Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
وللكلام هنا مجالٌ أوسع من هذا, والمقصود إنّما هو التنبيه على أنّ سيبويه غيرُ صريح في مخالفة الجماعة, وإنْ كان له ظهورٌ فيها, والناس في يختلفون؛ فلأجل هذا الخلاف قال الناظم: ((فالرفع التزمه أبدًا)) فأكّدّ, وقرّر أنّه غير مرتضٍ لذلك الظاهر؛ وذلك لبُعْدِه عن كلام العرب, وبُعد تأويله, ولكنّ الذي تحصل من الجميع/ أنّ ما أكّدهُ الناظم من الحكم صحيحٌ عند الجميع غير ظاهر سيبوي.
والثاني من موضعي وجوب الرفع: أنْ يفصلَ بين الاسم السابق والفعل المشغول عنه ما يمنع من عمله فيه لو لم يشتغل عنه, وذلك قوله: ((كذا إذا الفعل تلا ما لن يرد)) إلى آخره يعني: أنّه يجب رفعُ السابق أيضًا إذا وقع الفعلُ بعد أداةٍ لا يكون ما قبلها معمولَ ما بعدَها, فقوله: ((كذا إذا الفعل تلا)) أي تبع, وما واقعة على الأداة الفاصلة بين السابق والفعل, وهي موصولة صلتها لن يرد إلى آخره, وما الثانية فاعلةٌ بيَردِ, وقبلَه صلتها, وما الثالثة مضافٌ إليها معمول, وهي واقعة على الفعل المشغول وما حلّ محلّه وصلتها (وُجِد) , و (بعد) متعلّق بوُجِد, والتقدير: كذا إذا تلا الفعلُ المشغولُ حرفًا لن يرِد الاسمُ الذي قبله معمولًا للفعل الذي وُجدَ بعده. ولهذا الموضع أمثلة كثيرة نكتفي منها بعشرة: أحدها: أن يَفْصِل بين الفعل والاسم السابق ما التعجبيّة, نحو: زيدٌ ما أحْسَنَهُ, فإنّ (ما) هنا لها صَدْرُ الكلام, فلو فُرِضَ جواُ تقدّم معمول الفعل عليه لمنعته ما.
والثاني: أن يفصل اسمٌ موصول, نحو: زيد الذي ضربتُه, فلا يجوز نصبُ زيد؛ لأنّ معمول الصلّة لا يتقدّم على الموصول, وكذلك زيد أنا الضارِبُه.
والثال: الحرف الموصول كقولهم: أَذَكرٌ أنْ تَلِدَهُ ناقتُك أحبّ إليك أم أنثى؟ فَذَكرٌ يجب رفعُه؛ لأنّ المشغول عنه في صلة أنْ, ولا يتقدّم معمولُ
стр. 1367
الصلة على الموصول.
والرابع: أنْ يكون الفاصلُ اسمًا مضافًا إلى الفعلِ, نحو: زيد حين ألقاه يُسَرُّ, فلا يصحّ أنْ يعمل ألقاه في زيد؛ لأنّه يصير كالجزء من الجملة المضاف إليها الظرف, وجزء من المضاف إليه لا يَتَقدّمُ على المضاف, فلا يفسّر مقدّرًا قبل المضاف, إذ لا يفسّر إلّا ما يصحُّ أنْ يعملَ. ويجري مجْرى هذا سائر الظروف إذا أضيفت إلى الجملة, كما أنّه يجري مجرى أنْ ما كان نَحْوَها, ومجرى الذي ما كان نَحْوَها.
والخامس: أنْ يقع الفصل بأداة شرطٍ, نحو: زيدٌ إنْ تضرِبْهُ يضرِبْكَ, وزيدٌ متى تكرِمْهُ يكرِمكَ, فلا يجوز نصبُ زيد, لأنّه لا يصح عمل الفعل فيه لمكان أداة الشرط؛ إذ لها صَدْرُ الكلام.
والسادس: أدوات الاستفهام, نحو: زيدٌ هل رأيْتَه؟ وعمروٌ متى لقيتَه؟ وبكرٌ كمْ مرةً لقيتَه؟ وما أشبه ذلك, فلا يجوز النصب هنا؛ لأنّ أدوات الاستفهام لا يصح عملُ الفعل بعدَها فيما قبلها, فلا يُفَسَّر عاملًا فيه.
والسابع: كم الخبرية نحو: زيدٌ كمْ مرةٍ لقيتَه؟ , وفيها ما في الاستفهامية.
والثامن: أداةُ التحضيض أو العَرْض نحو: زيدٌ هلّا أكرمتَه, وعمرو ألَا ضربتَه, وما أشبه ذلك؛ وإنّما لزِمَ الرفعُ للمعنى الذي في الاستفهام, والشرط.
والتاسع: أداةُ الاستثناء نحو: ما زيدٌ إلّا يضرِبُه عمروٌ, فلا يكون في زيدٍ إلّا الرفع, لأنّ إلّا لا يعملُ ما بعدَها فيما قبلها.
والعاشر: المعلّق إذا وقع الفصل به, نحو: ما, ولام الابتداء, والقسم, فتقول: زيدٌ ما ضربَهُ عمروٌ, وزيدٌ ليكرمُهُ عمروٌ, وزيدٌ لَيُكْرِمَنَّهُ أخوك.
стр. 1368
فليس في زيدٍ في هذه المثُل إلّا الرفعُ؛ إذ لا يعمل ما بعد هذه/ الأدوات فيما قبلها, فلا يُفَسّرُ عاملًا. والحاصل أنّ كلّ ما يمنع أنْ يعملَ ما بعده فيما قبله إذا فَصَلَ بين الفعل والاسم السابق لم يكن في الاسم السابق معها إلّا الرفعُ بالابتداء.
واختِيرَ نصْبٌ قبلَ فعلٍ ذي طَلَبْ ... وبعدما إيلاؤه الفعلَ غَلَبْ
وبعد عاطفٍ بلا فصلٍ على ... معمولِ فعلٍ مستقرٌّ أوَّلا
هذا هو القسم الثالث: وهو الذي يُخْتارُ فيه نصب الاسم اليابق وعيّن له بثلاثة مواضع:
أحدهما: أنْ يكونَ الفعلُ المفسِّر طلبيًا, وهو قوله: ((قبلَ فعلٍ ذي طلب)) يعني أنْ يكون الاسمُ قبلَ فعل فيه طلبٌ أو معه ما يقتضي الطلب؛ إذ لم يقيّد الطلبَ بكونه بأداة أو بغير أداة, ولا هل هو أمر, أو نهي, أو غير ذلك, فاشتمل من حيث الإطلاق على جملة ذلك. والطلبُ أيضًا يكون أمرًا, ونهيًا, ويكون دعاءً, وجميع ذلك يُختارُ معه النصب كما قال, ومثال ذلك: زيدًا اضرِبْه, وعمرًا امرُرْ به, وخالدًا أضربْ أباه, وزيدًا اشتر له ثوبًا, وكذلك مع أمّا, نحو: أمّا زيدًا فاضربه, وأمّا عمرًا فامرر به, ومن ذلك الطلب المستفاد من الأدوات الداخلةِ على الفعل, نحو: زيدًا لتضْرِبْهُ , وعمرًا لتُكرِمْ أباه, وبكرًا لا تضربْهُ, وزيدًا ليَضْرِبْهُ عمروٌ, وخالدًا لا يقتلْ أخاه زيدٌ, فكلّ هذا الوجه فيه النّصب, ويجوز الرفع, ولكنّه مرجوحٌ, فتقول: زيدٌ أضربه, وعمروٌ امرر به وخالدٌ أضرب أباه, وكذلك سائر المسائل. وممّا يدخل في هذا النمط الدعاء كقولك: زيدًا غفر الله له, وزيدًا أكرمَهُ الله, واللهم زيدًا فاغفر له, وزيدًا فأصلِح شأنه, وعمرًا ليجزِه اللهُ خيرًا,
стр. 1369
وأنشد سيبويه لأبي الأسود الدؤلي:
أميرانِ كانا آخَيَاني كلاهما ... فكُلّا جزاه اللهُ عني بما فَعَلْ
فهذا يُختارُ فيه النصب أيضًا. ويجوز الرفعُ, فتقول: زيدٌ أكرمَه الله, وزيدٌ غفر اللهُ له واللهُمّ زيدٌ فاغفر له, وما أشبهه. وإنما اختير النصبُ هنا؛ لأنّ الطلبَ إنّما يكونُ بالفعل فهو يطلبه فكان الأولى حمْلَ الكلام عليه, وتركَ الحمل على الابتداء.
والثاني من مواضع اختيار النصب أنْ يقعَ الاسمُ السابقُ بعد أداةٍ يغلب ولايتها للفعل وذلك قوله: ((وبعدما إيلاؤه الفعل غَلضب)) فقوله (وبعدَ) معطوفة على (قبْلَ) والتقدير: اختير نَصْبٌ بعد ما إيلاؤه الفعلَ غَلَبَ, وما واقعةٌ على الأداة, والإيلاء مصدر أوليته كذا: إذا جعلته يليه, كأنّه قال: وبَعْدَ الأداة التي غَلَبَ عليها أن يَليهَا الفعلُ, فمن ذلك همزة الاستفهام, ونحو: أزيدًا ضربته؛ النصب أولى لأنّ الاستفهام يطلب بالفعل, ويجوز الرفع فتقول: أزيدٌ ضربتَه. وإنّما خالفتِ الهمزةُ ساءر أدوات الاستفهام لأنها أمّ الباب, فوقع التّصرف فيها بخلاف غيرها, فجاز فيها ما لم يجز في غيرها, ونظيرها (إنْ) من بين سائر أدوات الشرط. ومن النّصب بها قولُ جرير أنشده سيبويه:
أثعلبةَ الفوارسِ أم رياحًا ... عَدَلْتَ بهم طُهَيّةَ والخِشَابا
стр. 1370
/ ومن ذلك ما, من حروف النفي شبّهوهما بحروف الاستفهام في أنّ الكلامَ معهما غير واجب, فاختير معهما النصب, نحو: ما زيدًا ضربتَه, ولا عمرًا كلّمتَه, وأنشد سيبويه لهُدبة بن خَشرم:
فلا ذا جلالٍ هِبْنَهُ لجلَا لِهِ ... ولا ذا ضَيَاعٍ هُنَّ يَتْرُكْنَ للفَقرِ
وأنشدَ أيضًا لزُهير بن أبي سلمى:
لا الدّارَ غيّرَها بَعدِي الأنيسُ ولا ... بالدار لو كلّمت ذا حاجةٍ صَمَمُ
وقال جرير:
فلا حَسَبًا فَخَرْتَ به لِتَيمٍ ... ولا جَدَّا إذا ازدحم الجُدودُ
وإنّما مَثّلتُ هنا بما ولا اتِّباعًا لرأيه فيهما, إذ جعلهما في التسهيل وشرحه ممّا يُختارُ معه النصب, وهو مذهبٌ لبعض النحويين. وبعضُهم جعل الوجهين
стр. 1371
متقاربين أو متساويين, وإليه مال ابنُ أبي الربيع, وقال: إنّه الظاهرُ من كلام سيبويه. وكلام سيبويه مُحتَمِلٌ؛ إذ قال: ((وإن شئت رفعت- يعني بعد ما ولا- والرفع فيه أقوى- يعني منه في الاستفهام- لأنّهن نَفْيّ واجبٍ يثبتدا بعدهن, ويبنى على المبتدأ بعدهن, ولم يبلغن أنْ يَكُنَّ مثلَ ما شُبِّهْنَ به)). فهذا الكلام محتملٌ لأن يكون موافقًا لرأي المؤلف؛ إذ لا يلزم من كون الرفع أقوى هنا منه مع الاستفهام أنْ يكون مساويًا للنصب, كما يَحْتَمِل ما قال ابنُ أبي ربيع. وما ذهب إليه في شرح التسهيل قد يظهر منه هنا؛ إذ لو كان رأيُه هنا مخالفًا لنبّه عليه في القسم الرابع, ولم يفعل, فليس عنده منه, ولا من الخامس الذي يرجح به الرفع؛ لأنّه لا قائل به فما أعلم إلّا ابنُ الطراوة تأويلًا على سيبويه أنّه يريد: والرفع أقوى من النصب, ثم رجع عن ذلك آخرًا, فبعيدٌ أنْ يذهب إليه الناظم هنا, فلم يبقَ إلّا أنّه من هذا القسم عنده. وبمنزلة ما ولا في هذا الحكم إنِ النافية, نحو: إنْ زيدًا ضربتَه, وإنْ زيدٌ ضربته.
واعلم أنّي إنّما أمثّل هذه الأمور التي لم يُعيّن التمثيل بها جريًا على ما أعرفه من مذهبه في غير هذا النظم, أو على رأي البصريين الراجع هو إليهم في أكثر مسائل الرفع الواجب. فإن الخلاف فيها موجود, ولم أذكره حينَ لم يظهر من الناظم إشارة إليه, ألا ترى إلى قوله: ((وإن تلا السابقُ ما بالابتداء يختص)) إلى
стр. 1372
آخر الفصل لم يعيّن فيه شيئًا بل أحال على ما ثبتَ له ذلك الحكم من الأدوات, فذلك الحكم قد يكون ثابتًا باتفاقٍ, وقد يكون ثابتًا باختلاف, كالفصل بأنِ المصدرية, وما النافية فإنّ الكوفيين لا يوجبون الرفع في الاسم السابق, وكذلك غيرهما من المسائل المختلف فيها؛ فلذلك وقع التمثيل فيها, وفي سائر ما تقدّم على رأي أهل البصرة.
والثالث من مواضع اختيار النصب: أنْ يُعْطَف الاسمُ السابقُ على اسم عَمِلَ فيه فعلٌ متقدّم, وذلك قوله: ((وبعد عاطفٍ بلا فصلٍ على معمولِ فِعْلِ)) إلى آخره, يعني أنّ النصب اختير أيضًا في الاسم السابق على جملة الاشتغال إذا كان معطوفًا على معمول لفعل هو سابقٌ في الجملة الأولى, ومثال ذلك: ضربتُ زيدًا, وعمرًا أكرمتُه, وأكرمت أخاك وزيدًا ضربتُ أباه, ورأيتُ زيدًا/ وعمرًا مررتُ به, فمعمول الفعل هو زيد والأخ والعامل فيهما هو الفعل المستقّر أولًا في الجملة الأولى, وتحرّز بقوله: ((مستقر أوّلا)) من الجملة التي هي اسميةٌ الصدر فعليّة العَجُز, نحو: زيدٌ ضربته وعمرًا كلّمته, فإنّ الفعل في الجملة الأولى ليس مستقرّا أوّلًا, ولها حكمٌ آخرُ سيذكره, وكذلك يدخل له في قوله: ((معمول فعل)) المعمول المرفوع كما يدخل المنصوب, نحو: جاء زيدٌ وعمرًا كلّمته, وذهب أخوك وعمرًا مررتُ به, وما أشبه ذلك فكل هذا يُختارُ في النصبُ في الاسم السابق على جملة الاشتغال, ووجهُ ذلك طَلَبُ المشاكلة بين الجملتين؛ لأنّه إذا انتصب السابقُ أو ارتقع بالفعل صارت الجملةُ فعليّة, فشاكلت الجملة الأولى, وهي فعليّة, فحَصَلُ عطفُ جملةٍ فعليّة على جملة فعليّة, ولو ارتفع الاسم على الابتداء لكان من عَطْفِ جملةٍ اسميّة على جملة فعليّة فانتفت المشاكلة, وهي مختارة في كلام العرب, فكان النصبُ مختارًا, ويجوز الرفع, وإنْ كان مرجوحًا, فتقول: جاء زيدٌ وعمروٌ كلّمتُه, ورأيتُ زيدًا وعمروٌ ضربتُه. وممّا
стр. 1373
جاء في السماع من النصب قول الله تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمينَ أعَدَّ لهم عذابًا أليمًا﴾ , وقوله تعالى: ﴿وعادًا وثمود وأصحابَ الرّسِ وقُرونًا بين ذلك كثيرًا, وكلًّا ضَربْنَا له الأمْثال﴾ , وقال تعالى: ﴿فَريقًا هَدَى وفَريقًا حقَّ عليهم الضَّلَالَةُ﴾ وهو كثير, ومنه في الشعر قول الربيع:
أصبحتُ لا أحملُ السلاحَ ولا ... أملِكُ رأسَ البعيرِ إنْ نَفَرا
والذئبَ أخشاه إنْ مررتُ به ... وحْدي وأخشى الرياحَ والمطَرا
وهذا الحكم غيرُ مُختّص بالواو وحدَها, بل يجري في غيرها من حروف العطف, ولذلك لم يقيّد عاطفًا بالذكر دونَ عاطف بل قال: ((وبعد عاطفٍ)) , فتقول: رأيتُ زيدًا ثمَّ عمرًا مررتُ به, ورأيتُ زيدًا أو عمرًا أكرمتُ أخاه, وكذلك ما جرى منها عاطفًا في بعض الأحوال, نحو: لقيتُ القومَ حتى زيدًا لقيتُه, وما رايتُ زيدًا لكنْ عمرًا رأيتُ أباه, وما أكرمتُ عمرًا بل بشرًا أكرمتُه, كلُّ هذا حكمُه حكمث الواو, وتحرّزَ بقوله: ((بلا فصل)) ممّا إذا فَصَل بين العاطف والمعطوف ما يصيّره في حكم نفسه, وذلك أمّا عمروٌ فلم أره, وجاءني زيدٌ وأمّا عبدالله فأكرمتُه, ولا يُختارُ النصب ههنا بل يكونُ حكمه في لنصب كحكمِه لو لم يُعطف على شيء, فتقول: رأيت زيدًا
стр. 1374
وأما عمرًا فلم أره, على حجّ ما تقول: عمرًا لم أره, هذا ما لم يَعرِضُ له ما يوجبُ اختيارَ غيرِ ذلك, فيكون له حكمه, فالمقصود أنّ المشاكلة في العطف غيرُ معتبره مع أمّا. وفي حكم أمّا (إذا) التي للمفاجأة إذا قلتَ: رأيتُ عبدَالله وإذا زيدٌ يضربهُ عمرو, ومررتُ بزيدٍ وإذا عمروٌ يكرمُه بكر, وما أشبه ذلك, فإذا من أدوات الابتداء, وهي تقطع/ ما بعدها عمّا قبلها, فلا تُطْلبُ المشاكلة بينهما كأمّا, ولكن يبقى النظر في حكم الاسم السابق بعدَها, وقد تقدّم. وكذلك (إنّما) نصّ بعضهم أنّها في حكم الفصل كأما.
وفي كلام الناظم هنا نظرٌ من وجهين: أحدُهما: أنّ الناس يُعبّرونَ عن هذا بأنْ تكون جملةُ الاشتغال معطوفةٌ على جملة فعليّة؛ وذلك لأنّ المسألةَ من باب عظف الجمل لا من باب عطف المفردات, والناظم عكس الأمر فجعلها من باب عطف المفردات, ألا ترى أنّه قال: ((وبَعد عاطفٍ بلا فصل عل معمول فعل)) فجعل المعطوف عليه هو معمولَ الفعل, والمعطوف لم يذكره ولكنّه مفهوم من قوّة كلامه أنّه الاسم السابق؛ إذ لا يصح أن يكون الجملة حسب ما يأتي في بابه إن شاء الله, فبَقِيَ ظاهرُ الكلام على أنّه من عَطْفِ المفردات, وذلك غيرُ صحيح؛ لأنّ ما بعد العاطف راجعٌ على حكم فعله المقدّر إن كان منصوبًا أو إلى حكم الابتداء إن كان مرفوعًا, وليس راجعًا إلى حكم الفعل الأول باتفاقٍ, فثيت أنّ العطفَ هنا عطفُ الجمل لا عطف المفردات.
فإن قيل: إنّه أتى بعبارةٍ مجازيّةٍ لمّا كان الثاني منصوبًا كالأول فاعتبر صورةَ اللفظ, وإن كان الأمرُ في الحقيق بخلاف ذلك.
فالجواب: أنّ هذا قد كان يمشي عُذرًا على ضَعْفِه لو كان ما قبل العاطف يلزمه النصبُ في فرض المسألة, أو كان ما بعده يلزمه النصبُ أيضًا, فكيف
стр. 1375
وأنت تقول: قام زيدٌ وعمرًا أكرمتُه, فيختار النصب كما يختار في قولك: ضربتُ زيدًا وعمرًا أكرمتُه, وكذلك تقول: رأبتُ زيدًا وعمروٌ جاءني, قتحملُه على الفعل في الوجه المختار, وخصوصًا على طريقته في: زيدٌ قام, وأيضًا فإنَّ قوله: ((مستقر أوّلًا, إمّا أنْ يكونَ نَعْتًا لفعلٍ, وعليه شرْحُ كلامه, وإمّا أنْ يكون نعتًا لمعمول, فيدخل تحته: زيدًا ضربتُ وعمرًا كلمته, ونحو ذلك. وعلى كلا التقديرين فالكلامُ قاصرٌ, أمّا على الأول فيخرج عنه: زيدًا ضربتُ وعمرًا كلمته, ونحوه, وأمّا على الثاني فيخرج عنه: ضربتُ زيدًا وعمرًا كلمتُه, ونحو ذلك, والحكم في الضّرينِ واحدٌ في اختيار النصب. فهذه عبارةٌ مشكِلةٌ, فلو قال مثلًا عوضَ ذلك:
وبعد عاطفٍ بلا فصلٍ على ... جملةِ فعلٍ استقلتْ أوّلًا
أو ما يعطي هذا المعنى لاستقام الكلامُ, وكان كعبارته في التسهيل: ((أوولي كذا وكذا أو عاطفًا على جملة فعليةٍ تحقيقًا أوو تشبيهًا)).
والثاني: أنّه ذكر لاختيار النصب ثلاثة مواضع, فاقتضى أنْ ليس ثمّ موضع آخر يُختار فيه النصب, وليس كذلك فإنّه قد ذكر في التسهيل زيادة على ما ذكر هنا ثلاثةَ مواضعٍ:
أحدُها: أنْ يُجاب به استفهامٌ بمفعولِ ما يليه أو بمضاف إليه مفعولُ ما يليع كقولك: زيدًا ضربتُه في جواب منقال: أيّهم ضربتَ؟ , فقولك: زيدّا ضربتُه قد أُجيب به الاستفهام في قولك: أّهم ضربتَ؟ وأيّهم مفعول ضربتَ, وهو الذي يلي زيدًا في قولك: زيدًا ضربتُه, وهو المستفهم به. وقد نصّ سيبويه على هذا الموضع, وكذلك المضاف إلى المستفهم به في قولك: ثوبَ زيدٍ لبسته,
стр. 1376
جوابًا لمن قال: ثوبَ أيّهم لبستَ./
والثاني: أنْ يلي الاسم السابق (حيثُ) من ظروف المكان نحو قولك: حيث زيدًا يكرمُك, فزيدٌ ههنا يُختارُ نصبه, قال سيبويه: ((وممّا يُقبح بعده ابتداءُ الأسماء, ويكون الفعلُ بعده إذا أوقعتَ الفعلَ على شيء من سببه نصبًا في القياس إذا وحيثُ تقول: ((إذا عبدُالله تلقاه فأكرِمْه, وحيثُ زيدًا تجدُه فأكرِمه)) ثم قال: ((والرفع بعدهما جائزٌ لأنك قد تبتدئ الأسماء بعدها فتقول: اجلس حيثُ عبدالله جالس)) فذكر سيبويه حيث كما ترى, وزاد معها إذا, ولم يزده ابنُ مالك لِما فيها من النزاع؛ إذ قد خولف سيبويه في جعل (إذا) من مرجحات النصب؛ إذ هي مثل (إنْ) غيرَ أنْ لا عمل لها.
وأيضًا فإنّ ذلك الكلام مختلفٌ فيه هل هو من طُرَر الأخفش المدرجة أم لا؟ فلما كان الأكرُ كذلك اقتصر على ما اتُفق عليه, وهو حيث وترك ما اختلف فيه. والناظم ترك ذلك.
والثالث: أن يكون الرفع موهمًا لزصف مُخلٍّ, قال في الشرح: ((ومن مرجحات النصب أنْ يكون مخلِّصًا من إيهام غير الصواب, والرفعُ بخلاف ذلك, كقوله تعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر﴾ فنَصَبُ (كلّ شيء) رفعٌ لتوهّم كون (خلقناه) صفةً؛ إذ لو كان صفةً لم يفسّر ناصبًا لما قبله. وإذا لم يكن صفةً كان خبرًا فيلزم عمومُ خلق الظاشياء بقَدَر خيرًا كانت أو شرًا. وهذا قول أهل السنة)). قال: ((ولو قُرِئ (كلّ شيء) بالرفع لاحتَملَ أنْ يكونَ
стр. 1377
(خلقناه) صفةٌ محضةً, وأنْ يكونَ خبرًا, فكان النصب لرفعه احتمال غيرِ الصواب أولى)). فهذه مواضع كان من حقّه التنبيه عليها هنا.
فإنْ قيل: لا يلزم من نَصَبَ نفسه لنقل بعض المهمات أنْ ينقَل جميعَها وإلّا لَزِمه أنْ يأتي بجميع مسائل المطولات, والتسهيل على استيفائه لا يفي بهذا الطلب, فإنما أتى ببعض المسائل وترك بعضًا, كما أتى ببعض الفصول, وترك بعضًا. ولم يُعتَب عليه بسبب ذلك. فهذا أولى.
فالجواب: أنّ عدمَ الاستيفاء لا يلزمه في هذا المختصر إلّا إذا كان موقِعًا شُبْهة أو موهمًا غيرَ الصواب, وههنا الأمر كذلك, وذلك أنّ مسائل الاشتغال محصورة في الأقسام الخمسة, وقد قال في آخرها: ((والرفع في غير الذي مرّ رَجَحَ)) فاقتضى أنّ ما سكت عنه يَرْجُحُ فيه الرفع فيها أرجح, وذلك غيرُ صحيح حسب ما ذكره هو وغيره, فالاعتراض عليه لازمٌ وإن اختصر.
والجواب عن الأول: أنّ حقيقةَ المشاكلة هي المطلوبة في هذا الضرب ليعتدل اللّفظ خاصةً, وليس المراد حقيقة التشريك بين الجمل في جميع أحكامها, فممّا يُعتَبَرُ من المشاكلةِ مشاكلةُ المفردات إن كانت, فإنّ: ضربتُ زيدًا وعمرًا لقيتُه أتَمُّ مشاكلةً عندهم من قولك: قام زيدٌ وعمرًا لقيتُه مع أنّ الجميعَ يُختارُ فيه الحَملُ على الفعل. والمشاكلة أيضًا هنا بين المفردات حاصلةٌ من حيث كانا معًا معمولين للفعل وإن اختلفا في الرفع/ والنصب. وقد اعتبر سيبويه مشاكلة المفردات, فقال في باب العطف على الجملة ذات الوجهين: ((هذا بابٌ يُحملُ فيه الاسم على اسمٍ بُنيَ عليه الفعلُ مرةً ويُحملُ مرةً على اسمٍ
стр. 1378
مبنيّ على الفعلِ أيّ ذلك فعلتَ جاز)). فهذه العبارة يظهرُ منها أنّ المسألة من إلّا مشاكلة اللفظين خاصةً, وأمّا العطفُ على حقيقته فلم يرده -أعني عطفَ المفردات- بدليل أنّه بيّن آخر البابِ أنّ المُراعى هو الفعل خاصةً, لكنّه أتى بتلك العبارة حِرْصًا على بيان المراد من طَلَبِ المشاكلة, فكأنّ الناظم -رحمة$ الله- قَصَدَ هذا المعنى, فأطلق عبارة لفظ المفردات ومرادهُ غيرُ ذلك, واتّكل في فهم ذلك على المساق, وعند ذلك لا يلزمُ أنْ يكونَ ذلك في المنصوب خاصّة؛ لأنّ الفعل هو المراعى؛ ولذلك قال: ((على معمول فعل)) ولم يقل: ((على منصوب فعل))؛ وأمّا قوله: ((مستقّر أو لا)) فيحتمل الوجهين المذكورين, والاقتصارُ على أحدِهما مخِلٌّ فيُحملُ على تعميم اللفظ المشترك, وأنّ مرادَه الوجهانِ معًا, ويكون ذلك مجازًا في العبارة وإذ ذاك يدخلُ له نحو: زيدًا ضربتُه وعمرًا كلّمته, فإنّ زيدًا إذا حُملَ على الفعل -وهو المرجوح- كان حَملُ عمرو إذ ذاك على الفعل أول للمشاكلة, وكذلك: أزيدًا ضربتَه, وعمرًا كلّمتَه؟ , ونحو ذلك, لأنّ الجملةَ الأولى فعليّة.
والجواب عن الثاني: أمّا الموضع الأولُ, فالظاهر ورودُه, إلّا أنْ يُقالَ: إنّه في الاستعمال قليلٌ, فلم يعتنِ به اعتناءَه بالمواضع الشهيرة. وأمّا الثاني فإنّ حيثُ وإذا داخلتان له معًا في قوله: ((وبعد ما إيلاؤه الفعلَ غَلَب))؛ لأنّ كلامَ سيبويه يقتضي ذلك فيهما, وقد جَعَلَهُما سيبويه في باب ما يُنْصَبُ في الألف, أمّا حيث فما قال فيه صحيحٌ فإنّك إذا قلت: حيثُ زيدٌ تلقاه يكرمكَ, فالأحسن
стр. 1379
أنْ يلي الفعلُ الظرفَ, فتقول: حيثُ تلقى زيدًا يُكرِمُك, فإنْ قدّمتَ الاسم وشغلت الفعلَ, فالأولى النصب؛ ليكونَ واليًا للفعل في التقدير, ويجوز الرفع - وهو مرجوح؛ لأنّ حيثُ إذا وقع بعدها الفعلُ طلبه ليُضافَ إليه مباشرةً. وإنّما جاز الرفع من حيثُ جاز وقوع المبتدأ والخبر بعده, نحو: حيثُ زيدٌ جالسٌ, وأمّا (إذا) فظاهرُ سيبويه إجراؤها مُجرى حيثُ, وقد خثولف في ذلك فإنّ (إذا) مع الاسم مثل (إنْ) لا يجوزُ فيه إلّا الحملُ على الفعل, قال السيرافي, ويُقوّيه في إذا امتناع: اجلس إذا عبدُالله جالسٌ, بخلاف حيثُ)) وقد احتجّ عن سيبويه بالفرقِ بين إذا وإنْ, وهو العمل وتركه وإنْ اجتمعا في معنى المجازة$ كما أنّ لو فيها معنى المجازاة, ومع ذلك تقول: لو أنّك قائمٌ, فيكون أنّ في موضع مبتدأ, والفعل الذي بعد أنّ يُصحّح لها معنى المجازاة, وعلى الجملة إذا فرضنا أنّ الناظم رأى في إذا هذا الرأيَ فقد دخلت مع حيثُ من حيثُ دخلتْ همزةُ الاستفهام, وما, وغير ذلك. وإنْ كان رأيه في إذا رأي الآخرين- وهو الظاهر منه في باب الإضافة- فلا يكون داخلًا له في كلامه هنا/ ويدخل له حيثُ بلا شكّ فلا اعتراض به.
وأمّا الموضع الثالث فهو ممّا انفرد بإدخاله هنا من أجلِ أنّ جماعةَ القرّاء اختاروا في الآية قراءة النصب, ووجّه لهم ذلك برفع ذلك الإبهام المحذور, لا أنّه كذلك في كلام العرب, وأنّ العربَ تختارُ مثلَ ذلك برفع ذلك الإبهام؛ لأنّ القرآن وكلام العرب قد يأتي على الإبهام وعدم البيان لمقاصدِ معروفةٍ في علم البيان, فلم يستقرّ هذا الذي اعتمده ابنُ مالك مرجّحًا للحَمْلَ على الفعل؛ إذ
стр. 1380
لم يطّرد ذلك في كلّ موهم, أو في أكثر المواضع الموهمة, ولا دلّ على اعتباره دليلٌ عربيٌ, وكلامث سيبويه ظاهرٌ في أنّ النصبَ ليس براجح؛ ولذلك اعتذر بأنّ القراءةَ سُنّةٌ, ولا دليلَ في قول السيرافي على اختيار النصبِ, فانظر فيه. فالحقُ إسقاطُ ذلك, وهو الذي فعل الناظم.
وإن تلا المعطوفُ فعلًا مُخْبرًا ... به عن اسمِ فاعْطِفَنْ مُخَيّرًا
هذا هو القسم الرابعُ: وهو: ما يتساوى فيه الرفعُ والنصبُ, فلا يُختارُ أحدهما على الآخر, وهو إذا عطفتَ جملةَ الاشتغال على جملةٍ اسميّة الصدر فِعليّة العجُز, وهي الجملة ُ ذات وجهين, فيريد أنّ المعطوفَ إذا تلا فعلًا وقعَ خَبَرًا لاسمٍ مبتدأ فأنت في الاسم السابق في جملة الاشتغال مُخيّرٌ, إنْ شئت نصبتَه على إضمار فعل, وإن شئت رفعتَه على الابتداء, وذلك قولك: زيدٌ ضربتُه وعمروٌ كلّمتُه بالرفع إن شئت, وإن شئتَ نصبتَه فقلت: وعمرًا كلّمته, وذلك أنّ الجملة الأولى- وهي المصدّرة بالاسم المخبرِ عنه بفعلٍ- ذات وجهين, فبالنظر إليها جملة واحدة هي اسميّة, وبالنظر إلى بعضها- الذي هو الخبر- برزتْ جملةٌ فعليّةٌ ويسميها في التسهيل اسميّة المصدر فعليّة العجْز, وبعض النحويين يُسمّي الجملة بأسرها الجملة الكبرى, ويسمي الفعل والفاعل منها الجملة الصغرى, فإذا قلتَ: زيدٌ ضربتُه وعمروٌ كلّمتُه, فلك مراعاةُ الجملةِ الكبرى في العطفِ, وهي اسميّةٌ, فيُخْتارُ إذ ذك$ في عمروٍ الابتداء لمشاكلةِ الجملة الكبرى, ويجوز إذ ذاك النصبُ ضعيفًا لعدم المشاكلةِ بذلك الاعتبار, ولك مراعاة الجملة الصغرى, وهي فعليّة, فيُختارُ في عمروٍ النصب لمشاكلة الجملة الصغرى, ويُضْعُفُ إذ ذاك الرفع, فلما كان النصبُ يُختار من وجهٍ,
стр. 1381
والرفعُ يُختارُ من وجهٍ آخرَ ترافعا أحكامَ الاختيار فثبتا على التساوي, فلذلك قال: ((فاعطفن مُخَيّرًا)) إذ ليس لك انْ تُرَجِّحَ الرفعَ على النصبِ, ولا العكس؛ لأنّ كلَّ وجه من الترجيح معارضٌ بضده في الوجه الآخر. ومما جاء في السماع من ذلك قول الله تعالى: ﴿والنَّجْمُ والشّجرُ يَسْجُدَانِ والسَّماءَ رَفَعَها﴾ فنصب السماء باعتبار يسجدان, ولو اعتبر أوّلَ الجملة لجاء ﴿والسماءُ رفعها﴾ وقد قَرَأ كذلك أبو السمّال, وفي القرآن أيضًا: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لمُسْتَقرٍّ لها ذلك تقديرُ العزيزِ العليم/ والقَمَرَ قدرناهُ مَنَازِلَ﴾ قرأ الحَرَميَّانِ وأبو عمرو بالرفع في (القمر) , وباقي السبعة بالنصب, فالرفع على اعتبار ﴿والشمسُ تجري﴾ والنصب على اعتبار ﴿تجري﴾.
ولم يذكر لاستواء الوجهين إلّا موضعًا واحدًا, وزاد غيرُه بعض المواضع, فمن ذلك ما تقدّم في (ما) ولا- من قول ابن خروف, وابن أبي الربيع ودعواهما على سيبويه أنّه ظاهر كلامه, وليس على الناظم به دركٌ حسب ما مرَّ.
ومن ذلك أنّك إذا قلتَ: أزيدًا مررتَ بأخيه؟ فالرفعُ والنصب ههنا مستويان. نصّ عليه ابن كيسان في الحقائق, ومال إليه بعضُ المتأخرين من جهة ضَعفِ نصب السابق مع السببيّ المخفوض؛ إذ كان: زيدًا ضربتُ أخاه أضعفَ من: زيدًا ضربتُه, وزيدًا مررتُ بأخيه أضعفَ من: زيدًا ضربتُ أخاه, فإذا قد
стр. 1382
صار تَعدّي الفعل السببي المخفوض يطلب بالرفع, وهمزة الاستفهام تطلب بالنصب فيترافعان أحكامَ الاختيار فيتساويان, ولهذا وَجهٌ, ولكنَّ ظاهرَ النظم عدمُ اعتبار هذا بالنظر, حيثُ قدّم اختيار النصب مع الهمزة مطلقًا, وأنّ التقاربَ بين: زيدًا ضربتُه, وزيدًا مررتُ بأخيه لا يقوى أنْ يُقابِلَ الاستفهام. والله أعلم. ثم قال:
والرفعُ في غيرِ الذي مرّ رَجَحْ ... فما أُبيحَ افعل ودَعْ ما لم يُبحْ
هذا هو القسم الخامس وهو: ما الرفعُ فيه المُختارُ. ولم يقيّده بموضع غيرَ أنّه قال: ((في غير الذي مرّ)) يعني أنّ ما عذا ما تقدّم من الأقسام يُختارُ فيه الرفعُ, يعني على الابتداء, نحو: زيدٌ ضربتُه, فالمختار رفعُ زيدٍ على الابتداء, لأنّ الفعلَ قد شُغِلَ بضميره فلا حاجة إلى إضمار ما لا يُحتاجُ إلىه. قال سيبويه: ((وإنّما حَسُنَ أنْ يُبْنى الفعلُ على الاسم حيثُ كان مُعملًا في المضمر وشغلتَه به, ولولا ذلك لم يُحْسن)) يعني: ولولا شَغلُكَ إيّاه بالمضمر لم يحسُن رفعُ زيدٍ؛ لأنّ قولَك: زيدٌ ضربتُ مرجوحٌ؛ إذ لم تشغل الفعل بشيء قال: ((وإن شئتَ قلتَ: زيدًا ضربتُه)) يعني على غير الأحسن, وعلى الجملة فكلُّ ما خرج عن تلك الأقسام داخل في هذا القسم.
ثم قال: ((فما أبيحَ أفعل ودَعْ ما لم يُبَحْ)) فظهر من هذا الكلام أنّه زائدٌ بغير فائدة؛ لأنه تقدّم له ما يباح فأباحه, وما لا يُباحُ فمنعه, فتقرّر هذا المعنى مع تكررٍ يأباه نظمُه المبنيُّ على عدم الحشو؛ إذ كان فيه يجتزئُ بأدنى إشارة,
стр. 1383
وبالمفهوم, وبالإحالةِ على المثال في فهم القواعد, والموانع, والشروط والشُّحّ بالعبارة حتر يرتكبَ كثيرًا من الحذف الاضطراريّ كما مرّ, ويأتي, فكيف يأتي بشطْرٍ لا معنى له. والعذرُ له: أنّه يَحْتَمِلُ وجهين:
أحدهما: أنّ ما أجيز في هذا القسم وما قبله فجائزٌ التكلّم به, والقياس فيه, وإنْ كان قليلًا, فزيدٌ ضربتُه الوجه فيه الرفع, والنصب مرجوح, ولكنّه مقيسٌ. وكذلك: أزيدٌ ضربتُه الفرع فيه قياس, وإن كان ضعيفًا بالنسبة إلة النصب. ونبّه على ذلك وما في معناه؛ لئلا يُتَوهَّمَ أنّ المختار هو المقيس من تلك الأقسام دون ما ليس بمختار, وأنّ المرجوحَ موقوفٌ على السماع, فرفع/ التوهّمَ بهذا الكلام, وبيّنَ أنَّ ما أُجيز في الاقسام فجائزٌ, وإن كان على قلّةٍو وما مُنِع فهو الممنوع.
والثاني: أنْ يكون قصدُه التنبيهَ على ما تقدّم له في حيثُما؛ إذ كان مثلُه لا يجوز في الكلام, وتقدّم أنّه إنّما قَصَدَ بذكره, وذكرَ ما كان من بابه أنْ يجريَ في الشعر موقوفًا عليه كما تجري إنْ في الكلام, وتَرَكَ بيانَ مواضعِ استعمال ذلك فاستدركه هنا, وذكر أنَّ ما تقدّم من هذه الأقسام إنّما يُقاسُ حيثُ قاسته العربُ, وما لم تقسه فلا يقاس, بل يَخْتصَّ بمحلّه من الشعر إن وُجِد مثلُه أو شاء في القياس الشعريّ وَجُهه. والله أعلم.
ها هنا كلمت له الأقسام المتصورة في باب الاشتغال, ثم أخذ في بيان مسائل تتعلّق بتلك الأقسام, وتجري على حكمها فقال:
وفَصْلُ مَشْغُولٍ بحَرْفِ جَرٍّ ... أو بإضافةٍ كوَصْلٍ يَجْرِي
стр. 1384
يعني أنّ فصلَ المشغول عن العمل في الاسم السابق بالجار والمجرور أو بالاسم ذي الإضافة جارٍ في الحكم المذكور مَجْرَى الفعل الذي لم يُفْصَل بينه وبين غيره بشيء, فالفصل بهذين لا اثَر له في تغيير الحكم, بخلاف الفصل بغيرهما فإنّ له أثرًا, إمّا في منع التفسير, أو في غير ذلك. هذا معناه على الجملة. وأمّا في التفصيل فإنّ الفصلَ بين الفعل المشغول وغيره يُتَصَوّرُ على وجهين:
أحدهما: أنّ يريدَ فصلَ الفعل من الاسم السابق, وأشار إليه أحد الأمرين, وهو حرف الجر, فهو الذي يسوغ أن يُفْصَل به بينهما, ويكونَ ذلك الفصل جائزًا, وأمّا المضاف إليه فلا يُتَصوّر الفصل به بين الفعل والاسم السابق, وإلّا أنْ تجعلَ عِوَض زيد في: زيدًا ضربتُه عبدَالله أو أبا فلان, فتقول: عبدَاللهِ ضربتُه, وعند ذلك تكون قد فصلت بإضافة , ومثل ذلك لا يُتحرّز منْه, لانّ المضافَ والمضاف إليه, هنا هو الاسم كلّه, كالموصول وصلته, فتعيّنَ أنَّ الفصلَ بالإضافة هنا غيرُ مراد. وتعيّنَ له الجار والمجرور, وهو حرف الجر الذي ذكر, إذ عادته انْ يُطلقَ حرفَ الجر ويريد المجرور معه, ومثال ذلك الفصل: أزيدًا في الدار أكرمتَه, وأزيدًا إلى الدار جئتَ به, وما أشبه ذلك. فالفصل بهذا غيرُ معتدّ به ولا مُغيّر للحكم المذكور قبلَ هذا, ونظيرُه الظرف, كقولك أزيدًا عندَك أنزلتَه, وأزيدًا أمامَك أقعدتَه, وأزيدًا يوم الجمعة ضربتَه, وما أشبه ذلك. ولم يذكره الناظم علمًا بأنّ حكمًه معلومٌ من حكم المجرور؛ إذ هما في هذه الأشياء بمنزلة واحدة. وإنّما سُوّغ الفصلُ بهما, ولم يمنعا من نصب الاسم السابق؛ لأنّ العربَ تَتَّسِعُ في الظروف والمجرورات بالتقديم والتأخير ما لا تتَّسعُ في
стр. 1385
غيرها, فالفصل بها كلا فصلٍ, فلو وقع الفصل بغيرها لم ينتصب الاسمُ السابقُ, وإن تقدمه ما يطلب بالفعل, فإذا قلت: ازيدٌ انت تضربُه فزيدٌ لا يُختارُ فيه النصب كما اختير في: ازيدًا تضربه؛ لوقوع الفصل بين الفعل المفسّر وبين الاسم السابق. بل لا يجوز في زيدٍ النصب من باب الاشتغال, لأنّ الفعل / الذي/ يُقدّر ليس له ما يُفسّرهُ, ولا يصح أنْ يفسّره الفعلُ المشغول؛ إذ لا يَصِحُ عمله في الاسم السابق, ومن قاعدتهم ألّا يُفسّرَ إلّا ما يصح أنْ يعملَ, والفعل هنا لا يعمل في الاسم السابق؛ لاجلِ الفصل.
فإن قيل: فأنت تقول: أزيدٌ أنت ضاربُه, فيجوز النصب, ويختار كما يختار إذ لم تَفْصِل, أو إذا فصلتَ بالمجرور, فلم لا تختاره في الفعل والفاصل فيهما واحد؟
فالجواب: أنّ جميعَ الصفات لا بُدّ من بنائها على مبتدأ في هذا الباب فسّرت عاملًا, أو عملت بنفسها, لأنّها لا تقوم بنفسها, ألّا ترى أنّك لا تقول: أزيدًا ضاربُه حتى تقول انا أو أنت بخلاف الفعل, فإنّه مستقلّ غير مُحتاجٍ لغيره, فتقول: أزيدًا تضربه؟ والدليلُ على ذلك جواز: زيدًا أنا ضارب. وامتناع: زيدًا أنا أضْربُ- عند الجمهور, وعلى ذلك مبني مسألتنا.
والوجه الثاني: فصلُ الفعل المشغول من ضمير الاسم الذي اشتغل به الفعل, وإليه أشار الناظم بالإضافة وأراد ما كان مثلَ: أزيدًا ضربتَ أخاه, فكأنّ الأصل, أزيدًا ضربتَ أخاه, فكأنّ الأصل, أزيدًا ضربتَه, ثم فصلت بالمضاف إلى الهاء, وهذه عبارة مجازيّة, والقصد أنْ يكونَ الفعل مشتغلًا بما هو من سبب الأول, فبيّن أنّ هذا النحوَ جارٍ في الحكم مَجْرى قولك: أزيدًا ضربته؟ وأنّ الفصل بالأخِ كلا فصلٍ, وهذا الفصل الذي أشار إليه بالإضافة يتعيّنُ لهذا الوجه, ولا يصح هنا الفصل بحرف
стр. 1386
الجر؛ إذ لا يقال: أزيدًا ضربتَ في الدار إيّاه؟ فلو فرضتَ الضمير متصلًا فهو أبعدُ.
فإن قيلَ: بل يصح هذا الفصل بالجار والمجرور في مثل قولك: أزيدًا مررت بأخيه؟ فهذا يصدُقُ عليه إدخالٌ- بين الفعل والضمير, جارٌ ومجرور.
فالجواب: أنّ الأمرَ ليس على ما توهّمتَ؛ إذ الفعلُ لم يطلب الضمير من غير وساطة الباء, فيقع الفصل بالجار والمجرور, وإنّما طلبه بوساطتها, فهي مطلوبة له مع الضمير فلم يحصل الفصل إلّا بالاسم وحده, وذلك من معنى الإضافة, فرجع نظيرَ: أزيدًا ضربتَ أخاه؟ من غير فرق فتعيّن الجار للوجه الأول, والإضافة للثاني, ولا بُدَّ.
وأراد بالإضافة ذا الإضافة, فهو على حذف المضافِ, وذو الإضافة هو المضاف إلى الضمير.
ولابن الناظم في هذا الموضع تفسير آخر, وذلك أنّه جعلَ المشغول هو المشغول عنه, وهو الاسم السابق, كأنّه على تقدري: ((وفَصْلُ اسم مشغول عنه الفعل بحرفِ جر أو بإضافةٍ كوَصْلٍ يجري)) ونصُّ ما وجدتُ في شرحه ((يعني: أنْ حكمَ المشغول عنه الفعلُ بضمير جرٍ أو بمضاف إليه حكمُ المشغول عنه الفعل بضمير نصبٍ, فمثل: إنْ زيدًا رأيته, في وجوب النصب: إن زيدًا مررتَ به, أو: رأيتَ أخاه, تنصب المشغول عنه في هذا بفعل مضمر مقاربٍ للظاهر تقديره: جاوزتَ زيدًا مررتَ به, ولابستَ زيدًا رأيتَ أخاه, كما تنصب المشغول عنه في نحو: إنء زيدًا رأيتَ بمثل الظاهر. ومثل: أزيدًا لقيتَه في ترجيح نصبه على
стр. 1387
لرفع: أزيدًا/ مررتَ به, أو عرفتَ أباه, ومثل: زيدٌ قام وعمروٌ كلَّمتُه في استواء الأمرين: زيدٌ قام وعمروٌ كَلِفتُ به, أو كلّمتُ غلامه, ومثل: زيدًا ضربتُه- في جواز نصبه مرجوحًا- زيدًا مررتُ به أو ضربتُ غلامَه)) , هذا ما وجدت فيه, ولا أجزمُ بصحة نصِّه, لعدم الرواية فيه عن مؤلفه, ولكنّه كلامٌ مُشكِلٌ.
أمّا أوّلًا فإنه علّقَ الفصلَ بالاسم السابق, ولم يذكر فيه حكمًا أصلًا, فسّره على معنى أنّ الاسمَ السابقَ لا يتغيّرُ حكمهُ مع شَغْلٍ الفعل بحرف جرٍّ أو إضافة وليس هذا بمطابق للنظم البتةَ, ولا يُنَزَّلُ عليه, لأنَّ معنى النظم أنَّ الفصل بكذا كالوصل.
وأمّا ثانيًا: فإنه مثَّلَ حرف الجر بنحو: زيدًا مررتُ به, وقد ذكره الناظم أولًا في قوله: ((بنصب لفظه أو المحَلَّ)) ولا يريد بالمحَلِّ إلّا محلِّ الضمير المجرور بحرف الجر كما تقدّم, فتكون إعادته لذلك تكرارًا من غير فائدة, وأيضًا إنْ كان قصدُه هنا الفصلَ بحرف الجر وحدَه فقد نقصه التنبيه على الفصل بالجار والمجرور معًا بين الفعل والاسم السابق. فيقع الشك للناظر في نحو: زيدًا في الدار ضربتُه, وزيدًا أنت ضربتَه, وما يجوز منه, وما يمتنع. وعلى الجملة فهو كلامٌ لا يَتَحَصَّلُ له معنى يكون شرحًا للبيت فتأمله.
فالصحيح في تفسير كلامه أنّه يريد بحرف الجر: الجار والمجرور معًا, وأنّه يريد الفصل به بين الفعل والاسم السابق, ويريد الفصل بالإضافة بين الفعل وضمير الاسم السابق حسب ما تقدّم. فإن قيل: إنّ فيه بَعدُ دَرَكًا من وجهين:
أحدهما: أنّ ما ذكره من الفصل بالإضافة غيرُ كافٍ, فإنّك تقول: زيدًا ضربتُ راغبًا فيه, وزيدًا مررتُ براغبٍ فيه, وزيدًا أعطيتُ ضاحكًا في وجهه
стр. 1388
درهمًا. وزيدًا ضربتُ معتمدًا عليه, وزيدًا أكرمتُ من أكرمه, وما أشبه ذلك ممّا لم يقع الفصلُ فيه بالإضافة, وحكمهُ حكمُ الفصل بها, فيقتضي كلامُ الناظم إنْ أُخِذَ بمفهومه أنَّ مثلَ هذه المسائل لا يكون الفصل فيها كالوصل, وليس كذلك بل الحكمُ واحد.
والثاني: أنَّ إطلاقه القولَ بأنَّ الفصل بالإضافة مثل الوصل يعطي أنّهما على حدّ سواء في مرجوحية النصب أو راجحيّته, وذلك غير صحيح, بل النصب فيما تقدّم على ثلاث مراتب فإذا قلت: زيدًا مررتُ بأخيه فهو أضعف من قولك: زيدًا مررت به, وزيدًا ضربتُ أخاه [وقولك: زيدًا مررتُ به أضعفُ من قولك: زيدًا ضربتُه] , وأما زيدًا مررتُ به وزيدًا ضربتُ أخاه؛ فهما في رتبة واحدة على ما يظهر من سيبويه؛ ووجه هذا الترتيب أنّ التفسير في: زيدًا ضربتُه من اللفظ, والتفسير في: زيدًا مررتُ به وزيدًا ضربتُ أخاه من المعنى القريب, والتفسير في زيدًا مررتُ بأخيه من المعنى البعيد/ ومتى كان التقديرُ لفظيًا فهو أقوى, وإن كان معنويًا قريبًا فهو أقوى من المعنوي البعيد. ومع ذلك فهو كلام العرب؛ ولأجل هذا الترتيب واعتباره نصّ ابن كيسان على استواء الوجهين في: أزيدًا مررتُ بأخيه, وإذا كان كذلك فجَعْلُ الناظم الفصل وعدمه إذا كان بالإضافة سواء غيرُ صحيح.
والجواب عن الأول: أنّ أكثر المسائل في هذا الباب تدور على ما صوّر, وأما تلك المسائل فقليلة الدورو فلم يلتفت إليها, وأيضًا فإنّها في معنى ما ذكر فيحصل حكمها بالقياس على ما ذكر. والله أعلم.
стр. 1389
وعن الثاني: أنّ الاعتراضَ بذلك قريبٌ والمقصود المهم إنّما هو أنّه حيثُ يضعفُ مع الفصل, وحيث يقوي يقوى, وهل هما في رتبة واحدة, أم لا؟ في ذلك نظر يَدِقُّ, ولا تحتماه هذه الصناعة, ولا يظهر له أثرٌ يُنتجُ فائدةً. وبهذا أجاب بعضُ الحُذّاق على نحو هذه المسألة, ثم قال:
وسَوِّ في ذا الباب وصفًا ذا عَمَل ... بالفعل إنْ لم يَكُ مانعٌ حَصَل
هذا عقدٌ يكُرُّ حكمُه على جميع ما تقدّم من أول الباب إلى هنا, وذلك أنّه تكلّم أولًا في كون المشغول عن المعمول هو الفعل, وعليه فرّع الأقسام, وبيّن الأحكام, فبيّن في هذين البيتين أنّ الوصف جارٍ في هذا الباب مجرى الفعل في الأحكام المذكورة, من تقسيم الاسم السابق إلى خمسة الأقسام المذكورة, وغير ذلك ممّا تقدّم, فحيث يصح أنْ يكونَ الوصف مفسّرًا, وكذلك في ترجيح الرفع على النصب, أو العكس, أو التسوية بينهما, فإذا قلت: أزيدًا أنت ضاربُه, فالنصب فيه كالنصب في: أزيدًا ضربتَه, وإذا قلت: زيدًا أنا ضاربُه, فهو كقولك: زيدًا أضرِبُه, وإذا قلت: زيدٌ ضربتُه, وعمروٌ أنا مكرِمُه, فهو كقولك: زيدٌ ضربتُه وعمرو أكرمته وإذا قلت: زيدٌ هل أنت ضاربُه؟ فهو كقولك: زيدٌ هل ضربتَه؟ وكذلك سائر الأقسام المتقدّمة, والأحكام المتقرّرة, إلّا أنّه شرط في ذلك شرطين: أحدهما: أنْ يكونَ ذلك الوصفُ عاملًا, وهو قوله: ((وصفًا ذا عملْ)) ويريد: عمل النصب لفظًا أو محلًّا, وذلك اسم الفاعل بمعنى الحال أو الاستقبال, كقولك: أزيدًا أنت ضاربُه؟ وأزيدًا أنت ضاربٌ أباه؟ وأزيدًا أنت مارٌّ به؟ وأزيدًا أنت ضاربٌ أخاه؟ وأزيدًا
стр. 1390
أنت نازلٌ عليه؟ وأزيدًا أنت راغبٌ فيه؟ وأزيدًا أنت مارٌ بأبيه؟ وأمثلة المبالغة كذلك, نحو: أزيدًا انت ضَروبُه؟ والحربَ أنت لبّاسٌ جلالَها؟ والرءوس أنت ضَروبُها؟ والقدَرَ أنت حَذِرَهُ؟ وأزيدًا أنت سميعٌ صوتَه؟ وما أشبه ذلك, وتحرَّز بذلك من الصفة غير العاملة, وكونها لا تعمل؛ إمّا لأنّها اسم فاعل بمعنى الماضي, نحو أزيدٌ/ أنت ضاربُه أمسِ؟ فزيدٌ لا يكون فيه هنا إلّا الرفع على الابتداء؛ إذ لا يفسّر اسمُ الفاعل وهو غير عامل. وإمّا لأنّها صُيّرت اسمًا اعتقادًا من غير التفات إلى معنى الفعل, فتقول: أزيد أنت نازلٌ في داره؟ وأزيدٌ أنت ضاربُه؟ بمعنى: أنت المسمّى بهذا الاسم؟ لم يكن فيه إلّا الرفعُ, قال سيبويه: ((ولو قال: آالدار أنت نازل فيها؟ فجعل نازلًا اسمًا فع, كأنّه بمنزلة: أزيد أنت أخوه؟ جاز)) يعني - ولزم الرفع- قال: ((ومثل ذلك في النصب -يعني في إعماله عمل الفعل -أزيدًا أنت محبوس عليه؟ وأزيدًا أنت مكابر)) عليه؟ فإن لم يرد به الفعل. وأراد وجه الاسم رفع)) كذلك أمثلة المبالغة كقولك: أعبدالله أنت رسول له, أو رسوله ولم ترد المبالغة في الفعل, فالرفع لا غير, قال في الكتاب: ((لأنك لا تريد أن توقع منه فعلًا عليه, فإنّما هو بمنزلة: أعبدالله أنت عجوزٌ له، وتقول: أعبدالله أنت له عديل, وأعبدالله أنت له جليس, لأنك لا تريد بع مبالغة في الفعل, ولم تقل: مجالس فيكون كفاعل, فإنّما هذا بمنزلة قولك: أزيدٌ أنت وصيفٌ له, أو غلام له)). ومثل ذلك الصفة المشبهة باسم
стр. 1391
الفاعل, كقولك: آلوجه أنت حسنه, وأزيدٌ أنت ظريف بسببه؟ لا يكون في ذلك إلا الرفع؛ لأنّه صفة غير عاملة النصب, وما جاء من قولك: حسنٌ وجهًا, فليس بنصب على صحيح التعدّي, وإنّما هو التشبيه كعشرين درهمًا؛ ولأنّ هذه الصفة لا يصحّ عملها فيما قبلها, فلا تفسّر عاملًا, ولأنها قد تُنُوسِيَ فيها معنى الفعل تناسيًا ضعُفت بسببه عن مقامة الفعل حسب ما تبيّن ذلك في بابه. وكذلك أفعل التفضيل ليست بعاملة, فلا تفسّر ناصبًا, فإذا قلت: أزيدٌ أنت أفضل منه؟ وأزيدٌ أنت أكرم عليه, فليس إلّا الرفع, قال سيبويه: ((ومما لا يكون في الاستفهام إلا رفعًا: أعبدالله أنت أكرم عليه أم زيدٌ؟ وأعبدالله أنت له أصدق أم بشرٌ؟ كأنّك قلتَ: أعبدالله أنت أخوه أم بشرٌ؟ لأنّ أفعل ليس باسم جرى مجرى الفعل, وإنّما هو بمنزلة حسن وشديد, ونحو ذلك)) ثم أتى بمثل آخر, وحتم الرفع, ولم يجز فيها غيره. فكل ههذا ينتظمه قول الناظم فمفهوم الصفة أنّه لا يجري مع الاسم السابق جريانه مع الفعل, أو مع الصفة العاملة. والحاصل أنّ الصفا الواقعة عوض الفعل في باب الاشتغال إذا لم تكن أسماء فاعلين, أو أسماء مفعولين, أو أمثلة مبالغة عاملة عمل الفعل لم يكن في الاسم السابق إلّا الرفع. ولا تراعي المجرورات التي جاءت مع الصفات غير العاملة, فإنّها وإن كانت في موضع نصب فلا تقوى الصفات أن تعمل في الاسم السابق, فلا تفسّر لعا عاملًا. وقد تكون المجرورات معمولة لغير الصفات.
والشرط/ الثاني: ألا يمنع مانع من إجراء الوصف مجرى الفعل, وذلك قوله: ((إن لم يك مانعٌ حصل)). وذلك أنّ الفعل تقدّم له خمسة أقسام:
стр. 1392
قسم يلزم نصبه, وهذا القسم لا يتصور مع الوصف, لأنّ وجوب النصب لأمر يختص به الفعل, وذلك (إن) الشرطية مثلًا, فيصح وقوع الاسم بعدها إذا كان بعده فعلٌ, ولا يصح إذا لم يكن بعده فعلٌ, فتقول: إنْ زيدًا أكرمته أكرمك, ولا تقول: إنْ زيدًا أنت مُكرمه أكرمك, لا بالرفع, ولا بالنصب. وكذلك سائر ما يجري مجرى إنْ.
وقسم يلزم رفعه بالابتداء, وهو جاور ههنا من حيث إطلاق القاعدة لا من حيثُ خصوصُ التمثيل, فما التعجبية, وأدوات الشرط لا حظّ للوصف فيها, وله الحظ في الموصول, والحرف الناسخ, فإذا قلت: زيد إنّك ضاربُه, فلا بدّ من الرفع, وكذلك: زيدٌ ليتني لاقيه, وما أشبه ذلك, ومثله إذا قلت: زيدٌ أنا الضاربه, وزيدٌ أنا المكرمُ أخاه, وتقول: زيدٌ ما أنا مكرِمه, وزيدٌ إنْ أنا مكرِم أخاه, وعلى هذا السبيل يجري الحكم في سائر الأمثلة.
وقسم يُختار نصبه, ويجري في الوصف فيما غلب إيلاؤه الفعل, نحو: أزيدًا أنا ضاربُه؟ وأعمرًا أنت مكرمه؟ وما زيدًا أنا ضاربٌ أباه, ولا عمرًا أنت مارٌّ بأخيه, وفي العطف على الجملة الفعليّة, فتقول: قام زيدٌ وعمرًا أنا مكرمُه, وضربتُ زيدًا وعمرًا أنا ضارب أباه, وما أشبه ذلك. وأمّا الطلب فلا حظّ للوصف فيه, فيمتنع تصوير مسألته.
وقسم يختار رفعه, وهو جار في الوصف, نحو: زيدٌ أنا ضاربه, فإنّه في الحكم مثل: أنا ضربته.
стр. 1393
وقسم يستوي فيه الأمران وهو متأت هنا, فتقول: زيد ضربته وعمرًا أنا ضاربُه, كما تقول/ وعمرًا ضربتُه, وكذلك الرفع. فتقرّر من ذلك أنّ ما مرّ في الفعل ليس كلّه جاريَا في الوص بل تختَصُّ منه أشياء بالفعل, ولا تكون في الوصف لمانع منع من ذلك, فلذلك قال: ((إنْ لم يكُ مانعٌ حَصَل)) يريد: فإن حصلَ مانعٌ فلا تسؤ الوصف مع الفعل لحصول الافتراق بينهما. وقوله: (بالفعل) متعلّق بسوّ, أي: سوّ الوصفَ بالفعل في هذا الباب. و (حَصَل) خبرُ (يكُ) في قوله: ((إن لم يك)). واعلم أنّ الناظم ترك ذكر المصدر العامل في هذا الباب, وإنّما خصّه بالفعل والوصف, والمصدر غير داخل في واحد منهما, بل قد يفهم له أنّه أخرجه عن أن يكون مقسّرًا في هذا الباب, كما يفهم له ذلك في اسم الفعل؛ زيدًا دونك أخاه, وما أشبه ذلك, فكذلك يفهم له أنّه لا يقال: زيدًا سقْيًا له, ونحو ذلك:
والجواب: أنّ دخول المصدر في هذا الباب قد وقع النزاع فيه بين النحويين, فمنهم من منَع من دخوه فيه, واعتلّ على الجملة بضعفِه عن مقاومة الفعل, وبأنّه إذا كان موصولًا يمتنع عمله فيما قبله. ومنهم من فصّل فقال: إن كان موصولًا امتنع أنْ يفسّر, وإن كان غير موصول لم يمتنع, ودخل في الباب,
стр. 1394
وعمل فيما قبله إن كان مفرغا. ومنهم من أجاز/ دخوله، وإن لم يصح عمله فيما قبله، وفي كلام سيبويه متعلق لمن أجاز على الجملة، ولكن المسألة بعد ذات شغب في النظر، فكأنه ترك ذكر المصدر لذلك، وأيضا فقد تقدم في عقده الأول ما يفهم منه اشتراط صحة عمل المفسر فيما قبله، والمصدر قد يمتنع ذلك فيه في مواضع، ويشكل جوازه في مواضع، فكان الأولى به السكوت عنه. والله أعلم.
ثم قال:
وعلقة حاصلة بتابع ... كعلقة بنفس الاسم الواقع
العلقة عبارة عن الضمير العائد على الاسم السابق، وذلك أن الجملة التي بعد الاسم السابق لابد أن يكون فيها ضمير عائد عليه، والأصل أن يكون هو المشتغل به عن العمل في السابق، ثم إن العامل قد يعمل في ملابس ذلك الضمير، وهو الذي ذكر في قوله: "وفصل مشغول بحرف جر أو بإضافة" إلى آخره، وقد ينتقل الحكم من التابع إلى المتبوع، وهو الذي قصد ذكره ها هنا. والحاصل أنه لابد من ضمير يربط الجملة الثانية بالاسم الأول؛ لأن الأصل في ذلك المبتدأ والخبر، ودخل حكم الاشتغال عليه فلذلك لا يجوز أن تقول: ازيدا رأيت عمرا؛ لأنه لا يجوز: زيد رأيت عمرا إلا مع ضمير عائد على الأول، فلذلك الضمير الرابط من حيث كان معلقا للجملة الثانية بالأولى، وبه كان الاتصال والعلاقة سماه علقة من أجل ذلك، وكأن العلقة اسم العلاقة الحاصلة بسبب الضمير، وهو الاتصال بين أول الكلام وآخره، فيريد أن الرابط بين أول
стр. 1395
الكلام وآخره- وهو الضمير العائد على الاسم السابق- قد يكون متعلقا بالتابع، كما يكون متعلقا بالمتبوع نفسه، وقد لا يريد بالعلقة الضمير نفسه، ولكن يريد حقيقتها، وهي الارتباط، فيقول: قد يحصل الارتباط بسبب المجيء بالتابع لكون الضمير ملتبسا به كما يحصل بالاسم الواقع لكونه ملتبسا به أيضا، وذلك قولك: أزيدا رأيت رجلا يحبه، فالضمير العائد على زيد ليس إلا الملتبس بالنعت، وكذلك أزيدا لقيت عمرا وأخاه، فهذا يتنزل منزلة قولك أزيدا رأيت محبه، وأزيدا رأيت أخاه. قال سيبويه: "ومما ينتصب أوله لأن آخره ملتبس بالأول قولك: أزيدا ضربت عمرا وأخاه، وأزيدا ضربت رجلا يحبه، وأزيدا ضربت جارتين يحبهما، فإنما نصب الأول- يعني زيدا- لأن الآخر- يعني منصوب الفعل- ملتبس به إذ كان صفته"- يعني لأنك تقول: مررت برجل منطلق رجل يحبه، أو منطلق زيد وأخوه فيصح للتلبس الحاصل في المعنى المتبوع. ونفس الاسم الواقع هو الاسم الذي اشتغل به الفعل عن الاسم السابق، وهو المتبوع في هذا الموضع، كأنه قال: والعلقة الحاصلة بالتابع كالعلقة الحاصلة بالمتبوع، وإنما سماه واقعا من حيث كان واقعا على الضمير وعاملا فيه. وهذا/ عبارة كوفية، حكى الجوهري أن الكوفيين يسمون الفعل المتعدى واقعا، وقد سماه في التسهيل واقعا أيضا، فالاسم الذي اشتغل به الفعل
стр. 1396
إذا أضيف إلى الضمير كان عاملا في الجر، سماه واقعا بهذا الاعتبار، ويتحقق هذه المحمل بان يفرض الاسم الذي اشتغل به الفعل واقعا حقيقة، أي متعديا نحو أزيدا ضربت مكرمه، وأزيدا أكرمت محبه، فيقال كما أن العلقة حاصلة بهذا الاسم المتعدي إلى الضمير الرابط من حيث كان معمولا للفعل المشتغل كذلك تحصل بالتابع المتعدي إلى الضمير الرابط من حيث كان في حكم المعمول للفعل لأنه نعت للمعمول له، ألا ترى أن معمول الفعل إذا كان متعديا فهو وصف على تقدير موصوف كأنك قلت: أزيدا ضربت رجلا مكرمه، فقد صارت المسألتان واحدة. ومثل ذلك المعطوف بالواو لأنه والمعطوف عليه ملتبسان بالأول، فإذا قلت: أزيدا رأيت عمرا وأخاه، فهو في تقدير: أزيدا رأيت ملتبسا به، لأن التباس عمرو بما هو من سبب الأول في معنى التباسه بالأول. أو يقال: هو في تقدير: أزيدا رأيت أخاه؛ لأن الأخ يقع في المعنى موقع عمرو حتى كأنك قلت: أزيدا رأيت أخاه وعمرا، على التقديم والتأخير. فقد تبين قصد الناظم بالاسم الواقع، ومعنى كونه واقعا، وأن العلقة بالتابع كالعلقة بغيره.
وهنا سؤال، وهو: أنه أطلق القول أن العلقة إذا حصلت بتابع، أي تابع كان فهو جائز، وليس بصحيح من وجهين:
أحدهما: أن ذلك مختص بالنعت وعطف النسق خاصة حسب ما نص عليه في التسهيل، ولم يذكر سيبويه غيرهما، وظاهر ذا أنه إن حصلت العلقة بعطف بيان، أو بدل، أو توكيد أجزأ. والثاني: أن العطف الذي تحصل العلقة به. له شرطان:
أحدهما: أن يكون بالواو خاصة كما تقدم تمثيله، فإن كان بغير الواو لم يصح، فلا تقول: أزيدا ضربت عمرا ثم أخاه؟ ولا أزيدا عمرًا أو أخاه؟
стр. 1397
ولا ما أشبه ذلك، كما لا تقول: أزيدا رأيت عمرا أخاه؟ على العطف البياني، ولا على البدل، ولا أزيدا رأيت عمرا نفسه.
وكذلك لا تقول: أزيدا رأيت عمرا ورأيت أخاه؟ فتعيد العامل. وهذا هو الشرط الثاني: وهو عدم إعادة العامل مع المعطوف. وإذا ثبت هذا كان إطلاقه مشكلا.
والجواب عن الأول: أن يقال: أما التوكيد فعدم دخوله بين؛ إذ العلقة لا تحصل به البتة؛ لأن الضمير المتعلق به عائد على المؤكد أبدا، وألفاظ التوكيد محصورة، وعلى طريقة لا تتعدى، فإنما تحصل صورة المسألة حيث يكون ثم تابع تعلق به ضمير عائد على الاسم السابق، والتوكيد لا يكون فيه ذلك.
وأما عطف البيان فلا نسلم عدم الربط بالضمير المتعلق به، بل يجوز أن تقول: أزيدا رأيت عمرا أخاه؛ إذ عطف البيان كالنعت، وإنما يفترقان في الاشتقاق، وعدمه، فإذا كان جائزا/ في النعت جاز فيما أشبهه، وهو رأي ابن عصفور، فقد يقال: إن عطف البيان مراد للناظم.
وأما البدل فحكى ابن عصفور الخلاف في جريانه في هذا الباب مجرى النعت، وارتضى القول بالمنع محتجا بأن البدل على تقدير تكرار العامل، فصار مثل تكراره نصا. وهذا فيه نظر؛ فإن تقدير تكرار العامل ليس في البدل كاللفظ به، وإنما وتقدير معنوي، ويستوي معه في ذلك العطف؛ إذ هو أيضاً على
стр. 1398
تقدير تكرار العامل، ألا ترى أنك تقول: يا عبد الله وزيد، كما تقول يا عبد الله زيد، ومع ذلك فلم يمتنع أن تقول: أزيدا رأيت عمرا وأخاه؟ فكذلك لا يمتنع أن تقول: أزيدا رأيت عمرا أخاه؟ وأيضا فلو كان البدل على تقدير تكرار العامل حقيقة لم يكن من بدل المفرد بل من بدل الجملة من الجملة، وذلك باطل بالاتفاق، وإذا كان كذلك جرى في الحكم مجرى المعطوف، وهو ظاهر إطلاق الناظم، ولا حجة في اختياره لغير ذلك في التسهيل؛ فإنه قد نصب نفسه منصب المجتهدين في العربية، وقد تختلف أقوال المجتهدين كثيرا في المسألة الواحدة بحسب الأوقات والأنظار.
والجواب عن الثاني لا يحضرني الآن. والظاهر لزومه إذا سلم أن ذلك مختص بالعطف بالواو.
وللقائل أن يقول: لا يختص ذلك بالواو أصلا، بل يجوز مع الفاء، وثم، وغيرهما من حروف العطف، لان الكلام كله جملة واحدة، وفيها ضمير الاسم السابق، وإذا كان كذلك جاز في الجميع، وغاية المانع أن يقول إن الفاء، وثم يقتضيان الترتيب وتكرار العامل، وذلك يفيد الاستقلال، فالمعطوف في حكم المستقل، بخلاف الواو فإنها تعطي الجمع، ومعنى مع، وذلك يقتضي عدم الاستقلال، فالمعطوف بها لا يستقل الكلام دونه، ولا يستقل هو بنفسه. هذا ما احتج به ابن عصفور للمنع. ورد عليه بعض المتأخرين بان الفاء، وثم إنما يعطيان أن الثاني بعد الأول، وما بعدهما ليس مستقلا، فاتصال بما قبله، وإلا فيلزمه ألا يجوز في الواو أيضا حيث لا يستقل الأول، نحو أزيد اختصم عمرو وأخوه، ويلزم أيضا ألا يجوز: أزيدا ضربت عمرا وأخاه بعده؟ وما أشبهه مما يتبين به أن المعطوف متأخر، وأيضا ما أبعد ذلك في الفاء مع أنها تصير
стр. 1399
الجملتين واحدة فيجوز معها ما لا يجوز مع الواو، فكيف يمتنع معها ما لا يمتنع مع الواو، وأيضا يلزمه ألا يجيز ذلك في أو فلا يجيز: أزيدا ضربت عمرا أو أخاه؛ لأنه قيد العطف بالواو وحدها. وذلك كله فاسد. وهذه المسألة فرع عن باب الابتداء فما جاز في الابتداء جاز فيها؛ لأن أصل الاسم السابق الابتداء. وقد نص المازني وابن السراح وغيرهما على جواز الإخبار عن المعطوف بالفاء، وثم، وأو، وغيرها. فأجازوا في نحو: قام زيد ثم عمرو، الذي قام زيد ثم هو عمرو، ولا فرق بين الموضعين. وقد أجاز ابن عصفور ذلك أيضا في الإخبار، فكيف لا يجيزه هنا؟ وقد يجوز في الاشتغال ما لا يجوز/ في الإخبار، ألا ترى أنه يجوز نحو: أزيدا ضربت أخاه. وضربت عمرا، ولو قلت: الذي ضربت أخاه وضريت عمرا زيد لم يجز. وكذلك في الصفة، فتقييد العطف بالواو خاصة خطأ، بل الصحيح في هذه المسألة ما قال السيرافي في ضبطها إذ قال: "إذا كان في الجملة ضمير اسم متقدم فهي من سبب ذلك الاسم، وإن لم يكن فيها ضمير، وجئت بجملة أخرى فيها ضمير الاسم لم يجز" قال: "ولا تبال في أي موضع، من الجملة وقع ذلك الضمير". فهذا كله يدل على صحة ما اقتضاه إطلاق الناظم. وإنما اقتصر في التسهيل على العطف بالواو خاصة؛ لأن سيبويه لم يذكر في الاشتغال إلا ذلك، كما أنه لم يذكر من التوابع إلا النعت، وهذا العطف. وليس في ذلك دليل؛ إذ لم ينف ما عداهما.
فإن قيل: إن كان كذلك فكيف الأمر في الشرط الثاني، وهو ألا يتكرر العامل.
стр. 1400
فالجواب: أن هذا أسهل، فإن العامل إذا تكرر فقد صار الكلام جملتين، وصار التابع غير تابع؛ إذ ذلك الآن من عطف الجمل، لا من عطف المفردات، وعلى أنك إن قدرت تكرار العامل لمجرد التأكيد، فلا مانع من المسألة؛ لأن عطف المفردات باق، فالأخ تابع لعمرو، وضربت الثاني كالعدم. وقد أجاز بن السراج في الإخبار: الذي ضربته وضربت عمرا زيد، على أن يكون ضربت الثاني لمجرد التأيد. فكذل هنا. ولم يتكلم سيبويه على ذلك، بل على أن يكون تكرار العامل لغير التأكيد، فهو الذي منه. فقد ظهر أن كلام الناظم هو الجاري على القواعد، وكلام غيره ليس كذلك، وهو مما يؤكد البحث عن كلامه وإطلاقاته في هذا النظم وتقييداته، فإن تحتها دفائن قلما يشعر لها. وقد مضى من ذلك أشياء، وسيأتي أخر إن شاء الله. وبالله التوفيق.
стр. 1401
تعدي الفعل ولزومه
الأفعال على قسمين: متعد، وهو ما يطلب بنفسه بعد فاعله مفعولا به، ويسمى ذلك الفعل متعديا، وواقعا، ومتجاوزا، ويسمى طلبه ذلك تعديا؛ وإنما سمي الفعل متعديا لأنه تعدى، أي: تجاوز فاعله إلى مفعول به، وواقعا لأنه وقع على المفعول به، ومتجاوزا إذ تجاوز مرفوعه إلى غيره.
وغير متعد وهو بخلافه، ويسمى لازما، ووصفه ذلك لزوما، لأنه لزم فاعله فلم يتعده، ولم يجاوزه إلى غيره. وكلام القسمين لابد من التفرقة بينهما حتى يعرفا، ويتبين وجه القياس اللفظي بالنسبة إلى كل واحد منهما، ولا يمكن أن يعرف ذلك بالمعنى، لأن الفعلين قد يجتمعان في أصل المعنى وأحدهما متعد، والآخر غير متعد، كآمنت به وصدقته، فالأول غير متعد في الاصطلاح، والثاني متعد؛ لأن الواصل بحرف الجر غير متعد في أشهر الاستعمال، وكذلك: نسيته وذهلت عنه، وأحببته ورغبت فيه، واستطعته وقدرت عليه، ونحو ذلك. فلابد من ضابط لفظي يرجع إليه، والذي ضبط به الناظم ذلك، وفرق به بين/ الفريقين أن قال:
علامة الفعل المعدي أن تصل ... "ها" غير مصدر به، نحو عمل
يعني أن الفعل المتعدي علامته الدالة على أنه متعد صحة وصل هاء الضمير به إذا لم تكن تلك الهاء دالة على المصدر، وذلك نحو عمل، فإنك تقول: البيت عملته، وليست الهاء ههنا للمصدر، بل للبيت، وهو المعمول،
стр. 1402
وكذلك تقول: ضربه، وأكرمه، وأعانه، وأهانه، واستعمله، ونحو ذلك، والهاء ليست للمصدر، فلو كان الموصول بالفعل هاء المصدر، أي الهاء الدالة على المصدر لم يكن في ذلك دلالة على أنه متعد، فإنك تقول: القيام قمته، وقام لا يتعدى، وتقول: تكلمه، وتكلم لا يتعدى، وخرجه، وخرج لا يتعدى، وذهبه وانطلقه، وكثيرا من ذلك، وليس فيها دلالة على التعدي، لأن الهاء للمصدر، فلو فرضتها في هذه الأفعال لغير المصدر لم يستقم فمن ههنا دل على أنها غير متعدية، ودل على أن الأولى متعدية، فتقول: عملت البيت، وضربت زيدا، وأكرمت عمرا، وأعنت خالدا؛ لأنك تقول: عملته، وضربته، وأكرمته، وأعنته، ولم ترد مصدرا، ولا تقول: قمت زيدا، ولا: تكلمت عمرا، ولا: خرجت زيدا، ولا: ذهبته ولم ترد المصدر، فلو أردت المصدر لصح، وكذلك تقول: قمت القيام. وخرجت الخروج، وذهبت الذهاب، وسبب عدم دلالة هاء المصدر على التعدي أن كل فعل متعديا كان أو غير متعد يتعدى إلى المصدر، وتلحقه هاوه.
وفائدة قوله: "أن تصل ها" الاستظهار، والاحتراز من الفعل الواصل بحرف الجر، فإنك تقول: قام به، وتكلم به، وخرج إليه، وذهب به وانطلق إليه، ونحو ذلك، فيتعدى إلى هاء غير المصدر لكن من غير اتصال، بل بواسطة تفصل بينهما، فلا يسمى لذلك متعديا إذا لم تكن الهاء موصولة به.
وقوله: "أن تصل ها غير مصدر به" لا يعني أن تصل الهاء به كيف اتفق، بل يريد أن يكون الشأن فيه كذلك، والاستعمال جاريا عليه، لان من الأفعال ما هو لازم، لكنه يتعدى في حال الضرورة، أو فيما لا يتعد به في الكلام، ولا يقاس عليه، كمررت في قول جرير:
стр. 1403
تمرون الديار ولن تعوجوا ... كلامكم علي إذا حرام
فإنه تعدى بنفسه هنا، فساغ بالنسبة إلى هذا البيت: مررته، فلو عوضه منه لكان مثله، لكن ليس من شأنه أن يكون كذلك، فليس بداخل تحت قاعدة المتعدي بهذا الاعتبار. وكذلك قول أعرابي من بني كلاب:
تحن فتبدي ما بها من صبابة ... وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني
فقضاني في البيت قد يعوض منه قضاه، وليس الاستعمال فيه كذلك، وإنما يقال: قضي عليه. ومما جاء منه في الكلام ولا يقاس عليه قول الله تعالى: ﴿قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ الأصل فيه: على صراطك المستقيم، وكذلك الاستعمال في قعد أن يتعدى بحرف الجر، فمثل هذه/ الأشياء إن صح فيها وصل الهاء لغير المصدر، فليست بمراده؛ إذ كان مقصوده ما كان ذلك فيه مطردا.
وهذا التعريف فيه نظر من أوجه:
أحدها: أن ما كان يتعدى تارة بنفسه، وتارة بحرف الجر كشكرت ونصحت، وكلت، ووزنت يشكل دخوله تحت قاعدته وخروجه عنها؛ إذ قد قدمت أن مراده دخول الهاء على ما هو الشأن، ونحن نجد مثل هذا لا يستتب فيه إسقاط حرف الجر، لمشاركة إثباته، فلا تقول شكرته بإطلاق، ولا
стр. 1404
نصحته كذلك، فيقتضى أنه غير متعد، وأيضا فلا يستتب فيه ثبوت حرف الجر، وذلك يقتضي أن متعد؛ إذا كان يصح أن تقول: نصحته وشكرت على الجملة. وهذا اضطراب. والثاني: أن ظروف الزمان والمكان قد يتسع فيها حتى إن ما كان منها متصرفا يجوز فيه ذلك قياسا، فصارت أفعالها مما شأنها أن تلحقها هاء غير المصدر، نحو قولك يوم الجمعة سرته، ومكانكم قمته، وشهر رمضان صمته، وفي القرآن الكريم: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ وهذا على إجراء الظرف مجرى المفعول به مجازا، وهو كثير في كلام العرب. فإذا كان كذلك فكل فعل صلح معه هاء الظرف متعد على طريقته. وكل فعل يعمل في الظرف متعديا كان أو غير متعد، فاقتضى أن قمت، وصمت، وقعدت، وغير ذلك من غير المتعدي متعد، وذلك غير صحيح؛ إذ النحويون لا يطلقون عليها اسم التعدي حقيقة. ومن هذا الباب: دخلت مع الأماكن المختصة فإن هاء غير المصدر يطرد فيها. مع أن سيبويه وغيره لم يجعله متعديا.
والثالث: أنه أخرج بهذا الضابط قسما من أقسام المتعدي؛ إذا قسم النحويون المتعدي ثلاثة أقسام: قسما يتعدى بنفسه، وقسما يتعدى بحرف الجر، وقسما ثالثا يتعدى بنفسه تارة وبحرف الجر أخرى. وإنما عدوا ما يتعدى بحرف الجر قسما ثالثا من اجل لزومه الطلب للمعول كالمتعدي بنفسه، كمررت، وعجبت، ورغبت، فإنها طالبة للمجرور لزوما. وفرقوا بينها وبين ما لا يطلبه لزوما، كقام، وقعد، فجعلوا طلبها للمجرور إن وجد غير تعد، وسموه تعلقا. فالناظم قد نظم هذا القسم في سلك ما لا يتعدى. وذلك خلاف ظاهر.
стр. 1405
والرابع: أن الأفعال المتقدم ذكرها، مما انتصب في الشعر، أو في النادر على إسقاط الجار، كمررت، ونحوها متعدية بلا بد؛ لأنها وصلت إلى ما نصبته بنفسها. وإطلاق اسم المتعدي عليها صحيح، وإن كان غير مقيس. ولا يصح أن يقال في "تمرون الديار" إن (تمرون) غير متعد، وهو قد نصب المفعول به، وكذل الأمر في "لقضاني" وفي: ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ وما أشبه ذلك، فإن الفعل قد وصل إليها بنفسه، ولا معنى للتعدي إلا ذلك. فكيف يقال: إن علامة المتعدي وصل هاء غير المصدر به، وها هنا لو قلت ذلك/ فيها لم يصح.
والخامس: أن من الأفعال أفعالا كثيرة جدا تستعمل متعدية وغير متعدية مع أن البنية واحدة، نحو غاض الماء وغضته، ورجع الشيء ورجعته، ووقف الفرس ووقفته، وعمر المنزل وعمرته، ومن ذلك كثير، فمن أين يعرف في هذا الباب المتعدي من غيره بهذا العقد، وأنت إذا نظرت في رجع الشيء مثلا هل يتعدى أم لا؟ فوصلت به هاء المصدر. قلت: رجعته، وهو صحيح مع أنه كان عندك غير متعد، فمثل هذا لا يتم تعريفا لهذه الأفعال وأشباهها.
والسادس: أن هذا الضابط دوري، فلا يصح، وإنما كان كذلك لأن إلحاقنا الهاء لغير المصدر تتوقف صحته على معرفة كون الفعل متعديا؛ إذ كنا لا نقول: عرفته حتى نقول: عرفت زيدا. وهذا هو المطلوب فقد توقفت معرفة المتعدي على صحة إلحاق الهاء، وإلحاق الهاء متوقف على معرفة المتعدي. وهذا دور لا يصح التعريف به.
والجواب عن الأول: أن باب نصحت، وشكرت متوقف على السماع،
следующие страницы →