بسبب التنوين، بل الإضافة هي الساقطة أولا، ثم أُتى بالتنوين عَوِضاً مما سقط، ولذلك سُمي تنوينَ العِوَض، وإذا كان كذلك لم تصلح تلك العبارةُ أن يُؤتى بها، لأنها تُفْهم عكس المراد.
والجواب عن الأول أن يُقال: أما حيثُ فإنه أطلق هنا وقيد في باب الاشتغال فبيَّن أن حيثُما لا يليها الاسمُ بعده الفِعْلُ إلا على إضمار، فتبين أنها لا يقع بعدها اسمٌ يليه فعلٌ، وحيث قد تجري مجرى حيثما في هذا الحكم حسب ما تقدم، إِذْ يدخلها معنى الجزاء وإن لم يُجزَمْ بها دون ((ما)) عند البصريين، ففيما تقدم إشارة إلى هذا المعنى، فصار الإطلاق هنا مقيدا، وهذا (١) تلفيقٌ. وأما إِذْ فلا أجدُ الآن فيها جوابا.
وعن الثاني: أن ما قيل من التفرقة بين الجملتين لا ينهض من وجهين:
أحدهما: أن يمنع الفرقُ ابتداءً، إِذِ البناء والإعراب- على الجملة- جائزان في حال الإضافة إلى الماضي والمضارع على رأي الناظم، كما أنهما جائزان عنده في حال الإضافة إلى الجملة الاسميّة، كان أولُ الجزأين مبنياً أو معرباً. وإذا كان كذلك لم يكن الفرق مُعتبراً ولا معتداً به، فكان (٢) في حكم الساقط.
والثاني: إذا سلم الفرق فإنما ذلك اعتبارٌ لفظي مع أن الإضافة في الحقيقة للجملة لا للفعل وحده، وإنما جازت الإضافة إلى الجملة مطلقاً لتقديرها بالمفرد، فقولك: يومَ قام أو يقومُ زيد، في تقدير: يوم قيامِ زيد/ وقولك: زمان الحجاجُ أميرٌ' في تقدير: إمارةِ الحجَّاج. وإنما ... ٣٦٩
стр. 2067
الإعراب والبناء باعتبارين، كما سَيُذكر إن شاء الله.
وعن الثالث: أنه لما كان يدخُل عليه الأمران المعَتَرضُ بهما، وأَمرٌ آخرُ وهو لزومُ الإضافة، أتى بما يُحَرِّرُ عبارته، فأخبر أن مراده بالإحالة على أحكام إِذْ إنما هي الإضافة، لكن على الجواز فقال: ((أضف جوازا))، وأن البناء أيضا على الجواز فقال: ((وابن أَوَ اعرِبْ)). والذي يُعَيَّن هذا المراد أن قوله: ((أَضِفْ جوازا)) وما عُطف عليه من قوله: ((وابن أَوَ اعرِب)) جملتان مُبَيِّنتان للحكم المتقدِّم، وكأنهما مُبْدَلَتان (١) معنى من قوله: ((كإِذْ))، والتقدير: وما كإذ معنى يشابه إِذْ في الحكم فَيُضاف إلى الجمل لكن جوازا ويُبنى جوازاً. وإذا كانتا على حكم البدل لم يمكن إلا أن يُحَمَل الكلامُ الأولُ على ما قُيّد به ثانيا. فعلى هذا يكون البيتُ بعده وما يليه تفسيراً لما تضَمَّنه قوله: ((وما كإِذْ معنى كإِذْ)). أو يكون قوله: ((أضِف جوازا)) وحده هو المفسِّر لقوله: كإذ، وما ذكر بعدُ من حكم البناءِ والإعرابِ كلام مستأنَفٌ، وعليه يَدُلُّ قوله: ((وما كإِذْ قد أُجْريا))، أي: ابن أو اعرب ما حُكِمَ له بحكم إِذْ في الإضافة وحدها. وهذا هو الأظهرُ. وعلى كلا الوجهين لا يبقى لإفراد يوم وحين ونحوهما عن الإضافة مدخَلٌ، وهو ما أَرَدْنا.
وعن الرابع: أنه لا يتعيَّن من كلامه ترتيبُ الإضافة (٢) على وُجودُ التنوين، بل إنما يظهر منه أن احتمال الإفرادِ مَبْنِيٌّ على التنوين، واحتمالُ الإفراد غيرُ الإفراد، وكأنه عبارةٌ عن استعمالها (مفردةً (٣)، ولا شك أن استعمالها مفردةً لا يكونُ إلا بعد التنوين، والتنوين لا يكونُ (٤) إلا بعد إسقاطِ المضافِ إليه، وهو
стр. 2068
معنى الإفراد، فإذاً الإفرادُ سابقٌ في القياس والتقدير على التنوين، والتنوين ستبقٌ على استعمال إِذْ مفردةً، وهذا في نفسه صحيحٌ، فلا إشكالَ. (والله أعلم (١)).
وابن أِوَ اعرِبْ ما كَإِذْ قّدْ أُجرِيا
واختَرْ بنا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيا
وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أِوْ مُبْتَداَ
أَعْرِبْ، وَمَن بَنَى فلن يُفَنَّدا
يعني أن ما أُجري مُجرى ((إذْ)) من الظروف فأُضيف إلى الجمل يجوزُ فيه الإعرابُ والبناءُ مطلقاً، كان الذي يليه من أجزاء الجملة معرباً أو مبنياً، لكن في الموضع الذي أُجري فيه الظرفُ مُجرى إِذْ، فلذلك قال: ((ما كإِذْ قد أُجرِيا))، أي إن هذا التخيير إنما يكون إذا أُضيف إلى الجمل، ففي حال إضافته إلى المفردات لا يكونُ ذلك فيه. وهكذا الحكمُ إذا قلت: عجبتُ من يومِ قُدومِ زيدٍ، ومنْ حينِ القيام، ومن يومِك، ومن وقتِ طلوع الشمس. وما أشبه ذلك؛ إذ لا مُوجِب هنا للبناء، وإنما يحضُر (٢) الموجبُ عند الإضافة إلى الجمل، كما قال. وأطلق القول بجواز الوجهين على الجملة، فبم يُقيده بأمرٍ، ولا فَصَّل الحكم بحسب الجمل، وإنما فَصّل في (٣) الاختيار بين الوجهين الجائزين، فذكر أنه لا يخلو أن يكون الظرفُ قد وَلِى فعلاً مبيناً أولا، فإن كان كذلك فالمختارُ بناءُ ذلك الظرفِ، فتقول: أعجبني/ يومَ قام زيدٌ، وانتظرته من حين ... ٣٧٠
طلعتِ الشمس إلى زمَنَ
стр. 2069
غَرَبت.
ومنه قول النابغة (١):
على حينَ عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا
وقلتُ: أَلَمَّا أَصْحُ والشيب وازع
وأنشد سيبويه (٢):
على حينَ أَلهى الناسَ جُلُّ أمورهِمْ
فَنَدلاً - زُرَيقُ- المالَ نَدْلَ الثعالبِ
وتقول على غير المختار - وهو الإعرابُ-: أعجبني يومُ قام زيدٌ، وانتظرته من حينِ طلعتِ الشمسُ إلى وقتِ غَرَبت. ورُوي البيتان بالوجهين: على حينِ عاتبتُ المشيبَ، وعلى حينِ أَلهى الناسَ جلٌّ أمورهم.
وإن كان الظرفُ لمَ يلِ فعلاً مبنياً فليس البناءُ بمختارٍ، وذلك إذا ولى فعلا معرباً- وهو المضارع- أو اسملً مبتداً، بل الإعراب هو المختار، وذلك قوله: ((وقبلَ فِعْلٍ مُعَربٍ أو مبتدأ أَعرِبْ))، فتقولُ: اقوم من حينِ تقومُ، وأكرمُك في يومِ تقومُ. وفي القرآن قال الله: ﴿هذا يومُ ينفعُ الصَّادقين صدقُهم (٣)﴾، في قراءة غير نافعٍ، وكذلك: ﴿يومُ لا تملكُ نفسٌ لنفسٍ شيئاً (٤)﴾ في قراءة ابن
стр. 2070
كثير وأبي عمرو. وتقول: جئتك في جينِ زيدٌ قائم، وهذا حينُ زيدٌ قائم. وقال قيسُ بن الخطيم (١):
وعهدي بها أيامَ نحنُ على مِنىً
وأحسِنْ بها عذراءَ ذاتَ ذوائبِ
وأما غيرُ المختار فهو الذي قال فيه: ((ومن بَنَى فلن يُفَنَّدا))، يعني أن من قال بجواز البناء إذا كان الظرف قبل فعل مٌعْربٍ أو قبل مبتدأ، فقوله صحيح جارٍ على كلام العرب، فقد نُقل عنها البناء هنا، فمن شواهد البناء قبلَ المضارع قراءةُ نافع: ﴿هذا يومَ ينفعُ الصادقين صدقُهم (٢)﴾، بنصب اليوم والإشارة إلى اليوم، فلا يكن ظرفاً، بدليل القراءة الأخرى، والجمع بين معاني القرآن هو الأحقُّ. وقرأ ابنُ عامرٍ ونافعٍ وقُراء الكوفة: ﴿يومَ لا تملك نفسٌ لنفس شيئاً﴾، بالفتح، والمعنى في القراءتين واحد، لأن ﴿يوم لا تملك﴾ تفسير لـ ﴿يومُ الدين (٣)﴾، فكأنه قال: هو يومُ كذا. ولا يقدّر فيه: أعنى ﴿يوم لا تملك﴾، قال المؤلف: ((لأن تقدير ((أعنى)) لا يَصْلُح إلا بعد مالا يدل على المسمى دلالة تعيين، ويوم الدين دال عليه تعيين، فتقدير ((أعنى)) غير صالح معه (٤))). وأنشد في الشرح (٥):
إذا قلت: هذا حينَ أسلُو يَهِيجني
نسيمُ الصَّبا من حيثُ يطلع الفجر
стр. 2071
ومن شواهد البناءِ مع الجملة الاسمية ما أنشده في الشرح من قوله (١):
تذكَّر ما تذكَّر من سُلَيْمِى
على حينَ التراجعُ غير دانِ
وأنشد قول الآخر (٢):
ألم تعلمي- يا عمرَكِ الله- أنني
كريمٌ على حينَ الكرامُ قليلُ
وله أبياتٌ أُخَر لم أُقَيِّدها. وأنشد سيبويه لِلَبِيد (٣):
على حين من تَلْبَث عليه ذَنُوبُهُ
يَرِثْ شِرْبُهُ إِذْ في المقام تَدَابُرُ
وهو مُقيَّد بالوجهين.
والتَّفنيدُ: اللومُ وتضعيفُ الرأي، وأصله من الفَنَدِ، وهو ضعفُ الرأي من الهَرَمِ. ويُقال: أفندَ في كلامه: إذا أخطأ. وأفندته: إذا خَطَّأتَه.
стр. 2072
ثم هنا مسائلُ:
إحداها: أن قوله: ((ومن بَنَى فلن يٌفَنَّدا))، معناه: من قال بجواز البناءِ فيما يليه المضارع أو المبتدأ، فقولهُ غيرُ خطأٍ. وهذه إشارة إلى الخلاف الواقع في المسألة، وذلك أن ما كره هنا هو مذهب/ الكوفييِّن ومال إليه بعص البصريين كالسيرافي، أعنى إلى جواز البناء مع المضارع، ... ٣٧١ والكوفيُّون يقولون ذلك مع ومع المبتدأ. ورأيُ البصريين عدمُ الجواز في ذلك كلِّه (١)، بناءً على عدمِ السماع الذي يُقاسُ على مثله، فإن ما ذكر من الأبيات محتملٌ لغير البناءِ، وما في الشعر نادرٌ محفوظ، وأكثره لم يقع عليه القدماء مع شدَّةِ بحثهم. وأيضاً فإن الإضافة إلى المبني غير مؤثرة في غير هذا البابِ جوازَ البناء، نحو قوله تعالى: ﴿إنه لحقٌّ مثلَ ما أنكم تنطقون (٢)﴾، على قراءة نصب (مثل). وأنشدوا (٣):
لم يَمْنَعِ الشَّرْبَ منها غَيْرَ أن نَطَقَت
حمامةٌ في عصونٍ ذاتِ أوقالِ
فكذلك تُؤَثِّر هنا، وأما الإضافة إلى المعرب فلم نجدها تُؤَثِّر البناء. وأما ابن مالك فلم ينهض عنده هذا، بل ذكر الشواهد المذكورة ورَجّحها بما ذكر. وأيضا إذا كانت الجمل في نحو ((على حينَ التراجعُ غير دان)) مصدرة بمعربات إعراباً أصليا، وقد جاءت
стр. 2073
على (١) حالٍ لم يُضطَّر لمثلها، بل توازى مجيئها في الاختيار؛ إذ كان يُمكن الشاعرَ أن يجرَّها وقد بُينت الظروفُ معها، فَلأَن تُبنى مع المضارع الذي ليس إعرابه إعراباً أصلياً، بل هو بالشَّبَهِ، أحقُّ وأولى؛ ولذلك جعله السيرافي من الإضافة إلى غير المتمكن، إذ المضارع غير متمكن باعتبار أنه غير مُعَربٍ في الأصل. وأيضا فقال ابن مالك في الشرح: ((سبب بناء المضافِ إلى جملةٍ مصدرة بفعل مبنىٍّ إمَّا قصد المشاكلة، وإمّا غير ذلك، فلا يجوز أن يكون الأول (٢) لأمرين، أحدهما: أن البناء قد ثبت مع تصدير الجملة المضاف إليها باسم معرب، ولا مشاكلة، فليس (٣) لقصدها. والثاني: أن المضاف إلى جملة مصدرة بفعل مبني لو كان سبب بنائه قصد المشاكلة، لكان ما (٤) أضيف إلى اسم مبنيٍّ أولى؛ لأن إضافة ما أضيف إلى مفردٍ إضافةٌ في اللفظ والمعنى، وإضافة ما أضيف إلى جملةٍ إضافة في اللفظ (٥) لا في المعنى، وتأثيرُ ما يخالف لفظُه معناه أضعفُ من تأثير ما يوافق لفظه معناه، وقد ثبتَ انتفاء سببية الأقوى فانتفاء سببية الأضعف أولى (٦)، فثبتَ أن البناء لأمرٍ آخر سيأتي.
فالصوابُ ما ذهب إليه الناظم، والله أعلم.
والثانية: أن قوله: ((وابن أو أعرِب))، وقوله: ((ومن بَنَى فلن يفنَّدا))، أثبت به البناءَ ولم يذكُر له سببا، وإنما ذكرَ في باب المعربِ والمبني سبباً للبناءِ جُمْليا هو شَبَهُ الحرف، فيُسأل هنا عن ذلك والجوابُ من وجهين:
стр. 2074
أحدُهما: أن تقول: إن البناءَ هنا على الجوازِ ولا نقولُ: إن السبب الإضافةُ إلى مبنيٍّ، لما يلزُم عليه من إيراد المؤلف. ولا [أيضا] (١) يلزم أن يُتَكَّلف القولُ بشبه الحرف هنا بناءً على أن ما ذكر في باب المعرب والمبنيِّ إنما هو سبب لزوم البناء لا سببُ جوازِه.
والثاني: أن نلتزم أن لا سبب لبناء جائزٍ أو لازمٍ إلا شَبَهُ الحرف، بناءً على المحمل الآخر في كلام الناظم، فتقول: لما كان المضافُ إلى الجملة المستقلة بالإفادة يُصيِّرها غير تامة ولا مستقلة حتى يَتِمَّ بغيرها/ فتقول: حين قمتَ قمتُ، ويوم أتيتَ أكرمتُك، ونحو (٢) ذلك، أشبه ٣٧٢ المضاف بذلك حرف الشرط فإنه كذلك، إلا ترى أنك تقول: إن قمتَ أكرمتك، وإن قعدتَ ضربتُك، وكان قولك: ((قمتَ)) و ((قعدتَ)) قبل دخول ((إن)) مستقلا، ثم صار بعد دخولها غير مستقلٌ، بل محتاجاً إلى كلام آخر، فالبناء على هذا سببُه شبُه الحرف، لكن لما كان هذا الاعتبارُ غير لازمٍ كان البناء كذلك.
فإن قيل/ على أيِّ نوعٍ من أنوع شَبَه الحرف يتفرَّع؟
فالحواب: أنه يمكن أن يرجع إلى الافتقار، لأن الظرف لما صار مفتقرا إلى تلك الجملة، وإن كان ذلك الافتقار عارضا، اشبه الافتقار الأصيل الذي وُضِعَ الاسم المبنيُّ عليه، نحو: الذي، والتي، وقد تقدّم نحو هذا في باب ((لا)) التي لنفي الجنس.
أو تقول- وهو الأجرى على تعليل البناءَ: إنه يرجع إلى شِبه
стр. 2075
الحرف المعنوي، إذ كان في الظرف معنى رُبِط به إحدى الجملتين بالأخرى، كمعنى الشرط الذي يربط بين الجملتين. هذا هو الذي ينبغي أن يقال، لا الأول.
والثالثة: فيما عسى أن يُشكِل من كلامه، وذلك ثلاثةُ مواضعَ:
أحدها: أنه ذكر البناء ولم يذكر عَلاَمَ يُبْنَى ذلك المضاف؟ أعلى الضم أم الفتح أم الكسر؟ وكان من حقه ذلك، لأنه قال: ((وابن أو اعرب)). وكلاهما لابَّدَ له من صورة، أما الإعرابُ فيظهر من تقدم العامل، وأما البناء فليس بمعروفٍ إلا أن يُعرَّف به، فلما لم يُعَرَّف بذلك كان كلامه ناقصَ الفائدةِ.
والثاني: أنه لما قال: ((ما كإذْ قد أُجريا))، أقتضى أنه إذا لم يَجْزِ مجرة إِذْ، وذلك حين إضافته إلى المفرد، فهو خالٍ عن ذلك الحكم. وليس كذلك، بل المفرد الذي يُضاف إليه ضربان:
أحدهما: ماعدا إِذْ، فلا يُبنَى معه المضاف وإن كان المضافُ إليه مبنياً، نحو: يومك، وحين ذلك، وما أشبهه.
والثاني: إِذْ، فالمضاف هنا يجوزُ أن يُبنَى فتقول: ما جئتك من يومَئِذْ قام زيد، وانقطعتُ عنك من حينئذِ. ويجوز أن يُعرَب فتقول: من يومِئِذْ [قام زيد] (١)، ومن حينئِذٍ. ومنه القراءتان المشهورتان: (ومن خِزْيِ يومَئذٍ) (٢)، على البناء، وهي لنافع والكسائي، (ومن خِزْيِ يومِئِذٍ)، بالإعراب، وهي للباقين من السبعة (٣). وكذلك: (من عذاب يَومَئِذٍ) (٤)، و (من عذابِ
стр. 2076
يومِئِذٍ) (١)، وذلك مشهور كثير في الكلام، ومفهوم كلام الناظم يقتضي الإعراب خاصة، كما ترى. وهو غير صحيح.
والثالث: أنه تكلَّم في بناء الظرفِ الذي بمعنى إِذْ، وهو المختص بالزمان الماضي، وإذا وقع بعد الظرف فعلٌ معربٌ- وهو المضارع - فإنما يكون بمعنى الحال أو بمعنى الاستقبال، نحو: (هذا يوم ينفعُ الصادقين صدقُهم) (٢)، و (يوم لا تملكُ نفسٌ لنفس شيئا) (٣)، فإذاً لا يصحّ ذكر الفعل المضارع؛ إذ لا يصح ان يقع بعد الظرف المراد به الماضي ماعدا إذ، لأنك تقول: قام زيد إذ يقوم عمرو، وفي القرآن: (وإذْ تقولُ للذي أنعم الله عليه) (٤). وأما أن يقال: قام زيدٌ يومَ يقوم عمرو- وانت تريد: يوم قام عمرو فهذا ممنوعٌ. وكلام الناظم صريحٌ أو كالصّريح في جواز ذلك.
فإن قيل: / لعلّه يريد الظرف الذي بمعنى إذا، وهو الذي للاستقبال، إذ لا شكّ أن ٣٧٣ الظرف الذي بمعنى إذا حكمه حكمُ إذا في الإضافة إلى الجملة الفعلية كما سيأتي. وعلى ذلك يجوز بناؤُه وإعرابه، وإذا كان كذلك صحّ كلامه.
فالجواب: أنه بعيدٌ عن قَصْدِ هذا، لأنه لما ذكر جواز البناء فيما أُجرِيَ مجرى إِذْ، فصَّل الأمر في ذلك على تلك الوجوه، فرجَّح البناءَ فيما يليه الماضي، والإعراب في غيره، وهذا تفصيلُ تلك الجملة، فكيف
стр. 2077
يصحُّ إدخالُ ما بمعنى إذا في ذلك الحكم؟ ثم إنه لا دليل عليه، فلا سبيل إلى المَصيِر إليه، فكان في كلامه تثبيجُ (١) وتخليط.
ووجه رابعٌ، وهو أنه يقتضي أن الظرف ذو وجهين، وإن كان مثنى نحو اليومين والليلتين، وليس كذلك، بل الإعراب لهذا (٢) لازمُ وإن أضيف إلى الجملة. والجواب أن يقال: أما الأول فهو واردٌ، ولا جواب عنه، إلا أنْ يقال: تركه اعتماداً على إلقاء الشيخ للتلميذ، وهذا المنزع قد كان بعضُ شيوخنا ﵏ يُؤنِّس به في بعض المواضع من الكتاب المقروء عليه إذا وقعت منه مسألة [مشكلة (٣)] أو غير مُخَلَّصة حقّ التخليص (٤)، فيقول: هذا مما تركه الشيخ ليقع الافتقار من التلميذ إلى الشيخ المقرئ في فهم ما أَشكَل، وإلا فلو بَيَّن كُلَّ شيءٍ لم يُعْرَفْ مقدارُ الشيخ، بنحو هذا كان يُؤَنِّس- ﵀ لكن على مأخذ آخر، فكذا نقولُ هنا اقتداءً به. وهكذا يُقال فيما كان نحو هذا.
وأما الثاني فإن جمهور الإضافة إلى المفرد لا يقتضي بناءً أصلا، وإنما اختصت بذلك إِذْ فَبُني المضاف معها وحدها، فهي في ذلك من النادر الخارج عن القياس.
ووجه ذلك أن ذكر إِذْ في نحو: يومئذٍ وحينئذٍ كالتكرار للتوكيد، لأن الحين وإذْ بمعنى واحدٍ، وقد قال الكُميت (٥):
стр. 2078
لياليَ إِذْ غُصِني وريقٌ ولِمَّتىِ
أُكَفِّئُها محلوسَ لبٍّ وخَالِسَا
وقد عَدَّهما الناسُ في باب إضافةِ الشيءِ إلى نفسه حَسَب ما تقدّم. والمتأوِّلُون جعلوهما من باب إضافة المسمى إلى الاسم، وإذا كان كذلك، وكانت إِذْ لازمةً الإضافةِ إلى الجملة، صار الحينُ في حينئذٍ كأنه هو المضاف إلى الجملة، فعُومِل معاملةَ م أُضيف إليه مباشرةً، فلا اعتراض على هذا مع تسليم أن مفهوم كلام الناظم ما قيل في السؤال، وإلا فلا نسلّم أن له مفهوما، لأن قوله: ((وابن أو اعرِب ما كإِذ قد أُجرِيا))، في معنى أن لو قال: وابن أو أَعرِب ما ذُكر، أو: ابنه أو أعربه، لأنه لما قال: ((وما كإذ معنى كإذْ))، كان وجهُ العبارة أن يقول: وابنه أو أعربه، أو: وابن ما ذُكر أو أعرِبْه. فهو في موضع الضمير، فقوله: ((ما كإذ قد أُجرِيا)) هو كإعادة ذكر الظاهر، وإذا كان كذلك فلا مفهومَ له إلا مفهومُ اللقب، وهو باطل عند الجمهور (١).
وأما الثالث فيمكن أن يكون قَصَدَ ذكْر ما هو بمعنى إذ [(٢) وإذا معاً، ويكون قوله: ((ما كإذْ قد أُجرِيا)) حكمٌ مفردٌ بالذكر، ثم ذكر عبارة تشمل ما هو بمعنى إذ (٢)] وما هو بمعنى إذا، وهي محل التفصيل المذكور في قوله: واخَتْربنا كذا إلى آخره، ويسهل الأمر في ترتيب عبارته/. ... ٣٧٤
وأما الرابع فقد تقدّم أنه لا يدخل له من أسماء الزمان في قوله:
стр. 2079
((وما كإِذْ معنى كإذْ)) ما هو معدودٌ ولا محدود، والمثنى من قبيل المعدود كالأسبوع ونحوه. وعلى أنه [قد (١)] نقل في الشرح عن ابن كيسان جواز إضافة نحو يومين وليلتين إلى الجملة، ثم ردّه بعدم السماع، فإذاً ليس المثنى بذي وجهين لعدم المقتضى لذلك فيهن وهو عدم الإضافة إلى الجملة، والله أعلم.
وألزمُوا إِذَا إضافةً إلى جُمَل الأفعالِ كَهُن إِذا عتَلَى
هذا الكلامُ على إذا التي وُضعت للزمان المستقبل، ويعني أن الإضافة في إذا لازمةٌ، فلا تُوجدُ وهي ظرفٌ دونَها، لكن لا تضاف إلا إلى الجملة، ولا من الجملِ إلا إلى الفعلية، وهي المصدَّرة بالفعل، وهو معنى قوله: ((إلى جُمل الأفعال))، أي: إلى الجمل المنسوبة إلى الأفعالِ، وذلك لا يكونُ إلا إذا صُدرت بالأفعال، وذلك قولك: آتِيكَ إذا قام زيدٌ، وآتيك إذا يأتيك زيدٌ، وما أشبه ذلك، ومنه مثاله: هُنْ إذا اعتلى.
وإنما اختصَّت بالجملة الفعلية لأنها يغلب عليها معنى الشرط، ولذلك تقع جوابها الفاء كما تقع في جواب إِنْ، نحو: إذا جاءك زيدٌ فأكرِمْه، وإذا لم يأتك فأهِنْه. ومنه: ﴿إذا لَقِيتم فئةً فاثبتُوا (٢)﴾، ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فَضَربَ الرِّقاب (٣)﴾، ولذلك يقع بعدها الماضي موضع المستقبل، فتقول: إذا قام أكرمتُه، كما تقولُ: إن قام أكرمتُه، والمعنى فيهما: إذا يقومُ، وإن يَقُمْ؛ ولا يقع موقعها حينٌ ولا غيره من الظروف، فلا تقول: حين جاءك فأكرِمْهُ- وأنت تريد الاستقبال
стр. 2080
ولذلك أيضاً يجزم بها في الشعر كَأِنْ، نحو (١):
وإذا تُصْبك خصاصةٌ فَتَجَّملِ
هذا معنى كلامه على الجملة. ثم يتعلق به مسائل:
إحداها: أن جُمَل الأفعال التي ذَكَر تارة تكون جُمل أفعالٍ لفظاً وحكما، كالمُثُل المتقدمة، وتارة تكون جمل أفعال حكماً وتقديراً، وذلك إذا تصدّر فيها الاسم ورَدِفَه فعلٌ، نحو: إذا زيدٌ قام أكرمتُه. وفي القرآن: ﴿إذا السماءُ انفطرَتْ. وإذا الكواكبُ انتثَرتْ (٢)﴾ ونحو ذلك، فإن الاسم المصدَّر عندهم في هذه المُثُل فاعلٌ بفعلٍ مضمرٍ يدل عليه هذا الظاهر، تقديره: إذا انشقّت (٣) السماء انشقت، وإذا انفطرت السماءُ انفطرت؛ إلا أن هذا المقدَّر لا ينطق به لقيام الظاهر مقامه. وهذا قد مَرَّ له في باب الاشتغال.
والثانية: إنه لما ذكر الإضافة إلى جمل الأفعال، ويم يقيِّد فعلاً ماضياً من مضارع، دل على جواز ذلك ملّه، فسواءٌ كان فعلُ تلك (٤) الجملة ماضياً أو مضارعا، فتقولُ: إذا قمتَ أكرمتك، وإذا تقوم أُكرِمُك. أما الأمر فلا موقع له هنا، فلذلك لم يتحّرر منه وأيضا فإن التمثيل قد يُشِعِر بإخراجه.
стр. 2081
والثالثة: أنه حين نص على التزام جُمَل الأفعال كان ذلك نصاً في ارتضاء مذهب سيبويه ومخالفة غيره، وهو الأخفش ومن قال بقوله. والمسألة مختلفٌ فيها على ثلاثة أقوال:
أحدها: هذا، وهو التزامُ وقوع الجملة الفعلية مضافاً إليها، إلا أنه لا/ يلزم أن ٣٧٥ يتصدر الفعلُ لفظاً بل يجوز أن يتصدر الاسم على أنه معمولٌ لعاملٍ مقدَّرٍ تصديُره، فنحو: إذا زيدٌ يقومُ، على تقدير: إذا يقومُ زيدٌ يقوم، كما تقدم.
والثاني: مذهب الأخفش، وهو جواز وقوع الجملة الاسمية مضافاً إليها إذا، ويستوي في ذلك أن يكون خبرُ المبتدأ فيها اسماً أو فعلاً، فيُجِيز أن تقول: آتيك إذا زيدٌ قادمٌ، فزيدٌ مبتدأ خبره قادمٌ، وأن تقول: إذا زيدٌ قَدِمَ، على أن يكون ((قَدِم)) خبر المبتدأ الذي هو زيدٌ.
والثالث: مذهبٌ لابن أبي الربيع بالفرق بين أن يكون الاسم الواقع بعد إذا مخبراً عنه بالفعل أو بالاسم، فإن كان مخبراً عنه بالاسم فالقولُ ما قاله سيبويه والجماعةُ من منع المسالة إلا أن يُسمع فيوقفَ على محلّه. وإن كان مخبراً عنه بفعل فالقول ما قال الأخفش؛ إذ لا يتعيّن ما قال سيبويه، وإلى هذا كان يذهب تلميذُه أبو اسحق الغافقي (١).
قال شيخنا الأستاذُ أبو عبدالله بن الفخار-رحمةُ الله عليه-: وخلافُ القوم مع الأخفش مبنيٌّ على تغليب ما ضمنته إذا من معنى الشرط، أو تغليب ما وضعت له من الزمان، فمن غَلَّب عليها أصل وضعها
стр. 2082
أطلق القول في العامل فيها وفي الجملة الواقعة بعدها، أعني أن العامل فيها لا يلزم التأخير، ولكن يكون معها كما يكون مع ظرف الزمان غير المضمَّن معنى الشرط، وأن الجملة التي بعدها يجوز أن تكون فعلية واسمية. وإذا كان بعدها مبتدأ لم يلزم أن يكون خبره فعلا. هذا معنى الإطلاق المنسوب للأخفش. ومن غلّب عليها الوجه العارض فيها وهو ما ضُمِّنته من معنى الشرط منع الإطلاق، وقيد العامل فيها بالتأخير عنها، وقيد الجملة الواقعة بعدها بأن تكون مصدّرة بفعلٍ لفظاً أو تقديراً.
ومن أوقع المبتدأ بعدها وقيد خبره بأن يكون فعلاً، فإنما ذلك لأن الجميع في حكم إذا وفي قبضتها، فقد حصل الفعلُ فير خبرها على الجملة.
هذا مقال شيخنا-﵀ وهو تحقيق مناط الخلاف، إلا أنه يبقى النظر في استقراء السماع وتنزيله على ما قاله، ولا شك أن السماع على ما قاله الناظم، لأن عامة استعمال ((إذا)) أن يقع بعدها الفعلُ في الجملة التي أُضيفت إليها، فلو غُلِّب عليها حكمُ أصلها من الظرفية لوقع بعها الجملة التي جزآها اسمان صريحان كثيراً، كما كان ذلك في إِذْ، فلما امتنعوا عن ذلك وعُوِمَلتْ معاملةَ الشرط، دلَّ على أن الاسم الواقع بعدها يليها ليس مبتدأ، كما لم يكن مبتدأ مع أدوات الشرط. وأما قولهم (١):
إذا الكواكبُ خاوِيَة
стр. 2083
وقوله (١):
إذا باهليٌّ تحتَه حنظليَّةً
له ولدٌ منها فذاكَ المذَرَّعُ
وما كان نحو هذا فنادرُ لا يُبنى عليه.
وقد خالف هنا رأيه في التسهيل (٢) حيث اختار هناك رأي الأخفش، ولم يره هنا، واحتجّ عليه في الشرح (٣) بأن طَلَبَ إذا للفعل ليس كطَلَب إِنْ، بل طَلَبَها له كطلب ما هو/ ٣٧٦ بالفعل أولى مما لا عمل له فيه كهمزة الاستفهام، فكما لا يلزم فاعلية الاسم بعد الهمزة لا يلزم بعد إذا، قال: ((ولذلك جاز: إذا الرجل في المسجد فظُنَّ به خيرا. وأنشد: إذا باهليٌّ .. )) البيت. ثم قال: فاستُغنى بالظرف عن الفعل، ولا يفعل ذلك بما هو مختصٌّ بالفعل.
وما قاله هنا دعوى لم يأتِ عليها بحجةٍ إلا بالبيت، وهو شاذٌّ. واستدل أيضاً بدخول أَنْ الزائدة بعد إذا وبعدها جملةٌ اسمية في قوله (٤): وَأَمْهَلَهُ حَتَّى إِذَا أَنْ كَأَنَه
стр. 2084
وذلك لا يُفعل بما هو مختصٌّ بالفعل.
وأنشد ابن جني لضيغم الأسدي (١):
إذا هو لم يَخَفني في ابنِ عَمِّي
وإن لم ألقَهُ-الرجلُ الظلومُ
وقال: في هذا دليلٌ على جواز ارتفاع الاسم بعد إذا الزمانية بالابتداء، لأن هو ضميرُ الأمر والشأن، وضمير الأمر والشأن لا يرفع بفعل يفسره ما بعده. وأنشد معه المؤلف بيتا آخر مثله (٢). وجميعُ ذلك لا ينهض دليلاً مع ندوره ومعارضته بجزمها في الشعر، فلولا اختصاصُها بالفعل لم تجزم. والحقُّ أن جوازَ وقوع المبتدأ بعدها لا يثبتُ بمثل هذا كلّه، والصواب ما ذهب إليه هنا. والله أعلم.
والرابعة: أن تمثيله بقوله: هُنْ إذا اعتلى، وقد يُشير إلى التحرُّز من إذا الفجائية، من جهة أن إذا في المثال تُعطي معنى الشرط، والفجائية إنما تُعطي معنى فاجأ، كما إذا قلت: خرجتُ فإذا الأسدُ، أي: ففاجأني الأسدُ. وكقوله تعالى ﴿ثم إذا دعاكم دَعوةً من الأرضِ إذا أنتم تخرجُون (٣)﴾، أي: فاجأكم الخروج. وهكذا سائر مُثُلها، بخلاف قولك: هُنْ إِذا اعتلى، فإنه لا يصحُّ فيه تقديرُ: فاجأك الاعتلاء. وإذا ساغ هذا التحرّز ففائدة إخراج إذا المفاجأة
стр. 2085
وجهان:
أحدهما: أنها ليست عند المؤلف ظرفاً، وقد نصّ على ذلك في غير هذا الكتاب، قال في التسهيل: ((وتدل على المفاجأة حرفا لا ظرف زمانٍ، خلافاً للزجاج، ولا ظرف مكان خلافاً للمبّرد (١))). وقد ذكرها في باب الجزاء، إلا أنه لم يحكم عليها بشيءٍ من حرفيةٍ ولا اسميةٍ، بل جعلها تخلُف فاء الجزاء (٢)، فدل على أنها عنده حرفٌ مثل الفاء. وقد استدل على [صحة (٣)] حرفيتها- وهو رأي الأخفش- بأمور، بدلالتها على معنى في غيرها، وعدم الصلاحية لعلامات الاسم والفعلِ، وأنها لا تقع إلا بين جملتين، فصارت كلاكنَّ حتّى، وأنها لا يليها إلا جملةٌ ابتدائية مع انتقاء علامات الأفعال، ولا يكون ذلك إلا في الحروف، ولو كانت ظرفاً لم يختلف في ظرفيتها، هل هي زمانية أو مكانية، إذ ليس في الظروف ذلك. ولم تربط بين جملتي الشرط والجزاء كالحرف، ولوجب اقترانها بالفاء إذا صُدِّر بها جواب الشرط، فلذلك لازمٌ لكل ظرف صُدِّر به الجواب، ولأغنت عن خبر ما بعدها، فيكثر نصبُ ما بعده على الحال، شأنُ الظرف المجمع عليه، كعندي زيدٌ قائماً، ولم يقع بعدها إن المكسورة غير مقترنة بالفاء كسائر الظروف (٤)، نحو
стр. 2086
عندي أنك قائم، لكنهم قالوا (١):
إِذا إِنه عبدُ/ القفا واللهازِمِ ... ٣٧٧
فدل ذلك كلّه على الحرفية وانتفاء الظرفية.
والوجه الثاني من وجهي فائدة إخراج إذا المفاجأة: أنها لا تُضاف إلى جملة فعلية أصلا، وإنما هي مختصة بالدخول على الجملة الاسمية، نحو: ﴿إذا هُم يقنَطونَ (٢)﴾، ﴿إذا أنتم تخرجون (٣)﴾، ((فإذا أنه عَبُد))، فلذلك أخرجها بالمثال.
و((إضافةً)): مفعولٌ ثان لألزموا، والمفعول الأول لفظ ((إذا))، أي: الزموا هذا اللفظَ حكم كذا.
ومعنى ((هُنْ إذا اعتلى)): خَفِّض له من نفسك، وأعطه من جانبيك اللِّين. وفي المثل: ((إذا عَزَّ أخوك فَهُن (٤)))، يُقال بضم الهاء وكسرها.
والخامسة: أنه لم يذكر في إذا ما ذكر في إِذْ من أن ما كان مثلها في المعنى فهو مثلها في الحكم، فقد قالوا: إذا أُريد بالظرف المبهم الاستقبال فيجوز فيه ما لزم في إذا من الإضافة إلى الجملة الفعلية،
стр. 2087
ولذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿يومَ هم على النار يُفْتَنُون (١)﴾: إن ((هم)) مرفوع بفعل مضمر دل عليه الظاهر. وكذلك ما كان مثله من نحو: ﴿يومَ هم بارِزُون (٢)﴾، وبابه. كما قَدَّروه في باب ﴿إذا السماء (٣) انشقت﴾ وبابه. وهو صحيح. فكان من حق الناظم كما ذكر هذا الحكم في مرادف إِذْ أن يذكره في مرادف إذا، لكنه لم يفعل، فكان فيه إيهام انفراد إِذْ بذلك الحكم دون إذا، وذلك إخلال.
لمفْهِم اثنَينِ مُعَرَّفٍ بِلاَ
تَفَرُّقٍ أُضِيفَ كِلْتا وكِلاَ
يعني أن حكم كلتا وكلا في هذا الباب أن يُضافا إلى الاسم بثلاثة شروط: أحدها: أن يكون ذلك الاسم المضاف إليه مُفِهم اثنيت، وهو أن يكون دالا على اثنين لا على مفرد، ولا على أكثر من اثنين، وذلك قوله: ((لمفهم اثنين)). فلو دلّ على واحدٍ لم يُضافا إليه، نحو: كلا الرجل قام، أو: كلتا المرأة قامت. فهذا لا يجوز. وكذلك لو دلّ على أكثر من اثنين لم يضافا إليه، نحو: كلا الرجال، أو كلتا الجواري، وإنما يضافان إلى ما يدل على اثنين، والذي يدلّ على اثنين أربعة أشياء:
أحدها: المثنى وما جرى مجراه، فالمثنى نحو: كلا الرجلين قام، وكلتا المرأتين قامت وفي القرآن الكريم: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها (٤)﴾، ومنه قولُ جُبيهاء الأشجعي (٥):
стр. 2088
كلا عَقَبِيهِ قد تَشَعَّثَ رأسُها
من الضرب في جَنْبَي ثَفَالٍ مباشرِ
وأنشد سيبويه للبيد (١):
فغَدَت كلا الفَرْجينِ تحسِبُ أَنّه
مَوْلَى المَخَافَةِ خَلْفُها وأمامُها
وقال ذو الرمة (٢):
حتى إذا كنّ محجوزاً بنافذةٍ
وزاهقاً، وكلا روقيه مختضبُ
وهو كثير.
والجاري مجرى المثنى اسمُ الإشارة إن قلنا إنه ليس بمثنى حقيقة، نحو: كلا هذين قائم، وكلتا هاتين قائمة، وكذلك الموصول إن قيل: إنه لا يُثَنّى حقيقةً، نحو: كلا اللَّذين قاما أكرمته.
والثاني: الضمير الموضوعُ للمثنى، شاركه فيه غيره أو لم يشاركه، كان لمتكلم أو مخاطبٍ أو غائبٍ. فالمتكلم نحو: كلانا قائم، وكلتانا قائمةٌ. ومنه/ قولُ جميلِ بن مَعْمر (٣): ٣٧٨
стр. 2089
كلانا بَكَى أو كاد يَبْكِي صَبَابةً
إلى إِلْفِهِ، واستعجَلتْ عَبرةً قبلي
وأنشد الفارسيُّ للنَّمِر (١):
فإنَّ الله يَعْلَمْني وَوَهبا
وَيَعْلَمُ أن سَنَلْقاهِ كلانَا
وقال طرفة (٢):
غَنِينا، وما نَخْشَى التفرُّقَ حِقبةً
كلانا غَرِيرٌ ناعم العيشِ باجلُه
والمخاطب نحو قولك: كلاكما قائم، وكلتاكما قائمة. والغائب نحو: كلاهما قائم، وكلتاهما قائمة. وفي التنزيل: ﴿إمَّا يبلغَنّ عندك الكَبِرَ أحدهما أو كلاهما (٣)﴾ .. الآية
وقال الفرزدق (٤):
كلاهُا حين جَدَّ الجريُ بينهما
قدْ أَقْلَعَا، وكلا أَنْفَيهما رابى
стр. 2090
وقال الآخر أنشده ثعلب (١):
وكلتاها قد خطَّ لي في صحيفتي
فلا العيشُ أهواه ولا الموت أروحُ
وهو كثير.
والثالث: اسم الإشارة الموضوع للمفرد البعيد، فإنّ العرب قد اتسعَت فيه فاستعملته للمثنى، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿عَوانٌ بين ذلك (٢)﴾، أي: بين الفارض والبِكْر، فأوقع ((ذلك)) على الإثنين (٣). وكذلك استعملته للجمع فأضافت كُلا إليه في نحو: ﴿وإِنْ كلُّ ذلك لما متاعُ الحياةِ الدنيا (٤)﴾. فعلى هذا يجوز أن تقول: جاءني زيدٌ وعمرو، وكِلاَ ذلك فاضلٌ. ومنه ما أنشده ابن هشام في السيرة، والفارسيّ في الشِّيرازيات لعبدالله بن الزِّبَعْري (٥):
إِنَّ للخَيرِ وللشَّر مَدَىً
وكِلاَ ذَلِكَ وَجْه وقَبَلْ
قال الفارسيُّ: فهذا يراد به التثنية كما أُرِيدَتْ بالضَّمير في ((كلانا)) التثنية، وإن كانت اللفظة تقعُ على الجميع.
والرابع: الجمعُ الذي يُراد به المثنى في نحو: قطعتُ رُءوسَ الكبشَينِ
стр. 2091
وقوله (١):
ظهراهما مثلُ ظهورِ التُّرْسَين
فتقول على هذا في نحو: ((وكلا أنفَيهما رابى)): وكلا أُنوفهما رابى، وقطعت كلا رءوس الكبشين، وجدعتُ كلا أُنوف الزيدين. وما أشبه ذلك، فهذا والذي قبله داخلٌ تحت قول الناظم: ((لِمُفْهِم اثنين)).
فإن قلت: هذا بِدْعٌ من القول في كلا وكلتا! وأين السماع في هذا؟
فالجواب: أنَّ السماع إِن يأت فالقياس قابلٌ؛ قال الفارسيّ في المسائل الشيرازيات: فإن قلت: فهل يجوزُ في قول الفرزدق: ((وكلا أَنفَيهما رابى)): وكلا أنوفهما رابى، لأن هذا يُجْمع فيه المثنى؟ فالقول: أَنَّ ذلك ليس بحسن، لأن هذا النحو قد يُستعمل فيه التثنية كما يُستعمل الجمع، نحو: ((ظهراهما مثلُ ظُهور الُّترسَين))، فإذا كان كذلك قبح استعمالُ الجمعِ بعد كلا؛ لأنه موضعٌ لم يُستَعمل فيه هذا الضربُ من الجمع. قال: فإن قلت: إن هذا
стр. 2092
الضرب من الجمع قد جرى مجرى التثنية عندهم؛ ألا تراهم قالوا (١):
رءُوس كَبِيرَيهنَّ ينتطحانِ
فأخبِر عنه بالتثنية وقد تقدم الجميع. وقيل في قوله (٢):
... جونتا مصطلاهما
إنه على هذا التقدير، يعني أن ((هما)) عائد على ((الأعالي))، لأن المراد الأعليان.
قال: فإن حُمِل هذا فمذهبٌ. ثُمَّ قوي ذلك بمجئ لفظ الجميع في كلانا، لما أريد به التثنية، وباسم الإشارة المذكور. فعلى هذا لا يمتنع القياسُ في هذه المواضِعِ، فيصحّ اشتمالُ قوله: ((لمفهم اثنين)) على جميع ما تقدّم.
والشرطُ الثاني من شروط المضافِ إليه كلا وكلتا: أن يكون المضافُ إليه معرفةً، وذلك قوله: ((لمفهم اثنين معرَّفٍ))، يعني أنهما لا يضافا إلا إلى/ معرفةٍ بأحد وجوه التعريف، أما ... ٣٧٩ الضمير كقوله: ﴿أحدهُما أو كلاهُما (٣)﴾، وأما العلمُ كقوله: كلا الزيدين قام، وإما المبهمُ
стр. 2093
نحو قوله: ((وكلا ذلك وجهٌ وقَبَل))، وأما ذو الألف واللام نحو: ﴿كِلتْا الجنتَين آتَتْ أُكُلها (١)﴾، وإما المضافُ إلى معرفة نحو: وكلا أنفَيهما رابى)). ولا يجوزُ أن يُضافا إلى نكرةٍ، فلا يُقال: كلا رَجُلين قام، قال الفارسيّ في كِلاَ: لم نعلمها أُضِفَتْ إلى المنكور لا مفرداً ولا مضافاً. قال الأخفش: العرب لم تضع ذا إلا على المعرفة. ونَقَلَ بعضهم عن الكوفيِّين (٢) أنهم يُجِيزون ذلك لكن بشرط أن تكون النكرةُ محدودةً مخصَّصةً. فيقولون: كلا رَجُلين عندك قائم، وكلتا امرأتين في الدار مُرْضعٌ؛ وحكَوا عن العرب: كلا جاريتَينِ عندك مقطوعةٌ يدُها (٢) - قالوا: وقَطْعُ اليد هنا: تَرْكُ الغَزْل - فلو كانت النكرة غير محدودةٍ لم تُضف إليها كِلاَ وكِلْتا، نحو: كلا رجلين قائم، وكلتا امرأتين مرضع. وهذا يحفظه البصريون، وهو شاذٌّ لا يُبنى عليه، ولذلك لم يُعوِّلِ الناظم عليه ولا غيره.
والشرط الثالث: أن يكون فهم الاثنين من لفظٍ واحدٍ، فلا يكون ذلك المعنى (٣) مفهوما من لفظين، معطوفٍ ومعطوفٍ عليه، وذلك قوله: ((بلا تفرُّقِ))، يعني أن اللفظ المفهم للاثنين لابدَّ أن يكون واحداً غير مفرَّق بالعطفِ كما تقدَّم، فلا يقالُ: كلا زيد وعمروٍ قام، ولا الحرّ والعبد خرج. وما جاء مخالفا لذلك فشاذٌّ مختصٌّ بالشعر، نحو ما أنشده في الشرح من قول الشاعرِ (٤):
كلا أَخِي وخَلِيلي واجِدِى عَضُداً
وساعداً عند إلمام المُلِمَّاتِ
стр. 2094
ويُروى:
في النَّائباتِ وإلْمامِ الملماتِ
وقول الآخر (١):
كلا الضَّيفَنِ المَشْنُوءِ والضَّيف نائل
لديَّ المُنَى والأمنَ في البسر والعُسْرِ
وأنشد الفارسي (٢):
كلا السيفِ والساقِ الذي ضُرِبَتْ به
على دَهَش ... ... ... ... ... ...
ولم أقيد باقي البيت. قال الفارسيّ: لم يُجِيزوا إلى المظهر المخصوص وإن عطفت عليه مثله، لم يجيزوا: كلا أخيك وابيك ذاهب، كما لم يُجيزوا: كلُّ عبدالله وأخيه وأبيه ذاهبون، وكما لم يقولوا: جميع زيد وعمرو ذاهبان. قال الأخفش: لأن هذا يجري مجرى: ثلاثة رجال وأربعة أناسيَّ، ولو قلت: اربعة صاحبين، وأنت تريد أربعة اصحاب، لم يَجُزْ. وإنما ذلك في الشعر لأن العطف بالواو كالتثنية في المعنى، فحمل الكلام في الشعر على المعنى؛ ألا ترى أنك تقول: زيد وعمرو قاما، كما تقول: الزيدان قاما. ولو قال: كلا زيد وعمرو، لم يجز في شعرٍ ولا غيره، لأن كِلاَ فيه مضافةٌ إلى واحدٍ غير جارٍ مجرى المثنى، وذلك لا يجوزُ في كلا وكلتا.
стр. 2095
وهذا الشرط من الناظم يقتضي أن لا يجوز نحو: كلاكَ وكلا زيدٍ قائم، وكلتاك زولتا زينبَ قائمةٌ، لأن هذا تفريق. وأحسب أني وقفت على إجازته لبعض النحويين حملا على المعنى، لأن الكلام على معنى: كلاكما قائم، وكلتاكما قائمة. ولم يأت في ذلك سماع، ولكنّهم قاسوه/ ٣٨٠ على إجازة ذلك في ((أيّ))، إذ جاء في كلام العرب نحو: أيّي وأيُّك كان شراً فأخزاه الله؛ لأن المعنى: أَيَّنا، وأيّ الثانية توكيدٌ كالمطّرح، فكذلك تكون كِلاَ الثانية هنا كالمطَّرحة. وأيضاً فقد قالوا: هو بيني وبينك، والمراد: بيننا، فتجوز مسألتنا كما يجوز هذا. فالناظم إمَّا أن يكون لم يرتضِ هذا المذهب لعَدَمه في السماع، أو لضعفه في القياس، وإمَّا أن يكون تركَ التنبيه عليه رأساً لِقِلَّة القائلين به، وغَرابة نقله.
فإن قيل: كلا وكلتا مما تلزم فيه الإضافة فلا يُفْردان أصلا كما يُفْرَدَ كُلٌّ في اللفظ وإن كان غير مُفْرَدٍ في المعنى، وإنما هما لازمان للإضافة اللفظية، وكلامُ الناظم هنا لا يُعطي لزومَ الإضافة وإنما فيه أَنَّ الإضافة لا تكون إلا للمثنى غير المفُرَّق، فقد يُتَوهَّم أنهما مما يصحّ فيه الإفراد.
فالجواب: أنَّه يؤخَذُ له لزومهما الإضافة من مَسَاقِ كلامه، فإن الفصل كله من لدن قوله: ((وبعض الأسماءِ يُضَافُ أَبَدا)) إلى قوله: ((وما يلي المضافَ يأتي خَلَفَا)) في الإضافة اللازمة، وإذا كان كذلك لم يضطَرَّ إلى التنبيه على اللزوم، بل إن أطلق القول فيها أخذت له على حقيقتها من مطلق اللزوم، ومفهومه الأول- وهو اللزوم لفظاً ومعنىً- وَإِنْ قَيَّدها فذكر فيها لفظاً، أخذنا به حيث ذكره، فلا إيهام في كلامه على هذا التقرير، والله أعلم.
_________
стр. 2096
وقوله: ((لمفهم اثنين)) متعلّق بأضيف. و ((بلا تفرق)) متعلّق باسم فاعلٍ محذوفٍ هو صفةٌ لمفهم، والتقدير: أُضِيفَ كلتا وكلا لاسمٍ مفهمٍ اثنين معرّفٍ كائن بلا تفرُّق.
* * *
وَلاَ تُضِفْ لمفرَدٍ مُعَرَّفِ
أيّا، وأنْ كرَّرْتَها فَأضِفِ
أو تَنْو الأجزا، واخْصُصَن بالمعرفَهْ
مِوصُولَةً أياً، وبالعكسِ الصِّفَهْ
وَإِنْ تَكُن شرطاً أِوِ اسِتفْهامَا
فَمُطلقا كَمِّل بِها الكَلاَمَا
هذا فصلُ الكلام في إضافة أيٍّ، وهي على الجملة لازمةٌ للإضافة في هذه الأقسام التي ذكر، ويتبيَّن ذلك من سياقِ الكلامِ كما تقدَّم في البيت المذكور آنفا.
فإن قلت: لم يَذْكُر هنا لقسمٍ من أقسامها الإفرادَ في اللفظ، فاقتضى - على ما تقدم- لزومَ الإضافة لفظا، وذلك غير صحيح، بل أيّ في ذلك ضربان: ضربٌ لا يجوز فيه الإفراد لفظاً البتّة، وذلك الواقعة صفةً وفي معناها الواقعةُ حالاً، فإنك تقول: مررتُ برجلٍ أيِّ رجلٍ، وبفارسٍ أيِّ فارسٍ. ولا تقول: مررتُ برجلٍ أيٍّ، ولا بفارسٍ أيٍّ، وإن عُلِم المحذوفُ، لأن العرب التزمت ذكر المضاف إليه هنا، فلا يجوز مخالفتها.
وضربٌ يجوز [ذلك (١)] فيه، وذلك إذا كانت شرطاً أو استفهاماً أو
стр. 2097
موصولة تقول: أيَّا تضرِبْ أضرِبْ. وفي القرآن: ﴿أيامَّا تدعو فله الأسماءُ الحُسنى (١)﴾. وفي الحديث ((أيُّ العمل أفضلُ؟ فقال: الصلاةُ لميقاتها. قال: ثمّ أيٌّ؟ قال كذا. قال: ثم أيٌّ؟ قال كذا (٢))). وتقول في الموصولة: اضرِبْ أيَّا أفضلُ، وأيَّا هو/ أفضل. وذلك كلُّه مع العلم بالمحذوف، ٣٨١ فكيف يُطلقُ القولَ هنا بلزوم الإضافة لفظا ومعنى؟ هذا لا يستقيم!
فالجواب: أنه قد بيّن في باب الموصول أن أيّاً الموصولة تُفَردُ عن الإضافة، أشار إلى ذلك قولهُ: ((أيٌّ كما، وأعربت مالم تُضَفْ)) إلى آخره، وأما غيرها من أقسام أيٍّ فلم يذكر فيها شيئاً، فالسؤالُ ورادٌ.
وقدَّم أولاً في إضافة أيٍّ حكماً عاماً، وهو أنها لا تُضاف إلى مفردٍ معرَّفٍ، وأراد بالمفرد هنا مفرد الشخص، فلا تقول: أيّ زيدٍ جاءك؟ ولا: أيُّ الرجلِ الفاضل جاءك؟ لأنّ أيّا موضوعةٌ على الإبهام فيما يصحُّ فيه التبعيض، فلا يجوز أن يقعَ المفردُ المعرفةُ، بخلاف المفردِ النكرة، والمعرفةِ غير المفرد، فإنه يجوز أن يقع بعدها كلّ واحدٍ منهما على الجملة، فتقول في الأول: أيُّ رجلٍ جاءك؟ وأيُّ رجل يأتِكَ أكرمُه. وتقول في الثاني: أيُّ الرجال جاءك؟ وأيُّ الرجال يأتِكَ أَكرِمْه. وكذلك: أيّ رجلين جاءاك؟ وأيُّ رجال جاءوك؟ حسب ما يأتي؛ فقوله: ((ولا تُضف لمفردٍ معَّرف أياً))، يعني مطلقاً في جميع أقسامها التي يذكرها، ثم استثنى من هذه الجملة موضعين صحّ فيهما الإضافة إلى المفرد المعرفة:
أحدهما: أن تتكرر أيّ بالعطف فإِذْ ذاك يجوزُ أن تضاف إلى
стр. 2098
المفرد المعرفة، فتقول: أَيِّيِ وأيُّ زيدٍ قائمٌ؟ وأَيِّيِ وأيُّك كان شراً فتاب الله عليه. ونحو ذلك.
وهذا معنى قوله: ((وإن كرَّرتها فَأَضِف)). يعني: إن كرَّرت أيَّا، وذلك مثلُ ما أنشد سيبويه من قول العبّاسِ بن مرداس (١):
فأيِّيِ، ما، وأيُّك كان شراً
فَسِيقَ إلى المنيَّةِ لا يَرَاها
وأنشد أيضاً لخِدِاشِ بن زُهير (٢):
ولقد علمتُ إذا الرجالُ تناهَزُوا
أِيَّي وأيُّكُمُ أَعزُّ وأمنَعُ
وأنشد له أيضا (٣):
فأيِّيِ وأيُّ ابن الحُصَين وعَبْعَبٍ
غَداةَ التقينا كان عندكَ أعذَرا
وقال عنترةُ (٤):
فلئن لقيتُك خالِييَن لتعْلمْن
أيّي وأيُّك فارسُ الأحزاب
стр. 2099
وقال جُمَيح بن الطَّمّاح، وهو جاهليّ (١):
وقد علم الأقوام أييّ وأيكمُ
بني عامرٍ أوفى وفاءً وأكرمُ
وقال قرط اليربوعي، جاهلي (٢):
أبني سُلَيطٍ لأ أبا لأبيكم
أيَّي وأيُّ بني صُبَيرةَ أكرمُ
وإنما جاز ذلك لأن الكلام محمول على معناه، إذ معنى ذلك: أيُّنا؟ قال سيبويه: ((وسألتُه-﵀ يعني الخليلَ- عن ((أِسِّي وأيُّك كان شرا فأخزاه الله)). فقال: هذا كقولك: أخزى الله الكاذب مِنِّي ومِنْكَ، وإنما يريد: مِنّا. وكقولك: هو بيني وبينك. تُريد: بيننا (٣)، قال: فإنما أراد: أيُّنا كان شراً، إلا أنهما لم يشتركا في أَيٍّ- يعني فيقال: أيّنا- ولكنهما أخلصاه لكل واحدٍ منهما (٤)))، يعني: ((ولكن المتكلم والمخاطب أخلصا أيَّا لكلّ واحد منهما (٥))). وإذا ثبت هذا لم تُضَف أيُّ في حقيقة المعنى إلى المفرد المعرفة، وإن كان ذلك في محصول اللفظ.
والثاني من الموضعين: أن تنوي التبعيض في المضاف إليه، وذلك فيما يصحُّ فيه التبعيضُ. وهذا معنى قول الناظم: ((أوتَنْوِ الاجزا)). وهو معطوفٌ على
стр. 2100
((كرّرتها)) عطف الموضع، لأن موضعه جزمٌ، كأنه قال: وإن تكرِّرْها/ أو تنو الأجزاء ... ٣٨٢ فيما أُضيفَتْ إليه فأضِفْها إلى المفرد المعرفة، وذلك قولك: أيُّ ثوبك خَلَق؟ معناه: أيّ النواحي منه خَلَق؟ فالتبعيض في هذا متأتٍّ فجازت الإضافة باعتباره. وكذلك تقول على هذا: أيَّ غرناطةَ نزلتَ؟ المعنى أَيَّ نواحيها نزلْتَ؟ أو أَيَّ مواضعها نزلْتَ؟ ومن ههنا جاز في بين أن تضاف إلى المفرد كقول امرئ القيس (١): ((بين الدَّخول فحوملِ. فتُوضِحَ فالمقْراةِ (١)))، لأن الدَّخولَ موضع يحتوي على أماكن فكأنه قال: بين أماكن الدَّخول فأماكن حَوْمَلِ، وكذلك تُوضِحَ والْمِقراةِ. وإلا فلا يجوز أن تقول: جلست بين زيد فعمرو (٢)، إذ لا بينَ لزيدٍ وحده ولا لعمرو وحده، وإنما جاز ذلك كلُّه لأنَّ اعتبار الأجزاء يُخرج الاسم عن باب الإفراد إلى باب الجمع، فكأنك قلت: أيُّ أجزاء ثوبك خَلَق؟ وأيَّ نواحي غرناطةَ نَزَلْتَ؟
وعلى الناظم في قوله: ((وإن كرَّرتها فأضِفِ)) دَرْكٌ من أوجه أربعةٍ:
أحدها: أن هذا التكرار لم يُبيِّن على أيّ وجه يكون؟ فقد يمكن أن يفهم على أنه بغير عطفٍ كقولك مثلا: أَيِّي أيُّك قائم؟ أو بحرفِ عطفٍ غير الواو نحو: أَيِّي فأيّك، أو أَيِّي ثم أيكّ؟ وما أشبه ذلك من حروف العطف. وذلك كله غير صحيح، وإنما التكرار مخصوص بالواو وحدها من
стр. 2101
حروف العطف، فلا يجوز أن تقول: أَيِّي فأيُّ زيد أكرم؟ ولا أَيِّي ثم أيّ زيد أفضل؟ وإنما يجوز ذلك مع الواو، لأن المفردين مع الواو في حكم الاسم المثنى بخلاف غيرها، وذلك من حيث كانت لا تعطي رتبةً، وإنما تعطي مجرّد الجمع من غير زيادة، فصارت كالتثنية. وأما غيرها من الحروف فإنما يقتضي تفريق المعطوف من المعطوف عليه ولو في الرتبة الزمانية، فلم يرادف المفردان مع غير الواو التثنية، فصار كلُّ اسم عُطِف بغيرها له حكم نفسه، فامتنع العطف ههنا بما عدا الواو، وكلامُ الناظم لا يعطي شيئا من هذا، فكان مُعتَرَضاً.
والثاني: أن هذا التكرار في ظاهرِ مَسَاقِه قياسيّ، فجائز أن يَتَكلَّمَ به في غَير الشعر، لأنه قال: ((وإن كرَّرتها فأضِف)). فوكَلَ ذلك إلى السامع لا إلى العرب. وليس الأمر كذلك، بل هو موقوفٌ على السماع، وقد نَصَّ على ذلك الفارسي، وجعل جوازه كجواز تكرار المفرد بعد كِلاَ في نحو قوله (١):
كلا السيفِ والساقِ الذي ضُرِبَتْ بِهِ
في أنّ كلّ واحدٍ منهما موقوف على السماع، محمول على معناه. ولا يقاس عند الناظم على نحو: كلا السيف والساق، فكذلك ينبغي في: أَيِّي وأيُّ زيد أعرف؟ وهكذا قيل. ويظهر من مساق سيبويه في باب أَيّ، وإذا كان كذلك ظهر أنّ ما أعطاه مساق الكلام من القياس غير صحيح.
والثالث: لو سُلِّم أَنَ التكرار قياسيّ فإنما يكون كذلك حيث كان المجرور بأ] ٍّ أولاً ضمير المتكلم، نحو: أَيِّي وأيُّ زيدٍ أعلم؟ وهو الذي عيّنه السماع كما تقدّم، فلا يقال: أيّك وأيّ زيدٍ أفضل؟ ولا: أيّ زيد وأيّ عمرو أعلم؟ وعبارة
стр. 2102
الناظم هنا وكذلك في التسهيل (١) / تقتضي جواز الجميع، فهو مشكل! ... ٣٨٣
والرابع: أن قوله ((فأضِفِ)) يقتضي لزومَ الإضافة إلى المفرد المعرفة، لأن قوله ((فأضِفِ)) أمرٌ بذلك، لم يُقيِّده بالجواز، كما قال في المسألة قبل هذا: ((أضِفْ جوازاً)) فدلّ على أنه يريدُ وجوبَ الإضافة التي قَدَّم، وهي الإضافة إلى المفرد المعرف. وذلك حكمٌ غير صحيح؛ بل هو على الجواز إذا كُرِّرت، فلك أن تَضِيفَ إلى النكرة، فتقول: أيَّ رجل وأيَّ امرأةٍ أكرمتَ؟ وإلى المعرفة غير المفردة فتقول: أيُّ الرجلين وأيُّ المرأتين أكرمُ؟ وكذلك أيُّ بني تميم وأيُّ بني فلان أفضلُ؟ وما أشبه ذلك. فلا يُقتصر به على المفرد المعرفة، خلافُ ظاهر كلامه.
والجواب عن الأول: أنَّ تأتيِّ التكرار في محصول الاعتياد (٢) إنما يحصلُ مع العطف، والواو أصلُ البابِ، فهو الذي يَسبقُ للأذهان، فترك ذكره اتكالاً على فهمه، وعلى أنه قال عِوَضَ ذلك:
ولا تُضِفْ لمفرَدٍ مُعَرَّفِ
أيّا وكرّرها بواوٍ تُضِفِ
أو انْوِ الاجزا ... ...
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لكان أولى.
وعن الثاني: أن ظاهر كلامه هنا وفي التسهيل (٣) إجراء القياس،
стр. 2103
إذْ لم يقيِّد ذلك بأمرٍ، وليس في كلام سيبويه نصُّ بأنه سماعٌ، وقد تقدَّم نصُّ كلامه. وأيضا قد يبعُد الفرق بين قولك: أيِّي وأيّك (١) أعلم؟ وبين قولك: أيِّك وأيّ زيد أعلم؟ وما أشبه ذلك. وإذا فرض أنه قائل بالقياس فلا اعتراضَ إلا من جهة بطلان القياس من نفسه، وذلك نزاعٌ في أصل خلافٍ لا يعترض بمثله على الناظم بأن يقال: لم خالفت فلانا ولم توافقه؟ لأن الدليل هو المتّبع، ولا إجماع يعارَضُ به هذا القياس، بل نقول ان سيبويه والخليل شبَّها قولهم: ((أيِّي وأيُّك كان شراً فأخزاه الله))، بقولهم: هو بيني وبينك، ونحوه، ومثل هذا لا يُقتَصَرُ به في ((بين)) الأولى على ضمير متكلم دون مخاطب أو غائب، بل يقال: هو بينك وبينه، وهو بينك وبين زيد، وفي القرآن: (فإذا الذي بينَكَ وبينه عداوةٌ كأنّه وليٌّ حميم) (٢)، وكذلك الأمر في: ((أخزى الله الكاذب منّي ومنك))، لا مانع من أن بقال: منك ومن زيد، فكما يجوز هنالك فكذلك يجوز هنا.
فإن قيل: فَلْيجُزْ على ذلك: كلاك وكلا زيدٍ قائمٌ، وكذلك: كلا زيد وعمروٍ قائمٌ؛ إذ لا فرق.
قيل: قد مَرَّ القولُ على هذا، وأيضاً لما فَهِم من العَرَب اعتزامهم على إضافة كلا وكلتا للمثنى غير المفرَّق، قال: يمنع التفريق بإطلاق، وكأنه لم يفهم مثل ذلك عن العرب في أيٍّ فأطلق الجواز.
فإن قيل: فإن جاز مثلُ: أيُّ زيدٍ وأيُّ عمرو في الدار؟ فليُجزْ: المال بين زيد [وبين (٣)] عَمْرو، بتكرير بين، وذلك غير جائز، وقد عُدَّ ذلك من لحن
стр. 2104
الخواصِّ حسب ما نصّ عليه الحريريُّ في ((دُرَّة الغواص (١))). وغيره. وكذلك يلزم أن يجيز: أخزى الله الكاذب من زيدٍ زمن عمرو.
فالجواب: أنه يقال: لعلّه أجاز ذلك بناءً على قياسه وإن كان ضعيفا، أو على سماع شيء منه. والله أعلم.
وهذا قد حصل الاعتذار- على ما فيه- عن الثاني/ والثالث من الاعتراضات. ٣٨٤
وأما الرابع فالجوابُ عنه: أن الأمر هنالك إنما هو للإباحة لا للوجوبِ، بقرنية تَقَدُّم الحظر في قوله: ((ولا تُضِف لمفردٍ معرَّفِ)). والأمر إذا ورد في الشريعة بعد الحظر فهو للإباحة حسب ما ذكره الأصوليون، فهو الراجح عندهم من المذهبين، وإذا كان على الإباحة فهو معنى التخيير، فقوله: ((وإن كرّرتها فأضِفِ))، معناه: إن شئت. فلا محذور.
[أقسام أيّ]
ثمَّ فصّلَ الكلام في أقسام أيٍّ، كيف تكون الإضافة إليها فقال: ((واخصُصَنْ بالمعرفة موصولةً أيّا)) .. إلى آخره، فذكر لها أقساما ثلاثة: قسم تكون فيه مضافةً إلى المعرفة خاصةً، وقسم يُخَصّ بالنكرة وحدها، وقسم يجوز فيه الأمران.
فأما الأول فهو الذي ذكر أوّلاً، وهو قسم الموصولة.
و((موصولةً)) حال من ((أيّ)) تقدمت عليها، كأنه قال: واخصُصْ بالمعرفة أياً حالة كونها موصولةً.
يعني أنها إذا كانت موصولة كالذي والتي فلا تُضاف إلاّ إلى
стр. 2105
المعرفة، فتقول: اضرِبْ أيَّهم هو قائم، وسلِّم على أيِّهم هو أفضلُ، لأن معناها معنى الذي، ولا يجوز أن تقول: أيَّ رجلٍ هو أفضلُ، أو: سلِّم على أيِّ رجلٍ هو قائم. ومن ذلك في القرآن: (ثمَّ لننزعنَّ من كلِّ شيعةٍ أُّهم أشدُّ على الرحمن عتياً (١)). وأنشد سيبويه (٢):
إذا ما أتيتَ بني مالك
فسلِّم عَلى أَيُّهم أفضَلُ
وأما الثاني فهو أيُّ إذا وقعتْ صِفةً، وذلك قوله: ((وبالعكسِ الصِّفَهْ))، يعني أنها إذا وقعت صفةً فإضافتُها على العكس من إضافة الموصولة، وقد تقدّم أن الموصولة تضافُ إلى المعرفةِ، فإذاً الصفة لا تضافُ إلى المعرفة، وإنما تضاف إلى النكرة، فتقول: مررتُ برجلٍ أيِّ رجلٍ، ومررتُ بفارسٍ أيِّ فارسٍ، وبفتىً أيِّ فتىً، ومنه قوله (٣):
دعوتُ امراً أيَّ امرِئٍ فأجابني
وكنتُ وإيّاه ملاذاً وموئِلاَ
وقال الآخر، إلاّ أنه حذَفَ الموصوف (٤):
إذا حارَبَ الحجاجُ أِيَّ منافقٍ
علاه بسيفٍ كلما هُزَّ يَقطعُ