Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
التعظيم أو التعجب، أي أنت المعظمة في هذا الحال. ومنها اسم الجنس المراد به التعظيم، نحو: أنت الرجل علمًا ودينًا وفضلًا، أي أنت الكامل في هذه الحال. ومنها المشبه من الأعلام أو غيرها، نحو: زيد شهير شعرًا، وحاتم جودًا، والأسد شدة، أي البالغ درجته في هذه الحال، أو نحو ذلك. ومنه أما وذلك بما تعطيه من معنى الفعل، نحو: أما عالمًا فلا علم له، وما أشبه ذلك، والتقدير: مهما ذكرته عالمًا فلا علم له. ومنه عند بعضهم- وإن لم يره ابن مالك- الأعلام التي تُعطي معنى المعروف أو المذكور نحو قولك: أنا زيد شجاعًا، وأنت زيد حليمًا تقديره: أنا المعروف في هذه الحال أو المذكور أو نحو ذلك؛ ولذلك ينصب الظرف، ألا ترى الشاعر قال:
أنا أبو المنهال بعض الأحيان
فهذه العوامل كلها ليس بأفعال، ولا تضمنت حروفها، ولكنها عملت بما ضمنت من رائحة الفعل، فلا يتقدم عليها ما عملت فيه من الحال لضعفها عن تصرفها تصرف الأفعال. فإن قيل: فإن كان يدخل له في كلامه كل ما ضمن معنى الفعل من الكلم فالحروف كلها من هذا القبيل، فإن العرب وضعتها مواضع الأفعال، فحروف النفي عوض من أنفي، وحروف الاستفهام عوض من أستفهم، وحروف العطف عوض من أعطف، وحروف الإضافة عوض من أضيف، وكذلك سائرها. نص على هذه الأئمة كابن السراج، والفارسي وابن جني، وغيرهم، وإذا كان كذلك فيقتضي أن يقال: أزيد أبوك قائمًا؟ بمعنى: أستفهم عنه في هذا الحال، وكذلك، ما زيد أخوك راكبًا بمعنى أنفيه راكبًا،
стр. 1752
وأن يجوز أيضًا: زيد أخوك وعمرو محترمًا، بمعنى أعطفه محترمًا، أو ما كان مثل ذلك، وهو غير جائز اتفاقًا فكيف يطلق القول في أن ما ضمن معنى الفعل يعمل في الحال؟
فالجواب: أن الحروف لم تضمن معاني الأفعال على حد ما ضمنته ليت ولعل ونحوهما، وإنما عبروا عن ذلك بأن الحروف في أصل الوضع جُعلت عوضًا من الأفعال، ونائبة عنها لا أنها تضمنت معانيها، وفرق بين تضمين معنى الفعل والتعويض عنه. أم التضمين فهو طارئ على الوضع الأول، حادث بعد التركيب. وأما التعويض- هنا- فهو في أصل الوضع، لا مثل تعويض (ما) عن الفعل في نحو:
* أم أنت ذا نفر *
فإن هذا عرض أيضًا بعد التركيب، وتعويض ما مثلًا عن أنفي أصلي قبل التركيب. وأيضًا فإن معنى الفعل في الحروف قد استهلك جملة كما استهلك معنى الفعل من يزيد، ويشكر وأحمد التي/ هي أعلام، ومعنى الفعل في كأن، وليت لم يستهلك بل لُحظ واعتبر. وأيضًا فإن المعنى المضمن ليس ذلك المعنى الأصيل بل هو زائد عليه، ولذلك عبر عنه بضمن الذي هو في الاصطلاح لجعل معنى لم يكن، ولم يقل عوض عن الفعل؛ لأن التعويض أتم من التضمين عندهم. فالحاصل أن لفظ (ضمن) أحرز أن المعنى المراد هنا ليس المعنى الأصلي الذي في الحروف، وإنما هو معنى طارئ، فتأمله. وقد بين هذا المعنى ابن جني في كتاب التعاقب.
стр. 1753
ثم أتى بالمثال الرابع وهو المجرور، فقال: "ونذر نحو سعيد مستقرًا في هجر" فقدم فيه أولًا أن ما ضمن من العوامل معنى الفعل لا حروفه فلا يتقدم عليه معمولة- وهو الحال- وكان ذلك لازمًا في الأمثلة الثلاثة لا في الرابع، فبين الآن في الرابع أن ذلك الحكم غالب فيه لا لازم؛ فقد نُقل في كلام العرب تقديم الحال عليه لكن نادرًا؛ فلذلك قال: "ونذر نوح كذا" وتمثيله مشعر بشرطٍ في هذا التقديم معتبر، وهو كون الحال متوسطًا بين العامل وصاحب الحال كما في قوله: زيد مستقرًا في هجر، فمستقرًا عامله مجرور، وصاحبه زيد هذا الظاهر إما حقيقةً وإما مجازًا، فلو قدمت الحال عليهما معًا فقلت: مستقرًا زيد في هجر لكان ممنوعًا، ولم يأت من كلام العرب. أما من كان كالمثال فقد وجد في كلامهم حسبما يذكر، فأما تقديم الحال عليهما معًا فلم يذكروا خلافًا في منعه وأما تقديمه على العامل وحده ففيه خلاف، فمذهب سيبويه والجمهور المنع إلا في الشعر، وحجتهم أن المجرور- في معناه الظرف- ليس من العوامل القوية فلم يقو أن يتصرف في معموله تصرفها، وعمله في الحال إنما كان لشبه الحال بالظرف الذي يعمل فيه رائحة الفعل. والعامل المعنوي لا يقوى على التصرف بتقديمه عليه كما قد يقوى على تقديم الظرف؛ لأن المشتبه لا يقوى قوة ما شبه به. وأيضًا فالسماع في ذلك نادر، ومحتمل التأويل. وذهب الأخفش إلى جواز ذلك بإطلاق، وحجته ما جاء في السماع من ذلك كقراءة عيسى بن عمر ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾ بنصب مطويات على الحال، والعامل ليس إلا المجرور. وقول من قال إنه منصوب على إضمار فعل، والعامل السموات بما
стр. 1754
فيها من معنى السمو تكلف. وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: نزلت هذه الآية ورسول الله ﷺ متواريًا بمكة، بنصب متواريًا، والعامل قوله (بمكة). وأنشدوا للنابغة الذبياني:
رهط ابن كوز محقبي أدراعهم ... فيهم ورهط ربيعة ابن حذار
فمحقبي حال الفاعل فيه قوله (فيهم)، ولما كان هذا المسموع لا يبلغ أن يطلق القياس عليه إطلاقًا أخبر أن مثل هذا نادر، وكأنه توسط بين المذهبين فلم يطرح السماع جملة، ولم يطلق القياس البتة. والشائع في المسألة/ أن تقول: زيد في هجر مستقرًا، وزيد عندك مستقرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾ وهي قراءه غير نافع من السبعة، وحكى سيبويه: أتكلم بهذا وأنت هنا قاعدًا؟ وأنشد أيضًا:
إن لكم أصل البلاد وفرعها ... فالخير فيكم ثابتًا مبذولا
وهجر: اسم موضع وهو المذكور في قولهم: كمبضع تمرٍ إلى هجر.
ثم قال:
стр. 1755
ونحو زيد مفردًا أنفع من ... عمرو معانًا مستجاز لم يهن
هذه المسألة مستثناه أيضًا من الحكم المتقدم في العامل غير المتصرف، وهو منع تقديم الحال عليه، فأتى هنا بحكم في أفعل التفضيل مخالف لما تقرر فيه، فيعني أن أفعل التفضيل إذا توسط بين حالين كهذا المثال الذي أتى به، وهو: زيد مفردًا أنفع من عمرو معانًا، فهو جائز مغتفر فيه تقديم الحال، لم يضعف الكلام لأجل التقديم ولم يمنع، كما ضعف ومنع فيما إذا لم يكن أفعل التفضيل إلا ناصبًا حالًا واحدًا. وقد تقدم شرحه، وأتى بالمثال مشعرًا بالوجه الذي يتوسط معه أفعل التفضيل بين الحالين، وهو أن يأتي لتفضيل شيء في حال على شيء في تلك الحال أو في حال آخر. وقد يكون التفضيل لشيء على نفسه لكن في حالين، فمثاله من تفضيل شيء في حال على شيء آخر في حال آخر هو مثال الناظم، ففضل زيدًا في حال الإفراد على عمرو في حال الإعانة، ومثاله من تفضيل شيء في حال على شيء آخر في ذلك الحال: مررت برجل خير ما يكون خير منك ما تكون، ومررت برجل أخبث ما يكون أخبث منك أخبث ما تكون. ومثاله من تفضيل شيء في حال على نفسه في حال آخر: هذا بسرا أطيب منه رطبًا، وهذا زبيبًا أفضل منه عنبًا، وما شبه ذلك. ومعنى مثال الناظم أن زيدًا يفضل نفعه إذا كان مفردًا على نفع عمرو إذا كان معانًا غير منفرد. وهذا يفضل طيبة بسرًا على طيبة رطبًا، وكذلك سائر المثل. قال ابن خروف: انتصب بسرًا ع سيبويه على الحال من الضمير في أطيب، وأنتصب رطبًا على الحال- أيضًا- من الضمير المجرور في منه، والعامل فيهما أطيب بما تضمنه من معنى المفاضلة بين شيئين، كأنه قال: هذا في حال كونه بسرًا أطيب منه في حال كونه رطبًا، يريد أن يفضل
стр. 1756
البسر على الرطب. قال: فأطيب ناب مناب عاملين؛ لأن التقدير: يزيد طيبه في حال كونه بسرًا على طيبه في حال كونه رطبًا. وأشار بهذا إلى التمر. والمعنى بسره أطيب من رطبه، فعلى ما قال ابن خروف جرى الناظم، ولم يجعل العامل في الحال كان مضمره كما زعم السيرافي، ومن ذهب مذهبه، لأن التقدير عند سيبويه: هذا إذا كان بسرًا أطيب منه إذا كان رطبًا. قال سيبويه: "وإنما قال الناس منصوبًا على / إضمار (إذ كان) فيما يُستقبل، (وإذا كان) فيما مضى؛ لأن هذا لما كان [ذا] معناه أشبه عندهم أن ينتصب على إذا كان أو إذ كان". وبهذا الكلام تعلق السيرافي فجعل بسرًا وتمرًا حالين من المشار إليه في زمانين والعامل في الحال كان، وكان ما قال يظهر من كلام سيبويه، ولكن الناظم عدل عنه إل ما قال ابن خروف، وهو مذهب طائفة كابن كيسان، والفارسي، وابن جني، وغيرهم. وضعف مذهب السيرافي ومن قال بقوله لما فيه إذا أضمرت (كان) من تكلف إضمار ستة أشياء لا حاجة إليها، وهي: إذا أو إذ في الموضعين، وكان وضميرهما المرفوع في الموضعين أيضًا، ولأن أفعل في هذا الباب هي أفعل في قول الله تعالى ﴿هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان﴾ في أن القصد بهما تفضيل شيء على نفسه باعتبار متعلقين، فكما اتحد هنا المتعلق به كذلك يتحد في الأمثلة المذكورة، وأيضًا على تسليم الإضمار يلزم إضمار أفعل في إذ وإذا؛ لأنه لابد منه لهما فيكون ما وقع فيه شبيهًا بما فر منه. هذه الأدلة مما استدل بها المؤلف
стр. 1757
في الشرح، وأصلها لأبن خروف وتأول كلام سيبويه المتقدم ذكره بأن ما قاله تفسير معنى الكلام لا تقدير للعامل، وإنما العامل أفعل.
وقوله: (لم يهن) معناه لم يضعف، وهو من: وهن الشيء يهن وهنا إذ ضعف ووهنته أنا ووهنته أصله يوهن فاعل بحذف الواو لوقوعها بين ياء وكسرة.
وفي هذا الموضع سؤال، وهو أن شرح كلام الناظم جرى على أن مراده في قوله: (ونحو زيد مفردًا) إلى قوله: (مستجاز لم يهن) أراد به أن أفعل التفضيل هو العامل في الحال مع التقديم، وليس في كلامه نص على ذلك؛ إذ غاية ما قال: إن هذا المثال وما كان مثله مستجاز عند العرب غير ضعيف، وليس فيه أن العامل هو أفعل أو غيره، لا تعيين في كلامه لشيء من ذلك.
والجواب عنه: أن الناظم وإن لم يذكر ذلك نصًا قد أشار إليه بما هو مبين لمقصوده، وذلك أن كلامه في هذا الفصل في تقديم الحال على عامله، وما يجوز من ذلك، وما يمتنع، فقدم أن الذي يتقدم عليه الحال من العوامل هو المتصرف من الأفعال، وما أشبهها، فخرج أفعل التفضيل عن جواز تقدين الحال عليه حسب ما وقع في تفسيره، ثم استثنى من ذلك صورة هي هذه منبهًا عليها بقوله: (مستجاز لم يهن)، أي: لم يضعف كما ضعف تقديم الحال على أفعل التفضيل إذا لم يتكرر الحال، وكما ضعف تقديم الحال على عاملها المجرور في قولهم: زيد مستقرًا في هجر، فحصل بهذا المساق، وهذا الاقتران أن المستجاز هنا هو التقديم على العامل غير المتصرف الذي هو أفعل التفضيل المذكور في مثاله، لا (كان) مضمرة، ولا غير ذلك، إذ لا يستقيم فهمه على اعتبار غير أفعل في العمل وهو الظاهر. والله أعلم./ ثم قال:
والحال قد تجيء ذا تعدد ... لمفرد فاعلم وغير مفرد
стр. 1758
لما كان الحال خبرًا من الأخبار، وكان الخبر يتحد تارة، نحو: زيد قائم، ويتعدى أخرى، نحو: زيد ناظم ناثر، وعالم شاعر- كان الحال كذلك أيضًا، فيجوز أن يتعدد كما كان ذلك في الخبر، فتقول: لقيت زيدًا راكبًا مصاحبًا زيدًا مفارقًا عمرًا، كما تقول: زيد راكب مصاحب عمرًا مفارق بكرًا، وكما تقول في النعت: رأيت رجلًا راكبًا مصاحبًا زيدًا مفارقًا عمرًا، وذلك سائغ من جهة اللفظ والمعنى، فأخبر الناظم بهذا الحكم وأن الحال قد يأتي متعددًا كان صاحبه مفردًا أو غير مفرد بل متعددًا أيضًا فلا محذور فيه، وهو تنكيت على رأي من منع ذلك كابن عصفور؛ إذ زعم أن عاملًا واحدًا لا ينصب أكثر من حالٍ واحدٍ لصاحبٍ واحدٍ قياسًا على الظرف، قال: كما لا يجوز أن يقال: قمت يوم الخميس يوم الجمعة كذلك لا يقال: جاء زيد ضاحكًا مسرعًا، واستثنى منه ذلك الحال المنصوب بأفعل التفضيل الذي تقدم ذكره. وما قاله ابن عصفور غير صحيح للفرق بين المسألتين، إذ وقع قيام واحد في يوم الخميس ويوم الجمعة، محال، ومجيء زيد في حال ضحك وحال إسراع ممكن غير محال، فما أبعد ما بين الموضعين، وإنما نظير مسألته: جاء زيد راكبًا راجلًا، أو مسرعًا مبطئًا أو رأيته سائرًا قاعدًا، وما أشبه ذلك، هذا هو الذي لا يمكن وجوده إن لم يحمل على وجه يصح ولو بمجاز، وإذ ذاك لا يكون الامتناع من جهة العامل بل من جهة المعنى. وأما الظرفان فلهما حكم آخر غير حكم الحال. وقوله: "لمفرد وغير مفرد" أما مجيئه لمفرد فهو الذي فرغ منه، وأما مجيئه لغير مفرد بل لمتعدد فيتصور ذلك على نحوين:
стр. 1759
أحدهما: أن يكون الحالان أو الأحوال مجتمعة في اللفظ بتثنية، أو جمع إن وجد لذلك موجب.
والثاني: أن تكون مفرقة إن لم يحصل موجب الاجتماع. أما الأول فقد يتفق فيه أن يكون العامل واحدًا وعمله عملًا واحدًا، نحو: جاء زيد وعمرو مسرعين، ومنه قول الله تعالى ﴿وسخر لكم الشمس والقمر دائبين﴾ وقوله تعالى ﴿وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره﴾ ومنه قولهم: هذه ناقة وفصيلها راتعين، على جعل الفصيل معرفة. وقد يكون العامل واحدًا وعمله مختلفًا، نحو: لقيت زيدًا مسرعين، وضار زيد عمرًا راكبين، ومنه قول أمريء القيس:
خرجت بها نمشي تجر وراءنا ... على أرينا ذيل مرط مرحل
فقوله (نمشي) حال من التاء في خرجت، والهاء في (بها). وقول عنترة:
متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا
ففردين حال من الضميرين المتصلين بتلق. وقد يكون الفاعل متعددًا والعمل
стр. 1760
متحدًا، نحو: جاءني زيد وأتاك أخوه مسرعين، وذهب بكر وانطلق رجل آخر مبادرين، وما أشبه ذلك، وقد يكون العامل متعددًا وعمله مختلفًا نحو: هذا زيد مع عمرو مارين، ورأيت زيدًا مع امرأة ماشيين، وما أشبه ذلك. وأما الثاني وهو تفريق الحالين أو الأحوال/ فقد يتفق- أيضًا- إعراب صاحبي الحالين، نحو أقبل زيد وهند محبوبة محبًا، وجاء زيد والعمران باكيين ضاحكًا. وقد يختلف الإعراب نحو: لقيت زيدً مصعدًا منحدرًا. ومنه بيت امرئ القيس:
* خرجت بها نمشي تجر وراءنا *
فتجر حال من الهاء في (يها) ونمشي حال من الضميرين معًا. وقال عمرو بن كلثوم:
وأنا سوفتدركنا المنايا ... مقدرة لنا ومقدرينا
فمقدره حال من المنايا، ومقدرين حال من الضمير المنصوب في تدركنا. وأنشد في الشرح:
عهدت سعاد ذات هوى معنى ... فزدت وعاد سلوانًا هواها
ولاحظ في هذا القسم تعدد العوامل، وإنما جاء مع اتحاده. والله أعلم.
стр. 1761
وقوله (فاعلم) جملة اعتراضية تفيد توكيد النظر في هذه المسألة وتحصيلها، وأنه مما لا ينبغي أن يغفل؛ إذ تعدد الحال مع اتحاد صاحبه قد أنكره فإياك أن تنكره، فإن الإقرار به هو الصواب.
وعامل الحال بها قد أكدا ... في نحو: لا تعث في الأرض مفسدا
وإت تؤكد جملة فمضمر ... عاملها، ولفظها يؤخر
هذا فصل الحال المؤكد، فإن الحال عل ضربين: مبينة، ومؤكدة. فالمبينة هي الأصل فتكلم عليها بحكم الإطلاق، ثم خص الكلام على المؤكدة، وإنما بين الناظم هنا ما يؤكده بها، وهو العامل فيها أو الجملة الواقعة قبلها، فدل ذلك من كلامه أنها تأتي للتوكيد، ثم إن توكيدها حسب ما قرر عليه وجهين: أحدهما: أن تكون مؤكدة للعمل فيها، وهو قوله: (وعامل الحال بها أكدا) يعني أن الحال تعطي من المعنى ما يعطيه العامل فيها لكن أتى بها توكيدًا على حد ما يؤكد المفرد بالمفرد، والجملة بالجملة، بل كما يؤكد الفعل بمصدره، ومثل ذلك قوله: (لاتعث في الأرض مفسدًا) فإن مفسدًا حال مؤكده لمعنى: لا تعث، لأن معناه: لا تفسد، تقول: عثا يعثو، وعثى يعثي عثوًا في الأول، وعثا في الثاني. وعلى اللغة الثانية جاءت الآية الكريمة ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾. ومثال الناظم يحتمل الضبطين على اللغتين. وعلى الجملة فالحال المؤكدة لعاملها لما كانت مؤكدة لمعناه تارة تأتي موافقة في اللفظ والمعنى، وتارة تأتي موافقة له في المعنى خاصة.
فأما الموافقة في المعنى فقط فهو الممثل به، وكأنه أشار إلى الآية الكريمة ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ ومنه أيضًا قوله ﴿ثم وليتم مدبرين﴾
стр. 1762
وقوله ﴿ويوم أبعث حيا﴾ وقوله ﴿فتبسم ضاحكًا من قولها﴾ ومنه ما أنشده لأمية بن أبي الصلت:
سلامك ربنا في كل فجر ... بريئًا ما تغنثك الذموم
فسره أبو الخطاب على معنى: براءتك ربنا في كل فجر. وأما الموافقة فيهما كقوله:
قم قائمًا قم قائمًا ... إني عسيت صائمًا
وينشد أيضًا:
قم قائمًا قم قائمًا ... صادفت عبدًا نائمًا
وأنشد في الشرح:
أصخ مصيخًا لمن أبدى نصيحته ... وألزم توقي/ خلط الجد باللعب
стр. 1763
وهذا الضرب قليل بخلاف الموافقة في المعنى فقط، فإن ذلك كثير؛ لأن العرب تتحاشى في أكثر كلامها عن التكرار اللفظي، ولكن فد جاء في القرآن الكريم ﴿وأرسلنا للناس رسولًا﴾ ﴿وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره﴾، ولأجل قلة هذا القسم لم يُمثل به الناظم، وإنما مثل بالأول؛ لأن الباب الغالب، وترك التمثيل بالآخر؛ لأنه ليس في درجته، ولكنه في المعنى لاحق بالأول. ويمكن أن يكون أتى بالمثال تقييدًا لما تقدم من لإطلاق الحكم حتى يكون قاصدًا لإخراج نحو: قم قائمًا؛ لأنه عنده غير مقيس، فلا يجوز على هذا التنزيل أن تقول: خرجت خارجًا، ولا ضربت زيد ضاربًا، ولا ما أشبه لك. وهو خلاف ما يظهر منه في التسهيل. وقد نص في الشرح أنه قليل، فذلك احتمل هذا التمثيل البيان، واحتمل التخصيص والتقييد، وتوجيه كل واحد من الوجهين ظاهر، فإن الجميع مستند إلى السماع، فيمكن أن يقول بالقياس لمجيئه في الكلام، وإن كان قليلًا كعادته، في أمثال ذلك، ويمكن أن يقول بوقفه على السماع لقلة استعماله وضعف قياسه.
والثانيمن وجهي الحال المؤكدة: أن تقع مؤكدة لمعنى جملة ليس واحد من جزئيها بصالح للعمل في الحال، ولا يكون ذلك إلا وهما اسمان جامدان، وذلك قوله: (وأن تكون جملة) يريد: ليس فيها ما يصلح للعمل، ويعين هذا المقصد أنه لو كان واحد من جزئيها صالحًا للعمل لكانت الحال مؤكدة له،
стр. 1764
ودخلت في قوله أولًا (وعامل الحال بها قد أكدا) ولذلك جعل هنا العامل مضمرًا، فلو كان ثم ما يصلح للعمل لم يحتج إلى تقديره، ومراده أن الحال قد تؤكد معنى الجملة، فإن أردت ذلك- ولابد من عامل في الحال- فأضمر لها عاملًا، إذ المنصوب مفتقر إلى ناصب، أما التوكيد بها، فنحو: قولك: هو الحق بينًا، وهو زيد معروفًا، وأنا زيد معلوم المرتبة، وما أشبه ذلك مما يكون فيه المبتدأ والخبر معرفتين؛ لأن مقصودك أن تخبر عن المكور باسمه المعروف به من كان يجهله، أو ظن أنه يجهله ثم أتيت بالحال تؤكد أن المذكور زيد وتحققه، وكأنك إنما أردت بقولك: هو زيد أنه هو المعروف المعلوم الخبر والقصة فأكدت ذلك المعنى بالحال. وعلى هذا لا يجوز أن تذكر بعد هذه الجملة من الأحوال إلا ما يعطيه قصد الجملة أولًا من اليقين، نحو ما مثل به، وأنشد سيبويه لسالم بن دارة:
أنا ابن دارة معروفًا له نسبي ... وهل بدارة يا للناس من عار
أو الفخر بصفةٍ يفخر بها، نحو: أنا زيد شجاعًا، وأنا عبد الله كريمًا. ومنه ما أنشده ابن خروف من فول الشاعر:
فإني الليث مرهوبًا حماه ... وعيدي زاجر دون افتراسي
وقول الآخر:
стр. 1765
وقد علمت عرسي مليكة أنني ... أن الليث معديًا عليه وعاديا
أو التعظيم، نحو: هو زيد عظيمًا في قومه، وأنا زيد جليلًا مهيبًا. أو التحقير، نحو أن عبدك فقير إلى رحمتك/ وأنا عبد الله آكلًا كما يأكل العبد. أو التهديد والوعيد وقد يكون منه قول الشاعر:
فإني لليث مرهوبًا حماه ... وعيدي زاجر دون افتراسي
وهو أظهر من كونه فخرًا، ومنه قولك: أن زيد متمكنًا منك، وما أشبه ذلك. ولا يكون الحال هنا بغير ذلك مما لا ينبئ عنه معنى الجملة، كما تقول: أنا زيد قاعدًا، وهو زيد منطلقًا، فإن معنى الجملة لا يُشعر بالحال فليست الحال مؤكدة كما كانت مؤكدة في قولك: أنا زيد معروفًا، فلو فرض أن يكون في الجملة مع منطلق معنى التنبيه والتعريف كما كان مع معروف لجاز، كما إذا قيل ذلك الكلام خلف حائط أو موضع يجهل فيه المسمى؛ لأنه جواب لمن قال: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله فإنه لو يعرفه باسم قد علمه، فكأنه قال: أنا من تعرف منطلقًا في حاجتك فهذا جائز؛ فإنه في عداد قولك: أنا عبد الله معروفًا، فهذا كله يجري هذا المجرى. وقد جرى مجرى التصدير بالضمير التصدير باسم الإشارة، فتقول: هذا زيد معروفًا أو فاخرًا، أو نحو ذلك، وكذلك: أخوك زيد معروفًا، والذي في الدار زيد مشهورًا، وما كان نحو ذلك؛ فلهذا لم تحتج الناظم إلى تقييد المبتدأ بأن يكون ضميرًا وإن كان ذلك فيه كثيرًا.
فإن قيل: فكان حقه استيفاء ما تحتاج إليه الجمل المذكورة من القيود المعتبرة في الإتيان بالحال المذكورة، وهي أن يكون جزآها معرفتين جامدين جمودًا
стр. 1766
محضًا، أما كونهما جامدين فقد تقدم التنبيه على، وأما كونهما معرفتين فلا دليل في كلامه على ذلك، وهو قيد ضروري، إذ لا يقال: أنا أخ لك معروفًا، ولا: هو رجل معروفًا إلا والحال غير مؤكدة، لأن الجملة لا تنبئ عن ذلك.
فالجواب: أن قوله (وإن تؤكد جملة) يستلزم أن الجملة تعطي من المعنى ما تعطيه الحال حتى يصدق عليها أنا مؤكدة لمعنى الجملة، وإذا كان كذلك لم يتصور أن تكون الجملة إلا مركبة من معرفتين كما تقدم بيانه، فإن كان أحد جزأيها نكرة لم يتصور، فلا يصدق أن الحال مؤكدة، فترك التقييد بذلك اعتمادًا على هذا المعنى. والله أعلم.
وأما العمل في هذه الحال فليس في اللفظ ما يمكن أن يجعل عاملًا فلابد من تقديره، وقد اختلف فيه النحويون، فمذهب الناظم أنه مضمر، وهو فعل تفسره الجملة، وذلك: أحق ونحوه، أو أعرفه، أو أتحققه، أو شبه ذلك، فإذا قلت: هو زيد معروفًا، فالتقدير: أحقه أو أعلمه معروفًا، وإذا قلت: أنا زيد معروفًا، فالتقدير: اعرفني، أو أعرف، أو نحو ذلك. وهذا مذهب السيرافي.
وذهب الزجاج إل أن العامل هو الخبر لتأوله بمسمى ونحوه. وذهب ابن خروف إلى أن العامل هو المبتدأ بما فيه من معنى تنبه. والظاهر من كلام سيبويه أن العامل معنى الجملة لا معنى المبتدأ بانفراد، ولا الخبر بانفراد، إذ معناها إذا قلت: هو زيد معروفًا، أي انتبه له، أو ألزمه معروفًا، فإنما/ قدر معنى قدر الجملة، وأما تقدير ذلك في المفرد فمتكلف، ولأنه أمر معنوي فلا يكون إلا من الجملة، وعلى هذا يقرب رأي الناظم، ويؤنس به بأنه قد يريد
стр. 1767
ههنا تقدير فعل عليه الجملة ما تقدم في المصدر المؤكد لنفسه إذا قلت: له علي ألف درهم عُرفًا؛ إذ هو عنده وعند غيره على إضمار الفعل المتروك إظهاره، فكذلك ينبغي أن يكون هذا. وهو ظاهر. واعلم أن قوله: (فمضمر عاملها) تنبيهًا على مسألتين: إحداهما: التنكيت على مذهبي الزجاج وابن خروف، أي ليس العامل بظاهر في اللفظ كما يقوله المخالف، بل هو مضمر يدل عليه الكلام. والثانية: التنبيه على لزوم الإضمار، ودل على ذلك تقديمه الخبر في قوله (فمضمر عاملها) إشعارًا بتأكيد الحكم بذلك، وكذلك الأمر فيه؛ إذ لا يجوز إظهاره، فلا تقول: أنا زيد اعرفني معروفًا، وذلك لأنهم جعلوا الجملة كالبدل من اللفظ بالعامل كما جعلوا الجملة في قولهم له علي [ألف عرفًا] عوضًا عن العامل في المصدر. ولا أعلم في هذا الحكم خلافًا.
ثم قال: (ولفظها يؤخر) الهاء عائد على الحال، ويعني أن الحال في هذه المسألة يؤخر، ولا يجوز تقديمه فلا تقول: معروفًا هو زيد، ولا شجاعًا أنا زيد، وكذلك لا تقول: أنا معروفًا زيد، ولا أنا شجاعًا زيد، وإنما لزم تأخيرها لأنها إنما أعطت من المعنى ما أعطت الجملة من قبل، إذ كان قولك: هو زيد، أو أنا زيد معناه: أنا المعروف أو هو المعروف أو أعرفني أو أعرفه، فصار قولك: معروفًا يعطي عين ما يعطيه: أنا زيد، وهو زيد، فصار كالجملة المؤكدة لجملة أخرى، أو المفرد المؤكد لما قبله. ومن شأن المؤكد التأخير عن المؤكد. وأيضًا الجملة إذا قامت مقام العامل لم يبق للعامل ذلك التصرف الذي كان قبل أن يُحذف، ويُعوض عنه، يُبينه أنك لا تقول: صوت حمارٍ له صوت، ولا: عرفًا له على ألف، ولا حقًا أنت ابني، ولا ما أشبه ذلك، بل يلزم المعمول التأخير لعدم تصرف ما ناب عن العامل.
стр. 1768
فإن قيل: هذا الحكم الذي قرر من لزوم تأخير الحال هل هو مقتصر به على الحال المؤكد بها الجملة أم هو شامل للحال المؤكدة كانت مؤكدة لعاملها أو للجملة؟ .
فالجواب: أن الظاهر من كلامه الاقتصار على المؤكد بها الجملة. وأيضًا فإن العامل النائب عنه غيره لا يقوى قوة العامل الظاهر كما تقدم بخلاف نحو: (لا تعث في الأرض مفسدًا). فإن العامل لفظي وهو قوي كما في المصدر المؤكد، فكما يجوز تقديم المصدر المؤكد على عامله كذلك يجوز هنا، فإذا قوله (ولفظها يؤخر) راجع إلى الوجه الثاني، وهو الحال المؤكد للجملة. والله أعلم.
ثم قال:
وموضع الحال تجيء جملة ... كجاء زيد وهو ناوٍ رحله
لما كانت الحال خبرًا من الأخبار، وكان الخبر يأتي مفردًا، وهو الأصل، ويأتي جملة في موضع المفرد/ جاءت الحال كذلك، وكذلك النعت، فالثلاثة جارية من وادٍ واحد، فالأصل في الحال أن تأتي مفردة ثم أنها قد تأتي جملة، وتكون تلك الجملة مقدرة بالمفرد الذي يقع عليه النصب على الحال، وقد ذكر حكم المفرد فيما فمضى فأخذ يذكر حكم الجملة، فيريد أن الحال قد تأتي في موضعها جملة، وهذا مشعر بأن الجملة ليست الحال بنفسها بل هي في موضعها فحيث جاءت كذلك فلابد من تقديرها بالمفرد، لأنه الأصل فيها، وأيضًا لم يقيد الجملة بكونها اسمية أو فعلية فدل على أن كل واحدةٍ منهما في موضع الحال، فتقول: جاءني زيد وهو ضاحك، وجاءني يضحك ...
فإن قيل: تقييده بالمثال يُشعر بأنها إنما تكون اسمية، لأن التقدير: وموضع الحال تجيء جملة تسبه هذه الجملة، وقوله (وهو ناوٍ رحله) جملة اسمية، فكأن التقدير: وموضع الحال تجيء جملة اسمية، فخرجت الفعلية عن ذلك، وهو غير صحيح.
стр. 1769
فالجواب: أن مراده الجملة على [نوعيها، والدليل] على ذلك قوله بعد (وذات بدء بموضع ثبت) وهذا تفصيل لمجمل قد [سبق، والجملة المبدوءة] بالمضارع فعلية بلا بد، فالجملة في كلامه إنما المقصود بها كيف كانت، وإنما أتى بالمثال إشعارًا بقيد آخر ضروري للجملة الواقعة حالًا، وهو كونها خبرية، فإن الطلبية لا تقع في موضع الحال، لو قلت: جاء زيد كيف حاله؟ أو جاء زيد هل رأيته؟ على أن تكون الجملة الطلبية في موضع الحاللم يصح، كما لا يكون ذلك في النعت لأنهما من باب واحد، ألا ترى أن النكرة يجري الحال عليها نعتًا في الأكثر، ولا تقع حالًا إلا قليلًا، بخلاف المعرفة فإنه لابد من انتصابها معه، إذ لا يصح جريانها نعتًا عليها، فالحال جارية بين شبه خبر المبتدأ أو شبه النعت، فتأخذ من الخبر أحكامً كثيرة، ومن النعت أحكامًا أخر. وهذا الموضع مما غلب فيه شبه النعت، فلذلك لا تقع جملة الحال طلبية، كما لم تقع جملة النعت حسب ما يذكره. ثم أتى بمثال للجملة الحالية، وهو قوله: جاء زيد وهو ناوٍ رحله، أي: جاء: في هذه الحال، والتقدير جاء زيد ناويًا رحلة، فقد وقع (وهو ناوٍ) موقع قولك: ناويًا، والشأن أبدًا أن تقدر المفرد من الخبر، لا من المخبر عنه، ففي الجملة الفعلية تقدرها من الفعل، وفي الجملة الاسمية تقدرها من خبر المبتدأ، لأن ذلك هو محل الفائدة، فتقول في قولك: جاء زيد يضحك: جاء ضاحكًا، كما قلت: جاء زيد ناويًا رحلة، وهكذا الأمر في خبر المبتدأ إذ وقع جملة، وفي النعت كذلك لا فرق بينهما. وهذا ضابط لابد منه، لكنه قد يعرض في ذلك عوارض لفظية ربما يُشكل على
стр. 1770
من لم يثبت قدمه في هذه الصناعة، ولعله يأتي من ذلك في أثناء الكلام على بعض المسائل التقديرية في الحال أو في النعت إن شاء الله.
فإن قيل: هذا الحكم الذي أتى به مجملًا للجملة الحالية ناقصة الشرائط، فإن جملة الحال لها شرط آخر لابد منه، وهو ألا تكون مفتتحة بدليل استقبال، وقد اشترطه في التسهيل، وهو ضروري أيضًا، إذ لا تقول: جاء زيد سيضحك ولا جاء زيد لمن يضحك، ولا ما أشبه ذلك للتناقض بين الحال /٢٤٠/ والاستقبال، وليس في/ الإتيان بذلك المثال ما يشعر بهذا الشرط؛ لأنه من الجملة الاسمية بمعزل؛ إذ دلائل الاستقبال يختص الاستفتاح بها الجملة الفعلية فيوهم إطلاقه دخولها، وهو غير صحيح.
فالجواب: أن دلائل الاستقبال عارضة الدخول على الأفعال ليست بأصلية لها، فالسابق للفهم من الجملة الفعلية ما كان للفعل أول سابقٍ فيهما من غير شعور بما يتقدمه أداة من الأدوات، وإذا ثبت هذه فالعوارض لها أحكام إذ عرضت، ولا يلزم من ثبوت حكم أصلي في موضع أن يكون ثابتًا له مع العوارض الطارئة، فلا يلزم إذًا التحرز منه ابتداء في تقرير الحكم الأصلي؛ فلذلك لم يتحرز من الجملة المفتتحة بدليل استقبال.
فإن قيل: لم لم يذكر هنا وقوع الظرف والمجرور حالًا ألكونهما بمعزل عن ذلك أم لكونهما يدخلان تحت حكم المفرد إن قدروا بالمفرد، أو حكم الجملة؟ [وقد ترك] ذكرهما في التسهيل وهنا فما وجه ذلك؟ فالجواب: أن
стр. 1771
الظرف والمجـ[ـرور لا مانع يمنع من وق] سوعهما حالين كما يقعان صفة وخبرًا، فأنت إذا قلت: ضرب زيد عمرًا في الدار، أو: ضرب زيد عمرًا أمامك أو يوم الجمعة فجائز أن يكونا متعلقين بضرب، وعلى هذا لا يكونان حالين. وجائز أن يكونان متعلقين باسم فاعل حالٍ من المفعول وحده، أو من الفاعل وحده. وأن يكون حالًا منهما معًا. وقد حمل الزمخشري قولهم: لقيته عليه جبة وشي على أنه في تقديره: مستقرة عليه جبة وشي. وتأول ابن العصفور قولهم: رأيت الهلال من داري من خلل السحاب، على أن يكون (من خلل السحاب) متعلقًا باسم الفاعل على تقدير: باديًا من خلل السحاب، وحمل ابن مالك قول الله تعالى ﴿فلما رآه مستقر عنده﴾ على أن مستقرًا هو ذلك المحذوف في قولك: رآه عنده- ظهر في الآية، ولا شك أنه حال من الهاء في رآه، فكذلك الحكم لو لم يظهر على مذهبه. وحدثنا شيخنا الأستاذ أبو عبيد الله بن الفخار- ﵀ عن شيخه أبي إسحاق الغافقي أنه كان يقول: الظرف والمجرور الذي في معناه لا يتعلق واحد منهما بالفعل المذكور إلا بشرط أن يكون الفاعل والمفعول في ذلك المحل، فإن كان فيه أحدهما دون الآخر كان الظرف أو المجرور متعلقًا بحال من الكائن في ذلك المحل، قال: وعلى ذلك يُحمل قول امرئ القيس:
فشبهتهم في الآل لما تكمشوا ... حدائق دوم أو سفينًا مقيرًا
فقوله (في الآل) متعلق بحالٍ من ضمير المفعول دون الفاعل، لأنه لم يكن معهم
стр. 1772
في الآل؛ لأن الآل لا يُرى إلا عن بعد، قال: وكان يقول على ذلك: رأيت أمامك زيدًا خلفك، فيكون أمامك معلقًا بحالٍ من الفاعل، وخلفك معلقًا بحال من المفعول. فإذا تقرر هذا فلا يمتنع وقوع الظرف والمجرور في موضع الحال، ويكون الناظم اكتفى بذكر المفرد عن ذكر بناءً/ على أنه في تقدير المفرد، ويمكن أن يكون في تقدير الجملة، كما يمكن ذلك في النعت، وقد أجاز الوجهين في باب الابتداء في قوله:
* ناوين معنى كائن أو استقر *
ثم قال:
وذات بدء بمضارع ثبت ... حوت ضميرًا، ومن الواو خلت
وذات واو بعدها انو مبتدأ ... له المضارع اجعلن مسندًا
فقسم الجملة الواقعة في موضع الحال إلى قسمين: أحدهما المصدرة بالفعل المضارع المثبت غير المنفي. والثاني ما سوى ذلك. فأما القسم الأول فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون بلا واو، والآخر أن يكون بالواو، فقوله: (وذات بدء بمضارع ثبت) يريد أن الجملة المبدوءة بالمضارع إما أن تكون قد دخلها نفي أو لا، فإن دخلها النفي فيأتي حكمها، وإن لم يدخلها نفي بل كان المضارع فيه مثبتًا فلابد فيها من ضمير يعود على ذي الحال، كما يلزم في الصفة والخبر إذا وقعا بالجملة؛ ليربط بين الحال وصاحبها كانت الجملة بالواو أو دونها، فتقول: جاء زيد يضحك، وجاء أخوك يضحك، ففاعل الفعلين هو الضمير العائد على ذي الحال، ودل على ذلك بقوله: (ومن الواو خلت ... وذات واو) يريد أن الضمير لابد منه مطلقًا فقوله: (ومن الواو خلت) جملة في
стр. 1773
موضع الحال من الضمير (في حوت) وهي مصدرة بالماضي عاريًا من قد، كأنك قلت: حوت ضميرًا من الواو. وقوله: (وذات الواو) معطوف على موضع الجملة، أي: خالية من الواو، وذات واو. ثم قال (بعدها انو مبتدأ) فأتى بجملة مستأنفعة تبين حكم المضارع بعد الواو أنه على تقدير مبتدأ يكون المضارع خبرًا له، فقولك: جاء زيد ويضحك، في تقدير: وهو يضحك.
فإن قيل: هذا التفسير غير لائق وظاهرة عدم الارتباط بين قوله: (بعدها انو مبتدأ) وبين ما قبله، فلم لم تجعل الجملة الأولى وهي قوله: (ومن الواو خلت) حالًا، وقوله: (وذات واو بعدها انو) جملة أخرى مستأنفة، ويكون المعنى: أن الجملة ذات واو لابد أن ينوى بعد الواو فيها المبتدأ، وما المانع من هذا التفسير؟ حتى تكلف في البيت هذا التكلف.
فالجواب: أن الضرورة دعت إلى ذلك؛ لأن قوله: (حوت ضميرًا) يحب أن يكون قيدًا في الجملتين معًا ذات الواو والعارية من الواو، إذ لا يقال جاء زيد ويضحك عمرو، على أن الجملة في موضع الحال، فلو جعلت قوله: (وذات واو) جملة منقطعة من الأولى لاقتضى استغناء ذات الواو عن الضمير، بل كان يقتضي بحكم المفهوم ألا تكون ذات ضمير أصلًا، لأنه قيد الجملة العارية من الواو بأنها حوت ضميرًا، فاقتضى أن ذات الواو على خلاف ذلك، وذلك غير صحيح، / ولا يضر جعل قوله: (بعدها انو مبتدأ) جملة مقطوعة، لأنه قد يفعل مثل ذلك كقوله في باب ظن:
وإن، ولا، لام ابتداء أو قسم ... كذا، والاستفهام ذا له انحتم
وغايته في القبح أن يكون حذف حرف العطف، وذلك في نظمه شائع،
стр. 1774
وعلى هذا فقد أعطى كلامه أمرين: أحدهما: أن لابد من ضمير في الجملة المصدرة بالمضارع، كانت بواو أو بغير واوٍ، فإنك لا تقول: جاء زيد يضحك عمرو، ولا يضحك عمرو. والثاني: أن النوعين معًا جائزان في الكلام قياسًا؟ ؛ إذ لم يُفرق بينهما. فأما العارية من الواو فلا إشكال في جواز القياس فيها، وأما المصدرة بالواو فمن الناس من يمنع القياس فيها، فلا تقع عندهم حالًا إلا أن يُتلقى مسموعًا لقلة ما جاء من ذلك؛ لأن القياس يأباه، فإن المضارع في تقدير اسم الفاعل، وأنت لو قلت: جاء زيد وضاحكًا لم يستقم، وكذلك ما كان في تقديره. وأجاز ذلك ابن مالك في التسهيل لكن قليلًا، فقال هنالك: "وقد تصحب الواو المضارع المثبت أو المنفي بلا فيجعل على الأصح خبر مبتدأ مقدر" لكن القياس فيه جاز عنده، واستدل على ذلك بالقياس، والسماع. فالسماع نحو ما رواه الأصمعي من قولهم: قمت وأصك عينه وقول عنترة:
علقتها عرضًا وأقتل قومها ... زعمًا ورب البيت ليس بمزعم
وقال زهير:
بلين وتحسب آياتهن ... عن فرط حولين رقًا محيلا
وقال عبد الله بن همام السلولي:
стр. 1775
فلما خشيت أظافيرهم ..... نجوت وأرهنهم مالكًا
فقوله: (وأوصك عينه) جملة في موضع الحال، وكذلك: (وأقتل قومها)
وقوله: (وتحسب آياتهن) وقوله: (وأرهنهم)، قال المؤلف: "ويمكن أن يكون من هذا قول الله تعالى ﴿قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه﴾ وقوله ﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله﴾. فهذا كله مما يقوي الجواز. وأما القياس فكما تقع سائر الجمل الفعلية حالًا فكذاك هذه، وما ألزموه من التقدير الفاسد فلا يلزم؛ فإنه كما تقدر الجملة الاسمية ذات الواو بغير واو فكذلك تقدر الجملة الفعلية ذات الواو بغير واو.
فإن قيل: الفعل المضارع في تقدير اسم الفاعل، فإذا تقدمته الواو كان بمنزلة تقدمه على اسم الفاعل، فكما لا تقول: جاء زيد قائمًا، كذلك لا يجوز: جاء زيد ويقوم، بخلاف الجملة الاسمية فإن المبتدأ فيها ليس في تقدير اسم الفاعل، فلا يقبح أن يتقدم الواو عليها، وإذ ذاك لا تتقدر الحال بعد الواو بغير واوٍ، وإذا ثبت هذا فالجملة كلها إذا كانت اسمية في موضع الحال، فلا تذكر الواو مع تقديرها، وإذا كانت فعلية فالفعل وحده هو الواقع في موضعه، فلذلك لزم ذكرها في التقدير؛ وسبب ذلك كله أن الواو تصلح مع الجمل، لأنها كأنها عاطفة جملة على جملة فروعي اللفظ فجاز الإتيان بالعاطف، فإذا قدر المفرد لم تصلح الواو؛ لأن عطف المفرد على جملة لا موضع لها من الإعراب لا
стр. 1776
يصح، فإذا أتى بالحال/ جملة مصدرة بالمضارع كان المضارع مقدرًا بالمفرد؛ لأنه على وزانه، ومموله عليه- أعني اسم الفاعل- فلم تصلح الواو معه ولذلك لزم الضمير، فإذا أجيز دخول الواو كان تجويزًا لدخولها على المفرد فكان (ويضحك) في تقدير: ضاحكًا، وذلك فاسد.
فالجواب: أن هذا منتقض بالفعل الماضي فإنه مقدر باسم الفاعل ومع ذلك فلم تمتنع الواو، فتقول: جاء زيد وضحك، وإن كان في تقدير: وضاحكًا؛ اعتبار بلفظ الجملة الآن، وإذا قدر المفرد سقطت الواو، فكذلك تقول في المضارع: إن الواو دخولها من حيث كان لفظه مع فاعله لفظ الجملة. والتقدير بالمفرد أمر آخر تسقط معه الواو، فإن العرب تراعي أحكام اللفظ وتحافظ في التقديرات على ما يليق بها، ويُصدق هذا وجود الواو مع المضارع سماعً كما تقدم كما وجدت مع الماضي، فلا فرق بينهما في المعنى. وهذا كله مع عدم التعرض إلى التأويل الذي ذكر مع كون المضارع يُقدر قبله المبتدأ. ثم إنه لم يكتف بهذا الطريق من الاستدلال حتى جعل الجملة الفعلية في تقدير الاسمية بأن قال (بعدها انو مبتدأ) إلى آخره، يريد: قدر بعد الواو مبتدأ يكون الفعل المضارع مسندًا إليه- أي خبرًا عنه- فقوله: قمت وأصك عينه في تقدير: وأنا أصك عينه، وكذلك قول عنترة: (وأقتل قومها) تقديره: وأنا أقتل قومها، وكذلك سائر الأمثلة، فإنه إذا كان الأمر في المسألة على هذا التقدير صارت في عداد الجمل الاسمية، ولم يبق إشكال، ولا احتيج إلى اعتذار عن الواو. والذي يسوغ تقدير المبتدأ هنا أن الباب الأكثر والطريق المهيع مع المضارع تقدم الاسم عليه إذا وقعت جملته حالًا، فتقول: جاء زيد وهو يضحك، وضربته وأنا أبكي، وما أشبه بذلك، فإذا كان معظم الباب هكذا حملنا على الأقل- وهو
стр. 1777
عدم ظهور المبتدأ مع الواو- على ما هو الأكثر فقدرناه على القاعدة المستمرة في حمل ما خُفي على ما ظهر، ولا يدل هذا التأويل على الوقف على السماع؛ إذ يمكن القياس على ذلك تأويل بعينه، وهذا صحيح من الاعتبار. ويمكن في ترتيب هذا الكلام وجه آخر وه أن يكون قوله (حوت ضميرًا ومن الواو خلت) معطوفًا أحدهما على الآخر، واقتضى المضارع المثبت يقع حالًا بشرطين: أحدهما: أن يكون معه ضمير يعود على ذي الحال. والآخر: أن يخلو من واو تتقدمه، فيكون الخلو من الواو شرطًا لازمًا في القياس. وقوله (وذات واو) إلى آخره جملة مستقلة تفيد تأويل ما جاء من المضارع المثبت حالًا، وقد دخلت عليه الواو، بأن يكون على إضمار مبتدأ، كأنه قال: إن جاءت جملة المضارع بالوا فقدر قبلها المبتدأ- أعني قبل الجملة وبعد الواو- لتخرج بذلك الملة عن كونها مبدوءة بالمضارع، وانتصب (ذات) على إضمار فعل من باب الاشتغال يفسره قوله: انو مبتدأ) ولا يُعترض هذا التفسير بما تقدم من توهم استغناء ذات الواو عن الضمير، لأن شرط احتواء الجملة على ضمير ثابت لم يتخلف عنه شيء بخلاف شرط الخلو من الواو. وهذا الوجه أسهل مما تقدم لكنه يقتضي المخالفة لما ذهب إليه/ في التسهيل من أن ذلك قياس، فإن هذا التنزيل يقتضي كون دخول الواو موقوفًا على السماع من حيث أولها على إضمار المبتدأ بعدها، ولو كانت المسألة عنده قياسًا لم يحتج إلى ذلك، ونظير هذا قوله في الإلغاء في باب ظن:
وانو ضمير الشأن أو لام ابتدا
من موهم إلغاء ما تقدما
إلا أن هذه المخالفة لا تضر؛ فهو بذلك موافق لأكثر النحويين في أنه لا يجوز في الكلام: جاء زيد ويضحك، وكثيرًا ما يرى هنا خلاف ما يراه هنالك. وقد تقدم منه أشياء، وستأتي أخر غن شاء الله. وإذا قلنا بالتفسير الأول، وأن ابن مالك وافق هنا قوله في التسهيل فكونه ذهب إلى التأويل بإضمار المبتدأ نبذ لمذهب
стр. 1778
من لم يره، فإن من النحويين من لم يقدر شيئًا كما لم يحتج إلى تقديره مع الماضي. وهذا رأي من قوي عندما تقدم من الاحتجاج غير أن الناظم حمل الأقل على الأكثر كما تقدم، وفرق بين المضارع والماضي بأن الماضي قد كثر فيه مصاحبة الواو فدل على أن ذلك فيه أصل، وانه غير راجع إلى غيره، بخلاف المضارع فإن قلة مصاحبته للواو دل على أن له أصلًا يرجع إليه. وهذا من باب الاستدلال بالأثر، فلذلك رأى الناظم رأي الإضمار. والله أعلم.
وأما القسم الثاني من قسمي جملة الحال فهو الذي قال فيه الناظم:
وجملة الحال سوى ما قدما ... بواو أو بمضمر أو بهما
يعني أن عدا ما تقدم من الجمل الواقعة موقع الحال تارة تكون بالواو خاصة من غير أن يكون فيها ضمير عائد على صاحب الحال، وتارة يكون فيها ضمير من غير واو تدخل عليها، وتارة تجمع بينهما فتكون ذات واو وضمير معًا. والذي قدم من الجمل هو الجملة المصدرة بالفعل المضارع المثبت بواو كانت أو بغير واو، والذي بقي من الجمل الثلاث، وهي: الجمل المصدرة بالاسم مطلقًا كانت موجبة أو منفية، والجمل المصدرة بالمضارع المنفي، والجملة المصدرة بالماضي مطلقًا كانت موجبة أو منفية. وكل واحدة منها تأتي- كما قال- على أحد ثلاثة أوجه: فأما الجملة الاسمية- وهي المصدرة بالاسم- فمثالها بالواو خالية من الضمير قولك: جئت والشمس طالعة، وطلع الفجر وزيد قائم، ومنه قوله تعالى ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نُعاسًا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم﴾. فقوله: ﴿طائفة قد أهمتهم﴾ في موضع الحال، ولا ضمير فيها عائد على صاحب الحال. وقوله تعالى ﴿لئن أكله الذئب ونحن
стр. 1779
عصبة إنا إذًا لخاسرون﴾ وقوله ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وغن فريقًا من المؤمنين لكارهون﴾ وقال امرئ القيس:
وقد أغتدى والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
وقال أيضًا:
إذا ركبوا الخيل واستلاموا ... تحرقت الأرض واليوم قر
وقوله أيضًا:
بعثت إليها والنجوم طوالع ... حذارًا عليها أن تقوم فتسمعا
وهو كثير في الكلام والشعر.
ومثال الجملة الاسمية بالضمير خالية من الواو/ قولك: جاء زيد يده على رأسه، ومنه قول الله تعالى ﴿وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ [فقوله: بعضكم لبعض عدو] في موضع الحال من واو (اهبطوا). وقال تعالى: ﴿قال اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو﴾، وقال تعالى: ﴿ويوم القيامة ترى
стр. 1780
الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة﴾، وكذلك قوله تعالى ﴿نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون﴾. وهي من الجمل الداخل عليها الناسخ، وكذلك قوله: ﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام﴾ وحكى سيبويه: كلمته فوه إلى في، ورجع عوده على بدئه. ومنه قول الشاعر- أنشده الجمهور-:
فعدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها
وقال امرؤ القيس:
حتى تركناهم لدى معرك ... أرجلهم كالخشب الشائل
ومنه في النفي عند ابن مالك ﴿والله يحكم لا معقب لحكمه﴾، وأنشد في الشرح:
من جاد لا من يقفو جوده حمدا ... وذو ندى من مذموم وإن مجدا
وقال عنترة:
стр. 1781
فرأيتنا ما بيننا من حاجز ... إلا المجن ونصل أبيض مقصل وهو كثير.
ومثال ما اجتمع فيه الأمران الضمير والواو قولك: جاء زيد ويد على رأسه.
ومنه في القرآن الكريم: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا أنت تعلمون﴾، وقوله ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنت تتلون الكتاب﴾، وقوله ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾، ومن الشعر قول امرئ القيس:
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال
على أن يكون (وأهلها بيثرب) حالًا من مفعول تنورت، وكذلك قوله:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وقوله أيضًا:
أيقتلني وقد شغفت فؤادها ... كما شغفت المهنوءة الرجل الطالي
وتخييره بين الوجه الثلاثة في الجملة الاسمية يقتضي أنه مخالف لمن زعم خلاف ذلك. ومحل الخلاف الواو، فزعم الكوفيون أنه لازمة في الجملة
стр. 1782
الاسمية، ونحا هذا النحو الزمخشري في المفصل؛ إذ جعل ما جاء من ذلك شاذًا، فقال: "فإن كانت اسمية- يعني الجملة الحالية، فالواو إلا ما شذ من قولهم: كلمته فوه إلى في، وما عسى أن يعثر عليه في الندرة" قال: "وأما لقيته عليه جبه وشي فمعناه مستقرة عليه جبة وشي" وما قال وقالوه غير صحيح، وقد تقدم جملة من كلام العرب في هذا، وهو من الكثرة بحيث لا يُعذر مخالفة، ولذلك أكثرت من المثل والشواهد بحيث لا يمكن فيها ما تأوله الزمخشري. هذا وإن كان ذلك لم يكثر كثرة وجود الواو فإنه جائز قياسًا وذلك ظاهر من كلام سيبويه.
وأما الجملة المصدرة بالمضارع المنفي فمثالها بالواو خالية من الضمير قولك: جاء زيد ولم تطلع الشمس، ومنه قول عنترة:
وقد كنت أخشى أن أموت ولم تقم ... /قرائب عمرو وسط نوحٍ مُسلب
ومثالها بالضمير خالية من الواو قوله تعالى ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء﴾ وقوله ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا﴾
ومنه قول زهير:
стр. 1783
كأن فتات العهن في كل منزلٍ .... نزلن به حب الفنا لم يُحطم
وقول امرئ القيس:
فأدرك لم يجهد ولم يثن شأوه ... يمر كخذروف الوليد المثقب
وقول عنترة:
إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولو أني تضايق مقدمي
ومثال ما اجتمعا فيه قول الله تعالى ﴿أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء﴾ وقوله ﴿قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر﴾. ومنه قول كعب ابن زهير:
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب وإن كثرت في الأقاويل
وقال النابغة الذبياني:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد
وقال الآخر:
стр. 1784
بأيدي رجال لم يُشيموا سيوفهم .... ولم تكثر القتلى بها حين سُلت
والمضارع المنفي بلما كالمنفي بلم قياسًا، إذ لا فرق بينهما، ومما استعمل منه بالواو والضمير معًا قول الله تعالى ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾ الآية، وقوله ﴿أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم﴾. وأما الجملة المصدرة بالماضي فمثال مجيئها بالواو خالية من الضمير قول امرئ القيس:
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها .... لدى الستر إلا لبسة المتفضل
وقول النابغة:
فلو كانت غداة البين منت ... وقد رفعوا الخدور على الخيام
وقول علقمة:
فجالدتهم حتى اتقوك بكبشهم ... وقد حان من الشمس النهار غروب
ومثال مجيئها بالضمير بغير واو قول الله تعالى ﴿أو جاءوكم حصرت صدورهم﴾ وقوله ﴿قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا﴾ وقوله
стр. 1785
﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه﴾. ومنه قول امرئ القيس:
له كفل كالدعص لبده الندى ... إلى حارك مثل الغبيط المذاب
وقوله:
درير كخذروف الوليد أمره ... تقلب كفيه بخيط موصل
وقول النابغة الذبياني:
وقفت بربع الدار قد غير البلى ... معارفها والساريات الهواطل
ومثال اجتماعهما معًا قوله ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقًا منهم يسمعون كلام الله﴾ وقوله ﴿قالوا أنؤمن لك وأتبعك الأرذلون﴾ وقوله ﴿قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون﴾. ومنه قول زهير بن أبي سلمى:
كأني وقد خلفت تسعين حجة ... خلعت بها عن منكبي ردائيا
стр. 1786
وقول علقمة بن عبدة:
يُكلفني ليلى وقد شط وليها ... وعادت عوادٍ بيننا وخطوب
والأصل في الربط بالضمير؛ لأنه هو الرابط في جملة الخبر، وجملة النعت، وقد أدخلت العرب الواو في جملة / الحال، ربطت بها بين الحال وصاحبها واستغنت بها عن الضمير، وقد يجتمعان تأكيدًا للربط، ولكن الجملة لا تخلو من واحد منهما، فلو لم يأت بواحدٍ منهما لم يحصل الربط بين الجملتين، ولا عُلم أن أحدهما قيد في الأخرى، فلو قلت: جاء زيد عمرو ضاحك، أو: أقبل محمد على عمرو قلنسوة، أو: جئت قد قام عمرو، أو: جئت لم يأت أخوك، على أن تكون هذه الجمل أحوالًا لم يجز؛ إذ لم تأت برابط من واو أو ضمير، غير أنه قد تأتي جملة الحال خالية منهما على تقدير الضمير، ويكون جائزًا كقولك: بيع السمن منوان بدرهم، تقديره: منوان منه بدرهمٍ، ومررت بالبر قفيز بدرهم، أي قفيز منه بدرهم، كما تقول: البر قفيز بدرهم، ومررت ببر قفيز بدرهم، وأبعد من هذا ما أنشده ابن جني من قول الشاعر:
نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يردي
يصف غائصًا في الماء من أول النهار إلى انتصافه ورفيقه على شاطئ الماء ينتظر ولا يدري ما كان منه، فهذه الجملة التي هي (الماء غامره)
стр. 1787
حالية ولا رابط فيها من ضمير يعود على الاسم المتقدم، ولا واو تنوب عنه، لكن قدر صاحب الحال محذوفًا، والعائد عليه الهاء في (غامره)، فكأنه قال: نصف النهار على الغائص الماء غامره. هذا تمتم المقصود من شرح كلامه على الجملة، غلا أن في التفصيل نظرًا معتبًرا في الجمل الثلاث. فأما الجملة الاسمية فلا يخلو أن تكون مؤكدة أو غير مؤكدة، فإن كانت غير مؤكدة فالحكم كما ذكر، وإن كانت مؤكدة فلا تدخل عليها الواو أصلًا، فتقول: هو الحق لاشك فيه، ويمكن أن يكون منه قوله تعالى: ﴿ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ أي: ذلك الكتاب يقينُا، وهكذا أيضًا يجري الدرك فيما إذا وقعت الحال المؤكدة جملة فعلية نحو قوله: أخوك زيد قد عرفته، وقال امرئ القيس:
خالي ابن كبشة قد علمت مكانه ... وأبو زيد وكلهم أعمامي
فهذه الجملة لا تدخل عليها الواو، ووجه امتناعها أن الجملة مؤكدة، والمؤكد هو المؤكد في المعنى، فالواو تنافي الدخول بين التوكيد والمؤكد، فكما لا يصح أن تقول: قام زيد نفسه وعينه، لا يقال: هو الحق ولا شك فيه، على أن تكون الجملة حالًا، ولا أخوك زيد وقد عرفته كذلك. وأما الجملة الفعلية المصدرة بالماضي فلا يجري فيها ذلك الحكم إذا كان الماضي تاليًا لإلا، نحو قوله تعالى ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدثٍ إلا استمعوه﴾، ﴿وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون﴾.
стр. 1788
وهو كثير، فقد نص هو على أنه لا يصح الإتيان بالواو هنا، وكذلك إذا كان الماضي متلوا بأو، نحو: أكرم زيدًا أحسن أو أساء؟ وأنشد في الشرح:
كن للخليل نصيرًا جار أو اعتدلا ... ولا تشيح عليه جاد أو بخيلًا
فالواو عنده أيضًا لا تصلح ههنا، فلا /تقول: ما يقوم زيد إلا وبكى، ولا أكرم زيدًا أحسن أو أساء؛ إذ لم يُسمع في كلام العرب، وأيضًا فقد تقدم ما في الجملة المؤكدة. وأما الجملة المصدرة بالمضارع المنفي فإنما يجري فيها ذلك الحكم- على ما نص عليه في التسهيل- إذا كان النفي بلم حسب ما مر في التمثيل، وأما إذا نفُي بلا أو ما فلا سبيل للواو، وغنما لا تأتي بلا واو كقوله تعالى ﴿ومالنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق﴾ ﴿وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم﴾ وقال امرئ القيس في ما:
ظللت ردائي فوق رأسي قاعدًا ... أعد الحصى ما تنقضي عبراتي
وأنشد في الشرح:
عهدتك ما تصبو وفيك شبيبة ... فما لك بعد الشيب صبًا متيمًا وأيضًا فإن الجملة المصدرة بالماضي لابد فيها من قد ظاهرة أو مقدرة،
стр. 1789
فقولك: جاء زيد وقد ركب هو الأصل، فإن قلت: جاء زيد وركب، فيجوز لكن على تقدير قد، فإن لم تقدرها لم يجز أن تكون حالًا، ويلزم ظهورها عند ابن مالك إذا لك يكن في الجملة ضمير يعود على ذي الحال، نحو قول امرئ القيس:
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل
وقول النابغة:
فلو كانت غداة البين منت ... وقد رفعوا الخدور على الخيام
وقول علقمة:
فجالدتهم حتى اتقوك بكبشهم ... وقد حان من شمس النهر غروب
وسبب التزام قد لفظًا أو تقدير أمران:
أحدهما: أن الفعل الماضي لا يدل على الحال، فينبغي ألا يقوم مقامه.
والثاني: أنه إنما يصلح أن يوضع موضع الحال ما يصلح أن يقال فيه الآن أو الساعة، وهذا لا يصلح في الماضي فينبغي ألا يكون حالًا، ولهذا لم يجز أن يقول: مازال زيد قام، ولا: لبس زيد قام؛ لأن ما زال وليس يطلبان الحال، وقام فعل ماضي الزمان، فلو جاز أن يقع الماضي حالًا لجاز هذا، وأيضًا فإذا لم يقع المستقبل في المعنى حالًا إلا بتأويل، نحو: زيد في يده اليوم صقر صائدًا به غدًا، فهو على تقدير: مقدرًا اليوم الصيد به غدًا، فكذلك لا يجوز في الماضي إلا بقرينه تقربه في الحال، وذلك قد، فإنها تقرب الماضي إلى الحال؛ ولذلك كان جوابها، لما يقم. ولما لنفي الماضي المتصل بزمان الحال، ولذلك تقول: قد
стр. 1790
قام الآن، وقد خرج اليوم. قال ابن الأنباري. فإذا ثبت هذا فالناظم لم يتعرض لهذا التقدير، فاقتضى أن جملة الفعل الماضي تقع حالًا قدر مع الماضي قد أو لا، وذلك غير صحيح على ما تقرر، وأيضًا، فإن الجملة المصدرة بالمضارع الماضي معنى محتاجة إلى الواو في القياس كان فيها ضمير أو لم يكن.
قال ابن خروف، كقول النابغة:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد
إلى غير ذلك من الشواهد المذكورة، ولا يقال عنده قياسًا: سار زيد لم يسرع. وهذا خلاف ما قاله الناظم في ظاهر إطلاقه.
والجواب: أن الجملة المؤكدة لا يتعين كونها في موضع الحال، لاحتمال كونها في المواضع المذكورة خبرًا أو بعد خبر/ أو جملًا لا موضع لها من الإعراب، وإنما أتى بها توكيدًا لما قبلها، وإذا لم تتعين لم يثبت أن الحال المؤكدة تأتي جملة فعلية بعد الدليل على إثباتها، وإن سلمنا أنها أتت فهي بالجملة قليلة فلم يعتبرها. وأما ما اعترض به في جملة الماضي ففيه نظر؛ فإن النحويين لا يفصلون ذلك التفصيل الذي ذكر في التسهيل. وإنما يأتون بالمسالة على ما أشار إليه هنا. قال ابن عصفور: "إن كانت الجملة فعلية وكان الفعل ماضيًا لفظًا ومعنى أو معنى دون لفظ واشتملت على ضمير فالاختيار الواو، وقد يجوز ألا تأتي بها، وإن لم تشتمل على ضمير فلابد من الواو" وهذا المعنى ذكره الجزولي أيضًا. وقال صاحب المفصل في الجملة الفعلية "لا يخلو أن يكون فعلها مضارعًا أو ماضيًا، فإن كان مضارعًا لم يخل من أن يكون مثبتًا أو منفيًا، فالمثبت بغير واو، وقد جاء في المنفي الأمران وكذلك في
следующие страницы →