← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

حروف العطف، فلا يجوز أن تقول: أَيِّي فأيُّ زيد أكرم؟ ولا أَيِّي ثم أيّ زيد أفضل؟ وإنما يجوز ذلك مع الواو، لأن المفردين مع الواو في حكم الاسم المثنى بخلاف غيرها، وذلك من حيث كانت لا تعطي رتبةً، وإنما تعطي مجرّد الجمع من غير زيادة، فصارت كالتثنية. وأما غيرها من الحروف فإنما يقتضي تفريق المعطوف من المعطوف عليه ولو في الرتبة الزمانية، فلم يرادف المفردان مع غير الواو التثنية، فصار كلُّ اسم عُطِف بغيرها له حكم نفسه، فامتنع العطف ههنا بما عدا الواو، وكلامُ الناظم لا يعطي شيئا من هذا، فكان مُعتَرَضاً. والثاني: أن هذا التكرار في ظاهرِ مَسَاقِه قياسيّ، فجائز أن يَتَكلَّمَ به في غَير الشعر، لأنه قال: ((وإن كرَّرتها فأضِف)). فوكَلَ ذلك إلى السامع لا إلى العرب. وليس الأمر كذلك، بل هو موقوفٌ على السماع، وقد نَصَّ على ذلك الفارسي، وجعل جوازه كجواز تكرار المفرد بعد كِلاَ في نحو قوله (١): كلا السيفِ والساقِ الذي ضُرِبَتْ بِهِ في أنّ كلّ واحدٍ منهما موقوف على السماع، محمول على معناه. ولا يقاس عند الناظم على نحو: كلا السيف والساق، فكذلك ينبغي في: أَيِّي وأيُّ زيد أعرف؟ وهكذا قيل. ويظهر من مساق سيبويه في باب أَيّ، وإذا كان كذلك ظهر أنّ ما أعطاه مساق الكلام من القياس غير صحيح. والثالث: لو سُلِّم أَنَ التكرار قياسيّ فإنما يكون كذلك حيث كان المجرور بأ] ٍّ أولاً ضمير المتكلم، نحو: أَيِّي وأيُّ زيدٍ أعلم؟ وهو الذي عيّنه السماع كما تقدّم، فلا يقال: أيّك وأيّ زيدٍ أفضل؟ ولا: أيّ زيد وأيّ عمرو أعلم؟ وعبارة

стр. 2102

الناظم هنا وكذلك في التسهيل (١) / تقتضي جواز الجميع، فهو مشكل! ... ٣٨٣ والرابع: أن قوله ((فأضِفِ)) يقتضي لزومَ الإضافة إلى المفرد المعرفة، لأن قوله ((فأضِفِ)) أمرٌ بذلك، لم يُقيِّده بالجواز، كما قال في المسألة قبل هذا: ((أضِفْ جوازاً)) فدلّ على أنه يريدُ وجوبَ الإضافة التي قَدَّم، وهي الإضافة إلى المفرد المعرف. وذلك حكمٌ غير صحيح؛ بل هو على الجواز إذا كُرِّرت، فلك أن تَضِيفَ إلى النكرة، فتقول: أيَّ رجل وأيَّ امرأةٍ أكرمتَ؟ وإلى المعرفة غير المفردة فتقول: أيُّ الرجلين وأيُّ المرأتين أكرمُ؟ وكذلك أيُّ بني تميم وأيُّ بني فلان أفضلُ؟ وما أشبه ذلك. فلا يُقتصر به على المفرد المعرفة، خلافُ ظاهر كلامه. والجواب عن الأول: أنَّ تأتيِّ التكرار في محصول الاعتياد (٢) إنما يحصلُ مع العطف، والواو أصلُ البابِ، فهو الذي يَسبقُ للأذهان، فترك ذكره اتكالاً على فهمه، وعلى أنه قال عِوَضَ ذلك: ولا تُضِفْ لمفرَدٍ مُعَرَّفِ أيّا وكرّرها بواوٍ تُضِفِ أو انْوِ الاجزا ... ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لكان أولى. وعن الثاني: أن ظاهر كلامه هنا وفي التسهيل (٣) إجراء القياس،

стр. 2103

إذْ لم يقيِّد ذلك بأمرٍ، وليس في كلام سيبويه نصُّ بأنه سماعٌ، وقد تقدَّم نصُّ كلامه. وأيضا قد يبعُد الفرق بين قولك: أيِّي وأيّك (١) أعلم؟ وبين قولك: أيِّك وأيّ زيد أعلم؟ وما أشبه ذلك. وإذا فرض أنه قائل بالقياس فلا اعتراضَ إلا من جهة بطلان القياس من نفسه، وذلك نزاعٌ في أصل خلافٍ لا يعترض بمثله على الناظم بأن يقال: لم خالفت فلانا ولم توافقه؟ لأن الدليل هو المتّبع، ولا إجماع يعارَضُ به هذا القياس، بل نقول ان سيبويه والخليل شبَّها قولهم: ((أيِّي وأيُّك كان شراً فأخزاه الله))، بقولهم: هو بيني وبينك، ونحوه، ومثل هذا لا يُقتَصَرُ به في ((بين)) الأولى على ضمير متكلم دون مخاطب أو غائب، بل يقال: هو بينك وبينه، وهو بينك وبين زيد، وفي القرآن: (فإذا الذي بينَكَ وبينه عداوةٌ كأنّه وليٌّ حميم) (٢)، وكذلك الأمر في: ((أخزى الله الكاذب منّي ومنك))، لا مانع من أن بقال: منك ومن زيد، فكما يجوز هنالك فكذلك يجوز هنا. فإن قيل: فَلْيجُزْ على ذلك: كلاك وكلا زيدٍ قائمٌ، وكذلك: كلا زيد وعمروٍ قائمٌ؛ إذ لا فرق. قيل: قد مَرَّ القولُ على هذا، وأيضاً لما فَهِم من العَرَب اعتزامهم على إضافة كلا وكلتا للمثنى غير المفرَّق، قال: يمنع التفريق بإطلاق، وكأنه لم يفهم مثل ذلك عن العرب في أيٍّ فأطلق الجواز. فإن قيل: فإن جاز مثلُ: أيُّ زيدٍ وأيُّ عمرو في الدار؟ فليُجزْ: المال بين زيد [وبين (٣)] عَمْرو، بتكرير بين، وذلك غير جائز، وقد عُدَّ ذلك من لحن

стр. 2104

الخواصِّ حسب ما نصّ عليه الحريريُّ في ((دُرَّة الغواص (١))). وغيره. وكذلك يلزم أن يجيز: أخزى الله الكاذب من زيدٍ زمن عمرو. فالجواب: أنه يقال: لعلّه أجاز ذلك بناءً على قياسه وإن كان ضعيفا، أو على سماع شيء منه. والله أعلم. وهذا قد حصل الاعتذار- على ما فيه- عن الثاني/ والثالث من الاعتراضات. ٣٨٤ وأما الرابع فالجوابُ عنه: أن الأمر هنالك إنما هو للإباحة لا للوجوبِ، بقرنية تَقَدُّم الحظر في قوله: ((ولا تُضِف لمفردٍ معرَّفِ)). والأمر إذا ورد في الشريعة بعد الحظر فهو للإباحة حسب ما ذكره الأصوليون، فهو الراجح عندهم من المذهبين، وإذا كان على الإباحة فهو معنى التخيير، فقوله: ((وإن كرّرتها فأضِفِ))، معناه: إن شئت. فلا محذور. [أقسام أيّ] ثمَّ فصّلَ الكلام في أقسام أيٍّ، كيف تكون الإضافة إليها فقال: ((واخصُصَنْ بالمعرفة موصولةً أيّا)) .. إلى آخره، فذكر لها أقساما ثلاثة: قسم تكون فيه مضافةً إلى المعرفة خاصةً، وقسم يُخَصّ بالنكرة وحدها، وقسم يجوز فيه الأمران. فأما الأول فهو الذي ذكر أوّلاً، وهو قسم الموصولة. و((موصولةً)) حال من ((أيّ)) تقدمت عليها، كأنه قال: واخصُصْ بالمعرفة أياً حالة كونها موصولةً. يعني أنها إذا كانت موصولة كالذي والتي فلا تُضاف إلاّ إلى

стр. 2105

المعرفة، فتقول: اضرِبْ أيَّهم هو قائم، وسلِّم على أيِّهم هو أفضلُ، لأن معناها معنى الذي، ولا يجوز أن تقول: أيَّ رجلٍ هو أفضلُ، أو: سلِّم على أيِّ رجلٍ هو قائم. ومن ذلك في القرآن: (ثمَّ لننزعنَّ من كلِّ شيعةٍ أُّهم أشدُّ على الرحمن عتياً (١)). وأنشد سيبويه (٢): إذا ما أتيتَ بني مالك فسلِّم عَلى أَيُّهم أفضَلُ وأما الثاني فهو أيُّ إذا وقعتْ صِفةً، وذلك قوله: ((وبالعكسِ الصِّفَهْ))، يعني أنها إذا وقعت صفةً فإضافتُها على العكس من إضافة الموصولة، وقد تقدّم أن الموصولة تضافُ إلى المعرفةِ، فإذاً الصفة لا تضافُ إلى المعرفة، وإنما تضاف إلى النكرة، فتقول: مررتُ برجلٍ أيِّ رجلٍ، ومررتُ بفارسٍ أيِّ فارسٍ، وبفتىً أيِّ فتىً، ومنه قوله (٣): دعوتُ امراً أيَّ امرِئٍ فأجابني وكنتُ وإيّاه ملاذاً وموئِلاَ وقال الآخر، إلاّ أنه حذَفَ الموصوف (٤): إذا حارَبَ الحجاجُ أِيَّ منافقٍ علاه بسيفٍ كلما هُزَّ يَقطعُ

стр. 2106

ويجري مجرى الصفة الحال، فتقول: رأيت الرجلَ أيَّ رَجُلٍ، وأي فتىً، أنشد في الكتاب للراعي (١): فأومأتُ إيماءً خفياً لَحبْترٍ ولله عينا حَبْتَرٍ أَيَّما فَتَى ولا يجوز أن تضاف إلى المعرفة، فلا تقول: مررتُ بالرجل أيِّ الرجل، ولا: بالفارسِ أيِّ الفارسِ، وما أشبه ذلك. وفي قوله: ((وبالعكس الصفه)) شيءٌ من النظر؛ لأن العكس في اللغة ردُّك آخر الشيء أوَّله، وهكذا هو في اصطلاح أهل النظر، فإنهم قالوا: عَكْسُ القضية تحويلُ مُفرَدَيها على وجه يصدق. ونحن لا نجد في كلام الناظم ذلك، لأنه قال: ((واخصُصَن بالمعرفَه موصولةً أيا)) وليس في هذا الكلام ما يصحّ فيه العكس بحيث يُعطي ما قَصَد من المعنى، وإنما يظهر أن موضع العكس في كلامه للضدِ، فلو قال: ((وبالضدّ الصفَهْ))، لكان صحيحاً، لأن النكرة ضدّ المعرفة وليست بعكسٍ لها، ولم يقصد الناظم إلا ذلك المعنى، ولكن ذهب عليه هذا، فوضع العكس موضع الضدِّ. وقد يُجاب عن ذلك بأن العكس المصطلح عليه يصح هنا من قوّة الكلام/، ... ٣٨٥ من جهة أن قوله: ((واخصُصَن بالمعرفَةَ كذا، في قوة أن لو قال: لا بالنكرة، فكأنه قال: اخصُصَنْ كذا بالمعرفة دون النكرة. فلو صَرَّح

стр. 2107

بهذا لكان عكس الكلام: اخصُصَن الصفة بالنكرة دون المعرفة. وذلك صحيح. فالناظم إنما قصد العكس بحسب اللفظِ المقدّر الذكر مع الملفوظ به، فلا دَرْك عليه. وأما القسم الثالثُ الذي يجوزُ فيه الأمران فأيُّ الشرطية أو الاستفهامية، وذلك قوله: ((وإن تكن شرطاً أو استفهاما)) .. إلى آخره. ضمير ((تكن)) عائدٌ على ((أيّ)). و ((مطلقاً)): حال من التكميل المفهوم من قوله: ((كَمِّل))، على حدّ قولهم: ضربته شديداً. يعني أن أَيّا الشرطية، وأيّا الاستفهامية، يَكمُلُ فيها الكلامُ بالإضافة مطلقاً، أي: سواءً أكانت الإضافة إلى معرفة أم نكرة، فالضمير في ((بها)) عائد على الإضافة المتقدمة الذكر؛ فتقول في الشرط: أيُّ الرجالِ يُكرمْنِي أكرِمْه، وأيُّ رجلُ يكْرِمني أكرِمْه. ومن الإضافة إلى النكرة ما أنشده سيبويه لابن هَمّامٍ السلولي (١): لما تّمكَّنَ دُنياهم أطاعَهُمُ في أيِّ نَحوٍ يُميلوا دينَه يَمِلِ وتقول في الاستفهام: أيُّ الناسِ جاءك؟ وأيُّ رجلٍ جاءك؟ ومن النكرة قولُ الله : ((وسيعلم الذين ظَلَموا أَيَّ منقلبٍ ينقلبونَ (٢))). ومن المعرفة قوله: (لنعلم أيُّ الحِزْبين أحصى لِما لَبِثُوا أمَداً (٣)).

стр. 2108

والحاصلُ للناظم من أضرُبِ أيٍّ أربعةٌ، وذلك: الموصولة، والصفة، والشرطية، والاستفهامية. وترك ذكر قسمين، وهما: النكرة الموصوفة، وصلة المنادي. فالأولى نحو: مرت بأيٍّ مُعجِبٍ لك. والثانية نحو: يأيُّها الرجل. وكلا القسمين لم يحتج إلى ذكره. أما الموصوفة فمن وجهين، الأوّل: أن إثباتها في هذا القسم للأخفش؛ إذ لم يذكرها سيبويه، ولم يرتض في التسهيل رأي الأخفش من جهة أن السماع بما قال معدوم أو نادرٌ، والقياس على ما ومن في وقوعها نكرتين موصوفتين، ضعيف. والآخر أنها على تقدير ثبوتها لا تحتاج إلى إضافة، فتَرَكَ ذكرها كسائر مالا يلزم الإضافة. وكذلك صلة المنادي قد كفَّتها ((ها (١))) عن الإضافة، وحكمها يذكر في بابه، فلا مدخل لها هنا. * * * وألزمُوا إضافةً لَدُنْ فَجَرْ ونَصْبُ غُدْوةٍ به (٢) عَنْهُم نَدَرْ إضافةً: مفعولٌ ثان لألزموا، والأول لفظ لَدُنْ. والضمير في ((به)) عائدٌ على لَدُن. ويريدُ أن لَدُنْ من الظروف، يلزم الإضافة فيجرُّ ما بعده مطلقاً، فتقول: سِرْتُ من لَدُنْ الظهرِ إلى العَصْر، وجاء الأمرُ من لَدُنْ فلان.

стр. 2109

وفي القرآن: (لِيُنْذِرَ بأساً شَديداً من لَدُنْه (١))، (قد بَلَغْتَ من لَدُنِّي عذراً) (٢). وأنشد الأصمعي (٣): مِن لَّدُ ما ظُهرٍ إلى العُصَيرِ حَتّى بَدَتْ لي جَبْهةُ القُمَيرِ لأربع غَبَرُن من شُهَير وقد يُنْشد: مِن لَّدُنِ الظُّهر إلى العُصَيرِ حَتَّى بَدَتْ لي جَبْهةُ القُمَيرٍ لأربع غَبْرنَ من شُهَير وقد يُنْشد: مِن لَّدُنِ الظُّهر إِلَى العُصَيرِ وقال الآخر (٤):

стр. 2110

/ مِن لَدُ لَحْيَيْهِ إلى مُنْحُورِهِ ... ٣٨٦ وإنما كانت خافضةً على حكم سائر الظروف غير المتصرّفة، ويقتضي هذا الإطلاقُ جَرَّ ((غدوة)) أيضا، وأن يقال: سرت من لدن غُدْوَةٍ إلى العَصْرِ، وهو نصّه في الشرح أنّ الجرّ بها مع ((غدوة)) جائز على القياس، وانما ينصب غدوةٌ بعدها ندوراً، وذلك قوله: ((ونصبُ غدوةٍ بها عنهم ندر))، يعني عن العرب. ويظهر هذا من الجوهريِّ حيث قال: ((وقد حمل حذفُ النون بعضَهم-يعني في لَدُ-إلى (١) أن قال: لَدُن غدوةً، فنصب غدوةً بالتنوين)) (٢). فاقتضى [هذا (٣) أن] بعض العرب هم الذين ينصبون بها غُدْوةً وحدها. وهذا النصبُ حكاه سيبويه (٤) وغيره، ومنه قول كُثَير (٥): لَدُن ما غدوةً حتى اكتسينا لِثِنْىِ الليل أَثناء الظلالِ وقال ذو الرمة (٦): لَدُن غدوةً حتى إذا امتدَّتِ الضُّحىَ وَحَثَّ القطين الشِحشحانُ المكلَّفُ

стр. 2111

وقال أوسُ بن حجرٍ (١): لَدُن غُدوةً حَتَّى أغاثَ شَرِيدهم طويلُ النباتِ والعيونُ وضَفْلَعُ وقال الآخر (٢): وما زال مُهرِي مَزْجَرَ الكلبِ منهمُ لَدُن غدوةً حتَى دَنَتْ لغرُوُبِ ولم يأت ذلك في غير غُدوة، ولذلك عيّنه الناظم بقوله: ((ونصبُ غدوةٍ به (٣) عنهم ندر))، وإلا فكان يقول: والنصب به نادرٌ. فإن قلت: فقد أنشد سيبويه (٤): من لَدُ شولاً فإلى إِتْلاَئِها فنصب شولاً بعد لَدُ. فالجواب: أن شولاً هنا ليس بمنصوب بلَدُ، بل بإضمار فعلٍ هو كان ونحوها، والتقدير: من لد كانت شولاً، لأن شولاً هنا جمع شائلة، فلا يجوز أن

стр. 2112

يُقَال: من لدن زيدٍ إلى دخوله الدارَ، والبيت على هذا المعنى، فلما لم يصحّ جرّه على هذا التقدير أُضمرِ ما يَصِحُّ معه الكلامُ، فصار المعنى: من لَدُنْ كونها شولاً إلى إتلائها. بخلاف: لَدُنْ غدوةً، فإنه لا مانع من الجرّ، فلما نصبت دلّ على أن ذلك من جهة ((لَدُن)) لا من جهة الإضمار. فإن قيل: ما فائدةُ قولِ الناظم: ((فَجُرّ)) ومعلوم أن الإضافة لا يكون معها إلا الجرّ، فهو إذاً حشوٌ من غير مزيد فائدة. فالجواب: أنه إنما ذكر الجرّ لِذِكْرِ مُقَابِلِه وهو النصب. وهنا مسألتان: إحداهما: أنه أتى بلَدُن تامّةً غير محذوفة النون، ثم أسند الحكم إليها، فلابَّد أن يؤخذ له مقيّدا بتمامها، وينبني على ذلك أمران، أحدها: أنها لا تنصبُ إلاّ على لغة التمام، وأما إذا حُذِفت نونُها فلا. والنقلُ موافقٌ لهذا التقييد، فلم يُسمَع منهم مثل: لَدُ غدوةً، وانما تكلّموا به مع النون. والثاني: الإشعارُ بوجه النصب، وذلك أن من نَصَب شبَّه نون لَدُنْ بنون عشرين، حين كان بعض العرب يقول: لَدُ، من غير نونٍ، فانتصب غُدوةً انتصاب الاسم بعد المقادير، كقولك: عشرون درهماً. هذا معنى تعليل سيبويه، فيكون على هذا غدوة منصوباً على التمييز لإبهام لدن (١)، كما استبهم/ العشرون فَفُسرِّ، وهذا حسنٌ من التنبيه. ... ٣٨٧ والثانية: أَنه أسند النصب إِلى لَدُن، لقوله: ((بِهِ عنهُم نَدَرْ))، أَي: بلدن، وأراد أنه منصوبٌ عن تمامه، كما انتصب الدِّرهم عن تمام العشرين بالنون.

стр. 2113

فإن قيل: فَلِم نَسَبَ العملَ إلى لَدُنْ وهي لم تعمل في الحقيقة؟ قيل: بل هي العاملةُ لأنها شُبِّهت بالعشرين، والعشرون شُبَّه في عمله بالضاربين، والضاربون هو العامل في بابه، فكذلك ما تفرَّع عليه بالتشبيه، فإذا سمعتَ النصبَ عن تمام الاسم فمعناه أنّ الاسم هو الناصب، إلا أنهم عبَّروا بتلك العبارة إِشارةً إلى أنه لولا التمام لانجرَّ بالإضِافَةِ، كما أنَّ الضاربين زيداً لولاَ تمتمه بالنون لانجرَّ فقلت: ضاربو زيدٍ. فافهم هذا من اصطلاحهم، وأيضاً فلقوله: ((به)) فائدةٌ أخرى، وهو التنبيه على أن ((غدوة)) ليس منصوباً بإضمار فعلٍ، كما كان ((شولاً)) في قوله: ((من لَدُ شولاً)) منصوبا بإضمار فعلٍ. وهو تنبيه حسن أيضاً. * * * ومَعَ مَعْ فيها قليلٌ ونُقِلْ فَتْحٌ، وكسرٌ لسكونٍ يَتَّصِلْ هذا أيضاً من الظرف اللازمة للإضافة كغيره مما تقدَّم ذكرُه، نحو قولك: جئتُ مَعَك، وذهبتُ مَعَ زَيدٍ، وأتيتُ مَعَ الناسِ. ودلَّ على لزومه للإضافة من كلامه مساقُه له في جملة ما يلزمُ الإضافةَ. فإن قلت: إنّ ((مع)) على وجهين، أحداهما هذه التي مَثّلت، والأخرى تأتي [غير (١)] مفتقرة إلى الإضافة نحو قولك: جاء الزيدان معاً، وجاء الناسُ معاً، ومنه قول امرئ القيس (٢):

стр. 2114

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبرِ معاً وقوله (١): ... ... ... وشعبا كما معاً وما أشبه ذلك، وقد قال السيرافي: إن معاً أُردت يجوز أن تكون ظرفاً وحالاً، وإنما أضيف في الوجه الأول إلى غير الأول، فإذا قلت: ذهبا معاً، فليس في الكلام غير المذكورين تضيفُ ((مع)) إليه، ولا يجوز أن تضيف ((مع)) إليهما، لأنه لا يصحُّ أن يُقال: ذهب زيد مع نفسه، فلذلك أفردت عن الإضافة هنا (٢). فعلى الجملة قد ثبت استعمالُ ((مع)) الظرفية على وجهين، فكيف يصحّ جعلُها لازمةً للإضافة مطلقا؟ فالجوابُ: أن الذي استُقرِئَ من كلام الناظم صحيح، ولا تكون إذا أُرِدَت عنده ظرفاً، بل تكون بمعنى جميع، فتجري مجراه في الأحوال كلها من كونها تقع حالاً، نحو: ذهب الزيدان معاً، ومنه قول المرقِّش (٣): بِأَنّ (٤) بنى الوخْم ساروا معاً بجيش كضوءِ نجوم السَّحَرْ وخبراً نحو: الزيدان معاً، أي مجتمعان، ومنه قول الصِّمَّة بن عبدالله، ويُروَى لقيس بن الملوَّح، وهو من أبيات الحماسة (٥):

стр. 2115

حَنَنْتَ إلى رَيَّا ونَفْسُك باعَت مَزَارك من ريَّا وشَعبا كما مَعِّا وقال حاتم (١): أكفُّ يَدِي عن أن يَنَال التماسُها أكفَّ صحابي حين حاجتُنا معاً من أبيات الحماسة .. وما قاله السيرافي وابن خروف وغيرهما من الظرفية، لا يلزم المؤلِّفَ القولُ به مع/ ... ٣٨٨ أنَّ ظاهر. كلام سيبويه موافقٌ لما ارتكبه في التسهيل وشرحه، مع موافقته لجميعٍ في المعنى، وجميعٌ لا يكون ظرفاً، وهو المفهوم هنا؛ قال سيبويه: ((وسألت الخليل-﵀ عن معكم، ومعَ، لأيِّ شيء نصبتها؟ فقال: لأنها استُعمِلَتْ غير مضافةٍ اسماً كجميع، ووقعت نكرة، وذلك قولك: جاءا معاً، وذهبا معاً)). يعني أنها انتصبت كما انتصب جميعُ، قال: ((وقد ذهبوا مَعَه، ومِنْ مَعِهِ، صارت ظرفاً، فجعلوها بمنزلة أمام وقُدَّام))، يعني إذا لم يفردوها، فهذا الكلام غيرُ ما فُهِم من مقصود الناظم. فإن قيل: فإذا كانت كذلك فكان الواجبُ أن تُرفَعَ إذا قلت (٢): الزيدان معاً، فتقول: معٌ، كما تقول: الزيدان جميعٌ.

стр. 2116

فالجواب: أنّ معاً من الثلاثي هنا الذي لم يُحذَفْ منه كفتىً، لا (١) أنه محذوف كَيَداً. والمسألة مختلفٌ فيها، فيونُس والأخفش على أنها كفتىً، وسيبويه والخليل على أنها كيداً. والأصح ما ذهب إليه يونسُ بدليل المعنى واللفظ، والكلام في صحَّة مذهبه يطولُ، وليس مقصوداً هنا. وإذا ثبت هذا كلَّه فمع المذكورة هنا هي اللازمةُ للإضافة، ولم يتعرض للأخرى إِذْ ليس لها في هذا البابِ مدخَلٌ. وقوله: ((ومَعَ مَعْ فيها قليل))، يعني أنَّ الوجه فيها أن تكون مفتوحة العين، وهو مشهور كلام العرب، فتقول: قعدتُ مع زيدٍ، وجئت مَعَك. وما أشبه ذلك. وانشد سيبويه للراعي (٢): يشِي مِنْكُم وَهَوايَ مَعْكُمْ وإن كانَتْ زيارتُكم لِمَامَا ثم يتعلّق بهذا الكلام مسألتان: إحداهما: أنّ مَعَ اسم من الأسماء إذا كانت مفتوحة العين، إذ لو كانت عنده حرفاً لذكرها في حروف الجرّ دون هذا الباب، وهذا مالا أعلم فيه خلافاً. وأما الساكنة العين فالظاهر من الناظم أنها اسم كذلك؛ إذ لم يُفَرِّق بينهما في الحكم، بل أشعر بأنها [(٣) هي قوله: مَعْ فيها قليل. يريد أنَّ للعربِ استعمالين في اللفظ، ولم يقل إنها (٣)] مع السكون حرف

стр. 2117

[(١) فَدَلّ على أنه مخالفٌ لمن قال: إنها مع السكون حرف (١)]. وقد حُكِي عن النحاس أن النحويين مجمعون على أنها حرفٌ، قال المؤلف: ((وهذا منه عَجَبٌ، لأن كلام سيبويه مشعر بلزوم الاسمية على كلّ حالٍ، وأن الشاعر إنما سكنّها اضطراراً)). والحاصل أن المسألة مختلف فيها، وقد رَجَّح في الشرح الاسميةَ بأن المعنى في الحركة والسكون واحدٌ، فلا سبيل إلى الحرفية؛ إذ لا يثبت ذلك فيها إلاّ بدليل، والأصل عدمه، وقد ثبتت الاسميّة مع الحركة باتفاق فيسُتَصْحَبُ الأصلُ حتى يَرِد ما يَخرُجُ عنه، وهذا معارضٌ بالسكون، فإنه لا يصحُّ في اسم معرب سكونٌ في التركيب من فتحَ بغير موجب. وقد يجاب بأن يُدَّعى البناء على هذه اللغة لتضمّنها معنى حرف المصاحبة، وضُعِ للمصاحبة حرفٌ أو لا، ولا يقال: إنها قد استعملت مفردةً في قولهم: معاً، وإذا استعملت مفردةً ونكرةً أيضاً، فقد دَخَلها التمكّن فلا تبنى؛ إِذْ لقائلٍ أن يدّعي أنهما لفظان متباينان، وكذلك نقول: إنها مع المحَّركة العين مختلفتان استدلالاً بالأثر، ولا يلزم على ذلك محذورٌ، أما إن قلنا برأي سيبويه والخليل أَنَّ السكون للاضطرار فلا إشكال، ولكن يأباه/ رأي الناظم لما سيجئ بحول الله. ... ٣٨٩ والمسالة الثانية: أن قوله: ((مَعْ فيها قليل))، يدلّ على أن السكون ليس مختصاً بالضرورة، بل هو واقعٌ في الكلام؛ قد نُقِل عن الكسائي أن ربيعة تقول: ذهبتُ مَعْ أخِيك، وجئت مَعْ أبيك، بالسكون، وعليه حمل المؤلفُ بيت الراعي:

стр. 2118

يشيِ منكُم وهَواي مَعْكُمْ وهذا النقل يقتضي خلاف ما ذهب إليه سيبويه من أن السكون اضطرارٌ شعريٌّ؛ إذ لم يثبتُ عنده لغةً، وإذا ثَبَتَ لغةً، وإذا ثَبَتَ لغةً فلا يقالَ لأحدٍ، لسيبويه من السماعِ، ومن حَفِظ فمحفوظُه حجةٌ على من لم يحفَظ. ثم قال بعد إثباتِ سكون العين: ((ونُقِل فتحٌ وكسرٌ لسكونٍ يتصل)) يعني أنه إذا اتصل بمَعْ الساكنةِ العينِ ساكنٌ بعده، فالمنقول عن المُسْكِنينَ فيها وجهان: الفتح والكسر، فالفتح نحو: سرت مَعَ القوم، ومْعَ ابْنِك. والكسر نحو: سرتُ مَعِ ابنِك، ومَعِ القومِ. وهذا ممّا يدلّ على أن السكون بناءٌ لا عارضٌ لموجبٍ غيرِه. ووجه الكسر ظاهرٌ على أصلِ التقاء الساكنين، وأما الفتح فللإتباع، أو لاعتبار اللغة الأخرى. فإن قيل: لِمَ حملْتَ قوله: ونُقِل كذا، على إنه يريدُ في لغة التسكين وحدها؟ قيل: لأنَّ مَعَ في اللغة الأخرى معربة، وحركة الإعراب لا تختلف مع الساكن، فلم يفتقر إلى التنبيه عليها، وإنما ينبغي التنبيه على ما نَبَّه عليه. فقوله: ونُقِل كذا، إنما يريد في لغةِ ربيعةَ خاصة. * * * واضمُمْ بناءً غيراً أن عَدِمَتْ ما له أُضِيفَ، ناوياً ما عُدِما هذا فصلٌ يذكر فيه حكم اُسماء لازَمَتِ الإضافةَ، إلا أنها قُطعت عنها لفظا، فَبُنِيت عند ذلك، فيعني أن غيرا يُضمّ آخرها ضمةَ بناءٍ لا ضَمَة إعرابٍ إذا قُطِعت عن الإضافة وكانت مرادةً معنىً، فتقول: جاء القومُ الفُلانيُّون لا غيرُ، _________

стр. 2119

وجاء أخوك ليس غيرُ. وما أشبه ذلك. وقولُه: بناءً، تنكيتٌ على من يقولُ: إن الضمَّة في قولك: جاء بنُو فلانٍ لا غيرُ، أو: ليس غيرُ-ضمةُ إعرابٍ، وهو الأخفش (١)، فيرى أنَّ التنوين نُزِعَ للإضافة، لأنَّ المضاف إليه ثابت في التقدير. وقد جاز ذلك ابنُ خروفٍ ايضاً، على أن يكون ((غير)) اسم ليس في قولك: ليس غيرُ، وقطعت عن الإضافة لفظاً، وعلى ذلك تكون ((غير)) في قولك: لا غيرُ، مبتدأةً محذوفةً الخبر إن كان يوجد، وإلا فقد نَصُّوا على أن العرب لا تقطع غيراً عن الإضافة إلا بعد ليس خاصة، فإن وقعت بعد غيرها من أدوات النفي لم تقطع. وأكثرُ النحويّين على ما رآه الناظم من انه ضَمُّ بناءٍ، فإن المقطوع عن الإضافة مع إرادتها لا يعدو في الشائع أمرين: البناء على الضم، او إلحاق التنوين، فالأول كقبل وبعدُ، والثاني ككلٍّ وبعضٍ. ويبقى النظر في وجه بنائها، فقالوا: إنها محمولةٌ على قبل وبعد لشبهها بهما في الإبهام والقطع عن الإضافة. وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله. وقد قيل/: إنها بُنِيت لوقوعها موقع الحرف، ٣٩٠ الأن العرب تقول: ليس إلاّ، في معنى: ليس غيرُ، فكأنها لما وقعَتْ موقع إِلاَّ عُومِلت معاملته في البناء. وإنما بُنيت على حركةٍ للمزيّة التي لها على مالم يُعرَب قطُّ، وكانت الحركة ضمّةً حملاً على قبلُ وبعدُ. فإن قيل: هذا البناءُ، إلى أيِّ نوع من أنواع شَبَهِ الحرفِ يرجعُ؟ فالجواب: أنَّا إِنْ فَرَضْنا أن كلَّ بناء جائزٍ أو لازمٍ راجعٌ إلى شَبِه

стр. 2120

الحرف فحينئذ يلزمُنا الجوابُ، فنقول: أَمّا على القول بالبناء حملاً على قبلُ وبعدُ فسيذكر بعدُ، وأما على القول الآخر فكأنها ضُمّنت معنى إِلاَّ، أو حُمِلت على ما تضمّن (١) ذلك، فيرجع إلى شبه الحرف المعنوي. ثم نرجع إلى كلامه فنقولُ: إنه شَرَط في هذا البناءِ المذكورِ شرطين: أحدهما: أن تُعدَم الإضافةُ لفظاً، وذلك قولُه: ((إن عَدِمت ماله أُضِيف))، أي ك ما أُضِيفْ غَيرُ له، نحو قولك: قام زيدٌ ليس غيرُ. وهذا الشرط مبنيٌّ على جواز قطع غير عن الإضافة، وإلا فلو كان غير جائز لم يتصوّر هذا الحكم الذي هو البناء. فأما إذا لم تُعدَم الإضافة فمفهوم هذا الشرط ألاّ يُضَمَّ ضَمَّة بناءٍ، بل يبقى على أصله من الإعراب، فتقول: جاءني بنو فلانٍ ليس غيرُهم، وليس غَيرَهم، ولا غَيرهُم، ورأيت بني فلان لا غَيْرَهم، وما أشبه ذلك. و((ما)): في موضع نصب بَعَدِمت. والضمير في ((له)): عائد على ما، وهي واقعة على ما أضيف إليه غير. والذي في ((أُضيف)): عائد إلى غير، كأنه قال: إن عَدِمت الاسمَ الذي أُضيف إليه غيرُ. والثاني من الشرطين: أن يكون المضافُ إليه مراداً في التقدير، ولا يكون مُطَّرحاً جملةً، وذلك قوله: ((ناوياً ما عُدِما)). ناويا: حالٌ من فاعل ((اضمُم)). وذلك أنك إذا قٌلْتَ: ليس غيرُ، فالمعنى: ليس غيرُ ذلك المعنى الذي حَدَّثتُك به. إشارةً إلى ما تقدم ذكره في الكلام، كائناً ما كان. فلو لم يكن المضاف إليه منويا ولا مُقَدَّر الذكر، لم يُبنَ غيرُ، بل يجري مجرى قبل وبعدُ. فتقول: ليس غيرٌ، ولا غيراً، أي: ليس ثَمَّ غيرٌ، بمعنى: ليس ثمَّ مغايرٌ. ووجه

стр. 2121

الإعراب هنا سيأتي ذكره إن شاء الله مبسوطاً، وإن كان ظاهرا لأنه الأصل، ولأن غيراً هنا نكرةً لفظاً ومعنىً، فجرت كسائر الأسماء النكرة غير المفتقرة لما بعدها. فإن قيل: فقد تقرّر إذاً أن غيراً ليست من الأسماء اللازمة للإضافة، بل هي تُضافُ تارةً، ولا تضافُ أخرى، وإذا كانت كذلك فكيف يجعلها من الأسماء اللازمة للإضافة؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن غيراً أصلُها الإضافة لافتقارها في أصل الاستعمال لما يُبَيِّن معناها، كقبل وبعدٍ، وكلٌ وبعضٍ، وما جاء فيها من قصد التنكير أمرٌ طارئ عليها، على قصد تناسي المضاف إليه، مع أنك تجده ملحوظاً من طرفٍ خفيٍّ، لكنه أُهمِل في محصول الاستعمال، فالقياس يطلبه والقياسُ يلغيه. وإذا (١) تعارض أصل القياس وأصل الاستعمال فالمقدّم أصل الاستعمال، فبهذا الاستعمال عُدَّ نكرةٌ غير منويّ الإضافة، وإلاّ فلا فَرْقَ في القياس/ يدل على ذلك المعنى الأصلي في ٣٩١ غير، وربما يَصعُبُ فهمُ هذا التقرير، ولكنه واضح في علم الأصول العربية، مقرَّرٌ في الكلام على الأصل والفرع. والثاني: إن سُلِّم أن لها وجهين في الاستعمال، وهما الافتقار إلى الإضافة وعدمه، فالناظمُ إنما تكلَّم على القسم اللازم لها، لِمَا يَنْبَنِي له عليه من الأحكام، وتَرَك ذِكْر غَيره بأن أخرجه بالشرط الثاني، إذ لا حاجةَ له إليه في حكم البناء، وهذا ظاهر. ثم أخذ في ذِكْر ما جرى مجرى غير فقال:

стр. 2122

* * * قبلُ كغيرُ، بعدُ، حسبُ، أوَّلُ ودُونُ، والجهاتُ أيضاً، وَعَلُ حَذَف هنا حرف العطُف، والمرادُ: وبعدُ وحسبُ وأوّلُ. وهي مبتدآتٌ حُذِف خبرُها لدلالةِ قولِه ((كغيرُ)) عليه. والتقدير: وبعدُ وحسبُ وكذا كغيرٍ. يعني أن الأسماء كلها، الظروف منها وغيرها، وهي: قبلُ وبعدُ وحسبُ وأولُ ودونُ، والجهاتُ السِّتُ- وهي: فوقُ وتحتُ، وقُدّامُ وخلفُ، وأمامُ ووراءُ- وسائر أسمائها، وعلُ حكمُها حكمُ غيرٍ في البناء على الضمّ بالشرطَين المذكورين فيها، وهما: أن يكون المضافُ إليه غيرَ مذكورٍ معها في اللفظ، وأن يكون منويُّ الذكر، مقدَّر الظهور. فلم لم يتوفَّر الشرطان لم يَجُز البناءُ، بل يلزمُ الإعراب، حسب ما يُذكر بعدُ' إن شاء الله. أما قبلُ وبعدُ فمثالُ ذلك فيهما: ﴿للهِ الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ﴾ أي: من قبل الحوادِث المذكورة ومن بعدها. وأما حسبُ فإنك تقول: هذا رجلٌ حسبُك من رجلٍ، وهذا زيدٌ حسبُك من رَجُلٍ. وتقطعه عن الإضافة فتقول: مررت بزيدٍ فحسبُ يا فتى، وأخذتُ درهماً فحسبُ، كأنه قال: فحسبُك، أو: فحسبي، فحذف لدلالة المعنى، وبنى حسبُ على الضمّ. وأما أوّل فكقولهم: ابدأ بهذا أولُ. يريد: أولَ الأشياء، لكنه حذف المضاف إليه. ومنه قولُ مَعْنِ بنِ أوس (١):

стр. 2123

لعُمرك ما أدرِي وإنِّي لأوجلُ على أيِّنا تَعدُوا المنيّة أولُ وأما دونُ فنحو قولك: جلست من دونُ. تريد: من دونِ ذلك المكان المعروف. أنشد سيبويه (١): لا يحملُ الفارسَ إلاَّ المَلْبُونْ المَحْضُ من أمامِه ومن دُونْ فالقافية هنا لو كانت مطلقة الرَّوِيّ لكان مبنياً على الضمِّ، لأنه في نية الإضافة. وأما الجهات فتقول فيها: جلستُ عند زيدٍ من خلفُ، أو: من أمامُ، أو: من قدّامُ، أو: من فوقُ، أو: من تحتُ. وما أشبه ذلك. ومنه ما أنشد سيبويه، لأبي النجم (٢): أقبُّ من تحتُ عريضٌ من علُ وقال الآخر (٣):

стр. 2124

وتَفَرْي اللحمُ من تَعْدَائِها فَهْيَ مِنْ تَحتُ مُشِيحاتُ الحُزُمْ وقال الآخر (١): تَظْمأ من تحتُ وتَرْوَى من عَالْ وينشد هكذا: ضَمْأَي النَّسا من تحتُ رَيَّا من عَالْ وقال أيضاً (٢): قَبَّاءُ من تحتُ وريَّا مِنْ عَالْ وأنشد الفراء والأخفش وغيرهما (٣): إذا أنا لم أُومَنْ عَليكَ وَلم يكنُ لقاؤُك إِلاَّ من وَراءُ وراءُ وقال/ رجلٌ من بني تميم (٤): ... ٣٩٢ لَعَن الإله تعِلَّةَ بن مُسَافِرٍ لَعْناً يشَنُّ عَلَيه مِنْ قدَّامُ والقوافي مرفوعة في هذا وما قبله. وأما عَلْ فمعناه معنى فوق، تقول: جئتُ من عَلُ، كما تقول: جئت من

стр. 2125

فوقُ. ومنه قولُ أوسٍ (١) فَمَلَّكَ باللِّيطِ الذي تحتِ قشْرِها كَغِرْقِئِ بيضٍ كَنَّه القَيْضُ من عَلُ وأنشد السيرافي (٢): ولقد سَدَدْتُ عليك كلّ ثنيَةٍ وأتيت فوق بني كُليبٍ من علُ هذه جملة ما أتى به الناظم من السماء التي تُبنى على الضم إذا قُطعت عن الإضافة مع بقاء معناها. ودخل في الجهات الستِّ: يمنةُ وشأمةُ. ولكن السماع فيها قليل، والقياس قابل. وكذا كل ما وقع على الجات الست كَتُجاه وقُبالَةَ، وحِذاء وإزاء وتلقاء، وأعلى وأسفل. وما كان نحوها من الجهات التي تقع ظروفا، كل ذلك داخلٌ تحت قوله: ((والجهات أيضا)). وسببُ البناء فيه كلِّها الشبه بقبل وبعد في الإبهام والقطع عن الإضافة. وأما قبلُ وبعد فلمناسبة الحرف، ومناسبتهما له من جهة أن أصلهما الإضافة واكتُفِى بمعرفة المخاطب، فَحُذِف المضاف إليه، فلما بقى المضاف وَتَضَمَّن معنى الإضافة وجب أن يُبنيَ، لأن بعض الاسم مبني.

стр. 2126

وقال في الشرح المؤلِّفُ: إنهما وغيرهما مما تقدم بُني لشبه الحرف لفظا من قَبلِ الجمود، وكونها لا تثنى ولا تجمع، ولا يخبر عنها، ولا تصغَّر (١)، ولا يُشتق منها. وبالجملة لا تتصرّفُ تصرّف السماء. وشبهه معنى من جهة الافتقار لما يُبين معناها لزوما، قال: فكان مقتضى هذا أن تُبنى أبداً، إلا أنها أشبهت الأسماء التامة الدلالة بأن أُضيفت إضافةً صريحةً، وبأن جُرِّدت تجريداً صريحاً قصداً للتنكير، فوافقتها في الإعراب، فإذا قُطعت عن الإضافة ونُوِى معنى الثاني دون لفظه أشبهت حروف الجواب في الاستغناء بها عن لفظ ما بعدها. والحاصلُ لها الآن ثلاثةُ أحوال: حالُ التصريح بترك الإضافة عند قصد التنكير، وحالُ التصريح بالإضافة عند قصد التعريف، وحالُ تركِ الإضافة لفظاً وإرادتها معنى، فكان البناءُ مع هذه الحال الأخيرة أليقَ لأنها على خلاف الأصل، وبناءُ الاسم على خلاف الأصل، فَجَمع بينهما التناسبُ، وتعيّن كون الإعراب مع الحالين الأخيريين لأنهما على وَفْقِ الأصل، وإعراب الاسم على وفق الأصل. وإنما بُنيت على حركة للمزيّة الثابتة لها على مالم يُعْربْ قَطُّ، وكانت ضمةٌ لأنها حالة لا تعرب عليها قبلُ وبعدُ، وحًمِلت البواقي عليها، أو لأن الفتحة قد استحقَّها الإعراب ظرفا أو حالاً، والكسرة لم يُبن عليها لإيهام الجرّ بالإضافة، فلم يبق إلا الضمةُ.

стр. 2127

فإن قيل: إلى أي وجهٍ شبه الحرف يرجعُ؟ فالجواب: أنا قلنا: أن الناظم لم يحصر أوجه شبه الحرف في الأنواع الأربعة، فلا إشكال، لأن ما كر هنا نوعٌ آخرٌ من الشبه، وهو الشبه بحرف الجواب. وكذلك/ إن قلنا: إنه ذكر ٣٩٣ الشبه اللازم المقتضي للبناء اللازم، وأما أن قلنا: أنه حصر أنواع الشبه في الأربعة، وأن البناء اللازم وغير اللازم يرجع إليها فنقول: إنه يرجع إلى الافتقار الأصيل لأنه يشبههه، أو للشبه المعنوي لتضمنه معنى الإضافة، كما أشار إليه السيرافي. ولما كان هذا ابناء- كما تقدم- مشروطاً بشرطين، وهما عدم الإضافة لفظاً وأرادتها معنى، كان ما تخلف عنه شرطٌ منهما في هذه الأسماء المتقدمة يرجع إلى الإعراب، وذلك ما كان مضافاً في اللفظ، نحو: جلست خلفَك وأمامك وقُدَّام زيد، وجئت قبلَ زيد. ولا إشكال في هذا، أو ما كان غير مضافٍ ولا منويّ الإضافة، وهذا في حكم إعرابه نظرٌ ما يتكلم عليه في البيت بعد هذا، وهو قوله: وأعربُوا نَصْباَ إذا ما نكَّرا قبلاً، وما مِنْ بعدِ قد ذُكِرا الواو في ((أعربوا)) ضميرُ العرب، يعني أن العرب أعربوا قبلاً وما ذكر الناظم بعده مِنْ: غيرٍ، وبعدٍ، وحسبٍ، وأوّلٍ، والجهات، وعلٍ. إذا اعتُقد تنكيرُها وخلوُّها من تقدير الإضافة وتخفيفها (١) - وذلك بالنصب- وهو قوله: ((وأعربوا نصباً)). فتقولُ: جئتُك قبلاً- تريد: في زمانٍ متقدم مطلقاً، لا تريد زماناً معيناً- وجئتك بعداً، كذلك في زمان

стр. 2128

مّا متأخَّرٍ. حكى ذلك سيبويه عن بعضِ العرب. وكذلك: جئتُك أولاً، وجلستُ فوقاً وتحتاً وخلفاً وأماماً وقدّاماً ووراءً. وما أشبه ذلك. ومن ذلك ما أنشده (١) من قول الشاعر: فَساغَ لي الشرابُ وكنتُ قبلا أكاد أَغَصُّ بالماءِ الفراتِ وأنشد السيرافي عن أبي زيد (٢): حَبوتُ بها بني عمرو بن عوفٍ على ما كان قبلاً من عتابِ ويروى: قبلٌ من عتاب وأنشد ابنُ خَروف عن الفراء (٣): هَتَكْتُ بيوتَ بني طَريف على ما كان قبلٌ من عتابِ بالرفع.

стр. 2129

وقال سيبويه: ((وتقول في النصب على حدّ قولك من دونٍ، ومن أمامٍ: جلست أماماً، كما قلت: يمنةً وشأمةً، قال الجعديّ (١): لها فَرَطٌ يكونُ ولا تَراهُ أَماماً من مُعَرَّ سنا ودُونَا فإن قيل: تخصيصُه النصبَ في هذه الأشياءِ إذا قُصِد تنكيرهُا دون الجرّ والرفع، ظاهرُ التحكُّم من غير دليلٍ، وأمرٌ لا يساعده عليه سماعٌ؛ فإن أكثر ما ذُكِر يدخل فيه الجرُّ وغيره؛ ألا ترى أنك تقول: أتيتُه من فوقٍ ومن تحتٍ، وفي بعض القراءات المحكيَّةِ: (لله الأمرُ من قبلٍ ومن بعدٍ (٢))، ومن دونٍ، ومن دُبُرٍ (٣)، وما أشبه ذلك. قال سيبويه: ((وسألته- يعني الخليل- عن قوله: من دونٍ، ومن فَوقٍ، ومن تحتٍ، ومن قَبْلٍ، ومن بَعْدٍ، ومن دُبُرٍ، ومن خلفٍ- فقال: أجروا هذا مُجرى الأسماء المتمكنة لأنها تضافُ، وتستعمل غير ظرفٍ)). ثم قال: ((وكذلك من أمامٍ، ومن قُدَّامٍ، ومن وراءٍ/، ومن قبُلٍ، ومن دُبُرٍ)). قال: ((وزعم الخليلُ أنهنَّ ٣٩٥ نكراتٌ كقول أبي النجم (٤):

стр. 2130

يأتي لها أيمُنٍ وأشمُلِ وزعم أنهنّ نكراتٌ إذا لم يُضفَن 'لى معرفة، كما يكون ايمن وأشمل نكرة. وسألنا العربَ فوجدناهم يوافقونه، يجعلونه كقولك: من يَمْنَةٍ وشَأْمةٍ (١))). ثم ذكر في قُدَ يديمةٍ وَوُريِّئَةٍ مثل ذلك من الجرّ بمن. وليس في هذا كلِّه نزاع، أعنى في صحّة الجرّ فيها بالحرف، وأيضاً فمنها مالا ينصب أبداً، وإنما تجده في السماع مجروراً بمن، وذلك عل في قولهم إذا نَكَّروا وإذا عَرفّوا: من علُ، ومن علِ، وقيل: من عليه، والجميع يلزمه الجرّ بمن، كما تَقدّم، وكما قال امرؤ القيس (٢): مِكَرٍّ مِفَرٍّ مقبلٍ مُدُبرٍ معاً كَجُلْمودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيلُ مِنْ عَلٍ وقول أبى النجم (٣): على ما كان قبلٌ من عتابِ فأين إلزامُ الإعرابِ نصباً؟ وأيضاً فلا أعلم في السماع تنكير حسبَ ونصبه بحيث يقال: لقيت زيداً حسباً، أو: فحسباً. وما اشبه ذلك، وكلامه يقتضيه كما اقتضى نصب ((عل))

стр. 2131

حالة التنكير، وذلك غير موجودٍ. وكذلك القول في أوّل، فإنك تقول: مالكذا أوّلٌ ولا آخرٌ، وأتيت الأمر من أولٍ ومن آخرٍ. وما كان نحو ذلك فلا يُقْتَصر به على النصب وحده، فالحاصل أن هذا الموضَع عارٍ عن التحصيل (١)! وَمَا يَلي المضافَ يَأْتِي خَلَفَا عَنْهُ في الإِعرابِ إِذَا ما حُذِفَا وَرُبَّما جَرُّوا الّذيِ أَبقَوا كَمَا قد كانَ قَبْلَ حَذْفٍ ما تَقَدَّما لكِنْ بَشْرطِ أَنْ يكونَ ما حُذِفْ مُماثِلاً لَما عَلَيه قَدْ عُطِفْ لما كان المضافُ والمصافُ إليه قد يُحذَفُ كل واحد منهما قياساً للعلم به، أتى في هذا الباب بفصل يَذكُر فيه ذلك، وابتدأ بذكرِ حّذْفِ المضاف. فيريدُ أن الاسم الذي يلي الاسم المضاف-وهو المضاف إليه-يأتي في الكلام قائماً مقامَ المضاف وخَلَفَاً منه فيما كان يستحقه من وجوه الإعراب، من الرفع على الفاعلية أو غيرها، والنصب على المفعولية أو ما أشبهها، والجرّ على الإضافة بالاسم أو بالحرف، وذلك إذا حُذِف المضاف. وهذا في الكلام كثيرٌ، ولكن المضاف إليه إذ ذاك على وجهين: أحدهما: أن يصحّ استبدادُ العاملِ الأول به، ويصلح لأن يكون معمولا له حقيقةً. والثاني: ألاّ يصحّ ذلك فيه.

стр. 2132

فالأول موقوفٌ على السماع لا يُتعدى إلى القياس فيه عنده، ذكره في شرح التسهيل (١)، فإنك إِذا قُلْت: ضربتُ زيداً، وأنتَ تريد: ضربتُ غُلامَ زيد، أو أخا زيد لم يَجُزَ، لأنه لا يُعلم أنّ الغلام هو المراد، لصلاحية ((زيدٍ)) لذلك، لكنه قد يأتي قليلاً اتَّكالاً على قرينةٍ حاليَّةٍ وقتيةٍ أو لعادةٍ مختصةٍ، أو لفَسْرِ الشاعرِ مرادَه، كقولِ عُمَرَ بن أبي ربيعة (٢): لا تَلُمْنِي-عتيقُ-حسبي الَّذي بي إِنَّ بي-يا عتيقُ-/ ما قَدَ كَفَانِي ٣٩٦ قال من عُنِي بشعر ابن أبي ربيعة: إن مراده: ابن أبي عتيقٍ. وقال الآخر (٣): عَشيَّةَ فَرَّ الحارثيوَّنَ بَعْدَ ما دنا نحبُه في مُلْتَقَى القومِ هَو برُ وإنما أراد: ابنُ أبي هَوْبرٍ (٤). كذا قال أهل البَصَرِ (٥) بمثل هذا، فمثلُ هذا من المضافات المحذوفة لا يُقاسُ عليها؛ إذ ليست من قبيل ما يُعَهدُ حذفُه وما هو معلومٌ إذا حُذِف، ومن شَرْط الحذفِ العِلْمُ بالمحذوفِ، وأما إذا لم يعلَم فهو لا يجوز حذفُه، لأن طلب علمه مع عدم الدليل ضربٌ من تكليفِ علم الغيب، وهذا يمكنُ إن لم يُرِده الناظم،

стр. 2133

ويمكنُ إن أراده. وأما الثاني-وهو أن لا يستبدَّ العاملُ بالمضاف إليه، ولا يصلحُ له حقيقةً- فهو قياس مُطَّرد، ومنه قوله تعالى حكايةً عن إِخوة يوسفَ-﵇: - (واسأل القريةَ التي كُنَّا فيها (١))، الآية، المرادُ: واسأل أهلَ القريةِ، وقوله تعالى: ﴿وأُشرِبُوا في قلوبهم العِجْلَ بِكُفرِهْم (٢)﴾، المراد: حُبَّ العِجْلِ، وقوله: ﴿ولكن البَّر من أتقّى (٣)﴾، (ولكن البَّر من آمن بالله واليوم الآخر (٤))، أي: بِرُّ من اتّقى، وبِرُّ من آمن وقوله: ﴿فترى الذيِن في قلوبهم مَرَضٌ يسارعون فيهم (٥)﴾، يريد: في موافَقَتِهمِ. وقوله تعالى ﴿قَالَ هَلْ يسمعونكم إِذْ تَدْعُون (٦)﴾، قال الفارسيّ: إنما المعنى: هل يسمعون دعاءكم؟ لأنك لا تقول: سمعتُ زيداً حتى تصل به شيئاً مما يكون مسموعاً، كقولك: كذا، أو يتحدث بكذا. قال: ويدّل على هذا قولُه تعالى: ﴿إن تَدْعُوهم لا يسمعوا دُعاءَكم (٧)﴾، وقال تعالى: ﴿كلاّ إنا خلقناهم مما يعلمون (٨)﴾، أي: من أجل ما يعلمون، يريد من أجل الطاعة، كقوله: ﴿وما خلقتُ الجنَّ والإِنسَ إِلا ليعبُدونَ (٩)﴾، وهو في القرآن كثيرٌ. وقالت العرب: بَنُوا فلانٍ يَطَؤُهم الطريقُ. أي: أهلُ الطريقِ (١٠). وقالوا: صِدْنا قَنَوين.

стр. 2134

يريدون: وَحْشَ هذا الموضعِ المختصِّ (١). ومن الشعر قولُ النابغة، أنشده سيبويه (٢): وكان عَذِيرهم بجنوب سِلَّى نعامٌ قاق في بلدٍ قَفارِ أراد: عَذِير نعامٍ. وأنشد أيضاً للنابغة الجعدي (٣): وكيف تُواصلُ من أصبحَتْ خِلاَلتُه كأبى مَرْحَبِ يُريد: كخلالة أبى مَرْحَبِ. وانشد أيضاً للحُطيئةِ (٤): وشَرُّ المنايا مَيِّتٌ بيَن أَهْلِهِ كَهُلْكِ الفَتى قد أَسْلَم الحيَّ حاضِرُهْ أي: منيةُ ميِّتٍ. وقال زهير (٥):

стр. 2135

القائد الخيلَ منكوباً دوابرُها قد أُحكِمَتْ حَكمَات القِدّ والأَبَقَا وقال النابغة الذبياني (١): يوما بأجودَ منْه سَيبَ نافِلَةٍ ولا يحولُ عطاءُ اليوم دونَ غدِ وأنشد الفارسي لكثَيِّر (٢): إذا ما أرادتْ خُلَّةٌ كي نزيلها أبينا وقلنا: الحاجبَّية أَوّلُ وقال رؤبةُ بن العجاج (٣): وبلدٍ عاميةٍ أعماؤُهُ كأنَّ لونَ أرضهِ سماؤُهٌ وقال امرؤ القيس الكنديُّ (٤): ذَعَرْتُ بها سِرْباً نقياً جلودهُ وأكرُعُه وشْىُ البُرودِ من الخالِ

стр. 2136

وقال عمران بن حطّان (١): لكِنْ أَبَتْ لِيَ آياتٌ مُنَّزلةٌ منها التلاوةُ في طه وعمرانِ وهو أكثر من أن يحصى. وقوله: ((يأتي خلفا عنه في الإعراب))، يريد أنه يعرب المضاف إليه بإعراب المضاف إذا/ حُذِف، ٣٩٧ فضمير ((يأتي)) عائد على ((ما)) في ((ما يلي المضاف))، وهو المضاف إليه. وفي ((عنه)) عائد على المضاف. وإنما يأتي خلفاً عنه في الإعراب غالباً لا لازماً، لقوله على أثره: ((وربّما جَرُّو الذي أبقوا)). فالمضاف إليه عند حذف المضاف على وجهين: أحدهما: أن يبقى على إعرابه كأن المضاف موجود لم يُحذف. وهو القليل. والثاني: أن ينوب عنه في إعرابه كما قال، فيرتفع على الفاعلية، كقولهم: بنو فلانٍ يَطَؤُهم الطريقُ (٢). أو على الابتداء (٣) كقوله: (ولكن البَّر من آمن بالله)، وعلى خبر الابتداء نحو (٤): وشّرُ المنايا ميتٌ بيت أَهْلِه

стр. 2137

وعلى مالم يُسمَّ فاعله، كما قال ابن جني فيما رَوَى عن أبي عمرو: ﴿ونزَّل الملائكةُ تنزيلا (١)، إنه على حذف المصدر، كأنه قال: ونُزِّل نزولُ الملائكة. وينتصب على المفعولية نحو: (واسأل القرية التي كنا فيها (٢))، (قال هل يسمعونكم إذ تدعون (٣). وعلى الظرفية نحو قولهم: أتينا طلوعَ الشمس وقوله (٤): وقَد جَعَلَتْني من حَزِيَمةَ إِصْبَعَا أي: ذا مسافة إِصبَع وعلى المصدر كقول الأعشى، ميمون (٥):

стр. 2138

أَلَم تَغْتَمِضْ عيناك لَيْلَةَ أَرْمَدا وبِتَّ كما باتَ السَّلِيمُ مُسَهَّداً أراد: اغتماضَ ليلةِ أَرمدَ، وينجرُّ بالحرفِ كقولهِ تعالى: (كالذي يُغشَى عليه من الموتِ (١))، أي: كدوران عيني الذي يُغشى عليه من الموتِ. وبالإضافة نحو (٢): ولا يحولُ اليومِ دونَ غدِ أي: دون عطاء غدٍ. هذا بيان ما قال، وفيه بعد ذلك مسائلُ اربعٌ: إحداها: أَنَّ الناظم قد أطلق القول في حذف المضاف بقوله: ((وما يلي المضافَ يأتي خلفاً عنه))، فدلّ على أنه عنده قياسٌ لاسماع، وإلاّ فلو كان عنده سماعاً لقيده بذلك. فإن قيل: ولو كان أيضاً قياساً لقيده بذلك. فالجواب: أن عِلْم النحو إنما هو الكلام على قياس كلام العرب، فإذا اطلق القول فيه فهو محمولٌ على أصله الذي بُني عليه. وأما السماع فإنما يتكلّم فيه النحويُّ بالانجرارِ وعلى جهة الاحتراز أن لا يقاسَ، فلذلك هنا لما لم يقيد كلامه حُمِل على ما هو الأصل في علم النحو من تقرير القياس، وإذ ذاك يتبين أن الناظم هنا آخذٌ بمذهب من قال بالقياس في حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، خلافاً للأخفش القائل بعدم القياس فيه، وذلكن القياس سائغ فيه من حيث كان الحذف في كلام العرب-على الجملة- جائزاً في العُمَد

стр. 2139

والفضلات لدلالة المعنى على المحذوف، إلا ما استُثني من الفاعل ونحوه. وإذا كان كذلك فالمضاف من جملة ذلك فيجوزُ حذفه لاسيَّما وقد ناب عنه نائبٌ لفظي، فهو أقوى في جواز الحذفِ من المبتدأ والخبر، بل هو اشبهُ شيءٍ بالفاعل إذا حُذف ومقام المفعول مقامه، وهذا قياسه. وأما السماع فكثير جداً في الكلام والشعر بحيث لا يَسَع (١) في القياس عليه إنكار. وقد مرَّ من ذلك جملةٌ، وبَّوب عليه سيبويه، وأتى منه بجملةٍ صالحةٍ نثراً/ ونظما، وقال: ((هو أكثر من ... ٣٩٨ أِن أُحِصَيه)). فإن قيل: القياسُ عليه يلزمُ أمران: أحدهما: مخالفةُ الأصلِ؛ إِذ حَذْفُ المضافِ ومعاملة المضاف إلي هـ معاملته مجازٌ، والأصل الحقيقةُ، فيلزم من القياس تكثيرُ مخالفة الأصلِ والحملُ على غير الحقيقة، وذلك غير سائغٍ. وأيضاً يلزم القياسُ في الأمور المجازيّة، وذلك ممنوع. والثاني: أنه يلزم أن يقال: ضربتُ زيداً، وإنما ضربتُ غلامه أو ولده. ومثلُ هذا لا يجوز؛ إِذْ لا دليل عليه، ولا مُعرِّف به. فالجواب: أن ذلك-وإن كان مجازاً- لا يمنعهُ كونُه مجازاً من قياسه واطراده؛ ألا ترى أنك قلمَّا تجدُ كلاماً إلا وقد دخله المجازُ؛ فأشهر الكلام في الاستعمال: ضربتُ زيداً، وهو مجازٌ من أوجه ذكرها ابن جني في الخصائص (٢) وغيره. وكذلك: قام أخوك، وجاء الجيشُ، وما أشبه ذلك. ومع ذلك فإنه قياسٌ مطردٌ وطريق مَهْيَعٌ، فكذلك نحوُ:

стр. 2140

(اسأَلِ القرية (١)). فإن قيل: ضربتُ زيداً ونحوه كثير جداً، فكذلك حذفُ المضاف. وأما قوله: إنه مخالف للأصل فَمُسلَّم، ولكن لا يلزم عدمُ القياس فيه، لأن مخالفة الأصل القياسيّ قد يكون قياساً استعمالياً كما في ((قام)) ونحوه، أصله القياسي: قَومَ، ولم يلزم من مخالفته محذورٌ، بل صار إعلالهُ إلى إن صار ((قام)) أصلا ثانياً استعمالياً قياسياً. وبهذا يظهر أن القياسَ في الأمور المجازية سائغ إذا كثرت واطّردت. وأما الأمر الثاني فقد أجاب عنه ابن جني بأن ما شَنَّعتَ به جائز، إلا ترى أنك تقول: إنما ضربتُ زيداً، بِضَرْبِك غلامه، وأهنتهُ، بإهانتك ولده. قال: ((وهذا باب إنما يصِلحه ويفسده المعرفة [به (٢)]؛ فإن فُهِم عنك في قولك: ضربتُ زيداً أنك إنما أردتَ بذلك: ضَربتُ غلامه أو أخاه أو نحو ذلك - جاز، وإن لم يُفهَم عنك لم يَجُزْ، كما أنَّك إن فُهِم بقولك: أكلت الطعام، أنك أكلتَ بعضه، لم تحتَجْ إلى البدل، وإن لم يُفهم عنك وأردت إفهام المخاطب إياه، لم تجد بداً من البيان وأن تقول: بعضه أو نصفه أو نحو ذلك؛ ألا ترى أن الشاعر لما فُهِم عنه ما أراد بقوله، قال (٣): صَبَّحن من كاظمة الحِصْن الحَزِبْ يَحْمِلن عَبَّاسَ بنَ عبدالمطلبْ وإنما أراد: عبدالله بن عباس. ولو لم يكن على الثقة بفهم ذلك لم يجد
следующие страницы →