← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

وذلك في الكلام كثير كما قال: "بكثرة"، لكن هذا اللفظ يشعر بأمرين: أحدهما: أن هذا المصدر حال بنفسه لا بالنيابة، وهو مذهب الجمهور. وذهب الأخفش والمبرد [إلى] أن المصدر ههنا منصوبٌ بفعل مضمرٍ نصب المصادر المطلقة، والفعل المضمر في موضع الحال، لكن حذف وقام مصدره مقامه، فأما الأخفش فذلك عنده على الجواز، ولم ينكر مذهب سيبويه. وأما المبرد وأصحابه فالتزموه، ولم يقولوا بغيره. قال السيرافي: "كان المبرد يدعي أن هذا القياس قول النحويين" قال: "وكان الزجاج يذهب إلى تصحيح قول سيبويه، وهو الصواب؛ لأن قول القائل: أتانا زيدٌ مشيًا يصح أن يكون جوابًا لقول من قال: كيف أتاكم زيدٌ؟ وكذلك: كيف لقيت زيدًا؟ فيقول: فجأة"، قال: "ولو كان على قول المبرد لجاز: أتانا زيدٌ المشي، وهو لا يجيزه". هذا ما قال السيرافي. ورد غيره قول المبرد بأنه إن كان الدليل على الفعل المضمر لفظ المصدر المنصوب به فينبغي أن يجوز ذلك في كل مصدر له فعلٌ، وألا يقفوا ذلك على السماع، وإن كان الدليل هو الفعل الظاهر، فذلك لا يمكن؛ لأن القتل لا يدل على الصبر، ولا اللقاء على الفجأة، ولا الإتيان على الركض؛ ولذلك منع سيبويه من دخول السرعة قياسًا.

стр. 1717

فإن قيل: فقد أجاز سيبويه أن يكون (سيرًا) في قولك: سير عليه سيرًا على إضمار فعلٍ، وذلك قياسٌ. فهذا مثل ذلك. فالجواب: أنه إنما أجاز الإضمار لما كان عليه دليل، وهو الفعل الظاهر، فليس ذلك كمسألتنا؛ إذ لا دليل فيها. وتمام هذا الوجه في شرح ابن خروف فتأمله هنالك. والأمر الثاني: التوقف في القول بالقياس في هذا المصدر؛ إذ لو كان عنده قياسًا لم يحتج إلى قوله: "بكثرة"، فلما قال ذلك دل على أن في القياس مغمزًا. ومذهب سيبويه والأكثر أنه ليس بقياس، فلا تقول: أتانا سرعةً، ولا أتانا رجلةً، كم تقول: أتانا عدوًا، وأتانا ركضًا، وقاس ذلك المبرد في كل شيء يدل عليه فعل من المصادر، فأجاز: أتانا سرعةً، ورجلةً، لأن السرعة والرجلة من ضروب الإتيان، ولا يجيز: أتانا ضربًا، ولا ضحكًا؛ لأنه ليس من ضروب الإتيان. والمذهب الأول أولى، لأن الحال- كما تقدم- في معنى الخبر، فكما لا يقع المصدر خبرًا عن الجثة قياسًا، وإنما يكون بالسماع فلا تقول: زيدٌ ضربٌ- ولا: أنت قيامٌ ولا عمروٌ أكلٌ قياسًا على قولهم: زيد عدلٌ، وزيدٌ رضا، فكذلك الحال لا يكون بالمصادر قياسًا، وكذلك الحال وصفٌ من الأوصاف التي تجري على النكرات فكما لا تقول: مررت برجل ضربٍ قياسًا على قولهم: مررت برجل عدلٍ، فكذلك لا تقول: أتيته سرعةً كما تقول: أتيته سعيًا. وهذا ظاهر. وقوله: "ومصدرٌ منكرٌ حالًا يقع بكثرة" فقيد الكثرة فيه بكونه منكرًا تحرز من المصدر المعرف، فإن وقوعه حالًا قليلٌ، ومنه قولهم: أرسلها العراك، قال لبيد:

стр. 1718

فأرسلها العراك ولم يذدها ... ولم يشفق على نغص الدخال وقال أوس بن حجر: فأوردها التقريب والشد منهلًا ... قطاه معيدٌ كرة الورد عاطفٌ ومن ذلك: طلبته جهدك وطاقتك، وفعله رأي عيني، وسمع أذني، وأنشد ثعلب عن الأثرم عن أبي عبيدة: تعفي الشيب جهدك بالخضاب ... لترجع فيلك أبهة الشباب وذلك كله قليلٌ كما قال. ويبقى على كلام الناظم إشكالٌ وهو أن المساق مشعرٌ بعدم القياس في وقوع المصدر حالًا كما سبق، وثم من المصادر ما يقع حالًا قياسًا لا على مذهب المبرد فقط، بل على مذهب غيره من النحويين فقد نص في التسهيل على ثلاثة مواضع: أحدها: ما كان نحو: أنت الرجل علمًا، وأنت الرجل أدبًا، وأنت الرجل نبلًا، وأنت الرجل فطنةً، أي: أنت الكامل في حال أدبٍ، وحال نبلٍ، وحال علمٍ، وحال فطنة. والثاني: ما كان نحو: هو حاتمٌ جودًا، وزهيرٌ شعرًا، وهو يوسف حسنًا، وما أشبه ذلك، فالتقدير: هو مثل حاتمٍ في حال جود، ومثل زهير في حال شعرٍ، ومثل يوسف في حال حسنٍ.

стр. 1719

والثالث: ما كان نحو: أما علمًا فعالمٌ، وأما سمنًا فسمينٌ، وأما نبلًا فنبيلٌ، وما أشبه ذلك، ومعنى الكلام مهما يذكر إنسانٌ في حال علم فالموصوف به عالم، أو مهما يكن من شيء فالمذكور عالمٌ في حال علمٍ، ويكون على هذا التقدير حالًا مؤكدًا، وإنما يصح هذا التقدير حيث يجوز عمل ما بعد الفاء فيما قبلها على ما هو مقرر في موضعه. فهذه المواضع ليست بموقوفةٍ على السماع. والجواب: أن إطلاق القول بالكثرة قد يقال: إنه لا يعطي منه القياس حتمًا، وإنما هو تصريحٌ بمجرد الكثرة في السماع، ويبقى النظر بعد ذلك في القياس، فيكون الأمر عنده في القياس مختلفًا، فمنه ما هو مقيسٌ، ومنه ما ليس كذلك، وسكت عن تفصيل الحكم لنظر الناظر في المسألة، ويترجح هذا القصد بأن النظم الذي في اليد لا يبلغ فيه بسط مثل هذه الأمور لاسيما باب: أما علمًا فعالم، فإن فيه من الصعوبة ما قال بسببها الزجاج: إنه لم يفهمه أحدٌ، إلا الخليل وسيبويه، فإذا كان كذلك لم يلق التفصيل بهذا الموضع، وأيضًا فلا يدخل هنا باب: أما علمًا فعالمٌ على مذهبه في الشرح؛ إذ هو عنده منصوبٌ على المفعول به، والتقدير: مهما تذكر علمًا فالذي وصفته عالم. وأولى من هذا أن يقال: إن تمثيله قيد في المصدر الذي أراد ذكره، وعلى هذا يبقى ما تقدم غير متعرض له، ولا يلزمه ذكر كل مسألة في الحال، كما لا يلزمه ذلك في غيره. والبغت أن يفجأك الشيء، تقول: بغتة بغتًا أي فاجأه، ولقيته بغتة أي فجأةً، ثم قال: ولم ينكر غالبًا ذو الحال إن ... لم يتأخر أو يخصص أو يبن

стр. 1720

من بعد نفيٍ أو مضاهيه كلا ... يبغ امرؤٌ على امرئٍ مستسهلًا هذا هو أحد الشروط الغالبة للحال، وهي ثلاثة، تقدم منها اثنان، وهما: الاشتقاق، والانتقال، وهو الآن يشرع في الثالث، وهو: أن يكون صاحب الحال معرفةً، والغالب فيه أن يكون معرفةً، لأن الحال خبرٌ من الأخبار- كما مر- فكما يشترط التعريف في المخبر عنه؛ لأن به حصول الفائدة غالبًا، فكذلك يشترط في صاحب الحال، وأيضًا فإن النكرة أحوج إلى الصفة منها إلى الحال؛ لأن الصفة مبينة ومخصصة للموصوف بخلاف الحال، فعلى هذا يكون صاحبها نكرة إلى مع حصول الفائدة كما كانت النكرة لا تقع مبتدأ ولا فاعلًا إلا مع حصول الفائدة، فالناظم أتى بالمواضع التي تحصل فيها الفائدة مع النكرة إذا أتى الحال منها، فيريد أن الحال لا يكون صاحبه نكرةً في الغالب إلا في أحد ثلاثة مواضع: أحدها: أن يتأخر صاحب الحال عنه ويتقدم هو، وسيأتي بيان تقديم الحال على عامله، وذلك قوله: "إن لم يتأخر" فضمير يتأخر عائدٌ على صاحب الحال، ويريد يتأخر ويتقدم عن الحال، ومثال ذلك: فيها قائمًا رجلٌ، وهذا قائمًا رجلٌ، الأصل: هذا رجلٌ قائمٌ، وفيها رجلٌ قائمٌ، وإذا كان كذلك فالأصل أن يجري قائمٌ نعتًا على رجلٍ، وإن كان النصب جائزًا، فالنعت أقوى. وقال سيبويه: "إنما كان النصب بعيدًا هنا من قبل أن هذا يكون من صفة الأول، فكرهوا أن يجعلوه حالًا كما كرهوا أن يجعلوا الطويل والأخ حالًا حين قالوا: هذا زيدٌ الطويل، وهذا عمروٌ أخوك، فألزموا صفة النكرة النكرة، كما ألزموا صفة المعرفة المعرفة، وأرادوا أن يجعلوا حال النكرة فيما يكون من اسمها كحال

стр. 1721

المعرفة فيما يكون من اسمها" يريد بحال النكرة وحال المعرفة حكمها، أي حملوا حكم النكرة على حكم المعرفة في الامتناع من نقل صفتها إلى الحال. وقال ابن السراج: "إنما ضعف الحال هنا؛ لأن الحال خبر، وحمل الصفة على الصفة أقرب من حملها على الخبر" انتهى. فلما أرادوا أن ينصبوا القائم على الحال على غير ضعفٍ نقلوه إلى موضع لا يجري فيه على موصوفه، فقالوا: هذا قائمًا رجلٌ، وفيها قائمًا رجلٌ؛ إذ لا يصح في النعت أن يجري على منعوته، وهو متقدمٌ عليه؛ لأن من شرط جريانه التأخير عن الموصوف، ولا يختص هذا الحكم بتقديمه على صاحبه وحده، بل ينصب إذا تقدم صدر الكلام حيث يجوز ذلك، كقولك: ضاحكًا جاءني رجلٌ، وقائمًا رأيت رجلًا، وما أشبه ذلك، ومن ذلك ما أنشد سيبويه لذي الرمة: وتحت العوالي في القنا مستظلةً ... ظباءٌ أعارتها العيون الجآذر وأنشد أيضًا: وبالجسم مني بينًا لو علمته ... شحوب وإن تستشهدي العين تشهد وأنشد أيضًا لكثير عزة: * لمية موحشًا طلل *

стр. 1722

وتمامه عند الأعلم: * يلوح كأنه خلل * وروي هكذا: لمية موحشًا طلل قديم ... عفاه كل أحسم مستديم وقال آخر: وما لام نفسي مثلها لي لائم ... ولا سد فقري مثل ما ملكت يدي ومن أبيات الحماسة: فهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا ... وفي الأرض مبثوثًا شجاعٌ وعقرب

стр. 1723

والثاني: أن يتخصص صاحب الحال النكرة بوجهٍ من وجوه التخصيص، وذلك قوله: "أو يخصص" ومثاله قولك: مررت برجلٍ قائمٍ مستلقيًا، وجاءني أخٌ كريمٌ ضاحكًا، ومنه قول الله تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمرٍ حكيمٍ أمرًا من عندنا﴾. فهذا من التخصيص بالوصف، وقد يتخصص بالإضافة كقولك: مررت بغلام امرأةٍ فارسًا، وفي القرآن الكريم ﴿وقدر فيها أقواتها في أربعة أيامٍ سواءً للسائلين﴾، وقال: ﴿وحشرنا عليهم كل شيءٍ قبلًا﴾ على قراءة غير نافعٍ وابن عامر، هو جمع قبيلٍ، أي: قبيلًا قبيلًا، وصنفًا صنفًا، وإنما ساغ هنا الحال من النكرة المخصصة كما ساغ الابتداء بالنكرة إذا خصصت؛ لأنها بذلك تقرب من المعرفة فعوملت معاملة المعرفة في صحة نصب الحال عنها. والثالث: أن يكون صاحب الحال واقعًا بعد نفي أو شبهة، وذلك قوله: "أو يبن من بعد نفي أو مضاهية". فمعنى يبن: يظهر، أي ما لم يظهر بعد كذا أو كذا. والمضاهي: معناه المشاكل والمشابه، فأما النفي الصريح، فنحو: ما سافر أحد ضاحكًا، ولا أتى أحدٌ راكبًا، وفي القرآن الكريم ﴿وما أهلكنا من قريةٍ إلا ولها كتابٌ معلوم﴾ فقوله: ﴿ولها كتابٌ معلومٌ﴾ جملة حالية مصدرة بواو الحال، وكذلك: ﴿وما أهلكنا من قريةٍ إلا لها منذرون﴾ بغير واوٍ جملة حالية أيضًا. وأما المضاهي للنفي فالنهي والاستفهام، فالنهي قد مثله بقوله:

стр. 1724

"لا يبغ امرؤٌ على امرئٍ مستسهلًا". البغي: التعدي، يقال بغى الرجل على الرجل إذا استطال عليه، أي لا يتعد امرؤٌ على امرئ مستسهلًا لذلك ومستخفًا له، ومن ذلك ما أنشده في الشرح: لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوفًا لحمام وأما الاستفهام فنحو قولك: هل أتاك أحدٌ طالبًا، وأجاءك امرؤ راغبًا، وأنشد في الشرح: يا صاح هل حم عيش باقيًا فترى ... لنفسك العذر في إبعاده الأملا وإنما ساغ ههنا انتصاب الحال من النكرة من حيث أشبهت المعرفة في حصول الفائدة بها كالمبتدأ إذا تقدمه نفي أو استفهام. فهذه ثلاثة مواضع حصر الناظم فيها ما يصح أن ينتصب الحال منه من النكرات قياسًا، وعلى هذا يكون ما عداه مما جاء صاحب الحال فيه نكرة نادرًا، وهو الذي نكت عليه بقوله: "غالبًا"؛ إذ نص أنه لم ينكر غالبًا ذو الحال في غير هذه المواضع، فيفهم له أنه نكر في غيرها قليلًا، وقد أجاز سيبويه على ضعف: هذا رجلٌ قائمًا، وفيها رجلٌ قائمًا. قال لما ذكر: هذا قائمًا رجلٌ، وهو قائمًا رجلٌ، وذكر وجه النصب فيها، وحمل هذا النصب على جواز: فيها رجلٌ قائمًا، فكأنه جائزٌ عنده على قلة-

стр. 1725

أعني: فيها رجل قائمًا- (ومن ذلك قولهم: مررت بماءٍ قعدة رجلٍ، وعليه مائة بيضًا). وفي هذا الحصر نظرٌ، لاقتضائه أن ما عدا ما ذكر نادرٌ، وليس كذلك فقد استثنى في التسهيل مع تلك المواضع الثلاثة ثلاثة مواضع أخر جاريةً مجراها في القياس غير الأقلي: أحدها: كون جملة الحال مقرونة بالواو كقوله تعالى ﴿أو كالذي مر على قريةٍ وهي خاويةٌ على عروشها﴾. فالحال هنا من نكرة سائغٌ واردٌ في الكلام الفصيح الذي لا أفصح منه، ومنه قول الشاعر: مضى زمن والناس يستشفعون بي ... فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع وإنما ساغ ذلك لكون الجملة لا يتوهم فيها أنها نعت له. والثاني: كون الحال لا يصح أن يكون وصفًا لكونه بالجامد، كقولهم: هذا خاتمٌ حديدًا، وعندي راقودٌ خلًا، وهذه صفة خزًا، الظاهر من كلام سيبويه انتصاب هذه الأشياء على الحال، وحسن ذلك التخلص من قبح جريانه نعتًا. والثالث: اشتراك المعرفة مع النكرة في الحال، كقولك: هؤلاء ناس وعبد الله منطلقين، وهذان رجلان وعبد الله منطلقين بنصب منطلقين على الحال؛ إذ لا يصح جريانه نعتًا على أحدهما للمخالفة التي بين النكرة والمعرفة، وقد بوب

стр. 1726

سيبويه على هذا النوع بابًا على حدة. وثم مواضع أخر: منها: أن تكون النكرة لا يصح وصفها بمعرفة ولا نكرة، وذلك قولك: مررت بكل قائمًا ومررت ببعضٍ قائمًا، لا يصح أن يجري قائمٌ وصفًا عليهما؛ لأنهما في التقدير معرفتان بنية الإضافة، ولا يصح أن يوصفا بالمعرفة أيضًا؛ لأنهما في اللفظ نكرتان، فلم يسغ إلا أن تنصب الصفة حالًا. ومنها: أن تجتمع نكرتان مختلفتا الإعراب، نحو: قاتل رجلٌ غلامًا فارسين، ومررت برجلٍ ولقيت غلامًا راكبين، فقولك فارسين ينتصب على الحال؛ إذ لا يصح جريانه عليهما مع اختلاف الإعراب، فإذا تقرر هذا فالناظم قد أدخل هذه المواضع بمقتضى كلامه في حيز القليل النادر مع أنها ليست كذلك. وقد يجاب عن الأول بأنه داخلٌ في باب القليل، ولم يشتهر مثل ذلك، وكونه جاء في فصيح الكلام لا يخرجه عن كونه قليلًا، فكم في القرآن، والكلام الفصيح من الأمور التي تدخل في هذا النصاب، نعم لو منع ذلك جملةً لكان عليه الدرك، وهو لم يفعل ذلك، فلا درك عليه. وعن الثاني أن النحويين مختلفون فيه، والأظهر فيه النصب على التمييز، فلا يكون حجةً عليه؛ إذ لعله أخذ هنا بمذهب من جعل النصب فيه على التمييز، قال السيرافي: وهو القياس، وجوزه ابن خروف مع تسليم الحال حسب ما ظهر من سيبويه، وقد قال ابن مالك في الشرح: إن المشهور في غير كلام سيبويه نصبه

стр. 1727

على التمييز، وإذا احتمل أن يكون رأيه هذا فلا اعتراض عليه، بل الظاهر من حصره أنه رأيه. وعن الثالث أته لما اشتركت المعرفة مع النكرة في الصفة صار جريانها على الاسمين جريانًا على المعرفة/ أو كالجريان عليها؛ إذ لم تختص النكرة بها فلا يصدق على الحال أن صاحبه نكرة، فخرج بهذا الاعتبار عن مسألته. وعن الرابع أنه من القليل أيضًا؛ إذ لا تكاد تجد من ذلك إلا كلًا وبعضًا، وعليهما بوب سيبويه. وعن الخامس أنه لم يذكره لإمكان النصب فيه على إضمار فعل لا على الحال، ألا ترى أنه يجب ذلك إذا اختلف عاملا الاسمين، فلم يجتمعا في معنى عاملٍ واحد كما تقول: فوق الدار رجل وقد جئتك برجل آخر عاقلين، لا يصح الحال هنا لعدم اجتماع العاملين في معنى عامل واحد، فقد يقال: إنهما إذا اجتمعا في معنى العامل الواحد فالأولى النصب على غير الحال فلما كان الأمر كذلك ترك ذكر هذا الموضع؛ إذ ليس الحال فيه بضرورة. والله أعلم. ثم قال: وسبق حال ما بحرفٍ جر قد ... أبوا ولا أمنعه فقد ورد هذا الفصل يتكلم فيه على الحال من المجرور بحرف هل يجوز تقديمه عليه أم لا يجوز؟ وهذا الحكم ثانٍ عن كون الحال يجوز تقديمه على صاحبه، وثانٍ عن جواز الحال من المجرور بحرف مطلقًا، بخلاف المجرور باسمٍ، فإن فيه تفصيلاً، وسيأتي ذكر ذلك كله إن شاء الله. وقوله: "وسبق" مفعول بأبوا، و (حال) مضاف إلى (ما)، وهي موصولة صلتها (جر)، و (بحرفٍ) متعلق بجر،

стр. 1728

والتقدير: قد أبوا- يعني النحويين- سبق حال الاسم الذي جر بحرفٍ، ويعني أن النحويين منعوا إذا كان صاحب الحال مجرورًا بحرف أن يتقدم الحال عليه، وإنما يكون عندهم متأخرًا عنه لزومًا بحيث لا يجوز في القياس غيره، فإذا قلت مررت بزينب ضاحكة، فهو اللازم، وكذلك إذا قلت: مررت بالزيدين قائمين لا يجوز أن تقول: مررت ضاحكة بزينب، ولا مررت قائمين بالزيدين، وإلا يجوز تقديمه على متعلق الجار وهو الفعل ونحوه أولى، فلا يقال ضاحكة مررت بزينب ولا قائمين مررت بالزيدين. هذا ما حكاه عن النحويين، ولم يذكر المسبوق ما هو، إذ هو مفهوم أن المراد سبق الحال على صاحبه، وسبقه على صاحبه تارة يكون مع سبق العامل عليهما، وتارة مع سبق الحال على صاحبه والعامل معًا، ثم ذكر ما اختاره مذهبًا ورجحه على غيره، وهو الجواز، فقال: "ولا أمنعه فقد ورد" يريد: لا أمنع ذلك السبق الذي منعتم بل أجيز سبق الحال لصاحبه المجرور بحرفٍ، وسبقه لصاحبه وللعامل معًا، وبين سبب هذه الإجازة، والمخالفة، وأنه السماع المقتضى للجواز بقوله: "فقد ورد" يعني أنه ورد من كلام العرب فهو فيه موجود، وإذا كان مسموعًا فلا سبيل إلى المنع جملة؛ إذ السماع هو الإمام المتبع، فمن ذلك قول الله تعالى ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيرا﴾. فالظاهر في كافةٍ أنه حال من الناس كما لو/ قال: للناس كافة. والعرب لا تستعمل كافة قط إلا حالًا، وهو الزمخشري: إن كافة صفة لموصوف محذوف، أي إلا إرسالة كافة للناس، ضعيف، وكذلك قول الزجاج في جعل كافة حالًا من الكاف؛ إذ هو إذ ذاك مؤنث حال من مفرد

стр. 1729

مذكر، وذلك كله لا يعرف إلا بالسماع، ولا سماع إلا ما في محل النزاع، ومن أمثلة الفارسي في التذكرة: زيد خير ما تكون خير منك، على أن مراده: زيد خير منك خير ما تكون، فقدم الحال على صاحبه المجرور بحرفٍ، ومن المنظوم قول الشاعر من أبيات الحماسة: إذا المرء أعيته الرياسة ناشئًا ... فمطلبها كهلًا عليه شديد فكهلًا حال من ضمير عليه، وأنشد المبرد: لئن كان برد الماء حردان ... صاديًا إلى حبيبًا إنها لحبيب فحران حال من الياء في إلي، والعامل حبيبًا، والتقدير: لئن كان برد الماء حبيبًا إلى حران صاديًا، فقدم الحال على صاحبه والعامل، وأنشد في الشرح من ذلك أيضًا: مشغوفة بك قد شغفت وإنما ... حتم الفراق فما إليك سبيل وأنشد أيضًا منه:

стр. 1730

غافلًا تعرض المنية للمرء ... فيدعى ولات حين إباء تقديره: تعرض المنية للمر غافلًا، وكذلك تقدير ما قبله: قد شغفت بك مشغوفةً، ومثل الآية في تقديمه على صاحبه خاصة قول الآخر، أنشده في الشرح: تسليت طرًا عنكم بعد بينكم ... بذكراكم حتى كأنكم عندي تقديره: تسليت عنكم طرًا. فهذه الأدلة كلها، وما كان مثلها تشهد بصحة القول بالجواز، لكن التقديم على ذي الحال والعامل معًا قليل. وقد احتج المانعون لتقديم الحال هنا بأوجهٍ من القياس: منها: أن تعلق العامل بالحال ثانٍ لتعلقه بصاحبه، فحقه إذا تعدى لصاحبه بواسطة أن يتعدى إليه بتلك الواسطة، لكن منع من ذلك خوف التباس الحال بالبدل، وأن فعلًا واحدًا لا يتعدى بحرف واحدٍ إلى شيئين، فجعلوا عوضًا من ذلك التزام التأخير. ومنها: أن منع التقديم هذا بالحمل على حال المجرور بالإضافة. ومنها: أن حال المجرور شبيه بحال عمل فيه حرف جر مضمن معنى الاستقرار، نحو: زيد في الدار متكئا، فكما لا يتقدم الحال على حرف الجر هذا وأمثاله كذلك لا يتقدم عليه في نحو: مررت بهند جالسة، وهذه التعليلات ضعيفة في أنفسها:

стр. 1731

أما الأول: فلا نسلم أن حق الحال تعدي الفعل إليه بواسطة إذا تعدى إلى صاحبه بها، بل حقه الاستغناء عنها لشبهه بالظرف، ولذلك يعمل فيه ما لا يتعدى بحرف كاسم الإشارة، وغيرهما. وأما الثاني: فإن المجرور بحرف أصل للمجرور بالإضافة أو كالأصل له فلا يصح له أن يحمل حال المجرور عليه؛ لئلا يكون الأصل تابعًا للفرع عكس القاعدة، وأيضًا فالمضاف إليه بمنزلة الموصول مع الصلة، والحال بمنزلة جزء الصلة فيجب تأخيره، وحال المجرور بحرفٍ/ لا يشبه جزء الصلة، فأجيز تقديمه. وأما الثالث: فالرف ظاهر؛ فإن جالسه منصوب بمررت وهو فعل متصرف لا يفتقر في نصب الحال إلى واسطة كما لا يفتقر إليها في نصب الظرف والمصدر، وحرف الجر الذي عداه إلى صاحب الحال لا عمل له إلا الجر، ولا جيء به إلا لتعدية مررت، والمجرور به بمنزلة المنصوب فيتقدم حاله كما يتقدم حال المنصوب. وأما متكئًا في مسألة التنظير فمنصوب بفي لتضمنها معنى الاستقرار، وهي رافعة لضميرٍ هو صاحب الحال فلم يجز تقديمه (متكئًا) على (في)؛ لأن العمل لها وهي عامل ضعيف فمانع التقديم في: زيد في الدار متكئًا مفقود في: مررت بهندٍ جالسة. فهذا وجه ضعفها، وإذا فُرضت قوية لم تُعتبر لوجود السامع مخالفًا لها كما تقدم. وهذا الوجه هو الذي اعتمد الناظم في الرد؛ إذ قال: "ولا أمنعه فقد ورد". والصواب_ والله أعلم_ مع النحويين دون ابن مالك، لأنهم لم يأتوا بوجه المنع إلا بعد استقراء كلام العرب، وأنهم لم يجدوا التقديم إلا في شعر لا يجعل وحده مأخذ قياس، أو في الآية الكريمة مع احتمالها وعدم نظير لها في ظاهرها، ومعارضة الاستقراء للقياس في المسألة، فحينئذ جزموا بمنع المسألة، وأولوا الآية الكريمة حين لم يجدوا لها في الكلام

стр. 1732

نظيرًا، ولم يثبت عندهم جواز التقديم في لغةٍ من اللغات، فالحق ما ذهبوا إليه. ومن عادة ابن مالك التعويلعلى اللفظة الواحدة تأتي في القرآن ظاهرها جواز ما يمنعه النحويون، فيعول عليها في الجواز، ومخالفة الأئمة، وربما رشح ذلك بأبيات مشهورة أو غير مشهورة، ومثل ذلك ليس بإنصاف، فإن القرآن الكريم قد يأتي بما لا يُقاس مثله، وإن كان فصيحًا، وموجهًا في القياس لقلته، ولما تكلم ابن ملكون على بيت الحماسة: إذا المرء أعيته الرياسة ناشئًا ... فمطلبها كهلًا عليه شديد مذيلًا على كلام ابن جني فيه قال: "وإنما منع سيبوية من إجازته- يعني تقديم الحال هنا- أرى؛ لقلته في كلامهم، فجرى ما جاء منه مجرى الأشياء الموقوفة على السماع لقلتها، وإن كان لها أقيسة تجوزها كما يتكلم بما تكلموا به، فإن القياس يدفعه، ألا نسمع قوله: "وليس لك أن تريد إلا ما أرادوا" انتهى كلامه. وهو واضح في أنه ليس كلما تكلم به العرب يُقاس عليه، وربما يظن من لم يطلع على مقاصد النحويين أن قولهم: شاذ، أو: لا يُقاس عليه، أو: بعيد في النظر القياسي، أو ما أشبه ذلك ضعيف في نفسه، وغير فصيح، وقد يقع مثل ذلك في القرآن فيقومون في ذلك بالتشنيع على قائل ذلك، وهم أولى لعمر الله أن يُشنع عليهم، ويُمال نحوهم بالتجهيل والتقبيح؛ فإن النحويين إنما قالوا ذلك

стр. 1733

لأنهم لما استقروا كلام العرب ليقيموا منه قوانين يحذى حذوها وجدوه على قسمين: قسم سهل عليهم فيه وجه القياس ولم يعارضه معارض لشياعه في الاستعمال، وكثرة النظائر فيه فأعملوه بإطلاق علمًا بأن العرب كذلك كانت تفعل/ في قياسه. وقسم لم يظهر لهم فيه وجه أو عرضه معرض لقلته وكثرة ما خالفه. فهنا قالوا: إنه شاذ، أو موقوف على السماع، أو نحو ذلك، بمعنى أننا نتبع العرب فيما تكلموا به من ذلك، ولا نقيس غيره عليه، لا لأنه غير فصيحٍ، بل لأنًا نعلم أنها لم تقصد في ذلك القليل أن يُقاس عليه، أو يُغلب على الظن ذلك، وترى المعارض له أقوى وأشهر وأكثر في الاستعمال، هذا الذي يعون لا أنهم يرمون الكلام العربي بالتضعيف والتهجين حاش لله، وهم الذين قاموا بفرض الذب عن ألفاظ الكتاب، وعبارات الشريعة، وكلام نبينا محمد ﷺ ؟ فهم أشد توقيرًا لكلام العرب وأشد احتياطًا عليه ممن يغمز عليهم بما هم منه بُراء. اللهم إلا أن يكون في العرب من بعد عن جمهرتهم، وباين بحبوحة أوطانهم، وقارب مساكن العجم، أو ما أشبه ذلك ممن يخالف العرب في بعض كلامها وأنحاء عباراتها، فيقولون: هذه لغة ضعيفة، أو أشبه بذلك من العبارات الدالة على مرتبة تلك اللغة في اللغات. فهذا واجب أن يُعرف به، وهو من جملة حفظ الشريعة والاحتياط لها، وإذا كان هذا قصدهم، وعليه مدارهم فهم أحق أن يُنسب أليهم المعرفة بكلام العرب ومراتبه في الفصاحة، وما من ذلك الفصيح قياس، وما ليس

стр. 1734

بقياس، ولا تضر العبارات إذا عُرف الاصطلاح فيها، وعلى هذا المهيع جرى النحويون في منع هذه المسألة، فلم يغفلوا السماع أصلًا ثم مالوا إلى المنع بالقياس، وإنما قالوا بالقياس عضدًا لما حصل لهم بالاستقراء من امتناع العرب من التقديم، ولكن للكوفيين هنا قاعدة يبنون عليها القياس- مخالفة لما تقدم، وهي أنهم قد يعتبرون اللفظ الشاذ فيقسون عليه، ويبنون على الشعر الكلام من غير نظر إلى مقاصد العرب، ولا اعتبار لما كثر أو قل، فمن ههنا وقع الخلاف بينهم في مسائل كثيرة. والناظم قد ينحو نحوهم في مسائل كثيرةٍ، وهذه المسألة منها، وكذلك مسألة تقديم التمييز على عامله، ومسألة العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، ومسألة الفصل بين المضاف والمضاف إليه، وغير ذلك مما سيأتي ذكره. وقدمرت منه مسائل، ولعله ينبه على بعض ذلك إن شاء الله. فقد ظهر قصد الناظم في إعمال القياس في هذه المسألة، وتبين علام بنى في أمثالها على الجملة، وتفصيل النظر في القاعدة المبني عليها مقرر في علم الأصول النحوية. ثم على الناظم في هذا الموضع سؤالان: أحدهما: أنه نسب إلى جملة النحويين المنع في المسألة بقوله: "قد أبوا". فظاهر هذا أنه متفق على المنع فيه، وهذا غير صحيح؛ أما البصريون فإن الجمهور منهم على ما قال، وقد ذهب ابن كيسان إلى جواز المسألة، وقال ابن جني: "رأيت أبا علي يُسهل تقديم حال المجرور عليه، ويقول: هو قريب من حال المنصوب"، وفي التذكرة ما يدل على إجارته إياه، وقال ابن ملكون:

стр. 1735

"هو الذي يقتضيه القياس عندي على ما يصفون به الحال من أنه زيادة في الخبر" قال: "ولا شك أن الخبر في مثل: / مررت بزيد إنما هو الفعل دون الحرف، فإذا كان الحال زيادة في الخبر الذي هو الفعل، وفضله من فضلته، وجب التصرف فيه حسب ما يُتصرف في غيره من فضلات الفعل". هذا ما قال فيه وجه القياس، وأنت تراه قد مال إلى ما فر عنه الجمهور. وذكر ابن أبي الربيع أنه منقول عن بعض الكوفيين. فهؤلاء جماعة قد قالوا بمثل ما قال به الناظم، فإذا ليس جميع النحويين بقائلين بالمنع، فكان إطلاق ذلك اللفظ عنهم غير لائقٍ من جهتين: من جهة إيهام الاتفاق في المسألة، ومن جهة مخالفة لهم بعد ذلك الإطلاق حتى يتوهم أنه صرح بمخالفة بالإجماع. وفي ذلك ما فيه. والثاني: أنه أظهر حجة على ما ذهب أليه ليس فيها متعلق لقوله (فقد ورد) وهذا لا ينجيه؛ لأن المخالفين مقرون بأنه قد ورد، فهم الين أنشدوا أكثر الأبيات المتقدمة، وأتوا بالآية الكريمة، وتكلموا عليها، وأولوا ظاهرها، وحملوا الأبيات على الاضطرار الشعري، وأولوا منها ما أمكن، وإذا كان كذلك فأي حجة في قوله: "فقد ورد" فإن الوارد في كلام العرب على قسمين: قسم يُقاس عليه، وقسم لا يُقاس عليه لا اعتبار به في القياس، وإنما الاعتبار بالآخر فهو الذي كان الحق أن يعنيه فيقول: "فقد ورد كثيرًا في الكلام" أو نحو ذلك، مما يُعطي أنه حجة، أما إذا لم يفعل ذلك، فكلامه كالعبث الذي لا يليق بمثله. والعذر له عن الأول أنه لم يجهل أن المسألة مختلف فيها، كيف وقد ذكر الخلاف في التسهيل وشرحه؟ ولكنه أطلق لفظ الجميع على الأكثر، وهذا

стр. 1736

سائغ في كلام العرب، شهير الاستعمال، فيقال: جاءني أهل غرناطة إذ جاءك جمهورهم، بل تقول ذلك وإنما جاءك كبراؤهم، وهم قليل بالإضافة إلى جميعهم، فلا محذور فيه. وعن الثاني: أن مقصوده إنما هو ورود يُعتد بمثله في القياس، لا مطلق الورود بدليل عدم اعتباره للشذوذات في هذا النظم كثيرًا، فعرفالاستعمال يعين له ما أراد، وهذا ظاهر. والله أعلم. ولما تكلم هنا على صاحب الحال المجرور بحرفٍ، وكان المجرور تارة يجر بحرف، وتارة باسم، وحصل حكم النوع الأول، وأن الحال أصبح أن تأتي منه لكنه لا يتقدم- شرع الآن في الكلام على المجرور باسمٍ، وهل تأتي الحال منه أم لا؟ وهو الحال من المضاف إليه فقال: ولا تجر حالًا من المضاف له ... إلا إذا اقتضى المضاف عمله أو كان جزءًا ما له أضيفا ... أو مثل جزئه فلا تحفيا يعني أن الحال من المضاف إليه لا يجوز، فلا يقال: هذا غلام هندٍ ضاحكة، ولا هذه دار اليزيدين ساكنين فيها، ولا جاءني كتابك قاعدًا، ولا أشبه بذلك؛ لأنه كما لا يكون صاحب خبر لا يكون صاحب حال؛ إذ الحال خبر من الأخبار، وإنما كان كذلك؛ لأن المضاف إليه مكمل للمضاف، وزائد عليه. /لأنه واقع منه موقع تنوينه الزائد عليه، فالعمدة هو الأول المضاف لا الثاني المضاف إليه، وهذا هو الفرق بينه وبني المجرور بحرفٍ؛ إذ المجرور بحرف هو مطلوب العامل بالقصد إلا أنه لم يتصل إليه إلا بواسطة الحرف، فلذلك جاز الحال، والمضاف إليه ليس مطلوب العامل أصلًا فلم يكن الحال من جائزًا، ثم استثنى منه المنع الكلي ثلاث مسائل، فأجاز فيها الحال من المضاف إليه. إحداها: أن يكون المضاف في الأصل عاملًا في المضاف إليه الرفع أو النصب، فتكون الإضافة ثانية عن ذلك، وهو معنى قوله: "إلا إذا اقتضى

стр. 1737

المضاف عمله" سعني أن يكون المضاف مقتضيًا أي طالبًا عمل المضاف إليه، يريد عمله فيه، فالعمل في الحقيقة للمضاف، ونسبة إلى المضاف إليه من حيث كان واقعًا فيه، ويعني بالعمل هاهنا العمل المقدر لا الظاهر الآن؛ لأن المضاف هو العامل في المضاف إليه الجر على كل حال، وإنما يريد العمل الخاص الذي لا يكون له مضاف، وهو الرفع أو النصب، ومثاله قولك: عرفت قيام زيد مسرعًا، فمسرعًا حال من زيد، وإن كان مضافًا إليه؛ لأن القيام قد اقتضى الرفع في زيد، فإن التقدير: عرفت أن قام زيد مسرعًا، أو أن يقوم زيد مسرعًا، وكذلك: هذا الشارب السويق متلوتا فمتلوتًا حال من السويق، إذ كان (شارب) قد اقتضى النصب فيه، فالتقدير: هذا شارب السويق ملتوتًا، وإنما جاز هذا اعتبارًا بالأصل من الرفع أو النصب، والمرفوع والمنصوب مقصود في الكلام فهو في الحقيقة خارج عن كونه من المضاف إليه، ومما جاء في ذلك قوله تعالى: ﴿إليه مرجعكم جميعًا﴾، وأنشد المؤلف: تقول ابنتي: إن انطلاقك واحدًا ... إلى الروع يومًا تاركي لا أباليا وأنشد سيبويه:

стр. 1738

وإن بني حرب كما قد علمتم ... مناط الثريا قد تعلت نجومها والثانية: أن يكون المضاف جزءًا من المضاف إليه، وذلك قوله: "أو كان جزء ما له أضيفا". فالضمير في (كان) عائد إلى المضاف إليه في قوله: "إلا إذا اقتضى المضاف عمله". والضمير في (له) عائد على (ما) وهي المضاف إليه، وفي (أضيف) عائد على المضاف، والتقدير: أو كان المضاف جزء الاسم الذي أضيف له ذلك المضاف، وذلك إذا كان المضاف جزء المضاف إليه صار كأنه هو، فصار الحال في التقدير من المضاف الذي هو المقصود في الكلام، لا من المضاف إليه، وذلك نحو قولك: أعجبني وجهك راكبًا، ومنه قوله تعالى ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانًا على سرر متقابلين﴾. وقال الفند الزماني: وطعن كفم الزق ... غدا والزق ملآن فغدا حال من الزق عند أبي جني، وكثيرًا ما يعتبرون المضاف إليه إذا كان جزءه، كما قالوا: ذهبت بعض أصابعه، فأنث البعض؛ لأن بعض الأصابع كأنه الأصابع، وأنشد سيبويه للأعشى: وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم

стр. 1739

قال سيبويه: لأن صدر القناة من مؤنث، وأنشد أيضًا لجرير: لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدين والجبال الخشع وذلك كثير. فهذا كله إما على أن بعض الشيء كأنه الشيء، فكأن الحال من المضاف لا من المضاف إليه، وإما على توهم إسقاط المضاف اعتبارًا بصحة الكلام دونه؛ ومن هنا أجاز الفارسي في قول الشاعر: أرى رجلًا منهم أسيفًا كأنما ... يضم إلى كشحيه كفًا مخضبًا أن يكون (مخضبًا) حال من الهاء في (كشحيه) وهو مضاف، ولكن هفي تقدير: يضم إليه؛ لأنه إذا ضمه إلى كشحيه فقد ضمه إليه، فهو في التقدير حال من المجرور بحرف وهو جائز كما تقدم، وكذلك جعل (مضاعفا) من قوله: عوذ وبهثة حاشدون عليهم ... حلق الحديد مضاعفًا يتلهب حالًا من الحديد.

стр. 1740

والثالثة: أن يكون المضاف كجزء من المضاف إليه، وذلك قوله: "أو مثل جزئه" يعني أنه إذا كان المضاف جزءًا من المضاف ولكنه يشبه الجزء منه، فحكمه حكم الجزء الحقيقي في جواز انتصاب الحال من المضاف إليه، وذلك نحو قولك: أعجبني حسن زيد راكبًا وفصاحته متكلمًا، ومنه قول الله تعالى ﴿أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا﴾. فهذه صفات أضيفت إلى موصوفاتها قامت مقام الجزء منها، والعرب تعامل غير جزء الشيء معاملة الجزء إذا كان ملتبسًا به، كما قال العجاج، أنشد سيبويه: * طول الليالي أسرعت في نقضي * وأنشد لذي الرمة أيضًا: مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم فأنث طول الليالي، لأنه من صفتها، ولذلك أنث مر الرياح، فعامل ذلك معاملة الجزء كما تقدم، وكأن المضاف هنا في حكم السقوط، والمراد المضاف إليه بدليل صحة الكلام مع إسقاطه، وبذلك علل في الشرح جواز الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف جزأه أو كجزئه، وهي طريقة الفارسي في البيت المتقدم، وهو ظاهر. وقد علل امتناع الحال من المضاف إليه بأن العامل في الحال هو العامل في

стр. 1741

صاحبه، والمضاف هو العامل في المضاف إليه، ولا يصح أن يعمل في الحال؛ لأنه ليس بفعل، ولا مؤد معنى فعل، والحال إنما يعمل فيه فعل، أو معنى فعل، ولو عمل فيه الفعل، وعمل فيه صاحبه المضاف لكان خلاف ما استقر من كلامهم. فعلى هذا إذا كان في المضاف معنى الفعل جاز كما في المسألة الأولى لاتحاد العامل، وإن كان عمله من جهتين؛ لأنه راجع إلى العمل من جهة معنى الفعل؛ وكذلك إذا كان المضاف جزء المضاف إليه أو كجزئه فهو كالزائد لصحة الكلام مع إسقاطه كما تقدم، فهو من الكلام المحمول على المرادف فكأنه لا مضاف ثم، وإنما هو مرفوع أو منصوب أو مجرور بحرف، وقد تقرر من هذا أن المضاف إن لم يكن أحد هذه الثلاثة لم يجز وقوع الحال من المضاف إليه، فلا تقول: ضربت غلام هندٍ ضاحكة؛ إذ ليس الغلام جزء من هند، ولا كالجزء؛ ولذلك لا يصح إسقاطه، فلا تقول: ضربت هندًا ضاحكة في معنى: ضربت غلام هندٍ ضاحكة. وهذه المسألة حكي في شرح التسهيل الإجماع على منعها، وفي نقل الإجماع نظر؛ فقد حكى غيره الخلاف فيها، وأن من الناس من يجيز الحال من المضاف إليه مطلقًا. وليس بصحيح ما تقدم. وقوله: "فلا تحيفا" الألف فيه بدل من نون التوكيد، كقوله: * ولا تعبد الأوثان، والله فاعبدا *

стр. 1742

والحيف: الجور، والظلم، وقد حاف عليه يحيف حيفًا، وأشار بقوله: "فال تحيفا" إلى اعتبار ما هو من الشيء كجزئه، فإنه رب كل شيء يظن كالجزء فيعامل معاملته، فيجاء بالحال من المضاف إليه، وليس في الحقيقة المضاف كالجزء كما تقول: أعجبني مال زيد تاجرًا، فإن المال ليس كالجزء، فلا يجوز انتصاب الحال من زيد؛ إذ لا تقول: أعجبني زيدٍ تاجرًا، وأنت تريد ماله، كما تقول: أعجبني زيد ماشيًا، وأنت تريد: أعجبني حسن زيد ماشيًا، وكذلك لا تعامل ما هو كالجزء معاملة ما ليس كذلك، فتمنع ما كان نحو: أعجبني حسن زيد ماشيًا كما تمنع: أعجبني/ مال زيد تاجرًا، فهذا هو القانون في ذلك فلا تخف فتعامل ما هو كالجزء معاملة ما ليس كذلك، وبالعكس، وقد يكون قوله: "فلا تحفيا" أيضًا إشارة إلى التنكيت على من أجاز الحال من المضاف إليه بإطلاق؛ وذلك أن المجيز لذلك إنما أجازه لما وجد جائزًا في المسائل الثلاث المستثناه من المنع، فكأنه اعتبر المضافات كلها اعتبارًا واحدًا، وهذا حيف في النظر، وتقصير في الاعتبار، فالحق في ذلك التفصيل، وان يجاز حيث وجد المجيز، ويمنع حيث وجد المانع. ثم قال: والحال أن ينصب بفعل صرفا ... أو صفةٍ اشبهت المصرفا فجائز تقديمه كمسرعًا ... ذا ذهب، ومخلصًا زيد دعا هذا الفصل يذكر فيه ما يصح من الحال أن يتقدم على عامله، وما لا يصح، والحال لابد له من عامل يعمل فيه؛ لأنه منصوب، والنصب لابد له من ناصبٍ، ودل على أنه لابد له من عامل مساق كلامه، وتقسيمه له إلى لفظي وإلى معنوي.

стр. 1743

وقسم العامل في الحال قسمين: أحدهما: ما كان من العوامل فعلًا متصرفًا أو ما أشبهه من الصفات الجارية مجراه، فهذا يجوز فيه تقديم الحال على عامله إن لم يمنع مانع من خارج. والثاني: ما كان من العوامل مضمنًا معنى الفعل، وليس بجارٍ مجراه، أو كان فعلًا غير متصرف فلا يتقدم الحال على عامله، بل يلزم التأخير، وذلك على تفصيل يذكره. وابتدأ بالقسم الأول، فيعني أن الحال إن كان عامله فعلًا متصرفًا أو صفة من الصفات التي تشبه ذلك الفعل المتصرف فإنه يجوز تقديم الحال على ذلك العامل، فمثال الفعل المتصرف فإنه يجوز تقديم الحال على ذلك العامل، فمثال الفعل المتصرف: زيد دعا مخلصًا، فدعا فعل متصرف، فيجوز تقديم (مخلصًا) عليه، فتقول: مخلصًا زيد دعا، وهو مثاله الذي مثل به، وكذلك تقول: ضاحكًا جاء عمرو، وراكبًا ضربت زيدًا، وما أشبه ذلك. ومثال الصفة المتصرفة قولك: هذا ذاهب مسرعًا، فمسرعًا حال العامل فيه صفة تشبه الفعل المتصرف، لأن (ذهب) فعل متصرف، فذاهب مثله في التصرف، فجائز أن تقول مسرعًا هذا ذاهب، وهو مثال الناظم. ومعنى كون الصفة تشبه الفعل: أن تكون متضمنة معناه وحروفه، وتجري مجراه في عمله، ولحاقه العلامات، وغير ذلك من الأحكام اللاحقة للفعل المتصرف، والذي يدل على قصد المشابهة في تضمن أنفس حروف الفعل قوله بعد: "وعامل ضمن معنى الفعل لا حروفه" فدل على أنه أراد هنا أن يدخل في ضمن المشابهة الحروف، وبذلك فسر في الشرح الصفة التي تشبهه. ويدخل في ذلك اسم الفاعل كما مثل، واسم المفعول، كقولك: زيد مضروب قاعدًا، فيجوز أن تقول: قاعدًا زيد مضروب، والصفة المشبهة، كقولك: زيد سمح ذا يسار، لأنها جارية مجرى الفعل في العمل، والمعنى، ولحاق علامات التأنيث، والتثنية، والجمع،

стр. 1744

فيجوز أن تقدم الحال فتقول: ذا يسار زيد سمح/ وأنشد في الشرح: * لهنك سمح ذا يسار ومعدما * ثم قال: "فلو قيل في الكلام: إنك ذا يسار ومعدما سمح لجاز، لأن سمحًا عامل قوي بالنسبة إلى أفعل التفضيل؛ لتضمنه حروف الفعل ومعناه، مع قبوله لعلامات التأنيث، والتثنية، والجمع" وقيل من يذكر في العوامل المشبهة، وذكرها مما ينبغي كما فعل ابن مالك، وقد دل المثالان على أن كلامه هنا في تقديم الحال على العامل خاصة، وسكت عن حكم تقديمه على صاحبه، فيرد عليه الاعتراض نصًا من وجهين: أحدهما: أنه موهم جوازه هنا بإطلاق إذا كان العامل ما قال؛ إذ لم يستثن من ذلك إلا حال المجرور بحرف، فحكى المنع عن النحويين، وارتضى هو الجواز، فاقتضى أن الجواز منسحب على جميع المواضع سوى ذلك الموضع، وذلك غير صحيح؛ فإن التقديم على صاحبه فقط قد يمتنع في مواضع: منها: أن يكون صاحبه مضافًا إليه، نحو: أعجبني قيام زيد مسرعًا، فلا يجوز هنا أن تقدم الحال فتقول: أعجبني قيام مسرعًا زيدٍ؛ للفصل بين المضاف والمضاف إليه في غير موضعه. منها: أن يكون الحال مقرونًا بإلا أو في معنى المقرون بإلا، نحو: ما جاء زيد إلا مسرعًا، وإنما جاء زيد مسرعًا، وما أشبه بذلك، وقد تقدم مثل ذلك في

стр. 1745

الفاعل والمفعول. ومنها: أن يكون صاحب الحال ضميرًا متصلًا، نحو: زيد لقيني طالبًا له، فلا يجوز هنا تقديم الحال على (ني)، لما يلزم من فصله بغير موجب، إلى أشياء من هذا القبيل يُوهم هذا الموضع جوازها، وليست بجائزة. والثاني: أنه أطلق هنا جواز تقديم الحال على العامل ولم يستثن شيئًا، وذلك غير صحيح أيضًا، فإن التقديم على العامل قد يمتنع في مواضع: منها: أن يكون العامل مصدرًا موصولًا، نحو: أعجبني قيام زيد مسرعًا، فلا يجوز أن تقول: أعجبني مسرعًا قيام زيد. ومسرعًا حال من زيدٍ؛ لأن الحال من صلة المصدر، وصلته لا تتقدم عليه، ولا شيء منها. ومنها: أن يكون العامل صلة الألف واللام، نحو: أعجبني الآتي مسرعًا؛ إذ لا يتقدم ما في حيز الموصول إليه. ومنها: أن يكون الحال مقرونًا بإلا أو في معناه، نحو: لم يأت زيد إلا مسرعًا، إلى أشياء من هذا النوع. وأيضًا فإنه قال: "فجائز تقديمه كذا" فاقتضى أنه لا يكون إلا كذلك، وهو غير صحيح أيضًا بل قد يكون واجبًا كإضافة صاحب الحال إلى ضمير ما لابس الحال، نحو: جاءني زائر هندٍ أخوها، فلا يجوز هنا: أن تقول: جاءني أخوها زائر هندٍ؛ لما يلزم من عود الضمير على ما بعده لفظًا ومرتبة، وذلك ممنوع كما تقدم. والجواب عن الأول: أن كلامه في تقديم الحال على صاحب المجرور بحرف قد دل على إجازته إذا لم يكن صاحبه مجرورًا، بل مرفوعًا أو منصوبًا؛ لأنه إذا لم يذكر المنع إلا في قسم واحد دل على أن ما عداه غير ممنوع، وعند ذلك نقول إنه أجاز التقديم، وإن كان صاحب الحال منصوبًا، /نحو: لقيت هندًا راكبة،

стр. 1746

فيجوز أن تقول: لقيت راكبة هندًا، وكذلك إن كان مرفوعًا، نحو: جاءت راكبة هند، وما أشبه ذلك. وهو في الجواز على رأي البصريين، وذهب الكوفيون على أنه لا يجوز أن يقال: لقيت راكبة هندًا؛ لئلا يتوهم أن الحال هو المفعول وأن صاحب بدل منه قال في الشرح: "والصحيح جواز التقديم مطلقًا؛ لأن راكبة من قولنا: لقيت راكبة هندًا يتبادر الذهن إلى حاليته، فلا يلتفت إلى عارض توهم المفعولية". وأنشد على التقديم: وصلت ولم أصرم مسيئين أسرتي ... وأعتبتهم حتى تلافوا ولائيا وانشد أبياتًا أخر أيضًا. وعلى الجملة فالاعتلال باللبس في مثل هذا ضعيف جدًا، ويلزم إن روعي هذا اللبس ألا يجوز عطف البيان في نحو: رأيت زيدًا أخاك؛ لئلا يتوهم أن ذا العطف بدل، ولا أن يخب رعن المبتدأ بخبرين فصاعدًا؛ لئلا يتوهم أن الثاني بدل أو نعت، وطول لهم القصة، بل ينعكس ألا يتأخر الحال في المسألة السابقة، لئلا يتوهم أن الحال بدل، وكل هذا فاسد، فما أدى أليه مثله. وإذا ثبت الجواز من إشارة كلامه فلا يقدح فيه ما اعترض به؛ لأن هذه الأمور قد تقدم أمثالها في أبوابها فما عرض هنا من العوارض القادحة في الجواز تعرف مما تقدم، وأخص الأبواب بهذا الباب باب المفعول به، فيه يتبين. ونحو هذا يتمشى في الجواب الثاني أيضًا؛ لأن امتناع تقدم ما في حيز الصلة على الموصول مبين في بابه، وحكم المقرون بإلا معروف من باب الابتداء والمفعول، وكذلك القول في

стр. 1747

الاعتراض على نفي الجواز، فإن ما اعترض به يُعرف من باب المفعول به، وإنما يتمكن الاعتراض بما يخالف ما كر مما يختص بالحال، وقد ذكروا أن الحال إذا كان جملة قد تقدمه الواو فلا يجوز تقديمه، فلا تقول: وهو نائم جئته؛ لأن الواو هنا أصلها العاطفة، فلا تقع إلا حيث تقع العاطفة، والعاطفة لا تقع صدر الكلام. ويعتذر عنه بأن الواو لها نظير تقدم، وهو واو المفعول معه، والمفعول معه قد تقدم أنه لا يتقدم فكذلك لا يتقدم هنا الحال المصدر بالواو. والله أعلم. وأعلم أن هنا مسألتين: إحداهما: أن ما ذكره من جواز التقديم على العامل هو مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز تقديم الحال على العامل فيه مع الاسم الظاهر، فلا يقال عندهم: راكبًا جاء زيد، ويجوز مع الاسم المضمر، نحو: راكبًا جئت، بناء منهم على أنه لا يجوز تقديم المضمر على المظهر، وأنت لو قلت: راكبًا جاء زيد كان في (راكبًا) ضمير زيد، وقد تقدم عليه. والصحيح الجواز، ولا يمتنع تقديم المضمر على المظهر إ ذا كان المضمر مؤخرًا في الرتبة على المظهر، كمل قال زهير: إن تلق يومًا على علاته هرما ... تلق السماحة منه والندى خلقا ومن أمثالهم: في بيته يؤتى الحكم، وفي أكفانه يلف الميت، وقد تقدم بيان هذا، وأيضًا فإذا كان العامل متصرفًا في نفسه وجب أن يكون متصرفًا في معموله مل لم يمنع مانع، ولا مانع هنا، فوجب الحكم بالجواز. وإلى هذا

стр. 1748

فالسماع يدل على الجواز. ففي المثل السائر: شتى تؤوب الحلبة. وأنشد في الشرح: * سريعًا يهون الصعب عند أولي النهى * ولم أقيد بقيته كما أحب والثانية: أن تقييده العامل بالتصرف الدال على أن ما ليس بمتصرف من العوامل لا يتقدم عليه الحال، فالفعل غير المتصرف، نحو: ما أحسن زيدًا راكبًا، وما أنصره مستنصرًا، فلا يجوز هنا تقديم الحال أصلًا بمقتضى مفهوم الشرط، وكذلك: أحسن به راكبًا. لا تقول: راكبًا أحسن بزيدٍ، والصفة غير المتصرفة أفعل التفضيل، نحو: زيد أكفى القوم ناصرًا، وهو أسمحهم ذا يسار، فلا يجوز هنا أيضًا التقديم. أما فعل التعجب فلإلزام العرب له طريقة واحدة حتى صار كالمثل الذي لا يُغير عما وُضع عليه، وأما أفعل التفضيل فلضعفه عن مشابهة الفعل بكونه لا يرفع ظاهرًا في الغالب، ولا يؤنث، ولا يُثني، ولا يُجمع فلما لم يتصرف تصرف الفعل الذي تضمن حروفه ومعناه لم يتقدم الحال عليه؛ ولأن أفعل التفضيل جارٍ مجرى فعل التعجب في أشياء كثيرة فلزمه حكمه، لكنه قد جاء تقديم الحال على أفعل التفضيل في موضع خاص يذكره الناظم على إثر هذا. ثم أخذ في ذكر القسم الثاني من عوامل الحال فقال: وعامل ضمن معنى الفعل لا ... حروفه مؤخرًا لن يعملا كتلك ليت وكأن وندر ... نحو: سعيد مستقرًا في هجر يعني أن العامل الذي ليس بفعل ولا ما أشبه الفعل من العوامل التي ضمنت

стр. 1749

حروفه بل ضمن معنى الفعل خاصة من غيرتضمن حروفه لا يعمل في الحال مؤخرًا عنه، فتقدم الحال عليه، بل يتمنع تقدم الحال عليه، فلا يعمل فيه إلا مؤخرًا. ثم فسر هذا العامل المذكور فأتى له بأربعة أمثلة هي: اسم إشارة، وليت، وكأن المجرور- وفي معناه الظرف- فأما ليت فتعمل في الحال بما فيها من معنى التمني، فتقول: ليتك زائرًا زيد، وليت زيد ضاحكًا عمرو. وأما كأن فكذلك تعمل بما فيها من معنى التشبيه، فتقول: كأنه مقاتلًا أسد، وكأنه مسرعًا ريح، وقال النابغة: كأنه خارجًا من جنب صفحته ... سفود شرب نسوه عند مفتاد وقال زهير: كأني وقد خلفت تسعين حجة ... خلعت بها عن منكبي ردائيا لأن (وقد خلفت) جملة حالية، فالعامل فيها معنى كأن، وأنشد الفارسي وغيره: بتيهاء قفر والمطي كأنها ... قطا الحزن قدك كانت فراخًا بيوضها فقوله: (قد كانت) حال من (قطا الحزن) والعامل معنى كأن. وأما تلك

стр. 1750

فكذلك أيضًا لأن الإشارة ضمن معنى الإشارة، فتقول: تلك هي منطلقة، فمنطلقة حال منتصب بما في (تي) أو (تا) من معنى الإشارة، ومنه في القرآن الكريم ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة﴾ وقوله ﴿وهذا بعلي شيخًا﴾ وهذا كثير، وسائر أسماء الإشارة تجري على هذا الحكم. ولما قال كتلك وكذا وكذا دل على أن العامل المعنوي المراد ليس مقتصرًا به على ما ذكره دون غيره، وقد جاء مثل ذلك أشياء كثيرة في كلامهم ضمونها معنى الفعل وليس ذلك لها في القياس، فمن ذلك لعل فإنها كأن وليت، ألا تراهم قالوا: * لعلك يومًا أن تلم ملمة * فعلق / الظرف بلعل، إذ لا يصح تعقله بتلم فكذلك يجوز أن تقول: لعلك قائمًا فشل. ومنه الاستفهام في نحو قول الأعشى: * يا جارتا ما أنت جارة * فجارة حال من أنت، العامل فيه [ما] بما فيها من معنى الاستفهام المراد به

стр. 1751

التعظيم أو التعجب، أي أنت المعظمة في هذا الحال. ومنها اسم الجنس المراد به التعظيم، نحو: أنت الرجل علمًا ودينًا وفضلًا، أي أنت الكامل في هذه الحال. ومنها المشبه من الأعلام أو غيرها، نحو: زيد شهير شعرًا، وحاتم جودًا، والأسد شدة، أي البالغ درجته في هذه الحال، أو نحو ذلك. ومنه أما وذلك بما تعطيه من معنى الفعل، نحو: أما عالمًا فلا علم له، وما أشبه ذلك، والتقدير: مهما ذكرته عالمًا فلا علم له. ومنه عند بعضهم- وإن لم يره ابن مالك- الأعلام التي تُعطي معنى المعروف أو المذكور نحو قولك: أنا زيد شجاعًا، وأنت زيد حليمًا تقديره: أنا المعروف في هذه الحال أو المذكور أو نحو ذلك؛ ولذلك ينصب الظرف، ألا ترى الشاعر قال: أنا أبو المنهال بعض الأحيان فهذه العوامل كلها ليس بأفعال، ولا تضمنت حروفها، ولكنها عملت بما ضمنت من رائحة الفعل، فلا يتقدم عليها ما عملت فيه من الحال لضعفها عن تصرفها تصرف الأفعال. فإن قيل: فإن كان يدخل له في كلامه كل ما ضمن معنى الفعل من الكلم فالحروف كلها من هذا القبيل، فإن العرب وضعتها مواضع الأفعال، فحروف النفي عوض من أنفي، وحروف الاستفهام عوض من أستفهم، وحروف العطف عوض من أعطف، وحروف الإضافة عوض من أضيف، وكذلك سائرها. نص على هذه الأئمة كابن السراج، والفارسي وابن جني، وغيرهم، وإذا كان كذلك فيقتضي أن يقال: أزيد أبوك قائمًا؟ بمعنى: أستفهم عنه في هذا الحال، وكذلك، ما زيد أخوك راكبًا بمعنى أنفيه راكبًا،

стр. 1752

وأن يجوز أيضًا: زيد أخوك وعمرو محترمًا، بمعنى أعطفه محترمًا، أو ما كان مثل ذلك، وهو غير جائز اتفاقًا فكيف يطلق القول في أن ما ضمن معنى الفعل يعمل في الحال؟ فالجواب: أن الحروف لم تضمن معاني الأفعال على حد ما ضمنته ليت ولعل ونحوهما، وإنما عبروا عن ذلك بأن الحروف في أصل الوضع جُعلت عوضًا من الأفعال، ونائبة عنها لا أنها تضمنت معانيها، وفرق بين تضمين معنى الفعل والتعويض عنه. أم التضمين فهو طارئ على الوضع الأول، حادث بعد التركيب. وأما التعويض- هنا- فهو في أصل الوضع، لا مثل تعويض (ما) عن الفعل في نحو: * أم أنت ذا نفر * فإن هذا عرض أيضًا بعد التركيب، وتعويض ما مثلًا عن أنفي أصلي قبل التركيب. وأيضًا فإن معنى الفعل في الحروف قد استهلك جملة كما استهلك معنى الفعل من يزيد، ويشكر وأحمد التي/ هي أعلام، ومعنى الفعل في كأن، وليت لم يستهلك بل لُحظ واعتبر. وأيضًا فإن المعنى المضمن ليس ذلك المعنى الأصيل بل هو زائد عليه، ولذلك عبر عنه بضمن الذي هو في الاصطلاح لجعل معنى لم يكن، ولم يقل عوض عن الفعل؛ لأن التعويض أتم من التضمين عندهم. فالحاصل أن لفظ (ضمن) أحرز أن المعنى المراد هنا ليس المعنى الأصلي الذي في الحروف، وإنما هو معنى طارئ، فتأمله. وقد بين هذا المعنى ابن جني في كتاب التعاقب.

стр. 1753

ثم أتى بالمثال الرابع وهو المجرور، فقال: "ونذر نحو سعيد مستقرًا في هجر" فقدم فيه أولًا أن ما ضمن من العوامل معنى الفعل لا حروفه فلا يتقدم عليه معمولة- وهو الحال- وكان ذلك لازمًا في الأمثلة الثلاثة لا في الرابع، فبين الآن في الرابع أن ذلك الحكم غالب فيه لا لازم؛ فقد نُقل في كلام العرب تقديم الحال عليه لكن نادرًا؛ فلذلك قال: "ونذر نوح كذا" وتمثيله مشعر بشرطٍ في هذا التقديم معتبر، وهو كون الحال متوسطًا بين العامل وصاحب الحال كما في قوله: زيد مستقرًا في هجر، فمستقرًا عامله مجرور، وصاحبه زيد هذا الظاهر إما حقيقةً وإما مجازًا، فلو قدمت الحال عليهما معًا فقلت: مستقرًا زيد في هجر لكان ممنوعًا، ولم يأت من كلام العرب. أما من كان كالمثال فقد وجد في كلامهم حسبما يذكر، فأما تقديم الحال عليهما معًا فلم يذكروا خلافًا في منعه وأما تقديمه على العامل وحده ففيه خلاف، فمذهب سيبويه والجمهور المنع إلا في الشعر، وحجتهم أن المجرور- في معناه الظرف- ليس من العوامل القوية فلم يقو أن يتصرف في معموله تصرفها، وعمله في الحال إنما كان لشبه الحال بالظرف الذي يعمل فيه رائحة الفعل. والعامل المعنوي لا يقوى على التصرف بتقديمه عليه كما قد يقوى على تقديم الظرف؛ لأن المشتبه لا يقوى قوة ما شبه به. وأيضًا فالسماع في ذلك نادر، ومحتمل التأويل. وذهب الأخفش إلى جواز ذلك بإطلاق، وحجته ما جاء في السماع من ذلك كقراءة عيسى بن عمر ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾ بنصب مطويات على الحال، والعامل ليس إلا المجرور. وقول من قال إنه منصوب على إضمار فعل، والعامل السموات بما

стр. 1754

فيها من معنى السمو تكلف. وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: نزلت هذه الآية ورسول الله ﷺ متواريًا بمكة، بنصب متواريًا، والعامل قوله (بمكة). وأنشدوا للنابغة الذبياني: رهط ابن كوز محقبي أدراعهم ... فيهم ورهط ربيعة ابن حذار فمحقبي حال الفاعل فيه قوله (فيهم)، ولما كان هذا المسموع لا يبلغ أن يطلق القياس عليه إطلاقًا أخبر أن مثل هذا نادر، وكأنه توسط بين المذهبين فلم يطرح السماع جملة، ولم يطلق القياس البتة. والشائع في المسألة/ أن تقول: زيد في هجر مستقرًا، وزيد عندك مستقرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾ وهي قراءه غير نافع من السبعة، وحكى سيبويه: أتكلم بهذا وأنت هنا قاعدًا؟ وأنشد أيضًا: إن لكم أصل البلاد وفرعها ... فالخير فيكم ثابتًا مبذولا وهجر: اسم موضع وهو المذكور في قولهم: كمبضع تمرٍ إلى هجر. ثم قال:

стр. 1755

ونحو زيد مفردًا أنفع من ... عمرو معانًا مستجاز لم يهن هذه المسألة مستثناه أيضًا من الحكم المتقدم في العامل غير المتصرف، وهو منع تقديم الحال عليه، فأتى هنا بحكم في أفعل التفضيل مخالف لما تقرر فيه، فيعني أن أفعل التفضيل إذا توسط بين حالين كهذا المثال الذي أتى به، وهو: زيد مفردًا أنفع من عمرو معانًا، فهو جائز مغتفر فيه تقديم الحال، لم يضعف الكلام لأجل التقديم ولم يمنع، كما ضعف ومنع فيما إذا لم يكن أفعل التفضيل إلا ناصبًا حالًا واحدًا. وقد تقدم شرحه، وأتى بالمثال مشعرًا بالوجه الذي يتوسط معه أفعل التفضيل بين الحالين، وهو أن يأتي لتفضيل شيء في حال على شيء في تلك الحال أو في حال آخر. وقد يكون التفضيل لشيء على نفسه لكن في حالين، فمثاله من تفضيل شيء في حال على شيء آخر في حال آخر هو مثال الناظم، ففضل زيدًا في حال الإفراد على عمرو في حال الإعانة، ومثاله من تفضيل شيء في حال على شيء آخر في ذلك الحال: مررت برجل خير ما يكون خير منك ما تكون، ومررت برجل أخبث ما يكون أخبث منك أخبث ما تكون. ومثاله من تفضيل شيء في حال على نفسه في حال آخر: هذا بسرا أطيب منه رطبًا، وهذا زبيبًا أفضل منه عنبًا، وما شبه ذلك. ومعنى مثال الناظم أن زيدًا يفضل نفعه إذا كان مفردًا على نفع عمرو إذا كان معانًا غير منفرد. وهذا يفضل طيبة بسرًا على طيبة رطبًا، وكذلك سائر المثل. قال ابن خروف: انتصب بسرًا ع سيبويه على الحال من الضمير في أطيب، وأنتصب رطبًا على الحال- أيضًا- من الضمير المجرور في منه، والعامل فيهما أطيب بما تضمنه من معنى المفاضلة بين شيئين، كأنه قال: هذا في حال كونه بسرًا أطيب منه في حال كونه رطبًا، يريد أن يفضل
следующие страницы →