← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بفتح التاء في الجميع. قال ابنُ خَروف: كذا وقع بخط ابن خالوية، يعني بيت الهذليُّ، بفتح التاء وهذه اللغة الأخيرة نادرةٌ فلم يعتبرها الناظم ولم يشر إليها، وإنا أشار بمقتضى إطلاقه إلى اللغتين المتقدمتين، والإشارة بذا في قوله: (فيه ذا أيضًا قُبِلْ) إلى النصب بالكسر المتقدم الذِّكر، أي أن هذا الحكم مقبول فيما سمِّي به من هذا الجمع وبقي في هذا الفصل مُشاحةٌ لفظية في مواضع ثلاثة من كلامه: أحدها: قوله: (وما بتا وألِف قد جُمِعَا) فأطلق القول في التاء والألف، ولم يقيدهما معا بالزيادة، ولابد من ذلك، لأن عبارته إن دخل فيها الهندات والزينبات، فكذلك يدخل تحتها نحو: قضاة وأبيات، فإن كل واحد منهما يصدق عليه أنه مجموع بالألف والتاء؛ لأن ألف قضاة منقلبة عن أصل، لا زائدة، وتاء أبيات أصل لا زائدة، فلم تجتمعا معًا في الزيادة، فلم يكن من الجمع السالم بالألف والتاء، فالحاصل أن جمع التكسير يدخل عليه ما كان آخره ألف وتاء، فيقتضي أنه ينصب بالكسر وهذا غير صحيح، ولأجل هذا قيّد الألف والتاء بالزيادة في " التسهيل " حين ذكر نيابة الكسرة عن الفتحة وعين لذلك نصب أولات، والجمع بالألف والتاء الزائدتين، وبين في " الشرح " أنه تحرز مما ذكرته، فكان ينبغي أن يتحرز هنا من

стр. 212

ذلك أيضًا. والثاني: قوله: (والذي اسما قد جُعِل) جُعِلَ هنا بمعنى صُيِّرَ، أي: لم يكن اسمًا ثم صار اسمًا، وهذا اللفظ غير مبين للمقصود، لأن أذرعات مثلًا لم يكن غي اسمٍ، ثم صيّر اسمًا، بل هو اسم في الحالتين معًا، حالة العَلَمية وقبل ذلك، فكان الأولى به أن يقيد لفظه فيقول: والذي اسما علَمًا قد جُعِل أوو الذي نقل إلى العَلَمية، أو ما كان نحو هذا، ليظهر مقصودهُ. والثالث: قوله: (فيه ذا أيضًا قُبِل) أراد أن هذا الإعراب فيه مقبول، وذلك لا يعطى / كونه قياسًا أو سماعًا، إذ كلاهما مقبولٌ في الجملة، ومرادنا نحن أن نبين أهو قياس أم سماع؟ وذلك لا يُعطيه لفظ القبول، فكان لفظه غير محرر. والجواب عن الأول: أن المجرور في قوله: (بِتَا وألفٍ) متعلق بـ" جُمع " وذلك يقتضي أن بهما حصول الجَمع، فالباء باءُ الاستعانة أو السببية، وتقدير الكلام: وما بسبب حصول ألفٍ وتاء جُمع، أو ما بهذه الآلة جُمع، فإذا الألف والتاء هما اللذان حصل بهما الجمع، فهما لاحقان لأجله، وإذا لحقا لأجله فهما زائدان بلا شك، فقوة الكلام أعطت هذا الشرط، وأيضًا لا يصدق على هذا التقدير في قُضاة وأبيات أنهما جُمعا بالألف والتاء، إذ ليستا آلة للجمع ولا سببًا فيه، وإنما سبب الجَمع فيهما تغيير بِنْيَيةِ المفرد إلى فُعَلَةٍ أو أَفعال، وإنما كان يحتمل ما قال على فرض أن تكون الباء متعلقة باسم فاعل محذوف، يكون حلًا من ضمير جُمِعَ، أي: وما جمع حال كونه بتاء وألف، أي ملتبسًا بهما، لكن هذا المعنى لا محصول له، إذا تدبرته،

стр. 213

فوجب أن تكون متعلقة بالفعل نفسه، وإذ ذاك لا يبقى إشكال. وعن الثاني: أن مراده أنه جُعِل اسمًا علمًا، كأنه قال: والذي جُعِلَ اسمًا خالصًا وهو العَلَمَ أو الذي جُعل اسمًا، أي: مفردًا بعد أن كان جمعًا وذلك إنما يكون يالتّمية، وها ظاهر من قوة كلامه. وعن الثالث: أن مرادَه القبول القياسي، والذي عين مراده وأنه القبول القياسي ما هو آخذٌ فيه من بيان الأصول القياسية، فهو السابق للفهم، بحسب صناعته، والله أعلم. و"فيه" متعلق بـ " قُبل " وضميره عائدٌ على الذي، و " ذا " مبتدأ خبره "قُبل " وفي تقديمه المجرور على المبتدأ وهو معمول الخبر نظر، وفي جوازه خلاف، ولكن الناظم يرتكبه في هذا النظم كثيرًا، وهو مذهبه فيه ومنه ما قد مضى، وسننبّه على بعضه إن شاء الله . * * * ثم قال: وجر بالفتحة ملا ينصرف ... ما لم يُضف أويكُ بعد أل ردِفْ هذا هو الموضع الثاني من الموضعين اللذين تنوب فيهما الحركة عن الحركة، وهو ما لا ينصرف، وما لا ينصرف - هو عند المؤلف - ما منع التنوين لعلتين، أو علّة قائمة مقامهما، فأراد أن ما لا ينصرف من الأسماء حُكمه أن يجر بالفتحة كأَحمد وأحمر ويوسف وإبراهيم وغضبان وغضبى

стр. 214

وأسماء وعمر وثلاث ومعدى كرب ونحو ذلك تقول: مررت بأحمد، وجئت إلى رجل أحمر غضبان وكذلك سائر الأمثلة، ولم يذكر حكم الرفع والنصب لدخوله تحت الكلية سائر الأمثلة، ولم يذكر حكم الرفع والنصب لدخوله تحت الكلية المتقدمة ثم شرط في هذا الإعراب شرطا، وهو ألا يضاف ولا يصحب الألف واللام، وذلك قوله: (ما لم يضف أو يك بعد أل ردف) بمعنى أنه إنما يعرب كذلك إذا لم يضف إلى غيره، ولم تدخل عليه الأللف واللام، فإنها إن دخلت عليه لم يجر بالفتحة، وإذا لم يجر بالفتحة رجع إلى ما تقدم أولا، من الجر بالكسرة نحو: مررت بأحمر القوم، وبالحمراء، وجئت إلى مساجد بني فلان، فذلك لم يذكر حكمه إذا أضيف أو صحب الألف واللام، و "ردف" معناه تبع، ومنه قوله تعالى: ((قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون)) أي: تبعكم، يردي ما لم يكن الاسم ردفها، أي الألف واللام، فحذف الضمير لفهم المراد، ومعناه أن يكون الاسم الذي لا ينصرف تابعا لها، وفي ردفها، متصلا بها، ومذهب المؤلف أن العلتين إنما منعتا التنوين فقط، وأما الجر فلشيء آخر، قال: لأنه لو جر بالكسرة مع عدم التنوين لتوهم أنه مضاف إلى ياء المتكلم، وحذفت الياء لدلالة الكسرة عليها، أو أنه مبني على الكسرة؛ لأن الكسرة لا تكون إعرابية إلا مع التنوين، أو ما يعاقبه من الألف واللام أو الإضافة، ولذلك إذا أضيف أو دخلت عليه الألف واللام انجر بالكسرة. وقوله: (ما لم يضف) أطلق القول في الإضافة ولم يقيدها فدل

стр. 215

على جريان الاحتراز من كل إضافة، محضة كانت أو غير محضة، فتقول: مررت برجل أحمر الوجه، أزرق العينين، غضبان الأب، ومررت بأحمديك، أحمد بني فلان، وإبراهيمهم، وما أشبه ذلك، وكذلك قوله: (أويك يعد أل ردف) أراد أن هذا عام في جميع أقسام الألف واللام، فلا يفترق الحكم فيها بكونها زائدة أو موصولة أو غير ذلك كقول الشاعر: رأيت الوليد بن يزيد مباركا ... شديدا بأعباء الخلافة كاهله وقال الآخر: ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر وقال الآخر: وما أنت باليقظان ناظره إذا ... رضيت بما ينسيك ذكر العواقب * ... * ... * ولما أتم الكلام على النيابة في الأسماء، شرع في ذكر نحو ذلك في الأفعال فقال: واجعل لنحو يفعلان النونا ... رفعا وتدعين وتسألونا وحذفها للجزم والنصب سمه ... كلم تكوني لترومي مظلمه يعني أن النون تكون علامة للرفع فيما كان من الأفعال على نحو:

стр. 216

يفعلان وتدعين وتسألونا، وضابط ذلك -على ما أشار إليه تمثيله-: كل فعل مضارع لحقه من آخره ألف اثنين أو واو جماعة أو ياء واحدة مخاطبة، فألف اثنين نحو: يفعلان، وواو الجماعة نحو: تسألون، وياء المخاطبة نحو: تدعين، أصله تدعوين، ثم نقله الإعلال إلى تدعين، فوزنه في الأصل تفعلين وفي اللفظ تفعين، وإطلاقه القول في يفعلان ويفعلون يدخل له ما كانت الألف فيه والواو ضميرين نحو: أنتما تفعلان، وهم يفعلون وما كانت فيه علامة نحو: يعلان الزيدان ويفعلون الزيدون، ومنه قول الشاعر -أنشده السيرافي-: يلومونني في اشتراء النخيل ... قومي فكلهم يعذل وذلك على لغة "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" و (رفعا) مفعول ثان، لـ (اجعل) على حذف المضاف، أي علامة رفع أو أداة رفع على أن تكون (جعل) بمعنى صير، أو حالا، أي: رافعا، أو ذا رفع على أن تكون بمعنى الوضع أو نحوه.

стр. 217

وفي قوله: (تدعين) وتخصيصه دون أن يقول: ترمين فائدة، ويطلق الإتيان بالمعتل فائدة أخرى، فأما إتيانه بفعل معتل فلبيان كون هذا الحكم شاملا للمعتل وغيره من الأفعال، فتضربان مع تدعوان أو ترميان على حكم واحد رفعا لتوهم المخالفة ولو بوجه ما، كما في الفعل المعتل إذا لم تلحقه من آخره أحد هذه الثلاثة، فإن الحكم فيه يختلف بحسب التقدير للإعراب وعدم التقدير، وأما هذا القسم فلا يختلف الأمر فيه، بل النون هي العلامة مطلقا في الرفع والحذف فيما سواه، وكذلك إذا قلت: أنت يا هند تدعين حكمه حكم تخرجين في الإعراب من غير مخالفة، وأما تخصيصه المعتل بالواو دون الياء في مثال لحاق ياء المخاطبة، فليتبين ما أشار إليه، إذ لو أتى بالمعتل بالياء مثل: ترمين لم يتبين ونه مما لحقه ياء المخاطبة دون ما لحقه نون جمع المؤنث، لأنك تقول: أنتن يا هندات ترمين، فيكون الفعل هنا مبنيا للحاق نون المؤنث وتقول: أنت يا هند ترمين، فيكون هنا معربا بالنون رفعا وأصله ترمين كتضربين بخلاف الأول فإنه ترمين كتضربين، فلما أتى بما هو من ذوات الواو لم يشكل أنه مما النون فيه علامة للرفع والياء للمخاطبة، إذ لو كان لجماعة المؤنث لقلت: أنتن تدعون بالواو على تفعلن كتخرجن لا بالياء، وهذا

стр. 218

الموضع مزلة أقدام الشادين، فقد قال الحضرمي في "إعراب أشعار الستة" في قول امرئ القيس: يظل العذارى يرتمين بلحمها ... وشحم كهداب الدمقس المفتل إن النون من "يرتمين" نون الرفع، وإنما هي نون جماعة المؤنث فهو مبني لا معرب، ولو قال الناظم: وتدعون وتسألينا، لما تبين مثال ما قصد لاحتمال أن تكون النون ضمير جمع المؤنث، وكذلك لو قال: وتخشين وتسألون ولو قال: وتخشون وتسألينا، لما التبس، كما لم يلتبس في "تدعين وتسألونا" فالحاصل أن هذا الموضع مما يحتاج إلى التثبت فيه ولأجل هذا لم يمثل الناظم بمحتمل، بل عين ما لا يغلط فيه، والله أعلم. حدثنا شيخنا الأستاذ أبو عبدالله بن الفخار رحمة الله عليه قال: حدثني بسبتة بعض المذاكرين أن أبا عبدالله بن خميس لما ورد عليها بقصد

стр. 219

الإقراء بها اجتمع إليه عيون طلبتها، فألقوا عليه مسائل من غوامض الإشتغال، فحاد عن الجواب عنها بأن قال لهم: أنتم عندي كرجل واحد يعني ابن أبي الربيع ازدراء بهم، فاستقبله أصغر القوم سنًا وعلمًا بأن قال له: إن كنت بالمكان الذي تزعم فأجبني عن هذه المسائل من باب معرفة علامات الإعراب التي أذكرها لك. فإن جئت فيها بالصواب لم تحظ بذلك في نفوسنا لصغرها بالنظر إلى تعاطيك من الإدراك والتحصيل، وإن أخطأت فيها لم تسعك هذه البلاد وهي عشرٌ، الأولى: أنتم يا زيدون تغزون، الثانية: أنتن يا هندات تغزون، الثالثة: أنتم يا زيدون ويا هندات تغزون، الرابعة: / أنتن يا هندات تخشين، الخامسة: أنت يا هند تخشين، السادسة: أنت يا هند ترمين، السابعة: أنتن يا هندات ترمين، الثامنة: أنتن يا هندات تمحون أو تمحين كيف تقولُ؟ ، التاسعة: أنت يا هند تمحون أو تمحين كيف تقول؟ ، العاشرة: أنتما تمحوان أو تمحيان على لغة من قال: محوت كيف تقول؟ ، فهل هذه الأفعال كلها مبنية أم معربة أم بعضها معرب وبعضها مبني، وهل هي كلها على وزن واحد أو على أوزان مختلفة علينا السؤال وعليك التمييز هلُم الجواب. قال: فبهت الشيخ وشغل المحل بأن قال: إنما يُسأل عن هذا صغار الوِلدان. فقال له الفتى: فأنت دونهم إن لم تجب، فأنزعج الشيخ وقال: هذا سوء أدب ونهض منصرفًا، ولم يصبح إلا بمالقة متوجهًا إلى غوناطة، فلم يزل بها مع الوزير ابن الحكيم إلى أن مات جميعهم ﵏. وإنما أتيت بهذه الحكاية لما تضمنته من فوائد المسألة التي نبه عليها الناظم ﵀ بإشارته، وبيان المسائل العشرة موكولٌ

стр. 220

إلى الناظر في هذا التقييد وبالله التوفيق. ثم قال: (وحذفها للجزم والنصب سمه) ضمير (حذفها) عائد على النون التي هي علامة الرفع، والسمة: العلامة، يقال: وسمه وسمًا وسمةً، إذا جعل فيه علامة يعرف بها أو غيره. ويريد أن حذف النون التي هي علامة الرفع علامة للجزم والنصب في هذه الأفعال المذكورة وما كان نحوها كقولك: إن تكرموا زيدًا فأكرموا أخاه، وأعجبني أن تأتيا زيدًا، وإن تكرمي غلاميك يخدماك وما أشبه ذلك، وقدم الجزم على النصب؛ لأنه أولى بالحذف لوجوده في المعتل على ما سيأتي، فكأنه أصل فيه ولأنك إذا اعتبرته وجدت عمل الجزم الحذف مطلقًا، أما في المعتل فحذف حرف، وأما في الصحيح فحذف حركة، ولذلك كان يقول الأستاذ أبو عبدالله بن عبد المنعم شيخ شيخنا: ليس للجزم إلا علامة واحدة وهي الحذف، فالنصب إذًا في هذا الحذف محمول عليه، فكما حمل النصب على الجر في الأسماء، كذلك حمل النصب على الجزم في الأفعال؛ لأن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء كما تقدم التنبيه عليه في قول الناظم: والاسم قد خُصص بالجرِّ كما ... قد خصص الفعل بأن ينجزما وأتى بمثالين للجزم والنصب وهما قوله: (كلمْ تكوني لترومي مظلمة) فالأول: حذف النون فيه للجازم وهو "لم". والثاني: حذف النون فيه للناصب

стр. 221

وهو "أن" المقدرة بعد لام "لترومي"، تقديره: لأن ترومي ولكنهم التزموا حذفها بعد هذه اللام وتسمى لام الجحود، ولم يبين الناظم حركة هذه النون وكان ينبغي له ذلك، ولعله ترك ذلك تعويلًا على التمثيل إذ أتى بها مكسورة مع الألف غالبًا، ومفتوحةً فيما عداها؛ ولأن النون هنا تشبه النون في المثنى والمجموع وهي مكسورة في المثنى مفتوحة في الجمع بالواو والياء، وقد ذكر ذلك هنالك، فترك هنا ذكر ذلك، لسبق الفهم إلى أنها / مثلها؛ لأن كل واحد منهما واقعة بعد الأحرف الثلاثة الدالة على المثنى والمجموع. وفي كلها حمل النصب فيها على غيره فكان في ذلك إشعار باستحقاق الكسر مع الألف، والفتح مع الواو والياء وقد ندر هنا فتح النون مع الألف كقراءة الحسن: (أتعدانني أن أخرج) وهي أيضًا مروية عن نافع وأبي عمرو، كما أن النون قد تحذف في الرفع وتثبت في النصب، فالأول نحو قول الشاعر -أنشده ابن خروف-: أبيت أبكي وتبيتي تدلكي ... وجهك بالعنبر والمسك الذكي وأنشد أيضًا لأيمن بن خريم:

стр. 222

وإذ يغصبوا الناس أموالهم ... إذا ملكوهم ولم يغضبوا وقال عمر في قتلى بدر: "يا رسول الله كيف يسمعون، أنَّى يجيبوا وقد جيًّفوا؟ والثاني: كقول الشاعر -أنشده السيرافي-: أن تقرآن على أسماء ويحكما ... منى السلام وألا تُشعرا أحدا وأنشد غيره: أن تهبطين بلاد قومٍ ... يرتعون من الطِّلاحِ وقد نبّه على هذا في الجملة في النواصب حيث قال: وبعضهم أهمل أن حملا على ... ما أختها حيث استحقت عملا ولكنّ الجميع قليل لا يفتقر إلى التنبيه عليه لعدم القياس فيه، والله أعلم. * * *

стр. 223

ثم قال: وسم معتلا من الأسماء ما ... كالمصطفى والمرتقي مكارما هذا فصلٌ يذكر فيه ما يقدر فيه الإعراب كله أو بعضه، في الأسماء أو الأفعال، وكان ما تقدم إنما تكلم فيه على مجيء الإعراب بحق الأصل، وهو أن يكون ظاهرًا، وذلك إذا كان آخر المعرب صحيحًا على غالب أحواله وأما المعتل الآخر فيختلف الحال فيه، فأخذ ذكره، ولما كان السبب في الخفاء في الغالب هو الاعتلال، وكان موجودًا في الأسماء والأفعال أخذ في ذكر معنى الاعتلال أولًا، ثم في الخفاء ثانيًا - بالنسبة إلى كل من الضربين، وابتدأ بذكر المعتل من الأسماء، فعرفه بأنه: ما كان آخره ألفًا أو ياءً قبلها كسرةٌ، كما أعطاه مثال: المصطفى والمرتقي وذلك أن الأسماء على ضربين، صحيح الآخر، وهو ما آخره حرف صحيح كزيد وقائم وعامر، ومعتل: وهو ما آخره حرف علة ألف أو واو أو ياء، والمعتل ينقسم إلى قسمين: جارٍ مجرى الصحيح، وهو ما كان الحرف الذي قبل حرف العلة فيه ساكنًا، نحو: غزوٍ وعدوٍ وظبيٍ ورعيٍ، يدخل في ضمنه المضاعف، نحو: عدوّ وعتوّ ووليّ وكميّ. أما الألف فلا يكون ما قبلها ساكنًا أبدًا، فخرج ما آخره ألف عن هذا القسم، وهذا القسم حكمه في ظهور الإعراب كله حكم الصحيح، كما ظهر في الأمثلة. والقسم الثاني: ما كان الحرف الذي قبل حرف العلة فيه متحركًا ولا يتحرك في الاستعمال إلا بمجانس الحرف المعتل، وذلك نحو: الفتى

стр. 224

والرحى والقاضي والغازي، أما ما آخره واو قبلها ضمة فمعدوم في كلام العرب، وإن اقتضى ذلك قياس رفض نحو: أجر وأدل في جمع جرو ودلو، أصله أجروُ وأدلوُ فرفض ذلك وصير إلى جنس ما آخره ياء قبلها كسرة، إلا "ذو" بمعنى صاحب و "فو" في قولك: قولك فو زيد وهما عند الناظم من الأسماء المعربة بالحروف، فعلى هذا لا يسمى من الأسماء معتلا بحسب قصده، إلا ما كان آخره ألفا أو ياء قبلها كسرة، لأن القسم الأول قد جرى في ظهور الإعراب فيه مجرى الصحيح، فدخل في قم الصحيح، فيجري بالحركات مثله، وهذا هو الذي قصده الناظم بقوله: وسم معتلا من الأسماء ما ... كالمصطفى والمرتقى مكارما فكأنه يقول: كل ما آخره ألف مطلقا، أو ياء قبلها كسرة، فهو المسمى معتلا عند النحويين، وما عداه ليس كذلك، فما آخره واو هو من قبيل الصحيح، إذ لا يوجد إلا وما قبل الواو فيه ساكن، وكذلك ما آخره ياء من غير ما ذكر هو من قبيل الصحيح في الحكم، لا من قبيل المعتل فالمثال الأول يدخل له فيه جميع ما آخره ألف، كانت أصلا أو لا، نحو: الفتى والقفا والحبلى والذكرى والحثيثى وجمادى، وما أشبه ذلك. والثاني: يدخل له به جميع ما آخره ياء قبلها كسرة، كان ذلك بحق الأصل نحو: القاضي والداعي والعمى والمستجدى والمعتدي، أو محولا إليه نحو: الأدلى والأجرى والتداعي والتناهي، والقلنسي

стр. 225

والعرقي، جمع قلنسوة وعرقوة، وما أشبه ذلك، فإن قيل: هذا الاصطلاح في المعتل، إما أن يكون فيه ناقلا لكلام غيره ممن اصطلح، وإما أن يكون مخترعا لاصطلاح غير سابق فلا يجوز أن يريد هذا الثاني لقوله في الأفعال: (فمعتلا عرف) يعني أن هذه المعرفة سواء كانت معروفة قبل في الفعل، فكذلك الاسم، لأنهما سواء في هذا الاصطلاح، فليس مراده إلا أنه يسمى معتلا عند النحويين، وإلا ذاك فيشكل كلامه فيه، لأن المعتل في اصطلاحهم أعم من هذا، فالمعتل الفاء أو العين يسمى عندهم معتلا، وكذلك المعتل اللام لكن على أعم مما قال، فمثال غزو وظبي يسمى أيضا عندهم معتلا، وإذا ثبت هذا فتخصيصه هذه التسمية بما كان معتل الآخر مطلقا في الفعل، أو بالألف والياء التي قبلها كسرة في الاسم، إخلال بالاصطلاح المعروف. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن لفظ العتل في اصطلاحهم يطلق بإطلاقين: إطلاق بحسب النظر التصريفي، وهو الاطلاق الأعم، المعترض به، وليس بمراد هنا، وإطلاق بحسب خفاء الإعراب فيه، استثقالا أو تعذرا، وذلك لا يكون في المعرب إلا فيما ذكر دون ما سواه، وهو المراد هاهنا. فقوله في الاسم: (وسم معتلا) وفي الفعل: (فمعتلا عرف) أراد في هذا الباب وحده، وأما باب التصريف فله اصطلاح آخر، أوسع من هذا لا حاجة به إليه هاهنا، وإذا كان كذلك لم يكن في كلامه إشكال لاختصاص ما

стр. 226

نص عليه ببابه. والوجه الثاني: إذا سلمنا أن المعتل إنما يطلق بالإطلاق الأعم دون ما سواه فلا يلزم عليه اعتراض؛ لأنه إنما ذكر أن ما كان نحو: المصطفى والمرتقى يسمى معتلا، وكذلك ما كان نحو: يخشى ويغزو ويرمي، وذلك صحيح هنا، وفي باب التصريف؛ لأن المعتل اللام يسمى معتلا في كل باب، ولم يقل إن ما عداه هذه الأشياء لا يسمى عتلا، بل أثبت إطلاق لفظ المعتل عليها فقط، مع قطع النظر عما عداها، إذا لم يحتج هنا إلى غير ذلك، وإنما كان الإشكال يلزم أن لو شاء إلى نفي الاعتلال عما سواه، فإذا لم يخرج عن الاصطلاح التصريفي، وإذا كان كذلك لم يبق إشكالا، والحمد لله. والمصطفى معناه المختار، مأخوذ من صفو الشي وصفوته، وقد تقدم تفسيره. والمرتقى: مفتعل من الرقي، وهو السمو والارتفاع، إما حسا كارتقاء السلم ونحوه، وإما معنى كالارتقاء في منازل الشرف أو الكرم وهو المراد هنا. والمكارم: جمع مكرمة، وهي الفعلة التي بها ينسب الإنسان إلى الكرم، ونصب مكارما على الظرف مجازا، كأنه ارتقى في نفس المكارم أو على حذف المضاف، أي: درج المكارم، أو منازل المكارم، والناظم جعل في البيت الثاني "مكارما" قافية مع قوله في الأول: "الأسماء ما" فاعتد في "الأسماء ما" تأسيسا، مع

стр. 227

كون كلمة الروي منفصلة منه وليست بضمير، والوجه يكون متصلا بكلمة الروى، ما لم يكن ضميرا أو لم يعتد بها تأسيسا، مع إتيانه بالتأسيس في البيت الثاني في قوله: "مكارما" وكلا الأمرين عيب في القافية عند الجمهور، مذهب سيبويه جواز كون التأسيس من كلمة أخرى مطلقا، كما في كلام الناظم فإياه اتبع في هذا الموضع، وأيضا فقد جاء المؤسس مع غير المؤسس قليلا ومنه قول الراجز: تحلف لا تنزع عن ضراريه ... حتى لطمت خذها بكفيه فيحمل هذا على ذلك، وعادة الناظم ارتكاب الشذوشات والنوادر في هذا النظم، حسب ما تراه إن شاء الله . * ... * ... * ثم قال: فالأول الإعراب فيه قدرا ... جميعه وهو الذي قد قصرا والثان منقوص ونصبه ظهر ... ورفعه ينوي كذا أيضا يجر يعني بالأول هنا مثال المصطفى وما كان مثله، فهذا القسم يقدر فيه جميع الإعراب، أي: جميع الأنواع التي تصلح له وهي الرفع والنصب والجر فتقول: جاءني الفتى، ورأيت الفتى، وإنما قدر لتعذر تحريك الألف بخلاف الواو والياء، فإنهما يقبلان الحركة، وإن كان التحريك مسثقلا فيهما، والألف لا يصح فيها التحريك، فلما اضطروا يوما إلى تحريكها أبدلوا منها حرفا يصح تحريكه وهو الهمزة، كما قرأ أيوب

стр. 228

السختياني ((ولا الضالين)) فرارا من اجتماع الساكنين، وكما قال: خطامها زأمها أن تذهبا وهو مبين في التصريف، ثم قال: (وهو الذي قد قصرا) يعني أنه الذي سمي مقصورا، وإنما سمي مقصورا؛ إما لأنه في مقابلة الممدود فكأنه قصر عن التمام، وإما لأنه قصر آخره، أي: حبس عن أن يظهر فيه الإعراب فيختلف فكأنه قصر على حلة واحدة. ثم قال: (والثان منقوص) الثاني هو مثال المرتقى، وما جرى على شاكلته، ويعني أن هذا القسم يسمى منقوصا، للنقص الحاصل فيه، إذا قلت: مرتق وقاض وغاز؛ لأن الياء لما استثقلت الضمة أو الكسرة عليها حذفتا، فالتقى الساكنين، وهما الياء والتنوين، فوجب حذف الياء لالتقاء الساكنين، وتسمية نحو: قاض وغاز منقوصا، فلذلك قال في "التسهيل" فإن كان -يعني حرف الإعراب- ياء لازمة تلي كسرة فمنقوص عرفي، وذكر في "الشرح" أنه تحرز من نحو: يد وعدة؛ لأن العرف الصناعي قد غلب إطلاق المنقوص على نحو: شج وقاض، فإذا أراد بالمنقوص هنا التسمية العرفية، وحذف الياء من الثاني فذلك

стр. 229

جائزةٌ. قال الله تعالى: ((مهطعين إلى الدّاع)) وقال: ((يوم يدع الدّاع إلى شيء نكر)) وهو كثير. ثم ذكر حكمه فقال: (ونصبه ظهر، ورفعه ينوَى .. ) إلى آخره يعني أن النصب يظهر في المنقوص، على حد ما يظهر في الصحيح، فتقول: رأيت القاضي، وأجبت الداعي، وكذلك ما أشبه. وأما الرفع والجر فلا يظهران بل يكونان منويين في آخر المنقوص، كما ينوى جميع الأعراب في آخر المقصور، فتقول: جاء القاضي، ومررت بالقاضي، وهذا رامٍ، ومررت بداعٍ، ووجه ذلك أن الضمة والكسرة مستثقلتان على حرف العلة، فأدى الاستثقال إلى أن قدروا الحركتين، وليست الياء هنا كالألف، فإن الألف يتعذر تحريكها، والياء إنما في تحريكها استثقال، ولذلك يصح ظهور الضمة والكسرة فيها في الضرورة مثل ما أنشده السِّيرافي وغيره من قول الشاعر: فيومًا يجاريني الهوى غير ماضي ... ويومًا ترى منهن غولًا تغول وأنشد أيضًا قول الآخر - وهو ابن قيس الرقيات-:

стр. 230

لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلا لهن مطلب وأنشد أيضًا: ما إن رأيت ولا أرى في مدتي ... كجزاري يلعبن في الصحراء وقال الهذلي: تراه وقد فات الرماة كأنه ... أمام الكلاب مصفي الخد أصلم وأما الفتحة فغير مستثقلة على الياء، ولا على الواو، فلذلك ظهرت في السعة، إلا أن تعامل معاملة أختيها في الشعر، أو في قليل من الكلام فتنوى، كما روى عن جعفر بن محمد أنه قرأ: ((من أوسط ما تطعمون أهاليكم)) بإسكان الياء، ومنه في الشعر ما أنشده ابن جنّي وغيره من قول الراجز: كأن أيديهن بالقاع القرق ... أيدي جوارٍ يتعاطين الوَرِق

стр. 231

وقول زهير: ومن يعص أطراف الرماح فإنه ... يطيع العوالي ركبت كل لهذم وقال النابغة الذبياني: ردت عليه أقاصيه ولبَّده ... ضرب الوليدة بالمسحاة في لثأد وهذا كله من قبيل ما لا يعتمد به الناظم، فلذلك لم ينبه عليه. وقوله: (كذا أيضًا يجرُّ) أي كرفعه يجر، يعني أنه ينوي فيه الجر كما ينوي فيه الرفع. * ... * ... * ثم ذكر معتل الأفعال فقال: وأيُّ فعل آخر منه ألف ... أو ياء أو واو فمعتلًا عُرِفْ هذا بيان المعتل من الأفعال بالنسبة إلى باب الإعراب كما تقدم ويعني أن كل فعل مضارع آخره حرف من حروف العلة وهي الألف والواو والياء نحو: يخشى ويدعو ويرمي يسمى معتلًا، لكن إنما بين أنه عُرف فيما تقدم بأنه معتل، ويلزم من ذلك أنه يسمى الآن معتلًا كما سماه النحويين؛ لأنه إنما وضع كتابه هذا ليقتفي به أثر من تقدم في تبيينهم طرق القياس، وما يتبع ذلك من الألفاظ الاصطلاحية المؤدية إلى المطلوب، فإذا نص الناظم على أن من تقدم سمي اللفظ الفُلاني بكذا، والمعنى الفلاني بكذا، أو أخبر أنهم قاسوا كذا، وأن العرب نطقت بكذا،

стр. 232

أو اطرد عندها كذا، فإنما قصده أن تأخذ ذلك على ما أخذوه وأن تصطلح على ما اصطلحوا عليه، وهذا واضح من قصده وقصد غيره من أئمة النحو، نفعهم الله. وقوله: (آخر منه ألف) آخر مبتدأ خبره "ألف". وصحّ الابتداء بالنكرة للاختصاص اللاحق لها بالمجرور الواقع صفة لها. * ... * ... * ثم قال: فالألف انو فيه غير الجزم ... وأبدِ نصبَ ما كيدعو يَرمِي والرفعَ فيهما انوِ واحذف جازمًا ... ثلاثهن تقض حكمًا لازما الألف منصوب بفعل مضمر يفسره (انوِ فيه) من باب الاشتغال، ويجوز الرفع، لكنه خلاف المختار، وأراد أن غير الجزم من أنواع الإعراب الثلاثة يجب أن ينوي فيه، وذلك الغير هو الرفع والنصب، فكأنه قال: انوِ فيه الرفع والنصب، فالرفع نحو: زيدٌ يخشى، والنصب نحو: زيدٌ لن يخشى، فهو مرفوع بضمة مقدرة في الألف، ومنصوب بفتحة مقدرة، وإنما استثنى الجزم لأنه ظاهر في آخر يخشى؛ لأنه بالحذف للألف لا بتقدير السكون حسب ما نذكره/ وأما ما آخره واو وياء فيختلف فيه حكم الرفع والنصب، فإن النصب يظهر فيه فتقول: لن يغزو، ولن يرمي، لخفة الفتحة على الواو والياء، وذلك قوله: (وأبدِ نصبَ ما كيدعو يرمي) أبدِ معناه: أظهر، و"ما" موصلة، صلتها الجار والمجرور، وأراد ويرمي فحذف العاطف ضرورة، وقد جاء قليلًا، ومنه في الشعر ما أنشده ابن جنِّي من قوله:

стр. 233

كيف أصبحت كيف أمسيت مما ... يغرس الود في فؤادِ الكريمِ أراد وكيف أمسيت، ومعنى الكلام أظهرِ النصب فيما آخره واو كيدعو وما آخره ياء كيرمي، وأما الرفع فينوي فيهما، كما ينوي في الألف وذلك قوله: (والرفع فيهما انوِ) والضمير المجرور يعود على ما كيدعو وما كيرمي، وإنما نُوي فيهما لاستثقال ظهوره فيهما لو قلت: يغزوُ ويرميُ، ولو اضطر شاعر إلى الإظهار لجاز، كما يجوز في الأسماء، بخلاف الألف. وقوله: (والرفع) منصوب بانوِ، أي: انو الرفع فيهما، ويقال: نويتُ الشيء نيةً ونويةً ونواةً: إذا قصدته بنيتك، فمعنى انو فيه غير الجزم، أي: اقصد فيه قصد الرفع والنصب في نيتك إذ ذاك غير ملفوظ به. وكذا قوله: (والرفع فيهما انوِ) أي اقصده في نيتك في الواو والياء. ويقال: بدا الشيء يبدو بُدُوًا: إذا ظهر، وابتديته أنا أي: أظهرته، ومنه قول الله تعالى: ﴿بادي الرأي﴾ أي: في ظاهر الرأي يحكي كلام قوم نوح ﵇، فيريد بقوله: (أبدِ نصبَ) كذا، أي أظهره، ولا تقدره، كما تقدر الرفع، ثم قال: (واحذف جازمًا ثلاثهن) "جازمًا" حالٌ من الضمير في احذف، أي: احذف ثلاثهن، حالة كونك جازمًا لهنَّ، ولا يكون ثلاثهن منصوبًا بـ "جازمًا" أصلًا، بل باحذف لأنه الطالب له، وأما "جازمًا" فإنما هو طالبٌ من جهة معناه، لما آخره من ألف أو واو أو ياء، وهو الذي يسمى

стр. 234

معتلا ويعني بالثلاث: الألف والواو والياء، وضمير "هن" عائد على الأحرف كأنه قال: احذف ثلاث الأحرف وأتى بالثلاث على التأنيث، ولم يقل: ثلاثتهن، وهي مذكرة اعتبارا بتأنيثها لثبوت الاعتبارين فيها، وقد اعتبر التذكير في الألف في قوله: (فاللف انو فيه) ولم يقل فيها، ومن التذكير فيها في اللغة ما أنشده سيبويه من قوله: كافا وميمين وسينا طاسما وأنشد في التأنيث فيها: كما بينت كاف تلوح وميمها وعادة الناظم ألا يبالي بها في التزام تذكير أو تأنيث، بل يأتي بها كذا مرة، وكذا مرة، على حسب ما يتأتى له في هذا النظم، وذلك قريب، وإنما حذفت هذه الأحرف في الجزم ليخالف الجزم الرفع، لأنه لما كان الرفع بالحركة وهو الأصل فيها، ثم استثقلت فبقي لفظ الواو والياء ساكنا كرهوا أن ينووا السكون فيهما، فيبقى اللفظ في الجزم كما كان في رفع، فحذفوهما، وعلل ذلك الفارسي في "التذكرة" بأن الياء والواو أجريت في الفعل مجرى الزوائد كالنون في يضربان ونحوه وكالحركات، كما

стр. 235

أجريت مجرى الزيادات في القوافي حيث جعلت حرف الإطلاق وسوى بينهما وبين الحرف الزائد حقيقة فقيل: ولأنك تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفر ثم قال: والستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر فعومل الياءان معاملة واحدة في الحذف، كما يحذف الزائد، فكذلك جعلت هنا بمنزلة الزائد فحذفت للجزم، والألف في هذا محمولة على الواو والياء في الحكم، وكأن تعليل الفارسي مقو لتعليل الأول، وهو الذي نحا إليه سيبويه. وقوله: (تقض حكما لازما) تقض: مضارع قضى الرجل قضاء، أي: حكم وهو متعد بالباء، تقول: قضى لي بحقى، أو حكم به لي، فإما أن يكون المتعدي إليه هو وقله: (حكما) وكان الأصل تقض بحكم لازم، إلا أنه حذف الجار فنصب كما قال: تمرون الديار ولن تعوجوا وإما أن يكون غير مذكور، ونصب "حكما" نصب المصدر بـ "تقض"، لأنه في معناه ومرادف له كما تقول: ذهبت انطلاقا، وانطلقت ذهابا، وجلست

стр. 236

قعودًا، ومنه قول امرئ القيس: ويوما على ظهر الكثيب تعذرت ... عليّ وآلت حلفة لم تحلل أي: حلفت / حلفة، فكذلك قول الناظم: (تقض حكما لازما) أي: تحكم حكما، أو تقض قضاء لازما، وأراد بهذا الكلام: أن حذف حرف العلة من آخر الفعل للجازم أمر لابد منه، يعني في القياس، فإن السماع لا يلزم فيه هذا. فإن قلت: هذا الكلام فضل لا حاجة به إليه، لأن قوله: (واحذف جازما ثلاثتهن) يفهم منه لزوم هذا الحكم، بالحذف إذ لم يذكر خلافه ولا في السماع ما يتوهم فيه القياس فتحصل أن قوله: (تقض حكما لازما) لا فائدة فيه. فالجواب: أنه لا فائدة ظاهرة، وذلك أن مخالفة هذا الحكم جاءت على ضربين: أحدهما: جاء في الشعر والآخر جاء في الكلام، فمن الجائي في الشعر قوله:

стр. 237

إذا العجوز غضبت فطلق ... ولا ترضاها ولا تملق فقدر الجزم في الألف، فلذلك لم يحذفها، ومثل ذلك قول عبد يغوث بن وقاص الحارثي: وتضحك مني شيخة عبشمية ... كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا ومثل ذلك في الياء قول قيس بن زهير -أنشده شيبويه-: ألم يأتيكَ والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بني زياد وفي الواو قول الآخر: هجوت زبان ثم جئت معتذرا ... من هجو زبان لم تهجو ولم تدع ومما جاء في الكلام قول الله تعالى: ((لا تخف دركا ولا تخشى)) على

стр. 238

قراءة حمزة، وقوله: ((إنه من يتق ويصبر)) بإثبات الياء في رواية قنبل عن ابن كثير، وإذا كان كذلك فقد يقول القائل: إن هذا مما يجوز القياس عليه لمجيئه في فصيح الكلام المنثور وتقويته بالمنظوم لا سيما على مذهب المؤلف في أمرين: أحدهما: اعتبار ما جاء في القرآن والقياس عليه -وإن قل- كمسألة الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمعمول المضاف، ومسألة تحقيق الهمزتين في أئمة، حسب ما يتفسر في موضعه إلى غير ذلك من اعتباره لما جاء في القرآن وقياسه عليه. والثاني: اعتباره لما جاء في الشعر معاملة الآتي في الكلام، إذا كان الشعر لا ينكسر مع زوال الضرورة، كما في قوله: *ولا ترضاها ولا تملق* إذ الشاعر متمكن من الجزم بالحذف، فيقول: "ولا ترضاها" فيكون الشعر مخبونا، فكأنه أثبت الألف غير مضطر، ومثله قوله: *ألم يأتيك والأنباء تنمى* لجواز حذف الياء فيصير منقوصا وهو جائز وإن كان قبيحا في باب الزحاف، ومثله قوله: "لم تهجو ولم تدع" لجواز حذف الواو فيكون مطويا فقد ترشح على هذا القول بالقياس، فلما كان الأمر على هذا، وكان السماع

стр. 239

موهمًا لإثبات خلاف ما نص عليه، نفي هذا الإيهام، وصرح بأن ما نص عليه هو اللازم، وما عداه غير معتبر في القياس، ولا معول عليه، لأن مجيء هذا الضرب في الشعر لم يكثر، وأيضًا فجميع الأبيات محتمل لإشباع الحركات ضرورة كما أشبع الضمة في ظاء "انظر" من قال: وأنني حيث ما يثني الهوى بصري ... من حوث ما سلكوا أدنو فأنظور أنشده الفارسي، وكما أشبع فتحة: "منتزح" ابن هرمة حيث قال: فأنت من الغوائل حين ترمي ... ومن ذم الرجال بمنتزاح وكما أشبع الكسرة في الدراهيم "و" الصيارف" الفرزدق حيث قال: -أنشده سيبويه-. تنفي يداها الحصى في كل هاجرةٍ ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف

стр. 240

وقد أجاز ذلك ابن خروف في بيت قيس بن زهير: "ألم يأتيك" البيت والجواز سارٍ في الجميع، فإذا احتملت الأبيات هذا لم يكن فيها دليل. وأما آية "طه" فتحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون تخشى مستأنفًا، أي: وأنت لا تخشى. والثاني: أن تكون الألف للإطلاق في الفاصلة كقوله: "الظنونا"، و"الرسولا"، و"السبيلا". وأما آية "يوسف" فتحتمل أن تكون (مَن) فيها موصلة و (يتَّقي) مرفوع في صلتها (ويصبر) معطوف عليه، وإنما سكن تخفيفًا كأنه عُدَّ "بِرُفَ" من ﴿يصبر فإن﴾ كبناء على فعل فسكن لذلك، كما قال امرؤ القيس في نحو ذلك: فاليوم أشرب غير مستحقبٍ ... إثمًا من الله ولا واغل فإذا ثبت هذا في تلك الشواهد لم يكن فيها دليل على ثبوت الجزم بتقدير حذف الحركة سماعًا، فأحرى ألا يثبت بها كون ذلك قياسًا، فلذلك قال: (تقضِ حُكمًا لازمًا) والله أعلم، أي: أن الحذف هو الحكم اللازم الذي لابد منه على كل حالٍ، وهذا حسن من الاعتبار، وبالله التوفيق. ?

стр. 241

النكرة والمعرفة هذه هي المقدمة الثانية من المقدمتين اللتين لابد من ذكرهما قبل الشروع في الأحكام التركيبية، وهي معرفة المعرفة من الأسماء والنكرة، والتعريف بكل واحد منهما. وتقسيم ما ينقسم منهما وبيان كل قسم، وذلك أن الفائدة إنما تحصل في الغالب بالمعرفة لا بالنكرة من حيث كان الإخبار عن الشيء ثنيًا عن معرفة ذلك الشيء. فإذا قلت: تكلم زيدٌ، حصلت به فائدةٌ. فإن قلت تكلم إنسانٌ، لم يفد شيئًا، إذ لا يخلو الوجود من إنسان يتكلم، فقد كان هذا المعنى حاصلًا قبل الكلام به، فلم يفد الإخبار بذلك فائدة زائدة، وكذلك إذا قلت: زيدٌ قائمٌ، حصلت للمخاطب فائدة، فلو: قلت رجلٌ قائمٌ، لم يفد شيئًا، فلما كان الأمر هكذا وكانت الإفادة في الغالب لا تحصل إلا مع المعرفة، والنكرة بضد ذلك، وأيضًا فقد تقع النكرة في موضع لا تقع فيه المعرفة، وقد تحصل الفائدة بالنكرة على خلاف ما تحصل بالمعرفة افتقر إلى بيان هذين النوعين لينبني حكم الإفادة على ذلك، فأخذ الناظم ﵀ في ذكر ذلك ليصل الناظر إلى أحكام الجمل المفيدة بعد تحصيل ما يكون به الإخبار مفيدًا مما ليس كذلك، ثم إن النكرة لا تنحصر أنواعها، لكن قد تعرف

стр. 242

بالرسم والمعرفة تنحصر أنواعها فأتى للنكرة برسم جامع مانع يميزها عن المعرفة. ثم أتى بالمعرفة وأنواعها فقال: نكرةٌ قابل "أل" مؤثرا ... أو واقع موقع ما قد ذُكِرا وغيره معرفةٌ كهم وذي ... وهندَ وابني والغلامِ والَّذي "أل" هي الألف واللام والقابل لها هو ما يصح دخولها عليه، فرجل وفرس ونحوهما يصح دخول الألف واللام عليها، فهي إذًا نكراتٌ، وقد اقتصر بعضهم على تعريف النكرة بما يصلح أن تدخله "أل" لكن هذا التعريف غير جامعٍ ولا مانعٍ، أما كونه غير جامعٍ؛ فلأنه يخرج عنه كثير من النكرات نحو: أين وكيف و "أفعل" التفضيل إذا كان معه "من" لفظًا أو تقديرًا، ومن وما الاستفهاميتين، فإنهما أيضًا نكرتان عند الجمهور خلافًا لابن كيسان فهذه الأشياء وأشباهها نكرات مع أنها لا تصلح أن تدخلها الألف واللام. وأما كونه غير مانع فلأن كثيرًا من المعارف تدخل عليها الألف واللام كحارثٍ وعباسٍ وحسنٍ وفضلٍ، فإنك تقول: الحرثُ والعباسُ والفضلُ والحسنُ وليست بنكرات اتفاقًا، وكذلك ما دخل عليه الألف واللام الزائدتان من المعارف كقوله: *باعدَ أمَّ العَمرِو من أسيرِها*

стр. 243

وقولِ الآخرِ: *رأيتُ الوليدَ بن اليَزِيدِ مُباركًا* وقولِ الآخرِ: *ولقد نهيتك عن بنات الأوير* ومن ذلك كثيرٌ' فاقتضى أن هذه الأشياء نكراتٌ، بسبب صلاحية دخول الألف واللام عليها، وليس كذلك، وأيضًا إن سُلم ما قال ففي بعض أقسام الألف واللام لا في جميعها، فإن الزائدة غير معرفةٍ بما قال، فإذا دخلت على النكرة لم تدل على تنكيره فلا يقال: إن نفسًا من قولكَ: طبت نفسًا نكرةٌ بدليل قوله:

стр. 244

صددت وطبت النفس يا قيس عن عمرو لأن الألف والام هنا زائدة، والزائدة غير مختصة بالدخول على النكرة، وإنما تختص بالمعرفة فكان هذا التعريف معترضا فلما كان كذلك استظهر الناظم على الثاني قوله: (مؤثرا) وهو حال من "أل" أي: حالة كون "أل" (مؤثرا) فيما دخل عليه، فرجل ونحوه أثر فيه "أل" التعريف بخلاف الفضل ونحوه، فإنه لم يؤثر فيه تعريفا، بل إنما دخل عليه لمعنى آخر غير التعريف وهو لمح الصفة، وبهذا القيد أيضا خرج "أل" الزائدة، فإنه حرف لا يؤثر فيما دخل عليه تعريفا، فلم يكن معتبرا في هذا التعريف، وأدخل الأول بقوله: (أو واقع موقع ما قد نكرا) "فواقع" معطوف على "قابل"، "وما" موصولة وما بعدها صلتها، وهي واقعة على قابل، "وما" وما بعدها في موضع ضمير، كأنه قال: أو واقع موقعه، أي: موقع القابل، ويريد أن النكرة ما قبل "أل" أو وقع موقع ما قبلها إذا لم يقبلها بنفسه، فـ "أين" و "كيف" يقع موقعهما ما يقبل "أل" وإن كانا لا يقبلانها بأنفسهما، فـ "أين" معناها في أي مكان، و "كيف" معناها على أي حال، ومكان وحال قابلان لـ "أل" إذا قلت: المكان والحال، وكذلك أفعل من لوقوعها صفة للنكرة في موضع فاعل، وفاعل يقبل الألف واللام أعني المؤثر وكذلك "من" و "ما" الاستفهاميتان إذا قلت: من زيد؟

стр. 245

فالتقدير: أي رجل زيد؟ وما هذا، معناه: أي شيء هذا؟ ورجل وشيء يقبلان اللف واللام المؤثرة فجميع هذه الأشياء نكرات لوقوعها موقع القابل، فتلخص هـ التعريف جامعا مانعا، وهو تعريف حسن، إلا أن فيه إشكالا من أوجه ثلاثة: أحدها: أن الحارث والعباس والفضل وبابها إذا كانت بغير ألف ولام أعلام كزيد وعمرو، فتعريفها تعريف العلمية المحضة، فإذا دخلت عليها الألف واللام فلم تدخل عليها وهي أعلام، بل تقدير تنكيرها لتكون الألف واللام مشعرة بأصلها من الصفة، فإذا دخول الألف واللام عليها كدخولها على القائم والقاد وبابه، وهذا معنى ما ذكر سيبويه قال: وزعم الخليل ﵀ أن الذين قالوا: الحارث والحسن والعباس إنما أرادوا أن يجعلوا الرجل هو الشيء بعينه، يعني أن يكون لفظه موافقا لمعنى الصفة فيه، ولم يجعلوه سمي به ولكنهم جعلوه كأنه وصف له غلب عليه، ومن قال: حارث وعباس فهو يجريه مجرى زيد، فهذا انص سيبويه على ما ذكرته، فإذ ثبت هذا فقول الناظم: "مؤثرا" لا يخرج له حارثا وعباسا وبابه؛ لأن "أل" قد أثرت فيه معنى التعريف تقديرا ولمح الصفة فصار التعريف مشكلا. والثاني: أن قوله: (أو واقع موقع ما قد ذكرا) إن كان يدخل له به "أين" و "كيف" ما ذكر معهما فلا يدخل له فيه الأسماء التي لم تستعمل إلا في النفي نحو: ديار وكتيع وعريب، لأنها كلها واقعة موقع أحد، وأحد لا يقبل "أل"؛ لأنك تقول: ما جاءني

стр. 246

الأحد، وذلك إذا لم يكن بمعنى واحد، فإنه إذا كان بمعنى واحد كأحد في أحد عشر، فليس المستعمل في النفي فإذا لا يدخل له باب ديار وعريب تحت قوله: (أو واقع موقع ما قد ذكرا) ولا تحت قوله: (قابل أل) إذ ليست بقابلة لـ "أل" مع أنها نكرات بإجماع، فكان هذا التعريف غير جامع. والثالث: أن يقال: إن كان يخرج له بقوله: (قابل أل) العلم الجنسي، كما يخرج له العلم الشخصي، فإن قوله: (أو واقع موقع ما قد ذكرا) يدخل عليه العلم الجنسي، لأن معناه معنى النكرة، فأسامة وثعالة ونحوهما معارف لفظا، ولكن معانيها معاني النكرات، إذ كان أسامة مرادفا للأسد، وثعالة مرادف للثعلب، وقد نص على ذلك الناظم في باب العلم حيث قال: ووضعوا لبعض الأجناس علم ... كعلم الأشخاص لفظا وهو عم فأسد إذا صلح وقوعه موقع أسامة، وثعلب إذا صلح وقوعه موقع ثعالة وهما قابلان للألف واللام يؤدي ذلك إلى اعتقاد كون أسامة وثعالة نكرتين إعمالا لقوله: (أو واقع موقع ما قد ذكرا) وهذا غير صحيح، فكان كلامه على إطلاقه غير صحيح. والجواب عن الأول: أن الألف اللام في الحارث والعباس ونحوهما لم يؤثر في محصول الأمر زيادة على ما كان في الأسماء قبل دخولا، وإنما كانت قبل دخولها دالة على معين، وذلك حاصل بعد دخولها وإنما حقيقة تأثيرها أن تؤثر تعريفا فيما لم يكن فيه تعريف وباب الحارث والعباس ليس

стр. 247

كذلك، إذ لم تؤثر فيه ما ليس فيه، وأمل لمح الصفة فأمر زائد على معناها من التعريف الموجود قبل دخول "أل" وبعد ذلك، فلا يعترض عليه بذلك. وعن الثاني: أن باب ديار وكتيع ليس بواقع موقع أحد على الخصوص بل أحد وكتيع وديار ونحوها واقعة موقع ما يقبل "أل" وهو مثلا رجل أو حي أو ساكن أو نحو ذلك، فقد دخل له هذا الباب بقوله: (أو واقع موقع ما قد ذكرا). وعن الثالث: أن باب العلم الجنسي قليل، وعلى خالف الأصل في العلمية، فلم يعتبروه لذلك، ولأجل أنه على خلاف الأصل زعم عضهم أن بينه وبين النكرة فرقا من جهة أن العلم الجنسي وضعه أولا على نفسها كزيد في الخارج بخلاف النكرة؛ فإنها موضوعة لواحد مما في الخارج لا بعينه فافترقا، وليس هذا الوجه بجار على مذهب الناظم في ظاهر لفظه حسب ما يأتي في باب العلم إن شاء الله تعالى. ثم قال: (وغيره معرفة) الضمير عائد على النكرة باعتبار موصوف محذوف مذكر على تقدير أن لو قال: اسم نكرة قابل أل ولذلك جرى عليها قابل وواقع كجرينها على المذكر، ويجوز أن يكون عائدا على قابل وواقع كجريانها على المذكر، ويجوز أن يكون عائدا على قابل وواقع، ويعتبر ما عدا ذكر التعريف به هو المعرفة، ثم أتى بأنواع المعرفة مشيرا إليها بالتمثيل، وهي عنده في هذا النظم ستة أنواع: المضمر: وهو الذي أشار إليه بقوله: (كهم) واسم الإشارة: وهو المشار إليه (بذى) الذي يشار به إلى المفرد المؤنث القريب،

стр. 248

والعلم: وإليه أشار بقوله: (وهند)، والمضاف غلى معرفة محضة، فإن المضاف ليس بمعرفة على الإطلاق، بل شرط الإضافة إلى معرفة، وليس كل مضاف إلى عرفة يكون معرفة يكون معرفة إلا بشرط أن تكون الإضافة محضة، وهذا كله منبه عليه بقوله: (وابني)، والمعرف بالألف واللام: بشرط أن تكون غير زائدة، فإنها إن كانت الزائدة لم تقد تعريفا فليس ما دخلت عليه بمستفيد بها تعريفا، كما سيأتي وقد بين هذا الشرط تمثيله لهذا النوع قوله: (والغلام)، والموصول: وهو الذي نبه عليه بمثال: (الذي). ثم يتعلق بهذا الكلام ثلاث مسائل: إحداها: أنه لم يذكر مراتب المعارف في التعريف، وقد جعل لها في "التسهيل" ست مراتب، فأعلاها ضمير المتكلم، ثم ضمير المخاطب، ثم العلم، ثم ضمير الغائب السالم عن إبهام، ثم المشار به، ثم الموصول وذو الألف واللام، وأما المضاف فبحسب المضاف غليه مطلقا عنده، هذه مراتبها في الأصل في مذهبه، وقد يعرض لها غير ذلك. وهي عند غيره أربع مراتب، فأعلاها: المضمرات، ثم الأعلام ثم المبهمات، ثم ذو الألف واللام والمضاف بحسب المضاف إلى المضمر، فإنه في رتبة العلم، بحسب المضاف إليه، إلا المضاف إلى المضمر، فإنه في رتبة العلم، وهذا الترتيب الثاني هو المشهور من مذهب أهل البصرة وللكوفيين ترتيب آخر فكان من حق الناظم أن يبين مراتبها، للاضطرار إليها في باب النعت، إذ المعرفة من الأسماء لا ينعت بكل معرفة، وإنما ينعت بما كان في رتبته أو دون رتبته، لا بما هو فوق رتبته

стр. 249

بخلاف النكرة. فإنها لا يلزم فيها هذا المعنى، بل تُنعت النكرة بكل نكرةٍ كانت أعم منها أو أخص كما تقول: رجلٌ أبيض، وحيوانٌ ناطق، ولهذا لم يعتن النحويون بذكر مراتب النكرات في التنكير، كما اعتنوا بذكرِ مراتب المعرفة في التعريف. والعذرُ عن الناظم أنه قد استقر من مذهبه أنَّ النعت لا يلزم فيه أن يكون في رتبة المنعوت، أو أدنى منه، بل قد يكون فائقًا له في الرتبة وهو رأي الفرّاء، وحكاه المؤلف عن الشلويين، وأنه صححه وسينبه عليه في باب النعت، إن شاء الله تعالى وإذا كان كذلك لم يلزمه ذكر المراتب، كما لم يلزمه ذلك ولا غيره في التنكير. والثانية: أنه أسقط من المعارف مما ذكره هو وغيره بعض أنواعها وزاد فيها ما لم يزد غيره، أما ما نقص منها فالمنادي المقصود نحو: يا رجل، فإنه معرفةٌ وليس بواحدٍ مما ذكر، ولذلك عدّه في "التسهيل" نوعًا سابعًا، واسم الفعل نحو: صه وإيهٍ ونزال، فإنها معارف إذا لم تنون، ونكراتٌ إذا نوّنت كما ذكر في بابه، ويظهر أنها ليست مما عده وألفاظ التوكيد معارفُ أيضًا نحو: أجمع

стр. 250

وجمعاء وأجمعين وجُمع، وكذلك "سَحر" من يوم بعينه نحو: جئتك يوم الجمعةِ سحر، وما أشبهه من ضُحى وضَحوة وعَشية وعتمة ونحوها، إذا كانت من يوم بعينه، فكان ينبغي للنّاظم أن يعدّ هذه الأشياء لما ظهر من أنها ليست مما ذكر، مع أنها معارف. وأما ما زاد فالموصول ولم يذكره سيبويه في جملة المعارف حين تصدى لحصرها ووجَه ذلك ابن خروف بأن تعريفها إنما هو بالألف واللام، واجتزئ بإظهارها في الذي ونحوه من إظهارها في غيره "من" و "ما" و "أيّ" كما اجتزئ بالصفة به، وأبطل قول من زعم أنها معارف بالصلات، فإن الصلات جملٌ، والجمل في معنى النكرات، وأيضًا فقد تكون صفات وهي نكرات أعني الجمل، والنكرة في نفسه لا يكون لغيره مُعرفًا. والدليل على أن تعريفها إنما هو بالألف واللام أن ما هي فيه لا تكون نكرةً البتة، بخلاف ما ليست فيه، فإنه قد يكون نكرة كـ "من" و "ما" و "أيّ" فإذا لم تقدّر فيها الألف واللام فالتنكير فيها موجود، وإذا قدرت ساوت "الذي" و "التي"، فظهر أن تعديد الناظم قاصرٌ. والعذر عنه أن يقال: أما المُنادي فالاعتراض به مبني على أن تعريفه بالقصد إليه، والإقبال عليه، وليس ذلك بمتفق عليه، لقول طائفة بأن تعريفه بتقدير الألف واللام، كأنها حذفت لفظًا وبقي معناها كما يبقى معنى الإضافة مع حذف المضاف إليه في نحو قول الله تعالى: ((وكلًا نقص
следующие страницы →