Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
وإن وجد لها موضع آخر مثل هذا لم يلزم في القياس محظور، ولم يتأت فيه نزاع؛ لأن ذلك في الحقيقة راجع إلى استعمال موضع السماع على نحٍو مما سمع لا التزام عين ما سمع.
وهذا ظاهر لا خفاء به، وإذا ثبت هذا انكسرت سورة الاعتراض، وظهر وجه هذا الأغراض، وبالله التوفيق.
ثم قال الناظم:
على للاستعلا ومعنى في وعن ... بعن تجاوزا عني من قد فطن
وقد تجي موضع (بعٍد) وعلى ... كما على موضع عن قد جعلا
أما (على) فذكر لها ثلاثة معان هنا، وبين بعد هذا أن على وعن يقعان اسمين: أحدها: أن تكون للاستعلاء، وذلك قوله: (على للاستعلا) بمعنى أن ما يقع مجرورًا بها مستعلى عليه، إما حسا، كقولك: صعدت على الحائط، وجلست على الحصير، وصليت على الأرض. وفي القرآن: ﴿كل من عليها فاٍن﴾ ﴿وعليها وعلى الفلك تحملون﴾، وهو كثير.
وإما معنى كقولهم: عظم علي الأمر، وضاقت علي الأرض، وسهل علي الأمر، وصعب علي.
стр. 1927
قال سيبويه: "وأما: مررت على فلاٍن، فجرى هذا كالمثل، وعلينا أمير كقولك: وعليه مال؛ وهذا لأنه شيء قد اعتلاه" قال: "وتقول: عليه مال، وهذا كالمثل، كما يثبت الشيء على المكان كذلك يثبت هذا عليه". وفي القرآن ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾. ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة﴾ " ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾. وأنشد سيبويه للنمر بن تولب.
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر
والثاني من معاني (على) أن تقع موقع (في) الظرفية، وذلك قوله: (ومعنى في) وهو معطوف على الاستعلاء، أي: ولمعنى (في)، وذلك قولك: كان هذا على عهد فلان، تقديره في عهد فلان. وفي القرآن: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾. ﴿ودخل المدينة على حين غفلٍة من أهلها﴾. ﴿يبين لكم على فترٍة من الرسل﴾. وأنشد سيبويه:
стр. 1928
يمرون بالدهنا خفافًا عيابهم ... ويخرجن من دارين بجر الحقائب
على حين ألهى الناس جل أمورهم ... فندلًا زريق المال ندل الثعالب
والثالث: أن يكون بمعنى (عن) أي: تسد مسدها في معنى المجاوزة الذي يذكره، ومثال ذلك: بعد علي المكان، وتعذر عليه الأمر، وأبطأ عليه، وخفي علي مكانك. ومنه أيضًا قول القحيف العقيلي:
إذا رضيت علي بنو قشيٍر ... لعمر الله أعجبني رضاها
فـ (على) في هذه المواضع بمعنى (عن) لصحة وقوعها موقعها، فتقول: بعد عنه، وتعذر عنه، وأبطأ عنه، وخفي عنه، ورضيت عني بنو قشير، وأنشد سيبويه:
أرمي عليها وهي فرع أجمع ... وهي ثلاث أذرٍع وإصبع
التقدير: أرمي عنها، لقولهم: رميت عن القوس.
وقال ذو الإصبع العدواني:
لم تعقلا جفوة علي ولم ... أوذ صديقًا ولم أنل طمعا
стр. 1929
يريد عني.
وقال دوسر بن غسان اليربوعي:
إذا ما أمرؤ ولى علي بوده ... وأدبر لما يصدر بإدباره ودي
أي: ولى عني.
فإن قيل: فأين جريان القياس في وقوع (على) موقع (في) و (عن)؟
فالجواب: إن القياس جاٍر في بعض ما تقدم في التمثيل:
أما في وقوعها موقع (في) فحيث يكون الموضع تاريٍخ وتعيين وقت، فيؤتى بالزمان كقوله: ﴿على حين غفلة﴾. أو بمصدر يقدر معه الزمان كقوله: على عهد فلاٍن، إذ المعنى: على حين عهد فلان، وعلى/ وقت كذا، فلا يمنع هنا القياس.
وأما في وقوعها موقع (عن) فقد قال في الشرح: واستعمالها للمجاوزة كوقوعها بعد: بعد، وخفي، وتعذر، واستحال" وأشباه ذلك من: أبطأ، وأحال، وولى نحوها، فهذه المواضع قد يسوغ قياسها. والله أعلم.
ثم قال: (بعن تجاوزًا عنى من قد فطن) ... إلى آخره. أتى لعن أيضًا بثلاثة معاٍن:
أحدها: وهو الأصل: أن تكون للمجاوزة، بمعنى أن مجرورها مجاوز أو مجاوز، نحو قولك: صددت عن زيٍد، وأعرضت عنه، ووليت عنه،
стр. 1930
فالمعنى: جاوزته بهذه الأشياء، وكذلك أضربت عنه، وانحرفت عنه، وعدلت عنه ورحلت عنه، وغفلت عنه، وسهوت عنه. قال سيبويه: "وأما (عن) فلما عدا الشيء، وذلك قولك: أطعمه عن رجوٍع، جعل الجوع منصرفًا تاركًا له قد جاوزه. وقال: سقاه عن العيمة، وكساه عن العري، جعلهما قد تراخيا عنه، ورميت عن القوس؛ لأنه بها قذف سهمه عنها وعداها".
قال: "وتقول: جلس عن يمينه، فجعله متراخيًا عن بدنه وجعله في المكان الذي بحيال يمينه. وتقول: أضربت عنه، وأعرضت عنه، وإنما تريد أنه تراخى عنه وجاوزه إلى غيره". قال: "وتقول: أخذت عنه حديثًا، أي عدا منه إلى حديث" انتهى كلام سيبويه، وإنما أتيت به شرحًا لمعنى المجاوزة، وبسطًا له، وردا للمواضع المختلفة في (عن) إلى هذا المعنى (الأصيل، وكان الناظم إلى هذا المعنى أشار، أي أن التجاوز في (عن) هو المعنى) المعني المقصود المطرد، و (من قد فطن) يمكن أن يريد به العرب، يعني أن التجاوز هو الذي وضعت العرب له هذا اللفظ.
والفطنة كالفهم، فطنت للشيء بمعنى فهمته، وفي التعبير بـ (من قد فطن) هنا عن العرب بعد ما، ويمكن أن يريد بذلك النحويين: سيبويه،
стр. 1931
ومن حواليه؛ لأنهم الذين فطنوا لمقاصد العرب في (عن)، وأنها للمجاوزة في جميع تصرفاتها، أو أكثرها.
والثاني: من معانيها أن تأتي بمعنى (بعد)، وهو قوله: (وقد تجي موضع بعد) يعنى أنها قد تأتي قليلًا واقعة موقع (بعد) التي هي ظرف الزمان، كقولك: عن قليل يندم زيد. وفي القرآن الكريم: ﴿عما قليل ليصبحن نادمين﴾. فالمعنى بعد قليل يكون كذا، وكذلك قوله: ﴿لتركبن طبقًا عن طبق﴾. معناه: حالا بعد حال. وقال الحارث بن عباد:
قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال
أي: بعد حيال، والمعنى: حملت بعد أن كانت تضرب فلا تحمل. وقد امرؤ ألقيس:
ويضحي فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنطق عن تفضل
وقال العجاج:
ومنهل وردته عن منهل ... قفرين هذا ثم ذا لم يوهل
стр. 1932
وقال النابغة الجعدي:
واسأل بهم أسدًا إذا جعلت ... حرب العدو تشول عن عقم
فـ (عن) في هذه الأبيات بمعنى (بعد)، وهو قليل، كما قال؛ فلذلك لا يطالب هنا بالقياس في وضع (عن) موضع (بعد)، وكذلك في وضعها موضع (على)؛ لأنه قد قيد مجيئها كذلك بالقلة.
/ وأعلم أن وقوع (عن) في موضع (بعد) إما أن يكون بالنيابة، كما تنوب مثلًا واو (رب) عن (رب) من غير أن تضمن معناها، وكما تنوب (يا) عن (أنادي).
و(أما) في نحو:
* ... أما أنت ذا نفر*
عن الفعل.
وإما أن يكون على أن تفيد معناها بنفسها لا أنها نائبة، فإن كان الأول فلا إشكال في صحة حرفية (عن) عند ذلك، إلا أن ظاهر النقل إن (عن) هي المودية لمعنى (بعد)، وحينئذ يلزم أن تكون اسمًا لا حرفًا؛ إذ الحرف إنما يؤدي معنى الاسم، ولم يعهد في كلام العرب أن يرادف الحرف- وهو حرف- الاسم، بل إذا أدى معنى الاسم صار اسمًا؛ ولذلك لما دخل على (عن، و (على) حرف الجر صارا اسمين مرادفين لناحية،
стр. 1933
وفوق، وكذلك الكاف لما صارت اسمًا صار معناها معنى مثل، لا معنى التشبيه. ومثله: مذ ومنذ، وغيرها، وهذا أيضا بعينه لازم في الباء التي بمعنى (مع (؛ لأن (مع) اسم، والباء مودية معناها فهي مرادفة له، فيلزم أن يكون اسمًا، وإذا كان الأمر كذلك فالناظم كان من حقه أن يذكر ذلك كما ذكر الاسمية في (مذ)، و (منذ)، و (عن)، و (على) لكن لم يذكر ذلك، فيوهم أن (عن) إذا أدت معنى (بعد)، أو الباء إذا أدت معنى (مع) باقيتان على حرفيتهما. والقاعدة تأبى ذلك.
فإن قيل: بل الظاهر البقاء على الحرفية- كما يشير إليه كلامه- ولا يلزم إذا أدى الحرف معنى الاسم أن يصير اسمًا، وإنما يلزم القول بأسمية الحرف إذا دخلت عليه خاصة من خواص الاسم، كحرف الجر، ووقوعه جزء الكلام. والدليل على أن دلالة الحرف على معنى الاسم لا يصير الحرف اسمًا أنه لو كان كذلك لصارت الواو التي بمعنى (مع) اسمًا، ولم يقل بذلك أحد من أهل البلدين، ولوجب أن يكون اسم الفعل فعلًا؛ لدلالته على معنى الفعل، ولكان الاسم المتضمن لمعنى الحرف حرفًا؛ لدلالته على معنى الحرف، فلما لم يكن ذلك لازمًا لم يلزم أيضا أن تكون (عن)، والباء في مسألتنا اسمين حتى يكون ثم خاصة دالة على ذلك، وليست بموجودة، فلا تخرجان عن أصلهما من الحرفية بذلك.
فالجواب: أن النحويين قد جعلوا الدلالة على معنى الاسم علامة على الاسمية، وابن مالك واحد منهم، فإنه قال في التسهيل حين عدد ما يعرف به الاسم، فقال: "وبموافقة ثابت الاسمية في لفظ أو معنى" ولم يقتصر على الخواص اللفظية، ومن هناك حكيم على (سبحان) ونحوه بالاسمية؛ إذ هو بمعنى
стр. 1934
الاسم الذي هو البراءة، وكذلك (قد) جعلوه اسمًا في نحو: قدك درهم؛ لأنه بمعنى حسبك درهم.
وكذلك استدل على أن "كيف" اسم بإبدال الاسم منه، وهو راجع إلى موافقتها إياه في المعنى، وكذلك اعتبر الناظم في هذا النظم المرادف بمرادفه، فجعل دخول الألف واللام في المرادف دليلًا على كون الآخر معرفة في قوله:
نكره قابل (أل) مؤثرًا ... أو واقع موقع ما قد ذكرا
وهذا مشعر بصحة الاعتبار/ بالمرادف وأنه إذا ثبت لأحدهما حكم ثبت للآخر، وإذا كان كذلك فالسؤال وارد أولًا. وأما إلزام اسميه الواو التي بمعنى (مع)، وفعلية اسم الفعل، وحرفية الأسماء المتضمنة معنى الحرف فنقول بموجبه لو لم يكن ثم معارض، وقد ثبت المعارض، فإن المعارض في الواو ثابت عنده وهو أنه ليس في الأسماء ما هو على حرف واحد إلا وموقعه موقع العجز لا موقع الصدر، كتاء الضمير، وبائه، وإنما يقع موقع الصدر ما هو حرف كباء الجر ولامه، فلو حكم على الواو المذكورة بالاسمية لزم عدم النظير، وهذا- وإن كان فيه نظر- فهو على الجملة صحيح- أعني وجود المعارض- ولوجود المعارض حكيم على أسماء الأفعال بالاسمية، وعلى أسماء الشرط، والاستفهام بالاسمية لوجود خواص الاسم، وفقد خواص الفعل والحرف ما عدا الدلالة على المعنى. قال ابن مالك: والدلالة اللفظية أقوى من المعنوية، فإذا بنينا على طريقة ابن مالك في هذا قلنا في الباء: إنها لم تخرج عن الحرفية لوجود المعارض في دعوى الاسمية، وهو
стр. 1935
المعارض في الواو المتقدمة.
وأما (عن) فيلتزم أنها حينئذٍ اسم، ويجوز دخول (من) عليها عند ذلك ويدخل تحت قوله بعد (واستعمل اسمًا) - يعنى الكاف- (وكذا عن وعلى) إلى آخره، فتقول من مواضع استعمال (عن) اسمًا أن يكون بمعنى (بعد)، والذي يرد عليه في كلامه في الواو أن الكاف قد صحت أسميتها، وهي على حرف واحد غير واقعة موقع العجز، لكن له أن يقول: لم يتعارض هنا أمر لفظي وأمر معنوي، بل أمران لفظيان، وهو كون الكاف على حرف واحد- وليست في العجز، ودخول الحروف الجارة، ووقوعها فاعلة، ومفعولة. وليس أحدهما أولى بالاعتبار من الأخر إلا من حيث الترجيح، ونحن وجدنا من الأسماء ما هو على حرف واحد في الجملة، ولم نجد ما دخل عليه شيء من الخواص اللفظية، فلم نحكم بالاسمية، فرجحنا ما له نظير على الجملة على ما ليس له نظير البتة، فحكمنا باسمية الكاف الجارة، وإن وقعت على حرف واحد صدرًا؛ لأن لها نظيرًا من الأسماء في وقوعها على حرف واحد، ولم نحكم بالحرفية؛ إذ لم نجد حرفًا يدخل عليه حرف الجر لغير معنى التوكيد كقوله:
"ولا للما بهم أبدًا دواء*
فثبت على هذا أن الباء التي بمعنى (مع) حرف كواو المصاحبة تغليبًا للحكم اللفظي على المعنوي، وأن (عن) التي بمعنى (بعد) اسم؛ إذ لا معارض للاسمية فيه، كما أنه لا معارض لدعوى الاسمية في (قد) بمعنى حسب، إلا أن أخذ ذلك من كلام الناظم هنا هو من حيث سكت في الباء عن التنبيه، وحكم على (عن) بها بعد هذا.
وهذا كله تكلف، والصواب ألا يحكم على (عن) بالاسمية إلا مع دخول (من)
стр. 1936
لا دونها، فعن التي بمعنى (بعد) إذا لم يدخل عليها (من) لا يحكم عليها بالاسمية. فالأولى في هذا الموضع أن يقال: إنما تدعي الاسمية في الكلمة إذا وجدت فيها خواص/ الاسم كان معناها معنى الاسم أو معنى الحرف، وإذا لم يوجد فيها شيء من ذلك، فالمدعي فيها الحرفية كان معناها معنى الاسم أو معنى الحرف، هذه طريقة المحققين.
وقد سمعت شيخنا القاضي أبو القاسم الحسني- ﵀ ووقع الكلام في الفرق بين (من) و (بعض) في قولهم: أكلت من الرغيف، وأكلت بعض الرغيف: لا فرق بينهما أصلًا إلا من جهة جريان أحكام الأسماء على (بعض) من وقوعها فاعلة، ومفعولة، ودخول الجر، والتنوين فيها، وغير ذلك، وعدم ذلك في (من). وأما من جهة المعنى فهما واحد. وكذا قال الشلوبين في كلامه على جملة من الأسماء المبنية بحق الأصل: أنها لا فرق بينها وبين الحروف إلا في الأحكام، وإذا كان كذلك لم يكن في وقوع (عن) بمعنى (بعد) دليل على الاسمية، إلا أن كان ثم دليل لفظي، وإلا فهي حرف لا غير، وهو أدرى على كلامه هنا. والله اعلم.
والثالث: من معاني (عن) أن تأتي بمعنى (على) - يعني للاستعلاء- وذلك قوله: (وعلى) وهو معطوف على (بعد)، والمعنى أنها تجئ في موضع (على) قليلًا مؤدية معناها، ومثال ذلك قول ذي الإصبح العدواني:
لا ابن عمك لا أفضلت في حسبٍ ... عني ولا أنت دياني فتخزوني
стр. 1937
أراد: لا أفضلت علي؛ لأن المعنى لا تفضل في الحسب علي من قولهم: أفضلت على الرجل إذا أوليته فضلًا. وقال قيس بن الخطيم:
لو أنك تلقي حنظلًا فوق بيضنا ... تدحرج عن ذي سامه المتقارب
أي: على ذي سامه المتقارب.
وقوله: (كما على موضع عن قد جعيلا) يعني أن (عن) وضعت موضع (على) في نحو هذه الأمثلة كما وضعت (على) موضع (عن) في قوله:
* إذا رضيت علي بنو قشير*
ونحوه مما مر ذكره، حملت إحداهما على الأخرى، فكان بينهما ضرب من التكافؤ، وحذف الهمزة من (تجئ)، وهي لغة لبعض العرب يحذفون الهمزة من يجئ ويسوء، فأتى بتجي في هذا النظم على تلك اللغة القليلة.
ثم قال الناظم:
شبه بكافٍ، وبها التعليل قد ... يعني وزائدًا لتوكيد ورد
واستعمل اسمًا، وكذا عن وعلى ... من أجل ذا عليهما (من) دخلا
ذكر للكاف قسمين أولين: الزيادة، وعدم الزيادة، وذكر لها في عدم الزيادة معنيين:
стр. 1938
أحدهما: التشبيه، وذلك قوله: (شبه بكاف) يريد أن الكاف تقع للتشبيه، بمعنى أن المجرور بها مشبه به، كقولك: زيد كالأسد، وهنا كالبدر. وفي القرآن: ﴿أو كصيب من السماء﴾ ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان أكفر﴾ ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا﴾. وهو كثير.
والثاني: التعليل، وذلك قوله: (وبها التعليل قد يعني) الضمير في (بها) للكاف، وكذلك في قوله: (وزائدًا لتوكيد ورد) للكاف أيضًا، لكنه أتى بالأول مؤنثًا على معنى الكلمة، أو اللفظة. وبالثاني مذكرًا على معنى الحرف /٣١٣/ أو اللفظ؛ إذ/ الحرف يؤنث ويذكر، ويريد أن الكاف قد تأتي قليلًا مؤدية معنى التعليل، كاللام، والباء، وذلك قولك: زرني كما أحسنت إليك. وفي التنزيل الكريم: ﴿واذكروه كما هداكم﴾. وقال الأخفش في قوله تعالى: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم﴾. الآية. إن التقدير والمعنى: "كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم فاذكروني، أي كما فعلت هذا فاذكروني، واشكروا لي"، وهو معنى كلام الفراء فيها؛ إذ قال: الكاف تكون شرطًا. تقول: كما أحسنت إليك فأحسن؛ لأنها يدخلها معنى إذ، ولذلك دخلت الفاء.
стр. 1939
وحكي سيبويه: كما أنه لا يعلم ذلك، فتجاوز الله عنه.
ثم قال الناظم: (وزائدًا لتوكيد ورد). هذا هو القسم الثاني من قسمي الكاف، يعني أن الكاف تأتي زائدة لمعنى التوكيد في كلام العرب. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾. لأن المعنى: ليس مثله شيء، ولا يجوز أن تكون هنا غير زائدة؛ لأنه يؤدي معنى أثبات مثل ينفي عنه المثل، وذلك محال مبني على مجال آخر. وقال تعالى ﴿وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون﴾. ويمكن أن يكون من ذلك قوله: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا﴾. وأشباهه. وحكي الفراء قال: قيل لبعض العرب كيف تصنعون الأقط؟ قال: كهين، يريد هينا، فزاد الكاف. وقال رؤية:
* لو أحق الأقراب فيها كالمفق*
المعنى فيها المفق، وهو الطول. وقال خطام المجاشعي، أنشده سيبويه:
* وصاليات ككما يؤثفين*
стр. 1940
الكاف الأولى حرف زائد. وقال الآخر:
* فصيروا مثل كعصف مأكول*
ثم قال: (واستعمل اسمًا) يعني أن العرب استعملت الكاف المذكورة اسمًا لا حرفًا دل على ذلك الدليل؛ لأن الأصل فيها الحرفية، لكن لما قام على أسميتها الدليل قيل بها.
وفي قوله: (واستعمل اسمًا) إحالة على كلام العرب، وأنه لم يطلق القول باسميتها قياسًا، بل أخبر عن السماع، وذلك يشعر عنده بأنه أقلي وموقوف على السماع. وفي المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها حرف مطلقًا، ولا يكون اسمًا إلا في الشعر.
والثاني: أنها اسم مطلقًا، وهذا مذهب الأخفش. والأول رأي سيبويه
стр. 1941
والجمهور.
والثالث: أنها أكثر ما تكون اسمًا في الشعر، وأقل ما تكون اسمًا في الكلام، وهذا مذهب ابن أبي الربيع، ونحوه نحا الناظم.
أما مذهب الأخفش فرد بأمرين:
أحدهما: وقوعها صلة في نحو: أعجبني الذي كزيدٍ، وهو كثير جدًا.
ووجه الدليل: أن الصلة محصورة في أربعة أشياء، وهي إما جملة اسمية، أو جملة فعلية، أو ظرف، أو جار ومجرور. وقولك (كزيدٍ) في صلة (الذي) قد انتقي عنه أن يكون واحدًا من الثلاثة الأول، فتعين الرابع، وذلك يقضي بالحرفية.
فإن قيل: إنها في الصلة اسم مبني على مبدأ محذوف تقديره: أعجبني الذي هو كزيد.
أجيب: بأن حذف المبدأ/ من صلة (الذي) مع عدم الطول قليل جدَا، ووقوع الكاف صلة للذي مطرد كثير، فكثرة هذا، وقلة ذاك دليل على أنها حرف في الصلة.
والثاني: قول الله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾. ووجه ذلك أنه إن قال باسميه الكاف مطلقًا لزم أن تكون في الآية غير زائدةٍ؛ لامتناع زيادة الأسماء عنده. والقول بذلك يؤدي إلى ما هو كفر؛ لأن تقديره على ها: ليس مثل مثله شيء، وهذا إثبات مثل لله- تعالى عن ذلك- وذلك لمن يقول به كفر صراح، فلزم إذا أن تكون زيادة للتوكيد، وإذا لزمت الزيادة تعينت الحرفية على الأصل الذي قال به البصريون.
стр. 1942
وأما مذهب سيبويه: فإنه أتبنى على ما سمع، ولم تثبت أسميتها، إلا في الشعر، فقال بذلك.
وأما الناظم، ومن قال بقوله، فإنه لما رأي ذلك قد جاء في الكلام، وإن كان قليلًا، وذلك كقول الله تعالى: ﴿إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير﴾. فالكاف هنا مفعولة بأخلق؛ لأن المعنى: أنى أخلق لكم من الطين مثل هيئة الطير، وذلك يقضي بالاسمية في ظاهر الأمر، وجاء في الشعر ما يعين الاسمية أيضًا، وكثر ذلك فيه، فقد وقعت فيه فاعلا نحو قول الأعشى:
أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والقتل
فالكاف في كالطعن هو فاعل ينهي، وكذلك قول امرئ ألقيس:
وإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغليك مثل مغلب
ومفعولة أيضا، ومبتدأ، واسم كان في أبيات ذكرها في الشرح، لم أقيدها كما أحب، فأحلت عليها، وتكون مضافًا إليها كقول الشاعر أنشدده في الشرح:
تيم القلب حب كالبدر لا بل ... فاق حسنًا من تيم القلب حبا
وتجر بالحرف الجار نحو قول ابن غادية السلمي:
стр. 1943
وزعت بكالهراوة أعوجي ... إذا ونت الركاب جرى وثابا
وبيت الكتاب:
* وصالياتٍ ككما يوثقين*
فالكاف الثانية مجرورة بالأولى.
وقال امرؤ ألقيس، وهو ثابت في ديوان شعره، ويروي لعمرو بن عمار الطائي:
ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوب فيه العين طورًا وترتقي
وقال امرؤ ألقيس أيضا، ويروي لسلامة ألعجلي:
على كالخنيف السحق يدعو به الصدى ... له قلب عفي الحياض أجون
стр. 1944
وقال الآخر، ونسبه ابن جني إلى ذي الرمة
أبيت على مي كئيبًا وبعلها ... على كالنقا من عالجٍ يتبطح
إلى أبيات كثيرةٍ في الباب تقضي كثرتها ألا يحكم ألا يحكم عليها بالشذوذ، وعند ذلك يصبح ما ذهب إليه الناظم.
ثم قال: (وكذا عن وعلى) يعني أنهما استعملا اسمين كما استعملت الكاف اسمًا، وإنما يدعي ذلك فيهما عند إقامة الشاهد على الاسمية، وذلك دخول حرف الجر عليهما، ولذلك قال: (من أجل ذا عليهما من دخلا) يريد أن دخول من: الجارة عليهما إنما كان بسبب كونهما اسمين لكونهما في موضع/ جر بمن، وإلا، فلو كانا عند دخول (من) عليهما حرفين لم يدخل لم يدخل عليهما حرف الجر، لأن حرف الجر لا يدخل علي حرف الجر، لأن حرف الجر لا يدخل عليه حرف الجر، وما جاء من نحو:
"ولا للما بهم أبدا دواء"
فليس من ذلك؛ لأن هذا من باب إعادة الحرف توكيًدا، كقوله:
стр. 1945
لا لا أبوح بحب بثنة إنها ... أخذت على مواثقًا وعهودًا
فثبت أن (عن) و (على) عند دخول حرف الجر عليها اسمين.
وفي قوله: (من أجل ذا عليهما (من) دخلا) تنبيه على أمرين:
أحدهما: اختصاص (من) من بين سائر حروف الجر بالدخول عليهما؛ إذ قال: (من أجل ذا) أي من أجل الاسمية دخلت (من)، ولم يزد على ذلك، فقيه إشارة إلى اختصاص (من) بذلك؛ إذ لو كان دخول غيرها سائغًا عنده لقال: من أجل ذا دخل عليهما حرف الجر، أو نحو هذا من الكلام الذي يعطي عدم الاختصاص بمن.
والثاني: أنه لا علامة لهما عن الاسمية إلا دخول هذا الحرف؛ لأنه قيد وقوعها اسمين بدخول (من)، ولو كان له خاصة أخرى لم يقل ذلك، ولأطلق القول كما أطلق القول في الكاف؛ إذ قال: (واستعمل اسمًا) فلم يقيد؛ لأنها تقع فاعلة، ومفعولة ومضافًا إليها، وداخلًا عليها حروف الجر، فلما أطلق في الكاف، وقيد في غيرها دل تقيده على الاختصاص بما قيد، وهذا حسن من التنبيه، فإن الذي سمع فيهما دخول (من) وحدها كقول ذي الرمة:
وهيف تهيج البين بعد تجاوز ... إذا نفخت من عن يمين المشارق
وقال القطامي:
فقلت المركب لما أن علا بهم ... من عن يمين الحبيا نظرةٌ قبل
стр. 1946
هذا مما دخلت فيه من على عن. ومن دخولها على على قول مزاحم بن الحارث العقيلي، أنشده سيبويه:
غدت من عليه بعد ما تم ظموها ... تصل وعن قيض بزيزاء مجهل
وعلى هذا ينبني النظر في مسألتين:
إحداهما: أنه لا يرى رأي من رغم أن (على) لا تكون إلا اسمًا مطلقًا، دخل عليها خافض أو لم يدخل.
واستدل على ذلك بأنها في كل موضع لها موضع من الإعراب، وهو المفرق بين الاسم والحرف، فإذا كان لها موضع من الإعراب، فهي اسم، فإن إعرابها يحدثه العامل، ولا يعمل فيها إلا على معنى من المعاني، وهي الفاعلية، والمفعولة، والإضافة، وفي كل واحد من هذه الأحوال الثلاثة يقع الإخبار عنها، فتصبح لها الاسمية بخلاف ما لا موضع له. قال: فانظر أبدا (على) تجدها ذات موضع، ن فينبغي أن تدعي فيها الاسمية حتى يجئ ثبت. وما قاله هذا القائل قد يظهر من سيبويه في باب: عدة ما يكون عليه الكلم، ولكنه غير قاطعٍ، لأنه بين في قوله:
* آليت حب العراق الدهر أطعمه"
стр. 1947
أنه من باب:
* أمرتك الخير ... *
فليست عنده اسمًا بإطلاق، لكن كما قيد في (عن) حين قال: "وأما عن فاسم إذا قلت: من عن يمينك" وايضأ فقد قال الخد: لا يبعد في "عن" أو: لا / يمتنع في "عن" أن تكون مقرًا، لكونها اسمًا بمعنى ناحية، ألا ترى قول ساعده:
أفعنك لا برق كأن وميضه ... غاب تشيمه ضرام مثقب
أبو سعيد: أفعن شقك هذا البرق، أو عن ناحيتك هذا البرق. تقول العرب هذا كله، وجعل (لا) زائدة.
قال ابن خروف: وهو صحيح، فظاهر هذا الحكم عليها بالظرفية وإن لم تدخل عليها (من)، وهو مخالف لما أشار إليه الناظم، وشاهده البيت؛ لأن ظاهره النصب على الظرفية، وهو خبر المبتدأ.
فأما من خالف في (على) فلا دليل فيما قال، وليس الأمر كما زعم، فإنك إذا قلت: جلست على الحصير، فهمت المباشرة، وحروف الجر إنما جيء
стр. 1948
بها لتوصل معاني الأفعال إلى الأسماء وتضيفها إليها، وإضافة معاني الأفعال إلى الأسماء لا تتصور إلا في الحروف، فإذا قلت: جلست فوق الحصير، كان الفعل واقعًا بمدلول (فوق) لا بمخفوضها، فدل ذلك على انتقاء المرادفة، فلا يصح إن قال: إن (على) بمعنى فوق، إذا قلت: جلست على الحصير.
أما إذا تعين ذلك فلا محيص عن القول به، وذلك إذا دخل عليها حرف الجر كما تقدم، وأيضا فإن دعوى من ادعى أن لها موضعًا من الإعراب في كل موضع غير ظاهرة؛ إذ لا دليل يدل على إن قولك: جلست على الحصير، (على) فيه في موضع نصب، وإنما كان يكون الدليل على ذلك لو وقعت فاعلة أو مفعولًا بها كالكاف، أو مضافًا إليها، فعند ذلك يتعين كونها في موضع الإعراب.
وأما إذا قلت: جلست على الحصير، فلا دليل فيه لإمكان أن يكون الواقع في موضع النصب المجرور لا (على).
فإن قيل: إن الظرفية ظاهرة المعنى فيها، فهو الدليل. قيل: إن كان معنى الظرفية هو الدليل لا على أنها في موضع نصب، فليكن ذلك دليلًا في (في) إذا قلت: قعدت في الدار، فهي أولى بذلك، وكذلك الباء بمعنى (في)، وإذ ذاك يلزم اسمية هذه الحروف. وهذا كله شنيع من القول، ومخالفة للإجماع، ثم إنا نقول: إن (على) لا يفهم منها الظرفية، وإنما يفهم منها معنى الاستعلاء، ولو كان معنى (على) الظرفية، وأنها مرادفة لـ (فوق) للزم أن يكون معنى: على زيدٍ مال، فوق زيدٍ مال، وأن توضع موضعها (فوق) في كل موضع، وذلك غير صحيح. ومثله يشنع في نحو: ﴿توكلت على الله﴾. ﴿ولا تقولوا على الله
стр. 1949
إلا الحق﴾. ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾. الآية.
فإن قيل: وكذلك الاستعلاء يقبح، بل يستحيل في هذه الأشياء، فهو مشترك الإلزام.
فالجواب: أن مثل هذا راجع في المعنى إلى قولك: على زيدٍ حق، وعليه مال، والفوقية لا تصلح فيما تقدم لا حقيقية ولا مجازًا، فافترقا. والكلام هنا له مجال واسع يكفي هذا منه.
وأما من خالف في (عن)، فلا حجة له على ما قال. والبيت المستشهد به محتمل لأن تكون فيه (عن) عن أصلها من الحرفية على حذف المضاف؛ لكونه مفهومًا، أو جعل البرق مجازًا للمخاطبة نفسها/ واتساعًا. ويجري هنا من: : البحث اسمية عن وعلى بحالة دخول حرف (من) عليهما.
والمسألة الثانية: أن الناظم لم يعول على ما قاله ابن عصفور في تعيين أسميتها، وذلك أنه جعل لأسميتها موضعين:
أحدهما: ما أشار إليه الناظم من دخول الجار.
والآخر: أن يؤدي جعلها حرفًا إلى تعدي فعل المضمر المتصل إلى مضمره كقولك: دع عنك كذا، وهون عليك، كما قال امرؤ ألقيس:
دع عنك نهبأ صيح في حجراته ... ولكن حديثًا ما حديث الرواحل
وأنشد سيبويه:
стр. 1950
* هون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها *
وقال الآخر:
اضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسوط قونس الفرس
وقال زهير بن أبي سلمى:
فلما تبلج ما فوقه ... أناخ فسن عليه الشليلا
وضاعف من فوقها نثره ... ترد القواضب عنها فلولا
فإنك إذا جعلت (عن) و (على) هنا حرفين، أدى ذلك إلى باب ممنوع، وهو تعدي (هون) الذي فاعله ضمير المخاطب إلى مضمر المخاطب الذي هو (عليك)، وهو متصل، وذلك غير حائرٍ، كما لم يجز: ضربتني، ولا: أضربك، ولا: زيد ضربه، تريد: ضرب نفسه إلا في باب ظنت، فإذا ادعي في (على) في قوله: (هون عليك): أنه اسم صار (هون) إنما تعدى إلى غير ضمير المخاطب، فصار كقولك: اضرب غلامك. وهكذا القول في (دع عنك) وفي بقية النظائر.
وهذا المرتكب غير مرضي من وجهين:
أحدهما: أنه لو كان كما قال لم يجز أن يتعدى فعل المضمر المتصل إلى مضمره المتصل بحرف جر أصلًا حتى تصبح أسميته، وليس كذلك، فإنك تقول:
стр. 1951
قربت زيدًا إلى، وبعدته مني، وأدنيته مني، ومتعت زيدًا بي، ولا أعلم أحدًا يمنع هذا ممن تقدم. وفي القرآن الكريم: ﴿واضمم إليك جناحك من الرهب﴾. و (إلى) لا تصح أسميتها باتفاق. ومنه: ﴿ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون﴾؛ لأن المعنى على تعلق (لهم) بـ (يجعلون)، ولا يمكن جعل اللام اسمًا. ومثل ذلك في الكلام كثير.
والثاني: أن الضمير المجرور ليس بمتصل بالفعل لفظًا، فليس إذ ذاك بجارٍ مجرى المنصوب المتصل؛ ولذلك لم يذكره سيبويه حين ذكر امتناع نحو: أضربك، بل هو جارٍ في الحكم مجرى الاسم الظاهر بمثابة أن أو نطقت بالنفس، ونحو ذلك، فتقول: ضربت نفسي، كما تقول، ضربت غلامي، فالحق إذًا ما ذهب إليه الناظم، وهو رأى شيوخنا- ﵏.
فإن قيل: إن النحويين يقولون: لا يكون (عن) و (على) اسمين إلا إذا دخل عليهما الجار، فيجعلون دخوله هو السبب في الاسمية، والناظم عكس الأمر، فجعل دخول الجار عليهم مسببًا عن كونهما اسمين يقوله: / من أجل ذا عليهما من دخل) أي: من أجل إنهما يكونان اسمين دخل عليهما (من) الجارة، وذلك يقتضي أنهما قبل دخول (من) محتملان للاسمية والحرفية، فلا يدخل عليهما إلا بعد استقرار الاسمية، وظاهر كلام غيره أنهما لا تستقر أسميتهما إلا إذا دخل [عليهما] (من) فكيف هذا؟
فالجواب: أن ما قاله الناظم صحيح؛ إذ لا يصح دخول الجار إلا على
стр. 1952
مستقر الاسمية وإلا فلو كان الجار داخلًا قبل استقرارها لما كان دليلًا عليها، وحينئذٍ يلزم أن يكون (عن) و (على) محتملين مع التجريد من الجار.
فإن قيل: فهل لنا أن ندعي أنهما عند التجريد محتملان كالكاف الجارة.
قيل: إنما يدعي هذا على رأي من يدعي أن الاسمية فيهما قياس، وإن كان ضعيفًا.
وأما على رأي من لا يرى ذلك فلا ينبغي دعوى الاحتمال فيهما لأمرين:
أحدهما: أن الأصل فيهما الحرفية، فلا يخرجان عنه إلا بدليل، ولا دليل؛ إذ لم يثبت لهما الاسمية على الإطلاق.
والثاني: أن ما جاء فيهما متعين الاسمية نادر لا يقوى أن يقاس عليه غيره، وإذا كان كذلك كان كلام الناظم واردًا على اعتقاد العرب فيهما الاسمية، لا على اعتقادنا؛ إذ كان اعتقادنا لها ثانيًا عن وجود الجار داخلًا عليهما، عكس اعتقاد العرب؛ إذ كانت إنما أدخلته عليهما بعد اعتقاد الاسمية، فلا إشكال، فإذا وقع لنا في شعر أو غيره أن ندخل الجار عليهما، فلذلك قياس على ما نطقت به العرب، لا على مجرد الاحتمال، فكان الناظم تكلم على حسب اعتقاد العرب (قبل إدخال الجار، وغيره إنما تكلم على حسب اعتقادنا) فيما تكلمت به العرب، فإذا قد انتظم كلامه مع كلام النحويين.
فإن قيل: هل في كلامه دلالة على كون أسميتها وإدخال الجار عليهما قياسًا أو سماعًا أم لا؟
فالجواب/: (واستعمل اسمًا) ظاهر أنه يريد أن العرب استعملته كذلك- يعني الكاف-، ثم قال: (وكذا عن وعلى) أي استعملتهما العرب
стр. 1953
اسمًا كذلك، فهذا إخبار عن السماع، فالظاهر أن ذلك عنده غير قياسٍ كما تقدم في الكاف.
ثم قال:
ومذ ومنذ اسمان حيث رفعا ... أو أوليا الفعل كجئت مذ دعا
وإن يجرا في مضي فكـ (من) ... هما، وفي الحضور معنى (في) استنب
جعل الناظم: (مذ ومنذ) على وجهين:
أحدهما: أن يكونا اسمين:
والثاني: أن يكونا حرفين، فإن قال: (ومذ ومنذ اسمان) في موضع كذا، ثم قال: (وإن يجرا في مضى فكمن) يعني حرفين. وهذا رأي الجمهور.
وذهب بعض النحويين إلى أنهما اسمان أيضا إن انجر ما بعدهما؛ لأنهما قد ثبت لهما الاسمية إذا ارتفع ما بعدهما، أو أوليا الفعل، فليكن كذلك إذا انجر ما بعدهما؛ إذ الجر لا ينافي الاسمية. والأصل بقاء ما كان على ما كان، فوجب استصحاب الحكم الثابت لهما قبل أن يجرا ما بعدهما.
ورد هذا المذهب بأمرين:
أحدهما: قاله ابن عصفور أن الظرف إذا نفي عنه الفعل استغرقه النفي ولم يتعده، كقولك: ما رأيته يوم الجمعة، فقد استغرق النفي جميع أجزاء يوم الجمعة/ ولم يتعدها، وإذا نفيت الفعل قبل (مذ) لم يستغرقها وتعداها، فإذا قلت: ما رأيته مذ يوم الجمعة، فلا بد أن تكون رأيته في جزء من يوم الجمعة، ثم لم تره إلى زمانك الذي أتت فيه، فقد رأيت تعدي النفي لها، وامتنع استغراقه، فلو كانت (مذ) ظرفًا لكان حكمها حكم الظرف فيما ذكر، فلما
стр. 1954
اختلف الحكمان، دل على فساد قول من قال فيها بالظرفية، فلما ظهر فساده تعين صحة قول الجماعة في أنها حرف إذا جرت ما بعدها، واسم إذا رفعت.
قال شيخنا الأستاذ- ﵀: لا يلزم ذلك القائل بالظرفية؛ لأن تلك المعنى موجود فيها إذا ارتفع ما بعدها، وهى هنالك اسم أو ظروف، ولم يوجب ذلك أن تكون حرفًا، وإنما وجب أن يكون كذلك من جهة أنها كلمة موضوعة لابتداء الغاية، أو للغاية كلها، فكل كلمة لها حكم نفسها الذي وضعت له.
ثم استدل على صحة قول الجماعة، وبطلان قول الآخر المخالف بأنها إذا جرت ما بعدها كلمة لا معنى لها إلا من غيرها، ولم توجد إلا مبنية ليس لها حكم من أحكام الأسماء في ذلك الموضع، فوجب القول بالحرفية، وقد كان ينبغي أن يحكم عليها بذلك إذا ارتفع ما بعدها لولا أن فيها هنالك حكمًا من أحكام الأسماء، وهو استقلال الكلام بها مع ما بعدها، وليست بفعل، فهذا هو السبب في القول بحرفيتها إذا انجر ما بعدها، وهو الثاني من الوجهين، فثبت أن (مذ) و (منذ) على وجهين، كما قال الناظم. وأيضا فإن (مذ) و (منذ) في الزمان كـ (من) في الزمان والمكان لابتداء الغاية، وللغاية كلها، فقد ساوتا (من) في المعنى، وساوتاها أيضا في عمل الجر، فهما مثلها، ولو تأتت دعوى الحرفية إذا وقع بعدهما المرفوع، أو الجملة لم ينتقل عنها. أما مع المرفوع؛ فإن حروف الجر لا يرتفع ما بعدها. وأما مع الجملة؛ فلان حروف الجر لا تدخل على الجمل اختيارًا؛ فقيل بالاسمية لذلك. فإذا تقرر هذا فالناظم ابتدأ بقسم الاسمية، وعين لها موضعين:
стр. 1955
أحدهما: أن يرتفع ما بعددها، وذلك قوله: (اسمان حيث رفعا) يريد: رفعا ما بعدهما، نحو: ما رأيته مذ يوم الجمعة، وما رأيته منذ يوم الجمعة، فها هنا لا يمكن أن يكونا حرفين، ولكن يكونان اسمين، لكن يبقى النظر في إعرابهما ما هو؟ هل هما مبتدآن ما بعدهما خبر لهما؟ وإليه ذهب الفارسي وطائفة، فقولك: ما رأيته منذ يومان، تقديره: أمد ذلك يومان. أو هما ظرفان خبران للمرفوع بعدهما؟ والتقدير: بيني وبين لقائه أو رؤيته يومان، أو نحو ذلك، وهو رأي الزجاجي. أو ظرفان ما بعدهما مرفوع بفعل مضمر، فقولك: ما رأيته مذ يوم الجمعة أو مذ يومان في تقدير: مذ كان يوم الجمعة، ومذ كان يومان. وهو مذهب الكوفيين، وإليه ذهب المؤلف في غير هذا الكتاب، وليس في نظمه هذا صريح نص على اختيار أحد هذه المذاهب إلا ما يستشعر من قوله: (حيث رفعا)؛ فإنه لما أسند رفع ما بعدهما إليهما لم يستقم ذلك إلا على مذهب الفارسي، فإن المبتدأ هو الرافع/ للخبر عند الناظم، وإذا كان كذلك فهو مخالف هنا لما ذهب إليه في غير هذا، وكان هذا المذهب أرجح من جهة النظر، وذلك أنه إذا قدر بعدهما الفعل فلا بد من تقدير الزمان قبل ذلك الفعل؛ لأن (مذ) و (منذ) مختصان بالزمان، فيلزم على مذهبه تقدير فعلٍ أيضًا قبل ذلك الزمان، وإذا تقدر
стр. 1956
الفعل فلا بد من تقدير زمانٍ لاختصاص (مذ) و (منذ) بالزمان، فيتسلسل الأمر، وذلك فاسد، فالأولى عدم تقدير الفعل.
وقد يجاب عن هذا بأنه لا يسوغ تقدير زمان مع القول بظفريتها؛ لأنا إذا فرضنا (مذ) مثلًا ظرفًا، فهي الموقوع فيه، وهي أيضًا الدالة على ابتداء الغاية، أو الغاية كلها، فصارت (مذ) كاسم تضمن معنى حرف، كأسماء الشرط وأسماء الاستفهام هي نائبة عن الأمرين، فكذلك (مذ) إذا كانت ظرفًا هي دالة على الزمان، وعلى ابتداء الغاية فيه كما كانت (من) في قولك: من زيد؟ دالة على الاستفهام، والمستفهم عنه، فإذا قدرت الزمان بعد (مذ) فقد جردتها عن الاسمية، وصارت حرفًا لابتداء الغاية في ذلك المجرد، كما أنك إذا ذكرت الجزء الثاني في: من زيد؟ أتيت بحرف الاستفهام فقلت: أفلان زيد أم فلان؟ وإذا كان كذلك لم يلزم على تقدير الفعل محظور، فهذا مما يمكن أن يجاب به، لكن الذي يرجح به رأي الناظم على رأي الكوفيين أن الإضمار على خلاف الأًصل، فلا ينبغي أن يدعي إلا بدليل، ولا دليل، بل الكلام تام من غير دعوى الإضمار، فكان القول به تكلفًا من غير حاجة.
فإن قيل: إن في دعوى الإضمار فوائد، منها: إجراء (مذ) و (منذ) في الاسمية على طريقة واحدة، وذلك أولى من اختلاف الاستعمال.
ومنها: التخلص من الابتداء بالنكرة بلا مسوغ إن ادعى التنكير، ومن تعريف غير معتاد إن ادعى التعريف، والتخلص من جعل جملتين في حكم جملةٍ واحدة من غير رابط ظاهرٍ ولا مقدرٍ، فإذا لم يدع الإضمار لزم ارتكابُ
стр. 1957
هذه الأمور، وهي مما لا ينبغي ارتكابه لمخالفته صنعة القياس.
فالجواب: أن الإضمار لما كان يلزم منه مخالفة الأصل، وكان عدم الإضمار أيضًا يلزم عليه ما قال من اختلاف الاستعمال تعارض الأصلان، فرجح جانب عدم الإضمار حملًا على الظاهر، وليس فيه ما يخل بالكلام، والإضمار دعوى زيادة في الكلام لو سكت عنها لم تخل به. وأيضا فإضمار شيء- لو ظهر لم تحصل به فائدة- عبث.
وأما الابتداء بالنكرة من غير مسوغ فلنا أن نجيب عنه بأمرين:
أحدهما: أن ندعي التنكير، والمسوغ للابتداء بها حصول الفائدة، فإن تعداد المسوغات ثان عن حصول الفائدة، (فليس فيها حصر إلا بحصول الفائدة؛ وهي هنا حاصلة، فلا مطلوب سواها). وقد تقدم في باب الابتداء بسط هذا المعنى.
والثاني: أن تدعي أن (مذ) و (منذ) لفظهما لفظ النكرة، والمعنى معنى المعرفة، ولذلك نظير، وهو قول العرب: لقيته عامًا أول، فلظه لفظ النكرة، والمعنى معرفة؛ لأنه يريد العام الذي قبل عامك. وعلى هذا حمل طائفة قولهم: لقيته ضحى وضحوه وعشاء وعشية/ وأخواتها من يوم بعينه، / ٣٢١/ فليس (مذ) و (منذ) على هذا عديمي المسوغ للابتداء بالنكرة إن ادعي أنهما نكرتان، ولا غير معهودي التعريف إن أدعى أنها معرفتان. وأما التخلص من جعل الجملتين جملة واحدة من غير رابط، فإن (منذ) و (مذ) إذا ارتفع ما بعدها فقد أختلف في الجملة الاسمية الحاوية لواحدة منهما
стр. 1958
هل لها موضع من الإعراب أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن لا موضع لها، وإنما هي مفسرة لمقدار الزمان الذي اقتضاه ما قبلها؛ لأنك إذا قلت: ما رأيته، دل على أن انقطاع الرؤية في زمان لا يدري السامع من اللفظ ما مقداره، فجاءت الجملة الثانية مفسرة لهذا المعنى، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وعد الله الذين أمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم﴾. وذلك أن هذه الجملة الثانية مفسرة للموعود الذي هو مفعول ثانٍ لـ (وعد)، لما استحال أن تكون هذه الجملة مفعولًا ثانيًا له، لأن لـ (وعد) من باب أعطى، والمفعول الثاني من باب أعطى لا تقع الجملة موقعة، وإنما ذلك لباب ظنت، وسائر ما يدخل على المبتدأ والخبر. وإذا كانت مفسرة فلا موضع لها، فكذلك هذه الجملة.
والثاني: أن لها موضعًا من الإعراب، وهو النصب على الحال، كأنه قال: ما رأيته متقدمًا، أي تقدمًا زماني؛ لأن انقطاع الرؤية متصل بزمانه الذي هو فيه، وهذا فيه تكلف، وإشكال، ولكن به صارت الجملتان في حكم الواحدة برابط الضمير المقدر، والقول الأول أولى، وعليه الأكثر.
ويبقى النظر بين رأي الناظم ورأي الزجاجي، فيرجح بأنه أقوى- أعنى رأي الناظم من جهة المعنى- بأنك إذا قدرت قولك: ما رأيته مذ يومان: أمد ذلك يومان. وقولك: ما رأيته منذ يوم الجمعة، ابتداء انقطاعها يوم الجمعة، أو أول ذلك يوم الجمعة كان صحيحًا، وأنت إذا قدرت- على مذهب الزجاجي- بيني وبين لقائه يوم الجمعة لم يستقم هذا التقدير حتى تقول: وما بعده إلى
стр. 1959
اليوم، وهذا حذف كثير، وتكلف في الت ٤ قدير، وهذا، وإن كان وقوع الاسم المبتدأ غير متصرف قليلًا كأيمن الله، ولعمر الله بخلاف وقوعه ظرفًا، فإنه كثي ر، فلا ضرر إذا كان اللفظ سائغًا سهل المأخذ، والمعنى قويًا، ومن قاعدة سيبويه: الاعتبار بالمعنى، وإن ضعف حكم اللفظ، وقد يهمل جانب اللفظ محافظة على المعنى. وهو مذهب المحققين.
والموضع الثاني من موضعي الاسمية: أن يقع بعدهما الجملة من الفعل والفاعل وهو معنى قوله: (أو أوليا الفعل) أي: جعل الفعل واليًا لهما، وكأنه يقول: ومذ ومنذ اسمان حيث وأيهما الفعل كمثاله الذي مثل به، وهو: جئت (مذ) دعا، ومثله: ما رأيته منذ طلعت الشمس، ومذ قام زيد، وأنا قائم عليه منذ ولد، وما أشبه ذلك. ومنه قول الشاعر:
ما زال مد عقدت يداه إزاره .... فسما فأدرك خمسة الأشبار.
وقال أبو ذويب:
/ قالت إمامة ما لجسمك شاحبًا ... منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع
وهذا الموضع مما اختلف فيه، فذهبت طائفة إلى ما قاله الناظم من تعين الاسمية. وذهب بعضهم إلى أنه محتمل الاسمية والحرفية، وهو رأي السيرافي، فإنه قال في: ما رأيته منذ كان عندي، أو منذ جاءني: إن (منذ) محتملة أن تكون
стр. 1960
من أسماء الزمان، أو حرفًا جارًا يختص به الزمان، وعمله فيما بعده كعمل الاسم المضاف، فجاز إدخاله على الفعل؛ إذ كان معناه، وعمله كزمان مضاف إلى فعل، وما قاله هنا خلاف وذع الحرف؛ إذ حرف الجر مختص بالدخول عن الأسماء لا على الجمل. ألا ترى أنك تقول: جئتك في حين مات زيدٍ. ولا تقول: جئتك في مات زيدٍ؛ بل الذي يدل على أنها ليست بحرفٍ دخولها على الفعل.
فإن قيل: فإن الاسم غير الظرف أيضًا لا يضاف إلى الفعل، وإنما يضاف إلى الفعل الظرف، وقد تقدم أن (منذ) و (مذ) عند الناظم غير ظرفين، فكما لا يقال: هذا غلام قام، فكذلك لا يقال: منذ قام، فإن قدرت زمانًا هنا، فكذلك يقدره هنالك، فالسؤال مشترك الإلزام.
فالجواب: أن هذا غلط، أو مغالطة؛ إذ لم نقل: إن (مذ) مضافة إلى الجملة، بل هي غير مضافةٍ، كما كانت غير مضافة مع المفرد إذا قلت: ما رأيته مذ يومان، بخلاف ما أدعى أنها حرف، فلا بد من أن يكون ما بعدها جرا، فلزم الإشكال على دعوى الحرفية، فلم يصح القول بذلك، وصح كلام الناظم. وهنا مسألتان:
إحداهما: أنه لم يقدر بين (مذ) و (منذ) وبين الفعل شيئًا، فدل على أنه لم ير رأى من قدر هنالك الزمان، وذلك أن الجز ولي، وجماعة يقدرون بينهما زمانًا، فيقولون: إن المعنى- في قولك: ما رأيته مذ قام زيد، : ما رأيته مذ
стр. 1961
زمان قام زيد، وكذلك في (مذ) بناء منهم على أنهما مختصان بالزمان لا يدخلان إلا عليه، فإذا وقع بعدهما ما ليس بزمان، فلا بد من تقديره طردًا للأصل فيهما، وأيضًا فالمعنى يدل على ذلك. ويبقي النظر في الزمان هل يقدر مرفوعًا أو مجرورًا؟ أمر آخر يثبت بعد ثبوت هذا التقدير. وأيضا فإن سيبويه قد جعلهما من الأسماء المضافة إلى الأفعال، وذلك مختص بالزمان نحو: جئت إذ قام زيد، وأثبت يوم قام زيد. وقد تقرر أن مذ ليسا بظرفين، فلا تصح إضافتهما إلى الفعل، وإذا كان كذلك فلا بد من تقدير زمان تصح إضافتهما إلى الفعل، وإذا كان كذلك فلا بد من تقدير زمان تصح إضافته إلى الفعل. وما قالوه فيه نظر.
أما أولًا: فإن الإضمار على خلاف الأصل، فلا ينبغي أن يقال به ما وجد غيره.
وأما ثانيًا: فإن مذ ومنذ إذا كانا اسمين فهما دالان على الزمان، وإن لم يقعا ظرفين فلا يحتاج مع ذلك إلى تقدير الزمان، وإنما كان يحتاج إلى ذلك على فرض كونهما حرفين أو ظرفين، ولا يصح هنا كونهما حرفين؛ فلا ينبغي تقدير زمان.
وأما جعل سيبويه لهما من باب ما أضيف إلى الفعل، فلذلك عند جماعة بناء على أنهما ظرفان على ما هب إليه الزجاجي، وإذا كانا ظرفين فلا حاجة بنا إلى تقدير الزمان كسائر/ الظروف المضافة إلى الفعل.
فإن قيل: منذ في: منذ قام زيد، لا بد أن يكون مبتدأ على مذهبك خبره ما بعده، وإذا لم يكن بد من ذلك فلا يصح أن يكون الفعل خبرة. ألا ترى أنك لا تقول: أول ذلك قام زيد، كما تقول: أول ذلك يوم الجمعة، وإنما يستقيم مع تقدير الزمان، كأنه يقول: أول ذلك زمان قام زيد، فلا
стр. 1962
يصح الكلام مع عدم تقدير الزمان أصلًا.
فالجواب: أن الناظم ليس في كلامه ما يدل على أن مذ ومنذ هنا مبتدآن، وإنما دل كلامه على أنهما مبتدآن إذا وقع بعدهما المرفوع، وهو الموضع الأول. وأما هنا فإنما قال: (أو أوليا الفعل) وإبلاؤهما الفعل يحتما أن يكون على ذلك، أو على أنهما ظرفان لا مبتدآن، لكن لما جعلهما مبتدأين لا يصح معه أن يكون الفعل خبرًا من غير تقدير زمان، وكان جعلهما ظرفين يصبح معه أن يكون الفعل خبرًا من غير تقدير زمان، وكان جعلهما ظرفين يصح معه وقوع الفعل خبرًا من غير افتقار إلى تقدير، كان الواجب أن يعتقد أنهما هنا ظرفان عنده لأنه لو كان عنده مبتدأين لم يسغ له السكوت عن تقدير الزمان؛ إذ لا يصح الكلام إلا بتقديره، فلما لم يفعل ذلك أشعر بأنهما عنده في هذا الموضع ظرفان، وهو الظاهر من سيبويه، وإياه ارتضى في شرح التسهيل، ويتحصل إذاك في مذ ومنذ إذا رفعا أو أوليا الفعل ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهما مبتدآن بإطلاق، ويقدر مع الفعل زمان.
والثاني: أنهما ظرفان بإطلاق.
والثالث: ما رآه هنا من التفرقة بين أن يقع بعدهما المرفوع فيكونان مبتدأين، وبين أن يقع بعدهما الفعل فيكونان ظرفين.
ووجه التفرقة على هذا التنزيل: أن الاسمية مع المرفوع على غير الظرفية أولى لما تقدم. وأما مع الفعل فظاهر أن مذ ومنذ معه على حد سائر الظروف من الإضافة إلى الفعل، فكان القول بذلك الظاهر فيهما، وأن يكونا متعلقين بما قبلهما أولى لا سيما إذا كان جعلهما هنا اسمين يلزم منه تكلف الإضمار، وما الكلام غنى عن تقديره، وأيضًا فتصير الجملتان بذلك جملة واحدة، فهذه أمور ترجح القول بهذا مع موافقة ظاهر الكتاب، وعليه جماعة كابن
стр. 1963
خروف، وغيره.
والمسألة الثانية: أن قوله: (كجئت مذ دعا) يظهر أن الناظم أتى به في معرض التقييد للفعل المذكور؛ لأن قوله: (أو أوليا الفعل) مطلق لا يختص بماضٍ دون مضارع أو أمر، والمستعمل مع مذ ومنذ من الأفعال إنما هو الماضي فلا يقال: ما أفعل ذلك منذ يقوم زيد، وأولى ألا تدخلا على فعل الأمر؛ لأن زمان المضارع إن كان مستقبلًا فهو غير متحصل، فلا يقدر به، وإن كان حالًا، فكذلك ايضًا؛ لأن مذ ومنذ للغاية كلها، أو لابتدائها، وإن كانا اسمين أو ظرفين، ومعنى الغاية كلها مختص بما كان حاضرًا، والفعل لا يعطي انتهاء تلك الغاية إذا قلت: منذ يقوم زيد؛ إذ لعله بعد يقوم، فلا يكون للغاية كلها.
ثم قال: (وإن يجرا في مضى فكم هما) هذا هو القسم الثاني، وهو الذي يكونان فيه حرفين، وهو أن يقع بعدهما الاسم مجرورًا لقوله: (وإن يجرا) إلا أنه قسم المجرور بعدهما/ قسمين:
أحدهما: أن يكون ماضيًا في المعنى نحو: ما رأيته منذ يوم الجمعة، وما رأيته مذ يوم الخميس، فمذ ومنذ في هذا القسم مؤديان معنى ابتداء الغاية، لكن في الزمان كما كانت (من) كذلك لابتداء الغاية في المكان فقط، أو فيهما معًا، وهذا معنى قوله: (وإن يجرا في مضى فكمن هما) يعني لابتداء الغاية.
فإذا قلت: ما رأيته منذ يوم الجمعة، فمعناه: ابتداء زمن القطاع الرؤية يوم الجمعة.
والثاني: أن يكون المجرور بهما حاضرًا نحو: ما رأيته منذ يومنا، ومذ
стр. 1964
شهرنا ومذ عامنا، فمذ ومنذ في هذا القسم مؤديان معنى (في) التي تقتضي الظرفية، وهو مراده بقوله: (وفي الحضور معنى (في) استبن) أي: استنبن في جر الزمان الحاضر بهما معنى (في)، فإذا قلت: ما رأيته منذ يومنا، فمعناه: ما رأيته في يومنا، وكذلك ما رأيته منذ عامنا، معناه: في عامنا.
ومعنى قوله: (في مضي) في اسم ذي مضى، فهو على حذف المضاف وكذلك قوله: (وفي الحضور) أي في ذي الحضور معنى (في) استبن.
فإن قيل: إن الناظم هنا لم يقيد كون مجرورهما زمانًا ولا بين معناهما، كما بين سائر معاني الحروف الجارة، وذلك قصور في البيان.
فالجواب أن تقول: بل قد بين ذلك.
أما كون مجرورهما زمانًا فقد تقدم له أول الباب بقوله: (واخصص بمذ ومنذ وقتًا).
وأما بيان معناهما فبقوله هنا: (وإن يجرا في مضي فكمن هما) يعني أن معناهما معنى (من)، وهو ابتداء الغاية.
وقوله: (وفي الحضور معنى (في) استبن) يعني أن معناهما الغاية كلها، ولذلك يصح أن يقدرا بمن وإلى معًا، فتقول في نحو قولك: ما رأيته مذ عامنا، تقديره: ما رأيته من أول عامنا إلى آخره.
فإن قيل: هذا من قوله غير مفهوم؛ لأن قوله: كـ (من) ليس فيه ما يدل على معنى ابتداء الغاية، ألا ترى أنه أحال في معناها على (من)، ولمن معانٍ جملة ذكرها، فما الذي يعين معنى ابتداء الغاية دون غيره؟ وقوله: (معنى (في) استبن) إنما يدل على أن معناهما الظرفية؛ إذ هي معنى (في)، ومعنى الظرفية ليس هو معنى الغاية كلها، بل هما معنيان مخلفان، فلا يدل أحدهما على الآخر.
стр. 1965
فالجواب: أنه يمكن أن يكون أحال على معنى ابتداء الغاية في (من)؛ لأنه أول معنى ذكره، أو لأنه الذي يتوهم ابتداء في (مذ)؛ لأن غير هذا المعنى في (مذ) و (منذ) لا يصح. وهذا تلفيق، والظاهر ورود السؤال. وقد مر له مثل هذا في فصل الباء في قوله: (ومثل مع ومن وعن بها انطلق)؛ إذ أحال على معنى (من)، ولم يبين أي المعاني أراد.
وأما (في) فلما كان معناها يشعر بمعنى الغاية استغنى بذكرها عن ذكر الغاية، أو يكون ذهب إلى أنهما هنا- أعنى مذ ومنذ- طرفتين بمعنى (في) حقيقة. وقد قال بذلك بعض النحويين كالجز ولي؛ إذ يصح وضعها موضعهما، فتقول: ما رأيته في عامنا، وفي شهرنا، وإذا صح وقوعها موقعهما، فذلك الدليل على أن معناهن واحد على حكم الترادف. ولكن هذا مخالف لما ذهب إليه كثير من النجاة، وقد تبين وجهة.
ثم أعلم أن هذا الفصل لم يخلصه الناظم كل التخليص؛ بل فيه نظر من ستة أوجه زيادة على ما تقدم:
أحدهما: / أن ظاهر مساقة أن (مذ) على وجهين، لكن إذا تأملته لم يحصل ذلك؛ لأنه إنما قال: (ومذ ومنذ اسمان) في موضع كذا، ثم قال: (وإن يجرا في مضي فمعناه كذا) وليس كونهما بمعنى (من) و (في) بدالين على كونهما حرفين؛ إذ الأسماء المتضمنة معنى الحرف دالة على معنى الحرف، وليست لذلك بحروف، وكذلك يقال هنا: إنهما بمعنى (من) و (في) مع ثبوت الاسمية لابتداء الغاية، أو للغاية كلها، ولذلك يقول النحويون: إنما بنيا لشبه الحرفين في اللفظ، وأصل المعنى، فهذا ممكن أن يدعيه مدع، فلا يظهر
следующие страницы →