Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
ملتفت إليه عند العرب هنا. والله أعلم.
وأما باب علم وباب أرى فنقل الناظم عن الجمهور المنع من إقامة الثاني فيه بقوله: ((في باب ظنّ وأرى المنع اشتهر)) يعني أنّه اشتهر عند النحويين منعُ إقامة المفعول الثاني مطلقًا سواء أكان ثمّ لبْسٌ أم لا؟ وإنّما اشتهر عندهم المنع لما في إقامة الثاني من اللّبس في الأكثر, لأنك إذا قلت عُلِم صديقُك عدوَّ زيدٍ كان معناه أنّ المعروف بصداقتك عدوٌّ لزيد, فصداقتك مستغنية عن الإخبار بها, وعداوة زيد مفتقرة إلى الإخبار بها. فلو عكست فأقمت الثاني لا نعكس المفهوم, فإذا قلتَ: عُلِمَ عدوُّ زيدٍ صديقك صار المفهوم منه أنّ المعروف بعداوة زيدٍ صديق لك, وأنت لم ترد إلا المعنى الأول, فالتبس المعنيان. وهكذا كثير من مسائل الباب.
وكذلك باب أرى إذا قلتَ: أرأيتُ زيدًا عمرًا صديقك, لو قلت: أُرِيَ زيدٌ عمرًا صديقك, فزيد هو الرائي, وعمرو هو المرئي, فلو عكست النيابة لألتبس بعكس المعنى هذا وجه ما ذهب الجمهور إليه. قال المؤلف في الشرح: ((وإذا كان أمنُ اللّبس مسوغًا لجعل الفاعل مفعولًا والمفعول فاعلًا في كلام واحد نحو: خرق الثوبُ المسمارَ.
*بلغت سوآتهم هَجَرُ*
فجواز هذه المسائل أحَقُّ وأولى)) , يعني مسائل أمن اللّبس كقولك: ظُنِنْتِ الشمسُ بازغةٌ, وظُنِنَتْ بازغةٌ الشمسَ, وعُلِم قمرُ الليلة بدرًا, وعُلِمَ بدرٌ قمرَ الليلة, واتُخِذَ مقامث إبراهيم موضعَ صلاة, واتثخِذ موضعُ صلاة مقامَ إبراهيم, وأُعْلِمَ زيدٌ كبشَك سمينًا, وأُعْلِمَ كبشُك سمينًا زيدًا. وما أشبه
стр. 1332
ذلك. فهذه المسائل لا لبْس فيها, فلا ينبغي ان تمنع وهو معنى قوله: ((ولا أرى منعًا إذا القصد ظهر)). يعني أن مدرك المنع إنما هو اللّبس فينبغي إذن أن يُقتصَر في المنع على موضع ولا يُعدَّى إلى ما ليس فيه لبس كما لم يعدّه الجميع في باب كسا, بل فرّقوا بين موضع اللبس فمنعوا وبين موضع أمن اللبس فلم يمنعوا. وسياق الناظم يشير إلى مدرك المنع عندهم إذ قدم الاتفاق في باب كسا على المنع مع اللّبس, وأن الجمهور مانعون أيضًا في باب علم وأرى. ثمّ قال/: ((ولا أرى منعًأ إذا القصد ظهر)). فظهر من ذلك أنّ عمدتهم في المنع وقوع اللبس خاصة, وعليه نص في شرح التسهيل, وأنّ أكثر مسائل هذا الباب مّما يقعُ فيها اللبس قال: ((ولذا منع الأكثرون نيابة الثاني مطلقًا)). وهذا فيه نظرٌ؛ فإنهم ذكروا للمنع أوجهًا أخر: أحدهما أن المفعول الثاني قد يكون جملة فعلية أو اسمية, أو ظرفًا, أو مجرورًا, نحو: ظننتُ زيدًا يقوم, وظننته أبوه قائم, وظننته عندك, وظننته في الدار, والثاني مع كونه أحد هذه الأشياء لا تصح إقامته؛ إذ لا تكون الجملة فاعلةً أبدًا حسب ما تقدم, فكذلك النائب. والظرف لا يُقام وهو باقٍ على نصب الظرفية متعلقٍ بكائن أو مستقر, وكذلك المجرور لا يُقام وعامله غير الفعل. وبهذا الوجه يَرِد على الناظم اعتراض إذ لم يستثن من إقامة الثاني هذه الأشياء كما استثناها في التسهيل, فاقتضى أنّها تُقام مُقامَ الفاعل, وذلك غير صحيح؛ إذ الجملة عنده لا تكون فاعلةً كما مرَّ, والظرف والمجرور عنده في معنى الجملة هنا لقوله قبل في باب الابتداء: ((ناوين معنى كائن أو استقرّ)) فخيّر في الوجهين, وإذا لم تكن فاعلةً لم تُقمْ مُقامه. والثاني: أنّ المفعول الثاني يكون
стр. 1333
نكرة كثيرًا فيؤدي إقامته إلى الإخبار بالمعرفة عن النكرة, وذلك مرفوضٌ إلّا في الشعر, أو في القليل, وهو محمولٌ عند جماعة على القلب إن سمع كقولهم: خرق الثوبُ المسمارَ. وقد نصّ على هذا المعنى سيبويه في: كان رجلٌ زيدًا, والبابان واحد.
والثالث: أنّ المفعول الثاني إذا كان مشتقًّا -وهو الغالب- فأُقِيم أدّى إلى أمرين محذورين: أحدهما: الإضمار قبل الذكر لفظًا ومرتبة؛ لأنّك إذا قلت: ظُنَّ قائمٌ زيدًا ففي قائم ضمير يعود على زيد, وزيد متأخر الرتبة؛ لأنّه غير مقام, وقائم متقدم الرُّتبة, لأنه في موضع الفاعل, ورتبة الفاعل التقدّم على المفعول فكذلك نائبه, فلا يصح أن يكون في الفاعل ولا نائبه ضمير يعود على المفعول إلا على حدّ قوله:
*جزر ربٌّه عَنِّي عَدِيَّ ين حاتم*
وهو نادرٌ فيؤدي ذلك إلى ألّا تصح إقامته.
والثاني: أنّه إذا كان مشتقًّا فحقه ألّأ يباشر العامل إلّأ على حذف الموصوف, وإقامة الصفة مُقَامَه, وذلك إذا كانت الصفة خاصة كما سيأتي,
стр. 1334
مع أنه قليل, ووقوع المفعول الثاني صفة خاصة قليل. وإذا لم تكن خاصة- وهو الكثير- لم يصح إقامتها مُقام الموصوف, فلا تصحُّ إقامتها مُقام الفاعل. فهذه أوجه إذا اجتمعت في إقامة الثاني من باب ظنَّ, وهي جارية في الثالث من باب رأى, فصارت المسائل البريّة عن هذه القوادح نادرة الوقوع, ومتكلّفة في التمثيل, فعند ذلك قال الأكثرون بمنع إقامة الثاني مطلقًا. وهذا هو الفرق بين منعهم هنا مطلقًا, ومنعهم مع اللبس في باب كسا؛ لأنّ مسائل المنع هنالك قليلة على عكس الأمر هنا, فكيف يقول: إنّ المانع هو اللّبس خاصة؟ .
وقد يقال: إنّ المفعول إذا كان جملة أو ظرفًا أو مجرورًا فلا اعتراض به لأمرين: أحدهما: التزام أن يُقام مقام الفاعل ولا محذور في هذا/ فقد قال به جماعة منهم السيرافي, وابن النحاس, وزعموا أنّك تقول في: عرفت أيّهم في الدار: عُرِفَ أيّهم في الدار. وقال ابن الضائع: الصحيح عندي جواز: قد عُلِمَ أزيدٌ في الدار أم عمرو؟ ؛ لأنّ كلّ فعل يتعدّى المفعول فلا مانع أن يُرَدَّ ويبنى للمفعول, قال: وكذلك: قد قِيل زيدٌ منطلق, وهو موجود في كلام العرب كثيرًا, وفي القرآن. قال: ويُقَوِّي ذلك أنّه يجوز في المفعول الذي لم يُسَمَّ فاعله ما لا يجوز في الفاعل, ألا ترى قولهم: مُرَّ بزيد, فزيد في موضع رفع, ولا
стр. 1335
يجوز في الفاعل إلّا حيث يكون الحرف زائدًا, وليس هنا بزائد, وإذا ثبت هذا لم يكن في القول بإقامة الجملة مُقام الفاعل خرقٌ لإجماعٍ, ولا مخالفة دليل.
والثاني: أنّا إذا لم نقل بجواز ذلك فهو مستثنى عن هذا الوضع. فقوله: ((ينوب مفعول به عن فاعل- فيما له)) يعني من الأحكام, ومن جملتها ألّا يكون جملة, ولا ما أشبهها. وإذا استثناه بقيَ الباقي على الحكم المذكور. وأمّا الوجه الثاني: فإذا كان المفعول الثاني نكرةً فلا محذور؛ لأنّ الإخبار هنا عن النكرة عارضٌ, وفي بنية عارضة, والمقصود الإخبار عن المعرفة. وإن كان على القلب فهو جائزٌ, وإن كان قليلًا, فذلك ليس بمانع جملة, أو نقول: إذا فُرِض الإخبار هنا بالمعرفة عن النكرة فإن أفاد ذلك جاز, وإلّا لم يجز, فالمسألة راجعة إلى باب الابتداء بالنكرة, وقد مَرَّ.
وأمّا لزوم الإضمار قبل الذكر, فله جوابان: أحدهما: أنّ ذلك عارض, والأصل تأخيره في بنية الفاعل, فلا محذور في تقديمه, بل هو في الحقيقة مثل قولك: ظُنَّ قائمًا زيدٌ, وضرب اباه زيدٌ. والثاني: إذا سلّمنا ذلك, فيلزم فيه تأخير المُقام, فتقول: ظُنَّ خالدًا قائمٌ كما يلزم تأخير العمدة في قولك: ضرب زيدًا أبوه. وقد نبّه على هذا المعنى بعض المتأخرين. وأمّا ولاية المشتق العامل فيجوز في مثل هذا لاسيّما على طريقة القلب كما يجوز: كان قائمٌ زيدًا على القلب, وإن كان ضعيفًا بل هو هنا أجوز, لأنه في بنية عارضة بخلاف باب كان فإنّ الإخبار به عن النكرة في بنية أصلية. فهذا مما يرجّح الجواز, ولا يكون على حذف الموصوف كما لا يكون كذلك في باب كان. وأمّا حمل الأقل على الأكثر في المنع فإذا سلمنا أم مسائل أمن اللبس قليلة- وليست كذلك-
стр. 1336
فالأصل أن تُعطى كلّ مسألة حكم نفسها, ولا يُحْمَلُ ما ليس فيه موجبُ المنع على ما فيه الموجب في مسألتنا, بل يمنع ما فيه الموجب, ويجاز غيره.
فإن قلت: فهذا خلافُ القاعدة المعلومة عند أهل العربية, فإنّهم يحملون ما ليس فيه موجبٌ على ما فيه الموجب؛ بيجري الباب مجرى واحدًا, كمسألة: تَعِدُ وأعِدُ, ونَعِدث في حملها في الإعلال على يَعِدُ, وحملهم هما وهنّ وسواهما على هو و (نا) في البناء الذي موجبه شبه الحرف اللفظي, وحملهم حذامِ, وفجارِ على حذارِ عند جماعة, على مسائل لا تنحصر. فالجواب: أنّهم إنّما قالوا ذلك حين ألجأهم السماع إليه؛ ولذلك لا تجد مسائلهم التي يحتجّون بها على القاعدة إلّا على مقتضى ما استقرأوا من كلامهم لا على أمرٍ مقيس عُدِم فيه السماع.
فالقاعدة مبنيّة على التفسير بعد السماع/ كما قال سيبويه: ((قف حيث وقفوا ثمّ فسّر)). وإن رأيت أحدذأ منهم يُعْملُها في موضع فذلك اتبّاع للسماع عنده لا إجراء لمجرد القياس. فابن مالك لم يثبت عنده امتناع العرب من نحو: ظُنَّ سمينٌ كبْشَك, بإطلاق, فأجازه؛ لأنّ القياس يقبله فقال بجوازه, وممن قال بقول الناظم السيرافي في اللإقناع, وابن الأنباري, وابن طلحة, وجماعة من المتأخرين. وأمّا في باب أعلمت فقال بالجواز الجزولي, والشلويين في التوطئة, وتلميذه ابن الحاج في الرد على المقرّب ما لم يئد ذلك كلّه إلى اللّبس.
стр. 1337
وفاته التنبيه على حكم الثالث في باب أرى وقد حكى ابنُه في شرح النظم الاتفاق على المنع من إقامته وأنّ الخلاف إنّما هو في الثاني, وما حكاه من الاتفاق ليس على إطلاقه؛ إذ قد ذكر بعض المتأخرين جواز إقامة الثالث لكن مع حذف الأول, وأجرى فيه الخلاف المذكور في الثاني, وأيضًا فقد أطلق أبوه في التسهيل الجواز أيضًا, فقال: ((ولا يمتنع نيابة غير الأول من المفعولات مطلقًا)) إلى آخره. وألزم ابن الحاج من قال بإقامة الثاني في: ظننت, أن يقول به في أعلمت؛ إذ لا فرق بينهما إلّا من جهة ما يعرض من اللّبس مع الأول. وهو إلزامٌ صحيح؛ إذ لا فرق بينهما؛ فالثاني في ظننت هو الثالث في أعلمت, فالقائل بالجواز في ظننت في الثاين قائلٌ به- ولا بد- في أعلمت, فإنّ القائل بحكم في مسألة قائلٌ به في نظيرتها, إذا لم يظهر فرْق حسب ما تبيّن في أصول الفقه. ولو كان ما نَقَلَ من الاتفاق صحيحًا لم يسغ لأبيه, ولا لغيره القولُ بخلافه مع معرفتهم بمذاهب الناس وفاقًا وخلافًا. وإنّما لم يذكر الناظم حكم الثالث لأحد أمرين: إمّا لأنّه داخل له بالمعنى في حكم الثاني كما تقدم, وإمّا لأن المسألة محلُ نظر, ألا ترى أنّ بعض من أجاز إقامة الثاني في ظننتُ منع إقامة الثالث في: أعلمت, فترك للناظر في كتابه محلًا للنظر. والله أعلم.
وما سوى النائبِ ممّا عُلّقا ... بالرافع النصبُ له محقّقًّا
يعني أنّ ما عدا النائب من هذه المفعولان فهو منصوبٌ, كما كان منصوبًأ في بنية الفاعل, فلا يجوز رفعه؛ لأنّ الفعل لا يطلب مرفوعين إلا بالتبعيّة, فإذا لا
стр. 1338
يرفع إلّا واحدًا فيبقى ما سواه منصوبًا, فتقول: أُعطِيَ زيدٌ درهمًا, وعُلِمَ أخوكَ منطلقًا, وأُعْلِمَ أخوك زيدًا قائمًا. وهذا ظاهر. وقوله: ((مما علّق بالرافع)) و ((ما)) فيه لغير النائب, و ((علّق بالرافع)) معناه: ألْزِمه, والرافع هو الفعل, ويقال: عَلِقْتُ بفلان وعُلّقتُه: أي أحببته, وعَلِق بقلبي أي لصِق به ولزمه, واراد بالتعليق العمل, فالمعلّق بالرافع هو معموله, فأراد أنّ ما عدا النائب من معمولات الفعل يلزم نصبه تحقيقًا/. والمعمولات هنا كلُّ ما عمل فيه الفعل مما تصحُّ نيابته عن الفاعل كان مفعولًا به, أو مصدرًا, او ظرفًا أو غيره, إلّا أن النصب تارةً يكون في اللفظ كالأمثلة المتقدّمة, وتارة يكون في الموضع كالمجرور, وضمير المفعول, والمصدر, والظرف, وغيرها, وفي قوله: ((علّق بالرافع)) نصٌّ على أنّ فعل المفعول هو الناصب, أو هو ظاهر فيه, فإنّ الرافع هو فعل المفعول. وقد جعل ما عدا المُقام معلّقًا به أي معمولًا له, أو معلّقًا به معنى, فالفعل طالب له فهو العامل فيه؛ لأنّ اصل العمل الطلب. وهذا أحد المذهبين, وهو رأي المحققين, ويُنسَبُ إلى سيبويه. وقيل: إنّ الناصب له فعل الفاعل المحوّل إلى بنية المفعول. فالأصل نصب هذه الأشياء بفعل الفاعل, فلمّا حوِّل إلى بنية المفعول رفع واحدًا منها, وبقي ما عداه على نصبه الأول, والأول عندهم أصح؛ لأنه رفع المرفوع باتفاق فليكن هو الناصب, لأنّه الحاضر في اليد, وأصلُ العمل الطلَبُ, وهذا الحاضر هو الطالب, فهو الناصب إذًا, ولا فرق بين فعل المفعول وفعل الفاعل في ذلك. والخلاف في هذا لا ينبني عليه في العربية حكم إلّا حُسْنُ ترتيب الحكمة في الصناعة, وربطُ الاصطلاح, ولا شك أنّ ما ذهب إليه الناظم أقَلُّ تكلُّفًا. والله أعلم.
стр. 1339
«اشتغال العامل عن المعمول»
معنى الاشتغال أن يتقدم اسمٌ, ويتأخر عنه فعلٌ متصرف, أو جارٍ مجراه قد عَمِلَ في ضمير ذلك الاسم, أو في سببه, ولو لم يعمل فيه لعمل في الاسم الأول, أو في موضعه. هذا تعريف ابن عصفور, وهو تقريبيّ. وهذا المعنى على الجملة هو الذي أخذ الناظم في بيانه فقال:
إن مُضمَرُ اسمٍ سابقٍ فِعْلًا شَغَل ... عنه بنَصْبِ لفظه أو المحَل
فالسابق انصبه بفعلٍ أضْمِرا ... حتمًا موافقٍ لما قد أُظهرا
ومعنى كلامه على الجملة: أنه إن شغل مضمرٌ عائدٌ على اسم متقدّم أول الكلام فعلًا عن ذلك الاسم المتقدّم بنصب ذلك الضمير لفظًا أو محلًا فنصبُ السابق إن أردتَ نصبه أو أدى الحكمُ إليه بفعل مضمرٍ يفسره هذا الظاهر, وذلك الفعل المضمرُ لا يظهر أبدًا. هذا تلخيصه على الجملة. ولا بدّ من بيانه على التفصيل, فقوله: ((إن مضمر اسم)) مضمرُ مرفوع على الفاعلية حتمًا بفعل موافق للفعل الظاهر وهو (شغل) أي: إن شغل مضمرُ اسم سابقٍ شغَل فعلًا, ومضمر الاسم السابق: يعني به المضمر العائد عليه, فأضافه إليه لتعلّقه به في التفسير, وأنّهما في المعنى شيءٌ واحد, وذلك مثل قولك: زيدًا ضربتُه فالاسم
стр. 1340
السابق (زيد) , ومضمره الهاء في ضربته. و (فعلًا) منصوب بشَغَل الذي يليه والضمير الفاعل فيه عائدٌ على (مضمر) في قوله: إن مضمر اسم, و (عنه) متعلّق بشَغَل, والضمير المجرور عائدٌ على اسم, وتقديره: إن شغل/ المضمر الفعل عن الاسم السابق, وشغله عنه هو أن ينصبه أو محلّه ولذلك قال: ((ينصب لفظه أو المحل)) , ونصب اللفظ هنا معناه أن يطلبَه ضمير نصب, ولا يريد به أن يظهرَ فيه النصب لفظًا كزيد وعمرو؛ لأنّ ذلك متعذر في المضمرات, فإنما يريد أنّه لو كان عوَضَه ظاهر لظهر فيه النصب, فالإتيان بضمير النصب يُجزئ عنه, ونصب المحل هو أن يكون الضمير مجرورًا بحرف, والجار والمجرور معًا في موضع نصب, نحو: مررتُ بزيد فالضمير مجرور بالباء لفظًا لكن محله النصب؛ إذ معنى: مررت بزيد: جُزءتُ زيدًا, ولذلك يعطف عليه المنصوب, فتقول: مررت بزيد وعمرًا وينتصب إذا حذفَ الجار ضرورةً, نحو:
*تمرون الديارَ ولن تعوجوا*
стр. 1341
وإنما قال: ((بنصب لفظه أو المحل)) فعيّن النصب؛ لأنّه لو اشتغل الفعل برفع لفظه لم ينتصب الأول السابق نجو: زيد قام, أو إنْ زيدٌ قام, وكذلك لو اشتغل برفع محل المضمر لم يصح نصب الأول, نحو: إنء زيدٌ مُرَّ به, وهو قد قال: ((فالسابق انصبه)) فلم يتكلّم إلّا على النصب؛ فلذلك قال: ((بنصب لفظه أو المحّل)) , ويتناول كلامه هنا نحو: زيدًا ضربتُه, وزيدًا مررت به, وخرج عنه نحو: زيدًا ضربتً أخاه. وزيدًا مررت بأخيه, وغير ذلك من فروض المسائل, وهي ك
ثيرة جدًا حتى يذكر ذلك بعد؛ لأنّه نبّه هنا على أصل الباب, وإذ كان وصولُ الفعل بنفسه أو بحرف جر أقرب في كونه معلّقًا به من وصوله إليه بواسطة, ثم عطَفَ على ما بقي عليه بعد ذلك في قوله:
وفَصلُ مَشْغُولٍ بحرفِ جَرِّ ... أو بإضافةٍ كوَصْلِ يجري
كما أنّه تكلم هنا على مسائل الفعل, وترك حكم غير الفعل إلى آخر الباب فقال:
وسَوِّ في ذا الباب وصْفًا ذا عَمَل ... بالفِعلِ إنْ لم يكُ مانعٌ حَصَل
لأنّ الفعل هو الأصل, وما عداه جارٍ مجراه. وقوله: ((فالسابق انصبه)) هذا جواب (إنْ) في قوله: ((إن مضمر اسم سابقٍ)) إلى آخره, ويعني أنّ ذلك الاسم السابق ينصبُ على الجملة كان الفعل العامل ضميره نصبًا لفظيًا كما في نحو: زيدًا ضربته, أو في المحل, نحو: زيدًا مررتُ به, فإنّ نصبَ السابق هو الموجود الشائع في كلام العرب, وندَرَ مجيئه مجرورًا, وحكى الشلويين: ﴿وللظالمينَ أعدَّ لهم عذابًا أليمًا﴾ وهو من النُذور بحيث لا يَنْبَني على مثله قياسٌ. وقوله:
стр. 1342
((انصبه)) لا يريد به أنّه يجب نصبه, بل يدخله النصب فقط, ويبقى النظر في جواز ذلك, أو وجوبه, أو امتناعه على حسب ما يفسّره بعدُ. وتفصيله بعد بيّن لنا هذا. وإلّا فلو قطعنا النظر عمّا يأتي لكان قوله: (انصبه) يقتضي الوجوب, وتفسير كلامه بكلامه هو الواجب.
وقوله: ((بفعلِ أُضمرا)) نصٌّ على اختياره لمذهب أهل البصرة الذين يقدّرون لهذا المنصوب فعلًا غير الملفوظ به؛ لأنّ الملفوظ به قد أخذ ما يحتاج إليه في اللفظ فلا يستقيم أن ينصب غيره؛ لأنّه قد اكتفى بالضمير فهو غير طالب لغيره, وأصل العمل الطلب, فلا يعمل في غيره, وإذا لم يعمل في غيره فلا بدّ لذلك الغير من عامل, وليس إلاّ فعلٌ مقدّر ويفسّره ذلك الظاهر. وذهب الكوفيون/ إلى أنّ الظاهر هو الناصب بنفسه لذلك الاسم السابق, وإن كان ناصبًا للضمير أيضًا, لأنّه هو الطالب له من جهة المعنى, وأصلُ العمل الطلب فينبغي أن يكون هو الناصب له كما كان ذلك في نحو: ضربتُ زيدًا أخاك, ولا ضررَ في كون الفعل ناصب لاسمين- وإن كان لا يطلب إلّا واحدًا- إذا كان الاسمان معًا واقعين على مسمى واحد. وهذا الاستدلال عند البصريين ضعيف؛ لأن الطلب المعنوي لا يستلزم العمل اللفظي باطلاق, وإلا وجب أن يكون
стр. 1343
(الزيدان) من وقولك: الزيدان قاما مرفوعًا بقاما الفاعلية, فيكون رافعًا فاعلين. وهذا لا يقوله الكوفيون, ويلزم أيضًا ألّا يجوز رفعُ (زيدٍ) من قولك: زيدٌ ضربته؛ لأنّ الفعل يطلبه بالنصب على المفعوليّة. وهذا كلّه غيرُ صحيح, فإنّما يكون الطالب عاملًا في المطلوب إذا لم يستغن عنه في اللفظ, وأمّا إذا استغنى عنه برفع ضميره, أو نصبه, أو بغير ذلك فلا يلزم أن يعمل فيه بل لا يصحّ في مثل مسألتنا. وعند ذلك يظهر أنّ الفعل غيرُ طالب لهذا السابق, وإذا لم يطلبه فلا بدّ من عامل فيه وليس إلّا ما قدّره البصريون. وأيضًا فلا يستقيم أن يكون الظاهر عاملًا في السابق في نحو: زيدًا مررتُ به, ولازيدًا مررتُ بأخيه, ولا زيدًا ضربتُ أخاه, وما أشبه ذلك, لأن اللفظ أو المعنى يأبى ذلك. ولو كان كما قالوا لقلتَ: بزيدٍ مررتُ به, ولما استقام معنى قولِك: بزيد مررت بأخيه, أو زيدًا ضربت أخاه, إلى غير ذلك من المسائل التي يتعيّن فيها تقدير الفعل حتمًا, فالصواب ما ذهبوا إليه من تقدير العامل, وهو الذي رأى الناظم, وفيه أيضًا نصّ على أنّ هذا الإضمار لازمٌ, ولا بدّ من الفعل المقدّر ألبتة, ولا يكتفى بمعنى الفعل الظاهر عاملًا. وهذا رأي الجمهور. وذهب ابن الطراوة إلى الاكتفاء بمعنى الفعل, وأنّه العامل في السابق لا لفظه ولا فعل مقدّر. ورُدّ بأنّ النصب على المعنى من حيث هو معنى لا يصّح؛ لأنّ معنى الفعل مجردًا لا يعمل إلّا في الظروف, والمجرورات بخلاف المفعول الصحيح, فلا يستقيم أنْ يُدّعى ما لا يوجد في كلام العرب, وأيضًا فنحن هنا بين ثلاثة أمور: إمّا أنْ نقول: المفعول الصحيح يعمل فيه المعنى. وهذا لا نظير له. وإما أنْ نقولَ: إنّ
стр. 1344
العاملَ في الضمير هو بنفسه العامل في الظاهر. وهو أيضًا معدومُ النظير. وأمّا أنء نقول: إنّ السابق أيضًا انتصب بإضمارِ فعل يفسّره هذا الظاهر من باب الإضمار على شريطة التفسير, وإن كان قليلًا, وعلى غير قياس فهو أولى؛ لأنّ الحمل على ماله نظير -وإن قلّ, وخرج عن القياس- أولى من الحمل على ما لا نظير له. قالوا فهذا الذي حمل النحويين على أن قالوا: إن السابق منصوب بفعل مضمر يفسّره ما بعده. والله أعلم.
وقوله: ((أُضمرا حتمًا)) يعني أنّ هذا الفعل لا يظهر أصلًا؛ لأنّه قد جعل المفسّر كأنه بدلٌ منه, ولا يجمع بين البدل والمبدل منه. وقد زعم بعضهم أنه يجوز إظهاره, والجمع بينه وبين ذلك المفسّر, فتقول: ضربتُ زيدًا ضربتُه. واستدلّ على ذلك بقول الله سبحانه في الحكاية عن يوسف ﵇: ﴿إني رأيتُ أحدَ عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾ فجمع بين رأيتهم لي/ ساجدين, وبين (رأيتُ) الأوّل.
وأجاب الناس بأنّ الآية ليست من هذا الباب؛ لأنّ (رأيتُ) الثاني في الآية إنّما جاء توكيدًا لرأيت الأوّل بعد ذكره, كما تقول: رأيت زيدًا, رأيت زيدًا, وأمّا رأيته في قولك: زيدًا رأيته فلم يُؤتَ به للتأكيد, بل هو الأصل في الكلام وتقدير (رأيت) الأول إنّما هو تقديرٌ صناعيٌّ بعد ثبوت الثاني وبنائه على التأسيس, فلو فرضنا ظهورَ الأول لم يَبْقَ هذا الثاني ملفوظًا به؛ إذ لم يقصد التأكيد. فهذا فرقُ ما بينهما, وهو بيّن إذا عُرفَ الاصطلاح.
وقوله: (موافق لما قد أُظهرا) موافقٍ: نعت لفعْلٍ, وكذلك الجملة من قوله: ((أُضمر حتمًا)) أي فانصبه بفعل مضمر موافق للمظهر, وأراد أنّ ذلك الفعلَ من شرطِه أنْ يكونَ موافقًا لما ظهر؛ إذ هو مفسّره, ولا يفسّر إلّا ما كان
стр. 1345
موافقًا للمفسّر في المعنى لا ما كان مخالفًا, ومثال ذلك: زيدًا ضربتُه, فزيدًا منصوبٌ بفعل موافقٍ لضربته, فالتقدير: ضربتُ زيدًا ضربتُه, وكذلك: زيدًا مررتُ به, تقدير الفعل الموافق: جاوزتُ زيدًا مررتُ به؛ لأن المرور والمجاوزة متفقان. وعلى هذا الترتيب سائر المقدرات.
وفي هذا الكلام تنكيتٌ على ابن الطراوة في مذهبه المضطرب في المسألة؛ إذ زعم أولًا أنّ معنى الفعل هو الناصب للسابق, ثم رجع إلى التقدير اللفظي حين قيل له: فكيف يكون معنى الفعل هو العامل في نحو: زيدًا ضربتُ أخاه؟ إذ لا يصحّ أن يكون معنى (ضربته) هو العامل, لفساد المعنى, فأجاب: إن كلّ فاعلِ فعلٍ يُحرك حاشيتين ضرورة من راضٍ وساخطٍ, فإذا قال: زيدًا ضربتُ أخاه انتصب زيد على معنى: أسخطت, وإذا قال: ضربتُ عدوّه انتصب على معنى: ((أرضيت, ودلّ الضرب عليها مع القرينة المختصة بهما)) انتهى فرجع إلى تقدير فعل لفظيّ لا يوافق الظاهر. وهذا اضطرابٌ, وعدمُ ارتباط لقانون يثلَجُ به الصدر.
هذا تمام الكلام على مقصود الناظم في هذه المقدمة التي جعلها أصلًا لباب الاشتغال مطّردًا فيه, وجاريًا في جميع أقسامه ومسائله غير أنّ فيه نظرًا من أوجه سبعة:
أحدهما: أنّك تقول: في الدار زيدٌ فاضربه, فلا يكون زيدٌ ههنا جائزَ النصب بفعل أُضمر أصلًا, لاستقلاله مع ما قبله كلامًا, فزيدٌ هنالك مبتدأ قد جيءَ له بخبره فلا تعلّق له بما بعده, فكيف يصحّ أن يقدّر له ناصبٌ أو غيرُ ناصب, وعبارة الناظم تشمَلُ مثل هذا؛ لأنّ معنى سابقِ: ان يسبق الفعلَ الظاهرَ, وكذلك تقول: جاءني زيدٌ فأكرمته, وحين أتاني عمرو ضربتُه, وما
стр. 1346
أشبه ذلك. ومنه عند سيبويه قولُ الله تعالى: ﴿والسارقُ والسّارقةُ فاقطعوا أيدِيَهُما﴾؛ إذ التقدير عنده: ومما يُتلى عليكم: السارق والسارقة أي حكمُهما, ولولا أنّ الآية على هذا المعنى لكان نصب الاسم السابق هو المختار وكذلك ﴿والزانيةُ والزّاني فاجلدوا﴾ الآية. وإذا فرضت الآية ونحوهما على هذا فلا يصحّ النصب بإضمار فعلٍ موافق للظاهر, وليس في الباب ما يُخرجُ مثل هذا. فكان كلامه غير محرّر/, ولو حرّر العبارة لقال كما قال في التسهيل: ((إذا انتصب لفظًا أو تقديرًا ضميرُ اسم سابق مفتقر لما بعده)) فقيّده بالافتقار لما بعده, فخرج ما اعترض به عليه هنا, لأنّ الاسم السابق فيه غيرُ مفتقر.
والثاني: أنّه يدخل له في إطلاق عبارته أن تقول: زيدًا ما ضربتُه, وزيدًا إن أكرمتَه يكرمْك, وما أشبه ذلك ممّا لا يصحّ فيه أنْ ينتصب السابقُ بالفعل الظاهر للفصل بأداة من أدوات الصدور, وهم قد شرطوا في صحة القاعدة عدم الفصل بما له صدر الكلام, ولذلك قال في التسهيل: ((بجائز العمل فيما قبله)) بعد العبارة المذكورة, فاشترط جواز العمل فيما تقدّم, وهو الاسم السابق فكان من حقّه أن يتحرّز من ذلك.
فإنْ قيل: قد ذكر فيما بعد لزوم الرفع في هذه المسائل ونحوهما بقوله:
كذا إذا الفِعْلُ تلا ما لن يَرِدْ ... ما قبلَه معمولَ ما بَعْدُ وُجِدْ
стр. 1347
قيل: فذلك ليس من مسائل الاستغال فكان ينبغي أنْ يأتي به متحرزًا في هذه المقدّمة.
والثالث: أنّه يخرج له عن هذا الباب مالم يكن الفعل عاملًا فيه, ولا في محله نصبًا, وكقولك: أزيدًا ضربتَ راغبًا فيه, وزيدّا أكرمتُ نازلًا عليه, وزيدًا لستُ مكرمًا له, وزيدًا كنت نازلًا عليه, وما أشبه ذلك من المسائل التي يكقر تعدادها, وضابطها أنْ يكون منصوب الفعل عاملًا النصب في ضمير الاسم, أو في سببه, فذلك جارٍ مجرى عمل الفعل نفسه في الضمير في جواز نصب الاسم السابق, أو وجوبه كما سيذكر بعدُ.
والرابع: أنّه خصّ هذا الباب بنصب السابق وعمل الفعل النصب في ضميره, ثم لم يذكر في الباب غير المسائل التي يُنصب فيها السابق خاصةً, وباب الاشتغال أعمّ من ذلك؛ إذ ما يتصور من وجوب النصب, أو ترجيحه على الرفع بالابتداء, أو مساواته إيّاه يتصور مثله في الرفع على الاشتغال, فقولك: إنْ زيدٌ قام في إضمار الفعل لزيد مثل: إنْ زيدًا ضربته, وأزيدُ قام مثل: أزيدًا أكرمتُه, وإنّما يفترق الرفعُ والنصبُ في نحو: مثل قولك: [رأيت عمرًا] وزيدًا أكرمتُه, وإنما يفترق الرفع والنصب في نحو: زيدٌ قام, وزيدٌ ضربتُه, فزيد في الأولى لا يجوز فيه الحمْلُ على الفعل, وزيد في الثانية يجوز حملُه على الفعل فينتصب. وهو رأي الجمهور. وقد سوّى بن
стр. 1348
العريف بين المسألتين, فأجاز أن يُقدّر لزيد في الأولى فعلُ كأنّ التقدير: قام زيدٌ قام, فالرفع عند هذا القائلعلى إضمار الفعل كالنصب بإطلاق. والناظم لم يبيّن شيئًا من هذا فكان عليه الدركُ.
والخامس: أنّ قوله: ((فالسابق انصبه)) يقتصي أنّ الفعل المضمر لا يقدّر إلا ناصبًا, وذلك غير لازم, بل يسوغ تقدير الفعل رافعًا, وإنْ كان ضميره منصوبًا بالفعل لفظًا أو تقديرًا, فتقول: أزيدًا أقمته, وأزيدٌ أقمته أيضًا على إضمار: أقامَ زيدٌ أقمته وكذلك: إن زيدٌ أهلكته كان كذا, على تقدير: إن هلك زيدٌ أهلكته, وما أشبه ذلك, ويتصوّر ذلك كثيرًا في الأفعال التي لها مطاوع, أو التي تعدّت بالهمزة أو غيرها, وقد أنشد سيبويه للنمر بن تَوْلَب:
لا تَجزَعِي إنْ منفسٌ أهلكتُه ... وإذا هلكتُ فعندَ ذلك فاجْزَعِي
أنشدوه على وجهين: على رفع (منفسٌ) ونصبه/, وأنشد الأخفش:
أتجزعُ إنْ نفسٌ أتاها حِمامها ... فهلّا التي عن بين جَنْبيكَ تَجْزَعُ
هكذا برفع نفس, وتقديره من معنى أتاها حمامها: إن ماتت نفسٌ أتاها
стр. 1349
حِمامُها. وقال لبيد:
فإنْ أنت لم ينفعك علمُك فانتسب ... لعلّك تهديك القرونُ الأوائلُ
فهذا حائزٌ على الجملة مع أنّه عبّر بعبارة تخرج ما كان من بابه -وذلك غير سديد- إذ جعلَ ما ليس بشرطٍ شرطًا, وهو أن جعلَ عملَ الفعلين الظاهر والمقدّر إنّما يكون نصبًا.
والسادس: أنّه أتى في هذا العقد ببعض الشروط المعتبرة في باب الاشتغال, وترك بعضًا ممّا هو ضروريّ, ومن جملة ما ترك اشتراط اتحاد جهة النصب في المشغول به والمشغول عنه, كما مرّ تمثيله, فلو قلت: أزيدًا جلستَ مكانه؟ لم يجز؛ لأنّ نصب المكان ليس كنصب زيد, فإنّ زيدًا منصوبٌ على المفعولية, ونَصبُ المكان على الظرفية, وكذلك لا تقول: أزيدًا ضربتَ ضربَهُ, ولا زيدًا مكثتُ عنده, بخلاف قولِك: أيومَ الجمعة قعدتَه, أو قعدتَ فيه؛ فإنّه جائزٌ لاتحاد جهة النصب. ولا يزم على ذلك ألّا يجوز: أزيدًا مررت به؛ لأنّ نصبَ موضع المجرور على المفعولية كزيد.
ومن ذلك أن يكون المشغول عنه اسمًا واحدًا, فلا يجوز أن تقولَ: أزيدًا درهمًا أعطيته إيّاه, ولا: أزيدٌ عمرًا أكرمَهُ, ولا ما أشبه ذلك -ويجوز أن تقول: أزيدًا أعطيتَه درهمًا, وأزيدًا ظننته قائمًا, وأعمرًا أكرمهُ زيدٌ. ووجه امتناع هذا والذي قبله أنّ هذا الباب جاء على خير قياس, فلا يُتعدّى به ما سُمِع, ولا يقاسُ عليه إلّا ما كان مثلَه من كلّ وجهٍ, فإذا تركُهُ ما لاحاجة إلى ذكرة أكيدةٌ تقصير.
стр. 1350
والسابع: أنّ الموافقة التي أشار إليها في قوله: ((موافقٍ لما قد أُظهرا)) حقيقتها في نفسها أن يكون لفظُ المضمر ومعناه مثل لفظ المظهر ومعناه, وذلك لا يَصدُق إلّا على نحو: زيدًا ضربتُه خاصّة؛ لأنّ التقدير: ضربتُ زيدًا ضربتُه. وأمّا غير ذلك فلا؛ إذ كنت في قولك: زيدًا مررتُ به لا تقدّر إلّا فعلًا غير موافق تلك الموافقة, وذلك: جاوزتُ, أو لابستُ, أو نحو ذلك, ولا يجوز أن تقدّر: مررتُ؛ لأنه يقتضي حرفَ الجر, والاسم المشتغل عنه لا يُجرّ, وكذلك إذا قلتَ: زيدًا ضربتُ أخاه فالمقدّرههنا فعلُ الملابسة أو نحوه, أي: لابستُ زيدًا ضربتُ أخاه, أو تقدر: أهنتُ زيدًا ضربت أخاه, أو ما أشبه ذلك. وكذلك قولك: زيدًا مررتُ بأخيه, وزيدًا رغبتُ فيه, وزيدًا ضربتُ راغبًا فيه, إنّما يقدّر هنا فعلُ الملابسة أو نحوه مما يدل عليه الفعل, لا ما وافق الفعل, فلو أُخذ كلام الناظم على حقيقة الموافقة في هذه الأشياء لكان فاسدًا؛ إذ كان الموافق في: زيدًا ضربتُ أخاه: ضربتُ زيدًا ضربتُ أخاه, وفي: زيدًا مررتُ بأخيه: مررتُ بزيدٍ مررتُ بأخيه, وكذلك ما بقي. وذلك لا يصحّ لفظًا ولا معنى. ثم نقول: لا يخلو أن يريدَ الموافقة المذكورة أو في اللفظ فقط, أو في المعنى فقط. فلا يصحّ الأول لما مرّ, ولا الثاني/ أيضًا, وإلّا جاز في: زيدًا رأيتُه أن يُقدّر: رأيتُ على غير معنى رأيت الظاهر. وذلك غير صحيح, ولا الثالث أيضًا؛ لأنّهم قد قدّروا في: زيدًا رأيتُ أخاه: لابستُ, ونحوه. وليس الفعلان بمتّفقيْ المعنى؛ إذ مفهوم الرؤية غيرُ مفهوم الملابسة. هذا إن أخذتَ الرؤية بحسب مفهومها مطلقًا, وإن أخذتها بحسب كونها رؤية للأخ فكذلك أيضًا, لأن رؤية أخي زيد لها مفهومٌ, وملابسة زيدٍ لها مفهوم آخر؛ إذ هي أعمّ من أن تكون برؤية الأخ أو بغير ذلك؛ ولأجل هذا الإشكال حرّر في التسهيل عبارته فقال: ((بعامل لا يظهر موافق للظاهر أو مقارب)) فكان من حق الناظم أن يفعلَ
стр. 1351
هنا مثل ذلك. انتهى.
والجواب عن الأول: أنّ قوله: ((فعلًا شغَل عنه)) معناه عن العمل فيه, وكونه مشغولًا عن العمل فيه مشعر بأنه طالبٌ له بالنصب, وذلك يقتضي كون ذلك السابق مهيّأ لعمل الفعل فيه لولا الضمير الشاغل, وإذا كان كذلك فهو معنى الافتقار إلى الفعل؛ إذ لو استقر له عاملٌ فيه, أو كان في جملةٍ أخرى لم يكن مهيّأ لعمل الفعل فيه, ولا كان الفعل طالبًا له أصلًا, ولا صحّ له العمل فيه لو تفرغ عنه الشاغل. فقوّة هذا الكلام قد حصلت معنى قول ابن عصفور في الحدّ: ((ولو لم يعمل في الضمير أو السبب لعمل في الاسم الأول)). وبذلك الشرط لا يعترضُه ما اعترض به.
وعن الثاني: أنّ التحرز من فصل أدوات الصدور بين الفعل والاسم السابق مبيّن بعدُ. وقد حصل المقصود على الجملة, فالاعتراض تعسّف.
وعن الثال: أنّ ذلك قد استدركه بعدُ بقوله:
وفصلُ مشغولٍ بحرفِ جرٍّ ... أو بإضافةٍ كوصْلٍ يجري
في أحد الوجهين فيه؛ لأنّه إذا دخل فيه: زيدًا ضربتُ أخاه, وليس الضمير بمنصوب بالفعل لا لفظًا, ولا محلًا, فكذلك يدخل له: زيدًا أكرمتُ راغبًا فيه, وما أشبه ذلك.
وعن الرابع: أنّه اقتصر في هذا النظم على ذكر النصب, وترَكَ الرفع لمجموع أمرين: أحدهما: أنّ اللفظ لا يختلف فيه مع تقدير الفعل أو عدمه, فإذا قلت: إنْ زيدٌ قام أكرمتُه, فزيد فيه مرفوعٌ بفعل مقدّر وجوبًا, ولو زال موجبُ
стр. 1352
تقدير الفعل لبقيَ على لفظه, فقلتَ: زيدٌ قام, فلا فرقَ بين الوجهين إلّا في التقدير الصناعي ضبطًا للقوانين, وكذلك: أزيدٌ قام, فيه وجهان صناعيّان والرفع ثابتٌ فيهما, وكذلك سائر الأمثلة, فلما كان لفظُ السابق لا يختلف مع تقدير مسائل الاشتغال فيه صار الاشتغال بذكره غير ضروريّ, بل من التكميل الصناعي فترك النصّ عليه.
والثاني: أنّ مسائل الاشتغال في الرفع مساويةٌ لمسائله في النصب, فخمسةُ الأقسام التي يذكرها مع النصب متصوّرة مع الرفع, فحيثُ يجبُ النصب يجبُ تقديرُ فعل رافع, وحيثُ يمتنع النصب يمتنع تقدير الرافع, وحيث يُختار النصب يُختار تقدير الرافع, وكذلك سائرها. وإذا ثبت ذلك فتركه لمسائل الرفع في قوّة أن لو ذكرها, إذ قرّر مأخذها فلم يبق إلّا أن يُصوّرها الناظر في كلامه بأدنى تأمل. وهذا من مآخذ الحسان, /ومنازعه البارعة.
فإن قلت: هذا المنزعُ ليس بحسن؛ فإنّه يقتضي أن نحو: زيدٌ قام فيه وجهان: أحدهما: الحملُ على الفعل -وإن كان غير مختارٍ فهو جائز, كما جاز: زيدًا ضربتُه, وإن كان غير مختار- لكنّ هذا مخالف للإجماع؛ إذ لم يُنْقل ذلك عن أحدٍ من أهل العربية إلّا عن ابن العريف. وردّ الناس عليه ما ذهب إليه, فكيف يستقيم تنزيلُ كلام الناظم على ما لا يصحّ. فالجواب: أنّ مذهبَ ابن العريف هو مذهبُ الناظم في التسهيل, وشرحه, فإنه قال: ((وإن رَفَعَ المشغولُ شاغله لفظًا أو تقديرًا فحكمه في تفسير رافع الاسم السابق حكمثه في تفسير ناصبه)) قال في الشرح: ((وإذا كان المشغول رافعًا لشاغله فسرّ لصاحب الضمير, وينقسم ذلك الرفع إلى: واجبٍ مرجوحٍ, ومساوٍ
стр. 1353
كما انقسم النصب, ومثال الواجب رفع زيد في قولك: إنْ زيدٌ قام قمتُ, ومثال الراجح رفعه)) في نحو كذا إلى أنْ مثّل المرجوح بقوله: ((زيدٌ قام)) فقد ثبت أنّه موافق لمن قال بذلك, فإحالته الرفع على النصب على هذا التقدير صحيحٌ حسنٌ, وإنّما يبقى النظرُ في وجه مخالفة الجماعة أو مخالفة دليلهم. أمّا مخالفة دليلهم فلا دليل لهم على خلاف ماقال, بل هو الذي زافق قولُه الدليل اعتبارًا بما ظهر, وهو قولهم: زيدًا ضربتُه, فإذا كانوا هنا قد أضمروا مع إمكان رفعه بالابتداء, فكذلك ندّعي أنّهم اضمروا أيضًا في: زيدٌ قام, إذ لا فرق إلّا أن يقال: إنّا مضطرون مع النصب على إضمار الفعل, بخلاف ما إذا كان مرفوعًا فإنّه لا داعية إليه, فنقول: وكذا لا داعية إليه في: أزيدٌ قام, بل ولا في: إنْ زيدٌ قام؛ لإمكان رفعه على الابتداء. وقد قاله الأخفش في (إنْ) فغيرُها أولى أنْ يقالَ بذلك فيه.
فإن قيل: فإنّ (إنْ) لا يليها إلّا الفعل, والاستفهام طالبٌ بالفعل فلا بدّ من إضماره حيث فهمنا أنّ العرب تضمره حملًا لما خَفِيَ على ما ظهر.
قيل: هذا هو بعينه الذي راعاه ابن العريف؛ فرُدّ عليه. لأنّه حَمَلَ: زيدٌ قام على: زيدًا ضربتُه.
فإن قيل: قد تقرّر في هذا الباب أنّه لا يفسّر إلّا ما يصحّ أنْ يعملَ, وقام لا يعمل في زيد مقدّما عليه بخلاف: زيدًا ضربتُه, فإنّ ضربتُ يصحّ عمله في زيد مقدّمًا عليه. قيل: فيلزمكم ألّا يُفسّر في نحو: أزيدٌ قام, وإنْ زيدٌ قام قمتُ, فإنّ قام لا يعمل هنا في زيدٍ مقدّمًا عليه عند الجميع إلّا من شذّ, ولا فرقَ بين الموضعين البتةَ, فلا بدّ من القول بمنع الإضمار في الجميع أو جوازه في
стр. 1354
الجميع, وهو دليلٌ قاطعٌ.
وأما مخالفةُ إجماعهم فهو أشدُّ إن ثبتَ أنّ العريبَ لا يقول أحدٌ منهم بقوله, ولكن يُجاب عنه بأمرين بناءً على أنّه حجةُ خلافًا لابن جنى$ فإنّه لم يوافق في تلك المخالفة حسب ما تبيّن في الأصول, فأحد الأمرين: أنّ هذا الغجماع منازع في أصله ابتداء؛ فإنّ الفارسي نقل في التذكرة عن المبرّد عين ما نُقل عن ابن العريف, وأيضًا فإنّ غايته إن ثبت أن يثبتَ بنقل الواحد؛ فإنّ نَقْلَ/ الإجماع تواترًا في هذه المسألة غيرُ موجود, وإذا ثبت آحادًا ففي كونه حجةً خلافٌ بين أهل الأصول, فمن الناس من أنكر ذلك كالغزّالي, فلعلّ رأي ابن العريف أو ابن مالك في ذلك هذا الرأي, ومع فرض ذلك لا يكون بالإجماع حجةٌ عليه.
والثاني: أنّ مخالفةَ الإجماع إنّما تكون محذورةً إذا خالفه في إحداث قول بحكم يخالف ما قالوا كما لو أجمعوا مثلًا على امتناع: زيدًا ضربتُه, فخالف هذا المتأخّر وقال بجوازه أو نحو ذلك, وأما إذا أحدث تأويلًا لم يقل به أحدٌ من أهل الإجماع, فهذا ليس بمحذور عند أكثر الأصوليين, ومسألتنا من هذا القبيل؛ لانّهم اتفقوا على صحة: زيدٌ قام, وإنّما الخلافُ في وجه تأويله. فالجميع يقولون: زيدٌ مرفوعٌ على الابتداء وجوبًا, وابن العريف يقول: لا يجب ذلك بل أحملُه على وجهين: على الابتداء, وعلى إضمار الفعل قياسًا على: زيدًا ضربتُه, فلم يخالفهم في حكم بل في تأويل, فلم يكن مخالفًا للإجماع. وهذا ظاهرٌ تنزيلًا على قاعدة الأصول. وبالله التوفيق. فثبت أن مذهب الناظم أرجحُ.
стр. 1355
وعن الخامس: أنّ تقديرَ الفعل رافعًا مع كون الضمير الشاغل منصوبًا ليس بكثير, وأكثرُ الناس على منعه, وإن كان قد خالف فيه بعض, فقد جعل الناسُ من شرط الاشتغال اتحاد العمل في المشغول عنه. وإذا كان كذلك فما قاله تقرير لذلك الشرط,, وعدم مراعاة لما سمع في ذلك من المخالفة, فكأنّه عنده غيرُ مقيس؛ فلذلك لم يعتبره.
وعن السادس: أنّ اتحاد جهة النصب, وإن جعلها الناس شرطًا فليس بمتفقٍ عليه, بل هو مختلف فيه, فقد أجاز بعضُ الناس أن يقال: زيدًا جلستُ عنده, وأزيدًا جلستَ يمينه, وما أشبه ذلك, وكذلك: أزيدًا ضربتَ ضربَه, وأزيدًا أكرمت إكرامَه, وقد زعم بعضُهم أنّه يظهر من سيبويه إجازة ذلك في الظرف المتصرف: نحو: أزيدًا جلستَ يمينه, فإن كان كما قال فذلك الشرط ساقطٌ- أعني شرط اتحاد جهة النصب- وقد قال سيبويه في قولك: يومَ الجمعة سرتُه: إنّ النصبَ فيه كالنصب في: زيدًا ضربتُه, قال: ((إلّا أنّه شاء نصبه بأنّه ظرف, وإن شاء أعمل فيه الفعل كما أعمله في زيد؛ لأنه يكون ظرفًا وغير ظرف)). ففهم الشلويين من هذا الكلام أنّه يُجيز أن ينتصب السابقُ من غير الوجه الذي انتصب ضميرُه أو سببُه, واستشكله لذلك. وتأوّله. فعلى الجملة إذا كانت المسألة مختلفًا فيها لم ينبغ أن يُقْطَعَ على الناظم أنّه أهملَ شرطًا معتبرًا لإمكان ألّا يكونَ عنده معتبرًا, بل هو ظاهر منه هنا, وفي التسهيل حيث لم يشترطه, ولا نصثّ على اعتباره.
стр. 1356
وأمّا شرط اتحاد الاسم السابق فظاهرُ لفظه اعتبارهُ؛ لأنّه قال: ((إنْ مضمرُ اسم سابقٍ فعلًا شغل)). ولم يقل اسم أو أكثر من اسم, وهذا, وإن كانت العرب تطلق الاسم النكرة وتريد به الجنس, فإنّها تطلقه وتريد به الواحد من الجنس, فتقول: هذا رجلٌ, فيحتمل الوجهين, فأظهر الإطلاقين أنْ يراد الواحد من الجنس, وعلى هذا لا إشكال؛ إذ قد حصل/ به الشرط المراد, ويحتمل أن يُراد الجنس. وعلى هذا المحمل في كلام الناظم يكون مائلًا لمذهب الأخفش؛ إذ أجاز أنْ يعمل الفعل المقدّر في أكثر من واحد, فتقول: إنْ زيدٌ عمرًا يضربه, وأزيدٌ عمرًا أكرمَهُ, على تقدير إنْ يضرب زيدٌ عمرًا يضربه, وأأكرم زيدٌ عمرًا أكرمه, ولا بُعدَ في أن يكون قد ذهب إلى هذا, وقياسه على الواحد ظاهرٌ, وأيضًا فقد قال الشلويين: إنّ سيبويه موافقٌ لأبي الحسن في المسألة, وليس بينهما خلاف. وإذا كان كذلك فليس اتحاد المعمول بشرط عند سيبويه. والمشترطون إنّما اعتمدوا في الغالب على رأيه ثم استدلوا, فإذا كان سيبويه موافقًا لم يبق إلّا الدليل ودليلُ الجواز أظهرُ مع أنّا إنْ فرضنا سيبويه يجيز العمل المقدّر في أكثر من واحد فلا يجيزه إلّا لسماع, وأكثرُ الناس حملوا كلام الأخفش على المخالفة, واحتجّوا لسيبويه بأنّ بابَ الاشتغال سماعيٌ فلا ينبغي أن يُتعدّى المقطوع به منه. فالحاصل أنّ كلامَ الناظم لا نقصَ فيه إذا حُمِلَ على كلّ واحد من المذهبين.
وعن السابع: أنّ مراده الموافقة المعنويّة وما ألزِم عليه لا يلزم, فإنّ لابستُ المقدّر في: زيدًا رأيتُ أخاه موافقٌ لرأيت الظاهر؛ إذ الملابسةُ العامةُ لم تُرَد هما. وإنّما أُريدَ الملابسةُ الخاصة, وهي رؤية الأخ, فلابست بحسبِ القصد
стр. 1357
إنّما معناه: رأيتُ الأخَ, فاتّفَقضا من جهة المعنى المقصود, وإنّما قدّروا لابستُ ليكون مسلّطًا على زيد فيصحَ المعنى ويَتَنَزّل على نصب اللفظ. وإذا قلتَ: زيدًا مررتُ بأخيه, فمرورك بالأخ ملابسة لزيد من جهة ما, وتلك موافقة في المعنى, وكذلك: زيدًا مررت به إذا قدّرْت: جاوزتُ زيدًا مررت به, فهي موافقة المعنى ظاهره$, وعلى هذا التقرير يجري سائر الباب. وقد بيّن سيبويه هذا المعنى وبيّن وجهه. فقال في: زيدًا مررتُ به: ((كأنك قلتَ إذا مثّلت: جعلتُ زيدًا على طريقي مررتُ به, وقال في: زيدًا لقيتُ أخاه: ((وإن شئت نصبتَ؛ لأنّه إذا وقع على شيء من سببه فكأنّه قد وقع به)). قال: ((والدليل على ذلك أنّ الرجلَ يقول: أهنتَ زيدًا بإهانتك أخاه, وأكرمتَه بإكرامك أخاه. وهذا النحو في كلامهم كثير, ويقول الرجل: إنّما أعطيتُ زيدًا, وإّنما يريد لمكانِ زيدٍ أعطيتُ. قال: ((وإذا نصبتَ زيدصا لقيتُ أخاه, فكأنّه قال لابستُ زيدًا لقيتُ أخاه. وهذا تمثيل ولا يُتكلّم به فجرى على ما جرى عليه: أكرمتُ زيدًا, وإنّما وصلت الأثرةُ إلى غيره)). هذا ما قال وفيه كافٍ في بيان اتفاق معنى الظاهر ومعنى المقدّر. وهو الذي أراد الناظم فلا حاجة إذًا إلى ما قال في التسهيل من القاربة. والله أعلم.
ثم أخذَ الناظمُ في تفصيل الحكم في نصب الاسم السابق, وجعله خمسةَ أقسام: واجبٌ النصب, وممتنعٌ فيه النصب, فلا بدّ من الرفع, ومختارٌ فيه/ النصب, ومختارٌ فيه الرفع, وما استوى فيه الرفع والنصب. وابتدأ بما يجب فيه النصب فقال:
стр. 1358
والنّصبُ حَتْمٌ إنْ تلا السَّابِقُ ما ... يَخْتَصُّ بالفعل كإنْ وحَيْثُمَا
وهو القسم الأل, فيريد أنّ النصب السابق, وهو الاسم المتقدم على الفعل حتمٌ, أي واجب ويضمر له فعلٌ موافق وجوبًا إذا تلا ذلك الاسمُ أداةً من الأدوات التي تَخْتَصُّ بالفعل فلا يقع بعدها إلّا الفعل, ومثّل ذلك بأداتين من أدوات الشرط, وهما: إنْ, وحيثما, فإمّا (إنْ) فنحو: إنْ زيدًا أكرمتَه أكرمَك, وإنْ عمرًا أهنتَه أهانَك, فنصبُ زيدٍ وعمرو ههنا واجبٌ؛ لوجوب تقدير الفعل بعد (إنْ)؛ لأنّ (إنْ) لا يليها إلا الفعل ظاهرًا أو مضمرًا, فإذا لم يكن ظاهرًا فلا بدّ أن يكونَ مقدّرًا, فلا يجوزُ هنا: إنْ زيدٌ أكرمتَه أكرمَك, وما جاء ممّا ظاهره ذلك فليس على الرفع بالابتداء, وإنّما هو على تقدير فعلٍ رافع كما أنشدوا بيت النّمِر:
*لاتجزعي إنْ منفِسٌ أهلكتُه*
فهو على تقدير: إن هلَكَ منفسٌ أهلكتُه, وكذلك قوله:
*أتجزع إنْ نفسٌ أتاها حمامها*
وقوله:
*فإنْ أنت لم ينفعك علمك ... *
فكل ذلك على إضمار فعلٍ رافعٍ لا على الابتداء. وبهذا الكلام يظهر انّ مذهبَه مذهبُ الجمهور في أنّ (إن) الشرطية لا يقع المبتدأ بعدها. ونقل ابن جنى$ في كتاب الخاطريات, واين الأنباري عن الأخفش إجازة ذلك, وهو رأي لا يُساعد عليه؛ إذ لم يجيء قطُّ في كلامهم مثل: إنْ زيدٌ قائمٌ قمتُ, ولا حجّةَ فيما أنشده سيبويه:
стр. 1359
إن تركبوا فركوبُ الخيلِ عادتُنا ... أو تَنْزِلونَ فإنَّا معشرٌ نُزُلُ
فإنّه يجوز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه, وأيضًا فهو مؤوّلٌ على غير تقدير (إنْ).
وأمّا حيثُما فمثالُه: حيثما زيدًا تُجلسه أجْلِسُ, فزيدًا يجب نصبُه بإضمار فعل, لأنّ حيثما طالبةٌ بالفعل وجوبًا. وهذه الأمثلة تشير إلى ما كان في معناها؛ لأنّه قال ككذا, فإنّه يدخل في المعنى كلّ اداة لا يليها إلّا الفعل, كأدوات التحضيض نحو: هلّا زيدًا ضربتَه, وألّا عمرًا اكرمتَه, ولولا زيدًا أعطيته كذا, ولا يجوز الرفعُ في هذه الأشياء. ومن ذلك أيضًا (لو) إذا قلت: لو زيدًا أكرمتَه لأكرمك, فزيدٌ هنا يجب نصبه لاختصاصها بالفعل, فلذلك لا يقع بعدها اسمٌ إلّا وبعده فعلٌ, فيقدّر للاسم السابق ناصبٌ, وقد قدّروا له رافعًا في قوله تعالى: ﴿قُلْ لو أنْتُم تَمْلِكونَ خَزائنَ رَحمَةِ رَبّي﴾ الآية. وفي تمثيله بحيثما إشكال, وذلك أنّ ما اختص من الادوات بالفعل قسمان:
أحدهما: ما جاز إن$ يليه الفعلُ ظاهرًا أو مضمرًا كإنْ, وسائر ما تَقدّم التمثيل به. وهذا القسم هو الذي يجري معه الحكم المذكور, لأنّ وقوعَ الاسم بعده يليه ليس بقبيح إذا كان على إضمار الفعل لا على تقديمه إنْ كان متأخرًا, نحو: إنْ زيدًا ضربتَ أكرمك, فإنه قبيح لا يجوز إلّا في الشعر, فمثل هذا
стр. 1360
يدخل في باب الاشتغال لصحة إضمار الفعل للاسم الذي/ يلي الأداة.
والثاني: ما لا يجوز أنْ يليه الاسم لفظًا أصلًا, ولا يجوز انْ يليهُ الفعلُ مضمرًا, بل تلزم ولايتُه له ظاهرًا, ومن القسم حيثما؛ إذ لا يجوز أن تقولَ: حيثُما زيدًا أقعدته اقعُد, وكذلك لا تقول: حيثما زيدًا تُجلِس أجلس إلّا أنْ يُضطرّ شاعرٌ فيجوز في الشعر خاصة. ومثل حيثما في ذلك سائر أدوات الشرط سوى إنْ, وجميع أدوات الاستفهام سوى الهمزة. وكذلك قد وسوف لا يليها إلّا الفعل ظاهرًا إلّا أنْ يضطرّ شاعرٌ فيجوز أنْ يليها الاسم على تقدير ولاية الفعل. ومن هذا القسم الذي لا يليه إلّا الفعلُ ظاهرًا ما يَتَنَزّلُ من الفعل منزلة الجزء, فلا يليه الاسم في الكلام, ولا في الشعر, وذلك كالسين التنفيسيّة, وما أشبه ذلك. وإذا ثبت هذا فتمثيلُه بحيثُما يقتضي جواز مثله في الكلام, وذلك غيرُ صحيح.
والجواب: أنّه قال: ((إنْ تلا السابق ما يختّص بالفعل كإنْ وحيثُما)) فقيّد الاختصاص بأنْ يكونَ كاختصاص إنْ أو كاختصاص حيثُما, ومعلوم أنّ إنْ لا يلزم إظهار الفعل بعدها, فيدخل معها ما كان مثلها كما تقدّم, وأمّا حيثما فيلزم إظهارُ الفعل بعدها في الكلام ولا يلزم في الشعر, بل هي في الشعر كإنْ في الكلام, وهذا في حيثما معلوم أيضًا في أخواتها, فيدخل معها ما كان مثلها في هذا الباب إذا وقعت في الشعر, ولم يقيّد الناظم هذا الحكم بالكلام دون الشعر, بل إنّما تعرّض إلى أنّ مثلَ هذا إنْ وقع, وتُصُوّرت فيه صورةُ الاشتغال, فيجب نصبُ الاسم السابق بفعلٍ مضمر, فاتّفق أنّ المسألة في إنْ تُتَصَوَّرُ في الكلام, وفي حيثُما إنّما تُتَصوّر في الشعر, فإذا تُصوّرت ثَبَتَ حكمُها كذلك, فعلى هذا ما كان من الأدوات لا يليه إلّا الفعلُ ظاهرًا غيرُ داخلٍ له البتة, إذ لم يطلق كلامه, بل قيّده بالمثال, ولا مثالَ له في هذا القسم, فلا
стр. 1361
يدخل له. وما كان منها يليه الفعلُ مضمرًا أو ظاهرًا في الشعر فقد دخل له بحيثما؛ وإنّما نبّهَ على هذا القسم لأمرين:
أحدهما: خوفًا من توهّمِ أنّ الاشتغالَ لا يدخل في ضرورة الشعر, فبيّن أنّ الاضطرار, وعدمه في دخول الاشتغال على حدّ سواء.
والثاني: أنّ سيبويه قد بوّب على ذلك, وقسّم الأدوات التي لا يليها إلّا الفعل ذلك التقسيم, فأراد الناظمُ أن يحذو حذوَه؛ لانّ أكثر الناس يطّرِحونَ ذكر الاشتغال في الضرورة, ولا يعتنون به, فإذا كان كذلك فإذا اضطرّ شاعرٌ أنْ يقولَ: إذا ما زيدًا ضربتَه أضرِبُهُ, وجب نصبُ زيدٍ بإضمار فعل يفسّره الظاهُر. وكذلك: أيّانَ تضربْهُ أضرِبْهُ, ومتى زيدًا تأتِه يكرمْكَ, وأينما زيدًا تكرمْهُ, يركمْك. وما أشبه ذلك. وقد جاء في الشعر لكن مع الرفع أنشد سيبويه:
صَعْدَةٌ نابِتَةٌ في حائرٍ أيْنَمَا ... الريح تُمَيِّلْهَا تَمِلْ
وأنشد أيضًا لعَدِي بن زيد:
فمتى واغِلٌ يَنْبُهُمْ يُحَيُّو ... هُ وتُعْطَفْ عليه كأسُ الساقي
وكذلك أدوات الاستفهام سوى الهمزة, فتقول إذا اضطُرِرْتَ: هل زيدًا ضربتَه؟ فتنصب وجوبًا, وكذلك: متى زيدًا رأيتَ أخاه؟ وأين زيدًا لقيتَه؟ وكيف زيدًا
стр. 1362
وجدتَه؟ . وعلى هذا الحكم سائر أدوات الاستفهام/ حدثنا شيخُنا أبو عبدالله بن الفخّار -رحمة الله عليه- أنّ بعض المتكلمين على هذه المسألة من كتاب سيبويه ألقاها على طلبته, فقال: كيف يقال: هل زيدٌ ضربتَه أم هل زيدًا ضربتَه؟ رفعًا أم نصبًا, فرفع قومٌ بالابتداء إلحاقًا لهل بالهمزة في جواز ذلك, والتزم قومٌ النصب بإضمار فعلٍ ليليَها الفعلُ تقديرًا؛ إذ ليس لها تصرّف الهمزة, ولا أصالتها, فصوّب الشيخ هذا الثاني, وخطّأ الأول, قال: وكان بالحَضْرَةِ بعضُ المشارقة فقال: كلّ ذلك خطأ, وأخرج المسألة من الكتاب, وأنّها لا تجوز إلّا في الشعر, قال سيبويه: ((فإن قلتَ: هل زيدًا رأيتَ, وهل زيدٌ ذهب قَبُحَ, ولم يَجُز إلّا في الشعر؛ لأنّه لما اجتمع الفعلُ والاسم حملوه على الأصل)). قال: ((فإنْ اضطُرّ شاعرٌ فقدّم الاسم نَصَبَ)). قال السيرافي: يعني أنّه يقال: هل زيدًا رأيتَ أو رأيتَه, ثم بَسَطَ سيبويه الكلام في ذلك المعنى, فانظره في كتابه. ومثل ذلك: قد زيدًا رأيتُه, وسوف زيدًا أضربُه, ولم زيدًا أضرِبْهُ, ولن زيدًا أضرِبَهُ, وقلّما زيدًا أضرِبُه, وربّما زيدًا أضربُه. قال سيبويه: ((فممّا لا يليه الفعلُ إلّا مظهرًا سوف, وقد, ولما, ونحوهن, فإن اضطرّ شاعرٌ فقدّم الاسم, وقد أوقعَ الفعل على شيء من سببِه, لم يكن حدّ الإعراب إلّا النصب, وذلك نحو: لم زيدًا أضربْهُ, لأنّه سضمر الفعل إذا كان ممّا يليه الاسم فهذا كلّه داخلٌ تحت إشارة حيثُما على التقدير المذكور. والله أعلم.
стр. 1363
وإن تلا السابقُ ما بالابتدا ... يختَصُّ فالرفعَ التَزِمْهُ أبَدا
كذا إذا القعلُ تلا ما ين يَرِد ... ما قبلَه معمولَ ما بَعْدُ وُجِد
هذا هو القسم الثاني من أقسام الاسم السابق, وهو الواجب فيه الرفع, وعيّنَ له موضعين: أحدهما: أنْ يقعَ بعد أداةٍ تَخْتَصُّ بالابتدا, أي لا يكونُ ما بعدها إلّا مبتدأ, فقوله ((وإن تلا السابق كذا)) يعني: أنْ يقعَ الاسم المشتغلُ عنه بعد الأداة المختصّة بالابتداس$, واليًا لها, و (بالابتداء) متعلّقٌ بيختصّ, وهما في صلة ما. ومن الأدوات المختصّة بالابتداء (إذا) التي للمفاجأة, فإذا قلت: خرجتُ فإذا زيدٌ يضربُه عمرو, فزيدٌ هها يلزم رفعُه, ولا يجوز نصبه؛ لانّ إذا من أدواتِ الابتداء, فلو نصبت لم يلها الابتداء, وكانت تخرج عن وضعها, وكانت تخرج عن وضعها, وكذلك لولا, ولو ما اللتان هما أداتا امتناع لوجود, لا يليها إلّا الاسم, فالابتداءُ بعدهما لازمٌ, فإذا جاء خبرُه فعلًا واقعًا على ضميره أو سببه حيث أجازه المؤلف فالاسم السابق مرفوعٌ على الابتداء, كقول المحبسين:
*فلولا الغٍمْدُ يُمْسِكُه لسالا*
وضمير الأول هنا مرفوعٌ فلو جاء مثله: لولا زيدٌ أكرمتُه لكان كذا, لوجب رفعُه بالابتداء, والجملة خبرُه, وعلى جواز إظهار الخبر بعد لولا بني التمثيل, والمثال المشهور في هذا الموضع مثال إذا, وعليه بنى القاعدة؛ ولذلك أكّد التزام الرفع بقوله (أبدًا) , وكان يجزيه أنْ يقول: فالرفعُ لازمٌ, فكأنّه أكدّ تنبيهًا على
стр. 1364
مخالفته لظاهر سيبويه فيها, وظاهر كلامه أنّها كأمًا يجوزُ معها الرفعُ والنصبُ, وإنْ كان الرفعُ أولى, قال سيبويه: ((فإنْ قلتَ: لقيتُ/ زيدًا, وأمّا عمروٌ فقد مررتُ به, ولقيتُ زيدًا وإذا عبدُالله يضربُه عمروٌ, فالرفع إلّا في قول من قال: زيدًا رأيته, وزيدًا مررتُ به؛ لأنّ أمّا وإذا يُقطَعُ الكلام -يعني أنّهما ليسا بحرفي عطف- وهما من حروف الابتداء يصرفان الكلام إلى الابتداء إلّا أنْ يدخل عليهما ما يَنصِب, ولا يُحْمَلُ بواحد منهما آخرٌ على أول كما يحمَلُ بثُمّ والفاء ألا ترى أنّهم قرَءوا ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُم﴾ وقبلَه نَصْبٌ- يعني قوله: ﴿فأرْسَلْنَا عليهم ريحًا صَرْصَرًا﴾. وذلك لأنّها تصْرِفُ الكلام إلى الابتداء إلّا أنْ يقعَ بعدها فعلٌ, نحو: (٠ وأمّا زيدًا فضربتُ)). هذا ما قال سيبويه, والظاهر منه أنّ حكم إذًا عنده حكمُ أمّا, وخالفه ابن مالك, وقال: ((لاينبغي أن تُلْحَقَ إذا بأمّا؛ لأنّ أمّا وإن لم يَلِها فعلٌ فقد يليها معمولُ الفعل المفرّغ كثيرًا نحو: ﴿فأمّا اليتيمَ فلا تَقْهَر وأمّا السائل فلا تَنْهضر﴾ وقد يليها معولُ فعلٍ مقدّر بعده مُفسّر مشفولٌ كقراءة بعض السلف ﴿وأمّا ثَمود فَهَدَيْناهُم﴾ قال: ((وإذا لم يلِ (إذا) فعلٌ ظاهر, ولا معمولُ فعلٍ إنّما يليها أبدًا في النثر والنظم مبتدأ, وخَبَرٌ منطوق بهما, أو مبتدأ محذوفُ الخبر, فمن أولاها غيرَ ذلك فقد خالف كلام العرب, فلا
стр. 1365
يلتفت إليه, ولو كان سيبويه)). وما ذهب إليه المؤلف في كلام سيبويه من حمله على ظاهره, والتخطئة له قد ذهب إليه السيرافي قبله. والناس في ذلك الظاهر فريقان: منهم من حمله على ظاهره, ومنهم من تأوّله, فالذين حملوه على ظاهره خطّؤُوه كالناظم أو من جرى مجراه, والذين تأوّلوه حملوه على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنّه قرن إذا بأمّا؛ لأجل أنّهما لا يُعطفُ بهما ثم شركهما معًا في النصب, وهو يريد أمّا خاصة كقوله تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُما﴾ ثم أفرد الكلام في أمّا, وبها مثّلَ دون إذا. وإلى هذا أشار ابن خروف.
والثاني: أنْ يكونَ أجاز الحمل على الفعل معهما معًا لكن من وجهين مختلفين. أمّا في أمّا فلما ذكر, وأمّا في إذا فعلى إضمار مبتدأ قبل المنصوب, فإذا قلتَ: خرجتُ فإذا زيدٌ تضربه, جاز على تقدير: فإذا أنت تضربُ زيدًا تضربه, لأنّ سيبويه أجاز أن تقولَ: خرجتَ فإذا مَنْ يضربْكَ تضرِبْهُ مجزومًا على إضمار المبتدأ, كأنّه قال: فإذا أنت من يضربْكَ تضرِبْهُ, ومنْ قد تكون مفعولةً, فكذلك يسوغ أنْ يقعَ بعدها الفعلُ على إضمار مبتدأ.
والثالث: أن يريد أنّ أمّا وإذ يقْطَعان ما بعدهما عمّا قبلهما فيكون بعدهما المبتدأ, ولم يتعرّض للزوم ذلك, فإن جاز بعدهما النصب فإنّما يجوز على من قال: زيدًا ضربتُه, إنء لم يمنع من ذلك مانعٌ. وقد وُجِد المانع في (إذا) فلا ينصب بعدها الاسم. وهذا يُعزْى للشلويين, وما قبله لبعض المتأخرين.
стр. 1366
وللكلام هنا مجالٌ أوسع من هذا, والمقصود إنّما هو التنبيه على أنّ سيبويه غيرُ صريح في مخالفة الجماعة, وإنْ كان له ظهورٌ فيها, والناس في يختلفون؛ فلأجل هذا الخلاف قال الناظم: ((فالرفع التزمه أبدًا)) فأكّدّ, وقرّر أنّه غير مرتضٍ لذلك الظاهر؛ وذلك لبُعْدِه عن كلام العرب, وبُعد تأويله, ولكنّ الذي تحصل من الجميع/ أنّ ما أكّدهُ الناظم من الحكم صحيحٌ عند الجميع غير ظاهر سيبوي.
والثاني من موضعي وجوب الرفع: أنْ يفصلَ بين الاسم السابق والفعل المشغول عنه ما يمنع من عمله فيه لو لم يشتغل عنه, وذلك قوله: ((كذا إذا الفعل تلا ما لن يرد)) إلى آخره يعني: أنّه يجب رفعُ السابق أيضًا إذا وقع الفعلُ بعد أداةٍ لا يكون ما قبلها معمولَ ما بعدَها, فقوله: ((كذا إذا الفعل تلا)) أي تبع, وما واقعة على الأداة الفاصلة بين السابق والفعل, وهي موصولة صلتها لن يرد إلى آخره, وما الثانية فاعلةٌ بيَردِ, وقبلَه صلتها, وما الثالثة مضافٌ إليها معمول, وهي واقعة على الفعل المشغول وما حلّ محلّه وصلتها (وُجِد) , و (بعد) متعلّق بوُجِد, والتقدير: كذا إذا تلا الفعلُ المشغولُ حرفًا لن يرِد الاسمُ الذي قبله معمولًا للفعل الذي وُجدَ بعده. ولهذا الموضع أمثلة كثيرة نكتفي منها بعشرة: أحدها: أن يَفْصِل بين الفعل والاسم السابق ما التعجبيّة, نحو: زيدٌ ما أحْسَنَهُ, فإنّ (ما) هنا لها صَدْرُ الكلام, فلو فُرِضَ جواُ تقدّم معمول الفعل عليه لمنعته ما.
والثاني: أن يفصل اسمٌ موصول, نحو: زيد الذي ضربتُه, فلا يجوز نصبُ زيد؛ لأنّ معمول الصلّة لا يتقدّم على الموصول, وكذلك زيد أنا الضارِبُه.
والثال: الحرف الموصول كقولهم: أَذَكرٌ أنْ تَلِدَهُ ناقتُك أحبّ إليك أم أنثى؟ فَذَكرٌ يجب رفعُه؛ لأنّ المشغول عنه في صلة أنْ, ولا يتقدّم معمولُ
стр. 1367
الصلة على الموصول.
والرابع: أنْ يكون الفاصلُ اسمًا مضافًا إلى الفعلِ, نحو: زيد حين ألقاه يُسَرُّ, فلا يصحّ أنْ يعمل ألقاه في زيد؛ لأنّه يصير كالجزء من الجملة المضاف إليها الظرف, وجزء من المضاف إليه لا يَتَقدّمُ على المضاف, فلا يفسّر مقدّرًا قبل المضاف, إذ لا يفسّر إلّا ما يصحُّ أنْ يعملَ. ويجري مجْرى هذا سائر الظروف إذا أضيفت إلى الجملة, كما أنّه يجري مجرى أنْ ما كان نَحْوَها, ومجرى الذي ما كان نَحْوَها.
والخامس: أنْ يقع الفصل بأداة شرطٍ, نحو: زيدٌ إنْ تضرِبْهُ يضرِبْكَ, وزيدٌ متى تكرِمْهُ يكرِمكَ, فلا يجوز نصبُ زيد, لأنّه لا يصح عمل الفعل فيه لمكان أداة الشرط؛ إذ لها صَدْرُ الكلام.
والسادس: أدوات الاستفهام, نحو: زيدٌ هل رأيْتَه؟ وعمروٌ متى لقيتَه؟ وبكرٌ كمْ مرةً لقيتَه؟ وما أشبه ذلك, فلا يجوز النصب هنا؛ لأنّ أدوات الاستفهام لا يصح عملُ الفعل بعدَها فيما قبلها, فلا يُفَسَّر عاملًا فيه.
والسابع: كم الخبرية نحو: زيدٌ كمْ مرةٍ لقيتَه؟ , وفيها ما في الاستفهامية.
والثامن: أداةُ التحضيض أو العَرْض نحو: زيدٌ هلّا أكرمتَه, وعمرو ألَا ضربتَه, وما أشبه ذلك؛ وإنّما لزِمَ الرفعُ للمعنى الذي في الاستفهام, والشرط.
والتاسع: أداةُ الاستثناء نحو: ما زيدٌ إلّا يضرِبُه عمروٌ, فلا يكون في زيدٍ إلّا الرفع, لأنّ إلّا لا يعملُ ما بعدَها فيما قبلها.
والعاشر: المعلّق إذا وقع الفصل به, نحو: ما, ولام الابتداء, والقسم, فتقول: زيدٌ ما ضربَهُ عمروٌ, وزيدٌ ليكرمُهُ عمروٌ, وزيدٌ لَيُكْرِمَنَّهُ أخوك.
стр. 1368
فليس في زيدٍ في هذه المثُل إلّا الرفعُ؛ إذ لا يعمل ما بعد هذه/ الأدوات فيما قبلها, فلا يُفَسّرُ عاملًا. والحاصل أنّ كلّ ما يمنع أنْ يعملَ ما بعده فيما قبله إذا فَصَلَ بين الفعل والاسم السابق لم يكن في الاسم السابق معها إلّا الرفعُ بالابتداء.
واختِيرَ نصْبٌ قبلَ فعلٍ ذي طَلَبْ ... وبعدما إيلاؤه الفعلَ غَلَبْ
وبعد عاطفٍ بلا فصلٍ على ... معمولِ فعلٍ مستقرٌّ أوَّلا
هذا هو القسم الثالث: وهو الذي يُخْتارُ فيه نصب الاسم اليابق وعيّن له بثلاثة مواضع:
أحدهما: أنْ يكونَ الفعلُ المفسِّر طلبيًا, وهو قوله: ((قبلَ فعلٍ ذي طلب)) يعني أنْ يكون الاسمُ قبلَ فعل فيه طلبٌ أو معه ما يقتضي الطلب؛ إذ لم يقيّد الطلبَ بكونه بأداة أو بغير أداة, ولا هل هو أمر, أو نهي, أو غير ذلك, فاشتمل من حيث الإطلاق على جملة ذلك. والطلبُ أيضًا يكون أمرًا, ونهيًا, ويكون دعاءً, وجميع ذلك يُختارُ معه النصب كما قال, ومثال ذلك: زيدًا اضرِبْه, وعمرًا امرُرْ به, وخالدًا أضربْ أباه, وزيدًا اشتر له ثوبًا, وكذلك مع أمّا, نحو: أمّا زيدًا فاضربه, وأمّا عمرًا فامرر به, ومن ذلك الطلب المستفاد من الأدوات الداخلةِ على الفعل, نحو: زيدًا لتضْرِبْهُ , وعمرًا لتُكرِمْ أباه, وبكرًا لا تضربْهُ, وزيدًا ليَضْرِبْهُ عمروٌ, وخالدًا لا يقتلْ أخاه زيدٌ, فكلّ هذا الوجه فيه النّصب, ويجوز الرفع, ولكنّه مرجوحٌ, فتقول: زيدٌ أضربه, وعمروٌ امرر به وخالدٌ أضرب أباه, وكذلك سائر المسائل. وممّا يدخل في هذا النمط الدعاء كقولك: زيدًا غفر الله له, وزيدًا أكرمَهُ الله, واللهم زيدًا فاغفر له, وزيدًا فأصلِح شأنه, وعمرًا ليجزِه اللهُ خيرًا,
стр. 1369
وأنشد سيبويه لأبي الأسود الدؤلي:
أميرانِ كانا آخَيَاني كلاهما ... فكُلّا جزاه اللهُ عني بما فَعَلْ
فهذا يُختارُ فيه النصب أيضًا. ويجوز الرفعُ, فتقول: زيدٌ أكرمَه الله, وزيدٌ غفر اللهُ له واللهُمّ زيدٌ فاغفر له, وما أشبهه. وإنما اختير النصبُ هنا؛ لأنّ الطلبَ إنّما يكونُ بالفعل فهو يطلبه فكان الأولى حمْلَ الكلام عليه, وتركَ الحمل على الابتداء.
والثاني من مواضع اختيار النصب أنْ يقعَ الاسمُ السابقُ بعد أداةٍ يغلب ولايتها للفعل وذلك قوله: ((وبعدما إيلاؤه الفعل غَلضب)) فقوله (وبعدَ) معطوفة على (قبْلَ) والتقدير: اختير نَصْبٌ بعد ما إيلاؤه الفعلَ غَلَبَ, وما واقعةٌ على الأداة, والإيلاء مصدر أوليته كذا: إذا جعلته يليه, كأنّه قال: وبَعْدَ الأداة التي غَلَبَ عليها أن يَليهَا الفعلُ, فمن ذلك همزة الاستفهام, ونحو: أزيدًا ضربته؛ النصب أولى لأنّ الاستفهام يطلب بالفعل, ويجوز الرفع فتقول: أزيدٌ ضربتَه. وإنّما خالفتِ الهمزةُ ساءر أدوات الاستفهام لأنها أمّ الباب, فوقع التّصرف فيها بخلاف غيرها, فجاز فيها ما لم يجز في غيرها, ونظيرها (إنْ) من بين سائر أدوات الشرط. ومن النّصب بها قولُ جرير أنشده سيبويه:
أثعلبةَ الفوارسِ أم رياحًا ... عَدَلْتَ بهم طُهَيّةَ والخِشَابا
стр. 1370
/ ومن ذلك ما, من حروف النفي شبّهوهما بحروف الاستفهام في أنّ الكلامَ معهما غير واجب, فاختير معهما النصب, نحو: ما زيدًا ضربتَه, ولا عمرًا كلّمتَه, وأنشد سيبويه لهُدبة بن خَشرم:
فلا ذا جلالٍ هِبْنَهُ لجلَا لِهِ ... ولا ذا ضَيَاعٍ هُنَّ يَتْرُكْنَ للفَقرِ
وأنشدَ أيضًا لزُهير بن أبي سلمى:
لا الدّارَ غيّرَها بَعدِي الأنيسُ ولا ... بالدار لو كلّمت ذا حاجةٍ صَمَمُ
وقال جرير:
فلا حَسَبًا فَخَرْتَ به لِتَيمٍ ... ولا جَدَّا إذا ازدحم الجُدودُ
وإنّما مَثّلتُ هنا بما ولا اتِّباعًا لرأيه فيهما, إذ جعلهما في التسهيل وشرحه ممّا يُختارُ معه النصب, وهو مذهبٌ لبعض النحويين. وبعضُهم جعل الوجهين
следующие страницы →