← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ثم قال: وارفع بواو وانصبن بالألف ... واجرر بياء من الأسماء أصف من ذاك ذو إن صحبة أبانا ... والفم حيث الميم منه بانا أب أخ حم كذاك ومن ... والنقص في هذا الأخير أحسن وفي أب وتالييه يندر ... وقصرها من نقصهن أشهر لما قدم آنفا أن ماعدا الحركات الثلاث المذكورة المخصوصة بالمواضع المذكورة ينوب عنها، أخذ يذكر الأصناف النائبة ومحالها، فإذا حصر مواضعها علم أن ما عداها حكمة ما تقدم من الرفع بالضمة، والنصب بالفتحة والجر بالكسرة، والجزم بالسكون، فابتدأ بذكر ما يرفع بالواو وينصب بالألف ويجر بالياء فقال: (وارفع بواو ..... ) إلى آخره، وهذا التقرير في الأسماء الستة نص منع على اعتماد القول بأن الحروف فيها هي نفس الإعراب بحكم الاستقلال، وهو أحد المذاهب في هذه الأسماء الستة المفسرة، وهو مذهب أبي القاسم الزجاجي، وظاهر كلام الفارسي في أول كتابه "الإيضاح" وعليه طائفة من المختصرين. ومن النحويين من ذهب إلى أن إعرابها بالحركات مقدرة في حروف العلة، وأتبع فيها ما قبل الآخرِ الآخرَ، دلالة على الإعراب المقدر في حروف العلة، وهو مختار شيخنا الأستاذ رحمة الله عليه، وعليه جماعة أيضا. ومنهم من ذهب إلى أنها معربة بالحركات، كإعرابها عارية عن الإضافة من غير فرق وحروف العلة إشباع تلك

стр. 142

الحركات قبلها، ومنهم من جعل إعرابها بالحركات والحروف معا، ومنهم من ذهب إلى غير ذلك، والكلام في ذلك يطول، وإنما اختار الناظم ما تقدّم؛ لأنه أبين المذاهب، وأبعدها عن التكلف، لأن الإعراب إنما جيء به لبيان مقتضى العامل، ولا فائدة في جعل مقد متنازع فيه دليلا، وإلغاء ظاهر واف بالدلالة المطلوبة. قال المؤلف: ولا يمن من ذلك أصالة الحروف لأن الحرف المختلف الهيئات صالح للدلالة أصلا كان أو زائدا، مع أن في جعل الحروف المشار إليها نفس الإعراب مزيد فائدة وهو كون ذلك توطئة لإعراب المثنى والمجموع على حده، لأنهما فراعان عن الواحد، وإعرابهما بالحروف لا مندوحة عنه، فإذا سيق مثله في الآحاد أمن من الاستبعاد ولم يخرج عن المعتاد، هذا ما وجه به مذهبه ويكفي هذ القدر إذ لا فائدة في جلب الحجج مع أن المسألة لا يبنى عليها حكم. وقوله: (ما من الأسماء أصف) "ما" موصولة صلتها "أصف": وهي مفعولة بارفع وانصب واجرر من باب الإعمال أعمل فيها الآخر. "ومن الأسماء" متعلق بـ "أصف" وضمير ما محذوف، أي ما أصفه من الأسماء وقصر الأسماء ضرورة. ثم قال: (من ذاك ذو إن صحبة أبانا) يعني أن من الأسماء التي ترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء هذا الاسم الذي هو "ذو" وذلك بشرطين: أحدهما: منصوص عليه وهو قوله: (إن صحبة أبانا) والآخر قيده بالمثال وهو أن يكون "ذو" بلفظ المذكر، فأما الأول فيريد به أن يكون ذو

стр. 143

بمعنى صاحب، وذلك إبانته للصحبة كقولك: مررت برجل ذي مال، وجاء زيد ذو العلم، ورأيت رجلا ذا ثوب، معناه: صاحب مال وصاحب العلم وصاحب ثوب، وتحرز بذلك إن كان قصد التحرز من ذا وذو وذي التي ليست بذلك المعنى فإنها لا تعرب كلك إن أعربت، فأما "ذو" فتأتي بمعنى الذي وهي "ذو" الطاّئية نحو ما أنشد الجوهري من قول الشاعر: ذاك خليلي وذو يعاتبني ... يرمي ورائي بامْسَهْمِ وامْسَلِمَهْ وقول الآخر: وإن المال مال أبي وجدي ... وبئري ذو حفرت وذو طويت وأما "ذا" و "ذي" فتأتيان للإشارة نحو قول الله تعالى ((هذا من شيعته وهذا من عدوه)).

стр. 144

وقال أبو الطيب المتنبي: هذي برزت لنا فهجتِ رسييا فهذه الثلاثة لا تبين صحبة، وإنما تبين شيئا آخر، فلا تعرب ذلك الإعراب. فإن قلت: فهذا الشرط غير محتاج إليه أبدا. لأن ما تحرز منه خارج عن باب الإعراب فضلا عن كونه يعرب بالحروف أو بالحركات، فلو قال: "من ذاك ذو" كذا وكذا ولم يقيده - بمعنى الصحبة لم يفهم له سواه، إذ لا يتوهم ذلك في "ذو" الطائية، ولا في "ذا" و "ذي" اللتين للإشارة، لفقد الإعراب فيهما، وإنما يسبق إلى الذهن ما هو معرب، وليس ثم معرب، إلا الذي بمعنى صاحب، فقد تعين بنفسه، فيكون هذا الشرط ضائعا، فالاعتذار عنه أن يقال: لعله لم يقصد بذلك إلا مجرد البيان عن معنى "ذو" وإن ساق ذلك مساق الاشتراط والتحرز مما يدخل عليه، على أنه قد أتى به في التسهيل كذلك، فقال: وفي "ذي" بمعنى صاحب، وذكر في "الشرح" أنه تحرز بالقيد من "ذي" المشار إليها، فالله أعلم. فإن أراد هنا ما صرح به هنالك توجه الاعتراض عليه.

стр. 145

وأما الشرط الثاني المقيد بالمثال وهو أن يكون "ذو" بلفظ المذكر فذكره ضروري، فإن المؤنث لا يعرب هذا الإعراب، وإنما يرجع إلى الإعراب بالحركات، كما ذكر أولا كقولك: جاءتني امرأة ذات مال، ورأيت امرأة ذات مال، ومررت بامرأة ذات مال، وكذلك يعتبر في المثال أيضا الإفراد، فإن المثنى والمجموع سيأتي ذكره. فأما إذا كان مفردا مذكرا فهو المعرب بالحروف كما قال. ثم قال: (والفم حيث الميم منه بانا) فاعل "بان" ضمير مذكر عائد على الميم، وذكره لأن الميم كسائر حروف المعجم تذكر وتؤنث، أنشد سيبويه في التذكير: كانا وميمين وسينا طاسما وأنشد في التأنيث: كما بنيت كاف تلوح وميمها ومعنى بان: بعد. ويقال: بان الشيء عنى يبين بينا وبينونة: إذا بعد عنك وتفرّق منك، والمباينة: المفارقة، وتباين القوم: تهاجروا فيعني حيث زالت الميم عن الفم، وأراد أن الفم إذا كان بغير ميم معدود من تلك

стр. 146

الأسماء التي تعرب هذا الإعراب المذكور، وذلك في قولك: هذا فو زيد، ورأيت فاه، ونظرت إلى فيه، وإنما اشترط فقد الميم؛ لأنه إذا وجدت فيه لم يعرب بالحروف، بل بالحركات على حد ما نص عليه في قوله: (فارفع بضم وانصبن فتحا وجر كسرا) فتقول: هذا فم، ورأيت فما، ونظرت إلى فم، هذا إن كان منقوصا، وكذلك في لغة القصر تقول: هذا فما، ورأيت فما، ونظرت إلى فما، إذا ثبت أنها لغة كقول الشاعر يا حبذا عينا سُليمى والفَمَا. فإعراب هذا كإعراب فتى ورحا. وقوله: (أب أخ حم / كذلك وهن) يعني أن هذه الأسماء أيضا حكمها في الإعراب ما تقدم من الرفع بالواو والنصب بالألف والجر بالياء، فتقول: هذا أبوك وأخوك وحموك، ورأيت أباك وأخاك وحماك، ومررت بأبيك وأخيك وحميك. وحمو المرأة أبو زوجها، وكذلك من كان من قبله، وحمو الرجل أبو امرأته أو أخوها أو عمها. وقيل: الأحماء من قبل المرأة خاصة، والأختان من قبل الرجل، والصهر يجمع ذلك كله، هكذا حكى صاحب "المحكم" وعكس الجوهري فقال: وكل شيء من قبل الزوج مثل الأب والأخ فهم الأحماء وأحدهم حما وفيه أربع لغات: حما مثل

стр. 147

قفا، وحمو مثل أبو، وحم مثل أب، وحم ساكنة الميم مهموزة عن الفراء. ثم قال: وكل شيء من قبل المرأة فهم الأختان، والصهر يجمع ذلك كله، فهذا خلاف ما حكى ابن سيده، والناس على ما ذكره الجوهري. قال الأصمعي: الأحماء من قبل الزوج والأختان من قبل المرأة، وقال يعقوب: كل شيء من قبل الزوج -أخوه أو أبوه أو عمه_ فهم الأحماء. وقال أبو عبيد: الحم أخو الزوج. ويقال للمرأة حماه لا لغة فيها غير ذلك. "وهن المرأة" فرجها وكذلك هن الرجل. وأصل الهن في اللغة الكناية عن اسم الشيء. قال الجوهري: تقول هذا هنك أي شيئك. هذا أصله، ثم كنوا به عما يقبح التصريح باسمه، واستعملوه حتى غلب عليه. ويقال: ذهبت فهنيت أي: فعلت من قولك هن، وقد حصل من المثال في الحم والهن أن المؤنث خارج عن هذا الحكم لأنك تقول: هذه حماة فلان، فيعرب بالحركات، وكذلك هنه كما خرجت الأخت عن حكم الأخ. وقد ظهر أن المعرب بهذا الإعراب ستة أسماء؛ وهي ذو بمعنى صاحب، وفو زيد، وأخو زيد، وأبوه، وحموك، وهنوها، لكن ليس ذلك على الإطلاق، وفي كل لغة، بل العرب فيها مختلفون، فمنهم من يعربها بالحروف كما قال، ومنهم من يعربها بالحركات، وأيضا فالذين يعربونها بالحروف ليسوا فيها على سنن واحد بل هي عندهم على درجات متباينة، فقد يكون الإعراب

стр. 148

بالحروف في بعضها نادراً، وبالحركات هو الأشهر كما في "هن" وقد يكون الأمر بالعكس كما في أخ وأب، وقد يشتهر الوجهان على تساو أو مقاربة التساوي كما في "حم" هذا كله فيما عدا الفم بلا ميم، و"ذا" بمعنى صاحب فإن العرب متفقون فيها على الإعراب بالحروف، فلما كان الأمر على هذا لم يكتف الناظم بما قدم من الإطلاق، بل ذكر اختلاف العرب في أب وأخ وحم وهن، وسكت عن ذكر ذو وفو، فدل ذلك على أنها معربة بالحروف على الإطلاق، وذلك صحيح. فقوله: (والنقص في هذا الأخير أحسن) أراد به أن جعل "هن" وهو الأخير في الذكر من باب المنقوص كيد ودم أحسن وأفصح من جعله من هذا الصنف، فالذي يقول: هذا هنوها، ورأيت هناها، ونظرت إلى هنيها/ أقل ممن يقول: هذا هنها، ورأيت هنها، ونظرت إلى هنها، وعلى اللغة الشهيرة جاء في الحديث: "من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا"، وقول علي ﵁: من يطل هن أبيه ينتطق به، ومعناه من كثر ولد أبيه يتقوى بهم. وأنشد سيبويه:

стр. 149

رحت وفي رجليك ما فيهما ... وقد بدا هَنْكِ من المئزر أراد هَنُكِ، فكسن النون. والنقص في الاسم هو أن ينقص من آخره حرف، ويجري الإعراب على الحرف الذي قبله. ثم قال: (وفي أب وتالييه يندر) ضمير "يندر" عائد على النقص في قوله: (والنقص في هذا الأخير أحسن) وضمير تالييه عائد على الأب، والتالي هو التابع يقال: تلوت الرجل أتلوه تلوا: إذا تبعته. ويقال: ما زلت أتلوه حت أتليته، أي: حتى تقدمته وصار خلفى يتلوني، ويندر: معناه: يقل وأصله من الندور وهو السقوط والخروج عن الغير، وندر الرجل من القوم خرج منهم، فلما كانت لغة النقص خارجة عن جمهور كلامهم أطلق عليها لفظ الندور لذلك، وفي أصل اللغة يرادف لفظ الندور لفظ الشذوذ إذ هما بمعنى الخروج عن الجمهور، يقال: شذ عنه يشذ ويشذ شذوذا إذا انفرد عن الجمهور وندر، بهذا فسره الجوهري، كما أنه قال في الندور: ندر الشيء يندر، سقط وشذ، ففسره كما ترى أحدهما بالآخر. إلا أن الناظم اصطلح في كلامه على إطلاق الندور على ما ندر في الكلام المنثور، وإطلاق الشذوذ على ما ندر في الشعر، هذا في الغالب فليعرف ذلك من اصطلاحه، فيريد هنا أن النقص في أب وتالييه جاء في الكلام قليلا، فتقول على القلة في أب: هذا أبك، ورأيت أبكن ومررت بأبك، وهي لغة محكية عن أحمد بن يحيى أنه قال: يقال: هذا أبوك وهذا أباك، وهذا أبك فمن قال: هذا أبوك أو أباك، فتثنيته أبوان

стр. 150

ومن قال: هذا أبك، فتثنيته أبان، وأبوان وأنشد: سوى أبك الأدنى وأن محمدا ... علا كل عال يا ابن عم محمد وتقول في أخ: جاءني أخك، ورأيت أخك، ومررت بأخك، وعليه قول بعض العرب في تثنيته أخان. وتقول في حم: هذا حمك، ورأيت حمك ومررت بحمك. ومنه ما أنشده الفراء من قول الشاعر: قلت لبواب لديه دارها ... تِيْذَنْ فإني حمها وجارها هكذا أنشده القالي عنه، وأنشد أبو عرمو على ما حكى الجوهري عنه حمؤها. ثم قال: (وقصرها من نقصهن أشهر) الضمير في قصرها عائد

стр. 151

لأب وتالييه، وإليها يعود الضمير "قصرهن"، وكلا الضميرين يجوز أن يعود على جمع القلة كهذا الموضع، ويجوز أن يعود على جمع الكثرة، و "هن" على جمع القلة. والقصر في الاسم هو أن يكون آخره ألف والاسم بذلك مقصور، ويعني أن في الأسماء الثلاثة لغة أخرى وهي القصر، وهي أشهر فيها من النقص فتقول: هذا أباك، ورأيت أباك، ومررت بأباك، ومنه أنشده ابن جني وغيره: إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها وتقول: هذا أخاك، ورأيت أخاك، ومررت بأخاك، ومنه المثل "مكره أخاك لا بطل". وحكى سيبويه: لا أخا -فاعلم- لك. قال ابن سيدة: قوله: "فاعلم" اعتراض بين المضاف والمضاف إليه، كذا الظاهر، وأجاز أبو على أن يكون لك خبرا ويكون أخا اسما مقصورا تاما غير مضاف كقولك: لا عصا لك، قال ابن جني: ويدلك على صحة هذا القول أنهم قد كسروه على أفعال وفاؤه مفتوحة، فهو إذا فعل، وذلك قولك: أخ وآخاء، فيما حكاه يونس، وقال بعض ولد المهلب:

стр. 152

وجدتم بنيكم دوننا إذا نسبتم ... وأي بنى الآخاء تنبو مناسبة قال: فغير منكر أن يخرج واحدها على أصله، كما خرج واحد الآباء على أصله. وتقول في حم: هذا حماك، ورأيت حماك، ومررت بحماك وعليها جاءت حماة المرأة لأم زوجها. قال الجوهري: لا لغة فيها غير ذلك. والحاصل من نقله أن فما بلا ميم، وذا بمعنى صاحب، ليس فيهما إلا لغة واحدة. وأن هنا فيه لغتان. وأن أبا وأخا وحما فيها ثلاث لغات. وإذا تقرر هذا ورد على الناظم سؤال وهو أن يقال: كان من حقه حين أراد أن يذكر في هذه الأسماء اختلاف العرب فيها أن يستوفي ذكر ذلك فيأتي على جميع لغاتها. لكنه لم يفعل ذلك، بل ذكر بعضها وأهمل البعض، فكان معترضا، ولا يقال إن نظمه هذا غير موضوع لنقل اللغات وإنما وضع لضبط القوانين، فلم يلزمه أن يستوفيها في هذه الأسماء ولا في غيرها، لأنا نقول: فكان الأولى به ألا يتعرض لذكرها رأسا، إذ كان نظمه على ما ذكرت. فإن قيل: لو لم يذكر ما ذكر لأوهم أنها تعرب بالحروف مطلقا في كل لغة وليس كذلك، فأراد أن يرفع هذا الإيهام، ولذلك لما نبه في "التسهيل" على قلة إعراب "هن" بالحروف ذكر في "الشرح" أن عادة النحويين جرت بذكر "هن" مع هذه الأسماء، وذلك يوهم مساواته لهن في الاستعمال، وليس كذلك، بل المشهور فيه إجراؤه مجرى يد، في ملازمته النقص إفرادًا وإضافة

стр. 153

وإعرابه بالحركات. ومن العرب من يقول: هذا هنوك، ورأيت هناك، ومررت بهنيك وهو قليل، فمن لم ينبه على قلته فليس بمصيب، وإن حظى من الفضائل بأوفر نصيب. وما قاله صحيح كما ترى، فغيره من إخوته بهذا المثابة، فلما كان ترك التنبيه على لغاتها مخلا بالفهم مخيلا لا لا يستقيم نبه على ما يجب التنبيه عليه. فالجواب: أن الإحالة باقية لأنه حين اقتصر في حم مثلا على نقل لغتين سوى الأولى، أوهم أن سائر العرب سوى أصحاب هاتين اللغتين متفقون على الإعراب بالحروف، وهذا غير صحيح، بل للعرب في حم ست لغات: الثلاث المذكورة، والرابعة: حمو كدلو، والخامسة: حمءٌ كخبْءٍ، والسادسة: حمأ كَرَشأ. كما أن في أخ خمس لغات: الثلاث التي ذكر، والرابعة: أخّ مشددا كفخّ، والخامسة: أخو كدلو، وكما أن في أب أربع لغات: رابعهن أبّ مشددا كحبّ. وكما أن في "هن" ثلاث لغات: ثالثتهن هنّ مشددة كـ "منّ"، لا يقال: إن ما ذكرت لغات قليلة غير مشهورة، فلذلك لم يذكرها، بخلاف ما ذكر فإنها شهيرة، لأنا نقول ليس كذلك، لأنه في ذكر في "هن" الإعراب بالحروف، وهو قليل، وذكر النقص في أب وأخ وهو نادر. وكذلك في "حم" على ما نص عليه هنا، وكذلك القصر فيهن على ما

стр. 154

نص عليه في "التسهيل" حيث قال وربما قصرا أو ضعف دم، يعني أخا وأبا، وترك ذكر حمو وحمء، وأهل اللغة لا يصفونهما بالقلة، بل إطلاقهم يدل على خلاف ذلك، فقد ظهر أن كلام الناظم معترض عليه. والجواب من وجهين: أحدهما: أنه لو اقتصر على ذكر الإعراب بالحروف فيها كلها لأوهم اتفاق العرب فيها على ذلك، وهو غير صحيح، فلما ذكر فيها لغات أخر ارتفع ذلك الإيهام، وحصل أن إعرابها بالحروف جائز على الجملة، لا واجب يعني أن ماعدا فوك وذو مال، كما انه لو ذكر جميع لغاتها لم يزدنا على جواز الإعراب بالحروف شيئا سوى استيفاء لغات لا حاجة بنا إليها وما ذكر من بقاء الايهام بالاقتصار على ذكر البعض فغير متجه على قصد الناظم؛ لأن ظاهر قصده أن يبين لنا كيف نحتذي كلامهم، فذكر أن لنا أن نعربها بالحروف على القياس التي ذكر، ولنا ألا نعربها إلا بالحركات على الأصل، لأن العرب فيها مختلفون. فإذا قيل له: فاشرح لنا ما للعرب فيها من الخلاف. كان جوابه أن هذا من وظائف اللغوي، وحسبك هنا أن يتبين لك أنهم ليسوا بمتفقين على الإعراب بالحروف. فلقائل أن يقول: إن لم يقصده بنقل تلك اللغات بيان اختلاف العرب في هذه الأسماء، وإلا كان متنقلا من علم إلى علم لغير ضرورة.

стр. 155

والوجه الثاني: أن إعرابها بالحروف بين أنها معتلة الأواخر مذبذبة في الاعتلال بين النقص والتمام، فهي في الإضافة إلى غير الياء تامة غير منقوصة، وفي الإفراد والإضافة إلى الياء على خلاف ذلك، فأراد أن يبين اختلاف العرب فيها إذا كانت معتلة الأواخر، لأنها من مادة واحدة، وعلى حكم واحد، تكملة لما قصد ذكره، ويكون قصده بذكر "هن" هنا ما ذكره من التنكيت على إطلاق النحويين فيه، وأنهم ليسوا على صواب في ذلك الإطلاق، أما من قال في حم "حمء" أو حمأ فهذا من مادة أخرى غير مادة حم، وكذلك أخ وأب وهن المشددات هي من مواد أخر غير مواد أخ وأب وهن، فصارت منها كالأجنبيات وكالألفاظ المترادفة فعد هذه في جملة لغات تلك كعد الألفاظ المتباينة في اللفظ المترادفة في المعنى في جملة اللغات كالأسد والليث والسبع ونحو ذلك، وهذا غير لائق بالقصد النحوي، وأما أخو وحمو فلما جريا مجرى الصحي كغزو ودلو فارق المعتل الآخر، وأشبه الصحيح الآخر، فلم يعده في اللغات، كما لم يعد المضاعف والمهموز، وهذا حسن من القصد وبالله التوفيق. * ... * ... *

стр. 156

ثم ذكر شرط هذا الإعراب فقال: وشرط ذا الإعراب أن يضفن لا ... لليا كجا أبو أخيك ذا اعتلا الإعراب الذي أشار إليه هو الرفع بالواو، والنصب بالألف، والجر بالياء، في الأسماء الستة، والضمير في "يضفن" عائد على الأسماء المذكورة، ويعني أن شرط حصول هذا الإعراب المذكور في هذه الأسماء الستة أن يكن مضافات، وأن تكون الإضافة إلى غير ياء المتكلم، فهذان شرطان لابد منهما، ساقهما مساق الشرط الواحد في قوله: (أن يضفن لا لليا) فإنهن إذا لم يضفن البتة أعربن بالحركات، فتقول: هذا لك أخ، ورأيت أخا لك ومررت بأخ لك، وكذلك أب وحم وهن، وأنشد الجوهري في إفراد حم: هِيَ ما كَنَّتِي وَتَزْ ... عُمُ أني لها حم و"فو" كذلك لأنها إذا لم تضف يبدل من واوها الميم، فتقول هذا فم، ورأيت فما، ونظرت إلى فمٍ، وأما "ذو" فهي لازمة للإضافة أبدا لا تتجرد عنه. فأما قولهم لملوك اليمن: الأذواء والذوون، فليس على تجريد

стр. 157

"ذو" من الإضافة، وهي بمعنى صاحب، كما كانت في أصل الوضع بل على تجريد التسمية بذو لكل واحد منهم، حين تسموا بذو كذا، نحو: ذو يزن، ذو الكَلَاع، وذو جَدَن، وذو نُوَاس، وذو أصبح، وهم التبابعة من قضاعة فسموا الأذواء على تقدير التسمية بـ "ذو"، فشرط الإضافة في "ذو" حاصل بحكم الأصل، وكذلك إذا أضفن إلى ياء المتكلم، لم يعربن بهذا الإعراب، أعني إعراب الحروف. فإذا قلت: هذا أبي وأخي وحمى وهنى كان معربا بالحركات، مقدرة في أواخرها، واتفق في ذو أن كان لا يصح فيه أن يضاف غلى الياء، لأن أصله ألا يضاف إلا إلى أسماء الأجناس، إذ كان وضعه لأن يكون وصله إلى الوصف بأسماء الأجناس، فلا يضاف إلى الضمير مطلقا إلا شاذا، وعادة بعض الشيوخ أن يضيف إلى هذين الشرطين شرطا ثالثا، وهو: أن تكون مكبرة غير مصغرة، لأنها إذا صغرت رجعت أواخرها المحذوفة، وأدغمت في ياء التصغير، فأعربت بالحركات ظاهرة فيها، وإن كانت مضافة فقلت: هذا أخي زيد وأبيه وحميه وما أشبه ذلك، فيظهر لبادي الرأي أن مثل هذا داخل على الناظم، إذ هو معرب بالحركات مع تفر الشرطين، فكان من حقه أن يزيد هذا الشرط الثالث. وقد يجاب عنه بأن مثال الناظم أغنى عن اشتراط التكبير تنصيصا، لأنه أتى بالأمثلة مكبرة، فقد حصل الشرط بالإشارة وأيضا من حيث قصد بيان إعراب المعتل الآخر، قد خرج له أخي ونحوه، كما خرج له اعتبار حمو وأخو لجريانها بعد التصغير مجرى الصحيح فصارت كحمو وأخو، وعلى الجملة فإنما يأتي بهذا الشرط من يأتي به تقريباً على

стр. 158

المبتديء، والأمر في ذلك قريب، وجاء لما ذكر من الاشتراط بثلاثة أمثلة توفر فيها الشرطان وهي قوله: (كجا أبو أخيك ذا اعتلا) فالأب مضاف إلى الأخر والأخ مضاف إلى الكاف، وذو مضاف إلى الاعتلاء، وحصل في الأمثلة الثلاثة وجوه الإعراب الثلاثة والإضافة إلى الظاهر، وإلى الضمير غير الياء والاعتلاء والعلاء والرفعة والشرف. يقال: اعتلى اعتلاء، وعلا علاء، والاعتلاء أيضا: الاعتماد، كذا قال ابن سيده، وأنشد لأبي ذؤيب: علوناهم بالمشرفي وعريت ... نصال السيوف تعتلي بالأماثل قال: تعتلي: تعتمد، وعداه بالباء لأنه في معنى تذهب بهم وهذا التفسير محتاج إلى التفسير، ولعله يريد الاعتماد بالشيء، أي: الاضطلاع به والاستقلال، وهذا المعنى في بيت أبي ذؤيب واضح، ولا يحتاج معه إلى تضمين الفعل، والعرب تقول: علا بالأمر: إذا استقل به واضطلع وأنشد الجوهري: اعمد لما تعلو فمالك بالذي ... لا تستطيع من الأمور يدان اعتلى من هذا بلا شك. * ... * ... *

стр. 159

ثم قال: بالألف ارفع المثنى وكلا ... إذا بمضمر مضافا وصلا كلتا اثنان واثنتان ... كابنين وابنتين يجريان وتخلف اليا في جميعها الألف ... جرا ونصبا بعد فتح قد الف هذا ضرب ثان تنوب فيه الحروف عن الحركات، على وجه آخر غير ما تقدم وذلك المثنى. والمثنى: هو ما حصل في التثنية من الأسماء، ولم يحتج إلى بيان كون المثنى من الأسماء لأمرين: أحدهما: كون التثنية من خواص الأسماء. والثاني: أنه قد جعله محلا للجر في قوله: (جرا ونصبا) فدل على أن كلامه فيما يدخله الجر، وهو الاسم، وأيضا قولك: يفعلان بتثنية ليفعل، لأنك لم ترد أن تضم إلى يفعل هذا يفعل آخر، كما كنت فاعلا في الاسم، فليس المثنى إلا الاسم، ولم يبين الناظم معنى التثنية وكان ذلك مما ينبغي له أن يبينه، والتثنية أن تزيد في آخر الاسم ألفا ونونا في الرفع، وياء ونونا في النصب والجر، ليصير الاسم بذلك يدل على اثنين مما كان يدل عليه قبل ذلك، وحدها المؤلف في "التسهيل" بحد آخر جمع فيه شروط التثنية التي يذكرها هؤلاء المتأخرون فقال: التثنية: جعل الاسم القابل دليل اثنين متفقين في اللفظ غالبا وفي المعنى على رأي بزيادة ألف في آخره رفعا، وياء مفتوح ما قبلها جرا ونصبا، تليهما نون مكسورة

стр. 160

فتحها لغة، وقد تضم. فقوله: "جعل الاسم القابل" يجمع من شروط التثنية الإفراد والإعراب والتذكير. وقوله: متفقين في اللفظ غالبا، وفي المعنى على رأي هما الشرطان الباقيان على أن مذهب الناظم هنا وفي "التسهيل" أن الإعراب ليس بشطر لازم، ألا ترى أن اسم الإشارة والموصول إذا جعلا للمثنى نحو: هذان واللذان فهما عنده من قبيل المثنى حقيقة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ثم نرجع إلى كلامه: فقوله: (بالألف ارفع المثنى) أراد به أن الاسم المثنى رفعه بالألف خلاف ما تقدم، فإن رفعه بالواو، وهذا منه نص في إعراب المثنى، وكذلك يقول في الياء في الجر والنصب إنها العلامة بنفسها من غير تقدير شيء، وهو الذي اختار في "التسهيل" واحتج على صحته في "الشرح" ببطلان ما عداه. وقد ذهب قوم إلى أن الرفع فيه بغير علامة، بل صار عدمها علامة له وأما النصب والجر فعلامتهما التغير والانقلاب وإليه ذهب ابن عصفور. ومنهم من جعل الإعراب بالحركات مقدرة في الألف والياء، فهو عند هؤلاء لم يخرج عن قاعدة الإعراب بالضمة رفعا وبالفتحة نصبا

стр. 161

وبالكسرة جرا. وذهب الأخفش والمبرد غلى أن الإعراب مقدر في الحرف الذي قبل العلامة، وحرف اللين علامة على ذلك. ومنهم من ذهب إلى غير ذلك، ولا حاجة بنا إلى الكلام في إبطالها، وتصحيح مذهب الناظم، وهو مذهب الفراء، وأبي إسحاق الزيادي، وأبي القاسم الزجاجي، وجماعة. ولنا التمسك بالظاهر الذي هو أصل من أصول العربية، فإن حروف اللين نجدها تختلف لاختلاف العوامل، كما تختلف الحركات، فندعي أنها هي الإعراب، ولو زعمنا أن الإعراب غيرها لما ساغ لما فيه من تكلف التقدير المنافي قصد البيان. فإن قيل فقد ثبت أن علامات الإعراب زوائد على الكلمة، وهي الحركات فادعاء غيرها مما ليس بزائد على الكلمة دعوى عارية عن الدليل. فالجواب: أن العذر عن هذا قد تقدم في فصل إعراب الأسماء الستة فلا نعيده. وقوله: (وكلا) معطوف على المثنى، يعني أن رفع "كلا" بالألف أيضا، فتقول: جاءني الزيدان كلاهما، فتكون علامة الرفع فيها الألف، كما كانت الألف علامة الرفع في المثنى، إذا قلت: جاء الرجلان ثم إنه لم يجعل ذلك فيها مطلقا، بل شرط في ذلك وهو أن يضاف إلى المضمر، وذلك قوله: (إذا بمضمر مضافا وصلا). فقوله: (بمضمر) متعلق بـ

стр. 162

(وصلا)، وضمير (وصل) عائد على (كلا) باعتبار كونه لفظا، و (مضافا) حال من ضمير وصل، والتقدير: إذا وصل بضمر حال كونه موصولا به، يعني أن (كلا) إنما تعرب إعراب المثنى إذا أضيفت إلى مضمر فتقول: جاءا كلاهم، ورأيتهما كليهما، وجئت إليهما كليهما، وسواء كان هذا المضمر لمتكلم، أو مخاطب، أو غائب، نحو: أتينا كلانا، وأكرمتكما كليكما ومررت بهما كليهما، أما إذا كانت مضافة إلى الظاهر فمهوم شرطه أنها لا تعرب هذا الإعراب، وإذا لم تعرب كذلك رجعت إلى أصله المتقدم، وهو الإعراب بالحركات حسب ما تقدم، فقول الفرزدق: كلاهما حين جد الجري بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما راب الأولى فيه: معربة بالحروف والثانية: معربة بالحركات. فالحاصل أن "كلا" عنده تارة تعرب بالحروف كالمثنى، وتارة تعرب بالحركات كالمفرد المنصرف، وهذا مذهبه في "كلا" في تواليفه مثل "التسهيل" و "الفوائد" و "لبّ الألباب" ووجه هذه التفرقة عند أن (كلا) لما كانت مفردة اللفظ مثناة في موضع، إلا أن آخره معتل، فلم يلق به من إعراب المفرد إلا المقدر فجعل ذلك مضافا إلى مظهر ليتخلص من اجتماع إعرابي تثنيته في شيئين كشيء واحد، وجعل الآخر مضافا إلى مضمر؛ لأن المحذور فيه قد أمن بهذا وجّهه في "شرح

стр. 163

التسهيل" وكلامه هنا إنما هو على اللغة المشهورة في "كلا" وقد ترك وجهين للعرب فيهما: أحدهما لكنانة، وهو إجراؤها مجرى المثنى مطلقا، مضافة إلى المضمر أو إلى الظاهر فيقول هؤلاء: رأيت كليْ أخويك، ومررت بكلي أخويك، كما يقول الجمهور: رأيتهما كليهما، ومررت بهما كليهما. والثاني: إجراؤها مجرى المقصور مطلقا، وهو الجاري على لغة بلحارث بن كعب، وعلى لغة من قال: إلاك وعلاك، وإنما تر ذكرهما لقلتهما، فاكتفى بما هو الشهير في الكلام ويمكن أن يكون غير تارك لهما، فتكون "كلا" على لغة بلحارث جارية مجرى المفرد المقصور، فترجع إلى الأصل المتقدم من الإعراب بالحركات مطلقا، وعلى هذا دل كلامه في "التسهيل" حيث قال: وما أعرب إعراب المثنى مخالفا لمعناه أو غير صالح للتجريد، وعطف مثله عليه فملحق به. ثم قال: وكذلك "كلا" و "كلتا" مضافين إلى مضمر، ومطلقا على لغة كنانة. انتهى، وترك لغة بلحارث لدخولها في حكم المفرد المنصرف، ثم قال: "كلتا" يحتمل في إعرابها وجهان: أحدهما: أن تكون منصوبة الموضع عطفا على "كلا" في قوله: "بالألف ارفع المثنى وكلا" فكأنه قال: ارفع المثنى وكلا وكلتا، إلا أنه حذف حرف العطف، كما قال قائل: أكلت لحما سمكا تمرا. قال ابن جني: أراد

стр. 164

لحما وسمكا وتمرا، وعلى هذا يكون قوله: (كذاك) خبرا للمبتدأ الذي هو اثنان واثنتان. وقوله: (كابنين وابنتين يجريان) بدل من (كذاك). والثاني: أن تكون "كلتا" مرفوعة على الابتداء، وخبرها كذلك، ويكون "ذا" إشارة إلى "كلا" وعلى الأول يكون إشارة إلى المثنى. وقوله: (اثنان واثنتان .. ) إلى آخره مبتدأ، خبره المجرور بعده على هذا الوجه الثاني، وعلى كلا الوجهين أراد أن "كلتا" حكمها حكم "كلا" فيما ذكر، فترفعها بالألف إذا أضيفت إلى مضمر، وبالحركات إذا فقد هذا الشرط، والكلام فيهما واحد. واعلم أن كلام الناظم يقتضي في "كلا" أمرين: أحدهما: أن "كلا" عنده من قبيل المفردات، لا من قبيل المثنيات وذلك أنه عطفها على المثنى حيث قال: (بالألف ارفع المثنى وكلا)، فدل على أنها ليست من المثنى حقيقة، وإلا فكان يكفيه إطلاق لفظ المثنى فيدخل فيه. وهذا المذهب هو رأي أهل البصرة، وذهب أهل الكوفة إلى أنها من قبيل المثنى حقيقة، كغلاما زيد، وصاحبا عمرو، وكذلك كلتا، وواحد "كلا" كل، فخففت اللام، وواحد

стр. 165

كلتا كلت، وأنشدوا: في كلتَ رجليها سلامى واحده ... كلتاهما مقرونة بزائدة فأفرد في البيت الأول وثنى في الثاني، وإذا كانا كذلك استويا مع سائر المثنيات، وحداهم إلى هذا الانقلاب ألفهما مع المضمر، نحو: رأيتهما كليهما، ومررت بهما كليهما. والصحيح ما ذهب إليه الناظم والبصريون إذ ليس "كلا" من لفظ كل بسبيل، ولا "كلتا" مفردها "كِلت"، بل "كلت" محذوفة من "كلتا"، وأبقيت الفتحة في التاء دليلا عليها، كذا قال ابن الأنباري والسيرافي، وأيضا انقلاب الألف مع المضمر لا يدل على أنهما مثنيان، بل يدل على خلاف ذلك، إذ لو كانا لم يختص انقلاب الألف بالمضمر، بل كانت تنقلب مطلقا، والمضمر كالمثنى من لك وجه، فلما لم تكن كذلك دل على مخالفة ما هي فيه للمثنى، وأيضا لو كان من قبيل المثنى لم يعد عليهما ضمير المفرد في غير ندور، بل كان يكون الضمير العائد عليهما ضمير المثنى، لكنهم لم يفعلوا إلا العكس، قال الله تعالى: ((كلتا الجنتين آتت أكلها)) ولم يقل أتتا أكلهما، وكذلك الحال في "كلا" قال الأعشى:

стр. 166

أكاشره وأعلم أن كلانا ... على ما ساء صاحبه حريص والكلام في الاحتجاج يطول. والأمر الثاني: أن إعرابهما عنده على وحين بالحروف تارة، وبالحركات أخرى، وذلك احد المذاهب الثلاثة، وهو ظاهر كلام الفارسي في الجزء الأول من "الإيضاح" وظاهر كلام ابن جني في كتاب "التعاقب" وعليه طائفة من المشارقة. والثاني: أنهما معربان بالحركات مطلقا، وهو رأي الجمهور ممن نفى التثنية عنهما، وإنما انقلبت ألفهما في الجر والنصب حملا على "لدى" في الجرّ، و "إلى" و "على"، أعني مع المضمر فقالوا في النصب كليهما كما قالوا: لديهما. وقالوا في الجر كذلك، كما قالوا: إليهما. قال سيبويه: وسألت الخليل ﵀ عمن قال: رأيت كلا أخويك، ومررت بكلا أخويك، ثم قال: مررت بكليهما. فقال جعلوه بمنزلة عليك ولديك في الجر والنصب، لأنهم ظرفان يستعملان في الكلام مجرورين ومنصوبين، فجعل "كلا" بمنزلتهما حين صار في موضع الجر والنصب. والثالث: من المذاهب أنهما معربان بالحروف مطلقا كالمثنى، وهو رأي الكوفيين، وقد تقدم وجه ما ذهب إليه الناظم، وقد رجح ما ذهب إليه بثلاثة

стр. 167

أشياء. أحدها: أن كنانة أجرتهما مع الظاهر مجرى المثنى أيضا، وبذلك يتبين صحة قول من جعل: "كلا" و "كلتا" من المعرب بحرف لا بحركة مقدرة. فإن القائل: إنهما معربان بحركة مقدرة، يزعم أن انقلاب ألفهما ياء مع المضمر بالحمل على ألف "لدى" و "إلى" و "على"، ولو كان الأمر كما قال لامتنع انقلاب ألفهما ياء مع الظاهر في لغة كنانة، كما يمتنع عندهم وعند غيرهم انقلاب ألف "لدى" و "إلى" و "على" مع الظاهر. والثاني: أن مناسبتهما للمثنى أقوى من مناسبتهما لـ "لدى" و "على" ومراعاة أقوى المناسبتين أولى من مراعاة أضعفهما. والثالث: أن تغير ألفها حادث عن تغير عامل، وتغير ألف "لدى" و "إلى" و "على" حادث بغير تغير عامل، فتباينا وامتنع أن يحمل أحدهما على الآخر. ثم قال: (اثنان واثنتان كابنين وابنتين يجريان) يعني أن هذين اللفظين حكمهما حكم المثنى حقيقة في الإعراب. فتقول: هذان اثنان كما تقول: هذان ابنان، وتقول: هاتان اثنتان، كما تقول: هاتان ابنتان وكذلك الحكم فيهما جرا ونصبا حسب ما نبه عليه، وبين هذا فيهما لأنهما ليسا من

стр. 168

قبيل المثنى حقيقة كـ "كلا" و "كلتا"، إذا ليس لهما مفرد كابنين وابنتين، ولا يحتاج إلى التنبيه عليهما. فقوله: "كابنين" وابنتين" أي كجريان المثنى حقيقة يجريان ويجري مجراهما ثنتان في أن حكمه حكم قولك: بنتان. واعلم: أنا إذا جعلنا قوله: (كابنين ... ) إلى آخره "خبر اثنان واثنتان، كذلك على تقدير أن يكون قوله: "كذاك" خبر كلتا، فلا إشكال في حصول الفائدة بقوله: (كابنين وابنتين يجريان) إلا أن "كذاك" إشارة إلى البعيد، وإنما أشار إلى قريب فيكون عامله معاملة البعيد ومثل هذا الاستعمال سائغ، وإن كان على خلاف الأصل، وأما إذا جعلنا "كذاك" خبر اثنان و "اثنتان" والإشارة إلى المثنى فيقع السؤال عن الفائدة في قوله: (كابنين ... ) إلى آخره "إذ قد حصل" ذاك بالإشارة إلى المثنى، لا سيما وقد أشار "بذاك" المقتضية غير القريب، فلذلك كان يكفي، إذ لا يتوهم معها أن المراد "كلا" لأن الإشارة إليها إنما تكون بذا المقتضية للقرب، لا بذاك المقتضية لغيره، فالحاصل للفهم أن اثنين واثنتين كالمثنى، فما الفائدة في قوله: (كابنين وابنتين يجريان)؟ والجواب: أن الإشارة بذاك ليست بنص فيما دون القريب إذ قد يقع ذو البعد موضع ذي القرب وبالعكس لمقاصد، أو للاتساع في الكلام، وإذا كان كذلك أوهم الموضع أن تكون الإشارة بذاك إلى القريب كما

стр. 169

هي للقريب في الوجه الآخر، حيث جعلنا كذاك خبر "كلتا"، إذ ليست الإشارة فيه إلا لكلا، وهي أقرب في الذكر من المثنى فرفع الناظم هذا الإيهام بقوله: "كابنين وابنتين يجريان" وعين أن الإشارة للمثنى لا لكلا والله أعلم. فإن قيلك اقتصار الناظم على أربعة ألفاظ مما أجرى مجرى المثنى مشكل، ؛ فإنه إما أن يريد أن هذه الألفاظ وما كان مثلها مما شذ عن الباب فيكون اقتصاره عليها تنبيها على ما هو في معناها مما لم يذكر، وإما أن يريد أن هذه الألفاظ بخصوصها شذت، وترك ذكر ما عداها، وعلى كلا التقديرين يرد الإشكال، فإن أراد الأول فليس في لفظه ما يدل عليه إذ لم يقل بالألف ارفع المثنى وكذا كذا، وما كان نحوها، ولا ما أشبه ذلك، وإن أراد الثاني كان اقتصاره على ما ذكر قصورا مع القدرة على التنبيه على ما بقي، بأقل إشارة، ولإيهام أن هذه المذكورة هي التي شذت عن باب المفردات، وذلك قادح، وقد جعل في "التسهيل" وشرحه ما شذ من ذلك على ضربين: أحدهما: ما خرج عن حقيقة التثنية، بكونه مخالفا لمعنى المثنى وإن صلح للتجريد وعطف مثله. والثاني: ما وافق معنى المثنى لكنه غير صالح للتجريد وعطف مثله عليه فمن الأول ما أريد به التكثير نحو قول الله تعالى: ((ثم ارجع البصر كرتين)) المعنى كرّات كثيرة لقوله: ((ينقلب إليك البصر خاسئا)) أي: مزدجر، ((وهو حسير)) أي: كليل، وقالوا: سبحان الله

стр. 170

وحنانيه، المعنى: حنان بعد حنان. وأنشد البغداديون: ومهمهين قذفين مرتين قال الفراء: أراد ومهمة بعد مهمة. ومنه مما يراد به الجمع قول الله تعالى: ((فأصلحوا بين أخويكم)) أي: بين إخوانكم. وفي الحديث: "البيعان بالخيار". والمراد البيعون. ومن الثاني: مما هو مفرد ولا يصلح للتجريد، قولهم للذي يأخذ به الحداد الحديد المحمى: كلبتان. وقولهم: البحران وأبانان ونحو ذلك. ومنه ما يصلح لعطف مخالفة عليه، لا مثله كالقمرين في الشمس والقمر، والزهدمين في زهدم وكردم. ومن ذلك قولهم لما هو وسط الشيء: هو بين ظهريهم وظهرانيهم ولقيته بين الظهرين والظهرانين، أي: في اليومين أو في الأيام، وقالوا: المِذرَوان، ومنه ما هو مساو لمفرده نحو: نزل فلان حولنا وحوالنا وحوالينا. وفي الحديث: "اللهم حوالينا

стр. 171

ولا علينا"، وأنشدوا. ماء رواء ونصى حوليه وأجاز الفراء أن يكون من هذا النوع قوله تعالى: ((ولمن خاف مقام ربه جنتان)) ويدخل تحت هذا الضرب ما ذكره الناظم فكان الأولى به أن يقول كما قاله في "التسهيل" فيجمع الضربين، أو يأتي بما يرفع عنه الإيراد. فالجواب: أنا نلتزم أنه قصد الأمر الثاني، ولا يلزم عليه اعتراض، وذلك أن الضرب الأول مما ذكر في السؤال غير خارج عن كونه مثنى حقيقة إذا تأملته، ولولا الإطالة لبين ذلك. وأما الضرب الثاني فليس بضروري الذكر لوجهين: أحدهما: أنه غير مقيس، وإنما هو موقوف على السماع، فلو لم ينبه على شيء منه لما لزمه اعتراض؛ لأن النحويَّ لا يتكلم إلا فيما كان مقيسا خاصة.

стр. 172

والثاني: أن ما لم يذكر منه قليل في الكلام، وغيره متداول في الاستعمال بخلاف الألفاظ الأربعة التي ذكر، فإنها كثيرة الدوران في الاستعمال، فاقتصر على ذكر حكمها في النحو، لشدة الحاجة إليها، كما اقتصر في الجمع أيضا على المحتاج إليه، الدائر على الألسنة دون غيره مما له حكمه. وذلك في قوله: "وبه عشرونا وبابه ألحق والأهلونا .. " إلى آخرها ولم يتعرض لنحو "صريفين" و "قنسرين" و "نصيبين" و"صفين" و "مرئين" في جمع مرء، المراد به امر، وقولهم أطعمنا مرقة مرقين، وما كان نحو هذا، وفي نظمه مواضع من هذا النحو، يأتي التنبيه عليها حيث نعرض لها إن شاء الله، فكذلك يقال في هذا الموضع، وهو قصد صحيح بالنسبة إلى علم النحو عموما، وإلى مما انتصب له في هذا النظم من الإتيان بجلائل النحو وما يليها خصوصا. واعلم أن "هذان" و "هذين" و "اللذان" و "اللذين" و "اللتان" و "واللتين" عند الناظم من قبيل المثنى حقيقة، فهي داخلة تحت قوله: (بالألف ارفع المثنى) لكن لما كانت عند جمهور البصريين غير مثناة حقيقة، ومخالفة في بعض الأحكام للمثنى لم يقتصر على دخولها هنا، بل نبه عليها في أبوابها حسب ما يأتي إن شاء الله. ثم ذكر كم الجر والنصب فقال: (وتخلف اليا في جميعها

стр. 173

الألف جرًا ونصبًا) يعني أن الياء تقع خلفا من اللف في الجر والنصب معا فتكون علامة لهما، وذلك في جميع ما ذكر من المثنى والجاري مجراه، وذلك قوله: (في جميعها) فالضمير عائد على المثنى والجاري مجراه، وذلك قوله: (في جميعها) فالضمير عائد على المثنى، وما ذكر مما جرى مجراه، وشرط أن تكون الياء (بعد فتح قد ألف) تحرزا من أنتكون بعد كسر، فإنه كان يلتبس بالجمع، فجعلت الفتحة في المثنى قبل الياء فرقا بينهما وبين ياء الجمع، هذا تعليل طائفة فتقول: مررت بالزيدين، ورأيت الزيدين كليهما، ومررت بهما كليهما، ورأيت الهندين كلتيهما، ومررت بهما كلتيهما، وغرست من الشجر اثنين، ورأيت من الرجال اثنين وما أشبه ذلك. وقيّد الفتح بأنه قد الف من حيث كان مألوفا في الرفع؛ لأن الألف تطلب بفتح ما قبلها أبدا، فلما جاءت الياء في موضعها ترك ما قبل ذلك على فتحه، ولذلك أتى بلفظ (تخلف)، أي: تكون خلفا منها وعوضا، لأن الخالف للشيء محرز لموضع ما خلفه، فلا ينبغي أن يغير من حكمه شيئا، وكأنه -والله أعلم- أشار بهذا إلى علة هذا الفتح، وأنه الذي ألف في الرفع فلذلك ثبت هنا قبل الياء، ولم يكن كسرا، وهو الذي يناسب الياء، وكأنه لم ير التعليل بالتفرقة بين ياء المثنى والمجموع تعليلا كافيا. إذ يقال له: فما وجه الاختصاص؟ فنبه على أنه إنما اختص المثنى بالفتح، لكونه مألوفا فيه ومعتادا، وذلك حالة الرفع، وأيضا فلا يرد السؤال على الكسر قبل الياء، لأنه المناسب لها، بخلاف الفتح فإنه غير مناسب، فلذلك نبه على علة الفتح هنا، بعد ما نبه على أنه الذي يجب فيه التثنية، ولما كان الكسر هو الجاري على القياس والمناسب للياء لم ينبه عليه في الجمع ولا على علة الفتح هنا، بعد ما نبه على أنه الذي يجب في التثنية، ولما كان الكسر هو الجاري على القياس والمناسب للياء لم ينبه عليه في الجمع ولا على علته، بل قال: (وارفع بواو ... وبيا اجرر وانصب) وترك التنبيه على كون الياء مكسورة ما قبلها، كما لم ينبه على ضم ما قبل الواو أيضا، للعلم بأن

стр. 174

ذلك هو المناسب فيهما، وهذا (التنبيه) حسن في معناه. ويقال: خلف فلان فلانا، إذا صار خليفة له، وخلفته في قومه خلافة، ومنه قول الله تعالى -حكاية عن موسى ﵇: ((اخلفني في قومي)) الآية. وخلفته أيضا إذا جئت بعده، وخلف قوم بعد قوم منه أيضا، ومنه قول الله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف)) و "ألف": من ألفت الشيء ءآلفه إلفا، وقدم الناظم الجر على النصب في قوله: جرا ونصبا لأن الجر أحق بالياء من النصب، إذ الياء من الكسرة هي علامة الجر في الأصل وحمل النصب على الجر. * ... * ... * ثم: أو ارفع بواو وبيا أجرر وانصب ... سالم جمع عامر ومذنب وشبه ذين وبه عشرونا ... وبابه ألحق والأهلونا أولو وعالمون عليونا ... وأرضون شذ السنونا وبابه ومثل حين قد يرد ... ذا الباب وهو عند قوم يطرد هذا نوع ثالث من نيابة الحرف عن الحركة في الإعراب، وهو أن تكون الواو نائبة عن الضمة، والياء نائبة عن الفتحة والكسرة،

стр. 175

فتكون الواو علامة الرفع، والياء علامة الجر والنصب، وذلك في الجمع السالم المختص بنحو: عامر ومذنب، وهو الجمع الذي على حد التثنية، ويسمى جمع المذكر السالم، وإنما سماه سالما لسلامة بناء الواحد فيه، فإذا قلت: عامرون في عامر، ومذنبون في مذنب، فلم تزد على أن ألحقت العلامتين آخر المفرد فهو سام عن التغيير، وتحرر بذلك عن المجموع جمع التكسير، وهو ما تغير فيه بناء الواحد بزيادة أو نقصان أو تبديل شكل، فإن مثل هذا إنما يعرب بالحركات لا بالحروف، نحو: الزيود، جمع زيد، ورأيت الزيود، ومررت بالزيود. وقله: (وبيا اجرر) أصله بياء اجرر، لكنه قصره ضرورة وكثيرا ما يفعل هذا، كما قال بعد هذا: (وما بتا وألف قد جمعا) ثم لما قصره بقي التنوين ساكنا، وألف اجرر ساكنة أيضا، فالتقى ساكنان، فكان القياس كسر التنوين، إلا أن الناظم اضطر إلى حذفه فحذفه، كما حذفه أبو الأسود: فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا

стр. 176

وقرئ من الشواذ: ((قل هو الله أحدُ الله الصمدُ)) وجعل إعراب هذا الجمع بالحروف أنفسها، كما ذهب إليه في التثنية، وهو أحد المذاهب فيه، والخلاف في الموضعين واحد والترجيح واحد فلا نعيده. وقوله: (سالم جمع عامر ومذنب وشبه ذين) إعلام بأن هذا الإعراب إنما يجعل لجمع ما كان مثل هذين الاسمين، إذا جُمع جَمع سلامة، تحررا مما لم يكن مثلهما، فإنه لا يعرب هذا الإعراب لكونه لا يجمع هذا الجمع، وكأنه قصد في هذا الكلام إدراج مسألة في مسألة أخرى، وذلك أن قصده أن يبين علامات الإعراب في جمع المذكر السالم، كما بين ذلك في التثنية والأسماء الستة غير أن هذا الجمع يبقى غير معرف به، فأدرج ذلك في كلامه، وأشار إلى أنه الجمع الذي يجمع عليه عامر ومذنب وما أشبههما مما كان على وصفهما فخرج بذلك جمع السلامة، بالألف والتاء، إذ له إعراب آخر سنذكره. والقاعدة عند النحويين في هذا أن يقال: الاسم المجموع جمع سلامة بحرف العلة والنون على ضربين: جامدة وصفة، فأما الجامد: فيشترط في جمعه كذلك أربعة شروط، زيادة إلى شروط التثنية: أحدهما: الذكورية في المعنى، فإنه إن كان مؤنث المعنى لم يجمع هذا الجمع، نحو: هند ودعد وزينب، فلا تقول: هندون ولا دعدون ولا زينبون. والثاني: العلمية، تحرزا من النكرة، والمعرف بغير العلمية فإنهما

стр. 177

لا يجمعان هكذا لا تقول: في رجل: رجلون، ولا في الغلام وغلام زيد الغلامون وغلامو زيد. والثالث: العقل، فإن ما ليس بعاقل لا يصلح لهذا الجمع، وإن كان مذكرا في المعنى وعلما فلا تقول في لاحق اسم فرس: لاحقون، ولا في شدق اسم فحل من الإبل شدقم، ولا ما أشبه ذلك. والرابع: خلوه من هاء التأنيث تحرزا من نحو: طلحة وحمزة، فإنك لا تقول فيهما شرط التذكير في المعنى والعلمية والعقل، وهذه الأوصاف الأربعة موجودة في عامر الذي نبه به الناظم، إذ هو مذكر في المعنى، علم عاقل، خال من هاء التأنيث فتجمعه وما كان مثله هذا الجمع، فتقول: العامرون والعامرين، ومثله الزيدون والزيدين، والجعفرون والجعفرين، والخالدون والخالدين وما أشبه ذلك، وقد ظهر بهذا مخالفته للكوفيين في إجازتهم جمع ما سمي به مما فيه التاء هكذا، فيقولون في حمزة: حمزون، وفي هبيرة هبيرون. والصحيح مذهب البصريين الذي ذهب إليه الناظم؛ لأن السماع بذلك معدوم فضلا عن كونه مما يقاس عليه، فإن سمع من ذلك شيء فمن النادر غير المعتبر، ورد أيضا بأن قيل لهم: إذا جمعتم ذلك بالواو والنون، فإما أن تبقوا العلامة أو تحذفوها،

стр. 178

فإن أبقيتموها لزم اجتماع علامتين متضادتين، وهما التاء والواو؛ لأن الواو علامة تذكير والتاء علامة تأنيث، وذلك غير جائز، وإن حذفتموها غيرتم بنية المفرد بإذهاب حرف دال على معنى، ولا عوض عنه؛ لأنه إنما جاز حذفها في الجمع بالألف والتاء، لتعويض تاء الجمع منها وحذفت في التكسير في نحو: "أعقاب" جمع عقبة؛ لأنه محل تغيير بخلاف جمع السلامة، ولا حجة لهم في جمع ما فيه ألف التأنيث أو همزته إذا سمي به وإن كان يجوز معه بالواو والنون، فتقول في رجل اسمه حُبلى أو حمراء: حبلون وحمراوون؛ لأن ما فيه الألف أو الهمزة قد تنزلتا منزلة الجزء، فجمع الاسم مع بقاهما بخلاف التاء فإنها زائدة على الكلمة فلم يسغ إبقاؤها ولا حذفها دون تعويض، فاختص ما هي فيه بالجمع باللف والتاء دون ما فيه الألف أو الهمزة لذلك. وأما الصفة فيشترط في جمعها هكذا زيادة إلى شروط التثنية ثلاثة شروط: أحدها: الذكورية لفظا ومعنى، فإنه إن كانت مؤنثة لفظا لم تجمع هذا الجمع، ولو كان مدلولها مذكرا نحو: رجل ربعة، ورجل هُزَأة، وعلامة ونسّابة، فلا تقول: رَبعون ولا هُزَؤون ولا علّامون ولا نسّابون، وكذلك إن كانت مؤنثة معنى، وإن كان لفظها مذكرا نحو: حائض وطامث، فلا تقول حائضون ولا طامثون، وكذلك لو اجتمع التأنيثان نحو: حُبلى وحمراء لا تقول الحُبلون من النساء جئنني ولا الحمراوون أتينني.

стр. 179

والثاني: العقل، تحرزا من الصفة الجارية على غير العاقل نحو: سابق إذا أردت به فرسا فلا تقول: سابقون، ولا في قاطع إذا أردت به سيفا قاطعون، ولا ما أشبه ذلك، وما جاء على خلاف ذلك فمسموع نحو ما أنشدوا من قوله: لا خمس إلا جندل إلا حرين ... والخمس قد يجشمك الأمرين وقال الآخر: فأصبحت المذاهب قد أذاعت ... بها الإعصار بعد الوابلينا لكن قد يعامل غير العاقل معاملة إذا وصف بوصف من أوصافه فيجوز إذ ذاك جمعه كما قال الله تعالى -حكاية عن نبيه يوسف ﵇-

стр. 180

((يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)) فعاملها معاملة العاقل حين وصفها بم يختص بالعاقل وهو السجود، وأنشد في "شرح التسهيل" قول الشاعر -يصف قوسا ونبلا-: لها فتية ماضون حيث رمت بهم ... شرابهم قان من الدم أحمر قال: وهذا مطرد فيما جرى هذا المجرى مما لا يعقل، فإن كان الناظم لم يعرض لهذا النوع، بل أخرجه بقوله: (مذنب) من حيث لا تكون هذه الصفة إلا لمن يعقل، وهو الظاهر، فيكون هذا النوع عنده غير مقيس، وهو الذي يظهر من سيبويه وغيره، وإن كان إنما أراد بقوله: (مذنب) أن مثل هذه الصفة التي هي جارية على العاقل وخاصة به تجمع هذا الجمع مطلقا سواء استعملت على حقيقتها، أم جرت على غير عاقل كما جرى (ماضون) في البيت على النبل لما عبر عنها بعبارة من يعقل، وذلك فتية فكذلك يكون لفظ (مذنب) فقد تجريه على ما يتعاصى عليك فيما تريد منه، كبعض الدواب والآلات فتقول: هؤلاء عبيد مذنبون وعاصون فإن تأتت لك وانقادت قلت: هؤلاء مطيعون كما قال في البيت (ماضون حيث رمت بهم) فالحاصل: في هذا الوجه اشترط كون الصفة في الأصل تجري على العاقل، وفي الأول جريانها عليه في الحال، وهذا أظهر في المقصد النحوي،
следующие страницы →