زمان قام زيد، وكذلك في (مذ) بناء منهم على أنهما مختصان بالزمان لا يدخلان إلا عليه، فإذا وقع بعدهما ما ليس بزمان، فلا بد من تقديره طردًا للأصل فيهما، وأيضًا فالمعنى يدل على ذلك. ويبقي النظر في الزمان هل يقدر مرفوعًا أو مجرورًا؟ أمر آخر يثبت بعد ثبوت هذا التقدير. وأيضا فإن سيبويه قد جعلهما من الأسماء المضافة إلى الأفعال، وذلك مختص بالزمان نحو: جئت إذ قام زيد، وأثبت يوم قام زيد. وقد تقرر أن مذ ليسا بظرفين، فلا تصح إضافتهما إلى الفعل، وإذا كان كذلك فلا بد من تقدير زمان تصح إضافتهما إلى الفعل، وإذا كان كذلك فلا بد من تقدير زمان تصح إضافته إلى الفعل. وما قالوه فيه نظر.
أما أولًا: فإن الإضمار على خلاف الأصل، فلا ينبغي أن يقال به ما وجد غيره.
وأما ثانيًا: فإن مذ ومنذ إذا كانا اسمين فهما دالان على الزمان، وإن لم يقعا ظرفين فلا يحتاج مع ذلك إلى تقدير الزمان، وإنما كان يحتاج إلى ذلك على فرض كونهما حرفين أو ظرفين، ولا يصح هنا كونهما حرفين؛ فلا ينبغي تقدير زمان.
وأما جعل سيبويه لهما من باب ما أضيف إلى الفعل، فلذلك عند جماعة بناء على أنهما ظرفان على ما هب إليه الزجاجي، وإذا كانا ظرفين فلا حاجة بنا إلى تقدير الزمان كسائر/ الظروف المضافة إلى الفعل.
فإن قيل: منذ في: منذ قام زيد، لا بد أن يكون مبتدأ على مذهبك خبره ما بعده، وإذا لم يكن بد من ذلك فلا يصح أن يكون الفعل خبرة. ألا ترى أنك لا تقول: أول ذلك قام زيد، كما تقول: أول ذلك يوم الجمعة، وإنما يستقيم مع تقدير الزمان، كأنه يقول: أول ذلك زمان قام زيد، فلا
стр. 1962
يصح الكلام مع عدم تقدير الزمان أصلًا.
فالجواب: أن الناظم ليس في كلامه ما يدل على أن مذ ومنذ هنا مبتدآن، وإنما دل كلامه على أنهما مبتدآن إذا وقع بعدهما المرفوع، وهو الموضع الأول. وأما هنا فإنما قال: (أو أوليا الفعل) وإبلاؤهما الفعل يحتما أن يكون على ذلك، أو على أنهما ظرفان لا مبتدآن، لكن لما جعلهما مبتدأين لا يصح معه أن يكون الفعل خبرًا من غير تقدير زمان، وكان جعلهما ظرفين يصبح معه أن يكون الفعل خبرًا من غير تقدير زمان، وكان جعلهما ظرفين يصح معه وقوع الفعل خبرًا من غير افتقار إلى تقدير، كان الواجب أن يعتقد أنهما هنا ظرفان عنده لأنه لو كان عنده مبتدأين لم يسغ له السكوت عن تقدير الزمان؛ إذ لا يصح الكلام إلا بتقديره، فلما لم يفعل ذلك أشعر بأنهما عنده في هذا الموضع ظرفان، وهو الظاهر من سيبويه، وإياه ارتضى في شرح التسهيل، ويتحصل إذاك في مذ ومنذ إذا رفعا أو أوليا الفعل ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهما مبتدآن بإطلاق، ويقدر مع الفعل زمان.
والثاني: أنهما ظرفان بإطلاق.
والثالث: ما رآه هنا من التفرقة بين أن يقع بعدهما المرفوع فيكونان مبتدأين، وبين أن يقع بعدهما الفعل فيكونان ظرفين.
ووجه التفرقة على هذا التنزيل: أن الاسمية مع المرفوع على غير الظرفية أولى لما تقدم. وأما مع الفعل فظاهر أن مذ ومنذ معه على حد سائر الظروف من الإضافة إلى الفعل، فكان القول بذلك الظاهر فيهما، وأن يكونا متعلقين بما قبلهما أولى لا سيما إذا كان جعلهما هنا اسمين يلزم منه تكلف الإضمار، وما الكلام غنى عن تقديره، وأيضًا فتصير الجملتان بذلك جملة واحدة، فهذه أمور ترجح القول بهذا مع موافقة ظاهر الكتاب، وعليه جماعة كابن
стр. 1963
خروف، وغيره.
والمسألة الثانية: أن قوله: (كجئت مذ دعا) يظهر أن الناظم أتى به في معرض التقييد للفعل المذكور؛ لأن قوله: (أو أوليا الفعل) مطلق لا يختص بماضٍ دون مضارع أو أمر، والمستعمل مع مذ ومنذ من الأفعال إنما هو الماضي فلا يقال: ما أفعل ذلك منذ يقوم زيد، وأولى ألا تدخلا على فعل الأمر؛ لأن زمان المضارع إن كان مستقبلًا فهو غير متحصل، فلا يقدر به، وإن كان حالًا، فكذلك ايضًا؛ لأن مذ ومنذ للغاية كلها، أو لابتدائها، وإن كانا اسمين أو ظرفين، ومعنى الغاية كلها مختص بما كان حاضرًا، والفعل لا يعطي انتهاء تلك الغاية إذا قلت: منذ يقوم زيد؛ إذ لعله بعد يقوم، فلا يكون للغاية كلها.
ثم قال: (وإن يجرا في مضى فكم هما) هذا هو القسم الثاني، وهو الذي يكونان فيه حرفين، وهو أن يقع بعدهما الاسم مجرورًا لقوله: (وإن يجرا) إلا أنه قسم المجرور بعدهما/ قسمين:
أحدهما: أن يكون ماضيًا في المعنى نحو: ما رأيته منذ يوم الجمعة، وما رأيته مذ يوم الخميس، فمذ ومنذ في هذا القسم مؤديان معنى ابتداء الغاية، لكن في الزمان كما كانت (من) كذلك لابتداء الغاية في المكان فقط، أو فيهما معًا، وهذا معنى قوله: (وإن يجرا في مضى فكمن هما) يعني لابتداء الغاية.
فإذا قلت: ما رأيته منذ يوم الجمعة، فمعناه: ابتداء زمن القطاع الرؤية يوم الجمعة.
والثاني: أن يكون المجرور بهما حاضرًا نحو: ما رأيته منذ يومنا، ومذ
стр. 1964
شهرنا ومذ عامنا، فمذ ومنذ في هذا القسم مؤديان معنى (في) التي تقتضي الظرفية، وهو مراده بقوله: (وفي الحضور معنى (في) استبن) أي: استنبن في جر الزمان الحاضر بهما معنى (في)، فإذا قلت: ما رأيته منذ يومنا، فمعناه: ما رأيته في يومنا، وكذلك ما رأيته منذ عامنا، معناه: في عامنا.
ومعنى قوله: (في مضي) في اسم ذي مضى، فهو على حذف المضاف وكذلك قوله: (وفي الحضور) أي في ذي الحضور معنى (في) استبن.
فإن قيل: إن الناظم هنا لم يقيد كون مجرورهما زمانًا ولا بين معناهما، كما بين سائر معاني الحروف الجارة، وذلك قصور في البيان.
فالجواب أن تقول: بل قد بين ذلك.
أما كون مجرورهما زمانًا فقد تقدم له أول الباب بقوله: (واخصص بمذ ومنذ وقتًا).
وأما بيان معناهما فبقوله هنا: (وإن يجرا في مضي فكمن هما) يعني أن معناهما معنى (من)، وهو ابتداء الغاية.
وقوله: (وفي الحضور معنى (في) استبن) يعني أن معناهما الغاية كلها، ولذلك يصح أن يقدرا بمن وإلى معًا، فتقول في نحو قولك: ما رأيته مذ عامنا، تقديره: ما رأيته من أول عامنا إلى آخره.
فإن قيل: هذا من قوله غير مفهوم؛ لأن قوله: كـ (من) ليس فيه ما يدل على معنى ابتداء الغاية، ألا ترى أنه أحال في معناها على (من)، ولمن معانٍ جملة ذكرها، فما الذي يعين معنى ابتداء الغاية دون غيره؟ وقوله: (معنى (في) استبن) إنما يدل على أن معناهما الظرفية؛ إذ هي معنى (في)، ومعنى الظرفية ليس هو معنى الغاية كلها، بل هما معنيان مخلفان، فلا يدل أحدهما على الآخر.
стр. 1965
فالجواب: أنه يمكن أن يكون أحال على معنى ابتداء الغاية في (من)؛ لأنه أول معنى ذكره، أو لأنه الذي يتوهم ابتداء في (مذ)؛ لأن غير هذا المعنى في (مذ) و (منذ) لا يصح. وهذا تلفيق، والظاهر ورود السؤال. وقد مر له مثل هذا في فصل الباء في قوله: (ومثل مع ومن وعن بها انطلق)؛ إذ أحال على معنى (من)، ولم يبين أي المعاني أراد.
وأما (في) فلما كان معناها يشعر بمعنى الغاية استغنى بذكرها عن ذكر الغاية، أو يكون ذهب إلى أنهما هنا- أعنى مذ ومنذ- طرفتين بمعنى (في) حقيقة. وقد قال بذلك بعض النحويين كالجز ولي؛ إذ يصح وضعها موضعهما، فتقول: ما رأيته في عامنا، وفي شهرنا، وإذا صح وقوعها موقعهما، فذلك الدليل على أن معناهن واحد على حكم الترادف. ولكن هذا مخالف لما ذهب إليه كثير من النجاة، وقد تبين وجهة.
ثم أعلم أن هذا الفصل لم يخلصه الناظم كل التخليص؛ بل فيه نظر من ستة أوجه زيادة على ما تقدم:
أحدهما: / أن ظاهر مساقة أن (مذ) على وجهين، لكن إذا تأملته لم يحصل ذلك؛ لأنه إنما قال: (ومذ ومنذ اسمان) في موضع كذا، ثم قال: (وإن يجرا في مضي فمعناه كذا) وليس كونهما بمعنى (من) و (في) بدالين على كونهما حرفين؛ إذ الأسماء المتضمنة معنى الحرف دالة على معنى الحرف، وليست لذلك بحروف، وكذلك يقال هنا: إنهما بمعنى (من) و (في) مع ثبوت الاسمية لابتداء الغاية، أو للغاية كلها، ولذلك يقول النحويون: إنما بنيا لشبه الحرفين في اللفظ، وأصل المعنى، فهذا ممكن أن يدعيه مدع، فلا يظهر
стр. 1966
كونهما إذ ذاك حرفين، وكذلك الجر لا يدل بنفسه على الحرفية حتى يبينه من تعرض لبيان كلام العرب كالناظم، فكان من حقه أن يقول: (وأن يجرا فحرفان ككذا) وما أشبه ذلك مما ينص على الحرفية، إلا أنه لم يفعل، فكان معترضًا عليه.
والثاني: أنا إذا سلمنا أنهما على وجهين من الاسمية والحرفية فليسا على وجهين؛ بل على ثلاثة أوجه:
وجه يكونان فيه اسمين لا غير.
ووجه يكونان فيه حرفين لا غير.
ووجه يكونان فيه محتملين للاسمية والحرفية.
والأولان قد بينا، والثالث المحتمل: أن يقع بعدهما (أن) وصلتها، نحو: ما رأيته منذ أن الله خلقتني، فهذا على رأيه ورأي غيره يحتمل أن يكون في موضع جر على أن تكون الحرفية، أو في موضع رفع على أن تكون الاسمية.
وأما غيره فيقولون مثل ذلك، أعنى أنهم يقسمونهما ثلاثة أقسام، لكن على طريقة أخرى، فيقولون، يكونان حرفين إذا دخلا على الزمان الحاضر، وإذا دخلا على كم، نحو: ما رأيته مذ يومنا، ومنذ كم سرت؟ . ويكونان اسمين إذا دخلا على الفعل الماضي، قيل: أو على الجملة الاسمية، نحو:
* ما زال مذ عقدت يداه إزاره*
وأنشد سيبويه قول الآخر:
стр. 1967
وما زلت محمولًا على ضغنية ... ومضطلع الإضغان مذ أنا يافع
وما عدا ذلك فجائز أن يكونا اسمين أو حرفين.
والناظم لم يأت إلا بقسمين فقد نقصه ثالث.
والثالث: أنه لما قرر أنهما حرفان في كذا، واسمان في كذا، ولم يبين ترجيحًا بين الاستعمالين، ولا قرر ما للعرب فيهما ظهر أن الوجهين سائغان فيهما على كل لغة، وأن الوجهين لا ترجيح بينهما، وليس كذلك؛ فإن الخفض بمنذ أكثر من الرفع، والرفع بمذ بعكس ذلك؛ لأن الاسمية أغلب على (مذ) المحذوفة النون، والحرفية أغلب على الثابتتها، هذا بالنسبة إلى الاستعمال. وأما نقل اللغات: فقد نقل فيهما ثلاث لغات.
منهم من يرفع بهما على كل حال.
ومنهم من يخفض بهما على كل حال.
ومنهم من يفرق بين مذ ومنذ، فيخفض بمنذ ابدً، ويفرق في مذ، فيرفع بها ما مضى، ويخفض بها ما أتت فيه، هكذا حكاها الشلويين، وإذا ثبت ذلك لم ينبغ أن يطلق القول فيهما إطلاقًا، فإنه موهم لاتفاق العرب فيهما،
стр. 1968
ولتساوي الاستعمال بينهما. وذلك كله فيه ما ترى.
والرابع: أن تعريفه بأحكامها يقتضي أنها موقوفة على السماع؛ لأنه قال: /٣٢٦/ إنهما اسمان حيث رفع ما بعدهما، أو أوليا/ الفعل، وحرفان حيث جرا، وهذا تقرير فيما سمع، فاقتضى ذلك أن جميع ما ذكر لهما موقوف على السماع، وأن تأويله ما ذكر، والمقصود إنما هو التعريف بالقياس فيهما لا بالسماع.
والخامس: أن مقصود النحويين في هذا الفصل بيان حكم (مذ) و (منذ) إذا كانا حرفين، وإذا كانا اسمين، فيقولون: إذا كانا حرفين انجر ما بعدهما، أو أسمين ارتفع، ويجرون القياس. وكذلك يقولون: إذا وقع بعدهما الحاضر، فإنهما يجرانه، وفي الماضي الوجهان، فكان الزمان الحاضر لا يدخل عليه إلا الحرفية منهما بخلاف الماضي، فإن كل واحدة من الاسمية والحرفية تدخل عليه، وكذلك ما أشبه هذا الكلام الدال على إجراء القياس بناء على الحرفية أو الاسمية.
أما الناظم فإنه عكس الأمر، فجعل تلك الأحكام المحكية عن العرب المسوقة مساق السماع دلالة على الحرفية والاسمية. وهذا يلزم فيه الدور بناء على قصد النحويين، فإنه إذا قيل له: أين يكونان اسمين؟ فقال: في موضع كذا. فقيل له: ما حكم موضع كذا؟ فلا بد أن يقول: إن كانا اسمين فحكمه كذا، أو حرفين فحكمه كذا، فقد توقف العلم بكونهما اسمين أو حرفين على حكم الموضع الذي يقعان فيه، وتوقف العلم بحكم الموضع على كونهما اسمين أو حرفين، فلا يعرف واحد منهما إلا بعد معرفة الآخر، وذلك محال.
والسادس: قوله: (أو أوليا الفعل) تقييد غير محتاج إليه؛ بل هو موهم لحكم غير صحيح، فإنه يقتضي بمفهومه أن الجملة الاسمية إذا وقعت بعد
стр. 1969
(مذ) أو (منذ) فلا يكونان معها اسمين. وهذا غير مستقيم، فإنهما لا يكونان معها حرفين؛ لأن حروف الجر كما لا تدخل على الجملة الفعلية لا تدخل أيضًا على الجملة الاسمية، وقد ترك في التسهيل هذا القيد، وهو الصواب، فإن العرب تقول: ما زلت قائمًا مذ زيد قاعد، وما رأيته مذ هو مريض. وما أشبه ذلك ومنه:
* ... مذ أنا يافع*
وإذا كان كذلك ظهر أن هذا الفصل قاصر.
والجواب عن الأول: أنه قد قدم أولًا بيان كون (مذ) و (منذ) حرفين حين عد حروف الجر؛ إذ لم يعدها إلا من حيث هي حروف جارة، لا من حيث هي جارة فقط، وإلا فكان الواجب عليه أن يعد كل ما يخفض من الأسماء المتمكنة، وغيرها. وذلك فاسد، فلا بد أن يكون ما عد حروفًا على مقتضى ترجمته لكن منها ما يستعمل اسمًا أو فعلًا، فإذا كان كذلك فلا بد من بيانه، فإذا رجع إلى بيان معاني الكلم علم أنه رجع إلى أصل الباب من الحرفية، وأن الجر المذكور في قوله: (وإن يجرا) هو جر الحرف لا غيره. وهذا ظاهر كسائر ما ذكر من الحروف المستعملة أسماء.
وعن الثاني: أن قصد الناظم في تقرير حكم هذين الحرفين غير قصد غيره، وذلك أن قصده من حيث أتى بهما مع حروف/ الجر أن يبين معانيهما، وقد/ ٣٢٧/ فعل في قوله: (وإن يجرا) ... إلى أخره، وأن يبين استعمالهما اسمين، ويعين مواضع ذلك، وهو الذي ابتدأ به فقال: إنهما اسمان حيث لم يجرا، ولا وقع بعدهما ما ينجر، فإذا جرا فلذلك الذي قصد ذكره في الباب، فلم يحتج إلى
стр. 1970
ذكر القسم المحتمل، وأيضا: فإن المحتمل ظاهر حكمه من القسمين المذكورين إذا اعتبر بهما، فلم ينقصه من تلك الجهة قسم ثالث.
وعن الثالث: أن الحاصل من كلام العرب ما ذكر من أنهما يستعملان اسمين وحرفي جر/ وإن قصد أن يبين ما لهما من الحكم إذ كانا حرفين، وينجر بعد ذلك من أحكامهما في الاسمية أو غيرها ما ينجر، فلا عليه في ترك الترجيح إذا كان الجميع بما يقاس.
وعن الرابع: أن قصده من التفرقة بين الاسمية والحرفية اقتضى أن يحيل على ما استقر عند العرب، فيقول: أنهما إذا كان بعدهما المرفوع، أو الجملة، فهما اسمان وإذا كان بعدهما المجرور فهما حرفا جر، معناهما كذا، ووجه كونهما حرفين هناك، واسمين هنا قد تبين. هذا قصده، وهو حاصل بإحالته على كلام العرب، ويبقى القياس على ما سمع لم ينص عليه، كما أنه لم ينص على خلافه، وإنما تركه اعتمادًا على ما تقدم له من ذلك في حروف أخر، وفي أحكام أخر من غير هذا الباب؛ لأنه يذكر ما للعرب من غير تعرض إلى كون ذلك قياسًا أو غير قياس، فيحمل على أنه قياس حتى يبين أنه ليس كذلك، كقوله مثلًا: أنه نادر، أو شاذ أو قليل، أو ما أشبه بذلك، فهذا هو وجه المأخذ في هذا النحو، فلا إشكال.
وعن الخامس: أنه إذا تبين أن المقصود تعريف الفرق بين الاسم والحرف من (مذ) و (منذ)، وقد تبين، وأن ما قرر من السماع جار مجرى القياس-تبين أن كونهما اسمين يقتضي رفع ما بعدهما، أو كونه فعلًا، وكونهما حرفين يقتضي جر ما بعدهما على الوجهين من معنى (من) أو (في)، فها أنت وذاك من غير توقف ولا دور.
وأما السادس: فالظاهر وروده، ولم يحضرني له جواب. والله أعلم بمراده.
стр. 1971
ثم قال:
وبعد (من) و (عن) وباء زيد (ما) ... فلم نعق عن عمٍل قد علمنا
وزيد بعد (رب) والكاف فكف ... وقد تليهما وجر لم يكف
هذا فضل يذكر فيه دخول (ما) على بعض حروف الجر كافة، وغير كافٍة، وأين يجوز كفها، وأين يمتنع؟ فذكر أولًا قسمين:
أحدهما: لم تأت فيه (ما) كافة للحرف عن عمله الذي ثبت له قبل دخول (ما).
والثاني: جاءت فيه (ما) كافة للحرف عن عمله.
فأما القسم الول: فجعل له ثلاثة أحرٍف، وهي: من وعن، والباء، وذلك قوله: (وبعد من وعاء وباٍء زيد ما) ... إلى آخره. يعني أن العرب زادت (ما) بعد هذه الأحرف الثلاثة فاصلة بينها وبين ما جرته، فلم يعقها ذلك، ولا أزالها عن عملها الثابت لها، المعلوم فيها.
أما (من) فمثالها قولك: مما كرمك أكرمتك. ومنه القرآن الكريم: (مما/ خطيئاتهم أعرقوا فأدخلوا نارًا﴾.
وأما (عن) فمثاله قولك: عما قريٍب آتيك. ومنه قول الله تعالى: ﴿عما قليٍل ليصبحن نادمين﴾.
وأما (الباء) فنحو: بما إكرامك أكرمتك. وفي القرآن: ﴿فبما نقضهم
стр. 1972
ميثاقهم لعناهم﴾. ويظهر من هذا أنه لم يأت في هذه الأحرف (ما) كافة عن العمل، وفي هذا نظر؛ فإن الباء قد تكفها (ما) فلا تطلب اسمًا تعمل فيه، كقول الشاعر:
فلئن صرت لا تحير جوابا ... لبما قد ترى وأنت خطيب
وقول عمر بن أبي ربيعة:
فلئن بان أهله ... لبما كان يؤهل
وقول كثير عزة:
مغاٍن يهيجن الحليم إلى الهوى ... وهن قديمات العهود دوائر
ثم قال:
بما قد أرى تلك الديار وأهلها ... وهن جميعات الأنيس عوامر
فهذا عند المؤلف مما كفت فيه الباء عن العمل (ما) فهيأتها للدخول على الفعل، وإنما أتى بالباء في التسهيل على أنها مثل الكاف ورب يجوز أن تدخل عليها ما
стр. 1973
كافة وغير كافة، فإذًا قوله: (فلم تعق عن عمٍل قد علما) بالنسبة إلى الباء غير صادق. أما بالنسبة إلى (من) و (عن) فهو صحيح.
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأمرين:
أحدهما: أن كون (ما) كافة في تلك الشواهد غير متعين؛ لإمكان كونها مصدرية على معنى: لئن صرت غير مجيٍب لرؤيتك خطيبًا، أي: هذا بذاك، وكذلك باقي الأبيات يمكن حملها على هذا التقدير، فلا يكون فيها دليل على ثبوت الكف لما، كما لو يثبت لها ذلك مع من وعن في نحو: عجبت مما صنعت، أي من صنعك، وما أشبه ذلك.
والثاني: أنا لو سلمنا وجود ذلك كما أنشد لكان لنا أند ندعي قلته وأنه لم يبلغ من الكثرة مبلغ ما يقاس عليه؛ فلذلك لم يذكره، كما لم يذكر في هذه الحروف اللام، وقد لحقتها (ما) غير كافة. قال الأعشى:
إلى ملٍك خير أربابه ... فإن لما كل شي قرارا
إلا أن ذلك قليل، فلم يعتن بذكره.
وأما القسم الثاني: وهو ما جاء فيه الكف بما عن العمل فحرفاٍن: وهما رب، والكاف، وذلك قوله: (وزيد) يعني حرف (ما)، (بعد رب والكاف فكف) يريد أن (ما) زيد بعد هذين الحرفين، فكفهما عن العمل، وهيأتهما للدخول على الأفعال فصارا من حروف الابتداء، وذلك قولك: ربما يقوم زيد. قال الله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾. وأنشد أبو عمرو، وغيره قول الشاعر:
стр. 1974
ربما تكره النفوس من الأمـ ... ـر له فرجة كحل المقال
قال سيبويه: "جعلوا رب مع (ما) بمنزلة كلمة واحدة، وهيئوها ليذكر بعدها الفعل؛ لأنهم لم يكن لهم سبيل إلى "رب يقول" ولا إلى "قل يقول" - يعني في (قلما) - فألحقوها (ما) وأخصلوهما للفعل".
وأما الكاف، فنحو: أكرم زيدًا، كما أكرمت عمرًا. قال الله تعالى: ﴿وقل لو كان معه آلهة كما يقولون﴾. الآية. وقال: ﴿واذكروه كما هداكم﴾. وقوله: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم﴾. الآية. وأنشد سيبويه لروبة:
* لا تشتم الناس كما لا تشتم *
قال سيبويه: "وسألت الخليل ﵀ عن قول/ العرب: انتظرني كما آتيك، فزعم أن ما والكاف جعلتا بمنزلة حرٍف واحد، وصيرت للفعل كما صيرت ربا". ثم أنشد بيت روبة، وأنشد معه قول أبي النجم:
стр. 1975
قلت لشيبان أدن من لقائه ... كما تغذي القوم من شوائه
ولم يقيد الناظم كفهما عن العمل بكونهما تهيآ للفعل، كما قال سيبويه في (ربما)، لأنهما عنده مما لا يليه إلا الفعل بخلاف الكاف، فإنها عنده يليها الجملتان، بل أطلق الناظم القول في ذلك، فاقتضى أنهما عنده قد يدخلان على الجملة الاسمية، والمسألة مختلف فيها، فنقل عن الكسائي أن (ربما) تدخل على الجملة الاسمية والفعلية، وإليه ذهب الجزولي. ومنه قول الشاعر:
ربما الحامل الموبل فيهم ... وعناجيج بينهن المهار
وسيبويه يرى ما تقدم من اختصاصها بالفعل.
وأما الكاف: فعدم اختصاصها بالفعل صحيح عند سيبويه وغيره، ففي القرآن الكريم: ﴿قالوا يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة﴾ وفي مثال من أمثلة سيبويه: كما أنت ها هنا. ومن أبيات الحماسة:
وإن بنا لو تعلمين لغلة ... إليك كما بالحائمات غليل
стр. 1976
وقال كثير:
جزيت أبا بكرٍ عن الود نضرة .... كما الخير محمود على القول قائله
ثم ذكر جواز دخول (ما) على الحرفين معًا غير كافة، فقال: (وقد يليهما وجر لم يكف) يعني أن (ما) قد تلي رب والكاف، والجر الذي كان موجودًا قبل دخولها باق على حاله لم تؤثر (ما) في ذلك شيئًا، وذلك قليل على ما يفهم من إتيانه بقد. فأما رب: فمثال ذلك فيها ما أنشده في الحماسة:
ربما ضربة بسيف صقيل ... بين بصرى وطعنة نجلاء
وأما كما: فمثاله قول الآخر:
وننصر مولانا ونعلم أنه ... كما الناس مجروم عليه وجارم
وقال سيبويه: "وسألته - يعني الخليل- عن قوله: كما أنه لا يعلم ذلك فتجاوز الله عنه، وهذا حق كما أنك ها هنا: فزعم أن العاملة في (أن) الكاف و (ما) لغو، إلا أن (ما) لا تحذف مما هنا كراهة أن يجيء لفظها مثل لفظ كأن، كما ألزموا النون لأفعلن، واللام قولهم: إن كان ليفعل؛ كراهة أن يلتبس اللفظان". ثم
стр. 1977
استدل على صحة قول الخليل بما لا يحتاج إلى ذكره هنا.
وقوله: (وجر لم يكف) جملة في موضع الحال من ضمير المفعول، أي: وقد يليهما غير مكفوفي الجر، أو من ضمير الفاعل، وهو ضمير (ما)، أي: وقد يليهما غير كاف للجر. ويقال: عاقه الشيء عن كذا يعوقه عوقًا وإعتاقه: حبسه وصرفه عنه، ومنه عوائق الدهر، وهي شواغله وأحداثه، فمعنى قوله: (فلم يعق عن عمل) أي: لم يحبس عنه؛ ولم يصرف عنه.
ثم قال الناظم:
وحذفت رب فجرت بعد بل ... والفا، وبعد الواو شاع ذا العمل
وقد يجر بسوى رب لدى ... حذف، وبعضه يرى مطردا
هذا فصل آخر يذكر فيه حذف حرف الجر وإبقاء عمله، وذلك أن حذف الجار تارة يكون العمل / معه زائلًا بزوال الحرف، كقوله - أنشده في الكتاب-:
استغفر الله ذنبًا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل
وقول الآخر - أنشده المبرد - وغيره -:
تمرون الديار ولم تعوجوا ... كلامكم علي إذًا حرام
وهذا القسم هو الأكثر في كلام العرب؛ إذ لم يقو الجار أن يحذف ويبقى عمله، كما قوي الفعل، ولكن هذا الحذف قد يكون قياسًا كالبيت الأول، وقد يكون سماعًا كالثاني، وليس كلامه في هذا. وتارة يحذف الجار
стр. 1978
ويبقى عمله، وهو أقلي. وهو أيضًا على ضربين: قياسي، وسماعي، وجميع ذلك يذكره. وبدأ الكلام على (رب)؛ لأنها قسم برأسه، فيريد أن رب قد حذفت من اللفظ وبقي عملها بعد ثلاثة أحرف:
أحدها: بل، نحو قولك: بل دار للأحبة عرفتها، تريد: بل رب دار للأحبة عرفتها. ومنه قول رؤبة أو غيره:
*بل بلد ملء الفجاج قتمه*
وقول أبي النجم:
*بل جوز تيهاء كظهر الجحفت*
تقديره: رب بلد، ورب جوز تيهاء.
والثاني: الفاء، نحو قول امرئ القيس الكندي - في بعض الروايات -:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا ... فألهيتها عن ذي تمائم مغيل
стр. 1979
وقال ربيعة بن مقروم الضبي، وهو من أبيات الحماسة:
وإن أهلك فذي حنق لظاه ... علي يكاد يلتهب التهابًا
وقال الهذلي:
فحور قد لهوت بهن دهرًا ... نواعم في المروط وفي الرياط
والحذف بعد هذين الحرفين قليل، ودل على ذلك من كلامه قوله: (وبعد الواو شاع ذا العمل) ويعني أن حذف رب مع بقاء عملها إنما شاع بعد الواو، فاقتضى أنه لم يشع بعد غيرها من الأحرف الثلاثة.
والواو هو الحرف الثالث، فتقول: وكتاب حفظته في ليلة، وليلة سهرتها في طلب الريح، ومن ذلك قول امرئ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي
وقول رؤبة بن العجاج:
стр. 1980
*وقاتم الأعماق خاوي المخترق*
وقال رؤبة أيضًا:
وبلدٍ عامية أعماوه ... كان لون أرضه سماؤه
وقال الشماخ:
ودوية قفر تمشي نعامها ... كمشي النصارى في خفاف اليرندج
وقال ذو الرمة:
ودويةٍ مثل السماء اعتسفتها .... وقد صبغ الليل الحصى بسواد
وأنشد سيبويه:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
стр. 1981
وذلك كثير شائع كما قال. وفي قوله: (فجرت بعد بل)، وكذا وكذا، ما يقتضي أن (رب) نفسها هي الجارة لا الحروف الثابتة قبلها، وهذا في بل والفاء متفق عليه على ما حكاه في التسهيل. وأما في الواو فالجمهور من البصريين أن الأمر كذلك. وذهب الكوفيون والمبرد من أهل البصرة إلى أن الواو نفسها هي الجارة، وهو مذهب مرجوح من أوجه:
أحدها: أن الواو عاطفة هنا، والعاطف ليس بعامل، ولا يخرجها عن العطف كونها تقع في أوائل القصائد نحو:
*وبلد عامية أعماؤه*
*وبلدة ليس بها أنيس*
لاحتمال العطف على كلام تقدم ملفوظ به لم ينقل، أو مقدر حكم له - منويًا في النفس - بحكم المنطوق به.
والثاني: أنها مع ذكر (رب) عاطفة باتفاق، فكذلك / يكون الحكم مع حذفها، ولا تنقل عن ذلك إلا بدليل، والأصل عدمه.
والثالث: أن الواو لم يثبت كونها حرف جر بنفسها إلا في المبدلة من الباء في القسم، وليست إذ ذاك بحرف عطف، فلا يثبت كونها حرف جر بالاحتمال.
والرابع: أنها تضمر بعد (بل)، ولا يقول أحد أن (بل) تجر، وكذلك تضمر بعد الفاء كما تقدم، وليست نائبة عن (رب)، ولا عوضًا عنها، فكذلك
стр. 1982
ينبغي أن يكون الحكم مع الواو.
والخامس: أن الذي يدل على عدم النيابة عنها، وأنها ليست بعوض منها، أنه يحسن ظهورها معها، فيقال: ورب بلد، ورب بلدة، ولو كانت عوضًا عنها لما جاز ظهورها معها؛ لأنه لا يجوز أن يجمع بين العوض والمعوض عنه، كواو القسم لا يجوز أن يجمع بينها وبين الباء، فلا يقال: وبالله لأفعلن، على أن يكون الواو حرف قسم كالباء، فأما قول الله تعالى: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾. فالواو فيه عاطفة، لا حرف قسم، فلم يمتنع الجمع بينها وبين التاء، فلما جاز الجمع بين واو (رب) و (رب) دل ذلك على أنها لم تنب عنها، ولا عوضت منها.
وفي هذه الأدلة كلها نظر، وأقربها الرابع، إن ثبت الاتفاق من الفريقين على أن الفاء وبل ليستا جارتين عند حذف (رب)، فإن الفرق بينهما وين الواو فيه بعد.
وبعد فهذه المسألة لا ثمرة لها في النحو، وإنما البحث فيها مظهر للمرتكب الأولى في ضبط القوانين خاصة، وإذا كان كذلك فما قاله أهل البصرة له وجه صحيح، وما قاله الآخرون كذلك. والله أعلم. هذه مسألة تعلقت بقوله: (فجرت بعد) كذا.
ومسألة أخرى: وهو أنه لما قيد الحذف مع بقاء الجر بكونها بعد الأحرف الثلاثة دل أن ذلك الحكم لا يكون لرب بعد غيرها من حروف العطف، فلا يقال: ثم رجل لقيته، على تقدير: ثم رب رجل لقيته، ولا أو رجل لقيته، ولا حتى رجل لقيته، ولا ما كان نحو ذلك. وهذا صحيح، وكذلك أيضًا لا تحذف ويبقى عملها دون أن يكون بعد عاطف أصلًا، فلا يقال: رجل لقيته،
стр. 1983
تريد: رب رجل لقيته، وما جاء مما خالف هذا فشاذ، نحو ما أنشده ابن الأنباري، وغيره لجميل:
رسم دار وقفت في طلله ... كدت أقضي الحياة من جلله
فلا يعتد بمثل هذا في القياس.
ثم قال: (وقد يجر بسوى رب لدى حذف) يعني أن هذا الحكم المذكور في (رب)، وهو الجر مع حذف الحرف قد يوجد في غير (رب) من حروف الجر، لكن ذلك على الجملة قليل؛ دل على قلته قوله: (وقد يجر) وهذا الحذف على قلته على وجهين: مطرد، وغير مطرد، ولأجل ذلك قال: (وبعضه يرى مطردًا) يريد: وبعض آخر لا يطرد، فأما غير المطرد فمعلوم أنه لا يقاس عليه، ولكن يقبل ما سمع منه ليحفظ، فمن ذلك قول رؤبة - وقيل له: كيف أصبحت؟ -: خير عافاك الله. يريد بخير، أو: على خير.
وأنشد المبرد قول الشاعر:
ألا تسأل المكي ذا العلم ما الذي .... يحل من التقبيل في رمضان
فقال لي المكي أما لزوجة .... فسبع، وأما خلة فثمان
يريد: وأما لخلة فثمان، فحذف. ومنه أيضًا قول الآخر:
стр. 1984
إذا قيل: أي الناس شر قبيلة ... أشارت كليب بالأكف الأصابع
يريد: أشارت إلى كليب. وأما المطرد: فلم ينبه الناظم على مواضعه، بل اكتفى بالإيماء إليه بقوله: (وبعضه يرى مطردًا) وقد أطرد ذلك على قلته في مواضع الحاضر الآن منها ثمانية:
أحدها: المعطوف على الخبر الصالح للباء في النفي بليس، أو ما أشبهه نحو: ما زيد قائمًا ولا قاعد، وليس زيد قائمًا ولا قاعد، توهمًا للباء موجودة في الخبر. ومن ذلك قول زهير - أنشده سيبويه -:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئًا إذا كان جائيًا
كأنه توهم الباء داخلة على (مدرك)، وكذلك قول الأخوص الرياحي، أنشده سيبويه أيضًا:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة .... ولا ناعب إلا ببين غرابها
стр. 1985
كأنه قال: ليسوا بمصلحين، فلذلك قال: ولا ناعب، وينظر إلى هذا في الجر بالإسم على توهم الإضافة قول امرئ القيس:
وظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل
وأنشد المؤلف من ذلك في (ما) قول الشاعر:
ما الحازم الشهم مقدامًا ولا بطل ... إن لم يكن للهوى بالعقل غلابا
وهذا- وإن كان قليلًا- قياس عند المؤلف والبغداديين.
والثاني: مميز (كم) إذا جرت بحرف جر، فإنها إذا كانت كذلك جر المميز بمن مقدرة، نحو: بكم درهم اشتريت ثوبك؟ يريد: بكم من درهم؟ فحذفت (من)، وأبقى عملها. قال ابن خروف: وهو مذهب الخليل، وسيبويه، والجماعة، فهذا حذف قياسي لم يخالف فيه على ما نقلوا إلا الزجاج. وهذا الموضع قد ذكره الناظم في باب كم. وسيأتي الاحتجاج عليه هنالك، إن شاء الله تعالى.
والثالث: القسم بالله يجوز فيه حذف الحرف وإبقاء عمله مع تعويض إثبات
стр. 1986
الألف، نحو قولك: الله لأفعلن، أو تعويض (ها) ساقطة الألف، نحو: هالله لأفعلن، أو ثابتة الألف نحو: هالله، هكذا ممدودة مع وصل ألف الله، أو مع قطعها، نحو: ها الله لأفعلن، وقد جاء فيه الجر بغير تعويض شيء حكى الأخفش أن من العرب من يجر اسم الله مقسمًا به دون جار موجود، ولا عوض. وذكر غير الأخفش أنه سمع بعض العرب بقول: كلا الله لآتينك، وهذا كله جائز قياسًا عند النحويين، وإن كان قليلًا في نفسه، والجار المحذوف هنا الواوي أو الباء التي للقسم.
والرابع: جواب السؤال الذي تضمن حرف الجر، فيجوز فيه عند المؤلف حذف ذلك الحرف لتقدم ذكره، فتقول - في جواب من قال: بمن مررت؟ -: زيد. التقدير: بزيد، لكنه حذف اختصارًا. وفي الحديث: "وقيل له ﵇: فإلى أيهما أهدي؟ قال: أقربهما إليك بابًا" ونحو ذلك. وكان الناظم يزعم أن هذا النوع جائز عند جميع النحويين إلا الفراء. وهذا النقل ظاهر التسهيل، وما أنا من صحته على يقين.
стр. 1987
والخامس: ما عطف على الاسم الذي دخل عليه مثل ذلك الحرف، فيجوز حذفه من المعطوف/ لتقدم ذكره في المعطوف عليه، وهذا مخصوص بالعطفعلى معمولي عاملين على رأي من يمنع ذلك كسيبويه، وأتبعه المؤلف نحو: رأيت زيدًا في الدار والسوق عمرًا، فإنه على تقدير إعادة الجار لتقدم ذكره لا أنه على حقيقة العطف؛ إذ لا يجوز أن ينوب العاطف عن عاملين، بل عن واحد خاصة، وهو الفعل هنا، وبقدر الآخر. ومن ذلك في القرآن الكريم: ﴿وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون* واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون﴾. فجر (اختلاف) بفي مقدرة لتقدم ذكرها في قوله: (وفي خلقكم). وهو نظير ما أنشده سيبويه:
أكل امرئ تحسبين امرءًا ... ونار توقد بالليل نارا
ومن أبيات الحماسة:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
стр. 1988
والسادس: المقرون بالهمزة أو هلا بعد كلام تضمن الحرف الجار، حكى الأخفش في كتاب: "المسائل" أنه يقال: مررت بزيد، فيقال: أزيد بن عمرو، وكذلك هلا نحو قولك: جئت بدرهم، فيقال: هلا دينار. قال: "وهذا كثير".
والسابع: المقرون بأن والفاء الجزائيتين، نحو ما حكاه يونس من قول العرب: مررت برجل صالح إلا صالح فطالح. والتقدير: إلا أكن مررت بصالح فقد مررت بطالح. (وأجاز أيضًا أن يقال: أمرر على أيهم أفضل إن زيد وإن عمرو)، وهذا قليل ولكنهم قاسوه. قال سيبويه بعدما ذكر المسألة الأولى وضعفها: (ولكنهم لما ذكروه- يعني الجار- في أول الكلام شبهوه بغيره) .. قال: (وكان هذا عندهم أثوى إذا أضمرت رب ونحوها في قولهم:
*وبلدة ليس بها أنيس*
يريد من غير أن يتقدم قبلها شيء يدل عليها. قال. (ومن ثم قال يونس: أمرر على أيهم أفضل إن زيد وإن عمرو) فإذا كان أقوى عند سيبويه من إضمار (رب)، وإضمارها قياس، فكذلك يكون الإضمار هنا في مسألتنا.
والثامن: المقرون بأن الجزائية في نحو مسألة يونس: أمرر على أيهم أفضل إن زيد وإن عمرو وقد مر ما فيه.
стр. 1989
فهذه مواضع جاء فيها حذف الجار مع بقاء عمله قياسًا مطردًا، وهو الذي أشار إليه بقوله: (وبعضه يرى مطردًا) والرائي أطراده هم النحويون- الناظم أحدهم- وقد أتت أشياء مما يوافق عليها المؤلف أو يخالف، وفيما ذكر هنا كفاية.
وقوله: (وقد يجر بسوى رب) الجار هنا العرب، فمعنى الكلام أن الجر مع حذف الحرف جاء في كلام العرب قليلًا في مواضع معدودة، وبعض هذه المواضع رأى فيها النحويون الاطراد، فقاسوها وطردوها. وقوله: (لدى حذف). بمعنى عند حذف، يريد حذف الحرف الجار.
стр. 1990
ثم قال الناظم
﴿الإضافة﴾
هذا هو القسمُ الثاني من أقسام الإضافةِ، وهي (١) إضافةُ الاسمِ إلى الاسمِ نحوُ: غلامُ زيدٍ، وصاحبُ الدابةِ. وخُصَّ بهذا القسم (٢) اسمُ الإضافة، وإن كان اسمُ الإضافة يشملُ القسمين عند الأقدمين (لأنَّ المتأخرين يخصُّون هذا الاسم بهذا القسم وحدَه دون إضافةِ / الفعلِ ... ٣٣٤ إلى الاسم. وأما الأقدمون: فاسمُ الإضافةِ عندهم يُطلَق بعمومٍ وخُصوصٍ، فَيطلَقُ بعمومٍ على كلا القسمين، ويُطْلَقُ بخصوصِ على هذا الثاني (٣).
وابتدأَ الناظمُ ببيان أحكامِ الإضافةِ الأُوّلِ اللاّزِمةِ لها في ماهيَّتها، إِذْ لم يذكر لها حَدَّا فقال:
نُونَّا تَلِى الإعرابَ أَوْ تَنْويِنَا
مما تُضِيفُ احْذِفْ كطُورِسِينَا
والثانَيِ اجْرُرْ وانْوِمِنْ أَوْفى إِذا
لم يَصْلُحِ إلاّ ذاكَ واللامَ خُذَا
لِمَا سِوَى ذَيْنِكَ واخْصُص أَوَّلا
أو أَعْطِه التَّعْرِيفَ بالّذِي تَلاَ
стр. 1991
نوناً: منصوبً (١) على المفعولية باحذِفْ، وأو تنويناً عطف على نوناً، ومما تُضْيِفُ أيضا متعلق باحذف. والتقدير: احذِفْ مما تضيفه نوناً تلى الإعرابَ أو تنويناً، ويعني أن الاسم الذي يُضافُ يلزمهُ حذفُ النُّون التي (٢) في آخره تابعةً لإعرابه، وهي نونُ التنثيةِ وجمعِ التصحيح بالواو والنون، وما جَرَى مجراهما، أو حَذْفُ تنوينه إن كان مفرداً، أو جمع تكسير، أو تصحيح بالألف والتاء. ولم يَحْتَجْ إلى تقييد التّنوين بأنّه يلي الإعراب، لأنه لا يكون إلا كذلك بخلاف النون، فإنها قد تكونُ تاليةً للإعراب (وهي الجارية مجرى التنوين في الحكم المذكور (وقد تكون غيرَ تاليةٍ للإعراب، فلا تُحَذف من المضاف في الإضافة، فمثال النون التي تُحذَف عند الإضافة وهي التي (٣) تلي الإعراب قولكَ: هذان ضاربا زيدٍ، وهؤلاءِ ضارِبُو زيدٍ، وًثنتا حَنْظَل (٤) وقوله تعالى: ﴿سيقولُ لك المخلَّفون من الأعرابِ شَغَلَتْنا أموالنُا وأهلونَا (٥)﴾. و ﴿من أوسط ما تُطْعِمُون أَهلْيكم (٦)﴾. ونحو ذلك.
ومثال النون التي لا تُحَذفُ عند الإضافة، وهي التي لا تلي الإعراب؛ بل
стр. 1992
الإعرابُ هو الذي يليها (١) قولك: هذا حَيْنُكَ، وهذه سِنِيُنك، على من قال (٢):
دَعانِيَ من نَجْدٍ فإنَّ سِنِينَه
وأعجبني إحسانُه، فلا تُحَذفُ هذه النونُ لأنها غيرُ جاريةٍ مجرى التّنوين، ولابُدَّ، فكذلك ما ناب عنه (٣).
وأما نونُ حينٍ وغِسْلينٍ وإحسانٍ ونحو ذلك: فالإعرابُ يكونُ فيها، فليست بتاليةٍ لأنَّها من أصلِ الكلمة ومن بِنْيَتِها، فهي جاريةٌ مَجْرَى ميم غلامٍ وباءِ صاحبٍ إذا قلت: غلامُ زيد، وصاحبُ عمرو. فالذي تَحْذِفُ الإضافةُ هنا التنوينُ خاصَّةً.
((ومَثَّلَ (٤) الناظم)) ما قال بمثال مما يحذَفُ فيه التنوينُ وهو طور سيناءَ. والتنوينُ المحذوف هُنا لم يُقَيِّده بظاهر ولا مُقَدَّر، فيشملُ من حيث الإطلاقِ الجميعَ، فالظاهرُ قد تقدم مثاله، والمقدَّرُ نحو: أحمَرُ القوم، وذكرى الدار، وصحراء بني فلان، فإن التنوين هنا مقدر، فمنَعت الإضافةُ تقديرَه. والدليلُ على ذلك ظهورُه في ضرورةِ الشِّعر، ولابد أن يكون مراداً للناظم، وإلاَّ خرج باب مالا ينصرف عن قاعدته المطلقة.
ولقائلٍ أن يقولَ: إنّ مالا ينصرفُ لم يدخُلْ له، فإنه قال: احذف،
стр. 1993
والحذف حكم لفظيٌّ لا تقديري، فإذا كان كذلك فكأنَّه قال / ((نوناً تلي الإعرابَ ٣٣٥ أو تنوينا)) ظهرا فيما أريدت إضافتُه احِذْف وأزل حتى تتأتى الإضافة، لأن المضاف إليه قائم في محل تنوين المضاف، فإذا لم يُوجَدْ نونُ ولا تنوينٌ، فالمحلُّ قابلً لوقوع المضاف إليه هناك. وأحمر وذكرى ونحوهما لا تنوين فيها ولا نون، فلا يحتاج إلى حذف شيء.
والدليل على ذلك وأَنّ مُراده الظاهرُ من التّنوين أو النون تقييده بالتمثيل، وهو طور سيناءَ، إذ كان التنوين في طورٍ ظاهراً حالة ترك الإضافة، فكأنه يقول: إن كان ثَمَّ تنوينٌ أو نونٌ حذَفْتَه، وإلاّ فلا حاجة إلى أمر زائد، وإلاّ فكيف يُصنع بما لا نونَ فيه ولا تنوينَ، لا ظاهرٍ ولا مُقَدَّرٍ، ولا يصح فيه ذلك، نحو: كم دِرْهمٍ أعطيتَ؟ فإنَّ درهمٍ)) مضاف إليه كم، وكم مبنُّي بحق الأصل، وكذلك لَدُنْ مبنية بالإصالة وهي مضافة نحو: من لَدُنْه ومن لدنِّي وما أشبه ذلك، فأين تقديرُ التنوين (١)؟ وهو إنما يتبع في هذا النحو حركةَ الأعِرابِ، وكذلك تَقُولُ: إذا أَضَفْتَ المثنّى والمجموع بالواو والنون، وقد حذفت النون لتقصير الصلة نحو (٢): [الفارِجُو بابِ الأميرِ المبْهَمِ] لا نون هنا فَتُحذفَ فلابد أن يقال: إنَّ مراده التنوينُ والنونُ الظاهرانِ خاصةً، وَإِلاَّ (٣) كان كلامُه مُشْكِلاً.
والجواب أنَّ رأي المؤلِّفِ هو الأوّلُ، وأنَّ الحذف يَتَسلَّط على المقدَّر، كما يَتَسلَّط على الظاهر، وذلك أنه لما قام الدليل على أن مالا ينصرف مقدر فيه التنوين، وأن الاضطرار هو الذي بين ذلك، بدليل أن مالا يُقدَّر
стр. 1994
((فيه التنوينُ لا ينون (١))) في الاضطرار، كذي الألف واللام، لم يكن بدُّ من القول بتقدير حذفه، لأنَّ التنوين مضاد للإضافة، فإذا قُدِّر لم تصح الإضافة، لأن الإضافة تقتضي اتصال المضاف بالمضاف إليه، والتنوين يقتضي انفصالها فتنافيا، وكونُ ذلك لا أثر له في الظاهر لا يمنع، فإن له أثرا من جهة المعنى، وهو ما تقدم، فلابد من القول ((به (٢))). ويُحْمَل (٣) تمثيلُ الناظم على أنه ليس بتقييدٍ، ولا مُخْرِجَ لشيءٍ.
وأما الاعتراض بكم درهمٍ ولدُنْه، وبقوله (٤): ((الفارجو بابِ الأمير)). فذلك من القلّةِ بحيثُ لا يعتبرُ في هذه الكُلِّية، وأيضا إذا كانت النونُ محذوفةً لتقصير الصلِّة (٥)، فهي محذوفةٌ رأساً غير مقدَّرة في الموضع، فأغنى حذفُها للطول عن حذفها للإضافة، وهذا ظاهر.
ثم قوله: ((مما تضيفُ)) يشُعِرُ بالاعتماد على قَصدِ الإضافة في هذا العمل وذلك صحيح؛ إذ لابد من قصد ذلك وإلاّ لم تحصُلْ؛ إذ لا تحصُلِ الإضافة من غير قصدٍ إليها، وإذا قُصدَت حَصَلَ ما قالَ من العمل.
ثم قال: ((والثاني اجرُرْ))، يعني بالثاني المضافَ إليه وهو ((زيد)) في قولك: غلامُ زيدٍ، فتقول: غلامُ زيدٍ يا هذا، وصاحبا عمرو، ((بجرِّ عمرو (٦)))، وكذلك ((القوم)) في قولك: منطلقو القوم، وما أشبه ذلك.
والجرُّ هنا أيضا تارة يكون ظاهرا نحو ما تقدم ((ذكره (٦)))، وتارة يكون
стр. 1995
مقدَّرا بأن تجعل الموضع موضع جَرٍّ، وذلك إذا كان المضاف إليه مبنياً نحو: غلامك وغلامُه وصاحباك وضاربونا، فإن موضع الضمير لابد أن يقدر أنه جَرُّ (١) / والدليل على ذلك ٣٣٦ أنه إذا عُوِّض منه الظاهرُ ظَهَر فيه الجرٌّ وأيضا فالجرُّ المقدَّرُ ضربان:
أحدهما: هذا. والآخر: أن يكون التقديرُ في مُعْرَبٍ تَعَذَّر ظهوره فيه، كالمقصور والمضاف إلى ياء المتكلم والمنقوص، نحو: غلامُ الفتى، وغلامي، وغلام القاضي. وما كان مثَل ذلك.
فإطلاقُ الناظمِ صالحٌ لهذا كلِّه، ثم بيَّن أن الإضافة على ثلاثة أقسام: إضافة بمعنى من، وإضافه بمعنى في، وإضافة بمعنى اللام، فالإضافة بمعنى اللام هي الأصل لأنها الأكثر في الكلام، ولأنه لا يُدَّعى غيرها إلا إذا تعين ذلك المعنى في الموضع على ما يظهر من قوله: ((وانو من أوفى إذا لم يصلح إلا ذاك))، يعني أن الإضافة قد تكون على نية مِنْ على أن معنى مِنْ موجودٌ تقديرا، وقد تكون بمعنى في كذلك، لكنْ هذان الوجهان لا يُرجَعُ إليهما إلا إذا لم يصلح في الموضع غيرهما، فيتعيَّنُ كلُّ واحدٍ منهما في موضعه.
فمثالُ ما يتعيّنُ فيه تقديرُ مِنْ ما كان فيه المضافُ بعضَ المضافِ إليه نحو: خاتمِ حديد، وثوبِ خَزٍّ، وبابِ ساجٍ، وخاتِم طينٍ، ورطلِ زيتٍ، وما أشبه ذلك، فالإضافة هنا بمعنى من والتقدير: خاتمٌ من حديد، وثوبٌ
стр. 1996
من خزٍّ، ((وبابٌ من ساج (١))) وخاتمٌ من طين ورطلٌ من زيت وكذلك ((سائر (٢) الأمثلة)) ويتعين هذا التقدير فيها، إذ لا يصح أن يُقَدَّر فيها معنى اللام، فلا تقول: خاتمٌ لحديدٍ، ولا ثوبٌ لخزٍّ، ولا ما أشبه ذلك.
ومن هذا القسم جميعُ المقادير إذا أُضِيفَتْ إلى المقَدَّرات، كشِبْرِ أرضٍ، وقفيزِ برٍّ وخمسةِ أثوابٍ، وعشرةِ رجالٍ، وما كان منه.
ويبقى النظرُ بعد هذا في نحو: رِجْلِ زيدٍ ويدِ عمروٍ' وبعض القومٍ، وكلِّ الرجالِ، فإن تقدير مِنْ فيه سائغ؛ إذ يصح أن يقال: رجْلٌ من زيدٍ، ويدٌ من عِمْروٍ، لأنها بعضٌ منه، فصار بهذا الاعتبار كخاتمِ حديدٍ، لأن الخاتم بعضُ الحديدِ، وكذلك بعضٌ القوم، لصحة قولك: بعضٌ من القوم، لكن يمكن أن يُقِدِّر فيه اللامُ، فتكون الإضافةُ على معنى اللام، ويصلح (٣) أن تُقِدِّره: رجلٌ لزيد ويدٌ لعمرو وبعض للقوم، وإذا صلح ذلك خرج عن أن تكون الإضافة فيه بمعنى من، بنص كلام الناظم؛ إذ قال: ((وانو من أوفي إذا لم يصلح إلا ذاك))، وههنا صَلَح غير ذاك، فلا تنوي من.
وبهذا القيد ضَبَطَ هذا المعنى، وهو صحيح جارٍ على ما ذهب إليه في غير هذا الكتاب. وإنما ضَبَطَ في التسهيل إضافة من يكون الأول بعض الثاني مع صحة الإخبار به عنه، فتقول: خاتَمُك حديدٌ، وثوبُك خزٌّ. وهذا صحيح أيضا. ولا تقول: اليد زيد، ولا الرجل عمرو، وقد يكون تقْييِدُه في هذا النظمِ أنسبِ وأَدَلَّ على المقصود وأوضح في الاستدلال على صحة ما ضبط لأن قوله: ((إذا لم يصلح إلا ذاك، يعطي أنه لا يقدم على تقدير من أوفي إلا إذا لم يوجد عن ذلك
стр. 1997
مندوحة. وهو (١) استدلال قياسيٌّ في الموضع، وإلاّ فالأصل الذي هو معنى اللام طالب له، فإذا صَلَح تقديرُ اللاَّمِ / لم يُنْتَقَلْ عنه إلا بدليل واضح وسبَبٍ قَوِيٍّ، وذلك موجود في ... ٣٣٧ خاتم حديد، وثوب خَزٍّ ونحوه، وغير موجود في نحو: يد زيد، وبعض القوم وما ضبطه (٢) في التسهيل لا يعطي هذا المعنى، فكأن ((ما (٣))) هنا أولى.
وقد ذهب ابن كيسانَ والسيرافي إلى أن إضافةَ كلٍّ وبعضٍ من الإضافة التي بمعنى من، ولم يَرِه الناظمُ، لأنَّ تقدير منِ تقدير منِ لا يتعين فيهما، فلا ينبغي أن يقال به إلا إذا تعين كما تقدم، فالظاهر مذهب الناظم، وقد عزا في الشرح معنى ما ذكر في التسهيل إلى ابن السراَّجِ.
وأما الإضافة التي بمعنى في، فمعناها على أن يكون المضافُ إليه ظرفاً وَقَع فيه المضافُ، وهذه الإضافةُ قد أغَفَلها أكثرُ النحويِّين وأثبتَها المؤلِّفُ في كُتُبِه، وقال بها لوجودها (زَعَم (في الكلام الفصيح بالنقل الصحيح، كقوله تعالى: ﴿وهو أَلِدُّ الخصامِ﴾ (٤). لأن المعنى وهو أَلَدُّ في الخصام، وكقوله تعالى: ﴿للذين يُؤْلُون من نِسائهم تَرَبُّصُ أربعةِ أَشْهرٍ (٥)﴾. فالمعنى: تَربُّصُ في أربعة أشهر. وقوله (٦) تعالى: ﴿يا صاحِبَي
стр. 1998
السجنِ (١)﴾، أي: يا صاحِبَيَّ في السجن وقوله: ﴿بل مَكْرُ اللَّيلِ والنَّهارِ (٢)﴾. وفي الحديث: ((لا يَجِدُون عالِماً أَعلَمَ من عالمِ المدينةِ (٣))). والعربُ تقولُ: شهيدُ الدارِ وقتيلُ كربلاءَ.
ثم أنشد أبياتاً على هذا المعنى، تُشْبِه ما أَنْشَدَ سيبويه للكُميت (٤):
شُمٍّ مهاوينَ أبدانَ الجَزُورِ مخا
ميصَ العَشِيَّاتِ لا خُورٍ ولا قَزَمِ
ثم قال: فلا يَخْفَى أنّ معنى ((في)) في هذه الشواهد كلِّها صحيح ظاهر، لا غنى عن اعتباره وأَنَّ اعتبار غيره ممتنع أو مُتَّصِلٍ إليه بتكلُّف لا مَزِيدَ عليه، فيصح ما أردناه والحمدلله، ولقد رد عليه ابنه في الشرح بأوجه ثلاثة (٥):
أحدها: أَنَّ إثبات هذه الإضافةِ يستلزم دْعَوْى كَثْرَةِ الاشتراكِ في معناها، وهو على خلاف الأصل.
وله أنْ يُجِيب عن هذا بأنَّ الدليلَ هو المتَّبَع، وقد دلَّ على وجود إضافه ((في)) (٦) كما بُيِّن، فلابد من اتِّباعه.
стр. 1999
والثاني: أن كل ما استُدلّ به يصحُّ فيه معنى إضافة (١) اللامِ مجازاً، وهو أرجح من جهتين، إحدهما أن المجاز خيرٌ من الاشتراك، والثانية: أنَّ الإضافة لمجازِ الملكِ والاختصاص ثابتةٌ باتفاق، كما قوله (٢):
إِذَا كوكبُ الخَرْقَاء لاح بِسُحْرةٍ
وقولِ الآخَرِ (٣):
لِتُغْنِي عَنِّي ذا إِنائِك أَجْمعاَ
والإضافة بمعنى في مُخْتلَفٌ فيها، والحملُ على المتَّفق عليه أولى.
وله أن يجيب عن الأولى بأنها معارضةٌ بقول من عَكَس القضيةَ، فجعلُ الاشتراك أولى، والمسألة خلافيَّةٌ، يذكرها أربابُ الأصولِ.
وعن الثانية: بأنّ الدليل قد دلَّ على وجودِ ما اخُتِلف فيه، فَتَرْكُ القولِ به مع قيامِ الدليل عليه إهمالٌ للدليلِ من غير موجِبٍ، وهو باطل باتفاق.
والثالث: أَنَّ الإضافةَ في نحو: ﴿بل مكرُ الليلِ والنهارِ﴾. إِمَّا بمعنى اللام على جَعْلِ الظَرْف مفعولاً به على السعَّة، ((٤ - وإِمَّا بمعنى في، على بقاء الظرفية، والاتفاق على جواز جَعْلِ الظَّرْفِ مفعولاً به على السعَّة -٤)) كما في:
صيِد عليه يومان وُوِلد له ستّون عاما. والاختلافُ في جواز إضافة في، والمتَّفَقُ عليه أرجَحُ.
стр. 2000
ويعارض هذا الاتفاق باتفاقهم على أن الأصل في الظرف/ الذي (١) وقع فيه ... ٣٣٨ الفعل أن يبقى على ظرفيته، كما إذا سبكت من المضاف فعلا نحو قولك، بل مَكَرْتُم الليل والنهار، وزيد لدَّ في الخصام، وتربص أربعة أشهر، وما أشبه ذلك، وإذا كانت الإضافة هذا أصلها باتفاق، فالأصل بقاءُ معناها وعدم نسخه بمعنى آخر.
هذا مما يُعتذرُ بع عما يرد عليه، وقد اعتُرض عليه أيضا في ارتكاب هذا المذهب بأشياء، منها ما ذكره ابنُه، وتأوُّلُ ما استشهد به المؤلِّفُ، على غير تكلف، والأمر في ذلك كله قريب؛ إذ لا يختف حكم الكلام مع تقدير أحد الأمرين.
ثم قال: ((واللام خُذَ الماسوى ذين)). خذا: أصله خُذَنْ، بالنون التوكيدية، أبدلت في الوقف ألفا كقوله (٢):
ولا تَعْبُدِ الأوثانَ واللَّهَ فاعبُدَا
ويعني أن ماسوى هذين القسمين فالإضافة (٣) فيه على معنى اللام، واللام فيه منوية، وهو الباب الكثير، سواء أحسُنَ ذكرها لفظا أم لم يَحْسُن، فإن اللام مقدرة، فقولك: زيدٌ عند عمرو، على تقدير اللام بلابُدٍّ، وإن لم يصح أن تقول: زيد عنداً عمرو، كما كانت الظروف غير المتصرفة على تقدير فْي وإن لم يحسُن تقديرها نحو: زيد عندك، وقد يحسُن ذكرها لفظا، وهو الباب، نحو: غلامُ زيد، وصاحبُ عمرو، وسرجُ الدابة،