَا شِئْتَ لا يزيد على عنقودٍ واحدٍ، لأنَّهُ أَقَلُّ مَا يقعُ عليه الاسمُ، وفيه إشكالٌ. وقد قال القفال في فتاويه: لو قال ادْخُلْ بُسْتَانِي وَأَبَحْتُ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ ثِمَارِهِ مَا شِئْتَ كانَ إباحة.
إلا حَبَّتَي حِنْطَةٍ وَنَحْوهِمَا، أي من المحقرات فإنَّه يجوزُ هِبَتُهَا قطعًا، وإن كان لا يجوزُ بَيعُهَا على الصحيح, لأنَّ بَدَلَ المالِ في مقابلتِهِ سَفَهٌ، وهذا التعليل مفقودٌ في الهبةِ، والمانعُ في بَيعِهِ لَيسَ في ذاتِهِ كَالْكَلْبِ؛ لأنهُ يباعُ مَعَ غَيرِهِ، وإنما المانعُ الانفرادُ، فَاغتفِرَ في الهبةِ إذ لا محذورَ، وهذا الاستثناءُ مما زادَهُ المصنفُ، وفي كلامِ الرافعيِّ في بابِ اللُّقَطَةِ في التعريف ما يقتضي أنَّه لا تجوز هِبَتُهُ. وقال الامامُ: يظهرُ عِنْدِي تصحيحُ الْهِبَةِ فيهِ على مَعْنَى إحلالُ الموهوبِ لَهُ مَحِلَّ الوَاهِبِ في الاختصاصِ، لكي لا أقطعُ بِهِ لأنَّ لَنَا تَرَدُّدًا في هِبَةِ الْكَلْبِ، والمنعُ هنا أَقْوَى لأنَّ في الكلب إمكانُ الانتفاع. ولا يقعُ فيما لا يُتَمَوَّلُ ولو أَتْلَفَهُ مُتْلِفٌ ولا مِثْلَ لَهُ لم يَجب فيه شيءٌ، وإنْ كانَ لهُ مِثْل ففي ضَمَانِهِ بِمِثْلِهِ خِلَافٌ عَلَيهِ يُخَرِّجُ الذي ذَكَرْنَاهُ في الهبةِ، قال: والأظهرُ إِبْطَالُ الْهِبَةِ.
فَرْعٌ: قال في الروضة: ينبغي القطعُ بصحة الصدقةِ بالزَّيتِ النجِسِ لِلاسْتِصْبَاحِ وَنَحْوهِ وَقَدْ جَزَمَ المتولي بِأَنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُ الْيَدِ فِيهِ بِالْوَصِيَّةِ وَنَحْوهَا.
فَرْعٌ: جِلْدُ الأضْحِيَةِ لا يَجُوزُ بَيعُهُ بَلْ يُتَصَدَّقُ بِهِ، أَوْ يُنتفَعُ بِهِ، كما ذكرَهُ في بابهِ، وكذا ما جَازَ لَهُ أَكْلُهُ مِنْهَا.
فَرْعٌ: عكس هذا إذا استولَدَ الرَّاهِنُ الجاريَةَ المرهونَةَ أو أَعْتَقَهَا وَهُوَ مُعْسِرٌ جَازَ
стр. 982
لَهُ بَيعُهَا للضرورةِ ولا يجوزُ هِبَتُهَا لا من الراهنِ ولا من غيرِهِ كما صَرَّحَ به الرافعيُّ في بابِهِ.
وَهِبَةُ الدَّينِ لِلْمَدِينِ إِبْرَاءٌ، أي ولا يحتاج إلى قبولٍ عَلَى الْمَذْهَبِ اعتبارًا بالمعنى، وقيل: يحتاجُ اعتبارًا باللفظ، وَلغَيرِهِ بَاطِلَةٌ في الأصَحِّ، كالبيع وَصَحَّحَ في الروضة القطعَ بِهِ، والثاني: صحيحةٌ بناءً على صِحَّةِ رَهْنِهِ.
وَلَا يُمْلَكُ مَوْهُوبٌ إلا بِقَبْضٍ, لأنه رُوي عن جمعٍ من الصَّحَابَة، نقلَهُ صاحبُ المغني الحنبليِّ عن الخلفاءِ الأربعةِ منهُمْ، ولا مخالفَ لهم وكالقرض، وفي قولٍ: يُمْلَكُ بِالْعَقْدِ، وكلامُ المصنِّفِ في باب الاستبراءِ يُوْهِمُ تَرْجِيحَهُ (•) كما ستعلمُهُ هناك إن شاء الله تعالى، وفي ثالث: أنَّه موقوفٌ، فإن قبض تَبَيَّنَّا أنهُ مَلَكَ بالعقدِ، بِإِذْنِ الْوَاهِبِ، أي فلو قبض من غير إذنه لم يجزْ ولم يملكه قياسًا على الرَّهْنِ، وَيَضْمَنُهُ سواءً قبضَ في مجلس العقدِ أو بعده، قال القاضي وغيرُه: ولا يتوقف على إقباضٍ خلافًا للماوردي، وكيفيَّةُ القبضِ في المنقولِ والعقارِ كما مَرَّ في البيع. فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أي الواهب أو الموهوب له، بَينَ الْهِبَةِ وَالْقَبْضِ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ، أي فيتخير في الأولى في الإقباض؛ ويقبضُ وارثُهُ في الثَّانية إنْ أَقْبَضَهُ الواهِبُ؛ ولا ينفسخ العقدُ لأنه عقد يَؤُوْلُ إلى اللزومِ، فلَمْ يَنْفَسِخْ بالموتِ كالبيع المشروطِ فيه الخيارُ، وَقِيلَ: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، لجوازهِ، كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالةِ وقد أسلفتُ الفَرْقَ؛ فإنَّه يَؤُوْلُ إلى اللزومِ بخلافهما.
فَرْعٌ: الخلافُ جارٍ في جُنونِ أحدهِمَا وإغمائِهِ.
فَصْلٌ: ويُسَنُّ لِلْوَالِدِ الْعَدْلُ في عَطِيّةِ أَوْلَادِهِ، لِئَلَّا يُفضي بهم الأمرُ إلى العقوقِ، فإنْ تَرَكَ العدلَ فقد فَعَلَ مكروهًا، وقال ابن حبان: فعل حرامًا، نَعَمْ لو تفاوت أولاده في الحاجةِ فليس فيهِ المحذورُ السَّالِفُ كما نبَّهَ عليه صاحبُ المطلبِ
стр. 983
والأُمُّ فيما ذَكَرَهُ، كالوالدِ وكذا الْجَدُّ وَالْجَدَّة وَأَفْهَمَ كلامُ الغزاليِّ وغَيرُهُ أن الأقَارِبَ كالأخوةِ لا يجري فيهم الحكمُ المذكورُ ويحتملُ طردُهُ فِيهِمْ لِما فيه من الإيحَاشِ، وقد يفرقُ بأنَّ المحذورَ في الأولادِ عدمُ الْبِرِّ وهو واجبٌ نَبَّهَ عليهِ صاحبُ المطلبِ ثُمَّ ذكرَ المصنِّفُ كيفيَّةَ عَدَمِ التَّفْضِيلِ فقال: بِأنْ يُسَوِّيَ بَينَ الذكَرِ وَالأنْثَى, لأنه إذا فاضل أَدَّى إلى الْوَحْشَةِ وَالْعُقُوقِ (٢٠٣)، وَقِيلَ: كَقِسْمَةِ الإِرْثِ، نَظَرًا لإعطاء الله تعالى ما وجبَ لَهُمْ فَإنَّهُ الْعَدْلُ، والأَوَّلُ فَرَّقَ بِأَنَّ الوارثَ رَاضٍ بِمَا فَرَضَ الله لَهُ بخلافِ هذَا، والخنثى كالذكر لا كالأنثى حتَّى يجري فيه الخلاف كما نبَّهَ عليه المصنِّفُ في نواقِضِ شَرْع المهذَّبِ.
وَللأَبِ الرُّجُوعُ فِيٍ هِبَةِ وَلَدِهِ، لقوله ﵊ [لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَة فَيَرْجِعَ فِيهَا إلا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ] صححه التِّرْمِذِيّ وغيره (٢٠٤)، نَعَمْ يُكرهُ إنْ كان الولد عفيفًا بارًّا، وَكَذَا لسائِرِ الأُصُولِ، أي كالأُمِّ
стр. 984
والأجدادِ والجدَّاتِ من الجهتينِ، عَلَى الْمَشْهُورِ, لأنهم كالأبِ في العِتقِ والنَّفَقةِ وَسُقُوطِ الْقَصَاصِ فكذا في الرجوع، والثاني: لا رُجوعِ لهم؛ لأنَّ الخبر خاصٌّ بالأبَ كذا عَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ، والوالدُ في الخبرِ يَشْمَلُ الْجَدَّ أَيضًا، نعَمْ هل هو حقيقةٌ أو مجازٌ؟ فيه خلافٌ سَتَعْرِفُهُ في الفَرَائضِ إن شاء الله، واحترز بالأصولِ عن الإخوةِ والأعْمَامِ وغيرهم من الأقارِبِ، فإنَّهُ لا رُجوع لهم قطعًا كما لا رُجوع للأجَانِبِ وَذَكَرَهُ المصنفُ بَعْدُ.
فَرْعٌ: حُكمُ الرجوع في الهديَّةِ كالهبَةِ، وكذا في الصَّدَقَةِ على الأصَحّ المنصوصِ، لأنهَا هِبَةٌ؛ كذا صَحُّحَهُ الرافعيُّ هنا، ومقابِلُهُ جَزَمَ به في أوائل العارية، وصحَّحَهُ في الشرح الصغيرِ هنا لأنَّ قَصْدَ المتصدق الثوابَ في الآخرةِ وهُو مَوْعُود بِهِ، وجَزَمَ القفالُ في فتاويه: بِأَنَّ للمُهدي الرجعُ في المُهْدَى ما دامَ باقيًا؛ لأنهُ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الإِبَاحَةِ.
وَشَرْطُ رُجُوعِهِ بَقَاءُ الْمَوْهُوبِ في سَلْطَنَةِ الْمُتَّهَبِ فَيَمْتَنِعُ بِبَيعِهِ وَوَقْفِهِ، صيانة لحقِّ الغيرِ وكذا لو أعْتَقَهُ أوْ كَاتَبَهُ أَو اسْتَوْلَدَهَا، لا بِرَهْنِهِ وَهِبَتِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، لبقاء السلطة بخلافِ ما إذا أقبضهما، وَتَعْلِيقِ عِتْقِهِ وَتَزْويجِهَا وَزِرَاعَتِهَا، لما ذكرناهُ مِن بقاءِ السلطةِ، وَكَذَا الإِجَارَةُ عَلَى الْمَذهَبِ، كما لو أَعَارَهُ أو زَوَّجَهَا وهذا جوابُ الأكثرينَ ومقابِلُهُ قولُ الإمامِ: إِنا إنْ صَحَّحْنَا بيعَ المستأجرِ رجعَ وإلّا فإنْ جَوَّزْنَا الرجوعَ في المرهونِ فكذلك، وإنْ مَنَعْنَا ففي المستأجرِ تَرَدُّدٌ.
وَلَوْ زَال مِلْكُهُ وَعَادَ لَم يَرْجِعْ في الأصَحِّ, لأنهُ في يَدِهِ الآن مِن غيرِ جِهَةِ الأبِ فهو كما لو وَهَبَ لَهُ دراهِمَ فاشْتَرَى بها سِلْعَةً، والثاني: يرجع لوجودِ العَينِ في يَدِهِ على صِفَتِهَا، والخلافُ مَبْنِيٌّ على الخلافِ في أنَّ الزَّائِلَ الْعَائِدَ كَالَّذِي لَمْ يَزَلْ أَوْ كَالَّذِي لَمْ يَعُدْ.
فَرْعٌ: لو ارتَدَّ الوَلَدُ وَقُلنا بِزَوَالِ الْمِلْك بِالرِّدَّةِ ثُمَّ عَادَ إِلَى الإسْلَامِ فَالْمَذْهَبُ الرُّجُوعُ.
стр. 985
فَرْعٌ: لو وَهَبَ له عَصِيرًا فَصَارَ خمرًا ثُمَّ صارَ خَلًّا فالصحيحُ الرجوعُ.
وَلَوْ زَادَ رَجَعَ فِيهِ بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ, لأنها تتبعُ الأصلَ، لا الْمُنْفَصِلَةِ، أي كالكَسْبِ لأنها حَدَثَتْ في خالِصِ مِلْكِهِ.
وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِرَجَعْتُ فِيمَا وَهَبْتُ أَو اسْتَرْجَعْتُهُ أَوْ رَدَدْتُهُ إِلَى مِلْكِي أوْ نَقَضْتُ الْهِبَةَ، أي وما أَشْبَهَهُ كَأَبْطَلتهَا, لأنَّ ذلك كله يفيدُ المقصودَ. قال الرويانيُّ: وصريحُهُ رَجَعْتُ وكنايته أَبْطَلْتُ الْهِبَةَ وَفَسَختهَا، وقال القاضي: الفَسْخُ صريحٌ، وذكر البندنيجي تبعًا للشيخ أبي حامد: أنَّ كُلَّمَا كانَ رُجوعًا في الفَلَسِ كان رُجوعًا في الهِبَةِ وما لا فَلَا، لا بِبَيعِهِ؛ وَوَقْفِهِ؛ وَهِبَتِهِ؛ وَإِعْتَاقِهِ؛ وَوَطْئِهَا في الأصَحِّ، لِكَمَالِ مِلْك الابنِ بدليل نفُوذ تَصَرُّفهِ، والثاني: أنَّهُ رُجوعٌ وينفذُ التصَرُّفُ كما أن هذه التَّصَرفَاتِ فَسْخٌ للبيع في زَمَنِ الخِيَارِ، وَالأَوَّلُ فَرّقَ بِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ ضَعِيفٌ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنّفُ في الْهِبَةِ ظَاهِرٌ إِنْ وُجِدَ مَعَهَا إِقْبَاضٌ، فإنْ لم يوجدْ فَهَلْ يلتحقُ بما إذا قبضَ أو يقطعُ بأنَّهُ لا يكون رُجُوعًا؟ فيه احتمال لصاحبِ المطلبِ، قال الإمامُ: ولا خلافَ أنَّ الوطءَ حرامٌ على الأبِ وإن قَصَدَ به الرُّجُوعَ لاستحالةِ اسْتِبَاحَةِ الوَطْءِ لِشَخْصَينِ.
وَلَا رُجُوعَ لِغَير الأُصُولِ في هِبَةٍ مُقَيَّدَةٍ بِنَفْي الثَّوَابِ، لما سلف، وقوله (مُقيَّدَةِ بِنَفْي الثَّوَابِ) ومقصودُهُ بِهِ بَيَانُ مُجْمَلِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الكلامِ فيه؛ إلى لا تُسَلَّطُ للأجنبيِّ على الرُجوع فيها، ومقصودُهُ أَيضًا التدَرجُ إلى الكَلامِ في الثَّوَابِ، وَمَتَى وَهَبَ مُطلَقًا، يعني ولم يُقيِّدْهُ، فَلَا ثَوَابَ إِن وَهَبَ لدُونهِ، أي في الرُّتْبَةِ إذ لا يقتضِيهِ لفظٌ ولا عادةٌ، وذلك كهبةِ الأميرِ والقاضي لمن دُوْنَهُمَا، والثوابُ هو العوضُ، وَكَذَا لأَعْلَى مِنْهُ في الأَظْهَرِ، أي كما إذا وَهَبَ الْمَرؤُوْسُ لِلرَّئِيسِ, لأنَّهُ لو أعَارَهُ دَارًا لا يَلْزَمُ الْمُسْتَعِيرَ شيءٌ فكذلكَ إذا وَهَبَ إِلْحَاقًا لِلأعْيانِ بِالْمَنَافِع، والثاني: يجبُ الثوابُ لإطراد العادَةِ بِهِ، وأصلُ الخلافُ أنَّ العادَةَ الجاريَةَ هل تُجْعَلُ كَالْمَشْرُوطَةِ؟ وفيه قولان، وَلنَظِيرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ, لأنَّ القصدَ في مثلِهِ الصِّلَةُ وتأكيدُ الصَّدَاقَةِ، هذا
стр. 986
أصحُّ الطرُقِ، وقيل: يُطْرَدُ الخلافُ السابقُ، لأَنَّ الأَقْرَانَ لا يَتَحَمَّلُ بَعْضُهُمْ مِنَّةَ بَعْضٍ عَادَة، بَلْ يُعَوِّضُونَ، وقيل: إِنْ قَصَدَ الثَّوَابَ اسْتَحَقَّهُ، وإلا فقولان حكاهُ صاحبُ البَيَانِ، فَإِنْ وَجَبَ، يعني الثَّوابَ، فَهُوَ قِيمَةُ الْمَوْهُوبِ في الَّأصَحّ؛ لأنَّ العقدَ إذا اقتضى العوضَ ولم يَسَمِّ فيه، وَجَبَتْ فيه القِيمَةُ كَالنِّكَاح، وعلى هذا فَالأصَحُّ اعْتِبَارُ قِيمَةِ يَوْمِ الْقَبْضِ لا يومَ الثوابِ ولا تلزمُ القيمةُ على ما صَحَّحَهُ المصنفُ بل الموهوب له مخيرٌ بين دفعها وَردِّ الموهوبِ إذا طلبَ الواهبُ القيمةَ، فإن لم يطلبها لم يكن له الرَّدُّ؛ وليس للواهبِ استرجاعُ الموهوب إذا بَذَلَ الموهوبُ لَهُ القِيْمَةَ، والوجه الثاني: أنَّه أقلُّ ما يتموَّلُ لوقوع اسم الثوابِ عليهِ، وهذا الوجهُ لم يعمل بمقتضى اللفْظِ، فإنَّهُ لا يَقتضِي عِوَضًا الْبَتَّةَ ولا بمقتضى الْعُرْفِ إذ يَسْتَقْبِحُ أهلُ العُرْفِ دَفْعَ أقلَّ ما يتموَّلُ عند إهداءِ الكبرِ، والثالث: أنَّهُ مَا يُعَدُّ ثوابًا لمثلِهِ في العادَةِ، والرابع: ما يَرضى به الواهِبُ، وقول المصنف (فَهُوَ قِيمَةُ الْمَوْهُوبِ) كان يَنْبَغِي له أنْ يقول قَدْرَ قِيمَةِ الْمَوْهُوبِ كما عبَّر بهِ في الْمُحَرَّرِ, لأنَّ الواجبَ القيمةُ نَفْسُهَا، وكيف يكون ذلك والموهوبُ قد يكون مثليًّا.
فَرْعٌ: لا ثوابَ في الصدقةِ بِكُلِّ حَالٍ، وأما الهديَّةُ فالظاهرُ أنّها كالهبةِ كما ذكرهُ في الروضة من زوائدِهِ، وكأَنَّهُ ذَكَرَهُ تَفَقُّهًا، وقد صَرَّحَ به البندنيجي كما أفادَهُ في الكفاية.
فَإِن لَمْ يُثِبْهُ فَلَهُ الرجُوعُ، أي إن كان الموهوب بحاله لقوله ﵊ قال: [مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا] صححه الحاكم (٢٠٥)، فإن كان تَالِفًا فالرجوعُ إلى القيمةِ.
وَلَوْ وَهَبَ بِشَرْطِ ثَوَابٍ مَعْلُومٍ، أي كَوَهَبْتُكَ هَذَا عَلَى أنْ تُثِيبنِي كَذَا، فَالأظْهَرُ:
стр. 987
صِحَّةُ الْعَقْدِ، نظرًا إلى المعنى، والثاني: بطلانه نظرًا إلى اللَّفْظِ لِتَنَاقُضِهِ، وَيكُونُ بَيعًا عَلَى الصَّحِيح، نظرًا إلى المعنى فَيُثْبِتُ أَحْكَامُهُ، والثاني: يكونُ هبةً نظرًا إلى اللفظ، فَيَثْبُتُ فيهِ أحكامُها، قال الإمامُ: وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، ولو صَحَّ لَم يَكُنْ في دَفْع الشُّفْعَةِ حِيلَةٌ رْفَعَ مِنْ هَذِهِ لِسَلَامَتِهَا مِنَ الْخَطَرِ، أَوْ مَجْهُولٍ؛ فَالمَذْهَبُ بُطْلانهُ, لأنَّهُ خَالفَ موجبَ الهبَةِ بالعوضِ؛ والبيع لجهالةِ العِوَضِ، وملخَّصُ الخلافِ في المسألة: أنَّا إنْ قُلنا: إِنَّ الهبة لا تقتضي ثوابًا فالعقدُ باطلٌ لتعَذُّر تصحيحه بيعًا وهبةً؛ وإنْ قلنا يَقتضِيهِ صَحَّ وهو تصريحٌ بمقتضى العقدِ، وهذا ما أوردَهُ الأكثرون كما قاله الرافعي، وقال المصنّفُ في الروضة: إنَّه المذهبُ وبِهِ قَطَعَ الجمهورُ، وحكى الغزاليُّ وجهًا: أنَّه يبطل بناءً على أن العوضَ يلحقه بالبيع وإنْ كان بيعًا وجبَ أنْ يكون العِوَضُ معلومًا، والأوَّلُونَ يقولونَ: إنما يُجْعَلُ بيعًا على رأيٍ، إذا تعذرَ جعلُهُ هبةً، وذلك إذا قلنا: إِن الهبةَ لا تقتضي الثوابَ، أما إذا قلنا: تقتضيه فاللَّفْظُ والمعنى متطابقان فلا معنى لجعلِهِ بَيعًا.
وَلَوْ بَعَثَ هَدِيَّةً فِي ظَرْفٍ فَإِنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِرَدِّهِ كَقُوْصَرَّةِ تَمْرٍ فَهُوَ هَدِيَّة أَيضًا، وإلَّا فَلَا، تحكيمًا للعادةِ وقد يتميزُ القسمان بكونه مشدودًا فيه وغيرُ مشدودٍ كما قاله الرافعيُّ، وَيحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ, لأنه أمانةٌ في يدِهِ، إلا فِي أَكْلِ الْهَدِيّةِ مِنْهُ إِنِ اقْتَضَتْهُ الْعَادَةُ، أي ويكون عاريةً كما قاله البَغَويّ وإن لم تقتضيه العادةُ لزمَهُ تَفْرِيغُهُ.
فَائِدَةٌ: القوصرَّةُ بتشديد الراء على الأفْصَح وعاءُ التمْرِ ولا تسمّى بذلك إلَّا وفيها التَّمْرُ وإلا فهي زَنْبِيلٌ.
فُرُوعٌ نَخْتِمُ بِهَا الْبَابَ: ختن رجلٌ ولده واتخذَ دعوةً فحُمِلت إليه الهدايا ولم يسمِّ أصحابُها الأبَ ولا الابنَ فلمن تكونُ؟ فيه وجهان أصحهما من زوائد الروضة أنها للأبِ، وأما العباديُّ فصحَّحَ أنها للابن، وبه أفتى الفاضي قال: ويجب على الأب القبول، فإن لم يقبل أثِمَ وهو ظاهرٌ إذا لم يقصد التقريب للأب، فإن قصده فينبغي أن لا يجب لا سيما إذا كان قاضيًا، وروى عن ابن عباس [مَنْ أهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ
стр. 988
نَاسٌ، فَهُمْ شُرَكَاءُ فِيهِ] وروي مرفوعًا، والموقوف أصحُّ (٢٠٦)، وبه قال أبو يوسف في المأكول ونحوه؛ وفي الحديث الصحيح [مَا أَتَاكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأنْتَ غيرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ] (٢٠٧) فقال ابن حزمٍ الظاهري بوحوبه، وقال: قبول الهدية واجبٌ وردُّها حرام بهذا الحديث، وما أهداهُ إلى أمير الْجُنْدِ يصيرُ فيئًا للمسلمين فإنَّه يقوِّيهم، والهديةُ لسيدنا رسول الله ﷺ يملكها ويختص بها؛ لأن قوته ومنعته بالله لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢٠٨) فالمقصود ذاته وبركته بخلاف غيره من ولاة الأمور، ورأيتُ في فتاوى القفال: أنَّه ليس للمهدي إليه بيعُ الهدية.
стр. 989
كِتَابُ الْلُّقَطَةِ
اللُّقَطَةُ: حَكَى ابنُ مالك فيها أَرْبَعَ لُغَاتٍ؛ فقال:
لُقَاطَةٌ وَلُقْطَةٌ وَلُقَطَةٌ ... وَلَقْطٌ مَا لاقِطٌ قَدْ لَقَطَهْ
قال الأزهريُّ: وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِغَيرِ الْحَيوَانِ، وَالْحَيوَانُ يُسَمَّى ضَالَّةً. والأصلُ فيها السُّنَّةِ الشَّهيرةِ، والإجماعِ. وهِيَ تَنَاوُلُ مَا لَيسَ بِمَحْفُوْظٍ لِلْحِفْظِ عَلَى صَاحِبِهَا، قاله الشيخ نصرُ المقدسيُّ، ومرادُهُ حَدُّ الالتقاطِ.
يُسْتَحَبُّ الالْتِقَاطُ لِوَاثِقٍ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢٠٩)، وَقِيلَ: يَجِبُ، صيانةً لهُ، وهذا حكاهُ في الروضة تبعًا للرافعيِّ قولًا، وَلَا يُسْتَحَبُّ لِغَيرِ وَاثِقٍ، أي قطعًا لا يخاف من الخيانة، وَيَجُوزُ فِي الأَصَحِّ، لأنَّ خِيَانَتَهُ لم تتحقَّقْ فيأمره بالاحتراز، والثاني: المنعُ. وعبارة المصنف تبعًا للرافعي: عَدَمُ الْوُثُوقِ، وعبارة الغزالي: الْخَوْفُ عَلَى نَفْسِهِ؛ وبينهما فرق، فَإِنَّ الْخَوْفَ أَقْوَى فِي التَّوَقُّعِ مِنْ عَدَمِ الْوُثُوقِ.
فَرْعٌ: سواء قلنا بالوجوب أو بعدمه فلا تضمن اللقطة بالترك.
وَيُكْرَهُ لِفَاسِقٍ، كيلا تدعوه نفسه إلى إتلافها، وجزم الغزالي في وسيطه والشيخ نصر في تهذيبه وابن يونس بأنها كراهةُ تحريمٍ، وقال القاضي أبو الطيب: كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ.
стр. 990
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الإِشْهَادُ عَلَى الالْتِقَاطِ، كالوديعة، والثاني: يجب وهو وجه، وقيل: قول للأمْرِ بِهِ كما أخرجهُ أبو داود، وغيرُهُ (٢١٠)، وحملَهُ الأول على النَّدْبِ، والطريق الثاني: القطعُ بالأولِ. وفي كيفية الإِشهاد أوجهٌ: أصحها في الروضة أنه يذكر بعض أوصافها ولا يستوعبها.
وَأَنَّهُ يَصِحُّ الْتِقَاطُ الصَّبِيِّ كاصطياده، والطريق الثاني: تخريجه على أن المغلَّبَ في اللقطة الولايةُ والأمانةُ فلا تصح؛ أو الاكتساب فيصح، وَالْفَاسِقِ، كاصطياده، والطريق الثاني: تخريجه على الأصل المذكور. والمراد بالفاسق الذي لا يوجب فِسْقُهُ حَجْرًا عليه في ماله، وَالذِّمِّيِّ فِي دَارِ الإِسْلامِ، ترجيحًا لمعنى الاكتساب، والثاني: لا؛ لأنه ممنوعٌ من التسليط في دار الإسلام، ألا ترى أنه لا يُحْيِي، والطريق الثاني: القطع بالأول. قال الرافعي: وربما شرط في التجويز كونه عدلًا في دينه، ثُمَّ الأَظْهَرُ أَنَّهُ يُنْزَعُ مِنَ الْفَاسِقِ وَيُوضَعُ عِنْدَ عَدْلٍ، لأن مال وَلَدِهِ لا يُقَرُّ في يدِهِ فكيفَ مالُ الأَجَانِبِ، والثاني: لا، لأن له حق التملك، نعم يض إليه عدلٌ مشرفٌ، وقيل: لا، وفي المعين عن البسيط: أنه هذا إذا لم تكن العين معرضةً للضياع، فإن كان مِمَّنْ لَا تُؤْمَنُ غَائِلُتهُ وذهابه بالمال؛ فإنه ينزع قطعًا.
وَأَنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ تَعْرِيفُهُ بَلْ يُضَمُّ إِلَيهِ رَقِيبٌ، خشيةً من التفريط في التعريف، والثاني: يعتمدُ لأنهُ هُوَ الْمُلْتَقِطُ، ثم إذا تَمَّ التعريف فللملتقط التملك، قال الماورديُّ: ويشهدُ عليهِ الحاكمُ بغرمها إذا جاء صَاحِبُهَا، فإن لم يتملكها كانت في يد الأمين.
стр. 991
فَرْعٌ: لو كان الملتقطُ أمينًا لكنَّهُ ضعيفٌ لا يقدر على القيام بها لم يُنتزع منهُ، وعضده الحاكمُ بأمين (•)، قاله الماوردي.
وَيَنْزِعُ الْوَلِيُّ لُقطَةَ الصَّبِيِّ، أي وجوبًا لحقِّهِ وحَقِّ المالك، وتكون يده نائبةً عنه كما نابتْ في مالِهِ، وعبارة الشافعي ﵁: ضمنها القاضي إلى وَلِيِّهِ، وفعل فيها ما يفعله الملتقطُ، وظاهرهُ اشتراط إذن الحاكمِ وهو أحوطُ كما قالهُ ابنُ الرفعةِ، وَيُعَرِّفُ، يعني الوليُّ؛ وللصبيِّ التعريفُ أيضًا، وَيتَمَلَّكُهَا لِلصَّبِيِّ إِنْ رَأَى ذَلِكَ حَيثُ يَجُوزُ الاقْتِرَاضُ لَهُ، لأن تمليك اللقطة كالاستقراض، فإن لم يرَ التملكَ حفظه أمانةً ويسلمُهُ إلى القاضي، وَيَضْمَنُ الْوَلِيُّ إِنْ قَصَّرَ فِي انْتِزَاعِهِ حَتْى تَلِفَ فِي يَدِ الصَّبِيِّ، مؤاخذةٌ له بتقصيره، هذا إذا شعر الوليُّ بها؛ فإنْ لم يشعرْ وأَتْلَفَهَا الصبيُّ ضَمِنَ، لا إن تلفتْ في يده في الأصحِّ.
فَرْعٌ: حكمُ لقطةِ الذِّمِّيِّ كالفاسقِ؛ قاله البغوي.
وَالأَظْهَرُ: بُطْلان الْتِقَاطِ العَبْدِ، أي إذا لم يأذن السيد فيه، لأنَّ اللقطةَ أمانةٌ، وولايةٌ ابتداءً وتمليكٌ انتهاءٌ، وهو لا يملكُ، وليس من أهلِ الولايةِ، والأمانةِ. والثاني: صِحَّتُهُ كاحتطابه واحتشاشه ورَجَّحَهُ الغزاليُّ، فإن أذِنَ السَّيَّدُ صَحَّ قطعًا، فَيُسْتَثْنَى من كلامه، وإن نهاهُ فلا يصح قطعًا قاله الإصطخري وقواها في الروضة، وَلَا يُعْتَدُّ بِتَعْرِيفِهِ، أي تفريعًا على الأظهرِ وهو البطلانُ، لأنَّهُ غَيرُ مُلْتَقِطٍ وهي مضمونةٌ عليه، فَلَوْ أَخَذَهُ سَيِّدُهُ مِنْهُ كَان الْتِقَاطًا، أي فيعرفها ويتملك؛ لأنَّ يَدَ العبد إذا لم تكنْ التقاط؛ كان الحاصل في يدهِ ضائعًا بعدُ، ولو لم يأْخُذهُ منهُ بل أَقَرَّهُ في يده ويستحفظهُ لِيُعَرِّفَهُ، فإن كان أمينًا جازَ ولا ضمانَ، وإلا فهو متعد بذلك.
قُلْتُ: الْمَذهَبُ؛ صِحَّةُ الْتِقَاطِ الْمُكَاتَبِ كِتَابَةً صَحِيحَةً، لأنه يملك ما بيده ويتصرف فيه، وله ذمة صحيحة يمكن مطالبتُهُ متى شاء المالِكُ، مع أن اللقطة
стр. 992
اكتسابٌ يستعينُ بها على أداءِ نُجُومِهِ، والقول الثاني: إنه لا يصح التقاطه، لأنه يحتاج إلى الحفظِ حَوْلًا والى التعريفِ سَنَةً، وذلك تبرع ناجز وملكها موهومٌ، هذا أصح الطرق حكاية قولين، والثانية: القطعُ بالصحةِ كَالْحُرِّ، والثالثة: القطع بالبطلان بخلاف القِنِّ، فإنَّ السَّيِّدَ ينتزعُ منه، ولا ولاية للسيد على مالِ المكَاتَبِ مع نقصانه، واحترز بالصحيحة عن الفاسدة فإنه كالقن، وقيل: بطرد الخلاف.
وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، أي المذهبُ صِحَّةُ التقاطِهِ أيضًا، ومجموع ما حكى الرافعي فيه ثلاثة طرق: الصحَّةُ قطعًا، وثانيها: أنه على القولين في القِنِّ، وثالثها: الصحة في قدر الْحُرِّيَّةِ قطعًا، وفي الباقى الطريقان، قال: ولهذا قطع المتولي وأبداهُ الشاشِيُّ احتمالًا، ولم يرجح الرافعيُّ من ذلك شيئًا، وإيراد صاحب التنبيه يقتضي القطع بالأُولى، وَهِيَ لَهُ وَلسَيِّدِهِ، أَي يُعَرِّفَانِهَا وَيَتَمَلَّكَانِهَا بحسْبِ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ كشخصين الْتَقَطَا مالًا، فَإِن كَانَتْ مُهَايَأَةٌ، أي بالهمز وَهِيَ الْمُنَاوَبَةُ، فَلِصَاحِبِ النَّوْبَةِ فِي الأَظْهَرِ، بناءً على دخول الكسب النادر في المهايأة، ووجهُ مقابلِهِ عَدَمُ دخوله فيها، والاعتبارُ بوقت الالتقاط، وقيل: بوقت التملك، وَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ النَّادِرِ مِنَ الأَكْسَابِ، أي كالوصية والهبة والصدقة والركاز، وَالمُؤَنِ، ففي دخولها في المهايأة القولان والأصح نعم، إِلَّا أَرْشَ الجنايَةِ، وَالله أَعْلَمُ، فإنه لا يدخل في المُهَايَأةِ قطعًا؛ لأنه يتعلق بالرقبة وهي مشتركة.
فَصْلٌ: الْحَيَوَانُ الْمَمْلُوكُ الْمُمْتَنَعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاع، كولد الذئب ونحوه، بِقُوَّةٍ كَبَعِيرٍ؛ وَفَرَسٍ أو بِعَدْوٍ كَأَرْنَبٍ؛ وَظَبْيٍ أَوْ طَيَرَانٍ كَحَمَامٍ، إِنْ وُجِدَ بِمَفَازَةٍ، فَلِلْقَاضِي الْتِقَاطُهُ لِلْحِفْظِ، لأن له ولاية على مال الغائبين ومنصوبة كـ هو، وَكَذَا لِغَيرِهِ، أي كآحاد الناس، فِي الأَصَحِّ، لئلا يأخذها خائنٌ فَتَضِيعَ، وهذا ما نَصَّ عليه في الأُمِّ، والثاني: لا، إذ لا ولاية للآحاد على مال الغير، وهذا في زَمَنِ الأَمْنِ، أما في زَمَنِ النَّهْبِ فيجوزُ التقاطُها قطعًا، وجعل الماوردي مَحِلَّ الخلاف إذا لَمْ يُعْرَفْ مَالِكُهَا، فإنْ عَرَفَهُ أخذها قطعًا لِيَرُدَّهَا عليه وتكونُ أمانةً في يَدِهِ.
стр. 993
وَيَحْرُمُ الْتِقَاطُهُ لِتَمَلُّكِ، لقوله عَلَيهِ أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ في ضَالَّةِ الإِبِلِ [مَا لَكَ وَلَهَا دَعْهَا] (٢١١)، وَقِيسَ الباقي عليها وتدخل في ضمانه، فإنْ دَفَعَ إلى الحاكم بَرِئَ في الأصحِّ، وَإنْ وُجِدَ بقَرْيَةٍ، أي أو بموضع قريبٍ منها أو بِبَلَدٍ، فَالأَصَحُّ: جَوَازُ الْتِقَاطِهِ لِلتَّمَلُّكِ، لأنَّها في العمارة تضيعُ بتسليطِ الْخَوَنَةِ، والثاني: المنعُ كالمفازة لإطلاق الحديث، وعبارته في الروضة تبعًا للرافعي وجهان أو قولان، وهذا كله في زمن الأمْنِ، أما في زمن النَّهْبِ وَالْفَسَادِ فيجوزُ التقاطُها قطعًا؛ قاله المتولي، وَمَا لا يَمْتَنِعُ مِنْهَا كَشَاةٍ، أي وَكَسِيْرٍ وَعجولٍ وَفِصْلانٍ، يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ لِلتَّمَلُّكِ فِي الْقَرْيَةِ وَالْمَفَازَةِ، صيانةً لها، وقد قال ﵊ في الشاة [هِي لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ] (٢١٢).
فَائِدَةٌ: الْمَفَازَةُ هِي الْمَهْلَكَة وَهِيَ مِنَ الأَضْدَادِ كَمَا قَالهُ ابْنُ الْقَطَاعِ.
وَيَتَخَيَّرُ آخِذُهُ مِنْ مَفَازَةٍ، فَإِنْ شَاءَ عَرَّفَهُ وَتَمَلَّكَهُ أَوْ بَاعَهُ؛ وَحَفِظَ ثَمَنَهُ؛ وَعَرَّفَهَا ثُمَّ تَمَلَّكَهُ أَوْ أَكلَهُ وَغَرِمَ قِيمَتَهُ إِنْ ظَهَرَ مَالِكَهُ، لأنه إذا لم يفعل ذلك وَاسْتَبْقَاهُ غيرُ متبرعٍ بِنَفَقَتِهِ ذَهَبَتْ قِيمَتُهُ في نفقته فَيَضُرُّ بالمالكِ، والخصلة الأُوْلَى أَوْلَى من الثانية، والثانية أَوْلَى من الثالثة، وقوله (وَعَرَّفَهَا) عَرَّفَ اللقَطَةَ، فإنَّ التعريف
стр. 994
لا يكونُ للثمنِ، وإنما يكون لِلُّقَطَةِ، ولذلك صحَّحَ المصنفُ بخطه على قوله (عَرَّفَهَا) وإنما أَنَّثَ عرفها من بين ما ذكرهُ خوف الالتباس من عودِهِ إلى الثمن، فَإِنْ أَخَذَ مِنَ الْعُمْرَانِ فَلَهُ الْخَصْلَتَانِ الأَوَّلَيَانِ لَا الثَّالِثَةُ فِي الأَصَحِّ، أي وهي الأكلُ لسهولة البيع بخلاف الصحراء، ويشقُّ نَقْلُهَا إلى العمران، والثاني: له كما في الصحراء هذا إذا كانت مأكولة، وكذا الجحشُ وَصِغَارُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ على الأصح؛ حتى يعرفها ستةً كغيرها، وإنما جازَ أكلُ الشَّاةِ للحديث، وقوله (عَلَى الأَصَحِّ) صوابُهُ على الأَظْهَرِ كما عبَّر به في الروضة.
وَيَجُوزُ أَنْ يَلْتَقِطَ عَبْدًا لَا يُمَيِّزُ، كسائر الأموالِ، فإنْ ميّز والزمن آمِنٌ لم يَأْخُذْهُ، أو نهب فنعم. قال الروياني؛ ومقتضى كلام الماوردي: أنه يتملكه في الحال، وفيه نظر عندي.
فَرْعٌ: الأَمَةُ التي لا تَحِلُّ كالمجوسِيَّةِ كالعبد فَيَتَمَلَّكَهَا، وإن كانت مِمَّنْ تَحِلُّ فعلى قولين كالاستقراض، وَيَلْتَقِطَ غَيرَ الْحَيَوَانِ، أي من النقود وغيرها، فَإنْ كَانَ يَسْرُعُ فَسَادُهُ كهَرِيسَةٍ فَإِنْ شَاءَ بَاعَهُ وَعَرَّفَهُ لِيَتَمَلَّكَ ثَمَنَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَمَلَّكَهُ فِي الْحَالِ وَأَكَلَهُ، كما سبق في الشاة، لكن سبق هناك خصلة ثالثة؛ وهي إمساكها؛ وهو متعذر هنا، وَقِيلَ: إِنْ وَجَدَهُ فِي عُمْرَانٍ وَجَبَ الْبَيعُ، لِتَيَسُّرِهِ فيه، والأصح: المنعُ كما لو وجدَهُ في الصحراء، وَإِنْ أَمْكَنَ بَقَاؤُهُ بِعِلاج كَرُطَبٍ يَتَجَفَّفُ، فَإِنْ كَانَتِ الْغِبْطَةُ فِي بَيعِهِ بِيعَ، أَوْ فِي تَجْفِيفِهِ وَتَبَرَّعَ بِهِ الْوَاجِدُ جَفَّفَهُ، وَإلَّا بِيعَ بَعْضُهُ لتَجْفِيفِ الْبَاقِي، احترازًا للحفظِ، ويخالفُ الحيوان حيث يباع جميعُهُ، لأنَّ النفقة تتكرَّرُ؛ فتؤدي إلى أنْ يَأْكُلَ نَفْسَهُ.
فَائِدَةٌ: لو وجدَ كلبًا التقَطَهُ، واختَصَّ بالانتفاع به بعدَ التعريف. والخمرةُ المحترمةُ تعرف كالكلبِ.
فَائِدَةٌ ثَانِيَةٌ: يُشترط في اللُّقَطَةِ غيرُ ما سَبَقَ، أن يكون شيئًا ضاع من مالكه لسقوطٍ أو غفلةٍ ونحوهما ليخرجَ ما إذا ألقت الريح ثوبًا في حجرة، وأن يوجد في
стр. 995
موات أو شارع أو مسجد ليخرج ما إذا وجد في أرض مملوكة فإنَّها للمالك، وهكذا حتَّى تَنْتَهِي إلى المحيِي، فإن لم يدعه فحينئذ يكون لُقَطَةً، وأن يكون فِي دار الإسلام أو دار الحربِ وفيها مسلمونَ، أما إذا لم يكن فيها مسلمٌ؛ فما يوجد فيها غنيمةٌ خُمسها لأهل الْخُمْسِ والباقي للواجدِ.
فَصْلٌ: وَمَنْ أَخَذَ لُقَطَةً لِلْحِفْظِ، أي وَصَحَّ الْتِقَاطُهُ، فَهِيَ أَمَانَةٌ أَبَدًا؛ فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى الْقَاضِي؛ لَزِمَهُ الْقَبُولُ، لأنه ينقلها من أمانة إلى أمانة أوثق منها وأصلح لصاحبها، وهذا بخلاف الوديعة من غيرِ ضَرورة لا يلزمُهُ القُبُولُ على الأصَحِّ، لأنه قادرٌ على الردِّ إلى المالِكِ، وَلَمْ يُوجِبِ الأَكْثَرُونَ التَّعْرِيفَ وَالْحَالُ هَذِهِ، لأنه إنما يجبُ لتحقق شرط الملك، والحديث إنما ألزمه بالتعريف لَمَّا جعلها له بعده، والمختارُ الوجوبُ لئلا يكون كتمانًا مفوِّتًا للحَقِّ على صاحبه، نعم؛ قد يقالُ الْكِتْمَانُ إِنِّمَا يَكُونُ إِذَا طَلَبَ مِنهُ فَكَتَمَ وَبِدُوْنِهِ لَا يَكُونُ كِتْمَانًا، ويبعد أن يجب عليه أن يعرف لأجلِ غيرِهِ، وينبغي أنْ يقال: الواجبُ عليه أَحَدُ أَمْرَينِ، إِمَّا التَّعْرِيفُ وَإمَّا رَفْعُ يَدِهَ عَنْهَا، فَلَوْ قَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ خِيَانَةً لَمْ يَصِرْ ضَامِنًا فِي الأَصَحِّ، كالمودع لا يضمن بِنيَّةِ الخيانَةِ على الأصح، والثاني: يصيرُ مضمونًا؛ لأنَّ سبَبَ أمانتِهِ مُجَرَّدُ نِيَّةٍ، وإلا فأخذُ مال الغير بغير إذنه؛ ورضاهُ؛ مما يقتضي الضمانُ؛ بخلاف المودع؛ فإنه مُسَلَّطٌ مُؤْتَمَنٌ من جهة المالك، وَإنْ أَخَذَهُ بِقَصْدِ الْخِيَانَةِ فَضَامِنٌ، عملًا بقصده، وَلَيسَ لَهُ بَعْدَهُ أَنْ يُعَرِّفَ وَيَتَمَلَّكَ عَلَى المَذْهَبِ، كما أن الغاصب ليس له التملك، قال في أصل الروضة: وبهذا قطع الجمهور، والطريق الثاني: فيه وجهان؛ وعليهما اقتصر الرافعي في الشرح الصغير أحدهما: هذا؛ والثاني: أنَّ لَهُ التَّمَلُّكَ لِوُجُودِ صُوْرَةِ الالْتِقَاطِ وَالتَّعْرِيفِ، وَإِنْ أَخَذَ لِيُعَرِّفَ وَيَتَمَلَّكَ فَأَمَانَةٌ مُدَّةَ التَّعْرِيفِ، كالمودع، وَكَذَا بَعْدَهَا مَا لَمْ يَخْتَرِ التَّمَلُّكَ فِي الأَصَحِّ، كما قبل الحول؛ لكن إذا اختار، وقلنا لا بد من التصرف فحينئذ تكون مضمونة عليه كالقرض، وقال الغزاليُّ وشيخُهُ: تكونُ مضمونةً عليه وإن لم يتملكها، لأنه صارَ مُمسكًا لنفسه فَأَشْبَهَ الْمُسْتَامَ، وَيَعْرِفُ جِنْسَهَا، أي أَذَهَبٌ هُوَ أَوْ غَيرُهُ، وَصِفَتَهَا، أي أَهُرَويَّة أَمْ مَرُويَّةٌ، وَقَدْرَهَا، أي بوزنٍ
стр. 996
وعددٍ، وَعِفَاصَهَا، أي وهو الوعاءُ من جلدٍ وغِره، وَوكَاءَهَا، أي وهُوَ الخيطُ الذي تُشَدُّ بِهِ، أما الوكاءُ والعفاص فلحديث زيد بن خالد الجهني [اعْرِفْ وكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرفْهَا سَنَةً] الحديث متفق عليه (٢١٣)، وأما الباقي فبالقياس بجامِع معرفةِ ما يتميزُ به ليعرف صدق واصفها، ولئلا يختلط بماله، ويستحب تقييدها بالكتابةِ خوف النسيانِ؛ وقوله (وَيَعْرِفُ) وهو بفتح الياء من المعرفةِ وهي العِلْمُ.
فَرْعٌ: يَعْرِفُ أَيضًا كَيلَ الْمَكِيلِ وَطُوْلَ الثَّوْبِ وَعَرْضِهِ وَرِقَّتِهِ وَصَفَاقَتِهِ.
ثُمَّ يُعَرِّفُهَا فِي الأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ، أي عند خروج الناس منها، لأنَّهُ أقربُ إلى وجودِ ربها، ولا يُعَرِّفُ دَاخِلَهَا، كما لا تُنْشَدُ الضالَّةُ فيها، واستثنى بعضهم من المساجدِ المسجدَ الحرامَ وصححه الماورديُّ والشَّاشِيُّ، وَنَحْوهَا، أي كَمَجَامِع النَّاسِ، لما ذكرناه من كونه أقربُ إلى وحودِ ربِّها، سَنَةً، للحديث المتقدم، والمعنى فيه أنَّ السَّنَةَ لا تتأخر عنها القوافل وتمضي فيها الأزمنة المقصودة من الْحَرِّ والْبَرْدِ وَالاعْتِدَالِ.
فَرْعٌ: وجد رجلان لقطة يُعَرِّفَانِهَا وَيَتَمَلَّكَانِهَا، وهل يعرفانها سنة جميعًا أو يعرف أحدهما نصفها والآخر نصفها، أو يعرف كل منهما سَنَةً، لأنه في النصف كملتقط كامل؟ فيه احتمالان لابن الرفعة قال: والأشبهُ الثاني.
فَرعٌ: أشبه الوجهين أنه لا تجب المبادرة بالتعريف على الفور لإطلاق الحديث، والمعتبر تعريف سَنَةٍ متى كان.
عَلَى الْعَادَةِ، أي ليس المعنى بتعريفها سَنَةً؛ استيعابَ السَّنَةِ بالتعريفِ، بَلْ يجرِي
стр. 997
في ذلك على العادةِ، يُعَرِّفُ أَوَّلًا كُل يَومٍ طَرَفَي النَّهَارِ ثُمَّ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً ثُمَّ كُلَّ أُسْبُوعٍ، أي مَرَّةً أو مَرَّتَينِ، ثُم كُل شَهْرٍ، أي بحيث لا ينسى أنَّ الأخيرَ تكرارٌ لِلأَوَّلِ ولا يُعَرِّفُ لَيلًا، وَلَا تَكْفِي سَنَةٌ مُتَفَرقَةٌ فِي الأَصَحِّ، أي بِأَنْ يُعَرِّفَ شَهْرًا وَيَترُكَ شَهْرًا كما صَوَّرَهَا ابن الصباغ وسليم وغيرهما، أو اثني عشر شهرًا من اثني عشر سنةً كما صورها القاضي أبو الطيب والقاضي حسين، لأن المقصود أن يبلغ الخبر للمالك؛ والتفريق لا يُحَصِّلُ هذا المقصود، ولأنَّ المفهومَ (•) مِن السَّنَةِ: التوالي؛ كما لو حلف لا يُكَلِّمُ زَيدًا سَنَةً. قُلْتُ: الأَصَح تَكْفِي، وَالله أَعْلَمُ، لإطلاق الخبر وكما لو نذر صوم سَنَةٍ يجوزُ تفريقها وصحَّحَهُ العراقيون.
فَرْعٌ: المالُ الموجودُ في دار الحرب إذا أمكنَ كونه لمسلمٍ وجب تعريفُهُ ثُمَّ، بَعْدَهُ هُوَ غَنِيمَةٌ، وقيل لِلْوَاجِدِ تَمَلُّكُهُ، وأما صفة التعريف، فقال الشيخ أبو حامد: يُعَرَّفُ يومًا أو يومين؛ وَيَقْرُبُ منه قولُ الإِمامِ: يكفي بلوغُ الأخبار إلى الأجناد إذا لم يكن هناك مسلم سواهم ولا ينظر إلى احتمال مرور التجار، وفي المهذب والتهذيب: يُعَرَّفُ سَنَةً، ذكره كله في أصل الروضة تبعًا للرافعي في السِّيَرِ، وَأَفْهَمَ كَلامُ الروياني ترجِيحَ الثاني.
فَصْلٌ: وَيَذْكُرُ بَعْضَ أَوْصَافِهَا، يعني في التعريف، لأنَّهُ أقربُ إلى الظَّفَرِ بالمالِكِ؛ وذلك مستحبٌّ؛ لا شرط في الأصحِّ، واحترز بقوله (بَعْضَ أَوْصَافِهَا) عن كلِّها، فإنه لا يستوعبها ولا يبالغُ فيها لئلا يعتمدها الكاذبُ، فإنْ فَعَلَ ضَمِنَ على الأصحِّ من زوائده في الروضة.
وَلَا يَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ إِنْ أَخَذَ لِحِفْظٍ، أي إذا قلنا بوجوب التعريف والحالةُ هذه، بَل يُرَتِّبُهَا الْقَاضِي مِنْ بَيتِ الْمَالِ أَوْ يَقْتَرِضُ عَلَى الْمَالِكِ، أي أو يأمرَ الملتقطَ ليرجع كما في هربِ الْجَمَّالِ، فإن لم يوجبْ التعريف والحالة هذه فهو متبرِّعٌ إذا عَرَّفَ.
стр. 998
وَإِنْ أَخَذَ لِتَمَلُّكٍ لَزِمَتْهُ، لقصد التملك، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَتَمَلَّك فَعَلَى الْمَالِكِ، لعود الفائدة إليه والأصحُّ أنها على الملتقطِ لما تقدم، ولو قصدَ الأمانةَ أوَّلًا ثم قصد التملك ففيه وجهان نظرًا إلى منتهى الأمرِ ومستقرِّهِ، وأفهم كلامُهُ تبعًا للرافعي: أنه إذا تملك فالمؤنة عليه قطعًا، ومحله إذا لم يظهر المالكُ، أما إذا ظهر فأطلق في الروضة تبعًا للرافعي فيه الخلاف؛ وظاهر ذلك أنه لو كان ظهورهُ بعد التملكِ. فلو عَبُّرَ بقوله وقيل إِنْ لَمْ يَظْهَرِ الْمَالِكُ فَعَلَيهِ لكانَ أحسنُ.
وَالأَصَحُّ: أَنَّ الْحَقِيرَ لَا يُعَرَّفُ سَنَةً، لأنَّ فاقدَهُ لا يدومُ على طلبهِ سَنَةً بخلاف الْخَطِيرِ، والثاني: أنه يُعَرِّفُ سَنَةً كالكبير لإطلاقِ الأخْبَارِ، بَلْ زَمَنًا يُظَنُّ أَنَّ فَاقِدَهُ يُعْرِضُ عَنْهُ غَالِبًا، أي ويختلف ذلك باختلاف المال، وَعَبَّرَ الأَئِمَّةُ عَنْهُ بِأَنَّهُ يُعَرِّفُ يومًا أو يومين وأكثرُهُ ثلاثة، قال الروياني: فدانقُ الفِضَّةِ يُعَرُّفُ في الحالِ ودانقُ الذَّهَبِ يُعَرَّفُ يومًا أو يومين أو ثلاثة، والوجه الثاني: أنه يكفي مَرَّةً؛ لأن يخرج بها عن حَدِّ الْكَاتِمِ، والثالث: يكفي تعريفهُ ثلاثةَ أيَّامٍ لحديث ضعيف فيه (٢١٤)، وفي وجه غريب: أنه لا يجبُ تعريف القليل، حكاه الماوردي وغيره، وكل هذا إذا لم يبلغ في القلَّة إلى حَدٍّ تسقطُ مَعَهُ القيمةُ فإن بلغَ ذلك كَالثَّمَرَةِ لم يجبْ تعريفُهُ، نعم؛ هل يزول ملك صاحبه عنه إذا وقع منه؟ وفيه وجهان في الوافي.
فَرْعٌ: الأصَحُّ في ضَابِطِ الْحَقِيرِ: أَنَّهُ مِمَّا يَقِلُّ أَسَفُ فَاقِدِهِ عَلَيهِ غَالِبًا.
стр. 999
فَصْلٌ: إِذَا عَرَّفَ سَنَةً لَم يَمْلِكْهَا حَتَّى يَخْتَارَهُ بِلَفْظِ كَتَمَلَّكتُ، أي ونحوه؛ لأنَّهُ تمليكُ مال بِبَدَلٍ فافتقرَ إلى لفظٍ كالتملك بالشراء، وَقِيلَ: تَكْفِي النِّيَّةُ، لأنَّ اللَّفْظَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ حَيثُ يَكُونُ إِيجَابٌ، وَقِيلَ: يَمْلِكُ بِمُضِيِّ السَّنَةِ، وإن لم يرضَ بالتملك، إذا كان قصدٌ عند الأخذ التملك؛ بعد التعريف؛ لأنَّهُ جاء في روايةٍ رَوَاها مسلمٌ [فَإنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ وَإِلَّا فَهِيَ لَكَ] (٢١٥)، واستثنى الإمام على هذا الوجه ما إذا التقطها للحفظ الدائم أو للتملك، ثم أراد الحفظ الدائم؛ فإنه لا يملكُ بمضي حول التعريفِ؛ قال: ولو أطلقَ الالتقاطَ احتملَ أنْ يَمْلِكَ إِنْ غَلَّبْنَا الْكَسْبَ، فَإِن تَمَلْكَ فَظَهَرَ الْمَالِكُ وَاتَّفَقَا عَلَى رَدِّ عَييهَا، أي التخلية بَينَهُ وَبَينَهَا؛ فَإِنَّ الواحِبَ عليهِ، فَذَاكَ، وَإِنْ أَرَادَهَا الْمَالِكُ؛ وَأرَادَ المُلْتَقِطُ الْعُدُولَ إِلَى بَدَلِهَا؛ أُجِيبَ الْمَلِكُ فِي الأصَحِّ، كما في القرض، والثاني: يُجاب الملتقطُ كما قيل به في القرض وهو ضعيف لقوله ﵊ [فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدَّهَا إِلَيهِ] متفق عليه (٢١٦)، وَإِنْ تَلِفَتْ غَرِمَ مِثْلَهَا، أي إن كانت مِثْلِيَّةٌ، أَو قِيمَتَهَا يَوْمَ التَّمَلكِ، لأنَّ وقت ثبوتها في ذمته، وَإِنْ نَقَصَتْ بِعَيبٍ فَلَهُ أَخْذُهَا مَعَ الأَرْشِ. فِي الأصَحِّ، لأنَّ الكُلَّ مضمونٌ عليه، فكذلك البعض، والثاني: يقنعُ بها ولا يغرمه الأرش، لأن النقصان حصل في ملكه فلا يضمنه.
وَإِذَا ادَّعَاهَا رَجُلٌ! وَلَمْ يَصِفْهَا؛ وَلَا بَيِّنَةَ لَمْ تُدْفَع إِلَيهِ، لقوله ﵊: [لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ ... ] الحديث (٢١٧)، اللَّهُمَّ إلا أن يعلم الملتقطُ
стр. 1000
أنها له فيلزمه الدفع إليه، وَإِنْ وَصَفَهَا وَظُنَّ صِدْقُةُ جَار الدَّفْعُ، عملًا بظه لكن يَضْمَنُهَا، وَلَا يَجِبُ عَلَى المَذهَبِ، لأنه مُدَّعٍ فيحتاجُ إلى البَيِّنَةِ، والثاني: فيه وجهان؛ أحدهما: يحب لظاهر الحديث السالف وفي رواية لأبي داود [فَإنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فيعرف عِفَاصَهَا وَوكَاءَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيهِ] ثم قال: ليست بمحفوظة. قال البيهقي: وهو الأشبه، وأنكر ابن حزم ذلك على أبي داود (٢١٨)، ووافق الظاهرية وأصحابه في وجوب الدفع بالوصف، ولأن إقامة البينة على اللقطة قد تعسر، والثاني: لا؛ لما سلف، واحترز بقوله (وَظُنَّ صِدْقُهُ) عما إذا لم يغلب على الظن صدقه، فإنه لا يجوزُ الدفعُ اتفاقًا؛ وكذا لا يجوزُ على المشهور.
стр. 1001
فَرْعٌ: لو وصفها جماعةٌ؛ قال القاضي أبو الطيب: أجعنا على أنها لا تُسَلَّمُ لهم.
فَإنْ دَفَعَ فَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً بِهَا حُوِّلَتْ إِلَيهِ، عملًا بها؛ فإنَّ البَيِّنَةَ أَولى، فَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ؛ فَلِصَاحِبِ الْبَيِّنَةِ تَضْمِينُ المُلْتَقِطِ وَالمَدْفُوعِ إِلَيهِ وَالْقَرَارُ عَلَيهِ، يعني على المدفوع إليه لتلفهِ عليه، ولأنه ظالم بزعمه فلا يرجع على غير ظالمه، وإنما يكون القرارُ على المدفوع إليه إذا لم يقر الملتقط له بالملك، فإن أقَرَّ فلا رجوعَ لهُ عليه مؤاخذة بقولهِ؛ وهذا إذا دفع بنفسه، أما إذا ألزمه الحاكم الدفع فليس لصاحب اللقطة تضمينه.
قُلْتُ: لَا تَحِلُّ لُقطَةُ الْحَرَمِ لِلتَّمَلُّكِ عَلَى الصَّحِيح، أي بل للحفظ أبدًا لقوله ﵊ [لَا يَلتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلا مَنْ عَرَّفَهَا] متفق عليه (٢١٩)، وفي رواية البخاري [لَا تَحِلُّ لَقَطهَا إِلا لِمُنْشِدٍ] (٢٢٠) والمراد به الواجِدُ، والمعنى فيه أنَّ مكَّةَ شرفها الله تعالى مثابة للناس وأمنًا يعودون إليها مرة بعد أخرى، فربما يعود من أضَلَّهَا أو يبعثُ في طلبها، والثاني: تحل لأنها نوع كسب فاستوى فيها الحل والحرم غيرها، والمراد بالخير: أنَّه لا بد من التعريف بسائر البلاد لكلا يتوهم أن تعريفها في الموسم كافٍ لكثرة الناس، وَيَبْعُدُ العَوْدُ في طلبها من الآفاق، وقيل: المراد به إيجاب
стр. 1002
التعريف في لقطة الحرم دون غيرها، وَيَجِبُ تَعْرِيفُهَا قَطْعًا، وَاللهُ أَعْلَمُ، أي بخلاف من التقطه للحفظ أبدًا، فإن في وجوب التعريف عليه خلاف كما تقدم الحديث الصحيح ذلك؛ ونُقل في الروضة عن الأصحاب: أنَّه يلزمه الإقامة للتعريف أو دفعها إلى الحاكم.
فَرْعٌ: في لقطة عَرَفَة ومصلَّى إِبراهيم مع كونهما من الحل، وجهان: حكاهما الماوردي: أحدهما: أنَّهُمَا كلقطةِ مكة، لأنها مجمع الحاج أيضًا، والثاني: لا؛ كسائر الحلِّ.
خَاتِمَةٌ: في فتاوي الحناطي ومنها نقلتُ؛ أنَّه سئل عن من وَجَدَ لُقَطَة وَعَرَّفَهَا وَتَمَلَّكَهَا ثُمَّ مَاتَ هل يجوز أنْ يوصي إلى الوصيِّ أو إلى الورثة حتَّى يضمنوا قيمتها لمالكها لو ظهر؟ قال: نعم؛ يوصى بذلك.
стр. 1003
كِتَابُ الْلَّقِيطِ
الْلَّقِيطُ: هُوَ اسْمٌ لِلطِّفْلِ الَّذِي يُوْجَدُ مَطْرُوْحًا في شَارِع وَنَحْوهِ وَلَيسَ هُنَاكَ مَن يَدَّعِيهِ، فَعِيلٌ بمَعْنَى مَفْعُولٌ. وَاسْتَأَنَسُوا لَهُ بِقَوْلهِ تَعَالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ... ﴾ (٢٢١) وَقَدْ كَانَ مَعْرُوْفًا فِي الأُمَمِ الْمَاضِيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُوْنَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (٢٢٢).
إِلْتِقَاطُ الْمَنْبُوذِ، أي المطروح، فَرْضُ كِفَايَةٍ، صيانةً للنفسِ المحترمَةِ عن الهلاك، وسواءٌ المميز وغيره في الأصح، قال بعض الناس: وَمَنْ تَرَكَهُ فَهُوَ دَاخِلٌ في قَتْلِ النَّفْسِ، وَيَجِبُ الإِشْهَادُ عَلَيهِ في الأَصَحِّ، لِئَلَّا يضيع نسبه، والثاني: لا، بل يستحبُّ اعتمادًا على الأمانة، والثالث: إن كان الملتقطُ ظاهرَ العدالة لم يجبْ وإلا وجب، حكاهُ الإِمامُ، ومحِلُّ الخلاف إذا قلنا لا يجبُ الإِشهادُ على اللقطة؛ وإلا وجب هنا قطعًا، نبَّهَ عليه صاحب المعين.
وَإِنَّمَا تَثْبُتُ ولَايَةُ الالْتِقَاطِ لِمُكَلَّفٍ، أي فلا يصح التقاط صَبِيٍّ ومجنونٍ لعدم الأهلية، حُرٍّ؛ مُسْلِمٍ؛ عَدْلٍ؛ رَشِيدٍ، أي فاضدادهم لا يصح التقاطهم كما سيأتي، وَلَو التقَطَ عَبْدٌ بِغَير إِذْن سَيِّدِهِ انْتُزِعَ مِنْهُ، لأنَّ الحضانةَ تبرعٌ، وليس له أهليتها، فَإِنْ عَلِمَهُ؛ فَأَقرَهُ عِندَهُ، أَو الْتَقَطَ بِإِذْنِهِ؛ فَالسَّيِّدُ الْمُلْتَقِطُ، أي وهو نائبهُ في الأخذ
стр. 1004
والتربية لأن يَدَهُ يَدُهُ، وسواء في ذلك القنُ والمدبر والمعلق عتقُهُ وأُمُّ الولد وكذا المكاتَبُ على المشهور.
وَلَو الْتَقَطَ صَبِيٌّ أَوْ فَاسِقٌ أَو مَحْجُورٌ عَلَيهِ أَو كَافِرٌ مُسْلِمًا انْتُزِعَ مِنْهُ، لعدم أهلية الصبيّ والمجنون والمحجور عليه أي بِسَفَهٍ وتهمةُ الفاسقِ وعدمُ ولاية الكافر، نعم له التقاطُ الكافر، لأنه أهل لحضانته. وقيَّدَ ابن الرفعة الفاسق بالَّذي يَخْشَى منه استرقاقُهُ؛ وتبعَ الماورديُّ في ذلك (٢٢٣).
فَصْلٌ: وَلَو ازْدَحَمَ اثنَانِ عَلَى أخْذِهِ، أي فقال كُلُّ واحدٍ أنا آخُذُهُ، جَعَلَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ مَن يَرَاهُ مِنْهُمَا أَو مِن غَيرِهِمَا، لأنه لا حَقَّ لهما قبل الأخد، وَإِنْ سَبقَ وَاحِدٌ فَالْتقَطَهُ مُنِعَ الآخَرُ مِنْ مُزَاحَمَتِهِ، عملًا بالسبق. وهل يثبت السَّبْقُ بالوقوف على رأسه من غير أخذ؟ فيه وجهان؛ أصَحُّهُمَا: لَا، وَإِنِ الْتَقَطَاهُ مَعًا وَهُمَا أهْلٌ، أي للحضانة، فَالأصَحُّ: أنَّهُ يُقَدَّمُ غَنِيٌّ عَلَى فَقِيرٍ، لأنه أرفقُ بالطفل فربما يواسيه بماله، وبه جزم القاضي حسين وأبو الطيب وابن الصباغ، والثاني: يستويان؛ لأنَّ
стр. 1005
الفقيرَ (•) أهلٌ كالغنيِّ؛ ونسبَهُ المتولي إلى سائر الأصحاب، والأصحُّ من زوائد الروضة: أنَّه لا يقدم بأكثرهما غنىً، وَعَدْلٌ عَلَى مَسْتُورٍ، احتياطًا للصبيِّ، والثاني: هما سواء، لأنَّ المستور لا يسلم مزية الآخر؛ ويقول: لا أترُكُ حقّي بأن لم تعرفوا حالي، فَإِنِ اسْتَوَيَا، أي في الصفات وتشاحَّا، أُقْرِعَ، لأنه ليس أحدهما أَوْلى من الآخر؛ وقد كانت القرعة في الكفالةِ في شَرْع مَنْ قَبْلِنَا في قِصَّةِ مريم قال تعالى: ﴿يُلْقُوْنَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَريمَ ... ﴾ (٢٢٤) أي اقترعت الأحبارُ على كفالتها بإلقاءِ أقلامِهِمْ أَيُّهُمْ يكفلُ مريمَ ولم يردْ في شرعِنا ما يخالفهُ، ومن الصفات المتقدمة أنْ يكونَ مَحِلُّ إقامَةِ أحدِهِمَا أرفَقَ بالطفلِ مِن مَحِلِّ الآخَرِ. وَالْحُرِّيُّةُ؛ فَالْحُرُّ أَوْلى من المكاتَبِ وإنِ التقطَ بإذن سَيِّدِهِ وَصَحَّحْنَاهُ، والأصحُّ خلافهُ ويتساوى المسلمُ والذميُّ في اللقيط المحكوم بكفره على الأصحِّ، واحزز بقوله أولًا (وَهُمَا أَهْلٌ) عمّا إذا كان أحدُهُمَا أهلًا فإنه يُقَدَّمُ على الآخر، والمرادُ بالحضانة هنا حِفْطهُ وَحِفْظُ مَالِهِ وَتَرْبِيَتُهُ لَا الأعْمَالُ المتقدِّمَةُ في الإِجَارَةِ.
فَصْل: وَإِذَا وَجَدَ بَلَدِيٌّ لَقِيطًا بِبَلَدٍ فَلَيسَ لَهُ نَقْلُهُ إِلَى بَادِيَةٍ، لأن عيش البادية أخشن ويفوته العلمُ بِالدِّينِ وَالصَّنْعَةِ؛ ولئلا يعرض نسبه للضياع، وكذا لا ينقله إلى قريةٍ على الأصحِّ، نعم؛ لو كانَ الملتقطُ من أهل البادية أو القرية؛ فقد ذكر بَعْضُهُمْ: أنَّه ليس له إلَّا الالتقاطُ في البلد لعدم إمكان نقله إلى مكانه.
فَائِدَةٌ: البادية خلاف الحاضرة، والحاضرةُ: هي المدن؛ والبلاد؛ والقرى؛ والريف، فالريف: هي الأرض إلى فيها زرع وخصب، والقرية: العمارة المجتمعة قليلة كانت أو كثيرة (•) وغلب إطلاقها على القليلة؛ فإن كبرت سمِّيت بَلَدًا؛ فإن عظمت سمِّيت مَدِينَةً.
وَالأصَحُّ: أَنَّ لَهُ نَقْلَهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، لانتفاء الخشونة، والثاني: لا للنسب،
стр. 1006
وادَّعى القاضي: أنَّه المذهبُ، وَأَنَّ لِلْغَرِيبِ، أي الَّذي اختبرت أمانته، إذَا الْتَقَطَ بِبَلَدِ أَنْ يَنْقُلَهُ إِلَى بَلَدِهِ، للمعنى الأول، والثاني: لا للمعنى الثاني، أما الغريب الَّذي لم تختبر أمانته؛ فلا يقر في يده قطعًا، وحيث منعناه نزعنا اللقيط من يده، وينبغي إذا أقام أن لا ينزع، وَإِنْ وَجَدَهُ، أي البَلَدِيُّ، بِبَادِيَةِ فَلَهُ نَقْلُهُ إِلَى بَلَدٍ، لأنه أرفقُ به، وَإِنْ وَجَدَهُ بَدَويٌّ ببَلَدٍ فَكَالْحَضَرِيِّ، أي فإن أراد المقام به أقر في يده، وإن أراد نقله إلى بادية أو إلى بلد أخرى فعلى ما تقدم في الحضري، والبدوي: مَنْ سَكَنَ الباديةَ؛ منسوبٌ إلى البَدْو وهو البادية، والحضري: مَنْ سَكَنَ الْحَاضِرَةَ، وعبَّر المصنفُ عنه فيما تقدم بالبلدي، أَوْ بِبَادِيَةٍ أُقِر بِيَدِهِ، لأنه كبلدة أو قرية، وهذا إذا كان مَنْ حمله مِن أهل حلة مفيمين من موضع راتبٍ، وقيَّده الإِمامُ. مما إذا توصلت أخبار الحلتين، فإن لم تتواصل؛ فوجهان: كما في النقل من بلد إلى بلد، وَقِيلَ: إِنْ كَانُوا يَنْتَقِلُون لِلنُّجْعَةِ، أي للذهابِ في طلبِ المرعى وغيره، لَمْ يُقِرْ، لأن فيه تعبًا وتضييعًا لنسبه؛ والأصح: أنَّه يُقَرُّ؛ لأن أطراف البادية كمحال البلدة.
فَصْلٌ: وَنَفَقَتُهُ في مَالِهِ الْعَامِّ كَوَقْفٍ عَلَى اللُّقَطَاءِ، أي والوصِيَّةُ لَهُمْ، أَو الْخَاصِّ: وَهُوَ مَا اخْتَصَّ بِهِ، كَثِيَابِ مَلْفُوفَةٍ عَلَيهِ وَمَفْرُوشَةٍ تَحْتَهُ، أي وكذا الملبوسة كما ذكر الرافعيُّ في الْمُحَرَّر، أي ومغطى بها كَاللِّحَافِ، وَمَا في جَيبِهِ مِنْ دَرَاهِمَ وَغَيرِهَا، أي كذهبٍ وَحُلِيٍّ، وَمَهْدِهِ وَدَنَانِيرَ مَنْثُورَةٍ فَوْقَهُ وَتَحْتَهُ، لأنَّ لهُ يدًا واختصاصًا كما سلف كالبالغ، والأصلُ الْحُرِّيَّةُ ما لم يعرف غيرها، وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارِ فَهِيَ لَهُ، لأنَّ لهُ يدًا واختصاصًا كما سلف، وهذا إذا لم يكن فيها غيره، وكذا إن وجد في خيمة فإن كان فيها غيره! فهل يمنعه من اليد أو يشتركان؟ لم يتعرضوا له، وَلَيسَ لَهُ مَالٌ مَدْفُونٌ تَحْتَهُ، كما لو كان بالبعد منه، نعم؛ لو وجد معه رقعة تدل على أن المدفون له؛ فالأظهر عند الغزالي: أنَّه له لقرينة المكتوب؛ والأوفق لكلام الأكثرين المنع، وَكَذَا ثِيَابٌ وَأَمْتِعَةٌ مَوْضُوعَة بِقُرْبِهِ في الأَصَحِّ، كما لو كانت بعيدة، والثاني: أنها له كالبالغ؛ وعكس الماوردي فقال: ما يقرب من البالغ ليس له
стр. 1007
بخلاف الصبي، لأن الكبير يقدر على إمساك ما يقاربه بخلاف الصبي. قال المصنف في نكته: ومحل الخلاف في المال إذا لم يكن في دارٍ، فإن كان في دارٍ وبِقُربِهِ منها مالٌ فهو لَهُ مع الدارِ، ولم يتعرض الأصحاب لضبط القرب والبعد والمحال عليه في ذلك العرف، فَإن لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ، أي لا عمومًا ولا خصوصًا، فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ يُنْفَقُ عَلَيهِ مِنْ بَيتِ المَالِ، أي من سهم المصالح؛ لأنَّ عُمَرَ استشارَ الصحابة في نفقة اللقيط فأجمعوا على أنها في بيت المال (٢٢٥)، وسواء المحكوم بإسلامه وكفره على الأصح، إذ لا وجه لتضييعه، والقول الثاني: يستقرض له الإمام من بيت المال أو من آحاد الناس، فإن تعذر جمع الأغنياء وعدّ نفسه منهم وقسطها عليهم، لأنَّ مَال بَيتِ الْمَالِ يُصْرَفُ إلى ما لا وجه له سواه، واللقيطُ يجوزُ أنْ يكون رَقِيقًا فنفقتهُ على سَيِّدِهِ أو حُرًّا له مالٌ أو قريبٌ فنفقته في مالِهِ أو على قريبِهِ، فَإن لَمْ يَكُن، أي فيه
стр. 1008
مال أو كان ولكن هناك ما هو أهمُّ منهُ كَسَدِّ ثَغْرٍ يَعْظُمُ ضَرَرُهُ لَوْ تُرِكَ، قَامَ الْمُسْلِمُون بِكِفَايَتِهِ، أي وَيَحْرُمُ عَلَيهِمْ تَضيِيعُهُ، قَرْضًا، أي حتَّى يثبت الرجوع؛ كما يبذل الطعام للمضطر بالعرض (•)، وَفِي قَوْلٍ: نَفَفَةً، لأنه محتاجٌ عاجزٌ فاشبه المجنونَ والصغيرَ والزَّمنَ.
وَللْمُلْتَقِطِ الاسْتِقْلَالُ بِحِفْظِ مَالِهِ فِي الأَصَحِّ، كاللقطة، والثاني: لا بد من إذن القاضي، إذ لا ولاية للملتقط، وعبارةُ المُحَرَّرِ في تصحيح الأول: أنَّه الَّذي رجح، نعم رَجَّحَهُ في الشرح الصغير، وَلَا يُنْفِقُ عَلَيهِ مِنْهُ إلا بِإِذْنِ القَاضِي قَطعًا، أي إذا أمكن مراجعته؛ فإن أنفق ضمن، وما ادعاه من القطع تبع فيه ظاهر عبارة المْحَرَّر؛ لكن قد حكَى الرافعيُّ في باب الدَّعْوَى فيه قولًا آخر: أن له ذلك فاستفدهُ.
فَصْلٌ: إِذَا وُجِدَ لَقِيطٌ بِدَارِ الإِسْلَامِ؛ وَفِيهَا أَهْلُ ذِمَّةٍ، أَو بدَارٍ فَتَحُوهَا وَأَقَرُّوهَا بِيَدِ كُفَّارٍ صُلْحًا، أَو بَعْدَ مِلْكِهَا بِجِزْيةٍ وَفِيهَا مُسْلِمٍ؛ حُكمَ بِإسْلَامِ اللَّقِيطِ، تغليبًا للإسلام وللدار؛ ولأنَّ الإِسلامَ يَعْلُو ولا يُعْلَى عليهِ، واحترز بقوله في الثانية (وَفِيهَا مُسْلِمٌ) عما إذا لم يكن؛ فإنه كافر في الأصح، وَإِنْ وُجِدَ بِدَارِ كُفَّارٍ فَكَافِرٌ إِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا مُسْلِمٌ، لأن الإسلام إنما يعلو إذا احتمل ولا احتمال هنا، وقال الفوراني: إذ اجتازَ بها مسلم فمسلم، فإنْ نَفَاهُ! قِيل في نفي النسبِ منهُ دون إسلامه، وَإِنْ سَكَنَهَا مُسْلِمٌ كَأَسِيرٍ وَتَاجِرٍ فَمُسْلِمٌ في الأَصَحِّ، تغليبًا للإِسلامِ، والثاني: كافر تغليبًا للدار، قال الإِمامُ: ويشبه إن ذلك في الأسير المنتشر إلَّا أنَّه ممنوع من الخروج، أما الَّذي في المطامير فيتجه أن لا يكون له أثرًا كما لا أثَرَ للمارِّينَ.
وَمَنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بالدَّارِ فَأَقَامَ ذِمِّيٌّ بَيِّنَةً بِنَسَبهِ لَحِقَهُ، لأنه كالمسلم في النسب، وَتَبِعَهُ في الكُفْرِ، عملًا به، وإنِ اقْتَصَرَ عَلَى الدَّعْوَى؛ فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَتْبَعُهُ في الكُفْرِ، لأنا قد حكمنا بإسلامه فلا تغير بمجرد دعوى كافر. والطريق
стр. 1009
الثاني: فيه قولان: أحدهما هذا، والثاني: يتبعه فيه تبعًا لنسبه، وعلى هذه الطريقة اقتصر في الْمُحَرَّرِ، لكنه في شرحه قال: إنَّ الأولَ أصَحُّ عند الأكثرين.
ويحكَمُ بإِسْلامِ الصبِيِّ بِجهتَينِ أُخْرَيَينِ لَا تُفْرَضَانِ فِي لَقِيطٍ، إِحدَاهُمَا: الْولادَةُ، فَإذَا كان أَحَدُ أَبَوَيهِ مُسْلِمًا وَقْتَ الْعُلُوقِ فَهُوَ مُسْلِم، لأنهُ جزءٌ من مسلمٍ وتغليبُ الإسلامِ واجب قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ (٢٢٦) وهذا إجماع ولا يضر ما يطرأ بعد العلوق منهما من ردةٍ، فَإِن بَلَغَ وَوَصَفَ كُفْرًا فَمُرتَدٌّ، لأنه مسلف ظاهرًا وباطنًا أولًا، وَلَوْ عَلَقَ بَينَ كَافِرَينِ ثم أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا حُكِمَ بإِسْلامِهِ، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢٢٧) ولأن الإسْلامَ يَعلُو وَلَا يُعلَى عَلَيهِ.
فَرعٌ: ذكر ابن حزم الظاهري أن ولد الكافرة الحربية والذمية من زنا أو إكراهٍ مسلم ولا بد، لأنه ولد على الإسلام وليس له أبوان يخرجانه منه، ولم يذكر في ذلك خلافًا عن واحدٍ.
فَرعٌ: في معنى الأبوين الأجدادُ وَالْجَدَّاتُ سواء كانوا وارثين أم لم يكونوا، فإذا أسلم الجدُّ أبو الأَبِ أوْ أَبو الأم تَبِعَهُ الصَّبِيُّ إن لَمْ يَكُنِ الأبُ حَيًّا، وكذا إن كان على الأقربِ في الرافعي والأصح في الروضة، وقال الشيخ أبو حامدٍ: إنه الأشبه، وأما القاضي حُسين فقال: الذهب أنه لا يتبعه وهو المختار، ورجحه ابن الرفعة وأفتى به قاضى القضاة تقي الدين بن رزين؛ وَكُلُّ ذلك في ولد موجود قبل إسلام الجد، وكذا فيمن عقد بعد إسلامه، قاله القاضي حسين، أما إذا مات الجد والأب حي ثم حدث له بعد ذلك ولد فلم أر فيه نقلًا، وقد يقال: بعد الاستتباع؛
стр. 1010
لأن الاستتباع يليق بالحي لا بالميت، وقد يقال: بالاستتباع وتمكين من يحتمل إسلامه من الكفر صعب؛ والله أعلم.
فَائِدَةٌ: قال الأوزاعي: إذا أسلم عَمُّ الصغير فهو مسلم؛ نقله ابن حزم في مُحَلَّاهُ.
فَإِذَا بَلَغَ وَوَصَفَ كُفْرًا فَمُرتدٌّ، لأنه سبق الحكم بإسلامه جزمًا فأشبه من باشرَ الإسلامَ ثُمَّ ارتَدُّ، وفي قَوْلٍ: كَافر أَصلِي، لأنه محكومًا بكفره أولًا؛ وأزيل ذلك بطريق التبعية، فإذا استقل انقطعت، ووجب أن يعتبر بنفسه، الثانِيَةُ: إِذَا سبَى مسلمٌ طِفْلًا، أي أو مجنونًا، تَبِعَ السَّابِيَ في الإِسلامِ إِن لَم يَكُنْ مَعَهُ أَحَدُ أبَوَيهِ، لأنه صار تحت ولايته كالأبوين؛ وادَّعى بعضُهُم الإجماع فيه، وفيه نظرٌ، ولا فرق بين أن يكون السابِي؛ بالغًا أو طفلًا؛ عاقلًا أو مجنونًا، قاله القاضي والبغوي، واحترز بقوله (إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدُ أَبوَيهِ) عمَّا إذا كان أحدُهُما معه فإِنهُ لَا يُحكَمُ بِإِسْلامِهِ؛ لأنَّ تَبَعِيَّةَ الأبوينِ أقوى مِن تَبَعِيَّةِ السَّابِي، ومن الغريب ما حكاه ابن حزم عن المزني: أنَّ مَنْ سَبَى مِن صغارِ أهلِ الحربِ فَسَوَاءٌ سُبِيَ مع أبويه أو مع أحدهما أو دونهما فهو مسلمٌ، ومعنى كونه مع أحد أبويهِ أنْ يكونا في ذلك الجيشِ وتلك الغنيمة؛ لا أنْ يكون سَابِيهُمَا واحدٌ.
فَرعٌ: لو ماتَ أبواهُ بعدَ سَبْيِهِ مَعَهُمَا! اسْتَمَرَّ كُفْرُهُ وَلَم يُحكَم بِإِسْلامِهِ، لأنَّ التبَعِيَّةَ إنما تَثْبُتُ في ابتدَاءِ السَّبْي.
وَلَوْ سَبَاهُ ذُمِّيٌّ لَمْ يُحكَم بإسِلامِهِ فِي الأصَحِّ، لأن كونه من أهل الدار لم يؤثر فيه ولا في أولاده فغيره أَوْلى، فعلى هذا سبُيَ أبواهُ ثم أسلما لم يَصِر مسلمًا بإسلامهما، قاله الحليمي. وينتظمُ منهُ لغز؛ فيقال: طفل محكوم بكفره أسلَمَ أبواهُ ولم يتبعهما في الاسلام، والثاني: يحكم بإسلامه؛ لأنه إذا سباهُ صار من أهل دار الإسلام فَيُجْعَلُ مسلمًا تبعًا للدار.
فَرْعٌ: لو أسلم الذمي السابِي لَهُ هلْ يصيرُ مسلمًا بإسلامه؟ ولو قهر حربي صغيرًا من أهل الحرب فملكه ثم أسلم هل يصير مسلمًا بإسلامه؟ لم أرَ فيه نقلًا،
стр. 1011
والظاهرُ: نعم؛ لأن لَهُ عَلَيهِ ولايةً وكفالةً ومِلْكًا وذلك علة لإسلامه فيما إذا كان السَابِي مُسلمًا.
وَلَا يَصِح إِسْلامُ صَبِيّ مُمَيز اسْتِقْلالًا عَلَى الصحِيح، لأنه غيرُ مكلف فأشبه غير المميز والمجنون، قال الإمام: وهو نصه في القديم، والجديد فيحال بينه وبين أبويه الكفار استحبابًا على الأشبه، لِئَلا يَفْتِنُوهُ؛ فإن بلغ ووصف الكفر هُدِّدَ وَطُولبَ بالإسلام فإن أصَرَّ رُدَّ إليهم، والثاني: يصح حتى يورث من قريبه المسلم، لأن عَلِيًّا دعاهُ رسول الله ﷺ قبل بلوغه إلى الإسلام فأجابه، وقيل: بعد بلوغه، قاله أحمد بن حنبل، قال الإمام: وهو ضعيف نفلًا؛ قويٌّ توجيهًا، والثالث: يتوقفُ فإن بلغ واستمر على كلمة الإسلام تبينًا كونه مسلمًا من يومئذ، كان وصف الكفر تَبيَّنًا أنه كان لغوًا وقد يُعبرُ عن هذا بصحة إسلامه ظاهرًا لا باطنًا، والرابع: أنه لا يصح ظاهرًا؛ ويصح باطنًا إذا أضمره.
فَصل: إذا لَم يُقِر اللْقِيطُ بِرِق فَهُوَ حُرُّ، لأن ظاهر حاله الحُرية؛ ولأن غالبَ الناسِ أحرار، إلا أَن يُقِيمَ أَحَذ بَيِّنَةَ بِرِقِّهِ، أي فيعمل بها كما سيأتي، وَإِن أَقَر بِهِ، أي بالرق، لِشَخصِ فَصدّقَهُ قُبِلَ إِن لَم يَسبِق إِقْرَار بِحُريةٍ، كغيره من الأقارير، وفي قول حكاه صاحب التقريب: أن لا يقبل للحكم بحريته بالدار، فإن كذبه فلا يثبت الرق، وكذا إذا سبق منه إقرار بحريةٍ بعدَ البلوغ؛ فإنهُ لا يُقبل الإقرار الثاني لمناقضته الأول.
وَالمَذْهبُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَن لَا يَسبِقَ تصَرُّف يَقتضِي نُفُوذُهُ حُريةَ كبَيع؛ وَنكاح، بَل يُقبَلُ إِقْرَارُهُ فِي أَصلِ الرِّق وَأَحكَامِهِ الْمُستَقبَلَةِ لَا المَاضِيَةِ المُضرَّةِ بِغَيرِهِ فِي الأظْهرِ، كما لو قال: أقر بمال على نفسه وعلى غيره، ووجه مقابلِهِ: انتفاءُ التهمة إذ الانسان لا يُرِق نفسه لإلحاق ضرر حري بالغير، وأشار بالمذهب إلى أنا إذا فَرَعنَا عَلَى مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ التقْرِيبِ فَإقْرَارُهُ لاغٍ، وإن قلنا بالصحيح الذي جزم بهِ المصنّفُ؛ ففيه طرقٌ حاصلها ما ذَكَرَهُ، فلَوْ لَزِمَهُ دَين فَأقر بِرِق؛ وَفِي يَدِهِ مَال
стр. 1012
قُضيَ مِنْهُ، أي ويجعل للمقر له، نعم؛ إن فَضَلَ من المال شيء فهو لهُ، كان بقي منه شيء ففي ذمته إلى أن يعتق، هذا إذا قبلنا إقرارَهُ فيما يضره (•) دون غيره فَإن قَبِلنا إِقْرَارَهُ مطلقًا فالمال يُسَلمُ للمقر له والْدَّينُ في ذمتهِ.
وَلَو ادَّعَى رِقَّهُ مَنْ لَيسَ فِي يَدِهِ بِلا بَيِّنَةِ لَم يُقْبَل، لأن الظاهرَ الحُرّية فلا يترك إلا بحجة، بخلاف النسب؛ فإن في قبولهِ مصلحة للصي وثبوتُ حَق لَهُ، وَكَذَا إِنِ ادّعَاهُ الْمُلتقِطُ فِي الأظْهرِ، لأنَّ الأصلَ الْحُرية فلا تُزالُ بمجرَّدِ الدعوى، والثاني: تُقبل ويحكمُ بالرق كيدِ غير الملتقط.
وَلَوْ رَأَينَا صَغِيرًا مُمَيِّزا، أَوْ غَيرَهُ فِي يَدِ مَن يَسْتَرقهُ وَلَم يُعرَفِ استِنَادُها إِلَى الألْتِقاطِ؛ حُكِمَ له بِالرقِّ، أي إذا ادَّعاهُ؛ لأنَّ الظاهرَ ممن في يده؛ ويتصرفُ فيه تصرفَ المالكينَ ولا معارض له ولا سبب يحالُ عليه أنهُ مَلَكَه، ولو كان هذا الصبي منكِرًا فلا أثر له على الأصح، وقيل: إن كان مميزًا احتاجَ إلى البينة، فَإِن بَلَغَ وقال: أَنَا حُر، لَمْ يُقْبَلْ قَوله فِي الأصَحِّ إلا بِبَيِّنَة، لأنا قد حكمنا بِرِقِّهِ في حال الصغر؛ فلا يرفع ذلك الحكم إلا بحجةٍ؛ لكن له تحليف السيدِ، قاله البغوي، والثاني: يُقبل قوله؛ لأنه الآن من أهل القولِ ولا نظر إلى ما حكمنا به قبل، وَمَن أَقَامَ بَينَةَ بِرِقِّهِ عُمِلَ بِها، لظهور فائدتها، ويشْتَرَطُ أَن تَتَعرضَ البَيِّنَةُ لِسَبَبِ المِلْكِ، من إرث وشراء وغيرهما؛ لئلا يعتمد ظاهر يد الالتقاط، وَفِي قَولٍ: يَكْفِي مُطْلَقُ المِلْكِ، كما في الأموال.
فَصل: لَو استَلْحَقَ اللقِيطَ حُر مُسلِمٌ لَحِقَهُ، أي بشروطه السَّالفة في الإقرار؛ لأنه أقرَّ له بحق لا ضرَرَ فيه على غيره فأشبه ما لو أقر لهُ بمال، وقوله (مسُلِمٌ) لكونِ الكافر لا يستلحقُ اللقيطَ المحكومَ بكفرهِ، وإنما ذكره في لقيط محكومٍ بإسلامِهِ؛ وكُلُّ مَنْ جازَ أنْ يكون ذلك اللقيطُ ولدًا لهُ جازَ أنْ يستلحقَهُ، وَصَارَ أوْلَى، الناس،
стр. 1013
بِتَربِيَتهِ، لأنَّ الأبَ أحَقُّ بها من الأجنبي، وَإنِ استَلْحَقَهُ عَبْدٌ لَحِقَهُ، لأنَّ العبدَ كالحر في أمر النسب؛ لإمكان حصولهِ منهُ بالنكاح أو الشبهةِ، وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ تصدِيقُ سَيدِهِ، لما فيه من الإضرار بالسيدِ بسبب انقطاع الميراث عنه لو أعتقه، وأجابَ الأول: لا عبرة بالإضرار؛ لأنَّ مَنِ اسْتَلْحَقَ ابْنًا وَكَانَ لَهُ أَخ يقبل استلحاقه.
وإنِ اسْتَلْحَقَتْهُ امرَأَة لَم يَلحقها فِي الأصَحِّ، لإمكان إقامة البينة على الولادة من طريق المشاهدة بخلاف الرجل، والثاني: يلحقها، لأنها أحدُ الأبوين فصارت كالرَّجل وأَولى، وعلى هذا إذا لحقها ولها زوجٌ لم يلحقهُ على المذهب، وقيل: وجهان (•)، والثالث: يَلْحَقُ الْخَلِيَّةَ دُونَ الْمُزَوَّجَةِ، لتعذر الإلحَاقِ بها دونه، أَو اثْنَانِ، أي استلحقَهُ، لَمْ يُقدم مُسْلِمٌ وَحُرٌّ عَلَى ذِمِّيٍّ وَعَبْدٍ، لأنَّ كُل واحد من الْحُرّ والعبدِ لو انْفَرَدَ كان أهْلًا فأشبها الْحُرَّينِ، وأما المسلمُ والذمي فلاستوائهما في الاستلحاق وجهاتِ النسَبِ، فَإن لَمْ تَكُنْ بَيِّنَة، عُرِضَ عَلَى الْقائِف، فَيُلْحِقُ مَنْ أَلْحَقَهُ به، لأن لها أثرًا في الانتساب عند الاشتباه كما سيأتي بيانه حيث ذكر المصنف في آخِرِ الدَّعوَى والبَيِّنَاتِ إن شاء الله تعالى، فَإِن لَمْ يَكُنْ قَائِفًا، أي في البلد أو في مسافة القصر، وفسَّره الماوردي بأن لا يوجد في الدنيا، أَوْ تَحيَّرَ، أي وجد ولكن تحير، أَوْ نَفَاهُ عَنْهُمَا، أَوْ أَلْحَقَهُ بِهِمَا؛ أمِرَ بِالانْتِسَابِ بَعدَ بُلُوغِهِ إِلَى مَنْ يَمِيلُ طَبْعُهُ إِلَيهِ مِنْهُمَا، أي بحكم الجِبِلةِ لا بمجرَّدِ التشَهي، وَلَوْ أَقَامَا بَيّنَتَينِ مُتَعَارِضَتَينِ؛ سَقَطَتَا فِي الأظْهرِ، لما ستعلمُهُ في بابِ الدَّعوى والبيّنات، والثاني: لا، والفرقُ أنه في الأموال لَمَّا تكافيا ولم يكن ما يرجِّح أحداهما، سقطتا وهنا أمكن ترجيحُ أحدهما بالقافة فلا يسقطان بل يحكم لمن انضمت إليه بيِّنَةُ القافة.
стр. 1014
كتاب الجُعَالةِ
الجُعَالةُ: مثلثة الجيم كما أفاده ابنُ مالك في مثلثه. واقتصر المصنِّفُ في تحريره وتهذيبه على الكسر؛ وَهِيَ مَا يُجْعَلُ لِلإِنْسَانِ عَلَى شَيءٍ يَفْعَلُهُ. والأصلُ فيه من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ﴾ أي بالصواع ﴿حِملُ بَعِيرٍ وَأَنا بِهِ زَعِيم﴾ (٢٢٨) وكان حِملُ البعيرِ معلومًا عندهم كالوُسْقِ، وقد وَرَدَ في شرعِنا ما قرَّرَ هذا؛ وهو حديث اللدِيغ الذي رقاهُ الصحابيُّ على قطع من الغنم، متفق عليه (٢٢٩)، والحاجَةُ
стр. 1015
داعيةٌ لها فجازَتْ كالمضاربةِ.
هيَ كَقَولهِ، أي من مطلق التصرف: مَنْ رَدَّ آبِقي فَلَهُ كَذَا، أي وكذا من رَدَّ ابْنَتِي الضَّالةِ فَلَهُ كذا، أو رُدَّهُ وَلَكَ كَذَا، ويشترط في المجعولة له أهلية العمل فقط كما جزم به الرافعي، ويشْتَرَطُ صِيغَة تدُلُّ عَلَى العَمَلِ بِعِوضٍ مُلتَزَم، فَلَوْ عَمِلَ بِلا إِذْن، أَوْ أَذِن لِشخص فَعَمِلَ غَيرُهُ، فَلَا شيءَ لَهُ، أما في الأولى؛ فلأنه عمل لم يلتزم له المالك عوضًا فيقع تبرعًا وسواء كان معروفًا بِرَدِّ الضوَالِّ أم لم يكنْ! وأما في الثانية؛ فلأنه لم يشترط لغير ذلك المعين، نعم؛ ردُّ عبده كرده؛ لأن يَدَهُ كَيَدِهِ.
وَلَوْ قَال أَجنَبِي: مَنْ رَدَّ عَندَ زَيدٍ فَلَهُ كذَا، استَحَقَّهُ الرادُّ عَلَى الأجْنَبِيِّ، لأنه التزمهُ. واستشكل صاحبُ الوافي لزوم الجعلِ من حيث أنه لم يلتزمه، وَإِن قَال: قَال زَيدٌ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا، وَكان كاذِبًا، لَم يَسْتَحِق عَلَيهِ، أي على هذا الفضولي؛ لأنه لم يلتزم، وَلَا عَلَى زَيدٍ، أي إن كذبه لما قلناه. فإنْ صدقهُ؛ قال البغوي: يستحق عليه، قال الرافعي: وكان هذا فيما إذا كان المخبر ممن يعتمد قوله؛ وإلا فهو كما لو رد غير عالم بإذنه والتزامه، وَلَا يُشتَرَطُ قَبولُ الْعَامِلِ وَإن عَيَّنَهُ، لما فيه من التضييق ويكفي الإتيان بالعمل، وقيل: إنه كالوكيل، وَيصِحُّ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ، أي إذا لم يكن ضبطه لرد الآبق؛ لأن الجهالة إذا احتملت في القراض توصلا إلى الرِّبْح من غير اضطرار فهنا أولى، أما العملُ الذي يسهلُ ضبطهُ كالبناء فلا بدَّ من ضبطهِ، قالهُ ابن الرفعة والرافعي؛ وغيرُه أطلق ذلك، وَكَذَا مَعلُوم، أي كالخياطة والبناء ونحوهما، فِي الأصَحِّ، من باب أوْلى، والثاني: المنعُ، للاستغناء بالإجارة وصحَّحَهُ الإمامُ.
فَرع: قال: من ردَّ ضالتي فله كذا؛ فردَّها من هي في يده، فإن كان في ردهِ كلفةً كَرَد العبدِ الآبِقِ استحق الْجُعلَةَ؛ وإلا فلا كَرَدّ النقدين.
فرع: قال: من أخبرني بضالتي فله كذا؛ فأخبره بها مُخْبِر؛ لا يستحق شيئًا؛ إذ لا مشقةَ فيه، قالهُ القاضي والبغويُّ.
стр. 1016
فرع: لا يجوز توقيت العمل؛ لأنه يخل بالمقصودِ.
ويشترَطُ كَون الجُعلِ مَعلُومًا، لأنه جُوِّزَ للحاحة؛ ولا حاجَة إلى جهالةِ العوضِ بخلافِ العملِ، فَلَو قَال: مَنْ ردهُ فلَهُ ثوب أوْ أُرضِيهِ فَسَدَ العَقدُ، بجهالة العوض، وَللرادِّ أجْرَةُ مِثْلِهِ، كما في الإجارة الفاسدة.
فَرعَانِ مُسْتثنيَان مِنْ ذَلِكَ:
الأوّلُ: إذا جعل الامامُ لمن لله على قلعة الكفار جُعلا، فإنه يجوزُ أن يكون مجهولًا كجارية كما سيأتي في آخر السيرِ.
والثانِي: تصح الجعالة على الحج بالنففة مع جهالتها كما أطلقه في الروضة في بابه؛ وجزم به، وكذا الرافعي في الشرح الصغير ونقلَهُ عن الكبير عن صاحب العمدة فقط.
فَرعٌ: لو جَعَلَ الجُعلَ ما لا يتقوَّم كخمر وخنزير؛ أو ما لا يصح تصرفه فيه؛ فالعقدُ فاسد. وفيه احتمال للإمامِ.
وَلَوْ قَال: مِن بَلَد كَذَا، فَرَدَّهُ مِنْ أَقرَبَ مِنْهُ، فَلَهُ قِسطُهُ مِنَ الجُعلِ، أي إذا صححناها في العمل المعلوم وهو الأصحُّ؛ لأنه قدر المسافة. أما إذا ردّه من أبعد منه، فإنه لا يستحق زيادة لعدم الالتزام، وَلَو اشتَرَكَ اثنَان في رَدِّهِ اشتَرَكَا فِي الجُعلِ، لاشتراكهما في السبب؛ ويقسمُ بِالسويةِ، كان تفاوتتَ أجَرُهم.
فَرع: لو قال: أي رَجُل رَد عبدي؛ فله درهم. فَرَدةُ رجلان فالظاهرُ الاشتراكُ.
فَرع: لو رَدَّهُ بعضُ النفر الذينَ قال لهم: إن رَدَدتُمُوهُ فلكُم كذا؛ فالظاهر أنه لا يستحق شيئًا، لأنه لم يجعل إلا لمجموعهم وعلقَهُ بردهم.
وَلَو الْتَزَمَ جُعْلًا لِمُعَيَّن، أي كما إذا قال: إن رَدَدتَهُ فَلَكَ دِينَار، فَشَارَكَهُ غَيرُهُ فِي العَمَلِ إِن قَصَدَ إِعَانَتَهُ، أي بعوضٍ أو مجانًا، فَلَهُ كُل الجعلِ، أي لذلك المعين، لأنه قد يحتاجُ إلى الاستعانة بغيره، ومقصود المالك رد العبد بأي وجه أمكن، فلا
стр. 1017
يُحمَلُ لفظُهُ على قصر العمل على المخاطَبِ، ولا شيء لذلك الغيرِ على الْمُعيَّنِ، إلا أنْ يلتزمَ لَهُ أُجرة ويستعين به، قُلْتُ: وقد يقالُ بِمِثلِ هذا في إمامِ المسجد ونحوه من وُلاةِ الوظائف إذا استناب، كان كان المصنِّفُ أفتى بعدم استحقاقهما، وكذا الشيخُ عز الدين، وَإن قَصَدَ الْعَمَلَ لِلْمَالِكِ، فَلِلأوَّلِ قِسْطُهُ وَلَا شَيءَ لِلمُشَارِكِ بِحَال، لأن المالك لم يلتزم له شيئًا.
فصل: وَلكُلّ مِنْهُمَا، أي من المالك والعامل، الْفَسْخُ قَبْلَ تمَامِ الْعَمَلِ، لأنها كالوصية من حيث أنها تعليق استحقاق بشرط، والرجوع عن الوصية جائز، وإنما يتصور ذلك ابتداءً في العامل المعين؛ لأنه الذي يتصور منه الفسخ ويتصور بعد الشروع فيه وفي غيره، واحترز بقوله قبل تمام العمل عما بعده، فإنه لا أثَرَ للفسخ، لأن الْجُعلَ قد لزم واستقرَّ، فَإن فُسِخَ قَبْلَ الشرُوع، أَوْ فَسَخَ الْعامِلُ بَعدَ الشُّرُوع، فَلَا شَيء له، أمَّا في الأولى: فلأنه لم يفعل شيئًا وسواء فيه فسخُهُ وفسخُ المالكِ. وأمَّا في الثانية: فلأنه امتنع باختياره ولم يحصل غرض المالك، وَإِن فَسَخَ الْمالِكُ بَعدَ الشرُوع، في العمل، فَعَلَيهِ أجْرَةُ الْمِثْلِ فِي الأصَحّ، كَيلا يُحبطَ سَعيهُ بِفَسْخ غَيرِهِ، والثاني: لا، كما لو فسخ العاملُ بنفسه، وَللْمَالِكِ أَن يَزِيدَ وينقصَ فِي الْجُعلِ قَبْلَ الْفَرَاغ، لأن ذلك يجوزُ في البيع في زمن الخيار، فجوازه فيما العقد فيه جائز أبدًا أَوْلى، وكذا يجوزُ تغييرُ جنسه قبل الفراغ أيضًا، وَفَائِدَتُهُ بَعدَ الشُّرُوع وُجُوبُ أجْرَةِ الْمِثْلِ، لأن النداء الأخير فسخ الأول؛ والفسخ في أثناء العمل يقتضي أجرة المثل، أما قبله ففائدته استقرار الأمر على الأخير.
وَلَوْ مَاتَ الآبِقُ فِي بعضِ الطرِيقِ أَوْ هرَبَ فَلَا شَيءَ لِلْعَامِلِ، لأنه لم يرده، والاستحقاق يتعلق بالردِّ وهو المقصود، ويخالف ما لو مات الأجير قبل الحج؛ فإنه يستحق البعض، وفرَّقوا بفروق ضعيفة منها: أنَّ الحج عقدٌ لازمٌ بخلاف الْجُعَالةِ، وَإِذَا ردَّهُ فَلَيسَ لَهُ حَبْسُهُ لِقَبْضِ الْجُعلِ، لأن الاستحقاق بالتسليم ولا حبس قبل الاستحقاق، وَيُصَدّقُ الْمَالِكُ إِذَا أَنْكَرَ شرطَ الْجُعلِ أَوْ سَعيَهُ فِي رَدِّهِ، لأنَّ الأصل
عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج
تأليف
سراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن أحمد المعروف بـ «ابن النحوي» والمشهور بـ «ابن الملقن» (المتوفى ٨٠٤ هـ)
حققه وضبطه على أصوله وخرج حديثه وعلق عليه
عز الدين هشام بن عبد الكريم البدراني
[الجزء الثالث]
стр. 1020
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
الْفَرَائِضُ: جَمْعُ فَرِيضَةٍ فَعِلْيَةٍ مِنَ الْفَرْضِ؛ وَهُوَ التَّقْدِيرُ أَو الْجَزَاءُ أَو الْوُجُوبُ وَالالْتِزَامُ، أَقْوَالٌ. واشتهرتِ الأخبارُ بالحَثِّ على تَعَلُّمِهَا، منها: [تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإنَّهَا مِنْ دِينِكُمْ وَهِيَ نِصْفُ العِلْمِ وَأَوَّلُ مَا يُنزَعُ مِنَ الأُمَّةِ] (٢٣٠). قال القاضي حسين وغيره: وعلم الفرائض يحتاج إلى ثلاثة علوم: علم الفتوى؛ وعلم الأنساب؛ وعلم الحساب. وفِي الأصل هنا فواتح مهمة فراجعها.
يُبْدَأُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِمُؤنَةِ تَجْهِيزِهِ، أي بالمعروف، لأنه محتاجٌ إليها. وإنما