Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
التباسًا بينهما بلا بديل، بل يمكن أن يسأل عن صنع كل واحد منهما على انفراده من غير أن يكون ملتبسًا بصنع الثاني، فالنصب قد يكون على هذا أولى، لأنه المطابق، والعطف أيضًا هو المطابق لقصد التشريك، وإذا تعارض القصدان لاقتضاء كل واحد منهما رجحان وجهٍ حصل من المجموع جواز الوجهين على السواء، كما استوى الوجهان في باب الاشتغال في: زيدٌ ضربت وعمرو كلمته حسب ما تقدم فكذلك هنا.
فالجواب: أن قصد مجرد التشريك هنا يقتضي العطف حتمًا، فلا يجوز معه النصب، وقصد الالتباس والمعية لا يقتضي النصب حتمًا، بل يجوز العطف على ذلك القصد، فإذًا للعطف في الباب مزية ليست للنصب، فكان العطف أولى كما قال الناظم، مع أن كلام سيبويه ليس بنص في مخالفته، بل يجوز أن يكون تخييره بين الوجهين يريد به أن كل واحد منهما سائغ ليس بقبيح كما كان قبيحًا قبل أن [يؤكد، ويبقى] ترجيح أحد الوجهين على الآخر غير معترض له في كلامه. والله أعلم. فإذا تقرر هذا فلنرجع إلى تنزيل ألفاظه على ما ذكر، فقوله: "وبعد ما استفهامٍ أو كيف نصب" ... إلى آخره، يعني أن بعض العرب ينصب ما بعد الواو وإن لم يتقدم فعل ولا ما أشبهه إذا تقدم ما الاستفهامية أو كيف، ولا تكون إلا أداة استفهام، فتقول: ما أنت وزيدًا؟ وكيف أنت وقصعةً من ثريد؟ وقد تقدمت الأمثلة.
وفي قوله: "بعض العرب" نص على أنه لا يقول بالنصب جميعهم، وإنما هو مسموعٌ من بعضهم، وكأنه أراد حكاية ما حكى سيبويه إذ قال: "وزعموا أن ناسًا
стр. 1612
يقولون: كيف أنت وزيدًا؟ وما أنت وزيدًا؟ وهو قليل في كلام العرب" ولابد [على هذا] من عامل هو كان أو يكون، لأن هذا الوضع مما يستعمل الفعل فيه كثيرًا، فنصبوا على معناه، وحضور الدلالة عليه، وذلك أداة الاستفهام.
وقوله: "بفعل كونٍ مضمرٍ يدل على طلب الموضع لكان، وهذا المجرور معلق بنصبوا، أي: نصبوا ذلك بفعل مضمرٍ من أفعال الكون؛ لأن الكون مع الاستفهام مفهوم، وهو مما يستعمل فيه من غير أن ينقص معنى الكلام. وفي هذا إشارة إلى مسألةٍ، وذلك أن سيبويه قدر الفعل الموضوع من الكون ماضيًا مع ما، ومضارعًا مع كيف، فقال: "كأنه قال: كيف تكون وقصعةً من ثريد؟ وما كنت وزيدًا؟ " فرد عليه المبرد، وقال: يصلح في كل واحدٍ منهما الماضي والمستقبل نحو: ما يكون وزيدًا؟ وما كنت وزيدًا؟ وكيف يكون وزيدًا؟ وكيف كنت وزيدًا؟ قال ابن خروف: "وتابعه الأستاذ- يعني ابن طاهر الخدب- وقال: إنما قدر مع ما الماضي، ومع كيف المستقبل لكثرة ذلك في الكلام، ولا يمتنع في القياس العكس كما قال المبرد إلا أن الاستعمال ورد على ما ذكره سيبويه فيوقف عنده" قال ابن خروف: "ونعم ما قال" وزعم ابن ولاد: أن ما قال سيبويه لازم، واعتل لذلك بأن (ما) قد دخلها معنى التحقير والإنكار، وليست سؤالًا عن مسألةٍ مجهولة ولا ينكر إلا ما ثبت واستقر". قال: "ولو كنت هنا لمجرد الاستفهام لجاز فيها الماضي، والمضارع". قال ابن
стр. 1613
خروف: "وهذه الحجة كانت ممكنة في ما وحدها لولا ما ورد الإنكار في المستقبل، من ذلك قوله:
* فما أنا والسير في متلفٍ؟ ! *
فهذا إنكار في شيء لم يقع.
قال: "ولا تتجه هذه العلة أيضًا في كيف". قال ابن الضائع: يكفي في تخصيص سيبويه أنه الأكثر، وكأن كيف في مثل هذا إنما تستعمل في عرض الأمر على الشخص، والذي يليق به فعل المضارعة الذي يحتمل الحال والاستقبال، والأكثر في الإنكار أن يكون فيما مضى، وإنما يكون في المستقبل إذا عزم عليه فكأنك إنما تنكر الذي قد ثبت من العزم، وإذا قلت: ما أنت وزيدٌ فقد يكون على أن تحقره، وقد يكون على أن تعظمه، وقد يكون على أن تسأل عن شأنهما، أي عرفني شأنكما". وقال في السيرافي: "إن سيبويه لم يذهب إلى هذا الاختصاص بالقصد، بحيث قصد تخصيص (ما) بالماضي، وكيف بالمستقبل، إنما مثل على ما يمكن، والتمثيل ليس بحد لا يتجاوز". فهذا كما ترى اضطراب كثير، والأقرب فيه ما قال السيرافي؛ فلذلك اختاره الناظم، فإنه قال: "بفعل كون" هكذا مطلقًا، أي ليس بمقيد ماضٍ دون غيره لا في ما ولا في كيف. وأما قوله: "مضمرٍ" فنعت للفعل لا لكونٍ.
وقوله: "والعطف إن يمكن بلا ضعفٍ أحق" يعني أن العطف متى أمكن أن يحمل عليه الكلام من غير ضعفٍ يقع فيه بسببه فهو أثبت؛ لأنه الأصل، والرجوع إلى الأصل أولى من غيره، نحو: ما شأن عبد الله وزيدٍ؟ وما لزيدٍ
стр. 1614
والعرب؟ لأن العطف هنا على الظاهر، فلا محذور، ولا ضعف، وكذلك قوله: كنت أنا وزيد كالأخوين، يجوز هنا العطف على الضمير المتصل جوازًا حسنًا من أجل الفصل بالتوكيد، ولأن المعنى عليه في هذه الأمثلة غير متكلف، فرجح العطف إذًا، فإن كان ضعفٌ لازمٌ عن العطف فالنصب أحسن؛ ليسلم من الضعف، وهو معنى قوله: "والنصب مختار لدى ضعف النسق". والضعف على وجهين:
ضعف من جهة اللفظ، وضعف من جهة المعنى، وإن كان اللفظ قويًا.
فأما الأول فنحو: ما صنعت وأباك، وما شأنك وعمرًا، ونحو ذلك مما مر؛ إذ العطف على الضمير المتصل إذا كان مرفوعًا أو مجرورًا ضعيف كما سيأتي إن شاء الله.
وأما الثاني فأن يكون العطف يؤدي إلى تكلف معنوي نحو: لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، فالعطف هنا من جهة اللفظ سهل إلا أنه متكلف المعنى؛ إذ كان المعنى: لو تركت الناقة لولدها أو لو تركت مع ولدها لرضعها، ولو عطفت لكان المعنى: لو تركت الناقة ترأم ولدها وترك ولدها لرضعها، وهذا تكلف وكذلك ما أنشده سيبويه:
فكونوا أنتم وبني أبيكم ... مكان الكليتين من الطحال
فالمعنى: كونوا لهم على هذه الصفة، فهم المخاطبون وحدهم دون بني أبيهم والعطف يعطي معنى كونوا لهم وليكونوا لكم، وهو خارجٌ عن المقصود. وكذلك قول الآخر أنشده في الشرح:
стр. 1615
إذا أعجبتك الدهر حال من امرئٍ ... فدعه وواكل أمره واللياليا
فالمعنى: واكل أمره إلى الليالي، فلو عطفت لتكلفت أن يكون المعنى: واكل أمره إلى الليالي، وواكل الليالي إلى انقلاب أمره، أو ما أشبه ذلك، وذلك ضعيف؛ فكان النصب المختار.
قوله: "إن يمكن" ضعف من جهة العربية. وقد تقدم مثله، وله من ذلك مواضع أخر سيأتي التنبيه عليها إن شاء الله.
وفي قوله: "وبعد ما استفهام ... " إلى آخره. سؤال وهو ما يظهر فيه من عدم الفائدة لدخوله تحت قوله: "والعطف إن يمكن بلا ضعفٍ أحف"؛ لأن قولك: ما أنت وزيدٌ، وكيف أنت وزيدٌ قد أمكن فيه العطف بلا ضعفٍ مع أنه الأصل، والنصب ضعيف؛ لكونه على إضمار، وهو خلاف الأصل، فما الفائدة في النص عليه؟ .
والجواب أن يقال: ليس داخلًا تحت ما بعده، لأن ضعف النصب [فيه] ليس لأجل تكلف الإضمار؛ لرجحان الإضمار فيما ضعف فيه العطف نحو: مالك وزيدًا؟ وقد نص عليه.
فإن قيل: إنما ترجح الإضمار هنا لأجل معارضة ضعف العطف، ولولا هو لكان ضعيفًا.
فالجواب: أنه لو كان كذلك لكان العطف أولى من حيث هو الأصل؛ إذ العطف والنصب معًا ضعيفان، فكان يكون العطف راجحًا، لأنه الأصل حملًا على أحسن الأقبحين، أو كانا يكونان متساويين لتكافئ الضعفين، فلما لم يكن
стр. 1616
ذلك علمنا أن الإضمار لا يكون سببًا لضعف النصب قويًا، وإذا كان كذلك لم يصلح أن يدخل تحت قوله: "والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق". وإن سلمنا ذلك فإنما نص عليه لأنه لو سكت عنه لتوهم أنه داخل في قسم المنع من النصب مطلقًا؛ إذ لم يتقدم فعلٌ ولا ما يشبهه، وقد قال: إن المفعول معه ينتصب بما تقدمه من الفعل أو ما يشبه الفعل، فيظن أنه من باب: أنت أعلم ومالك، وكل رجلٍ وضيعته، فلما نص عليه ارتفع هذا الإيهام، واضطر إلى تقدير ناصبٍ له، وهو الملابسة المفهومة من الكلام، فإن المعنى مالك وملابستك زيدًا أو ملابسةٌ زيدًا، وكذا: وتلابس زيدًا حسب ما ذكروه في وجه تقدير هذا العامل، ولم يتعرض الناظم لتقديره فلم نتعرض له. وأيضًا فلتجريد هذه المسألة مما بعدها فائدتان.
إحداهما: تعيين جهة السماع، وأن طائفة من العرب اختصت بالنصب مع ما وكيف إما لزومًا وإما جوازًا، وليس كل العرب يفعل ذلك، وهو ظاهر سيبويه في الحكاية عنهم؛ إذ قال؛ "وزعموا أن ناسًا" ولم يطلق جواز النصب على ضعفٍ على جميع اللغات فتحرى الناظم في النقل.
والثانية: تعيين وجه النصب، وأنه على إضمار كونٍ لا غيره، وأن ذلك الكون مطلق لا مقيد.
أما أنه مطلق لا مقيد فقد مر وجهه.
وأما أن الإضمار مختص بالكون، فإن الإضمار في هذا الباب على ضربين:
стр. 1617
إضمار كونٍ، وإضمار ملابسةٍ، فإضمار الكون في نحو: ما أنت وزيدًا؟ وكيف أنت وزيدًا؟ وإضمار الملابسة في نحو: مالك وزيدًا؟ وما شأنك وعمرًا؟ كذا قدره سيبويه، وإن كان الناس قد تكلموا في ذلك. وقد سوى في التسهيل بين التقديرين في: ما أنت وزيدًا؟ ونحوه، فخير بينهما، وله وجه يشير إليه كلام ابن الضائع في شرح الجمل، وهو ظاهر صاحب الجمل، لكن يمكن أن يكون الناظم قصد ما تقدم فلا اعتراض عليه.
ثم قال: "والنصب إن لم يجز العطف يجب ... " إلى آخره، يعني: أن العطف إذا لم يجز مع هذه الواو التي بمعنى مع فلك وجهان سواءٌ: أحدهما: النصب على المفعول معه. والثاني: إضمار عامل لما بعد الواو، فأما الأول فكقولك: سرت والنيل، وسيري والطريق. وأما الثاني: فنحو قول الله تعالى: ﴿فأجمعوا أمركم وشركاءكم﴾ فشركاءكم منصوب بإضمار فعل على أنه مفعول به تقديره: وأحضروا شركاءكم، وقد يكون منصوبًا على المفعول معه أي: أجمعوا مع شركائكم أمركم، وفي القرآن: ﴿والذين تبوؤا الدار والإيمان﴾ يصح عند بعضهم فيها الوجهان، وأما نحو:
يا ليت زوجك قد غدا ... متقلدًا سيفًا ورمحًا
ونحوه فلا يصح فيه إلا الإضمار، وظاهر هذا الكلام التخيير بين الوجهين مطلقًا
стр. 1618
في كل مسألة لا يسوغ فيها العطف، وذلك غير صحيح، بل ما بعد الواو إذا لم يمكن عطفه على ثلاثة أقسام:
قسم يتعين فيه النصب على المعية كمثاله المذكور أولًا: سيري والطريق، وما كان من بابه، فمثل هذا لم يحمله أحدٌ علمته على الإضمار، ولا يصح من جهة المعنى.
وقسم يتعين فيه الإضمار، ولا يحمل على المفعول معه؛ إذ لا يسوغ وضع مع موضع الواو نحو:
يا ليت زوجك قد غدا ... متقلدًا سيفًا ورمحًا
وقوله:
علفتها تبنًا وماء باردًا ... حتى شتت همالةً عيناها
وسيأتي بيان ذلك في باب العطف إن شاء الله.
وقسم يجوز فيه الأمران، وهو ما ذكره؛ إذ يسوغ في الاثنين عند الناظم الوجهان، فأنت ترى هذه الأقسام وتباين أحكامها مع أن كلامه يعطي بظاهره
стр. 1619
فيها حكمًا واحدًا، وليس له في الباب ما يزيل هذا الإشكال، ويمكن أن يعتذر عن هذا بأن يقال: لعله لم يرد تسويغ الوجهين في الأقسام كلها بل قصد أنها على هذين الوجهين يخرج حكمها إذا أمكن ذلك، ولا شك أنها في ذلك الإمكان على الأقسام الثلاثة فاتكل على فهم الناظر في كلامه، وتنزيله المسائل عليه؛ إذ قصد الاختصار، وله من هذا القبيل مواضع يأتي فيها بالقاعدة مجملة؛ لأنه يمكن تفصيلها بالتهدي إليها، وهو وجه من وجوه التدريب. والله أعلم.
стр. 1620
باب الاستثناء
ثم قال:
هذا هو النوع السادس من المنصوبات التي ينصبها كل فعل، وهو المستثنى. وترك الناظم حد الاستثناء فلم يذكره، ولم يشر إليه اتكالًا على فهم معناه من مساق الكلام، ومفهوم الجملة، وحد في التسهيل المستثنى بأنه: المخرج تحقيقًا أو تقديرًا [من مذكور أو متروك] بإلا أو ما في معناها بشرط الفائدة. فقوله: "المخرج" هو الجنس الأقرب، لأن المستثنى مخرج عن ما تقدم من مذكور أو مقدر، ومعنى إخراجه أن ذكره بعد إلا مبين أنه لم يرد دخوله فيما تقدم، فبين ذلك للسامع بتلك القرينة لا أنه كان مرادًا للمتكلم ثم أخرجه. هذه حقيقة الإخراج عند أئمة اللسان: سيبويه وغيره، وهو الذي لا يصح غيره حسب ما تبين موضعه. وقوله: "تحقيقًا" أراد به المتصل. "أو تقديرًا" أراد به المنفصل، وسيبينه. وقوله: "بإلا" وكذا، هي خاصة المستثنى فيتميز بها عن التخصيص بالصفة وغيرها. وقوله: "بشرط الفائدة" احترازًا من نحو: جاءني ناسٌ إلا زيدًا، وجاءني القوم إلا رجلًا، وما أشبه ذلك مما لا يفيد. [ثم قال].
стр. 1621
ما استثنت إلا عن تمام ينتصب ... وبعد نفي أو كنفي انتخب
اتباع ما اتصل وانصب ما انقطع ... وعن تميم فيه إبدال وقع
اعلم أن المستثنى على قسمين:
أحدهما: ما توقف الكلام قبله عن أن يتم دونه، فلا يتم إلا به من حيث القصد، وهذا هو الاستثناء المفرغ، أي فرغ العامل فيه لطلب ما بعد إلا فصار معربًا بحسب ما يطلبه. وسيأتي.
والثاني: ما تم الكلام دونه، واستقل بمعناه، فصار لما بعد إلا حكم الفضلة المستغنى عنها. وهذا القسم هو الذي شرع فيه الآن، ويكون على وجهين: متصلًا، ومنفصلًا. وقد أجمل الكلام فيهما أولًا ثم فصله، فيريد بقوله: "ما استثنت إلا عن تمام" هذا القسم يعني أن ما كان واقعًا بعد إلا مستثنى بها فإنه ينتصب إذا كان الكلام تامًا لم يفرغ العامل له، وسواء أكان متصلًا أو منقطعًا، ومثال ذلك: قام القوم إلا زيدًا، ورأيت القوم إلا زيدًا، ومررت بالقوم إلا زيدًا. هذا في المتصل. ومثاله في المنقطع: جاءني بنو تميمٍ إلا زيدًا الهاشمي. ورأيت القوم كلهم إلا فرس بني فلان، ومنه في القرآن الكريم: ﴿فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس﴾ الآية وقال تعالى: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقيةٍ ينهون عن الفساد في
стр. 1622
الأرض إلا قليلًا ممن أنجينا منهم﴾ وذلك كثير، وجميعه مما وقع الاستثناء فيه بعد تمام الكلام من غير افتقر إلى ما بعد إلا. هذا معنى الكلام على الجملة، ثم فيه بعد مسائل خمس:
إحداها: أن قوله: "ما استثنت إلا" نسب فيه الاستثناء إلى الأداة، وليست هي المستثنية، وإنما هي مستثنى بها، ولكن لما كانت الأدوات في هذه الصناعة إليها ينسب العمل، وتضاف الأحكام ساغ ذلك فيها أيضًا، فجرى على مطلق الاصطلاح، كما يقال: ما النافية، وإن المؤكدة، وما الكافة، وليست هذه المعاني إلا فعل المتكلم، وله أصل في كلام العرب أن ينسب الفعل إلى ما انتسب إليه بوجهٍ ما، كقولهم: نهاره صائمٌ، وليله قائمٌ، وفي التنزيل الحكيم: ﴿بل مكر الليل والنهار﴾ وهو كثير.
والثانية: أن الظاهر في إطلاقه الاستثناء إنما هو بمعنى الإخراج حسب ما فسره في التسهيل، فكأنه قال: ما أخرجت إلا، والإخراج في الحقيقة إنما يظهر في الاستثناء المتصل، وأما المنقطع فلا يصلح فيه الإخراج؛ إذ كان الإخراج مخصوصًا بما كان من الجنس، فلا يقال: إن الفرس في قولك: رأيت بني فلان إلا فرس أحدهم مخرجٌ؛ إذ ليس الفرس من جنس بني فلان، إلا أن يتأول ذلك بمجازٍ بعيد. وهو قد يشمل المتصل والمنقطع بكلامه، فقد يشكل هذا.
والجواب: أن الاستثناء شامل لهما معًا، لأن الإخراج حاصلٌ فيهما لكن تارةً يكون الإخراج تحقيقًا، وذلك في الاستثناء المتصل، وتارةً يكون تقديرًا، وهو في الاستثناء المنقطع، وهذا يتنزل بناء على ما رآه المازني في وجه الإبدال
стр. 1623
عند بني تميم بأن يطلق الأول على ما بعد إلا، فيشمل المستثنى منه والمستثنى معًا مجازًا، فيكون المستثنى في المنقطع على هذا إخراجًا من الجنس، أو على النحو الآخر. ولكن هذا الجواب غير مخلص، إذ لا يطرد ذلك في جميع مسائل الاستثناء المنقطع. ويمكن على بعدٍ أن يكون جاريًا في ذلك على مذهب الفراء الذي يجعل الاستثناء من العامل لا من الاسم، فإذا قلت: ما رأيت أحدًا إلا حمارًا، فالحمار مستثنى من الرؤية لا من أحد، فعلى هذا يكون قوله: "ما استثنت إلا" واقعًا على القسمين تحقيقًا، لكنه لم يعرج عليه في غير هذا الكتاب، فيبعد أن يقصد إليه لاسيما، وهو مشكل في نفسه.
والأولى في الجواب- والله أعلم-: أن يكون أراد ما وقع بعد أداة الاستثناء منصوبًا لا أنه يريد ما أخرج بإلا.
والثالثة: أنه عين إلا في أول كلامه ولم يقصد غيرها إلا بعد ما قرر أكثر أحكام الباب بها لأنها أم الباب لا معنى لها في الأصل إلا الاستثناء وإنما يدخلها غيره بالعرض حملًا على ما هو الأصل في غيرها، (فغيرُ أصلها الوصف، وإنما دخلت في الباب لعروض معنى إلا، وكذلك سوى، وغيرها من الأدوات، وأيضًا فإن الاستثناء بها مطرد بخلاف غيرها).
والرابعة: أنه أطلق القول في الانتصاب هنا مع أن غير النصب جائز، وذلك في الاستثناء المتصل؛ فإنك إذا قلت: قام القوم إلا زيدًا جاز لك أن تقول: إلا زيدٌ بالرفع، فيجري صفةً على الأول حملًا على غير؛ إذ كان أصلها الصفة، وكذلك تقول: مررت بالقوم إلا زيدٍ، ومن كلامهم: لو كان معنا أحدٌ إلا زيدٌ
стр. 1624
لغلبنا وفي القرآن الكريم ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدنا﴾ على قول سيبويه، وأنشد سيبويه لذي الرمة:
أنيخت فألقت بلدةً غير بلدةٍ ... قليل بها الأصوات إلا بغامها
وأنشد أيضًا:
لو كان غيري سليمى اليوم غيره ... وقع الحوادث إلا الصارم الذكر
وأنشد لعمرو بن معدي كرب:
وكل أخٍ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
فهذا كله، وما كان مثله مما وقعت فيه إلا صفةً بمعنى غير، وهو باب واسع،
стр. 1625
وقاعدة مطردة في باب الاستثناء حتى في النفي إذا قلت: ما جاءني أحدٌ إلا زيدٌ، فإن إلا يحتمل أن تكون صفة إذا أردت معنى غير، وإذا كان كذلك أشكل إطلاقه القول بالنصب من غير تعريج على غيره.
الجواب: أنه قد حرر كلامه فلم تدخل له الصفة حين قال: "ما استثنت إلا" فشرط فيها أن تكون للاستثناء بمعنى أنها تدل عليه في تلك الحال، وإلا الواقعة صفة ليست كذلك، بل هي بمعنى غير، وغير خالية في الأصل عن معنى الاستثناء حتى تضمنه، فكذلك (إلا) الصفة تجرد من معنى الاستثناء حتى تصير موافقةً لمعنى غير في الأصل، فقولك: قام القوم إلا زيدٌ، بمعنى قام القوم غير زيدٍ أي القوم المغايرون لزيد، فليس في هذا أن زيدًا مستثنى من جملة القوم، فإذًا ليس بعد إلا التي يستثنى بها إلا النصب على الاستثناء، أعني في الإيجاب، وعلى أن الناظم لم يتعرض هنا للوصف بإلا، ولا تكلم فيه، وهو فصل يجب التنبيه عليه، وليس من الأحكام الأقلية التي يباح لمثله إغفالها، بل هي من الجلائل التي لا غنى به عن ذكرها، ولعله لم يذكر هذه المسألة هنا في إلا، ولا في غير؛ لأنها من باب الوصف، وليس فيها معنى الاستثناء الذي يقتضي النصب.
فإن قيل: فكان ينبغي إذًا أن يترك البدل، نحو: ما جاءني أحدٌ إلا زيدٌ؛ لأنه ليس من باب الاستثناء، بل من باب البدل فلم ذكره وترك ذكر الوصف.
فالجواب: أن البدل عريقٌ في الباب من جهة المعنى وإن كان اللفظ مخالفًا له؛ فيكون رفعًا وجرًا، فالمعنى معنى النصب على الاستثناء، فليس بخارج عن باب الاستثناء بخلاف الوصف، فإنه في المعنى مخالف لمعنى الاستثناء، وإذا ثبت هذا أمكن أن يكون عذرًا للناظم.
والخامسة: أنه قال: "ينتصب" ولم يعين له ناصبًا، وعادته تعيين الناصب
стр. 1626
في هذه المنصوبات حسب ما تقدم.
والمسألة قد اضطرب الناس فيها على ثمانية أقوال:
أحدها: أنه انتصب بعد تمام الكلام انتصاب الدرهم بعد العشرين على التشبيه بالمفعول به، ويعزى لسيبويه.
والثاني: أنه انتصب بإلا وحدها، وهو رأي ابن مالك، وزعم أنه مذهب سيبويه، والمبرد.
والثالث: أنه انتصب بالفعل المتقدم بوساطة إلا وهو رأي السيرافي، والفارسي، وابن الباذش، وزاد أن النصب في غير بغير واسطة، بل عمل فيها كعمله في الظروف المبهمة لأن غيرًا تشبهها في الإبهام.
والرابع: أن النصب بالفعل المتقدم بغير وساطة إلا، وهو رأي ابن خروف.
والخامس: أن النصب بما في إلا من معنى الاستثناء، فكأن النصب بفعل، فإذا قلت: قام القوم إلا زيدًا، فالتقدير: استثنى زيدًا، ونسب هذا إلى المبرد، ونحوه منقول عن الزجاج.
والسادس: أنه منصوب بالمخالفة؛ لأن ما بعد إلا مخالف لما قبلها، وهو أصل الكوفيين، وحكي عن الكسائي.
стр. 1627
والسابع: أن النصب على إضمار أن، والتقدير: إلا أن زيدًا لم يقم، وينسب أيضًا إلى الكسائي.
والثامن: أن إلا مركبة من إن ولا ثم خففت إن وركبًا، فإذا انتصب ما بعدها فعلى تغليب حكم إن، وإذا لم ينتصب فعلى تغليب حكم لا؛ لأنها عاطفة. وجميع هذه الأقوال القصد بها واحدٌ، وهو ربط القوانين وتثبيتها في النفس، ويمكن على بعدٍ أن يؤخذ له من هنا تعيين الناصب من جهة أنه لما جعل الحكم في الاستثناء إلى الأداة، ونسبه إليها ثم أطلق الانتصاب، ولم يعين له خلافًا كان في ذلك إشارة إلى أن الحكم في النصب لها أيضًا، وهو المختار عنده في التسهيل، وغيره، وحجته في ذلك أن إلا مختصة بالاسم. وليست بجزء منه، فيجب لها العمل كسائر عوامل الأسماء التي هي كذلك ما لم تقع بين عامل مفرغٍ تحقيقًا أو تقديرًا ومعمول، فلا يجب العمل كلا في: لا مرحبًا، تعمل إذا لم تدخل على عامل ومعمول، ولا تعمل هنا.
فإن قيل: فإن إلا تدخل على الأفعال.
стр. 1628
قيل: كل فعلٍ دخلت عليه في تأويل الاسم، وذلك لا يبطل الاختصاص بالاسم، وإلا لم يضف إلى الفعل، ولا وقع حالًا، ولا خبرًا لكان أو إن ولا مفعولًا لظن، فلما لم يبطل ذلك الاختصاص بالاسم في تلك الأبواب، فكذلك هنا.
فإن قيل: لو كان كذلك لاتصل بها ضمير النصب، وأن لا تقول إلا: ما ضربت إلا إياه.
قيل: لم يتصل لأنه أشبه المنصوب على النداء في أنه منصوب لا مرفوع معه، وأشبهت أيضًا ما النافية في موافقة الفعل معنى، وفي إعمالها مرةً وإهمالها أخرى. ومعمول ما إذا كان ضميرًا- منفصلٌ، فكذلك ما أشبهه. وأشبهت أيضًا العاطفة في وقوعها وسطًا، ومخالفة ما بعدها لما قبلها، والضمير إذا وقع بعد العاطف منفصلٌ، فكذلك هذا، وأيضًا لما التزم الانفصال مع التفريغ أجروا الباب كله على سننٍ واحد، وأيضًا فإلا وما بعدها في قوةٍ جملة مختصرة، واتصال المنفصل اختصار فيكون إجحافًا، وأيضًا فقد وصلوا تنبيهًا على الأصل في نحو:
* ألا يجاورنا إلاك ديار *
و* ... فما لي عوض إلاه ناصر *
стр. 1629
وقد تضع العرب المنفصل موضع المتصل، نحو:
* ... ضمنت إياهم الأرض ... *
والعكس غير موجود، فلو لم يكن الأصل الاتصال لم يسغ لقائل البيتين الانفصال، وأيضًا ليس فيهما ضرورة لتمكن الأول أن يقول: ألا يكون لنا خلٌ ولا جار، والثاني أن يقول:
فما لي غيره عوض ناصر
فإن قيل: اللائق بالعامل الذي لا يشبه الفعل الجر.
قيل: بل اللائق به عمل لا يصلح للفعل، وهو الجر أو نصب لا رفع معه، ثم رجح وجوب النصب مع إلا، والخفض مع غيرها من حروف الاستثناء. وكلامه في ذلك كله طويل، وفي استقراء مذهبه من كلام سيبويه، فمن أحبه بكماله طالع الشرح، ولولا الإطالة لاجتلبته، ونبهت على ما فيه. ثم قال: "وبعد نفي أو كنفي انتخب" إلى آخره هذا الكلام قسيم الكلام المتقدم، لأن الاستثناء على ضربين:
стр. 1630
أحدهما: أن يقع في كلامٍ مثبت.
والثاني: أن يقع في كلامٍ منفي أو ما أشبه المنفي. ولكل قسم حكم يختص به. فأما الأول فهو الذي تقدم لكنه لم يكن فيه ما يشعر بأنه قسيم المثبت، فلما أتى بالقسم الثاني، وهو قسم المنفي دل على المقصود بالأول، وتعين أنه المثبت، فكأنه قال: "ما استثنت إلا بعد الإثبات مع تمامٍ ينتصب" وكثيرًا ما يجري له مثل هذا؛ أن يجتزئ بتعيين القسم الثاني عن الأول، وقد مضى منه بعض المواضع.
ويعني أن الاستثناء بإلا بعد النفي أو ما أشبه النفي يختار فيه الاتباع للأول، فيجري على حكمه في الإعراب، إن كان مرفوعًا ارتفع، وإن كان منصوبًا انتصب، وإن كان مجرورًا انجر، وذلك إذا كان الاستثناء متصلًا، نحو: قولك: ما قام القوم إلا زيدٌ، وما رأيت القوم إلا زيدًا، على الاتباع لا على الاستثناء، وما مررت بأحدٍ إلا أخيك، وما أشبه ذلك. وهذا مثال النفي الصريح، وأما ما أشبه النفي فمنه النهي، نحو: لا تضرب أحدًا إلا زيدًا، ولا يقم أحدٌ إلا زيدٌ، ولا تمرر بأحدٍ إلا زيدٍ، ومنه الاستفهام، نحو: هل قام أحدٌ إلا زيدٌ، وهل مررت بأحدٍ إلا زيدٍ، ومن أكرمك إلا زيد؟ وفي التنزيل: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ وقال: ﴿ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون﴾. وقد يكون من النفي ما ليس بصريح لكنه كالنفي الصريح فيدخل تحت قوله: "أو كنفي": ما كان [نحو]: أقل رجلٍ يقول ذلك إلا زيدٌ، وقل رجلٌ يقول ذلك إلا زيدٌ، فهو على معنى: ما يقول ذلك إلا زيدٌ، فالرفع هو المختار في هذه
стр. 1631
الأمور، ويجوز النصب لكن مرجوحًا غير منتخبٍ، فتقول: ما قام أحدٌ إلا زيدًا، وما مررت بأحدٍ إلا زيدًا، وفي القرآن: ﴿ما فعلوه إلا قليلًا منهم﴾ على ما في مصحف أهل الشام، وكذلك تقول: هل يقوم أحدٌ إلا زيدًا، ومن يقوم إلا أخاك؟ وقد حمل على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ فجعل من منصوب المحل، و (نفسه) توكيد له، والنصب لغةٌ لبعض العرب، قال سيبويه: "حدثنا بذلك يونس وعيسى جميعًا أن بعض العرب الموثوق بعربيته يقول: ما مررت بأحدٍ إلا زيدًا، وما أتاني أحدٌ إلا زيدًا، وعلى هذا: ما رأيت أحدًا إلا زيدًا، فتنصب زيدًا على غير رأيت"- يعني على الاستثناء قال: "وذلك أنك لم تجعل الآخر بدلًا من الأول، ولكنك جعلته منقطعًا مما عمل في الأول" يعني منصوبًا، ووجه اختيار الإتباع أن المعنى فيه معنى التفريغ فأجري الكلام على معناه. هذا معنى تعليل سيبويه، وغيره. وقال في الشرح: "وإنما رجح الإتباع في غير الإيجاب على النصب؛ لأن معناه ومعنى النصب واحد، وفي الإتباع تشاكل اللفظين".
ثم هنا مسائل:
إحداها: أن قوله: "انتخب إتباع ما اتصل" أطلق فيه القول، ولم يقيد فدلَّ على
стр. 1632
ارتضائه مذهب الجماعة، وخلاف قول القائل: إن المستثنى إن تباعد من المستثنى منه رجح النصب، كقولك: ما ثبت أحد في الحرب ثباتًا ينفع الناس إلا زيدًا، ولا تنزل على أحدٍ من بني تميم إن وافقتهم إلا قيسًا، وإليه ذهب المؤلف في الشرح، قال: "لأن سبب ترجيح الإتباع طلب التشاكل وقد ضعف داعيه بالتباعد" قال: "والأصل في هذا قول النبي ﷺ : "لا يختلي خلاها، ولا يعضد شجرها، فقال له العباس: إلا إلاذخر يا رسول الله، فقال: إلا إلاذخر" وأتى بحديث آخر. والأصح في هذا قول الجماعة بعدم التفصيل بناء على تعليل سيبويه، ولموافقته كلا العرب، وما استشهد به لا شاهد فيه لندوره.
والثانية: أنه لما أجاز الوجهين من غير تقييد دل على مخالفته من ألزم النصب حيث يقدر ما قبل الاستثناء مستقلًا، وهو ظاهر ابن السراج حيث قال: "إن لم تقدر البدل جعلته كقولك: ما قام أحد- كلامًا تامًا لا ينوى فيه الإبدال من أحد. ثم استثنيت، نصبت، فقلت: ما قام أحدٌ إلا زيدًا". والأولى مذهب الجمهور؛ إذ لم يفصلوا هذا التفصيل، وليس في كلام العرب عليه دليل.
стр. 1633
والثالثة: أن إطلاقه في جواز الوجهين دليلٌ على مخالفته للفراء القائل بأن المستثنى منه إن كان معرفة فالوجهان، وإن كان نكرةً فلا يجوز النصب، فقوله تعالى: ﴿ما فعلوه إلا قليل منهم﴾ لما كان معرفةً جاز الوجهان، ولما كان نكرة في قوله: ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ لم يقرأ إلا بالاتباع. قال المؤلف: "ولا حجة له؛ لأن النصب هو الأصل، والاتباع داخلٌ عليه، وقد رجح عليه لطلب المشاكلة فلو جعل بعد ترجيحه عليه مانعًا منه لكان ذلك إجحافًا بالأصل".
والقاطع في المسألة ما حكى سيبويه عن يونس وعيسى بن عمر: "أن بعض العرب الموثوق بعربيتهم يقول: ما مررت بأحدٍ إلا زيدًا، وما أتاني أحدٌ إلا زيدًا" وهو نص في موضع الخلاف.
والرابعة: أنه بإطلاقه قائلٌ بجواز الوجهين كان المنفي مما يصلح في الإيجاب أولا خلافًا لمن قال من القدماء: إن المنفي إذا صلح أن يقع في الإيجاب فلا يجوز فيه إلا النصب، فيجوز عندهم أن تقول: ما قام أحدٌ إلا زيدٌ، ولا يجوز أن تقول: ما قام القوم إلا زيدٌ. وإنما تقول: إلا زيدًا، ورد عليهم سيبويه بالسماع والقياس، فأما السماع ففي القرآن الكريم: ﴿ما فعلوه إلا قليلٌ منهم﴾ وأيضًا فإنه حكى عن يونس عن أبي عمرو بن العلاء أن الوجه
стр. 1634
في اللغة: ما قام القوم إلا عبد الله بالرفع.
وأما القياس فإن للنفي أحكامًا ر تكون في الواجب كحذف المستثنى منه، وتفريغ العامل للمستثنى، وذلك لا يكون في الواجب فلو كان حكم النفي حكم الواجب لما جاز أن تقول: ما أتاني أحدٌ كما لا يجوز أن تقول: أتاني أحدٌ. وهذا ظاهرٌ فلكل واحد من النفي والإيجاب حكمٌ يخصه، وقد يجتمعان في بعض الأحكام، وذلك غير منكر، وإنما المنكر دعوى التزام الاجتماع في جميع الأحكام.
والخامسة: أنه بإطلاقه أن الاتباع جائز كان المستثنى منه مفردًا أو جمعًا خلافًا للفراء حيث أجازه إذا كان المستثنى منه مفردًا، نحو: ما قام أحدٌ إلا زيدٌ، ولم يجزه إذا كان جميعًا، نحو: ما قام القوم إلا زيدًا بل ألزم النصب لأنه راعى في البدل اللفظ. ورد قوله سيبويه بأنه إن كان وجوب النصب، لأن الذي قبل إلا جمع فقد قال الله تعالى: ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ فقد وقع الجمع قبل إلا، والقراء على الاتباع، وإن كان جواز الإتباع لأن الذي قبل إلا واحد فينبغي أن يجوز الرفع في مسألة: ما أتاني أحدٌ إلا قد قال ذلك إلا زيد؛
стр. 1635
لأن الذي قبله واحد، وذلك لا يجوز البتة، بل الواجب النصب؛ لأنه قد صار موجبًا بدخول إلا الأولى. قال ابن خروف: لا يراعي في الباب إلا كون الثاني بعض الأول موافقًا له في الإعراب.
والسادسة: أنه يشترط [في] هذا الحكم المذكور كون المستثنى مؤخرًا عن المستثنى منه، وذلك مستفادٌ من كلامه من موضعين:
أحدهما: قوله: "انتخب إتباع ما اتصل"، والاتباع لا يتصور إلا كذلك، فإتباع ما اتصل هو إتباع المستثنى المتصل، وإتباعه أن يجعل تابعًا، والتابع شأنه أن يتبع ما قبله لا ما بعده.
والثاني: أنه قد بين على إثر هذا حكم المستثنى إذا تقدم المستثنى منه وقرره على خلاف هذا الحكم، فدل على أنه هنا ليس بمقدم. وهذا ظاهر.
والسابعة: أنه أطلق القول في الإتباع ولم يبين هل يكون على اللفظ أو على الموضع، أو عليهما. وكان من حقه ذلك كما فعل في باب المصدر الموصول وغيره، فإن الإتباع قد يكون على اللفظ خاصة، وهو بين. وقد يكون على الموضع خاصة، وذلك أن يكون ما قبل إلا مجرورًا بمن الزائدة، كقولك: ما جاءني من أحد إلا زيدٌ، فالرفع هنا لازمٌ، وقولك: ما رأيت من أحدٍ إلا زيدًا، النصب واجبٌ، وكذلك المجرور بالباء الزائدة، نحو: ليس زيدٌ بشيءٍ إلا شيئًا لا يعبأ به، وكذلك اسم لا الجنسية لا يتبع إلا على الموضع خاصة كقولك: لا إله إلا الله، ولا عالم إلا زيد، لا يجوز هنا النصب على لفظ لا أصلًا.
стр. 1636
والثامنة: أن الإتباع هنا لم يقيده الناظم اتكالًا على تفهيم المعلم، وخروجًا عن تعيين أمرٍ مختلفٍ فيه، فإن البصريين يقولون: إنه إتباع على البدل ومذهب الكوفيين أنه على العطف. وعلى أنه قد يؤخر له أنه على البدل من نصه عليه في الاستثناء المنقطع بقوله: "وعن تميم فيه إبدال وقع"، إذ هو الإتباع ههنا، فلو كان مذهبه أنه ليس على البدل لنص على العطف؛ إذ الإتباع في الجميع إما إبدالٌ وإما عطفٌ. وقد تقدم أنه لم يتعرض هنا لحكم النعت، فلا يدخل له تحت قوله: "إتباعُ ما اتصل"؛ إذ لو دخل له لكان الإتباع على النعت عنده راجحًا كالبدل، وليس كذلك. وعلى الجملة فالأصح مذهب الناظم؛ إذ هو على حقيقة البدل من صحة وقوعه موقع المبدل منه على حكم الاستقلال، وإلغاء الأول. وأيضًا فإن إلا لم يثبت أن تكون عاطفةً بعد فكيف يبنى على ما لم يثبت. قال ثعلب: كيف يكون بدلًا، والأول منفي، وما بعد إلا موجب. وأجاب السيرافي بأنه لا يخرجهما اختلافهما عن حقيقة البدلية؛ لأن معنى البدل أن تقدر الأول كأنه لم يذكر، وتقدر الثاني في موضعه. قال: "وقد يقع في العطف والصفة ما يكون الأول فيه موجبًا، والثاني منفيًا، نحو: جاءني زيد لا عمرو- كمسألتنا- وفي الصفة: مررت برجلٍ لا كريمٍ ولا لبيبٍ". قال ابن الضائع: كان الأول أن يجيء بهذا في البدل ألا ترى أنك تقول: مررت برجل لا زيدٍ ولا عمروٍ هذا بدل، وليس بعطفٍ؛ لأن من شرط لا
стр. 1637
العاطفة أن تكون مؤكدة لثبوت الحكم الأول، وهي هنا مبينة أن المجرور به ليس بزيد ولا عمرو، ولو جاز أن تكون هنا عاطفة لجاز: مررت برجلٍ لا زيد، كما تقول: مررت بزيدٍ لا عمرو، فلزوم التكرار دليل على أنها غير عاطفة.
والتاسعة: أنه ذكر اختيار الإتباع، ولم يصرح بمقابله، والذي يقابله النصب على الاستثناء.
فإن قيل: من أين يؤخذ له هذا.
قيل: من حكم القسم المقابل؛ إذ كان قد حكم عليه بالنصب في قوله: "ما استثنت إلا عن تمام ينتصب" فجعل النصب فيه حتمًا، ثم اختار في هذا القسم الإتباع فدل على أن غيره هو النصب المذكور، فكأنه قال: يتحتم النصب في الإيجاب، ولا يتحتم في النفي، وإذا لم يتحتم فلا بد من وجه آخر فعينه، وجعله المختار، فصار النصب المذكور فيه غير مختار. ويمكن أن يكون النصب في كلامه منصوصًا عليه على طريقة أخرى من التفسير في قوله: "ما استثنيت إلا" إلا آخره، وهو أن يكون معناه أن ما بعد إلا حكمه النصب على الإطلاق كان موجبًا أو منفيًا، وهذا على الجملة ثم استثنى المنفي، وما أشبهه، فأثبت له على المختار حكمًا آخر، وهو الإتباع، فبقي غير المختار داخلًا تحت الإطلاق المتقدم وهو النصب.
وإتباع: مفعول بانتحب. و (بعد) المتقدم متعلق به. وقوله: "ما اتصل" يعني من الاستثناء، والانتخاب: الاختيار، ورجل نخبة، والجمع نخب، كرطبةٍ ورطب، يقال: جاء في نخب أصحابه، أي: في خيارهم. وقوله:
стр. 1638
"وانصب ما انقطع"، أي: انصب من الاستثناء منقطعًا، وهو ما كان فيه المستثنى من غير جنس المستثنى منه، يعني أن المنقطع من الاستثناء حكمه النصب بإطلاق إلا عند بني تميم فإنه جاء عنهم الإبدال، فتقول: ما في الدار أحدٌ إلا حمارًا، وما لي عليه سلطان إلا التكلف. وفي القرآن من ذلك قوله تعالى: ﴿ما لهم به من علمٍ إلا اتباع الظن﴾ وقوله: ﴿وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون إلا رحمةً منا ومتاعًا إلى حين﴾ والقرآن نزل في غالبه بلغة أهل الحجاز، وأنشد سيبويه للنابغة الذبياني:
وقفت فيها أصيلانًا أسائلها ... عيت جوابًا، وما بالربع من أحد
إلا الأواري لأيًا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
قال سيبويه: "وأهل الحجاز ينصبون الأواري"، وأنشد أيضًا للنابغة:
حلفت يمينًا غير ذي مثنوية ... ولا علم إلا حسن ظنٍ بصاحب
وإنما نصب أهل الحجاز هذا؛ لأنه لا يصح فيه الإبدال حقيقة من جهة أن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، قال سيبويه: "جاءوا به على معنى:
стр. 1639
ولكن، وكرهوا أن يبدلوا الآخر من الأول، فيصير كأنه من نوعه، فحمل على معنى ولكن". وأما بنو تميم فيرفعون هذه الأمثلة على البدل، فيقولون: ما فيها أحدٌ إلا حمارٌ، وينشدون بيت النابغة:
* ... وما بالربع من أحد *
* إلا الأواري ...... *
بالرفع. وأنشد سيبويه:
وبلدةٍ ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
وأنشد أيضًا لابن الأيهم التغلبي:
ليس بيني وبين قيسٍ عتاب ... غير طعن الكلي وضرب الرقاب
وأنشد أيضًا للحارث بن عباد:
والخيل لا يبقى لجاحمها التخيل والمراح
إلا الفتى الصبار في النجدات والفرس الوقاح
стр. 1640
وأنشد أيضًا:
لم يغذها الرسل ولا أيسارها ... إلا طري اللحم واستجزارها
وأنشد أيضًا:
عشية لا تغني الرماح مكانها ... ولا النبل إلا المشرفي المصمم
فهذه الأبيات ونحوها مما جاءت على لغة تميم، وحين ذكر سيبويه: ما له عليه سلطانٌ إلا التكلف، وذكر الآيتين، والبيت:
* حلفت يمينًا غير ذي مثنوية *
قال: وأما بنو تميم فيرفعون هذا كله ... وينشدون بيت ابن الأيهم رفعًا. وأهل الحجاز ينصبون". وهذا كله على ما قال الناظم: "وعن تميم فيه إبدال وقع" فالضمير في (فيه) عائدٌ على: "ما انقطع"، وبين أن حكمه الإبدال من الأول، وهذا يستلزم إعرابه بإعرابه، فكأنه قال: وعن تميم فيه ابتاعٌ على البدلية وقع، كأن الأصل النصب لما تقدم في التعليل لكن راعى فيه بنو تميم أحد معنيين: إما أنهم حملوا على معناه؛ لأن المقصود هو المستثنى، فالقائل: ما في
стр. 1641
الدار أحدٌ إلا حمارٌ، المعنى فيه: ما في الدار إلا حمارٌ، وصار ذكره أحدًا توكيدًا؛ ليعلم أنه ليس ثم آدمي ثم أبدل من أحدٍ ما كان مقصوده من ذكر الحمار، وإما على جعل الحمار إنسان الدار، أي: الذي يقوم مقامه في الأنس كما قال، أنشده سيبويه:
* تحية بينهم ضربٌ وجيع *
جعلوا الضرب تحيتهم؛ لأنه الذي يقوم مقام التحية، وكذلك قوله أنشده أيضًا:
* أنيسك أصداء القبور تصيح *
وكقوله: ما لي عتاب إلا السيف. ذكر الوجهين سيبويه في تأويل الرفع. وهذا كله إنما هو إذا تقدم المستثنى نفي أو شبهه، وفيه تكلم؛ إذ هو داخلٌ تحت قوله: "وبعد نفي أو كنفي انتخب" كذا، أما إذا لم يتقدم شيءٌ من ذلك فالنصب هو الواجب دل على ذلك.
قوله: ما استثنت إلا عن تمام ينتصب. وفي كلامه بعد نظران:
أحدهما: أنه لما قال: "وعن تميم فيه إبدال وقع" لم يصرح بكيفية هذا الإبدال عندهم أهو لازمٌ في لغتهم لزوم النصب في لغة أهل الحجاز فلا يجوز
стр. 1642
عندهم: ما في الدار أحدٌ إلا حمارًا، أم جائزٌ؟ فيجوز مع الإتباع النصب، فتقول: ما في الدار أحدٌ إلا حمارًا كالحجازيين، وإلا حمارٌ كالمتصل، والذي نص عليه في التسهيل الجواز، وهو نص ابن خروف وغيره، أن الاستثناء المنقطع إذا رفعه بنو تميم فعلى حدٍ ما يرفع الجميع المتصل، فالمختار الإتباع، ويجوز النصب على غير الوجه المختار؛ لأن المنقطع في التأويل قد صار إلى معنى المتصل، وإذا صار إليه فيجري على حكمه، وقد يؤخذ من كلام الناظم جواز الوجهين؛ فإنه لما قال: "وانصب ما انقطع" ثبت أن النصب فيه حاصلٌ بإطلاق على كل لغةٍ، وحين قال: "وعن تميم فيه إبدال" دل على أنه وجه ثانٍ لهم فيه زائدٌ على النصب، فحصلت الإشارة من كلامه إلى ثبوت الوجهين على الجملة، وإلى تعيين الأرجح على مذهبهم وهو الإتباع.
والثاني: أن شرط الإبدال عند بني تميم أن يصح وقوع المستثنى موقع المستثنى منه، نحو ما تقدم من الأمثلة، فإنك إذا قلت: ما في الدار أحدٌ إلا حمارًا، فلك أن تسقط أحدًا، فتقول: ما في الدار إلا حمارٌ، وتقول أيضًا: ما بالربع إلا الأواري، والخيل لا يبقى لجاحمها إلا الفتى الصبار، وبلدةٍ ليس بها إلا اليعافير وإلا العيس. وهذا كله كلامٌ مستقيمٌ، أما إذا لم يصح أن يقع موقعه فليس في المستثنى إلا النصب كقولهم: ما زاد إلا ما نقص، وما نفع إلا ما ضر، ففاعل زاد ونفع ضمير مستتر، فكأنه قال: ما نفع ذلك الشيء ولكن ضر، ولا زاد ذلك الشيء ولكن نقص. وما التي بعد إلا مصدرية، وفي إعرابها اضطراب، ولكن الحاصل أنه ليس بمرفوع على البدل، ولا يصح وقوعه موقع
стр. 1643
الضمير فلا يصح أن يقول: ما زاد إلا النقص، وما نفع إلا الضرر، وكذلك قول الفرزدق، أنشده سيبويه:
وما سجنوني غير أني ابن غالبٍ ... وأني من الأثرين غير الزعانف
فلا يمكن أن يقال هنا: وما سجنوا غير ابن غالب على أن يكون غير مفعولًا بسجنوا، ومن ذلك كثير، فإذا تقرر هذا. فكلام الناظم لا يخرج عنه مثل هذه الأشياء بل أطلق القول بأن الإبدال واقعٌ عن تميم، فيقتضي فيها جواز الإبدال، وهو باطل، وقد تحرز هو في التسهيل منه فقال: "وأجاز التميميون إتباع المنقطع إن صح اغناؤه عن المستثنى منه" فكان من حقه أن يفعل ذلك هنا.
ويجاب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أنه إنما قال: إن الإبدال وقع لبني تميم في الاستثناء المنقطع على الجملة وليس فيه ما يعين أن كل استثناء منقطع كذلك، ولا شك أن الأمر كذلك، وغاية ما فيه أنه لم يبين موضع الإبدال، وذلك قريب؛ إذ قد يقصد في هذا النظم التعريف الإجمالي ويحيل في بيانه على الشيوخ، وقد تقدم منه أشياء، وستأتي أخر، ولا يقال: إن هذا إخلالٌ، إذ يوهم أن الإبدال تتابع في الجميع، لأنا نقول: إنما يكون إخلالًا إذًا أتى بعبارة عامة محكومٍ عليها في جميع أفرادها بحكم غير مطردٍ، كما لو قال: وجوز فيه الإبدال عند تميم، أو نحو ذلك، وأما حين قال: قد وقع فيه الإبدال عند تميم، فليس فيه ما يدل على شمول الحكم، لأنه جعل الاستثناء المنقطع محلًا لوقوع الإبدال، ولا يلزم من وقوع الشيء في
стр. 1644
محلٍ شموله لجميع أجزاء ذلك المحل؛ لصحة وقوعه في محلها.
والثاني: أن قوله: "فيه إبدال" قد يشعر بذلك الشرط، وذلك أن من حقيقة البدل أن يصح وقوعه موقع المبدل منه من حيث هو مقصودٌ بالحكم، كما قال في باب البدل: "التابع المقصود بالحكم"؛ ولذلك سمي بدلًا، وإذا كان كذلك فلا يتأتى الإبدال إلا حيث يصح الاستغناء به عن الأول، وذلك عين ما قيده به في التسهيل بقوله: "إن صح اغناؤه عن المستثنى منه" وإذا تأملت جميع ما تقدم من المثل فلا يصح فيها الإبدال؛ لأنه لا يغني عن الأول، ويدل على هذا القصد من كلامه إتيانه بلفظ الإبدال ولم يأت بلفظ الإتباع، فيقول: وعن تميم فيه إتباع وقع، كما قال في البيت المتقدم: "وبعد نفي أو كنفي انتخب.
إتباع ما اتصل" وهذا حسن من التنبيه في حسن من الاختصار لا تنبو مقاصده عن مثله، وفي هذا النظم من هذا القبيل أشياء. والله أعلم.
وغير نصب سابقٍ في النفي قد ... يأتي ولكن نصبه اختر إن ورد
يعني أن المستثنى إذا كان سابقًا على المستثنى منه فلا يخلو أن يكون في النفي أو في الإيجاب، فإن كان في الإيجاب فليس إلا النصب على الاستثناء، ولم يذكره هنا لأنه داخلٌ فيما تقدم في الإثبات إما بالشمول، وإما بالقياس من باب أولى. وإن كان في النفي فقد أجاز هنا فيه وجهين: أحدهما- وهو غير المختار-: أن يعرب بإعراب المستثنى منه رفعًا أو نصبًا أو جرًا، فتقول: ما قام إلا زيدٌ أحدٌ، وما رأيت إلا زيدًا أحدًا، وما مررت إلا بزيد أحدٍ، ويكون الثاني بدلًا من الأول، وهو المتقدم الذكر فيما إذا كان متأخرًا، وأتى الناظم في هذا الوجه بقد فقال:
стр. 1645
"قد يأتي" أي قد يأتي قليلًا غير النصب، وهو الإتباع في المستثنى السابق؛ إذ ليس بكثير في كلام العرب، قال سيبويه: "وحدثنا يونس أن بعض العرب الموثوق بهم يقولون: ما لي إلا أبوك أحد، فيجعلون أحدًا بدلًا، كما قالوا: ما مررت بمثله أحدٍ، فجعلوه بدلًا" وإنما كان غير مختار لأنهم كرهوا أن يبدلوا الأكثر من الأقل، إذ كان البدل على خلاف ذلك، لأنه لا يوجد بدل كلٍ من بعض. بهذا يعلل النحويون، ويفسرون به كلام سيبويه في التعليل حين قال: "وزعم الخليل ﵀ أنه إنما حملهم على نصب هذا- يعني ما لي إلا أباك صديق- أن المستثنى إنما وجهه عندهم أن يكون بدلًا، ولا يكون مبدلًا منه؛ لأن الاستثناء إنما حده أن "تدارك به بعد ما تنفي، فتبدله". قال: "فلما لم يكن وجه الكلام هذا حملوه على وجهٍ قد يجوز إذا أخرت المستثنى" يعني النصب، وفسره ابن الضائع بأن الأصل في الاستثناء أن يأتي بعد المستثنى منه، فحده إذًا أن يكون بدلًا لا مبدلًا منه؛ لأن البدل ثانٍ عن المبدل منه؛ فلذلك لم يجز: ما أتاني إلا زيدٌ أحدٌ، على أن يكون أحدٌ بدلًا من إلا زيد، فإنه في تقدير: ما أتاني إلا زيد، ما أتاني أحدٌ، فلما لم يكن حده كذلك، ولم يكن مع التقديم أن يكون بدلًا حملوه على وجهٍ قد يجوز فيه وهو مؤخر، وهو
стр. 1646
النصب. قال ابن الضائع: "ويظهر من سيبويه أنه يمكن أن يكون المستثنى منه بدلًا من المستثنى، ولذلك علله بذلك التعليل". ثم ذكر أن من علل بما تقدم لم يفهم عن سيبويه، وبين أن المراعى في البدل في الاستثناء أن يقع موقع المستثنى منه، والبعض في الاستثناء لا يقع موقع الكل إلا مع إلا، وذلك قولك: ما أتاني أحدٌ إلا زيدٌ، وزيدٌ مع إلا بمعنى غير زيد، وغير زيدٍ هو مدلول أحد، فهو من بدل الشيء من الشيء وهما لعينٍ واحدة، فإلا زيد أشبه ببدل الشيء من الشيء منه ببدل البعض؛ ولذلك لا يقع البدل هنا موقع المبدل منه إلا مع إلا، فليس البدل إلا الحرف مع الاسم، والدليل على أن سيبويه أراد هذا الذي فسرت تشبيهه البدل في الاستثناء بقولك: مررت برجلٍ زيد، وهذا ليس بدل بعض من كل، ولم يتعرض حيث ذكر البدل لبدل البعض من الكل أصلًا، قال: "وتعليله في منع البدل في المستثنى المقدم دليلٌ على ذلك، ولم يفهم عنه أحدٌ مراده" قال: "فعلى هذا كان يصح البدل في: ما قام إلا زيدٌ أحدٌ؛ لأنه يقع موقعه، ويبدل مكانه، ويقع موقع "إلا زيدٌ" لا موقع زيدٍ وحده" انتهى المقصود من كلامه، وبه تبين وجه الإتباع، ووجه اختيار النصب. ومما جاء على الإتباع ما أنشده يونس في نوادره من قول الشاعر:
стр. 1647
رأت إخوتي بعد الولاء تتابعوا ... فلم يبق إلا واحدٌ منهم شفر
وأنشد الفراء لذي الرمة:
مقزع أطلس الأطمار ليس له ... إلا الضراء وإلا صيدها نشب
ولحسان ﵁:
لأنهم يرجون منه شفاعةً ... إذا لم يكن إلا النبيون شافع
والوجه الثاني- وهو المختار- النصب على الاستثناء، وهو الذي قال [فيه]. ولكن نصبه اختر إن ورد" فتقول على المختار: ما لي إلا زيدًا أحدٌ، وما قام إلا زيدًا القوم، وما مررت إلا زيدًا بأحدٍ، ووجه ذلك ما تقدم من الخروج عن قبح البدل، كما فعلوا في نحو: فيها قائمًا رجلٌ، لما لم يحسن أن يجري قائم على رجلٍ مع تقديمه، ولا رجلٌ على قائمٍ نصبوه على الحال، قال سيبويه: "لما لم يكن وجه الكلام هذا حملوه على وجهٍ قد يجوز إذا أخرت المستثنى، كما أنهم حيث استقبحوا أن يكون الاسم صفةً في قولهم: فيها قائمًا رجلٌ، حملوه على وجهٍ قد
стр. 1648
يجوز لو أخرت الصفة- يعني النصب على الحال- وكان هذا أمثل عندهم من أن يحملوا الكلام على غير وجهه". ثم أنشد لكعب بن مالك ﵁:
والناس ألبٌ علينا فيلك ليس لنا ... إلا السيوف وأطراف القناوزر
وقال الكميت:
وما لي إلا آل أحمد شيعة ... وما لي إلا مشعب الحق مشعب
هذا تحصيل ما قصد. ثم فيه بعد نظر من وجهين:
أحدهما: أن السبق الذي ذكر إما أن يريد به السبق المطلق كان سبقًا على جزأي الجملة معًا أ، على أحدهما دون الآخر، أعني أن يكون السبق على المستثنى منه وحده دون العامل، فإن كان الأول فهو غير صحيح؛ إذ لا يجوز تقدم المستثنى على الجملة كلها أصلًا، فلا تقول: إلا زيدًا قام القوم، ولا: ما إلا زيدًا في الدار أحدٌ، فإن جاء من ذلك شيءٌ فهو خاص بالشعر، كقول الشاعر- أنشده الزجاجي- وغيره:
خلا أن العتاق من المطايا .. حسين به فهن إليه شوس
стр. 1649
وهو لأبي زبيد الطائي، وقال الآخر- أحسبه الأعشي-:
خلا الله لا أرجو سواك وإنما ... أعد عيالي شعبة من عيالكا
وقال الآخر:
وبلدةٍ ليس بها طوري ... ولا خلا الجن بها إنسي
فلا يبنى على مثل هذا، وإطلاق لفظ السبق في كلامه يقتضي جواز مثل هذا.
وأما إن أراد الثاني فصحيح إلا أن لفظه لا يقتضيه بخصوصه، فكان كلامه غير محرر، وقد وجه في الشرح امتناع التقديم بأن المستثنى جارٍ من المستثنى منه مجرى الصفة المحضة من الموصوف بها، ومجرى المعطوف بلا من المعطوف عليه، فكما لا يتقدمان على متبوعهما كذا لا يتقدم المستثنى على المستثنى منه إلا إذا تقدم ما يشعر به مما هو المسند إليه أو واقع عليه.
стр. 1650
والجواب: أن إجازته الرفع على البدل يعين أن التقديم لا يكون إلا على المستثنى منه خاصةً؛ لأنك إذا قلت: إلا زيدٌ لم يقم القوم لم يصح أن يكون واحدٌ منهما بدلًا، وكذلك: إلا زيدٍ لم أمر بإخوتك، وما أشبه ذلك، فلا بد من محل يتصور فيه البدل، وذلك لا يكون إلا عند توسط المستثنى. هذا وجهٌ من الاعتذار جارٍ، ويمكن أن يعتذر عنه بأنه قد ذهب في ذلك مذهب من رأى جواز التقديم على الجملة بأسرها، حكاه ابن الأنباري عن الكسائي من الكوفيين، وعن الزجاج من البصريين. وإذا كانت المسألة خلافية أمكن أن يطلق العبارة بناءً على القول بالجواز، ويترجح هذا المذهب بأمرين: الأول: السماع في نحو ما ذكر، والآخر: أن المانع عند البصريين من التقديم شبهه بالصفة مع الموصوف، أو بالبدل مع المبدل منه، أو بالمعطوف بلا مع المعطوف عليه، وذلك الشبه غير معتبر، ولا محصل؛ إذ لو كان كذلك لم يجز تقديمه على المستثنى منه وحده، وهو جائز باتفاق من المختلفين. وما فرق بن ابن مالك في الشرح ليس بفرقٍ قوي يعمل مثله في بناء الأحكام عليه، وكذلك قول من قال: لما تجاذبه شبهان شبهه بالمفعول، وشبهه بالبدل، والأول طالبٌ بجواز التقدم مطلقًا، والثاني مانع منه مطلقًا، أعطي منزلة بين المنزلتين إعمالًا للشبهين فلو أجيز التقديم بإطلاق
следующие страницы →