Полный текст (5 477 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وقرئ من الشواذ: ((قل هو الله أحدُ الله الصمدُ)) وجعل إعراب هذا الجمع بالحروف أنفسها، كما ذهب إليه في التثنية، وهو أحد المذاهب فيه، والخلاف في الموضعين واحد والترجيح واحد فلا نعيده.
وقوله: (سالم جمع عامر ومذنب وشبه ذين) إعلام بأن هذا الإعراب إنما يجعل لجمع ما كان مثل هذين الاسمين، إذا جُمع جَمع سلامة، تحررا مما لم يكن مثلهما، فإنه لا يعرب هذا الإعراب لكونه لا يجمع هذا الجمع، وكأنه قصد في هذا الكلام إدراج مسألة في مسألة أخرى، وذلك أن قصده أن يبين علامات الإعراب في جمع المذكر السالم، كما بين ذلك في التثنية والأسماء الستة غير أن هذا الجمع يبقى غير معرف به، فأدرج ذلك في كلامه، وأشار إلى أنه الجمع الذي يجمع عليه عامر ومذنب وما أشبههما مما كان على وصفهما فخرج بذلك جمع السلامة، بالألف والتاء، إذ له إعراب آخر سنذكره.
والقاعدة عند النحويين في هذا أن يقال: الاسم المجموع جمع سلامة بحرف العلة والنون على ضربين: جامدة وصفة، فأما الجامد: فيشترط في جمعه كذلك أربعة شروط، زيادة إلى شروط التثنية:
أحدهما: الذكورية في المعنى، فإنه إن كان مؤنث المعنى لم يجمع هذا الجمع، نحو: هند ودعد وزينب، فلا تقول: هندون ولا دعدون ولا زينبون.
والثاني: العلمية، تحرزا من النكرة، والمعرف بغير العلمية فإنهما
стр. 177
لا يجمعان هكذا لا تقول: في رجل: رجلون، ولا في الغلام وغلام زيد الغلامون وغلامو زيد.
والثالث: العقل، فإن ما ليس بعاقل لا يصلح لهذا الجمع، وإن كان مذكرا في المعنى وعلما فلا تقول في لاحق اسم فرس: لاحقون، ولا في شدق اسم فحل من الإبل شدقم، ولا ما أشبه ذلك.
والرابع: خلوه من هاء التأنيث تحرزا من نحو: طلحة وحمزة، فإنك لا تقول فيهما شرط التذكير في المعنى والعلمية والعقل، وهذه الأوصاف الأربعة موجودة في عامر الذي نبه به الناظم، إذ هو مذكر في المعنى، علم عاقل، خال من هاء التأنيث فتجمعه وما كان مثله هذا الجمع، فتقول: العامرون والعامرين، ومثله الزيدون والزيدين، والجعفرون والجعفرين، والخالدون والخالدين وما أشبه ذلك، وقد ظهر بهذا مخالفته للكوفيين في إجازتهم جمع ما سمي به مما فيه التاء هكذا، فيقولون في حمزة: حمزون، وفي هبيرة هبيرون. والصحيح مذهب البصريين الذي ذهب إليه الناظم؛ لأن السماع بذلك معدوم فضلا عن كونه مما يقاس عليه، فإن سمع من ذلك شيء فمن النادر غير المعتبر، ورد أيضا بأن قيل لهم: إذا جمعتم ذلك بالواو والنون، فإما أن تبقوا العلامة أو تحذفوها،
стр. 178
فإن أبقيتموها لزم اجتماع علامتين متضادتين، وهما التاء والواو؛ لأن الواو علامة تذكير والتاء علامة تأنيث، وذلك غير جائز، وإن حذفتموها غيرتم بنية المفرد بإذهاب حرف دال على معنى، ولا عوض عنه؛ لأنه إنما جاز حذفها في الجمع بالألف والتاء، لتعويض تاء الجمع منها وحذفت في التكسير في نحو: "أعقاب" جمع عقبة؛ لأنه محل تغيير بخلاف جمع السلامة، ولا حجة لهم في جمع ما فيه ألف التأنيث أو همزته إذا سمي به وإن كان يجوز معه بالواو والنون، فتقول في رجل اسمه حُبلى أو حمراء: حبلون وحمراوون؛ لأن ما فيه الألف أو الهمزة قد تنزلتا منزلة الجزء، فجمع الاسم مع بقاهما بخلاف التاء فإنها زائدة على الكلمة فلم يسغ إبقاؤها ولا حذفها دون تعويض، فاختص ما هي فيه بالجمع باللف والتاء دون ما فيه الألف أو الهمزة لذلك.
وأما الصفة فيشترط في جمعها هكذا زيادة إلى شروط التثنية ثلاثة شروط:
أحدها: الذكورية لفظا ومعنى، فإنه إن كانت مؤنثة لفظا لم تجمع هذا الجمع، ولو كان مدلولها مذكرا نحو: رجل ربعة، ورجل هُزَأة، وعلامة ونسّابة، فلا تقول: رَبعون ولا هُزَؤون ولا علّامون ولا نسّابون، وكذلك إن كانت مؤنثة معنى، وإن كان لفظها مذكرا نحو: حائض وطامث، فلا تقول حائضون ولا طامثون، وكذلك لو اجتمع التأنيثان نحو: حُبلى وحمراء لا تقول الحُبلون من النساء جئنني ولا الحمراوون أتينني.
стр. 179
والثاني: العقل، تحرزا من الصفة الجارية على غير العاقل نحو: سابق إذا أردت به فرسا فلا تقول: سابقون، ولا في قاطع إذا أردت به سيفا قاطعون، ولا ما أشبه ذلك، وما جاء على خلاف ذلك فمسموع نحو ما أنشدوا من قوله:
لا خمس إلا جندل إلا حرين ... والخمس قد يجشمك الأمرين
وقال الآخر:
فأصبحت المذاهب قد أذاعت ... بها الإعصار بعد الوابلينا
لكن قد يعامل غير العاقل معاملة إذا وصف بوصف من أوصافه فيجوز إذ ذاك جمعه كما قال الله تعالى -حكاية عن نبيه يوسف ﵇-
стр. 180
((يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)) فعاملها معاملة العاقل حين وصفها بم يختص بالعاقل وهو السجود، وأنشد في "شرح التسهيل" قول الشاعر -يصف قوسا ونبلا-:
لها فتية ماضون حيث رمت بهم ... شرابهم قان من الدم أحمر
قال: وهذا مطرد فيما جرى هذا المجرى مما لا يعقل، فإن كان الناظم لم يعرض لهذا النوع، بل أخرجه بقوله: (مذنب) من حيث لا تكون هذه الصفة إلا لمن يعقل، وهو الظاهر، فيكون هذا النوع عنده غير مقيس، وهو الذي يظهر من سيبويه وغيره، وإن كان إنما أراد بقوله: (مذنب) أن مثل هذه الصفة التي هي جارية على العاقل وخاصة به تجمع هذا الجمع مطلقا سواء استعملت على حقيقتها، أم جرت على غير عاقل كما جرى (ماضون) في البيت على النبل لما عبر عنها بعبارة من يعقل، وذلك فتية فكذلك يكون لفظ (مذنب) فقد تجريه على ما يتعاصى عليك فيما تريد منه، كبعض الدواب والآلات فتقول: هؤلاء عبيد مذنبون وعاصون فإن تأتت لك وانقادت قلت: هؤلاء مطيعون كما قال في البيت (ماضون حيث رمت بهم) فالحاصل: في هذا الوجه اشترط كون الصفة في الأصل تجري على العاقل، وفي الأول جريانها عليه في الحال، وهذا أظهر في المقصد النحوي،
стр. 181
وهو مراد من اشترط العقل.
والثالث: صحة لحاق هاء التأنيث في مؤنثها، تحرزا من نحو: قتيل وصبور وأحمر وسكران فإنك أردت المؤنث منها لم تلحق التاء فيها، وإنما تقول: امرأة صبور وقتيل بغير تاء، وامرأة حمراء وسكرى، فتأتي للمؤنث ببنية أخرى، فلا يصح إذ أن تقول: رجال قتيلون ولا صبورون ولا أحمرون ولا سكرانون، وما جاء من ذلك فشاذ نحو قول قيس بن رفاعة:
منا الذي هو ما إن طر شاربه ... والعانسون ومنا المرد والشيب
وقال الشاعر:
فما وجدت نساء بني نزار ... حلائل أسودين وأحمرينا
فإذا اجتمعت الشروط الثلاثة جاز في الصفة هذا الجمع نحو: الصالحون والحامدون والظالمون والمسلمون والحسنون و "المذنبون" في مثال الناظم، وهو الذي أشار به إلى هذه الشروط؛ لأن هذه الصفات كلها تلحقها التاء، إذا أريد بها المؤنث، فإذا شروط الجامد مشار إليها بمثال عامر، وشروط الصفة مشار إليها بمثال مذنب، وحصل بذلك ضابط ما يجمع على حد التثنية وما لا، بأوفى كمال في أشد اختصار، وهذه عوائد في هذا النظم كما ستراه في أثناء هذا الشرح بحول الله تعالى.
وقوله: (وشبه ذين) تنبيه على أنه لم يرد خصوص المثالين، بل أراد مع ذلك كل ما كان في معناهما، ثم ذكر ما ألحق بهذا الجمع في الإعراب
стр. 182
بالحروف فقال: (وبه عشرون وبابه ألحق) ضمير "به" عائد على الجمع السالم المذكر، يعني أن العرب قد ألحقت بهذا الجمع في الإعراب ما ليس في بابه، إما لأنه اسم جمع، وإما لأنه جمع تكسير أو جمع سلامة، لكنه غير مستوف للشروط، أو مفرد ليس فيه معنى جمع، فأما "عشرون وبابه" وذلك ثلاثون وأربعون وخمسون إلى التسعين فملحقات بالجمع كما قال، وإن لم تكن جموعا حقيقية، إذ ليس "عشرون" مما له مفرد ولا ثلاثون مفردة ثلاثة ولا أربعون مفرده أربعة، وكذلك سائرها، إذ كان يلزم أن يكون أقل ما ينطلق عليه ثلاثون تسعين، وأقل ما ينطلق عليه أربعون مائة وعشرون، وذلك فاسد، وإنما هي أسماء تشبه أسماء الجموع أعربت إعراب جمع السلامة، وقد حكى المؤلف عن بعضهم أنها جموع على سبيل التعويض، كأرض لما سقطت منها تاء التأنيث حين عد بها المؤنث، ولم يكن من حقها أن تسقط، جمعت هذا الجمع تعويضا، وما تقدم يرد عليه، وأما الأهلون فجمع أهل، إلا أنه غير مستوف لشروط الجمع إذ ليس علما ولا صفة، لكن أهلا قد يستعمل استعمال مستحق في قولهم: هو أهل لكذا، بمعنى مستحق له، فعومل معاملته. قال الله تعالى: ((سيقول المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا
стр. 183
وأهلونا))، وقال: من أوسط ما تطعمون أهليكم))، وفي الحديث: "إن لله أهلين من الناس"، وقوله (والأهلونا أولو) أي وأولو، وعالمون ... إلخ مبتدآت معطوف بعضها على بعض خبرها قوله: (شذ)، وضمير شذ عائد على جميع ما ذكر على المعنى، كأنه قال: "شذ" ما ذكر ومثله ما قال رؤبة:
فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَيَلَقْ ... كَأَنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
قال أبو عبيدة قلت لرؤبة: إن كانت الخطوط فقل كأنها، وإن كان سواد وبياض فقل كأنهما، فقال: كأن ذلك ويلك توليع البَهَق، فحمل الكلام كما ترى على معناه، فكذلك قول الناظم: "شذ" وأما "أولو" فاسم جمع وليس له واحد من لفظه، فليس على سبيل الجمع، ولكنّك تقول: جاءني أولو العلم، ورأيت أولي العلم، ومررت بأولي العلم، كما تقول: جاءني حاملوا العلم، ورأيت حاملي العلم، ومررت بحاملي العلم، قال الله تعالى: ((والملائكة وأولو العلم)) وقال: ((واتقون يا أولي الألباب))، ومفرده من جهة المعنى "ذو" الذي بمعنى صاحب، فهو مرادف لذووا، إذا قلت: ذوو العلم، إلا أن ذوو جمع حقيقة، فلذلك لم يذكره في الملحقات بالجمع، وأما "عالمون" فهو عند الناظم على ما ظهر منه اسم جمع، وليس بجمع
стр. 184
عالم وعلى مقتضى هذا الظاهر نص في "شرح تسهيل" فقال: وأما "عالمون" فاسم جمع مخصوص بمن يعقل قال: وليس جمع عالم؛ لأن العالم عالم، والعالمين خاص، وليس ذلك شأن الجموع ولذلك أبى سيبويه أن يجعل الأعراب جمع عَرَب؛ لأن العرب يعم الحاضرين والبادين، والأعراب خاص بالبادين وما قاله بناء منه على أنه خاص بمن يعقل، كما ذكر، وفيه اختلاف، وقد ذهب كثير من العلماء وأهل اللغة إلى أنه جمع عالم على حقيقة الجمعية، لكنهم اختلفوا في تفسير العوالم التي جمعت هذا الجمع، فمنهم من ذهب إلى أنها أصناف الخلق ما عقل منها ما لم يعقل، وهذا ظاهر كلام الجوهري ورأى أبي الحسن ومنهم من ذهب إلى أنها أصناف العقلاء وهم الإنس والجن والملائكة، وهو رأي أبي عبيد، ومنهم من ذهب غلى غير ذلك مما لا يحتاج إلى ذكره، فالأول صحيح في القياس من باب التغليب، كما تقول في رجل سابق وفرسين سابقين سابقون. والثاني كذلك أيضا صحيح وليس مفردة إذ ذاك أعم منه، بل هو بالعكس، فقد خالف العرب مع الإعراب، وصار كعالم مع عالمون، ولكن لا يخرج عن كونه جاريا مجرى الجمع وليس بجمع حقيقة، لعدم استيفاء شروطه، إذ قد فاته شرطان:
أحدهما: أنه ليس بعلم، ومن شروط الجامد أن يكون علما.
стр. 185
والثاني: أنه ليس بعاقل؛ لأن لفظ "عالم" عبارة عن الصنف والصنف من جهة ما هو صنف ليس مما يوصف بالعقل، وإن كانت مفرداته توصف به، وقد حكى هو هذا القول الثاني، وأنه جمع هذا الجمع لتقويم جمعيته مقام ذكره، موصوفا بما يدل على عقله، ثم رده بأن هذا لو كان جائزا في عالم لكان جائزا في غيره من أسماء الأجناس الواقعة على ما يعقل وما لا يعقل، فكنت تقول في جمع شيء إذا أردت به جميع من يعقل شيئون، وفي امتناع ذلك دليل على فساد ما أفضى إليه.
وأما "عليّون" فهو الاسم لأعلى الجنة، جعلنا الله من أهلنا بمنه وكرمه فهو مفرد جار مجرى الجمع، كصريفين وصفين ونصيبين. قال الله تعالى: ((كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون)) وكأنه في الأصل جمع عِلِّيٌّ على فعِّيل، ثم سمى به أعلى الجنة، وذكر الغزنوي عن يونس أن واحد علِّيين عِلِّي على وعلّيّة، والعِلّية: الغرفة. وقول الناظم (علّيُّونا) هو على حذف العاطف، أي: وعلّيون.
وأما "أرضون" فخّوه من شروط الجمع أيضا ظاهر؛ لأنه جمع أرض وأرض اسم جامد مؤنث لما لا يعقل' إلا أنه جمع هذا الجمع لأنه ربما يورد في مقام التعجب والاستعظام. ألا ترى إلى قولهم: لقيت منه البِرُحَين
стр. 186
والفتكرين، وهي الشدائد والدواهي، وبذلك علل الفراء عليّين، وقول العرب: أطعمنا مرقة مرقين؛ بهذا علل المؤلف وأنشد على وروده في أرض في مقام الاستعظام قول الشاعر:
لقد ضجت الأرضون إذ قام من بنى ... سدوس خطيب فوق أعواد منبر
وأنشد بيتا آخر لم أقيده، وقوله: "شذ" خبر قوله: (والأهلون) ما عطف عليه، أي: أن هذا الذي تقدم شاذ عن القياس، فبابه الحفظ، ثم قال: (والسنونا وبابه) يعني أنه شذ أيضا كشذوذ ما تقدم من الألفاظ، فهو مبتدأ محذوف الخبر، كقولك: زيد قائم وعمرو.
فإن قلت: لم فصل السنين وبابه عما تقدم وكان قادرا على أن يقول: وأرضون والسِّنون وبابه شذ، هذا كان يكون وجه الكلام فلم عدل عنه.
فالجواب: أن يقال: إنما عدل إلى فصل السنين وبابه عما قبله، وإن كان الجميع على غير قياس الجمع؛ لأنه مخالف لما تقد م بحكم يذكر فيه، وهو قوله: (ومثل حين يرد ذا الباب ... ) إلى آخرة، فلأجل هذا فصله ليتعين إذا أشار إليه بعد وأحال عليه وإشارته
стр. 187
بقول: (والسنونا وبابه) إلى ما حذفت لامه فجعلت هاء التأنيث فيه عوضا مما حذف منه نحو: سنة وبرة قلة وظبة ورئة وثبة، فإنهم قالوا فيها على جهة الشذوذ، سنون ويرون وقلون وظبون ورئون وثبون، وفي القرآن الكريم ((في بضع سنين))، وأنشد أبو زيد:
فغظناهم حتى أتى الغيط منهم ... قلوبا وأكبادا لهم ورئينا
وأنشد أبو عمرو:
نحن هبطنا بطن والغينا ... والخيل تعدو عصبا ثبينا
وقال الكميت:
يرى الراؤون بالشفرات منها ... كنار أبي حباحب والظبينا
وقال كعب:
تعاور أيمانهم بينهم ... كؤوس المنايا بحد الظبينا
стр. 188
وقال عدي بن زيد:
عن مبرقات بالبرين وتبـ ... دو بالأكف اللامعات سؤر
فسنة: أصل لامه الواو لقولهم: سنوات، أو الهاء لقولهم: سانهت، وقلة من الواو كذلك لقولهم: قلوت، وهي عودان يلعب بهما الصبيان، وبرة من الوا أيضا، وهي حلقة من صفر تجعل في أنف بعير.
قال أبو علي: أصلها بروة؛ لأنها جمعت على بُرًى، كقرية وقُرًى. وظبة السيف حده، وهي من الواو، ورئة أصلها الياء؛ لقولهم: رأيته إذا أصبت رئتهن فهذا الباب كله على غير قياس، بل إنما مجراه مجرى التكسير، ولذلك غيرت أوائل المفردات في الجمع فقالوا: في قلة قلون، وفي ثبة ثبون، وفي سنة سنون، والهاء فيها كلها عوض من المحذوف، ولما كانت تحذف في الجمع أتو بهذا الجمع المخصوص عوضا من ذلك المحذوف، فإذا تقرر هذا ورد على كلام الناظم سؤالان:
أحدهما: أن هذا النوع الذي فصله مما قبله، وهو باب "سنين" كان حقه أن يذكر معه "أرضون"؛ لأنه مثله في التعويض، فقد قالوا في أرض، إنما جمع هذا الجمع ليكون عوضا مما كان حقه أن يلحقه فلم يلحقه، لأن الأرض مؤنثة وحق المؤنث أن تلحقه علامة التأنيث، فلما لم تلحقه، وكان من الواجب في الأصل لحاقها عوّضوا منها هذا الجمع فساوى
стр. 189
بذلك باب "سنين" من حيث كان حقه في الأصل أن يستعمل تاما، فلما لم يستعمل كذلك جعلوا له هذا الجمع عوضا مما فاته من ذلك، وإذا ثبت هذا فإخراجه لأرضين عن باب "سنين" المفصل غير سديد في بادئ الرأي.
والثاني: أنه جعل باب "سنين" من الشاذ في هذا الاستعمال، إذ عطفه على ما بين أنه شاذ كما تقدم في التفسير، وليس من الشاذ، ألا ترى أن طائفة من النحويين يقولون بالقياس فيه حسب ما يأتي إثر هذا بحول الله، ولا يقال بذلك إلا فيما كثر مثله في الاستعمال، وعلى هذا نص في "التسهيل" حيث قال: وشاع هذا الاستعمال فيما لم يكسر من المعوض من لامه هاء التأنيث فعده من الشائع المستمر لا من الشاذ، وهو هنا قد عده من الشاذ، كما ترى، فلا بد من صحة أحد كلاميه وعدم صحة الآخر، لكن ما قاله في "التسهيل" صحيح جار على ما ذكره غيره من النحويين، فثبت أن ماقاله هنا غير صحيح.
والجواب عن الأول أن ما قيل: في أرضين، من العلة لم يعتبرها المؤلف، وإنما اعتبر فيه معنى الاستعظام كما مر، فهو عنده كعلّين لا كسنين، وإذا كان كذلك لم يلزمه اعتراض، إذ ليس قائلا بأن هذا الجمع في أرض عوض من الهاء المحذوفة؛ لأنه أمر توهمي لا يبنى عليه ولا يرجع في قياس إليه.
стр. 190
والجواب عن الثاني أن يقال: يحتمل أن يكون مراد الناظم أن باب "سنين" شاذ أيضا حسب ما تقدم، غير أن شذوذه على غير جهة شذوذ ما تقدم فإن القاعدة الأصولية أن الشاذ على ثلاثة أضرب: شاذ في القياس والاستعمال معا، وذا هو الذي لا يوجد إلا في الشعر، أو في قليل من الكلام.
ومثله ابن جني بتصحيح عين مفعول مما عينه واو نحو: فرس مقوود ورجل معدود، وما ذكره الناظم من أهلين وأولي وعالمين وأخواتها هو من هذا الضرب، إذ ليس بشائع، وإنما هو قليل وشاذ في القياس دون الاستعمال وهو الذي يوجد كثيرا في الكلام، ولكنه مع ذلك غير مقيس، ومثله ابن جني بتصحيح عين أفعل واستفعل في مثل: أخوص الرمث، وأغليت المرأة واستحوذ فلان على البلد، واستصوبت الأمر، فمثل هذا شائع في الكلام إلا أنه لم يبلغ مبلغ القياس، وما ذكرت من باب "سنين" من هذا القبيل عنده، إذ هو مع شياعه لم يبلغ مبلغ القياس، فلم يخرج عن باب الشذوذ، فإذا لادرك عليه في إطلاق لفظ الشذوذ على القسمين لصحة الإطلاق.
стр. 191
وشاذ بعكس هذا الثاني كماضي يذر ويدع ونحوه من مسائل باب الاستغناء ولا حاجة بنا إلى هذا الضرب، والحاصل أن كلامه هنا وفي "التسهيل" صحيح، وقد يحتمل أن يكون مراد الناظم أن باب سنين أجرى أيضا مجرى الجمع السالم في الإعراب هكذا على الجملة، من غير تعويض لكونه شاذا أو غير شاذ بل يقدر خبر المبتدأ الذي هو "والسنون وبابه" كأنه قال: والسنون وبابه كذلك، أو مثل ما مر، يعني في الإعراب، أو ملحق بالجمع، كما قال في باب عشرين أنه ألحق به ودل على هذا المقدر الكلام قبله، فيكون قد أتى بثلاثة أنواع مما أجرى مجرى الجمع، وليس به.
أحدها: أسماء الأعداد كعشرين.
والثاني: باب ستين.
والثالث: ألفاظ شذت لا ضابط لها.
وإنما أخر باب "سنين" لما تقدم، ولا يبقى بعد هذا في كلامه إشكال، والله أعلم.
ثم قال: ومثل حين قد يرد ذا الباب "مثل" منصوب على الحال من "ذا" ويريد أن هذا الباب الذي أشار إليه بقوله: "والسنونا وبابه" قد يرد عن العرب مثل حين، أي في جعل الإعراب على النون، فتعامل النون فيه معاملتها في حين، كأنها من أصل الكلمة ويجري الإعراب عليها، بالرفع والنصب والجر بالحركات، ويتبعها التنوين، لكن بشرط نبه عليه التمثيل بحين، وهو أن يكون قبل النون الياء، كما كان
стр. 192
ذلك في لفظ "حين". قال في "شرح التسهيل": وإنما ألزموه إذا أعربوه بالحركات الياء دون الواو؛ لأنها أخف عليهم؛ ولأن باب الياء في مثل هذا كغسلين أوسع من باب الواو كالسيلَجُون ولأن الواو كانت إعرابا صريحا إذ لم يشترك فيها شيئا فلو لزمت عند الإعراب بالحركات لكان الرفع بالضمة معها كرفعين، وليست الياء كذلك، إذ لم ينفرد بها شيء واحد لوجودها علما للنصب والجر، فعلى هذا تقول: في "سنين" على ما قرر الناظم: أتت عليه سنين حسنة "وإن سنينا يطاع الله فيها لسنين" وفي سنينك كثرة، ولا تسقط النون للإضافة، بل حكمها حكم حين على الإطلاق ومما جاء في ذلك في السماع قول الشاعر -أنشده السيرافي-:
دعاني من نجد فإن سنينه ... لعبن بنا شيبا وشيبننا مرادا
وقول الآخر -وهو كثير عزة-:
حرام على الدهر نضر أمانة ... لذات هوى عندي وإن طال حينها
طوال الليالي ما بقيت وما مضى ... شهور وأيام لها وسنينها
حياتي ما غنت حمامة أيكة ... وما طاوعت يسرى يدي يمينها
стр. 193
وأنشد بعضهم هذا البيت هكذا:
أرى مر السنين أخذن مني ... كما أخذ السرار من الهلال
وحكى أيضا في جمع مائة مئين، ومنه قول حسان بن ثابت ﵁:
وذاك بأن ألفكم قليل ... بواحدنا أجل أيضا ومين
أراد: ومئين، فحذف الهمزة، ومثل هذا فعل بقلة، أنشد السيرافي
مثل المقالي ضربت قِلِينها
وفي البرة أيضا:
إلى برين الصفر الملويات
стр. 194
وقد فعل هذا ببنين. أنشد السيرافي:
وإن لنا أبا حسن عليا ... أب بر ونحن له بنين
كما جمع ما فيه الهاء جمع سنة، وإن لم يحذف منه شيء، وقوله: (وهو عند قوم يطرد) مرجع الضمير يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يرجع إلى الحكم الذي قرره بقوله: (ومثل حين قد يرد ذا الباب) ويعني أن هذا الإعراب يطرد عند قوم في سنين وبابه مما حذف فيه اللام وعوض منها الواو والياء، والقوم هاهنا عند العرب لا النحويون، قال في "شرح التسهيل": من العرب من يشبه سنين ونحوه بغسلين، فيلزمه الياء ويعربه بالحركات، ومثل ذلك، ثم قال: وإنما اختص هذا النوع بهذه المعاملة لأنه أعرب إعراب جمع التصحيح، وكان اللائق به إعراب جمع التكسير لخلو واحده من شروط جمع التصحيح، ولعدم سلامة نظمه، وكان جديرا بأن يجري مجرى صنوان وقنوان، فلما كان ذلك له مستحقا ولم يأخذه نبه عليه بهذه المعاملة وكان بها مختصا قال: ولو عومل بهذه المعاملة نحو: رقين،
стр. 195
يعني مما حذفت فاؤه لا لامه لجاز وكان قياسا وإن لم يرد به سماع، ثم ذكر أنه لو عومل بهذه المعاملة عشرون وأخوته لكان حسنا؛ لأنها (ليست) جموعا' فكان لها حق في الإعراب بالحركات كسنين، وحمل ذلك الأربعين في بيت سحيم:
وماذا يدري الشعراء مني ... وقد جاوزت حد الأربعين
قال: ويمكن أن يكون كسرة ضرورة، ثم قال: وإذا جاز لهم الانقياد إلى التشبيه اللفظي في الخروج عن أصل أحق بالجواز، وذلك أنهم قالوا في نحو: يا سمين وشياطين، ياسمون وشياطون، فأعربوهما إعراب جمع التصحيح تشبيها للآخر بالآخر، وإن كان نون بعضها أصليا، مع أن هذا الإعراب فرع، والإعراب بالحركات أصل، فكان تشبيه باب سنين وظُبين بباب قرين ومبين أنسب وأقرب.
стр. 196
فإذًا يكون معنى كلام الناظم هذا الإعراب بالحركات على حد إعراب "حين" يطرد عند الناس من العرب في كل مكان من باب "سنين".
والثاني: أن يكون الضمير عائدا على إعراب سنين وبابه، بالواو رفعا وبالياء نصبا وجرا، أي: وإلحاقه بالجمع الحقيقي في الإعراب يطرد عند قوم، والقوم هاهنا النحويون وهو سيبويه ومتابعوه، فإن القاعدة عندهم: أن ما حذفت لامه من الثلاثي، ولم يعوض منها ألف الوصل، فإن قياسه أن يجمع بالألف والتاء، وبالواو والنون، وإذا جمع بالألف والتاء لم يرد المحذوف، وإذا جمع بالواو والنون غير أوله إلى الكسر إن لم يكن مكسورا، وهذا كله ما لم تكسره العرب، فإن كسرته لم يجمع هذا الجمع، استغناء به عن هذا الجمع، والتكسير في هذا النوع شاذ نحو: أمه وإماء وآمٍ، وشفه وشفاه، وشاة وشياه، وكان القياس في باب "سنين" الجمع بالألف والتاء، ليكون محذوفا في الجمع، كما كان في المفرد محذوفا، ولما لم يمكنهم ذلك في التكسير للزوم رد المحذوف فيه، جمعوه بالواو والنون، وكسروا الأول، فكان ذلك نوعا من التكسير للزوم رد المحذوف فيه، جمعوه بالواو والنون، وكسروا الأول، فكان ذلك نوعا من التكسير، وقد لا يكسرون وهو قليل، وقد يكون الكسر في النية، إذا كان أول المفرد مكسورا، ولما صح القياس عدم رد المحذوف كان التكسير فيه شاذا، وكان رده في الجمع بالألف والتاء قليلا كذلك، ودل على قياس الجمع بالواو والنون في هذا عند سيبويه قوله -في باب جمع الرجال والنساء-: ولو سميت رجلا بربة في لغة من خفف والتكسير في هذا النوع] *فقال: ربة رجل، فخففت ثم جمعت* [قلت: ربات وربون
стр. 197
في لغة من قال: سنون، وقال أيضا: وإن جاء شيء مثل برة لم تجمعه العرب، ثم قست ألحقت التاء والواو والنون؛ لأن الأكثر مما فيه هاء التأنيث من الأسماء التي على حرفين، جمع بالتاء والواو والنون ولم يكسر على الأصل. فهذا قياس نحوي فيما اجتمعت فيه أربعة الشروط، وهي أن يكون محذوف اللام، وألا يعوض منها ألف الوصل، وألا تكون العرب قد سمع منها تكسيرة، وأن يكون مؤنثا بالهاء، وهذه الشروط موجودة في تمثيله بسنين، فإن مفرده سنة، وهو محذوف اللام، غير لاحق له ألف الوصل، ولا سمع له جمع تكسير، وهو مؤنث بالهاء، فلا يحق به ما لم يحذف لامه وإن جمع هكذا فشاذ نحو: حرة وحرون وأرض وأرضون وإوزة وإوزون، وكذلك ما لحقته ألف الوصل، لا يجمع إلا شاذا نحو: بنون في ابن، وكذلك ما جمع تكسيرا يشذ جمعه هكذا نحو: ظبة وظبا وظبون وبرة] ويرى [ويرون، وكذلك ما لم تكن فيه الهاء نحو: أخ وأب، فقولهم: أخون شاذ، وكذلك لا يلحق به على مقتضى الشرط الأول ما حذفت فاؤه، لأن جمعه عنده بالواو والنون قليل نحو: رقة ورقون، ولدة ولدون، نص على ذلك في "شرح التسهيل" ثم إن تمثيله بالجمع مكسور الفاء دل على طلب هذا التغيير في المجموع جمع سنين، إذ غير من الفتح إلى الكسر فكذلك ينبغي أن يكون المضموم الفاء كثبة، تقول: فيه ثبون،
стр. 198
وفي قلة قلون.
فإن قلت: فإن المضموم الفاء فيه وجهان: الكسر وبقاؤه على حاله ومثاله يعطي وجها واحدا وهو الكسر، قيل: نعم، وهو مراده هنا وإن أجاز في "التسهيل" الوجهين، فإن ظاهر كلام سيبويه أن البقاء على الضم قليل، فلذلك لم ينبه عليه، وهو حسن.
فإن قيل قوله: (وهو عند قوم يطرد) إذا حملته على هذا التفسير الثاني اقتضى أن قوما آخرين قائلون بعد اطراده، فمن هؤلاء القوم؟
فالجواب: أن ظاهر كلامه في "التسهيل" القول بعدم الاطراد، ألا تراه قال: وشاع هذا الاستعمال فيما لم يكسر من المعوض من لامه هاء التأنيث فلم يلتزم فيه القياس، بل أخبره بشياعه فحسب، فدل ذلك على أنه عنده غير مطرد، وأيضا فإن الجزولي قال: وربما جاء هذا الجمع فيما لا يعقل عوضا من نقص الكلمة لفظا أو توهما كسنين وأرضين وإوزّين فهذا الكلام أيضا ظاهر في عدم القياس والاطراد، ولا يبعد أن يكون ثم مخالف غير من ذكر، وبمثل هذا يخرج قصير الباع مثلى عن عهدة النقل، وقد يمكن في هذا الكلام وجه ثالث من التفسير، وهو أن يكون شاملا للتفسيرين معا ومتضمنا للمسألتين، ويكون المراد بقوم في قوله: (وهو عند قوم يطرد) النحويين خاصة، أما في التفسير الثاني فقد ظهر، وأما في الأول فقد نص السيرافي على أن كثيرا من النحويين أجازوا في المنقوص الذي يجمع بالواو والنون أن يعرب في النون وتلزم الياء قالوا: لأن النون قامت مقام الذاهب من الكلمة، ولو كان الذاهب موجودا لكان الإعراب فيه كسائر المفردات، فكذلك
стр. 199
يكون ما قام مقامه، وأنشد على ذلك الأبيات المتقدمة، فإذا يكون الضمير عائدا على معنى ما ذكر من الحكمين كما قال رؤبة:
كأنه في الجلد توليع البهق
وق تقدم مثله.
* * ... *
ثم قال:
ونون مجموع وما به التحق ... فافتح وقل من بكسره نطق
ونون ما ثنى والملحق به ... بعكس ذاك استعملوه فانتبه
نون منصوب بـ "افتح" و "ما" مجرورة الموضع عطفا على مجموع وهي عبارة عما جرى مجرى الجمع مما تقدم، و "به" متعلق بـ "التحق" والضمير عائد على مجموع، وفاء "فافتح" فاء جواب شرط محذوف، دل عليه تقديم معمول افتح، والتقدير: مهما يكن من شيء فافتح نون مجموع وما التحق بالمجموع، والتحق افتعل من قولهم: لحقت فلانا ولحقت به لحاقا وألحقته أيضا، ومنه في القنوت "إن عذابك (الجِدّ) بالكافرين ملحق" أي: لاحق، ولحاق غير المجموع به هو كونه أعرب بإعرابه، ويريد أن النون اللاحقة للمجموع وما جرى مجراه يلزم فتحها، ولا يجوز فيها الضم مطلقا، ولا الكسر إلا قليلا يحفظ ولا يقاس عليه، وكان أصلها أن تكون ساكنة، لأنها في مقابلة
стр. 200
التنوين والتنوين ساكن، فكذلك كان الأصل في مقابله، وأيضا أصل البناء السكون، وإنما حركت لالتقاء الساكنين وكانت الحركة فتحة، لأنها أخف من الضمة والسرة، وأيضا فلما يلزم في الضم والكسر من توالي الأمثال، أما الضمة فكان يلزم باجتماعها مع الواو اجتماع الأمثال فانتقلوا إلى ما ليس فيه ذلك من الحركات وهي الفتحة، وأيضا فللفرق بينها وبين نون التثنية.
وقوله: (وقل من بكسرة نطق) أراد به أن الذين كسرو هذه النون من العرب قليل، وإنما ذكر قلة من نطق بالكسر فقد قل الكسر في نفسه، فاستغنى بذكر السبب وهو قلة الناطقين، عن ذكر المسبب وهو قلة الكسر، وأطلق لفظ القلة ها هنا ومراده به الشذوذ، وغالب استعماله له مرادا به ما جاء في الكلام قليلا، لا على ما اختص بالشعر، كما أن أصل استعماله للفظ الشذوذ أن يكون مرادا به الاختصاص بالشعر كما تقدم، لكن قد يخرج عن هذا الأصل فيطلق الشذوذ على ما جاء فيا لكلام، كما قال: في أهلين ونحوه، ويطلق لفظ القلة على الشاذ كهذا الموضع، اتساعا واتكالا على فهم المقصود ومثال كسر نون المجموع حقيقة قول الشاعر وهو سحيم بن
стр. 201
وثيل فيما ذكره الجوهري:
عرين من عرينة ليس منا ... برئت غلى عرينة من عرين
عرفنا جعفرا وبني عبيد ... وأنكرنا زعانف آخرين
وقال ذو الإصبع العدواني:
إني أبي ذو محافظة ... وابن أبي أبي من أبين
لا يخرج الفسر مني غير ما بيه ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني
ومثال ذلك فيما جرى مجراه قول سحيم:
стр. 202
وماذا يدري الشعراء مني ... وقد جاوزت حد الأربعين
أخو خمسين مجتمع أشدى ... ونجدني مداورة الشؤون
وفي الحماسة:
أقول حين أرى كعبا ولحيته ... لا بارك الله في بضع وستين
من السنين تعلّاها بلا حسب ... ولا حياء ولا عقل ولا دين
وقوله: (ونون ما ثنى والملحق به) إلى آخره، يعني أن نون المثنى من الأسماء حقيقة وما ألحق به مما ليس بمثنى حقيقة استعملوه بعكس نون المجموع وما لحق به، أي: جعلوا كسر النون منه واجبا وقل من نطق بفتحه، ومعنى العكس لغة: رد الشيء أوله، ومنه عكس الوليّة وهي الناقة المتروكة عند قبر صاحبها ليحشر عليها بزعمهم كانوا يربطونها معكوسة الرأس إلى مؤخرها مما يلي صدرها وبطنها ويقال: مما يلي ظهرها ويتركونها هناك حتى تموت جوعا وعطشا، وعلى هذا المعنى جاء في اصطلاح أهل المنطق، فالعكس في القضية عندهم هو تصيير موضوعها محمولا ومحمولها موضوعا، على وجه يصدق الكلام به، فالعكس في كلام الناظم أن تقول: فاكسر وق من بفتحه نطق، وذلك راجع إلى الكلام الأول، وهو قوله: (فافتح وقل من بكسره نطق) وهو المنعكس هنا، وإنما حركت النون هنا لالتقاء الساكنين، وخصت بالكسر على أصل التقاء الساكنين ومثال فتحها قول
стр. 203
حميد بن ثور:
على أحوذيين استقلت عشية ... فما هي إلا لمحة وتغيب
وقال الآخر:
فعلته لا تنقضي شهرينية ... شهرى ربيع وجماديينه
وأنشد السيرافي:
أعرف منها الأنف والعينانا ... ومنخرين أشبها ظبيانا
ويرد على الناظم سؤلان:
أحدهما: أنه عبر هنا بالكسر في قوله: (وقل من بكسره نطق) والكسر إذا أطلق في الاصطلاح المعهود فالمراد به كسر البناء، لا كسر الإعراب، وإذا كان كذلك أشكل هذا الإطلاق؛ إذ لا دليل على كونه كسر بناء، لاحتمال أن يكون كسر إعراب، بل ثم ما يدل على كونه كسر إعراب، وهو أنه لم يأت جميع ما استشهد به على الكسر إلا مع تقدم عامل الجر على ذي النون كقوله: (من أبيين) وقول الآخر:
*وقد جاوزت حد الأربعين*
стр. 204
وقول الآخر: (وفي بضع وستين) ولم يأت في حالة رفع ولا نصب، فدل ذلك على أنه جار على مقتضى العامل، وقد نص في "شرح التسهيل" على جواز كونها كسرة إعراب وقد تقدم التنبيه على شيء منه، وعلى القطع بهذا الاحتمال حمل الأخفش الأصغر والأعلم هذا النحو فقال الأخفش في بيت ذي الإصبع جعله بمنزلة الجمع المكسر، وجعل إعرابه في آخره، كما يفعل في فتيان وغلمان فيقول: هؤلاء أبين فاعلم، ورأيت أبيينا فاعلم ومررت بأبيين فاعلم، ونحو هذا ذكر الأعلم في بيت الحماسة إلا أنه قال: وهو في الستين ونحوها من العقود أمثل منه في المسلمين ونحوه؛ لأنه لفظ مخترع للعقود غير جار على واحد، فهو أشبه بالواحد الذي إعرابه بحركة آخره من المسلمين ونحوه، وإذا ثبت هذا كان قطعه بأنه كسر بناء معترضا عليه.
والجواب من وجهين:
أحدهما: أن النحويين لم يتفقوا على ما قال الأخفش والأعلم، بل منهم
стр. 205
من ادعى أنه كسر التقاء الساكنين، نص ابن جني في "التنبيه" على أن المبرد قال بذلك في قول سحيم:
* ... حد الأربعين*
وحمل عليه ابن جني قول الآخر: (في بضع وستين) وذكر أنه فعل ذلك ضرورة، ولذلك فتح نون "السنين" في البيت الثاني على الأصل كما ذكر الأعلم في مذهبه أن ذلك ضرورة وإلى هذا ذهب المؤلف في "التسهيل"، وإن أمكن عنده الوجه الآخر، ويظهر هذا المذهب من كثير من النحويين وإذا كان كذلك لم يبعد أن يكون ذهب إلى رأي من رآه كسر بناء.
والثاني: أن المذهبين في حقيقة المسألة لا فرق بينهما؛ لأن الجميع ضرورة، فإن قلت: بل الفرق بينهما ظاهر في التفريغ عليهما ألا ترى أن القائل بأنه كسر بناء يلتزم أنه إن اضطر إلى الكسر كسر، وإن تقدم عامل النصب؛ فيكسر النون في نحو: رأيت الزيدين، وجاوزت الأربعين بخلاف القائل بأنه كسر إعراب، إذ لا يتأتى إلا مع عامل الجر كالشواهد المتقدمة.
فالجواب: أن هذا ليس بفرق في حقيقة قصده، إذ كلامه وكلام غيره في المسألة في توجيه شيء مسموع، لا في القياس عليه، فطائفة تقول: إنه كسر إعراب، وأخرى تقول: كسر بناء، وكلا القولين لا ينبني عليه في لك المسموع شيء، وإنما يحتاج
стр. 206
إلى الفرق المذكور، ويكون مفيدا حيث يتكلم في القياس على ذلك المسموع، وذلك من باب الضرائر الشعرية، وهو لم يتعرض لذلك ولا غيره، حين وجهوا المسموع' فإذا لا فرق بين القولين في هذا القصد، نعم يبقى الاعتذار عن تعبيره بالكسر في هذا الوجه وهو قريب، إذ الكسر لمطلق يطلق على كسر الإعراب، كما يطلق على كسر البناء، وهو على هذا الإطلاق أعم من كونه كسر بناء، أو كسر إعراب، فعبر بالعبارة العامة تحاميا أن يلتزم أحد المذهبين، أو فسحا لمجال النظر في المدركين، والله أعلم.
والسؤال الثاني: أن قول الناظم: (ونون ما ثنى والملحق به) شيء واحد لا شيئان وإنما يعني أن كل ما كان مرفوعا بالألف، ومنصوبا ومجرورا بالياء، فإن نونه قد تفتح في بعض المواضع فلا يلزم في الفتح، وإن كان قليلا أن يأتي في كل قسم من أقسامه، بل في أي قسم أتى يلزم وجوده في الجملة، كما تقدم في الاستشهاد عليه، وكذلك قوله: (ونون مجموع وما به ألتحق) معناه أن كل مرفوع بالواو، ومنصوب ومجرور بالياء، قد تكسر نونه قليلا، فالباب واح وإن كان الكسر قد حصل في الملحق كما تقدم، لكنه لم يعينه الناظم من حيث قال: (وما به التحق)، بل من حيث الجملة، واتفق أن وجد ذلك
стр. 207
في الملحق وهذا حسن في الجواب فتدبره، وبالله التوفيق.
وقوله: "فانتبه" معناه انتبه لتحقيق العكس وتنزيله على كلام العرب.
* ... * ... *
وما بتاء وألف قد جمعا ... يكسر في الجر وفي النصب معا
كذا أولات والذي اسما قد جعل ... كأذرعات فيه ذا أيضا قبل
هذا نوع آخر من أنواع النيابة، وهو من (المواضع) التي تنوب فيها الحركات عن الحركات على غير ما تقدم، وذلك موضعان: أحدهما: جمع المؤنث السالم وما جرى مجراه، والثاني: الاسم الذي لا ينصرف، فأخذ أولا في ذكر جمع المؤنث السالم، فبين أن ما جمع بالألف والتاء حكمه أن يكون في الجر والنصب معا مكسورا، على أن الكسر هي العلامة في النوعين فتقول: مررت بالهندات، ورأيت الهندات. قال الله تعالى: ((إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ... )) إلى آخر الآية، وأما الرفع فسكت عنه، لأنه داخل له في حكم الكلية التي قدمها في قوله (فارفع بضم ... ) إلى آخره فلم يحتج هاهنا إلى ذكر ذلك، لأنه إنما يذكر ما خالف تلك الكلية، وهنا يقال له: كان الأولى ألا تذكر الجر؛ لأنه بالكسر وقد تقدم
стр. 208
الكلية وإنما يخالفها هذا النوع في النصب خاصة، ووجه ما فعل من ذلك أنه لم يقصد الإخبار بحكم الجر، بل قصد الإخبار بالمشاركة الحاصلة بين النصب والجر، فكأنه أراد بيان حكم النصب، وبيان كونه مشاركا للجر، كما شاركه في التثنية والجمع على حدها، وقدم الجر في قوله: (يكسر في الجر وفي النصب) لأنه الأحق بالكسرة كما تقدم، وإنما كان النصب ها هنا تابعا للجر في كونه بالكسرة، لأنه نظير جمع المذكر السالم، وجمع المذكر السالم حمل فيها النصب على الجر في كونه بالياء، فكذلك حمل النصب ها هن على الجر في مونه بالكسرة، لنوع من المقابلة، كما جعلوا ها هنا التنوين في مقابلة النون هنالك، فلم يزل مع وجود مانع الصرف في اللغة الفصحى، كما لو تزل النون هنالك.
وقوله: (معا) أتى به على معنى التوكيد لإثبات مشاركة النصب للجر في الكسر، ثم ذكر ما ألحق بهذا الجمع في الإعراب، وإن لم يكن منه حقيقة، فقال: (كذا أولات) وهو بمعنى ذوات: اسم جمع لذات، مؤنث بمعنى صاحب، وأراد أن حكم "أولات" حكم هذا الجمع من النصب بالكسرة كالجر، كقوله تعالى: ((وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن)) ورفعه بالضمة من مقتضى الكلية الأولى، كقوله تعالى: ((وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)).
стр. 209
ثم قال: (والذي اسما قد جُعل كأذرِعاتٍ .. ) إلى آخره يعني أن الذي سمي به من الجُموع يقبل فيه هذا الحكم، أي: الإعراب كإعرابه قبل أن يسمى به ومثَّل بأذرعات. قال ابن سيده: هما موضعان، وقال الجوهري مواضع بالشام تنسب إليها الخمر، وأنشد لأبي ذؤيب الهذلي:
فما إن رحيق سَبَتْها التجارُ ... من أذْرَعَات فوادى جَدَر
وهو اسم علم لها، وأنشد سيبويه لامرئ القيس:
تنوَّرْتُها من أذرعات وأهلها ... بيثربَ أدنى دارِها نظر عالِ
ومثله: " عرفات " حكمه هذا، وهو اسم / علم للموضوع المعروف
واستدل سيبويه على ذلك بقولهم: " هذه عرفات مباركًا فيها " فنصب مباركًا على الحال، ولو كان نكرةً لجرى عليه صفةً، وبأنه لو كان نكرةً لدخلت عليه الألف واللام، وهي لا تدخل عليه، ولم يُفصل الناظم في حكم هذا الجمع بعد التسمية بين كونه منونًا وكونه غير منونٍ، بل أطلق القول في إعرابه هكذا، ولم يلتفت إلى صرف أو غيره، والإطلاق صحيح، فقد ذكروا أن للعرب هنا وجهين:
أحدهما: بقاءُ التنوين كما كان قبل التسمية به، وهي اللغة
стр. 210
الفاشية وبها نزل القرآن.
والثاني: ترك صرفه، إلا أن من لم يصرفه من العرب قسمان: فمنهم من يتركه على حاله كما لو كان منونًا، فينصبه ويجره بالكسرة فيقول: هذه عرفاتُ، ورأيتُ عرفاتِ، ومررتُ بعرفاتِ، وعليه أنشد بعضهم بيت الأعشى:
تخيّرها أخُو عانات شهرًا
ومنهم من يجعله مثل: أرطاة، إذا سمى به، فيجره وينصبه بالفتحة فيقول: رأيتُ عرفاتَ، ومررتُ بعرفاتَ، وعليه أنشدوا:
تخيرَها أخُو عاناتَ شهرًا
وقال امرئ القيس:
تنورتُها من أذرِعاتَ
وقال الهذليُّ:
من أذرعاتَ فوادي جَدَرْ
стр. 211
بفتح التاء في الجميع. قال ابنُ خَروف: كذا وقع بخط ابن خالوية، يعني بيت الهذليُّ، بفتح التاء وهذه اللغة الأخيرة نادرةٌ فلم يعتبرها الناظم ولم يشر إليها، وإنا أشار بمقتضى إطلاقه إلى اللغتين المتقدمتين، والإشارة بذا في قوله: (فيه ذا أيضًا قُبِلْ) إلى النصب بالكسر المتقدم الذِّكر، أي أن هذا الحكم مقبول فيما سمِّي به من هذا الجمع وبقي في هذا الفصل مُشاحةٌ لفظية في مواضع ثلاثة من كلامه:
أحدها: قوله: (وما بتا وألِف قد جُمِعَا) فأطلق القول في التاء والألف، ولم يقيدهما معا بالزيادة، ولابد من ذلك، لأن عبارته إن دخل فيها الهندات والزينبات، فكذلك يدخل تحتها نحو: قضاة وأبيات، فإن كل واحد منهما يصدق عليه أنه مجموع بالألف والتاء؛ لأن ألف قضاة منقلبة عن أصل، لا زائدة، وتاء أبيات أصل لا زائدة، فلم تجتمعا معًا في الزيادة، فلم يكن من الجمع السالم بالألف والتاء، فالحاصل أن جمع التكسير يدخل عليه ما كان آخره ألف وتاء، فيقتضي أنه ينصب بالكسر وهذا غير صحيح، ولأجل هذا قيّد الألف والتاء بالزيادة في " التسهيل " حين ذكر نيابة الكسرة عن الفتحة وعين لذلك نصب أولات، والجمع بالألف والتاء الزائدتين، وبين في " الشرح " أنه تحرز مما ذكرته، فكان ينبغي أن يتحرز هنا من
стр. 212
ذلك أيضًا.
والثاني: قوله: (والذي اسما قد جُعِل) جُعِلَ هنا بمعنى صُيِّرَ، أي: لم يكن اسمًا ثم صار اسمًا، وهذا اللفظ غير مبين للمقصود، لأن أذرعات مثلًا لم يكن غي اسمٍ، ثم صيّر اسمًا، بل هو اسم في الحالتين معًا، حالة العَلَمية وقبل ذلك، فكان الأولى به أن يقيد لفظه فيقول: والذي اسما علَمًا قد جُعِل أوو الذي نقل إلى العَلَمية، أو ما كان نحو هذا، ليظهر مقصودهُ.
والثالث: قوله: (فيه ذا أيضًا قُبِل) أراد أن هذا الإعراب فيه مقبول، وذلك لا يعطى / كونه قياسًا أو سماعًا، إذ كلاهما مقبولٌ في الجملة، ومرادنا نحن أن نبين أهو قياس أم سماع؟ وذلك لا يُعطيه لفظ القبول، فكان لفظه غير محرر.
والجواب عن الأول: أن المجرور في قوله: (بِتَا وألفٍ) متعلق بـ" جُمع " وذلك يقتضي أن بهما حصول الجَمع، فالباء باءُ الاستعانة أو السببية، وتقدير الكلام: وما بسبب حصول ألفٍ وتاء جُمع، أو ما بهذه الآلة جُمع، فإذا الألف والتاء هما اللذان حصل بهما الجمع، فهما لاحقان لأجله، وإذا لحقا لأجله فهما زائدان بلا شك، فقوة الكلام أعطت هذا الشرط، وأيضًا لا يصدق على هذا التقدير في قُضاة وأبيات أنهما جُمعا بالألف والتاء، إذ ليستا آلة للجمع ولا سببًا فيه، وإنما سبب الجَمع فيهما تغيير بِنْيَيةِ المفرد إلى فُعَلَةٍ أو أَفعال، وإنما كان يحتمل ما قال على فرض أن تكون الباء متعلقة باسم فاعل محذوف، يكون حلًا من ضمير جُمِعَ، أي: وما جمع حال كونه بتاء وألف، أي ملتبسًا بهما، لكن هذا المعنى لا محصول له، إذا تدبرته،
стр. 213
فوجب أن تكون متعلقة بالفعل نفسه، وإذ ذاك لا يبقى إشكال.
وعن الثاني: أن مراده أنه جُعِل اسمًا علمًا، كأنه قال: والذي جُعِلَ اسمًا خالصًا وهو العَلَمَ أو الذي جُعل اسمًا، أي: مفردًا بعد أن كان جمعًا وذلك إنما يكون يالتّمية، وها ظاهر من قوة كلامه.
وعن الثالث: أن مرادَه القبول القياسي، والذي عين مراده وأنه القبول القياسي ما هو آخذٌ فيه من بيان الأصول القياسية، فهو السابق للفهم، بحسب صناعته، والله أعلم.
و"فيه" متعلق بـ " قُبل " وضميره عائدٌ على الذي، و " ذا " مبتدأ خبره "قُبل " وفي تقديمه المجرور على المبتدأ وهو معمول الخبر نظر، وفي جوازه خلاف، ولكن الناظم يرتكبه في هذا النظم كثيرًا، وهو مذهبه فيه ومنه ما قد مضى، وسننبّه على بعضه إن شاء الله .
* * *
ثم قال:
وجر بالفتحة ملا ينصرف ... ما لم يُضف أويكُ بعد أل ردِفْ
هذا هو الموضع الثاني من الموضعين اللذين تنوب فيهما الحركة عن الحركة، وهو ما لا ينصرف، وما لا ينصرف - هو عند المؤلف - ما منع التنوين لعلتين، أو علّة قائمة مقامهما، فأراد أن ما لا ينصرف من الأسماء حُكمه أن يجر بالفتحة كأَحمد وأحمر ويوسف وإبراهيم وغضبان وغضبى
стр. 214
وأسماء وعمر وثلاث ومعدى كرب ونحو ذلك تقول: مررت بأحمد، وجئت إلى رجل أحمر غضبان وكذلك سائر الأمثلة، ولم يذكر حكم الرفع والنصب لدخوله تحت الكلية سائر الأمثلة، ولم يذكر حكم الرفع والنصب لدخوله تحت الكلية المتقدمة ثم شرط في هذا الإعراب شرطا، وهو ألا يضاف ولا يصحب الألف واللام، وذلك قوله: (ما لم يضف أو يك بعد أل ردف) بمعنى أنه إنما يعرب كذلك إذا لم يضف إلى غيره، ولم تدخل عليه الأللف واللام، فإنها إن دخلت عليه لم يجر بالفتحة، وإذا لم يجر بالفتحة رجع إلى ما تقدم أولا، من الجر بالكسرة نحو: مررت بأحمر القوم، وبالحمراء، وجئت إلى مساجد بني فلان، فذلك لم يذكر حكمه إذا أضيف أو صحب الألف واللام، و "ردف" معناه تبع، ومنه قوله تعالى: ((قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون)) أي: تبعكم، يردي ما لم يكن الاسم ردفها، أي الألف واللام، فحذف الضمير لفهم المراد، ومعناه أن يكون الاسم الذي لا ينصرف تابعا لها، وفي ردفها، متصلا بها، ومذهب المؤلف أن العلتين إنما منعتا التنوين فقط، وأما الجر فلشيء آخر، قال: لأنه لو جر بالكسرة مع عدم التنوين لتوهم أنه مضاف إلى ياء المتكلم، وحذفت الياء لدلالة الكسرة عليها، أو أنه مبني على الكسرة؛ لأن الكسرة لا تكون إعرابية إلا مع التنوين، أو ما يعاقبه من الألف واللام أو الإضافة، ولذلك إذا أضيف أو دخلت عليه الألف واللام انجر بالكسرة.
وقوله: (ما لم يضف) أطلق القول في الإضافة ولم يقيدها فدل
стр. 215
على جريان الاحتراز من كل إضافة، محضة كانت أو غير محضة، فتقول: مررت برجل أحمر الوجه، أزرق العينين، غضبان الأب، ومررت بأحمديك، أحمد بني فلان، وإبراهيمهم، وما أشبه ذلك، وكذلك قوله: (أويك يعد أل ردف) أراد أن هذا عام في جميع أقسام الألف واللام، فلا يفترق الحكم فيها بكونها زائدة أو موصولة أو غير ذلك كقول الشاعر:
رأيت الوليد بن يزيد مباركا ... شديدا بأعباء الخلافة كاهله
وقال الآخر:
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
وقال الآخر:
وما أنت باليقظان ناظره إذا ... رضيت بما ينسيك ذكر العواقب
* ... * ... *
ولما أتم الكلام على النيابة في الأسماء، شرع في ذكر نحو ذلك في الأفعال فقال:
واجعل لنحو يفعلان النونا ... رفعا وتدعين وتسألونا
وحذفها للجزم والنصب سمه ... كلم تكوني لترومي مظلمه
يعني أن النون تكون علامة للرفع فيما كان من الأفعال على نحو:
следующие страницы →