Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
البيت، وكان الأصل: ذهبتُ في الشام، ودخلت في البيت، وأنشد سيبويه لساعدة بين جويَّة:
لَدْنٌ بهزِّ الكف يعسِلُ مَتنَه ... فيه كما عسل الطريق الثعلبُ
فالأصل: في الطريق، ثم حُذِف الجار، وكذلك قنا وعوارض في قول عامر بن الطفيل، أنشده سيبويه:
فلأبغينَّكم قنا وعوارضًا ... ولأقبلَنَّ الخيل لابة ضرغد
لكن الظاهر من نصبه عند الناظم ليس على الظرفية، بل على إسقاط الجارِّ؛ إذ لو كان على الظرفية لم يقل: "وما يقبله المكانُ إلا مُبهمًا" لقبوله ذلك سماعًا، وأيضًا فقد قال في حدّ الظرف: "ضمنا في بإطراد" فأخرج غير المطرد. وهذا ليس بمطرد كما تقدم، فلا يكون ظرفًا. فالقابلية في قوله: "وما يقبله المكان" مطلقةٌ في القياس والسماع معًا. وهنا يظهر أنّ نصب هذه الأشياء عنده ليس على الظرفية كما قاله الشلوبين تأويلًا على سيبويه، وليس مذهب سيبويه. ومع ذلك فهو مذهب مرجوح؛ فإنها كسائر الأسماء التي يتعدَّى إليها الفعل بحرج الجر من غير أن يطَّرد إسقاطه كمررت زيدًا، فإنّ نصبه على إسقاط الجارّ لا على الظرفية فكذلك هذا. وبَعْدُ فعلى هذا الكلام سؤالان:
أحدهما: أنّ قوله: "وكلّ وقتٍ قابلٌ ذاك إلى آخره" ليس على إطلاقه، بل
стр. 1577
اسم الزمان أو المكان إنْ كان ظاهرًا فكما قال، وإن كان ضميرًا فلا ينصبه على الظرفية فعله الواقع فيه، بل يلزم جرُّه بالحرف، فتقول: يوم الجمعة سرت فيه، ومكانك قعدتُ فيه، ولا تقول سرتُه ولا قعدتُه، وهو على ظرفيته، وإنما يقال ذلك على تصييره مفعولًا به على الاتساع كقوله:
ويومٍ شهدناه سليمًا وعامرًا
وقو الأخر أنشده سيبويه:
طبَّاخِ ساعاتِ الكري زاد الكسل
هو على هذا التقدير كما تقول: سير يوم الجمعة، وولد له ستون عامًا، وجُلِس مكانك، وإطلاقه يوهم أنّك تقول: سرتُه وقعدتُه على حقيقة الظرفية، وذلك غير صحيح.
والثاني أنّه ذكر (في) في ظرف المكان المشتق، ولم يذكره هو ولا غيره في ظرف الزمان، وكان من الحقّ ذكرُه، فإنك كما تقول: قعدت مَقعَدًا، تريد المكان، فكذلك تقول: قعدتُ مَقعَدًا تريد الزمان، ولا فرق بينهما في صِحّة
стр. 1578
تقدير في، ونصبه على الظرفيّة، فكان إهماله لذلك هو وغيره إهمالًا لأمر قياسيًّ ضروريّ؛ إذ لا فرق بينهما في القياس، ولا في الحكم، ولا في الاستعمال فكان ذِكرُ الزمن المشتق لازمًا كما لزم في المكان.
والجواب عن الأول: أنّ اسم المكان أو الزمان في الحقيقة إنّما هو الظاهر، وأمّا الضمير فكناية عن ذلك الظاهر، وليس به فكأنه أراد الظاهر لا الضمير، وعلى ذلك يصحّ كلامه، أو يقال: إنّ الإضمار من عوارض الكلام اللاحقة للأسماء فالناظم إنّما تكلمّم عن الأصل، ولم يتعرّض للتحرُّز مما يعرض فيه، فلذلك أطلق القول في قبول الظرفية حسب ما فصَّل. والله أعلم.
وعن الثاني: أن السؤال ظاهر الورود على المتأخرين من النحويين الذين يذكرون في أقسام ظرف المكان المشتقّ ولا يذكرونه في أقسام ظرف الزمان، وأما الناظم فلا يرِد عليه؛ إذ لم يُقسِّم ظرف الزمان بل أجمل القول فيه، فيمكن أن يريد إدخاله فلا يتحتم السؤال عليه. والله أعلم. وفي كلامه إشارة إلى مسألة من الاشتقاق، وذلك قوله: "وما صيغ من الفعل كمرمى من رمى" فظاهره أن اسم المكان هنا مشتق من الفعل لا من المصدر، وهي مسألة تحتمل الخلاف من مسألة اشتقاق الصفة، فالجاري على قول الناظم هنالك باشتقاق الصفّة من الفعل يقول بظاهر هذا، فإن حملنا مذهب الناظم هنا على ظاهرة كان كالمتناقض؛ إذ قد تقرَّر هناك أن من حقيقة المشتق أن يفيدَ المشتق منه وزيادة: هي فائدة الاشتقاق. واسم المكان هنا لا يفيد معنى الفعل
стр. 1579
على تمامه لسقوط دلالته على الزمان المعيّن، كالصفة من كل وجه، وهو دليله على اشتقاق الصفة من المصدر لا من الفعل، فإذا كان هنا يختار اشتقاق اسم المكان من الفعل فقد ارتكب أنّ المشتق لا يلزم أن يفيد معنى المشتق منه. وذلك تناقض ظاهرٌ، ولو كان قائلًا في الصفة بما يظهر منه هنا لكان له وجهٌ من القياس؛ لأنَّ القائل باشتقاق الصفة من الفعل يحتجُّ بأنها قد جرت في أحكامها على الفعل فعملت عمله وبُنيت على وزانه، وانحطت عن درجته في قوة العمل؛ إذ الفعل يعمل بلا شرطٍ، والصفة لا تعمل إلا بشرط، وأيضًا فسقوط الدلالة على الزمان المعيّن غير ضارٍّ، لأن الدال عليه الصيغة في الفعل وهي قد عُدِمت في الصفة، فلا يلزم أن يدلّ الفرع المشتق إلا على ما يبقى الدال عليه في الفرع، وهكذا يقول هنا من من يدّعي أن اسم المكان مشتقٌّ من الفعل؛ لأنه جارٍ على الفعل المضارع، ألا ترى أن المضارع في الثلاثي إذا كان على يَفْعِل بكسر العين كان اسم المكان على مَفْعِل كيضرِب ومضرِب، وإن كان على يفعَل -بفتح العين- كان اسم المكان على مفعَل كيذبَح، ومذبَح، وما خرج عن ذلك فلعلل اقتضت ذلك، فصار اسم المكان مع الفعل كالصفة معه، فالذي يقال هنالك يقال مثله هنا، فقد كان هذا مما يمكن الاحتجاج به لظاهر كلامه هنا لولا ما يلزمه بين المذهبين من ظاهر التناقض. والأولى أن يعتذر له عن أحد الموضعين، ويُردُّ إلى الموضع الآخر. وقد وجدنا الموضع الأول في باب المفعول المطلق مقصود الذكر منبهًا عليه، منصوصًا على مخالفته لغيره فيه، ووجدنا هذا الموضع محتملًا لمثل ذلك، ولأن يريد الاجتماع مع الفعل في الاشتقاق، لا أنّه فرع عنه لحاجته إلى ذكره ذلك في عمل الفعل فيه، لكنّه أطلق عليه أنَّه صيغ منه مجازًا، واتساعًا في العبارة. ومثل هذا يُغتَفَر لمثله إذا كان قد قرّر الحق عنده في المسألة، وبيَّن
стр. 1580
مذهبه فيها، وإنما الذي لا يغتفر له أن يطلق مثل هذه العبارة من غير أن يكون قد بين وجه المسألة في الكتاب أصلًا، فلا تناقض في كلامه إذا حملنا عبارته هنا على التسامح. والجمع بين الكلامين ولو بوجه ما أولى. والله أعلم.
ولما كان القسم الأخير من أقسام المبهم وهو المشتق لا ينتصب ظرفًا مع كل فعل، وإن فرض وقوعه فيه، بل له اختصاص ببعض الأفعال دون بعض أخذ يبين ذلك فقال:
وشرط كون ذا مقيسًا أن يقع ... ظرفًا لما في أصله معه اجتمع
ذا: إشارة إلى أقرب مذكور، وهو ما صيغ من الفعل كمرمى من رمى، ويريد أن من شرط كون هذا القسم مقيسًا أن يقع ظرفًا للفعل الذي اجتمع معه في أصله، وأصله الحروف الأول التي بني منها، ومعنى ذلك أن يكون العامل فيه إما الفعل المشتق من مصدره نحو: قعدت مقعد زيد، وقمت مقامك، أو اسم فاعله أو اسم مفعوله نحو: أنا قاعد مقعدك، وزيد مقام مقام عمرو، ونحو ذلك، فلو لم يجتمع اسم المكان مع عامله في أصله لم يصح عمله فيه قياسًا، فلو قلت: قعدت مقام زيدٍ، واعتكافك مقعد عمروٍ لم يجز؛ لأن العامل لم يجتمع مع اسم المكان في الحروف الأول التي هي أصله. وفي هذا الكلام إشارة إلى ثلاث مسائل:
إحداها: أنه قد يأتي مثل: اعتكافك مقعد زيد سماعًا لقوله: "وشرط كون ذا مقيسًا"، ولم يقل: "وشرط وجود ذا" فدل على أنه قد يجيء ويكون غير مقيس، وذلك نحو قولهم: هو مني منزلة الشغاف، وهو مني منزلة الولد، وأنت مني مقعد القابلة، وهو مني مقعد الإزار، وهو مني مزجر الكلب، ومناط الثريا، وأنشد سيبويه للأحوص:
стр. 1581
وإن بني حرب كما قد علمتم ... مناط الثريا قد تعلت نجومها
وأنشد لأبي ذؤيب الهذلي:
فوردن والعيوق مقعد رابيء الـ ... ـضرباء خلف النجم لا يتتلع
فهذه كلها ظروف مشتقة لم يعمل فيها ما شركها في أصلها، فلم تكثر كثرةً يقاس على مثلها، فوقفت على السماع. قال سيبويه لما ذكر هذه الأمثلة: "وليس يجوز هذا في كل شيء، لو قلت: هو مني مجلسك، ومتكأ زيد، ومربط الفرس لم يجز، فاستعمل من هذا ما استعملته العرب، وأجز منه ما أجازوا". وإنما كان مثل هذا سماعًا، وإن كان مشتقًا، والمشتق مبهم على ما تقدم؛ لأنها إذا لم يعمل فيها ما اجتمعت معه في الاشتقاق كانت مختصة لا مبهمة، ولذلك ترجم عليها سيبويه بقوله: "هذا باب ما شبه من الأماكن المختصة بالمكان غير المختص" وذلك من حيث كانت لا تقع إلا على ما وقع فيه فعلها؛ إذ كان التقدير: هو مني بمنزلة الشغاف من القلب، وبمنزلة الولد، وكذا سائرها، هي مما يتعدى بالحرف، ويتكلم به لكنها لما كان معناها المكان، فكأنه يقول: هو
стр. 1582
مني مكانًا قريبًا، ومكانًا بعيدًا، والمكان مبهم شبهوها به، وعاملوها معاملته فنصبوا.
والثانية: أن كلامه صريح في أنه لا يقاس الظرف هنا، وإن كان الفعل مرادفًا لما اشتق منه الظرف، فلا تقول قعدت مجلسًا، ولا جلست مقعدًا، ولا ذهبت منطلقًا، ولا ما أشبه ذلك. وقد نص ابن خروف على امتناع: نزل مني مقعدًا، أو قعد مني منزلة؛ لأن المصدر ليس من لفظ الفعل، واستدل بقول سيبويه: "ويتعدى إلى ما اشتق من لفظه اسمًا للمكان وإلى المكان" فقيد تعدي الفعل إلى الظرف المشتق بكونه مشتقًا من لفظ الفعل، ومثل ذلك بقولك: "ذهبت المذهب البعيد وجلست مجلسًا، وقعدت المكان الذي رأيت" وهذا بين في اشتراط ما قال الناظم، ومنع ما عداه.
والثالثة: أن تخلف ذلك الشرط غير مقيس، خلافًا لمن خالف فقد أجاز الأخفش في كتابه: مررت مقعد القابلة منك بزيد، فيظهر من هذا أنه لا يقتصر على المواضع المسموعة حيث سمعت، بل يعديها إلى غيرها، وذلك معنى القياس، وإذا كان كذلك فالناظم لم يرد ذلك؛ لأنه لم يكثر كثرةً يقاس عليها. وعلى ذلك الأئمة، فما رآه هو الأولى. وما في قول الناظم: "لما في أصله" واقعةٌ على العامل في الظرف، وهو الواقع فيه، والعائد عليها فاعلُ اجتمع، والضمير في: (معه وأصله) عائدان على الظرف الذي أشير إليه بذا، كأنه قال: للمظروف الذي اجتمع مع الظرف في أصل الظرف. وأن يقع وما بعده خبر قوله: (وشرط).
ثم قال:
وما يرى ظرفًا وغير ظرف ... فذاك ذو تصرفٍ في العُرْف
стр. 1583
/ وغير ذي التصرف الذي لزم ... ظرفية أو شبهها من الكلم
هذا الفصل يبين فيه معنى التصرف المستعمل في الظروف في قولهم: ظرف متصرف، وظرف غير متصرف، فأخبر أن تصرف الظرف أن يصح استعماله ظرفًا وغير ظرف، أي يصح أن يعمل فيه فعله الواقع فيه، فينتصب على تضمين معنى في، ويصح أن يعمل فيه غير ذلك الفعل فيجري بوجوه الإعراب أو ببعضها، لا على معنى في، وذلك كيومٍ وليلةٍ في ظروف الزمان، فإنك تقول: سرت يومًا، وقمت ليلةً، فينتصب نصب الظرف، وتقول: أعجبني يومٌ لقيتك فيه، وأحببت ليلةً ألقاك فيها، وسررت بيومٍ ألقاك فيه، وبليلةٍ أراك فيها، وكذلك: أعجبني يومُ الجمعة، وعجبت من يومِ الجمعة، ورغبت في ليلةِ كذا، فاستعمال هذا فاعلًا ومفعولًا به ومجرورًا بين أنه متصرف، أي يتصرف بوجوه الإعراب. ومثال ذلك في ظرف المكان: يمين وشمال، فإنك تقول: قعدت يمينك وقمت شمالك. فهذا ظرف، فإذا قلت: يمينُك أحسن مقعدًا، وشمالُك أليق مكانًا، ورأيت يمينَك أحسن، وشمالَك أوطأ، وملت إلى يمينِك عن شمالِك، وكذلك مكان، وذات اليمين، وذات الشمال وما أشبهه مما شأنه أن يستعمل هكذا بوجوه الإعراب كسائر الأسماء فهو المتصرف، وذو التصرف. فقوله: "وما يرى ظرفًا وغير ظرف" يعني في الاستعمال العربي وقوله: "ذو تصرف في العرف" يريد في عرف النحاة فإن هذه العبارة، وهي عبارة التصرف- اصطلاحية. وهذا التعريف إحالة على السماع؛ إذ لا يقاس التصرف أو عدمه، ولا فيه علة توجب القياس، فإن أسماء الأماكن محصورة، والأسماء المحمولة عليها قليلة، وقد جعلها سيبويه غرائب. والمصادر وإن كثرت بعض كثرةٍ في الظروف فإنها نائبةٌ عنها، وقليلة لا يقاس عليها فمن هنا أحال في تصرفها على السماع. والله أعلم.
стр. 1584
ثم قال: (وغير ذي التصرف الذي لزم) إلى آخره يعني أن ما كان لازمًا لطريقةٍ واحدة فلم يستعمل إلا على وجه واحدٍ، ظرفًا مثلًا، ولم يؤت به غير ظرف فهو غير المتصرف، يعني في العرف الاصطلاحي، ومثال ذلك في ظروف الزمان: سحر، وعشاء، وعشية، وضحى، وضحوة، وعتمة لأوقات بأعيانها، لا تقول: عشية أفضل من ضحوة؛ ولا: أحببت عشيةً، ولا ما أشبه ذلك، وأنت تريد أوقاتًا بأعيانها، فلو كانت نكراتٍ لتصرفت، وكذلك بعيدات بينٍ، وصباح مساء، ويوم يوم، ونحوها، ومثاله في ظروف المكان: مع، وبين بين، ووسط ساكن السين، وما أشبه ذلك. ومستند عدم التصرف السماع كما مر، فما رأينا العرب استعملته على وجوه سميناه متصرفًا، وما رأيناها قصرته على طريقة واحدة ظننا بأنه عندها كذلك فسميناه غير متصرف.
ويتعلق بكلام الناظم ثلاث مسائل:
إحداها: أن ظرف الزمان بحسب التصرف، وعدمه، والانصراف وعدمه أربعة أقسام: متصرف منصرف، ومقابله، ومتصرف غير منصرف وعكسه.
فالأول: كل ما كان من أسماء الزمان غير معين أو بالألف واللام، أو بالإضافة، مثل: سرت يومًا، وسرت يوم الجمعة، واليوم الذي تعلم.
والثاني: سحر إذا كان ليوم بعينه، نحو: سرت يوم الجمعة سحر.
والثالث: غدوة. وبكرة من يوم بعينه، نحو: لقيته يوم الجمعة، غدوة أو بكرة، فهذا يتصرف، فتقول: موعدك غدوة، وإن بكرة موعدهم كما تقول في القسم الأول: عجبت من يوم الجمعة، واليوم مبارك.
والرابع: نحو ضحى وصباحًا ومساءً وعشاء لأوقات بأعيانها، تقول: لقيته
стр. 1585
يوم الجمعة ضحى، وصباحًا ومساءً، ولا تقول: موعدك صباحٌ ولا ما لقيته مذ مساء، ولا نحو ذلك ما لا تقول في القسم الثاني: موعدك سحرُ ولا ما لقيته مذ سحرَ، ولا ما أشبه ذلك.
وظرف المكان أيضًا ينقسم بحسب التصرف وعدمه- على ما قسمه المؤلف في التسهيل- أربعة أقسام: كثير التصرف، ومتوسطه، ونادره، وعديمه.
فالأول: كمكان ويمين وشمال وذات اليمين وذات الشمال، وقد تقدم تمثيله.
والثاني: كوراء وقدام وخلف وأمام وأسفل، وذلك قولك: أمامك أوسع لك، ووراءك أوسع لك، وجلس قدامك وأمامك، ومن ذلك ما أنشد سيبويه من قول لبيد:
فعدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولي لمخافة خلفها وأمامها
وقرأ بعض القراء: ﴿والركب أسفل منكم﴾. ومن هذا القسم (بين) عنده كقول الله تعالى: ﴿قال هذا فرق بيني وبينك﴾ وقال عبد الله بن عمر في سالم
стр. 1586
ابنه ﵃ أجمعين:
يلومونني في سالم وألومهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم
والثالث: كدون وحيث، فالأكثر هنا النصب على الظرفية، ومن التصرف في حيث قول زهير بن أبي سلمى:
فشد ولم يفزع بيوت كثيرة ... لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم
ومنه في دون قول الشاعر:
ألم تريا أني حميت حقيقتي ... وباشرت حد الموت والموت دونها
وأنشد لذي الرمة:
وغيراء يحمي دونها ما وراءها ... ولا يختطيها الدهر إلا مخاطر
والرابع: كمع، وبين بين لا يجوز في هذا إلا النصب على الظرفية.
والثانية: أنه يظهر من كلامه أن العديم التصرف هو: ما لم يستعمل في
стр. 1587
[غير] النصب على الظرفية فإذا ما جر بحرف ليس بعديم التصرف، بل هو متصرف، ولو كان الجار من كغيرها من حروف الجر نحو إلى وفي وعن، ونحوها. وهذا الرأي مخالف لما ذهب إليه في التسهيل من التفرقة بين من وغيرها من الحروف الجارة، فإن الجر بمن عنده ليس بدليل على التصرف، بخلاف الجر بفي، وإلى، ونحوهما، فقال هناك: "فإن جاز أن يخبر عنه أو يجر بغير من فمتصرف وإن لا فغير متصرف". وبين ذلك في الشرح فقال: "وبدخول إلى على متى يعلم أنها ظرف متصرف؛ فلذلك أجاز سيبويه أن يقال: يوم كذا بالرفع لمن قال: متى سير عليه؟ على تقدير: أي الأحيان سير عليه، برفع أي، وقال سيبويه: "والرفع في جميع هذا عربي كثير جيد، في لغة جميع العرب على ما ذكرت لك من سعة الكلام والإيجاز، يكون على كم غير ظرف، وعلى متى غير ظرف". هذا نصه. قال ابن مالك: "ولا يحكم بتصرف ما يجر بمن وحدها كعند وقبل وبعد لأن من كثرت زيادتها، فلم يعتد بدخولها على الظرف الذي لا يتصرف، بخلاف غيرها كمذ، وحتى، وفي، وإلى، وعن، وعلى" انتهى، وما عول عليه في التسهيل- وقد يشير إليها [كلامه هنا]- طريقه ابن خروف، وأما غيره فدخول حرف الجر عندهم دليل على التصرف، بل هو
стр. 1588
التصرف. وهو ظاهر كلام سيبويه، فإنه قال: "وتقول سير عليه أيمن وأشمل، وسير عليه اليمين والشمال؛ لأنه يتمكن. تقول: على اليمين وعلى الشمال، ودارك اليمين، ودارك الشمال" ثم أنشد بيت أبي النجم:
يأتي لها من أيمنٍ وأشملِ
قال السيرافي: "واستدل بالجر على جواز الرفع؛ لأن كل ما جاز أن تدخل حروف الجر عليه من الظروف كان متمكنًا، وجاز أن يرفع". قال ابن خروف: "ليس بشاهد قوي، لأن من تدخل على جميع الظروف المتمكنة وغير المتمكنة، كجئت من عنده" فهما طريقتان للنحويين في تعريف المتصرف من غيره. وسيبويه موافق لظاهر هذا النظم، ولذلك لم يكن تأويل ابن مالك عليه في الشرح ظاهرًا إذ جعل رأي سيبويه في تصرف متى مبنيًا على جواز جرها بإلى دون جرها بمن، فاستدلاله على التصرف ببيت أبي النجم يرفع ذلك، وأيضًا فإن سيبويه جعل سوى وسواء من قبيل الظروف العديمة التصرف وجعل جرها بمن تصرفًا خاصًا بالشعر، فقال في باب ما يحتمل الشعر: "وجعلوا ما لا يجري من الكلام إلا ظرفًا بمنزلة غيره م الأسماء، وذلك قول المرار بن سلامة العجلي:
ولا ينطق الفحشاء من كان منهم ... إذا جلسوا منا ولا من سوائنا"
стр. 1589
فجعل الجر بمن تصرفًا ثم قال: "فعلوا ذلك لأن معنى سواء معنى غير" فقد تبين أن من عنده كإلى وغيرها من حروف الجر، ولم يقل ذلك سيبويه إلا بعد تحقق أن لا فرق بين حروف الجر في ذلك، وكون بعض الحروف يكثر في الدخول على الظروف أو يقل أمرٌ آخر لا يقدح في دعاء التصرف بدخوله إلا أن من الظروف ما يقل التصرف فيه فلا يتعدى به محل السماع، ومنها ما يكثر ذلك فيه، فيحكم له بحكم التصرف على الإطلاق، وقد قسم هو الظرف المكاني إلى الأقسام الأربعة، فإذا وجدنا ظرفًا دخلت عليه من حكمنا بتصرفه في ذلك الموضع، فإن توارد عليه تصرف آخر وكثر ذلك فيه أطلقنا القياس فيه، وإلا وقفنا القياس وتلقينا السماع بالقبول في موضعه، وعلى هذا نقول: إن ما كثر دخول من عليه دون غيرها كثرةً يتعدى بها محلها جعلنا التصرف فيه بمن دون غيرها قياسًا، كحيث فإن دخول من عليها كثيرٌ جدًا بحيث لا يتوقف استعمال من معها على السماع، بخلاف دخول لدى عليها فإنه نادر فلا نقيسه بل نقفه على مثل:
* لدى حيث ألقضت رحلها أم قشعم *
وكذلك دون في استعمالها فاعلًا وخبرًا بنفسها، وهذا ظاهر جدًا. وإذا تبين هذا صار الخلاف لفظيًا في تسمية ما جر بمن دون غيرها متصرفًا، فالناظم ومن رأى رأيه هنا يسمي ما جر بمن أو غيرها متصرفًا من حيث أخرج عن النصب على الظرفية، ولكن لا يسميه متصرفًا بإطلاق، بل تصرفت العرب فيه على الجملة. وهذا التصرف قد يكون قياسًا في محله إذا كثر، وقد لا يكون كذلك. ولا يكون متصرفًا بإطلاق في الحكم بالجر بمن وحدها، ولا بإلى أو غيرها وحدها، بل لا بد من ضمائم أخر، كتنكيره، وتعريفه، واستعماله فاعلًا أو مفعولًا وما أشبه ذلك، فهي قرائن منضمة بمجموعها يحكم على الظرف بالتصرف المطلق، وهو ظاهر كلام سيبويه إذا جمع أوله
стр. 1590
وآخره؛ ولهذا لما استشهد سيبويه بقوله:
* يأتي لها من أيمنٍ وأشملِ *
ضعف ذلك ابن خروف ظنا أنه أتى به دليلًا مستقلًا على التصرف بإطلاق، وليس كذلك ثم قال: "والشاهد الثوي تصرفه، وتعريفه، وتنكيره" وما قال لا ينكره سيبويه بل هو قوله، لكنه ادعى أن الجر تصرف في نفسه كيف كان، فإذا انضم إلى غيره من وجوه التصرف حكم على الكلمة بذلك قياسًا، وقد لا ينكر هذا ابن خروف، فيرجع الخلاف إلى الوفاق، ويصير كلام الناظم هنا موافقًا لكلامهم؛ ولذلك قال: "فذاك ذو تصرفٍ" ولم يقل: فذاك متصرف؛ لأن ما حصل له التصرف سماعًا في بعض المواضع يطلق عليه أنه ذو تصرف، ولا يطلق عليه أنه متصرف، لأن لفظ المتصرف يختص بما حصل له كماله، وليس كذلك ذو التصرف لإطلاقه على من حصل له كماله وبعضه، فقد تبين ما في هذا النظم، فإن قصد في التسهيل هذا المعنى، وأن المجرور بمن لا يلزم أن يكون متصرفًا بإطلاق فصحيح، وإن أراد أنه حالة الجر غير متصرف فغير صحيح، والله أعلم.
والمسألة الثالثة: أن قوله: "وغير ذي التصرف الذي لزم ... " إلى آخره تعريف إجمالي للظرف وغيره، فليس "غير" في كلامه واقعًا على الظرف بخصوصه، بل عليه وعلى غيره بدليل قوله: "أو شبهها من الكلم" فكأنه يقول: غير المتصرف من الكلم العربية ما لزم حالة واحدة، وطريقة واحدة من ظرفية أو شبهها، ويكون قوله: "من الكلم" راجعًا إلى غير ذي التصرف حالًا منه، وحصل في مضمن ذلك التعريف بالظرف غير المتصرف، وقد مر شرحه والتعريف بغيره أيضًا كان اسمًا غير ظرف أو فعلًا.
أما الحرف فلا مدخل له هنا في ذلك المعنى جملةً، وعند ذلك يتعين التنبيه
стр. 1591
على غير المتصرف مما سوى الظرف، فأما الأسماء فمنها ما لزم النصب على المصدرية كسبحان الله، وقعدك الله، وعمرك الله، ولبيك وسعديك، وحنانيك وما أشبه ذلك مما هو مذكور في الكتاب، وفي المطولات، ومنها ما لزم النداء فلا يستعمل في غيره كملأمان ومخبثان، وفل وفلة، وما أشبه ذلك، فجملة هذه وما كان نحوها تسمى غير متصرفة؛ للزومها طريقةً واحدةً. وأما الأفعال فمنها عسى، ونعم، وبئس وفعل التعجب نحو: ما أحسنه وأحسن به فهي أيضًا غير متصرفة للزومها طريقة واحدة، وقد تقدمها وجها الاصطلاح في تصرف الأفعال، وعدم تصرفها عند النحويين، والذي أراده هنا هذا المشار إليه لا الذي يشاكل قولهم: سقط في يده، وعلى ذلك كلامه في هذا النظم، والله أعلم.
وقد ينوب عن مكانٍ مصدر ... وذاك في ظرف الزمان يكثر
هذا فصل يذكر فيه نيابة المصدر عن الظرفين: ظرف الزمان وظرف المكان، فإن العرب فعلت ذلك في كلامها اتساعًا واتكالًا على فهم المعنى، واختصارًا حتى كأن الموضع من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.
فأما ظرف المكان فبين أن ذلك فيه قليلٌ بقوله: "وقد ينوب عن مكان مصدر" لأن قد تفيد التقليل فمن ذلك: هو قربك، وهو وزن الجبل، وزنة الجبل أي هو: في مكان قربك، وفي مكان وزن الجبل أي مسامته، وفي مكان زنته، ومنه: هو صددك أي: قصدك، وهو قرابتك، وسقبك أي قربك. وهو قليل كما ذكر.
وأما ظرف الزمان فيكثر فيه نيابة المصدر عنه، وهو قوله: "وذاك في ظرف
стр. 1592
الزمان يكثر" والإشارة إلى معنى النيابة المفهوم من قوله: "ينوب" فإن اسم الإشارة كإعادة الضمير في ذلك، وقد بوب سيبويه على هذا المعنى فقال: "هذا باب ما يكون فيه المصدر حينًا لسعة الكلام والاختصار" وأتى لذلك بأمثلةٍ كقوله: متى سير عليه؟ فتقول: مقدم الحاج، وخفوق النجم، وخلافة فلان، وصلاة العصر، والتقدير: زمن مقدم الحاج، وحين خفوق النجم، وزمن خلافة فلان، لكنهم حذفوا الظرف وأقاموا المصدر مقامه توسعًا واختصارًا، وقال أيضًا: "تقول سير عليه مبعث الجيوش، ومضرب الشول، وأنشد لحميد الأرقط:
وما هي إلا في إزار وعلقةٍ ... مغار ابن همام على حي خثعما"
وأنشد غيره لذي الرمة:
تقول عجوز مدرجي متروحًا ... على بابها من عند رحلي وغاديا
وإنما كان ذلك كثيرًا في ظروف الزمان، وقليلًا في ظروف المكان، لقرب ظرف الزمان من المصدر، وبعد ظرف المكان منه ألا ترى أن الزمان شارك المصدر في دلالة الفعل عليهما، فهو يدل على المصدر بحروفه، وعلى الزمان بصيغته، وأن الزمان: مضي الليل والنهار كما قال سيبويه، وإذا نظرت إلى المضي وجدته
стр. 1593
مصدرًا، وهو مراد الزجاجي بقوله: "الزمان حركة الفلك، والفعل حركة الفاعلين" بخلاف ظرف المكان فإنه لم يبن له فعل، ولم يكن للفعل دلالة عليه، وأيضًا فهو أشبه بالأناسي كما قال سيبويه قال: "ألا تراهم يختصونها بأسماء كزيد وعمرو في قولهم: مكة وعمان ونحوهما، وتكون منها خلقٌ لا تكون لكل مكان ولا فيه، كالجبل، والوادي، والبحر. والدهر ليس كذلك. والأماكن لها جثة، وإنما الدهر مضي الليل والنهار" فلما كان لظرف الزمان هذا القرب من المصدر كثر قيامه مقامه، ولما كان لظرف المكان هذا البعد من المصدر حصل بينهما من التباين ما بعد به أحدهما من أن يقوم مقام الآخر إلا أن المكان لما كان لازمًا للمصدر لزومًا خارجيًا، لأن كل فعل لا بد له من مكان يقع فيه راعوا هذا المقدار من القرب، فعاملوا المكان معاملة الزمان بحيث لا يقوى في ذلك قوته، ولا يبلغ رتبته، فكان إقامة المصدر مقام المكان قليلًا. والله أعلم. وفي قوله: "وقد ينوب عن مكانٍ مصدر" ما يدل على عدم القياس، وإن كان من عادته أنه يأتي بقد مشعرة بقياس ضعيف، ولكن هنا قرينة تشعر بخلافه؛ إذ هو يحكي ذلك عن العرب لقوله:
"وذاك في ظرف الزمان يكثر"
لأنه لا يريد أنه يكثر في استعمال القياس، وإنما يريد يكثر في السماع، ولم يشعر أيضًا في نيابة المصدر عن الزمان بقياس فيحتمل أن يكون عنده موقوفًا على السماع، وإن كثر، ويحتمل أن يكون عنده قياسًا، فتقول: سير عليه طلوع الشمس، وغروب الشمس، وقدوم الأمير، وأذان الظهر، وارتفاع النهار، وانتهاء القتل، واندفاع السيل، ودفع الحاج، وما أشبه ذلك.
стр. 1594
المفعول معه
هذا هو النوع الخامس من المنصوبات التي ينصبها كل فعلٍ، وهو المفعول معه، والناظم لم يعرفه تعريفًا مصرحًا به، وإنما عرفه بالمثال، على عادته في الاتكال على الأمثلة فقال:
ينصب تالي الواو مفعولًا معه ... في نحو سيري والطريق مسرعه
ومعنى ما قاله أنه ينتصب على المفعول معه كل اسم واقع بعد الواو المتصفة بمثل ما اتصفت به الواو في قولك: سيري والطريق، وهذه الواو في المثال لها وصفان:
أحدهما: أن ما بعدها صار معها في المعنى كالمجرور بمع، لأن المعنى بها وبمع واحد؛ لو قلت: سيري مع الطريق مسرعةً كان كمعنى: سيري والطريق مسرعة.
والثاني: أن صيرورة ما بعدها معها بمعنى مع من الواو نفسها، أي هي التي دلت على المعية، لا من أمرٍ خارج.
فالوصف الأول تحرز به من الواو التي تكون لمطلق الجمع؛ فإنها لا تعين مفهوم مع، فلم تكن مراده، كقولك: قام زيدٌ وعمرو.
والثاني تحرز به من المعطوف بالواو بعد ما يفهم المصاحبة كقولك: أشركت زيدًا وعمرًا، ومزجت الخل والعسل، وخلطت البر والشعير؛ فإن مفهوم مع ههنا حاصل مما قبل الواو، وهو أشركت، ومزجتُ وخلطتُ،
стр. 1595
وكذلك ما أشبهه. وهذان الوصفان حاصلان في مثال الناظم، فلا بد من تقييد كلامه بهما. فينتظم إذًا من المجموع حد للمفعول معه، وهو أن يقال: "هو الاسم التالي واوًا تجعله بنفسها في المعنى كمجرور مع، وفي اللفظ كمنصوب معدى الهمزة". وهذا عين ما حده به في التسهيل. وقوله: "في نحو: سيري" متعلق بتالي أو بينصب، ومفعولًا معه حال من تالي، والعامل فيه ينصب، وإنما خص هذا المثال دون سائر ما يجوز فيه ذلك من المثل لكونه يتعين فيه النصب ولا يجوز العطف فمعنى مع في الواو فيه صريح، ويشمل مع ذلك كل ما يصح فيه ذلك المعنى، وإن كان يجوز فيه العطف، نحو: قام زيد وعمرًا، فلا يتوهم أنه أخرج مثل هذا عن حكم الباب، وإنما ذكره ليتعين معنى الواو فيحمل عليه ما يتحمله؛ لأن مراده أن ما كان معنى الواو فيه كمعناها هنا، ولفظ ما بعدها كلفظ ما بعدها هنا، فإنه يحكم له بحكمه كان ذلك المعنى معينًا فيه أو محتملًا له ولغيره. هذا الذي قصد بدليل كلامه في الباب. وهذا الكلام دال على أنه عنده- أعني المفعول معه- مقيس، لأنه سوغ هذا العمل، وأجاز أن يستعمل كل ما كان نحو مثاله، وكذلك في الأقسام الآتية، وحكى في الشرح الاقتصار فيه على السماع عن بعض النحويين، وصحح استعمال القياس فيه على الشروط المذكورة. وأصل حكاية الخلاف عن الأخفش؛ قال في قولهم (استوى الماء والخشبة): بعض الناس يقيس عليه، وبعضهم اقتصر على ما سمع ولا يقيس. قال الفارسي في التذكرة: "يقول من لم يقس أرى الواو حرفًا غير عامل، كما أن إلا حرف غير عامل فقد وصل الفعل بكل واحد منهما إلى ما بعده، فكما لا
стр. 1596
يقاس على إلا غير الاستثناء كذلك لا يقاس في باب استوى الماء والخشبة إلا ما سمع" قال: "والذي يقيس يقول: إن الواو حرف قد أبدل من الباء في نحو والله وبالله، وقولك: الشاء شاة ودرهم، أي بدرهم فلما أشبه الباء في هذا، وقاربه في المعنى أيضًا جعله بمنزلة حرف الجر". قال أبو علي: "وأبو الحسن يذهب إلى أنه لا يقاس". وفيه أيضًا دلالةٌ على مسألة أخرى، وهي عدم اشتراط صحة العطف في هذا الباب؛ لأن تمثيله بقوله: "سيري والطريق" يعين؛ ذلك أنه لا يصح العطف في الطريق لفساد المعنى فكأنه قصد بتعيين ذلك المثال التنكيت على مدعي ذلك، فقد حكى ابن خروف عن ابن جني أن العرب لم تستعمل هذه الواو إلا في موضعٍ يصلح أن تقع فيه عاطفة. وهذا المعنى وقع له في الخصائص في باب شجاعة العربية، ورده بأن سيبويه قد أجاز أن تقول: أنت أعلم ومالك، وأكثر من ذلك، وأنشد لكعب بن جعيل:
فكان وإياها كحران لم يفق ... عن الماء إذ لاقاه حتى تقددا
وقال في شرح التسهيل: "أنكر قوله ابن خروف، وهو بالإنكار حقيق؛ فإن العرب استعملت الواو بمعنى مع في مواضع لا يصلح فيها العطف، وفي مواضع يصلح فيها"، قال: "والمواضع التي لا يصلح فيها العطف على ضربين:
أحدهما: ترك العطف فيه لفظًا [ومعنى، والثاني: استعمل فيه العطف لمجرد اللفظ ... فمن الأول قولهم: ] استوى الماء والخشبة، وما زلت
стр. 1597
أسير النيل، وقوله:
* فكان وإياها كحران لم يفق *
ومن الثاني قولهم: أنت أعلم ومالك، أي: أنت أعلم مع مالك كيف تريده، والمال معطوف في اللفظ، ولا يجوز رفعه على القطع وإضمار الخبر؛ لأن المال لا يخبر عنه بأعلم، ثم ذكر باقي التقسيم. وما قاله صحيح. فالوجه ما أشار إليه من الجواز صلح ما بعد الواو للعطف أو لم يصلح.
بما في الفعل وشبهه سبق ... ذا النصب لا بالواو في القول الأحق
تكلم في هذين الشطرين على مسألتين: إحداهما بالقصد، والأخرى أتى بها بحكم الانجرار. الأولى: أن النصب الحاصل في المفعول معه هو بما سبق في أول الكلام من الفعل أو ما أشبهه من اسم فاعل، أو مفعول، أو غيرهما، فإذا قلت: سررت والنيل، أو استوى الماء والخشبة، فالنصب في النيل، والخشبة بالفعل الذي هو سرت، واستوى، وكذلك قولك: الناقة متروكة وفصيلها، والماء مستوٍ والخشبة، وعرفت استواء الماء والخشبة، حكم هذا حكم قولك: لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، واستوى الماء والخشبة. هذا إذا ظهر فعلٌ أو شبهه وإلا قدر فعلٌ أو شبهه كما في قولهم: مالك وزيدًا، فإنه على إضمار الملابسة وقولهم: ما أنت وزيدا، فإنه على تقدير: ما كنت وزيدًا كما سيأتي. والواو في
стр. 1598
هذا كله للتعدية، وليست بعاملة وهو رأي سيبويه، والمحققين. قال سيبويه بعد ما ذكر أمثلة من الباب "والواو لم تغير المعنى، ولكنها تعمل في الاسم ما قبلها" انتهى. وهو ظاهر؛ لأن الفعل وإن كان في الأصل غير متعد قد قوي بالتعدي بالواو فنصب كما تعدى الفعل غير المتعدي بالهمزة والتضعيف، نحو: أقمت زيدًا، وفرحته، ونظيره الاستثناء في تعدي ما قبل إلا لما بعدها بواسطة إلا في قولك: ما ضربت القوم إلا زيدًا، وجاء القوم إلا زيدًا، نصب الفعل زيدًا بوساطة إلا للمعنى الموجب لذلك، فلا نكير في توسط الواو لمعناها بين العامل والمعمول حتى يصل إليه.
والمذاهب المخالفة للناظم أربعةٌ:
أحدها: ما نبه عليه بقوله لا بالواو، وهو مذهب عبد القاهر الجرجاني: أن الواو هي الناصبة بنفسها.
والثاني: مذهب الزجاج: أن النصب بإضمار فعلٍ بعد الواو كأن التقدير إذا قلت: ما صنعت وأباك؟ ما صنعت ولابست أباك؟ وجاء البرد والطيالسة على معنى ولابس الطيالسة، ونحو ذلك:
والثالث: مذهب أهل الكوفة أن النصب بالمخالفة على حد ما ذهبوا إليه في
стр. 1599
نصب الظرف إذا وقع خبرًا للمبتدأ، لأن ما بعد الواو لما لم يصلح أن يجري على ما قبلها كقام زيد وعمرو؛ لمخالفته له في المعنى انتصب على الخلاف.
والرابع: مذهب الأخفش أن نصب ما بعد الواو على حد نصب مع لو وقعت عوض الواو كما كانت غير في الاستثناء منصوبة نصب ما بعد إلا.
فأما المذهب الأول فرده في الشرح بأوجه ثلاثة:
أحدها: أنه لو كانت الواو هي الناصبة لم يشترط وجود الفعل أو شبهه قبلها، ولجاز أن يقال: كل رجلٍ وضيعته، ونحوه نصبًا، ولما لم يجز ذلك دل على أن الناصب غير الواو.
والثاني: أن حرفًا يعمل النصب، ولا يشبه الفعل كإن وأخواتها، أو يشبه ما أشبه الفعل كلا التبرئة، غير موجودٍ في كلامهم. والواو لا تشبه الفعل، ولا تشبه ما أشبهه، فدعوى العمل لها غير صحيح؛ إذ لا نظير لذلك أيضًا.
والثالث: أنه لو كان كما قال للزم اتصال الضمير إذا وقع مفعولًا معه، ولم يكن انفصاله إلا شاذًا نحو:
* تكون وإياها بها مثلًا بعدي *
стр. 1600
ولا خلاف في وجوب الانفصال في مثل هذا.
وأما المذهب الثاني فرده السيرافي بأن الفعل يعمل في المفعول على الوجه الذي يتصل به المفعول، فإن كان لا يحتاج في عمله فيه إلى وسيط، فلا معنى لدخول حرف بينهما، وإن كان يحتاج إلى وسيط عمل بتوسطه، نحو: ضربت زيدًا وعمرًا، فالواو توجب الشركة بينهما في: ضربت، ولم تمنع الواو من وقوع ضربت على ما بعدها وكذلك إلا في قولك: ما ضربت إلا زيدًا، تنصب زيدًا بضربت، وإن كان بينهما إلا؛ للمعنى الذي أوجب ذلك. وقال ابن الأنباري: "قد بينا أن الفعل قد تعلق بالمفعول معه بتوسط الواو، وأنه يفتقر في عمله إليها، فينبغي أن يعمل مع وجودها، فكيف يجعل ما هو سببٌ في وجود العمل سببًا في عدمه؟ ".
وأما المذهب الثالث فمردود بالعطف الذي يخالف بين المعنيين، نحو: ما قام زيدٌ لكن عمروٌ؛ فإن ما بعد لكن يخالف ما قبلها، وليس بمنصوب لزومًا عندنا وكذلك عندكم، فلو كان كما زعمتم لوجب ألا يكون ما بعدها معطوفًا عندكم؛ لمخالفته الأول، بل كان يجب النصب إذا حصلت المخالفة، فلما لم يكن الخلاف موجبًا للنصب مع لكن، وهو حرف يلزم أن يخالف ما بعده ما قبله فألا يكون موجبًا مع الواو التي لا يجب أن يكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها أحق وأولى. وكذلك يبطل بلا، وبل إذا قلت: قام زيدٌ لا عمروٌ، وما قام زيد بل عمروٌ، ونحو ذلك.
стр. 1601
وأما المذهب الرابع فضعيفٌ جدًا؛ لأن مع إذا وقعت موقع الواو يجب لها النصب على الظرفية، ولا يصح القول بأن نصب الخشبة في: استوى الماء والخشبة على الظرفية، وما ذكر في غير مع إلا لا يطرد إذا كان سِوى وسُوى وسواء في الاستثناء منصوبة على الظرفية عند سيبويه وجماعة، وهي واقعة موقع ما بعد إلا، وكذلك ما خلا وما عدا هما في تقدير المصدر الموضوع موضع الحال، أي مجاوزتهم زيدًا، كرجع عوده على بدئه، وليس ما بعد إلا كذلك. فالصواب ما ذهب إليه الناظم.
المسألة الثانية: أنه أشار إلى أن الفعل في هذا الباب إنما يعمل متقدمًا، ولا يعمل متأخرًا ولا متوسطًا، لأنه قال: "بما من الفعل وشبهه سبق، يعني بسبقه لما قبل الواو وما بعدها، وذلك: جاء البرد والطيالسة، فلو لم يسبق لكان المفهوم من الكلام أنه لا يعمل، ومحصول ذلك عدم جواز تقدم المفعول معه على الفعل والمصاحب معًا، أو على المصاحب وحده، لأن السبق في كلامه مطلق كأنه قال بما سبق في أول الكلام ذا النصب، فلا يقال على هذا: والطيالسة جاء البرد، ولا: جاء والطيالسة البرد. أما منع التقديم للمفعوا معه فمتفق عليه حكى ذلك في التسهيل. وأما منع التوسط بين الفعل والمصاحب فحكى فيه المنع أيضًا خلافًا لابن جني، فإنه قال عنه: إنه أشار في الخصائص إلى جواز التوسط، وأنك تقول: جاء والطيالسة البرد، فإن كان ابن مالك يشير إلى ما ذكر في باب التقديم والتأخير من ترجمة شجاعة العربية من قوله فيه: "ولكنه يجوز: جاء
стр. 1602
والطيالسة البرد، كما يجوز: ضربت وزيدًا عمرًا" فهذا لا دليل فيه على ما قال، بل كلامه يدل على امتناعه إلا في الشعر، ومن طالع كلامه هنالك وجده كما ذكرته، وإن كان يشير إلى موضع آخر في الخصائص فلا أعرفه، وإن كان فقد تناقض في كلامه، فالله أعلم بصحة هذا النقل عن الخصائص. فإن ثبت لابن جني أو غيره، فالصحيح المنع، وهو المفهوم من كلامه هنا. والحجة للجواز قد ذكرها في الشرح وذلك من وجهين:
أحدهما: أنه قد جاز ذلك في العاطفة فليجز فيها؛ لأنها محمولة عليها. هذا
стр. 1603
من جهة القياس.
والثاني: أنه قد سمع ذلك كبيت الفزاري من أبيات الحماسة:
أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقبه والسوءة اللقبا
فقوله: والسوأة مفعول معه مقدم على المصاحب، وقول الآخر:
جمعت وفحشًا غيبة ونميمة ... ثلاث خصالٍ لست عنها بمرعوي
ثم رد الأول بأن العاطفة أقوى وأوسع مجالًا، فجعل لها مزية بتجويز التقديم؛ لأن المعطوف بالواو تابع، نسبة العامل إليه كنسبة المتبوع، فلم يكن في تقديمه محذور، بل كان فيه إبداء مزية للقوي على الأضعف، فلو شرك بينهما في الجواز خفيت المزية، وأيضًا فإن الواو هنا وإن أشبهت العاطفة لها شبه بالهمزة يقتضي لزومها مكانًا واحدًا كما لزمت الهمزة مكانًا واحدًا. ثم رد الثاني بإمكان جعل البيتين من باب تقديم المعطوف على المعطوف عليه، فالأول على تقدير: ولا ألقبه اللقب وأسوءه السوأة، من باب.
* فزجحن الحواجب والعيونا *
стр. 1604
والثاني ظاهر. (هذا ما يقال). والحق أنه لو صح ما قاله لوجد كثيرًا في الكلام فلما لم يوجد لم يصح القول به، وأما الاحتجاج بالقياس فإن فيه مقالًا لمن تأمله. والله أعلم. ثم قال:
وبعد ما استفهام أو كيف نصب ... بفعل كونٍ مضمرٍ بعض العرب
والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق ... والنصب مختارٌ لدى ضعف النسق
والنصب إن لم يجز العطف يجب ... أو اعتقد إضمار عاملٍ تصب
هذا الفصل يذكر فيه أوجه الإعراب فيما بعد الواو؛ من النصب على المفعول معه، أو العطف على ما قبلها. وجملة الأوجه المتصورة ثلاثة تتفرع إلى خمسة أوجه. أحدها: وجوب النصب. والثاني: وجوب العطف. والثالث: جواز الوجهين؛ وهو على ثلاثة أوجه: ما يختار فيه النصب، وما يختار فيه الرفع، وما يتساوى فيه الأمران. وكل هذه الأوجه تخرج من كلام الناظم إلا الخامس فإنه لم يأت به.
فأما وجوب النصب على المفعول معه، فحيث لا يتصور العطف، وذلك قولك: ما زلت أسير والنيل، واستوى الماء والخشبة، وسرت الطريق؛ إذ لو عطف هنا لكان على التشريك في العامل، والتشريك هنا ممتنع؛ ولا يجوز:
стр. 1605
سرت وسار النيل، ولا استوت الخشبة والماء، فلا بد في هذا من النصب مفعولًا معه. وذلك منصوص عليه بقوله: "والنصب إن لم يجز العطف يجب".
وأما وجوب العطف فحيث لا يمكن إلا هو، نحو: كل رجلٍ وضيعته، وأنت وشأنك وأنت أعلم ومالك؛ إذ لم يتقدم فعل ولا ما يشبه الفعل، ولا ناصب هنا إلا ذلك فامتنع النصب. ويؤخذ هذا للناظم من قوة كلامه؛ لأنه قال: "والعطف إن يمكن بلا ضعفٍ أحق" إلى آخره. فجعل الأحق فيما يجوز فيه الوجهان: النصب والعطف، هو العطف إن أمكن بلا ضعفٍ، وإن أمكن بضعفٍ فالنصب أحق، وإن لم يكن العطف فالنصب وحده واجبٌ، فاقتضى أن النصب إن لم يكن فالعطف واجبٌ، لأنه لم يتقدم ما يعمل فيه النصب، ولا هو موضع يحتمل تقدير الفعل، قال سيبويه لما مثل هذا النحو: "فكله رفع لا يجوز فيه النصب؛ لأنك إنما تريد أن تخبر بالحال التي فيها المحدث عنه في حال حديثك، فقلت: أنت الآن كذلك، ولم ترد أن تجعل ذلك فيما مضى ولا فيما تستقبل، وليس موضعًا يستعمل فيه الفعل". يعني كما استعمل في: ما أنت وزيدًا؟ فجاز النصب، فهذا ليس كذلك. وعلى هذا جمهور النحويين. وأجاز الصميري النصب ظهر الخبر أو لم يظهر، والذي صححوا رأي الجمهور فإن كلام العرب عليه، والقياس يعضده كما تقدم. وقد جاء في الحديث ما يعضد قول الصميري، وهو قول عائشة ﵂: "كان رسول
стр. 1606
الله ﷺ ينزل عليه الوحي وأنا وإياه في لحاف". وفي الحديث: "أبشروا فوالله لأنا وكثرة الشيء أخوفني عليكم من قلته"، بنصب كثرة، ذكره الشلويين عاضدًا به ما ذهب إليه الصميري، وأصل الاستدلال لابن خروف، لكنه استدل بذلك على جوازه مع ظهور الخبر، قال: وبعض العرب ينصب إذا كان معه خبر، وهو قليل لأنه يتوهم الفعل ومعنى مع" ثم أتى بالحديثين، ولكن المؤلف لم يرتض ذلك المذهب فقال: "من ادعى جواز النصب [ ... ] على تقدير: كل رجل كائن وضيعته فقد ادعى ما لم يقله عربي، فلا التفات إليه، ولا تعريج عليه" وإنما قال ذلك حيث لا يظهر الخبر، وأما مع ظهوره فقد أجاز النصب نادرًا كابن خروف، فيحتمل أن يكون مذهبه هنا مذهب الجمهور في التزام الرفع مطلقًا؛ إذ لا يتأتى النصب، وإن ظهر الخبر إلا على استكراه يتأتى مثله فيما لم يظهر فيه الخبر، ولذلك قال ابن خروف بعد ما ذكر الشاهد: "والنصب ضعيف لعدم العامل"، ويرشح ذلك أنه لو كان النصب جائزًا عنده لأتى به مع مسألةٍ ما وكيف كما في التسهيل، إذ قال: "وربما نصب بفعل مقدر بعد ما، أو
стр. 1607
كيف، أو زمنٍ مضافٍ أو قبل خبرٍ ظاهر" إلا أنه لم يفعل ذلك فدل على أنه داخل في وجوب الرفع.
وأما اختيار النصب فحيث يضعف العطف، نحو قولك: مالك وزيدًا؟ وما شأنك وعمرًا، وأنشد في الكتاب:
فمالك والتلدد حول نجدٍ ... وقد غصت تهامة بالرجال
وأنشد أيضًا:
وما لكم والفرط لا تقربونه ... وقد خلته أدنى مرد لعاقل
وهذا الوجه منصوص عليه بقوله: "والنصب مختار لدى ضعف النسق" لأن العطف هنا على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، أو الضمير المرفوع من غير فصل ضعيف. ومن النحويين من يجعل هذا القسم مما يلزم فيه النصب. وهو بناء على منع العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض.
стр. 1608
والناظم قد أجاز ذلك في باب العطف فلا بد من البناء على ما ذهب إليه. ومن هذا القسم أيضًا قولهم: كنت وعمرًا كالأخوين، وما صنعت وأباك؟ وأنشد سيبويه:
فكان وإياها كحران لم يفق ... من الماء إذ لاقاه حتى تقددًا
وهذا أيضًا مبني على جواز العطف على الضمير المرفوع المتصل من غير فصل، وهو جائز على ضعفٍ عند الناظم كالضمير المخفوض، وبيان ذلك كله في باب العطف.
وأما اختيار العطف فحيث يتأتى من غير ضعفٍ، ولكن الفعل غير موجود، ويمكن تقديره لكون الموضع مما يستعمل فيه الفعل نحو: ما أنت وزيد؟ وكيف أنت وقصعة من ثريد؟ وما شأنك وشأن زيد. وأنشد سيبويه للمخبل:
يا زبرقان أخا بني خلف ... ما أنت ويب أبيك والفخر
وأنشد أيضًا قول الآخر:
وأنت امرؤ من أهل نجدٍ وأهلنا ... تهامٍ، وما النجدي والمتغور
стр. 1609
وأنشد أيضًا:
وكنت هناك أنت كريم قومٍ ... وما القيسي بعدك والفخار
وإنما كان العطف هنا أولى؛ لأنه لم يتقدم فعل [يعمل] فيما بعد الواو، والمعنى: ما أنت وما عبد الله؟ إذ كنت تريد أن تحقر أمره، وكيف أنت وعبد الله؟ سؤال عن شأنهما، كأنك قلت: وكيف عبد الله؟ فصارت الواو بمعنى مع كهي لمجرد التشريك لكون العطف على الابتداء مثل: أنت وشأنك، لكن جاز النصب ضعيفًا؛ لكون الفعل يستعمل هاهنا كثيرًا، قال سيبويه: "وزعموا أن ناسًا يقولون: كيف أنت وزيدًا، وما أنت وزيدًا. وهو قليل في كلامهم" ثم علل بمعنى ما تقدم، وأنشد من ذلك:
فما أنا والسر في متلفٍ ... يبرح بالذكر الضابط
وأنشد أيضًا:
أتوعدني بقومك يا ابن حجل ... أشاباتٍ يخالون العبادا
بما جمعت من حضن وعمرو ... وما حضن وعمرو والجيادا
وهذا الوجه منصوص عليه بقوله: "والعطف إن يمكن بلا ضعفٍ أحق".
стр. 1610
ويدخل تحته أيضًا قولك: ما شأن عبد الله وزيدٍ؟ وما لزيدٍ وعبد الله؟ قال سيبويه: "وسمعنا بعض العرب يقول: ما شأن عبد الله والعرب يشتمها" لأن العطف هاهنا ممكن بلا ضعف من حيث صار المجرور ظاهرًا، وإنما ضعف في الوجه الآخر العطف لكون المعطوف عليه مضمرًا، فقد زال الضعف، فصار العطف أولى.
وأما استواء الأمرين ففي نحو: ما صنعت أنت وأباك؟ وأبوك، هما جائزان على السواء؛ إذ هما مختاران، قال سيبويه [في]: ما صنعت وأباك؟ : "ويدل على أن الاسم ليس على الفعل- يعني ليس مشركًا مع الفاعل- في: ما صنعت فيرتفع بالعطف- قبح: أقعد وأخوك، حتى يقال: أنت، فإذا قلت: ما صنعت أنت، ولو تركت هي، فأنت بالخيار" يعني في العطف والنصب. وهذا مذهب الجمهور. والذي يؤخذ من كلام الناظم هنا اختيار العطف؛ من قوله: "والعطف إن يمكن بلا ضعفٍ أحق"، لأن هذا المثال يمكن فيه العطف بلا ضعفٍ؛ لأن توكيد الضمير المتصل قد حصل. فيبقى أربعة مأخوذة من كلامه، ويظهر أن الخامس خالف فيه الناس هنا. ومن حجته في ذلك أن العطف هو الأصل، لإيثارهم المشاكلة بين ما قبل العاطف وما بعده، وفي سائر الأبواب، وإذا كان كذلك فالحمل على الأصل أولى، فلا يتساوى الوجهان إذًا، هذا مع أن العطف يحتمل من المعنى ما في النصب، إذ قولك: قام زيد وعمرو محتمل للمعية، والملابسة في القيام، وهو معنى: قام زيدٌ وعمرًا.
فإن قيل: النصب هو المطابق لقصد المعية، ألا ترى أن العطف لا يقتضي
стр. 1611
التباسًا بينهما بلا بديل، بل يمكن أن يسأل عن صنع كل واحد منهما على انفراده من غير أن يكون ملتبسًا بصنع الثاني، فالنصب قد يكون على هذا أولى، لأنه المطابق، والعطف أيضًا هو المطابق لقصد التشريك، وإذا تعارض القصدان لاقتضاء كل واحد منهما رجحان وجهٍ حصل من المجموع جواز الوجهين على السواء، كما استوى الوجهان في باب الاشتغال في: زيدٌ ضربت وعمرو كلمته حسب ما تقدم فكذلك هنا.
فالجواب: أن قصد مجرد التشريك هنا يقتضي العطف حتمًا، فلا يجوز معه النصب، وقصد الالتباس والمعية لا يقتضي النصب حتمًا، بل يجوز العطف على ذلك القصد، فإذًا للعطف في الباب مزية ليست للنصب، فكان العطف أولى كما قال الناظم، مع أن كلام سيبويه ليس بنص في مخالفته، بل يجوز أن يكون تخييره بين الوجهين يريد به أن كل واحد منهما سائغ ليس بقبيح كما كان قبيحًا قبل أن [يؤكد، ويبقى] ترجيح أحد الوجهين على الآخر غير معترض له في كلامه. والله أعلم. فإذا تقرر هذا فلنرجع إلى تنزيل ألفاظه على ما ذكر، فقوله: "وبعد ما استفهامٍ أو كيف نصب" ... إلى آخره، يعني أن بعض العرب ينصب ما بعد الواو وإن لم يتقدم فعل ولا ما أشبهه إذا تقدم ما الاستفهامية أو كيف، ولا تكون إلا أداة استفهام، فتقول: ما أنت وزيدًا؟ وكيف أنت وقصعةً من ثريد؟ وقد تقدمت الأمثلة.
وفي قوله: "بعض العرب" نص على أنه لا يقول بالنصب جميعهم، وإنما هو مسموعٌ من بعضهم، وكأنه أراد حكاية ما حكى سيبويه إذ قال: "وزعموا أن ناسًا
стр. 1612
يقولون: كيف أنت وزيدًا؟ وما أنت وزيدًا؟ وهو قليل في كلام العرب" ولابد [على هذا] من عامل هو كان أو يكون، لأن هذا الوضع مما يستعمل الفعل فيه كثيرًا، فنصبوا على معناه، وحضور الدلالة عليه، وذلك أداة الاستفهام.
وقوله: "بفعل كونٍ مضمرٍ يدل على طلب الموضع لكان، وهذا المجرور معلق بنصبوا، أي: نصبوا ذلك بفعل مضمرٍ من أفعال الكون؛ لأن الكون مع الاستفهام مفهوم، وهو مما يستعمل فيه من غير أن ينقص معنى الكلام. وفي هذا إشارة إلى مسألةٍ، وذلك أن سيبويه قدر الفعل الموضوع من الكون ماضيًا مع ما، ومضارعًا مع كيف، فقال: "كأنه قال: كيف تكون وقصعةً من ثريد؟ وما كنت وزيدًا؟ " فرد عليه المبرد، وقال: يصلح في كل واحدٍ منهما الماضي والمستقبل نحو: ما يكون وزيدًا؟ وما كنت وزيدًا؟ وكيف يكون وزيدًا؟ وكيف كنت وزيدًا؟ قال ابن خروف: "وتابعه الأستاذ- يعني ابن طاهر الخدب- وقال: إنما قدر مع ما الماضي، ومع كيف المستقبل لكثرة ذلك في الكلام، ولا يمتنع في القياس العكس كما قال المبرد إلا أن الاستعمال ورد على ما ذكره سيبويه فيوقف عنده" قال ابن خروف: "ونعم ما قال" وزعم ابن ولاد: أن ما قال سيبويه لازم، واعتل لذلك بأن (ما) قد دخلها معنى التحقير والإنكار، وليست سؤالًا عن مسألةٍ مجهولة ولا ينكر إلا ما ثبت واستقر". قال: "ولو كنت هنا لمجرد الاستفهام لجاز فيها الماضي، والمضارع". قال ابن
стр. 1613
خروف: "وهذه الحجة كانت ممكنة في ما وحدها لولا ما ورد الإنكار في المستقبل، من ذلك قوله:
* فما أنا والسير في متلفٍ؟ ! *
فهذا إنكار في شيء لم يقع.
قال: "ولا تتجه هذه العلة أيضًا في كيف". قال ابن الضائع: يكفي في تخصيص سيبويه أنه الأكثر، وكأن كيف في مثل هذا إنما تستعمل في عرض الأمر على الشخص، والذي يليق به فعل المضارعة الذي يحتمل الحال والاستقبال، والأكثر في الإنكار أن يكون فيما مضى، وإنما يكون في المستقبل إذا عزم عليه فكأنك إنما تنكر الذي قد ثبت من العزم، وإذا قلت: ما أنت وزيدٌ فقد يكون على أن تحقره، وقد يكون على أن تعظمه، وقد يكون على أن تسأل عن شأنهما، أي عرفني شأنكما". وقال في السيرافي: "إن سيبويه لم يذهب إلى هذا الاختصاص بالقصد، بحيث قصد تخصيص (ما) بالماضي، وكيف بالمستقبل، إنما مثل على ما يمكن، والتمثيل ليس بحد لا يتجاوز". فهذا كما ترى اضطراب كثير، والأقرب فيه ما قال السيرافي؛ فلذلك اختاره الناظم، فإنه قال: "بفعل كون" هكذا مطلقًا، أي ليس بمقيد ماضٍ دون غيره لا في ما ولا في كيف. وأما قوله: "مضمرٍ" فنعت للفعل لا لكونٍ.
وقوله: "والعطف إن يمكن بلا ضعفٍ أحق" يعني أن العطف متى أمكن أن يحمل عليه الكلام من غير ضعفٍ يقع فيه بسببه فهو أثبت؛ لأنه الأصل، والرجوع إلى الأصل أولى من غيره، نحو: ما شأن عبد الله وزيدٍ؟ وما لزيدٍ
стр. 1614
والعرب؟ لأن العطف هنا على الظاهر، فلا محذور، ولا ضعف، وكذلك قوله: كنت أنا وزيد كالأخوين، يجوز هنا العطف على الضمير المتصل جوازًا حسنًا من أجل الفصل بالتوكيد، ولأن المعنى عليه في هذه الأمثلة غير متكلف، فرجح العطف إذًا، فإن كان ضعفٌ لازمٌ عن العطف فالنصب أحسن؛ ليسلم من الضعف، وهو معنى قوله: "والنصب مختار لدى ضعف النسق". والضعف على وجهين:
ضعف من جهة اللفظ، وضعف من جهة المعنى، وإن كان اللفظ قويًا.
فأما الأول فنحو: ما صنعت وأباك، وما شأنك وعمرًا، ونحو ذلك مما مر؛ إذ العطف على الضمير المتصل إذا كان مرفوعًا أو مجرورًا ضعيف كما سيأتي إن شاء الله.
وأما الثاني فأن يكون العطف يؤدي إلى تكلف معنوي نحو: لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، فالعطف هنا من جهة اللفظ سهل إلا أنه متكلف المعنى؛ إذ كان المعنى: لو تركت الناقة لولدها أو لو تركت مع ولدها لرضعها، ولو عطفت لكان المعنى: لو تركت الناقة ترأم ولدها وترك ولدها لرضعها، وهذا تكلف وكذلك ما أنشده سيبويه:
فكونوا أنتم وبني أبيكم ... مكان الكليتين من الطحال
فالمعنى: كونوا لهم على هذه الصفة، فهم المخاطبون وحدهم دون بني أبيهم والعطف يعطي معنى كونوا لهم وليكونوا لكم، وهو خارجٌ عن المقصود. وكذلك قول الآخر أنشده في الشرح:
стр. 1615
إذا أعجبتك الدهر حال من امرئٍ ... فدعه وواكل أمره واللياليا
فالمعنى: واكل أمره إلى الليالي، فلو عطفت لتكلفت أن يكون المعنى: واكل أمره إلى الليالي، وواكل الليالي إلى انقلاب أمره، أو ما أشبه ذلك، وذلك ضعيف؛ فكان النصب المختار.
قوله: "إن يمكن" ضعف من جهة العربية. وقد تقدم مثله، وله من ذلك مواضع أخر سيأتي التنبيه عليها إن شاء الله.
وفي قوله: "وبعد ما استفهام ... " إلى آخره. سؤال وهو ما يظهر فيه من عدم الفائدة لدخوله تحت قوله: "والعطف إن يمكن بلا ضعفٍ أحف"؛ لأن قولك: ما أنت وزيدٌ، وكيف أنت وزيدٌ قد أمكن فيه العطف بلا ضعفٍ مع أنه الأصل، والنصب ضعيف؛ لكونه على إضمار، وهو خلاف الأصل، فما الفائدة في النص عليه؟ .
والجواب أن يقال: ليس داخلًا تحت ما بعده، لأن ضعف النصب [فيه] ليس لأجل تكلف الإضمار؛ لرجحان الإضمار فيما ضعف فيه العطف نحو: مالك وزيدًا؟ وقد نص عليه.
فإن قيل: إنما ترجح الإضمار هنا لأجل معارضة ضعف العطف، ولولا هو لكان ضعيفًا.
فالجواب: أنه لو كان كذلك لكان العطف أولى من حيث هو الأصل؛ إذ العطف والنصب معًا ضعيفان، فكان يكون العطف راجحًا، لأنه الأصل حملًا على أحسن الأقبحين، أو كانا يكونان متساويين لتكافئ الضعفين، فلما لم يكن
следующие страницы →