لأنا نقول: ذلك غيرُ معتبرٍ من وجهين:
أحدهما: أن العلَّةَ إذا وُجِدت، وَوَجْهَ القياس إذا ظهر، لا يعتبر إلا مع شياع السماع، أو كونه في قوة الشائع لعدم المعارض، كما تقدم، وهذا ليس كذلك.
والثاني: أنَّ هذا لو كان مراعىً عندهم لَكَثُرَ في كلامهم كما كثر تقديم (١) المنصوب على المرفوع في غير المضاف.
ولا يلزم من عدم القول بالقياس في هذه الأشياء الواقعة في القرآن الكريم أن يكون عَدَمَ مراعاةٍ للفظ القرآن أو إخراجاً له عن الفصاحة أو نحو ذلك، كما يَظُن من لا تحقيق له! بل هو في أعلى الدرجاتِ في الفصاحة، لكنه لم يكثر مثلُه فيقاس عليه. وعلى هذا بنى سيبويه والمحقِّقُون، هذا الصواب، ولكن ابن مالك رُبَّما أهمل هذه القاعدة كما فعل هنا، ولعله يقع التنبيه على بعض مواضعَ من هذا النوع إن شاء الله. وقد خرجنا عن المقصود الأصلي لعارضٍ عَرَضَ فَلْنرجِعْ.
فإن تخلَّف أحدُ الشروط المتقدمة لم يَجُزِ الفصل بين المضاف والمضاف إليه قياساً على مقتضى كلام الناظم، فلو كان المضافُ غير شبيه بالفعل لكان الفاصل أجنبياً منهما، فلم يصحَّ أن يقع بينهما. وكذلك إذا لم يكن الفاصل معمولاً للمضافِ، وإن كان المضافُ شبيهاً بالفعل. ومذلك لو كان الفاصلُ مرفوعاً، لأنه عند ذلك متمكِّن في موضعه؛ إذ كان له رتبة التقديم على المضاف إليه، فكان الفصل به فصلاً حقيقةً، فاستُكرِه الفصلُ لذلك، فإذا قلت: أعجبني غلامُ في الدار زيدٍ، لم يجز، وكذلك لو قلت: أعجبني ضاربُ عندك زيدٍ، أو قلت: أعجبني ضربُ زيدٌ عمروٍ، أو: الضاربُ أبوه الغلامِ.
стр. 2172
وما جاء مما خالف القاعدة فسماعٌ إلا الفصل باليمين فإن ظاهر كلامه هنا إجازته قياساً، لقوله: ((ولم يُعَبْ فصلُ يمين))، وهو الموضع الثاني من موضِعَي الفصل القياسيّ، يعني أنّ الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالقسم لم يعيبوه حتى لا يجئَ إلا في ضرورة الشعر، بل استسْهلوا أمره، ففصلوا به في الكلام لكن قليلا، فحكى الكسائي/: هذا غلامُ-واللهِ-زيدٍ (١)، ونُقِل ... ٤١٣ عن أبي عٌبيدة أنه حكى: ((إِنَّ الشاة تسمعُ صوتَ -والله-رَبِّها فتقبلُ إليه وتَثْغُو (١)))، وحكاه ابنُ خروفٍ عنه أنه سمع ابا الدُّقَيش يقول: ((إن الشاة تسمع صَوْتَ-قد عَلِمَ الله- رَبِّها، فتقبل إليه وتثغُو)). وهذا قسمٌ أيضاً، كما فَصلوا بين حرفِ الجرّ ومجروره بالقسم أيضاً، حكاه الكسائي في الاختيار، نحو: اشتريته بِوَالله درهمٍ، فتقول على هذا قياساً: رأيت غلام-والله-زيدٍ، وأتيت بعدَ -لعمروُ الله-عمروٍ، ونحو ذلك. ووجهُ استسهال الأمر في فصل القسم خصوصاً، حتى لم يشترطوا فيه شرطاً، أَنَّ العرب استعملته على جهة التأكيد زائداً على أصل معنى الكلام، كالجلة المعترضة في أثنائه، فكأنه لا فصل ثَمَّةَ، ولذلك وقع بين إِذَنْ ومنصوبها فلم يُعَدَّ فَصْلا، ولم يمنعها أن تُؤَثّر في الفعلِ فتنصبَه، فقالوا: إذنْ-والله-أكرمَك.
وهذا الموضعُ ممّا خالف فيه الجمهور من النحويين كالموضع الأول، فإن الفصل بين المضاف والمضاف إليه ممتنع في القياس عندهم بإطلاقٍ. ووجْهُ مذهب الناظم قد مرَّ آنفاً، مع أن السماع-وإن لم يكثر-فقد جاء منه ما يُمكن القياسُ عليه، وقد حَكى (٢) الكسائي ذلك في الاختيار فيما هو
стр. 2173
أشدّ، وذلك حرفُ الجرّ والمجرور؛ فإن الحرف أشدُّ طلباً للاتصال بمجروره من الاسم، فالاسم أحرى بالجواز. وأيضاً فقد زعم أبو عُبيدة أن من شأن العرب أنهم ينقُلون المضافَ إليه الذي موضعُه إلى جنب المضاف الأول، فيؤخِّرونه ويُقدِّمون بينه وبين المضاف الأول كلاماً، ثم لا يُغَيِّر ذلك معناه ولا إعرابه عن حاله إذا احتاجوا إلى ذلك. ,انشد على ذلك جملة أبيات، وحكى كلام أبي الدُّقَيش، فهذا كله مؤنسٌ بوجوده في النظم والنثر على الجملة، أعني الفصل على الجملة. وكونُ الفاصلِ هو القسمُ أسهلُ من غيره، فكان القول (١) بالقياس فيه صحيحاً على هذا الترتيب.
وفي إطلاقه القياس في الموضعين نظرٌ من جهة أنه يقتضي جواز الفصل بإطلاق، كان المضافُ إليه ظاهراً أو مضمراً؛ أمّا الفصل مع كونه ظاهراً فمسلَّمٌ على ما قال، وأمّا مع كونه مضمراً فغيرُ مساَّم، لأنّ ضمير الجرِّ متصل أبداً فلا ينفصل البتَّة، ولا ينوبُ عنه في الفصلِ ضميرُ رفعٍ ولا نصبٍ، كما ناب في نحو [قوله (٢)]:
ولم يَأْسِرْ كإيَّاك آسِرُ (٣)
وقولهم: ما انت كأنا (٤). فكان من حقِّه أن يتحرَّزَ من ذلك.
стр. 2174
وكذلك يقتضي أيضاً جوازَ الفصل بالقسم إذا كان المضاف إليه جملة، نحو جئت يوم قام زيدٌ، وحين زيد قائم، [(١) فتقول: جئت يوم-والله-قام زيد، وحين-والله-زيدٌ قائم (١)]. وجوازُ مثل هذا بعيدٌ؛ إذ لم يسمع مثلُه، ولا يقاسُ إلا على مسموع.
والجواب عن الأول: أن حكم الضمائر المتصلة مأخوذٌ من بابه، فلم يحتج إلى ذكره ههنا، وعن الثاني من وجهين، أحدهما: أن كلامه في أصل الإضافة، والأصل فيها أن يكون المضاف إليه مفرداً لا جملة. والثاني: على تسليم أنه أطلق القول قصداً، فلا مانع من الفصل وإن كان المضاف إليه جملةً، بناءً على القياس في أصل المسألة، فإنه إذا ثبت إجراء القياس كان تخصيصُ بعض المواضع دون سائرها تحكّماً بغير دليل.
فإن قيل: لا يُقاس إلاّ على مسموع/ ولا سماعَ هنا ... ٤١٤
قيل: قد ثبت السماع على الجملة، ولم يكن الفصلُ ممتنعاً في الأصل من جهة وصفٍ في المضاف إليه، من كونه مفرداً أو جملة، بل من جهة أنه وقع من المضاف موقع التنوين، فالمفرد والجملة في ذلك سواء، فإذا جاز الفصلُ بينهما في بعض المواضع، إمّا لكون المضافِ إليه في الحكم لم يقع موقع التنوين لكونه منصوباً به تقديراً كالموضع الأول، وإمّا لكون الفاصل كالمعدوم حكماً كالموضع الثاني، فلا فرقَ بين المفرد والجملة في جواز الفصلِ أو منعه. وهذا واضحٌ.
ثم رجع الناظمُ إلى التنبيه على ما نُقِل مخالفاً لما أَصَّل ولم تتوفَّر فيه شروطُ الجواز، فقال: ((واضطراراً وُجِدا بأجنبيٍّ))، إلى آخره، يعني
стр. 2175
إن الفصل بين المضاف والمضاف إليه إذا لم تُوجَد الشروطُ المذكورة، ولا الفصل بالقسم، قد وجُد في الشعر في حالة الاضطرار، وذلك الفصلُ بالأجنبي، وهو الذي لم يتعلق بالمضافِ ولا كان نعتاً له، ولا كان نداءً، وبالنعت وبالنداء، وأراد النعتِ ونعتَ المضافِ، وبالنداء مع المنادي؛ فإن حقيقة النداء هي التصويتُ بالمنادى، وذلك راجعٌ إلى الحرف المصَّوت به. ولم يقع الفصلُ به إلا مع المنادى، فلابُدَّ أن يُفسَر بهذا، أو يكون على حَذْف مضافٍ، أي: أو ذى نداء.
فأما الفصل بالأجنبيِّ فنحو قول عَمرو بن قميئةَ، من أبيات الكتاب:
لما رَأَتْ ساتيد ما استعبَرَتْ
لله درُّ-اليومَ-مَنْ لاَمَها (١)
فاليوم أجنبيّ من ((دَرّ))، لأن العامل فيه ((لامها)). وأنشد لأبي حيَّة النُّميري (٢):
كما خُطَّ الكتابُ بِكفِّ يوماً
يَهُودِيٍّ، يُقَارِبُ أو يزِيلُ
فالعامل في ((يوماً)) خُطَّ. وأنشد أيضاً لذي الرمَّة (٣):
стр. 2176
كأن أَصواتَ-من إيغالِهِنَّ بنا-
اواخِر الميس أصواتُ الفراريج
وأنشد ايضاً لِدُرْنَى بنتِ عَبْعَبة (١):
هما أَخَوَا-في الحرب- من لا أَخاله
إذا خافَ يوماً نبوةً فَدَعَاهُما
وقال ذو الرّمّة (٢):
نَضَا البُرْدَ عنه وَهْوَ ذُو-مِنْ جُنُونه-
أجارىَّ مِنْ تَسهاكِ صَوْتٍ صُلاصِلِ
стр. 2177
وأنشد ابن جني (١):
فأصبَحَتْ بعد-خَطَّ-بهجتِها
كأن قَفْرتً رسُوُمَها قلَما
وأما الفصلُ بالنعت، وهو نعتُ المضاف، فنحو قول الشاعر يخاطب معاوية رضى الله عنه (٢):
نجوتَ وقد بلَّ المرادىُّ سَيْفَه
من أبي شيخِ الأباطحِ-طالبِ
أراد: ابن أبي طالبٍ شيخ الأباطح، وابن أبي طالب هو عليّ ﵁:
وقال الفرزدق (٣):
وَلَئِن حلفتُ على يديك لأحِلفَنْ
بيمين- أصدق من يمينك- مقسمِ
اي: بيمين مُقسِمٍ أصدقَ من يمينك.
وأما الفصل بالنداء فنحو ما أنشده ابن جني وغيره (٤):
стр. 2178
كأنَّ برذون-أبا عصامِ-
زيدٍ حمار دقّ باللجامِ
وَيَردُ على الناظم سؤال من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه قصد هنا الإتيان بما يخالف الشروط، فكان من حقِّه أن يأتي لكل شرطٍ خُولِفَ بمثالٍ من السماع، لكنه لم يفعل، وإنما أتى بالأمثلة للفصل بما ليس بمعمولٍ للمضافِ، وهو الأجنبي، وترك غير ذلك، مع أنه قد وُجِد الفصلُ بما ليس بمنصوبٍ، بل بمرفوع، وهو معمول للمضاف/ أو لغيره، فالمعمول للمضاف قولُ الراجز (١): ... ٤١٥
ما إِنْ وَجَدْنا للهوى منِ طبِّ
ولا جَهِلْنا قَهْرَ وَجْدٌ صَبِّ
والمعمول لغيره ما أنشده الفارسيُّ من قول الشاعر (٢):
أَنْجَبَ أيامَ- والداه به-
إِذْ نَجَلاه، فنِعْمَ ما نَجَلا
على تأويل: أيام إذ نجلاه، ووالداه: فاعل أنجب. وهو أظهر
стр. 2179
التأويلين في البيت. وكذلك قولُ الآخر، في أظهر التأويلين (١):
تَمُرُّ على ما تستمرُّ وقد شَفَت
غلائِلَ-عبدُ القيس منها- صدورِها
فكان أولى أن يذكره، إذ كان تتميماً لشرط نصب الفاصل، كما ذكر الفاصل الأجنبي تتميماً لشرط كونه معمولاً للمضاف.
والثاني: أنه قال: ((واضطراراً وُجِد بأجنبي أو بنعتٍ أو ندا))، فجعل الأجنبي قسيماً للنداءِ، وهو قسمٌ منه؛ إذ النداء جملة مستقلة بنفسها ليس للمضاف فيها عمل، أما النعت فهو غير أجنبي فلا اعتراضَ به.
والثالث: أن قوله: ((بأجنبيٍّ))، ظاهره أنه متعلق بالضمير في ((وُجِد))، وهو ضمير المصدر الموصول، كأنه يقول: واضطراراً وُجِدَ الفصلُ بأجنبي، والمعنى على هذا بلابُدٍّ، لكن فيه نظرٌ؛ فإن الضمير لا يعملُ وإن كان ضمير عاملٍ لجموده في نفسه، فلا يجوز أن يقال: مروري (٢) بزيد حَسَنٌ وهو بعمر قبيحٌ، ولأنه مُغَيرَّ عن لفظ فعله؛ ألا ترى أن المصدر الصريح لا يعمل مصغراً [فأولى أن لا يعمل مضمرا؟ (٣)] وإذا كان كذلك لم يستقم كلامُ الناظم في القياس، فكان مُعتَرَضاً.
والجواب عن الأول: أن إتيانه بشروط جواز الفصل هو المقصودُ الأعظم، وقد عُلِم أنّ ما تخلَّف فيه شرطٌ منها غيرُ جائزٍ في القياس، ولم يبق بعد ذلك إلا
стр. 2180
التنبيهُ على شُذوذٍ إِن كان، وليس من ضروريّات هذا النظم، فإن أتى بشيءٍ من ذلك فبها ونعْمَتْ، وإلاّ فلا عَتْبَ عليه؛ وأيضاً فإن قوله: ((واضطراراً وُجِدا بأجنبي)) تَنبيه على ما خالف الشرطِين الأولين، وإنّما بقى عليه التنبيه على ما خالف الثالث، ولم يأت في سماعٍ شُهِر نقلهُ عند النحويين كما شُهِر غيره مما ذكر، أعني كون الفاصِل معمولاً للمضافِ وهو مرفوع، فلعَّله تركه لهذا.
وعن الثاني: أنه إنما ذكر الأجنبي ثم النداء، وجعاه قسيماً له من جهة أنه جملة معترِضةٌ تشبه جملة الاعتراض وجملة القسم، وإذا كانت كذلك بدليل وقوعها بين إِذن ومنصوبها، فليست بأجنبية، ولا أيضاً هي في موضع معمول المضاف، فلم يكن بمنزلته، فصار لها حالً بين حالين، فلم يصح أن تدخل تحت الأجنبي، ولا هي داخلة فيما تقدّم، فخالفت ما ذكر بعدها قسيماً.
وعن الثالثِ من وجهين:
أحدهما أن نقولَ: لا نُسلِّم أن المجرور متعلق بالضمير، بل باسم مفعولٍ (١) خاصً حذف لدلالة لفظ الفصل عليه، ويكون الضمير في ((وْجِد)) عائداً إلى المضاف، وكأنه في التقدير: واضطراراً وُجِد المضاف مفصولاً بأجنبي وبكذا وكذا، يعني من المضاف إليه، كما قال: ((فصلَ مضاف شبه فعل ما نصب))، يريد من المضاف إليه.
والثاني: على تسليم أن ضمير ((وُجِدَ)) للفَصْلِ فهو يعملُ عند جماعة
стр. 2181
قياساً، وعند الأكثر سماعاً/، وأنشدوا قول زهير (١): ... ٤١٦
وما الحربُ إِلاَّ ما عَلمْتِم وذقُتْمُ
وما هُوَ عَنْهَا بالحدِيتِ المرجَّمِ
فعنها متعلق بهو، لأنه ضمير العِلْمِ عند الأعلم (٢)، وعن بمعنى الباء. أو ضمير الحديث الذي دلّ عليه الكلام. فكذلك يكون المجرور هنا متعلقا بالضمير في ((وُجِد))، ولا اعتراضَ إذاً، أَي: وُجِد الفصلُ بأجنبي حال كونه ذا اضطرارٍ
* * *
стр. 2182
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المْضَافُ إلى يَاء المتَكَلَّم
إنما فَصل الإضافةَ إلى ياء المتكلم فَصْلا على حِدَه، لأن للمضاف لها أحكاماً ليست تُوجد مع الظاهر، ولا مع المضاف إلى الضمير غير الياء.
وذلك أن المضاف إلى الياء لا يَبْقَى على حاله كما كان قبل الإضافة، بخلاف ما أضيف إلى غير الياء، فإنه يبقى على حاله قبل الإضافة، فأتى هنا بالأحكام الزائدة على ما ذكَر، المتعلقِة بالإضافة إلى الياء، فقال:
اَخِرَ مَا أُضِيفَ للِيْا اكْسِرْ إذا
لَمْ يَكُ مُعْتَلاً كَرَامٍ وقَذَا
أَوْيَكُ كابْنَيْنِ وزَيْديِنَ فَذِى
جَمِيعُها الْيَا بَعْدُ فَتْحُهَا احتُذِى
وتُدْغَمُ الْيَا فِيهِ والوَاوُ وإنْ
ما قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فاكْسِرْهُ يَهُنْ
وألِفَاً سِلَّمْ وفي المقَصْوُرِ عَنْ
هُذَيْلٍ انْقِلاَ بُهاَ ياءَّ حَسَنْ
يعني ان آخر المضاف يكسر لأجل الياء المضافِ إليها، فيزول إذ ذاك إعرابُها، ويصير مقدَّرا بعد ما كان ظاهرا، إن قيل ببقاء إعرابه، وهو الذي يظَهر من مَسَاقه، وذلك لأن الياء تَطْلب ما قبلها بالكسر للمناسبة، والعاملُ يَطْلبه بغير ذلك، والمحلُّ واحد، لا تَسَعُه حركتان مختلفتان، فلابد أن يقضي إحداهما.
وقد تقرر في الأصول أنه إذا توارد حكمان على محلٍّ واحد لا يَسع إلا
стр. 2183
أحدهما- فالمعتبرَ الطارئ، والطارئ هنا هو الإضافة للياء، فكان كَسْر ما قبلها أولى، واطُّرِح حكمُ ظهور الإعراب، لكنه شَرطَ في هذا الحكم شرطين:
أحدهما أن يكون المضاف صحيحَ الآخر، أو معتلا جاريا مَجْرى الصحيح، وذلك قوله: ((إذَا لَمْ يَكُ مُعْتَلاَّ)) إلى آخره.
فـ (رَامٍ، وقَذَا) كلاهما يقدَّر فيه الإعراب على الجملة، فما لم يكن كذلك فهو الذي يُكْسَر آخره، وذلك قولك في (غلام، وصاحب): غُلاَمِي، وصَاحِبِي، وفي (فَرَس، وجارية): فَرَسيِ، وجَارِيَتيِ، وما أشبه ذلك. فهذا هو الصحيح الآخر.
والجاري مَجراه ما كان آخره واوٌ مشدَّدة، أو ياء مشدَّدة، أو مُخَفَّفتان قبلهما ساكن نحو: عَدُوِّي في (عَدُوّ) ووَلِيّي في (وَلِيً)، دَلْوِي في (دلْوٍ) وظَبْيِي في (ظَبْيٍ).
فاشتراطُ كونه صحيحَ الآخر مأخوذٌ من قوله: ((إذا لم يَكُ مُعْتلاً)) واستدراكُ كونه جارياً مجرى الصحيح/ مأخوذُ من المثالين في قوله: ((كرامٍ وقَذَا)) فـ (رامٍ) من القسم الذي آخره ياء قبلها كسرة، ٤١٧ هو ((المنقوص)) و (قَذَا) من القسم الذي آخره ألف، وهو ((المقصور)).
وليس في الأسماء ما آخرُه واوٌ قبلها ضمة، فبقى ما آخرُه ياءٌ أو واوٌ مشدَّدتان أو مخفَّفتان قبلهما ساكن أو همزة، فدخل فيما يُكْسَر آخره والشرط الثاني ألاَّ يكون المضاف إلى الياء مُثَنَّى، ولا مجموعاً على حدِّ التثنية (١)، وذلك قوله: ((أَويَكُ كابْنَيِن وزَيْدِيِنَ)) يعني في كونهِما مثنى
стр. 2184
أو مجموعاً بالواو والنون، بل يكون إمَّا مفردا، كغُلاَمِي، ويِدي، وأَخِي، أو مجموعاً جمع تكسير، كغِلْماَنِي، أو مجموعا بالألف والتاء نحو: ثَمَراتِي، وبَنَاتِي.
فحينئذ يجب كَسْر آخر المضاف إذا اجتمع الشرطان.
فإن تخلَّف شرطُ منهما فلا يصح كسرُ ما قبل الياء، ولكن لها حكم نَصَّ عليه بقوله: ((فَذى .. جميعُها اليا بَعْدُ فتحُها احْتُذى)) إلى آخره.
((ذى)) إشارة إلى مجموع الأمثلة التي استثناها، يعني أن حكم ياءِ المتكلمِّ. معها الفتحُ أبدا، ثم ينُظر، فإن كان آخر الاسم ياء كـ (رَامٍ) و (أبنَين) في حاله النصب والجر، و (زَيْدِينَ) كذلك في النصب والجر- أُدغمت تلك الياء في ياء المتكلم، فتقول: رامِيَّ، وغازِيَّ، في (رَامٍ، وغَازٍ) وأبصرت ابنَيَّ، ومررت بابْنَيَّ، وأكرمت زَيْدِيَّ. ومُكْرِمِيَّ، ومررت بضارِبيَّ ومُكْرِمِيَّ ووجهُ الإدغام ظاهرُ، لاجتماع المثلين.
وإن كان آخر الاسم واواً كـ (زَيْدِين) في حالة الرفع- إذا لا يكون اسم متمكّن آخرهُ واوٌ قبلها ضمةٌ إلا في جمع السلامة، وإنما تصير الواو آخراً بعد حذف النون للإضافة- قُلِبت الواو ياءً، وأُدغمت في ياء المتكلك، فتقول: جاءني زَيْدِيَّ، وأقبل مُكْرِمِيَّ. وفي الحديث ((أو مُخْرِجيَّ هُمْ)) (١)؟ واصل ذلك: زَيْدُويَ، ومْكرِ مُويَ، ومُخْرِ جُويَ، فاجتمعت الواو والياء، وسَبقت إحداها بالسكون، فقُلبت الواو ياء، وأُدغمت في الياء، فصار: زَيْدُيَّ، ومُكْرِمُيَّ، ومُخْرِجُيَّ، بضَمَّ ما قبل الياءين، وكُسِر ما قبل الياءين لمناسبة
стр. 2185
الكسرة للياء، ومنافرة الضمة لها، فصار: زَيْدِيَّ، ومُكْرِمِيَّ، ومُخْرِجِيَّ، على لفظ المنصوب والمجرور.
وإن كان آخر الاسم ألفاً فلك فيها إن كان الاسم مقصورا وجهان: أحدهما أن تتركها على حالها، فتقول: عَصَاىَ، ورَحَاىَ، وفَتَاىَ، وذلك في اللغة المشهورة.
والثاني أن تقلبها ياءً، وتُدغمها في ياء المتكلك، فتقول: عَصَىَّ، ورَحَىَّ، وفَتَىَّ.
وإن كان مثنى مرفوعاً فليس لك فيه إلا وجه واحد، وهو أن تتركها على حالها فتقول: غُلامَاىَ، وصًاحباىَ، وفَرَساىَ، ولا تقلبها ياء في لغة من يقلب ألف (عَصَاى) ونحوه (١).
قال الفارسي: ووجهُ قلب الألف أن الموضع موضع ينكسر فيه الصحيح، نحو (غُلامِى) فلم يتمكنوا من كسر الألف فقلبوها ياء، كما أنهم لما لم يتمكنوا في (الزَّيْدِينَ) من كسر الألف قلبوها ياء، ولا يجوز على هذا قلب الف التَّثنية لأنه عَلَم للرفع، فلو قُلب لم يبق للرفع علامة، والتْبَسَ بالجر، فلذلكلم يَجْرِ ألفُ المثنَّى هذا المجرى. هذا وجه القلب.
وأما إبقاؤها على أصلها فلا نظرَ فيه؛ إذ لا يمكن كسرهُا وهي باقية على/ حالها، ٤١٨ فتركوها كما كانت، ورَأَوْا ذلك أوْلَى من القلب.
هذا شرح ما قال في حكم المعتلَّ. ثم بقى التنزيلُ على لفظه.
فقوله: ((فَذِى جَميعُها الْيَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِى)).
((ذى)) مبتدأ، وهي إشارة إلى المُثُل المذكورة، والضمير في
стр. 2186
((جَميِعُها)) عائد على ((ذى)) والضمير المضاف إليه ((بَعْدُ)) في التقدير عائد على ((الجميع)) وفي ((فتحها)) عائد على ((الياء)).
ويريد بالياء ياءَ المتكلَّم المضافَ إليها، و ((ذى)) مبتدأ أول، و ((جميعُها)) مبتدأ ثان، و ((الياء)) مبتدأ ثالث، و ((فتحُها)) مبتدأ رابع خبره ((احتُذِى)) والعائد عليه ضمير ((احتُذِى)) المقامُ مقامَ الفاعل، والجملة خبر ((الياء)) والعائد عليه منها هاء ((فتحها)) و ((الياء)) وما بعدها خبر ((جميعُها)) والعائد عليه من الخبر هو المضاف إليه ((بَعْدُ)) المقدَّر، و ((جميعُها)) وما بعده خبرُ ((ذى)) والعائد عليه هاء ((جميعُها)).
فصار هذا الكلام على وِزَان قولك: فَرَسُكَ سَرْجُها فِضّتُهُ أكثرُها مُحْرَق. وأراد أن هذه المثُل تُفتح معها ياء المتكلم.
و((احتُذِى)) معناه: التُزِم، ومن قولك: احتذْيتُ مثالَ كذا، أي اقتديتُ به واتبعتُه فلم أخالفه، وإذا كان كذلك فهو مُلْتزَم، إذ لو جاز غير الفتح لم يكن الفتح مُقْتَدَىً به، لجواز الانصراف منه إلى غيره.
وهذا صحيح جارٍ في أقسام المعتل الذى ذَكر، فلا يجوز إسكان الياء لئلا يَلْتقي ساكنان على غير شَرْطه (١)، فلابد من التحريك. ولا يجوز أيضاً الضمُّ ولا الكسرُ لِثقَلهما على الياء، فلم يبق إلا الفتح لخفِتَّة على الياء، ولذلك تظهر في المنقوص فتحةُ الإعراب دون ضَمَّته وكسرته.
стр. 2187
وما قال هو صُلْب اللغة، ونَدر إسكانُها بعد اللف في قوله تعالى: ﴿ومَحْيَاىْ (١)﴾ في الوصل. وقرأ يذلك من القراء نافعُ بخلاف عنه (٢).
وكذلك ندر كسرُها مع غير الألف، فقد حُكى أنها لغة لبعض العرب. وعليها قراءة حمزة من السبعة ﴿ومَا أَنْتمُ بِمُصْرِخِىَّ (١)﴾ وهذا نادر لم يعَتد به الناظم.
فإن قيل: فما حكم الياء في غير هذا؟ ومن أين يُؤخد للناظم؟
فالجواب أن الفتح والإسكان فيها جائزان، فتقول: يا غلمَى ويا غلامِى، وقد قُرئ بالوجهين في ياءات القرآن على الجملة (٢).
وقد يُسْتَشعر من كلامه ذلك هنا، لأنه قال: إن الفتح احتُذِى في المعتل والمثنَّى والمجموع على حَدَّه، وهو بمعنى الالتزام كما فُسَّر، فما عداه إذا لا يُلتزم فيه ذلك، بل يجوز الوجهان.
ثم قال: ((وُدْغَمُ اليَافِيه والوَاوُ)).
الضمير في ((فيه)) عائد إلى ((الياء)) وقبل ذلك قال: ((فَتْحُها)) فأعاد مرةً ضميرَ المؤنث، ومرةً ضميرَ الذكر، لأن الحروف تُذَكَّر تارة، وتُؤَنَّث أخرى،
стр. 2188
كما قال الراعي، أنشده سيبويه (١):
كَمَا بُيّنتْ كافٌ تَلُوحُ ومِيمُها
وأنشد أيضاً (٢):
كَافاً ومِيمَيْنِ وسِيناً طَاسِماَ
ويعني أن الياء والواو اللَّذَيْن يقعان قبل ياء المتكلم يُدغمان في ياء المتكلم. أما الياء فيَجتمع المثلان فيُدغم الأولُ في الثاني، فتقول: قَاضِىَّ وغَازِىَّ، ومررتُ بابنَىَّ.
وأما الواو فلا يصح إدغامها في الياء وهي واوٌ، وإنما حكُمها أن تُقْلب ياء للعلة/ ٤١٩ المتقدَّمة، وحينئذٍ تُدغم في الياء، لا أن تدغم قبل القلب، إذ لا يمكن ذلك، فكان حقه أن يحرِّر وجهَ العمل.
والجواب أن إدغام الواو في الياء، وإن كان لا يصح إلا بعد القلب، أطلق عليه إدغاماً، ولم يُشْعِر بالقلب، كما يُطلق عامةُ النحويين في الحرفَيْن المتقاربين لفظَ الإدغام، من غير أن يُشعروا بقلب الأول حتى يَصيَر مع الثاني مِثْلَيْن، إذْ لا يصح إدغامُ الحرف فيما ليس مثلَه. فلما كانوا يُسامحون أنفسَهم في هذا القَدْر تابعهم الناظم فيما هو مثلُه. وايضاً فإنه أطلق القولَ بالإدغام، ولم يُبَين كيفيةَ الوصول إليه، إذ ليس موضَعه، وإنما بَيَّنه في ((التصريف)) فمنه يُؤخذ ذلك لا من هنا.
стр. 2189
ولما كانت الضمة قبل الياء لا تَثْبُت، بل تُقلب كسرة لمناسبة الياء، ولتِصَحَّ- نَبَّه على ذلك بقوله: ((وإنْ ما قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فاكْسِرْهُ يَهُنْ)).
يَعني أن الواو المدغمة في ياء المتكلم إن قبلها ضمةٌ كُمْسلمِوُنَ وصَالِحُونَ- فالحكمُ التصريفيُّ فيهما مضافيْن إلى الياء يُؤَدِّي إلى قلب الضمة كسرة، وذلك سيأتي ذكره في ((التصريف)) إن شاء الله.
ووجهُ قلب الضمة هنا استثقالُها، لعدم مناسبتها للياء، بخلاف الكسرة، فإنها تناسب الياءَ بعدها، فيزول الاستثقال، ويَسْهُل النطق.
وهذا معنى قوله: ((فَكْسِرْهُ يَهُنْ)) أي اكسر الحرف المضموم يَسْهُل النطقُ بالكلمة، تقول: هانَ الشيءُ يَهُونُ، هَوْناً، إذا خَفَّ، وهَوَّ نَهُ اللهُ، أي خَفَّفه وسَهَّله.
فأما إن لم يَنْضم ما قبل الواو فلا يُكسر بعد إدغامها في الياء، بل يبقى على حالته بمقتضى المفهومِ الشَّرْطِيَّ في قوله: ((وإنْ مَا قَبْلَ واوٍ ضُمَّ فاكْسِرْهُ)) فتقول في (مُصْطَفَوْنَ): مُصْطَفَىَّ، فتترك ما قبل الياء على فَتْحه، وكذلك تقول في (مُوسَوْنَ): مُوسَىَّ، وفي (الأعْلَوْنَ): أَعْلَىَّ. وما أشبه ذلك.
وإنما لم يكُسْر لأمرين:
أحدهما أن سبب الكسر في (زَيْدِيَّ) استثقالُ الضمة، وهي هنا مُنْتَفية، فلا مُوجِب للانتقال إلى الكسر مع أن الفتح قبل الياء غير مُسْتثقل.
والثاني أنهم لو كَسروا هنا لالْتَبس المقصورُ بالمنقوص في الجمع المضاف إلى الياء، فإنك تقول في (قَاضُونَ): قاضِىَّ. فلو قلت في (مُوسْونَ): مُوسِىَّ: لأوهم أنه جمع (مُوسٍ) لا جمع (مُوسىَ) فالفتحة قبل الواو في (مُوسَوْنَ) إنما هي مُحْرِزَة للألف المحذوفة، فلا سبيلَ إلى زوالها لغير مُوجِب.
стр. 2190
واعلم أن قوله: ((وإنْ ما قَبْل واوٍ ضُمَّ فاكْسِرْهُ)) مُشْكل، فإن الواو في الحكم الذي قَررَّ إما أن تكون موجودة لم تَنْقلب بَعْدُ إلى الياء، أو قد انقلبت إلى الياء، فإن كانت لم تَنْقلب بعدُ فلا سبيل إلى الكَسْر، لأن الواو تَطْلُب بضم ما قبلها، ولا يتأتىَّ الكسرُ معها.
وإن كانت قد انقلبت كان تعبيره بالواو غيرَ صحيح، لأن الواو في الحال معدومة، والياء هي الموجودة، فكان الأحقَّ أن يقول: وإنْ ما قبلَ ياءٍ ضُم فاكْسِرْه، لأنه قد أَمرَ بقَلْبها ياء/ ٤٢٠ بقوله: ((وتُدْغَم الْيَا فِيهِ والواوُ)) فإذا كانت الواو قد أُدغمت فهي ياءٌ لا واوٌ، فكلامهُ على كلا التقديَريْنِ لا يستقيم.
والجواب عن ذلك أنا نَلتزم كلَّ واحد من التقديَريْن، فإنه يمكن أن يُقصد أحدُهما، لصحة كل واحد أن يُنَزَّل كلامهُ عليه.
أما إن أراد الثاني، وهو أن تكون الواو قد انقلبت، ثم كُسِر ما قبلها- فعبارته صحيحة، وإنما ذكَر الواو اعتباراً بما كانت عليه في الأصل، فكأنه يقول: وإن كان ما قبل الواو المنقلبة الآن مضموماً فاكْسِرْه يَسْهُلْ بذلك النطقُ بها.
ومعنى ذلك أن للواو في الإعلال حكمين:
أحدهما إدغامُها في الياء، والآخر كسرُ ما قبلها.
ولو عَبَّر بهذه العبارة لم يكن عليه اعتراض، فكذلك ما قال. وهو ظاهر. وأما إن أراد الأول، وهو أن يقع الكسرُ قبل الانقلاب، فإن ذلك صحيح أيضاً في الصَّنْعة التَّصْريفَّية، بناء على أحد الوجهين الجائزين في الإعلالين إذا عَرَضا في الكلمة: بأيَّهما يُبْدأ، أبأولهما أم بآخرهما
стр. 2191
فهذا على البدء بأولهما. ووجهُه أنه ينبغي أن يكون العمل في التغيير على حسب العمل في النطق، لِيجْتَاز بالحروف وقد ترتَّبت على حسب ما يُوجبه العملُ فيها.
وما أُورد، من أن الواو تَطْلب بضم ما قبلها، فغيرُ وارد، لانهم لمَ يقصدوا إقرار الكسرة مع بقاء الواو، فهنالك يلزم المحذور المذكور، وإنما قَصدوا بالكسر أن تَنْقلب الواو ياء، لِيتَوَصَّلوا إلى الإدغام، لأن الواو لا تُدغم في الياء إلا بعد قلبها ياء، فمِنْ شأنهم أن يُعِلوُّا الحركة والحرف، لا لعلَّةٍ فيه، بل لِيتَوصَّلوا إلى ما قصَدوا، من الإعلال في موضع آخر. ألاَ ترى أنهم قالوا في وَجْه تصريف (مَطَايَا): إنه لما صار إلى (مَطَائِىُ) على مثال (مَطَاعيُ) قلبوا كسرة الهمزة فتحة، لا لعِلَّة هنالك، بل لِيتَوصَّلوا إلى قلب الياء التي بعدها ألفا، فصار (مَطَاءَيُ)، ثم قلبوا الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وكذلك (أَوَزَّةُ) أصله (أَوْزَزَةٌ) على (أَفْعَلَةٌ) فأرادوا أن يتوصلوا إلى إدغام المثلَيْن لِثقَلهما في النطق، فلم يُمِكنْهم ذلك مع تحريك الزاي الأولى، فنقلوا حركتها إلى الساكن قبلها، لا لِعلَّة فيها نفسِها، بل ليَتَوصَّلوا إلى الإدغام.
وأمثلة هذا الأصل في ((التصريف)) كثيرة جداً، أصلها كلها أنهم ممَّا
стр. 2192
يُقْدِمون على التَّغيير عَبْطَةً (١). ليتَوصَّلوا إلى التغيير القياسي، ولذلك إذا فرضنا أنهم أدغموا في مسألتنا قبل الكسر فلابُدَّ لهم من قلب الواو ياء، لِيَتأَتَّى لهم الإدغام، وإلا فلا يمكن مع بقاء الواو على حالها، فالسؤال بعينه لازمٌ فيه، إذ يقال: كيف يصح قلبُ الواو ياء وقبلَها ضمة، وهذا الواو، كما في (مُوقِنٍ، ومُوسِرٍ) أصله (مُيْقِنٌ، ومُيْسِرٌ) فما أَلزْم السائلُ في الابتداء بالكَسْر قبل الإدغام لازمُ له الابتداء بالإدغام قبل الكسر، وكلاهما إعلال أيضاً لغير مُوجِب، بل ليُتَوصَّل به إلى إعلال آخر يصح في قياس الصناعة، فإن قلب الواو ياء لا مُوجِب له إلا التوصَّل، كما أن قلب الضمة / كسرة لا مُوجب له إلا التوصَّل، فالإعلال للتوصل لا يَمنع منه مانعٌ لفظي، وإلاَّ كان ٤٢١ نقضاً للغرض، وإنما يكون مانعاً مع فرض بقاء اللفظ بعدُ على حاله، وذلك غير موجود في مسألتنا.
فإن كان الناظم قَصد قَلْب الضمة كسرة، والواوُ بعدُ لم تنقلب، فهو بناءٌ على طريقة الابتداء بتغيير أول المعتلَّين.
وعلى هذا الترتيب يكون قوله: ((فاكْسِرْه يَهُنْ (معناه اكْسِرْ ما قبل الواو الموجودة بَهُن الإدغامُ، فيكون ضمير ((يَهُنْ))) (٢) عائدا على الإدغام المفهوم من قوله: ((وتُدْغَمُ الْيَا فِيهِ والواوُ)).
وإنما يَسْهُل الإدغام بذلك، لأنك إذا قلبتَ الضمةَ كسرةً لم يصح للواو، وهي ساكنةٌ، استقرارُ بعدها، بل يجب قلبُها ياء، كواو (مِيزَان،
стр. 2193
ومِيَعاد) أصله (مِوْزَان، ومِوْعَاد) وإذا انقلبت حصل الإدغام لوجود شَرْطه، فهو لذلك سَهْل.
بخلاف ما إذا كان ما قبل الواو باقياً على ضَمَّة، فإن قلب الواو إذ ذاك فيه تَكَلُّفٌ في الصناعة، كما سيَذكره بُعَيْد هذا.
وإن كان قد قصد أن الكسر حصل بعد الإدغام، على ما تقدم- فشاذٌّ على الوجه الآخر في الإعلالين إذا وَرَدا، بأيَّهِما يُبْدأ؟ وهو البَدْء بآخرهما.
ووجهُه أن الأواخر أضعفُ من غيرها، فلذلك كثر الإعلال فيها دون الأوائل (١)، فكأنهم، على هذا الوجه، أرادوا الإدغام، فاجتملوا قلب الواو ياء، ليتوصَّلوا إلى ذلك، ثم ناسَبُوا بين الياء والحركة، بأن قلبوا الضمة كسرة ليهَوُنَ النطق، كما تقدم في تفسيره.
فإن قيل: فقد تحصَّل إذ في قوله: ((فاكسِرْهُ بَهُنْ)) تفسيران، كلاهما تعليلُ للكسر، أحدهما أن يكون المعنى: يَسْهُل النطق به مع الياء، وهو على طريقة البدء بآخر التَّغييرَيَنْ.
والثاني أن يكون المعنى: يَسْهُل الإدغام، أو التوصُّل إلى الإدغام، وهو على الطريقة الأخرى.
وهذان التعليلان غيرُ ما ذكره الناس، إذ العباره المعتادة في هذا أن يقال: وقُلٍبت الضمة كسرةٌ لتصحَّ الياء، يريدون أن الضمة لو بَقيت بعد قلب الواو ياءً لم يَسُغْ للياء أن تبقى على حالها، بل تصير إلى أصلها من الواو، للضمة قبلها، وذلك نقضَ للغرض.
فهذا تعليلهم، وهو مناسب. وما تقدم أمرٌ آخرُ غريب، فكان الأَوْلَى أن
стр. 2194
يعلِّل بما قاله الناس.
فالجواب أن كلا التعليلَيْن صحيح في نفسه ومناسب، وغير خارج عما قاله الناس.
أما تسُهْيل النطق فهو الحِكْمة في صحة الياء إذا كُسر ما قبلها، أو قَلْبِها واوا إذا بقى على ضمه، فإنك إذا قلت: (زَيْدُىَّ) فضممت الدال بعد قلب واو الرفع ياء- كان ذلك ثقيلا، تطَّرِح العربُ التكلمَ بمثله، فلا بد من أحد أمرين:
إما أن لا تُراجع الأصل، فتقول: (زيْدُوى! ) لتَتنَاسب الواوُ والضمة، فيَسْهُل النطق بهما.
وإما أن تكَسْر ما قبل الياء لتتناسب الياء والكسرة فيسهل النطق بهما أيضا، إلا أن الأول يلزم منه الرجوع/ إلى ما فَرُّوا منه، من اجتماع الواو والياء وسَبْق إحداهما بالسكون، وهو ٤٢٢ ثقيل في النطق، فلم يَبْقَ إلا الثاني.
فما عَلَّل به الناظم هو حِكْمةُ ما عَلَّل به الناس، والحكمة إذا كانت ظاهرةً منُضَبِطةً فالتعليلُ بها جائز حسبما أَصَّله أهلُ الأصول.
وإنما عَلَّل النحاة الكسرَ بتصحيح الياء بناءً على إحدى الطريقتين.
وأما تسهيل الإدغام فهو، وإن لمَ ينُصُّوا عليه على الخصوص، فهو في قوة المنصوص عليه، فإنه داخل تحت قاعدة ((الإعلالُ الذي يُتَّوصَّلُ به إلى إعلال آخر)) وأكثر النحاة لم يُفَرَّعوا في مسألتنا عليه، مع أنه صحيح في نفسه، وهو تعليل بالمَظِنَّة، والأول تعليلُ بالحكمة.
فإن قيل: فما رأى الناظم في اختيار إحدى الطريقتيْن؟
стр. 2195
فالجواب أن مذهبه محتَمل، لا أقطعُ له على أحد الوجهين، ولعلهما معاً جائزان عنده، إلا أن الذي ختار ابنُ جني أن الأول هو الموافقُ لطريقة الملاطَفة والملاينة، وترِك العُنْف على اللفظ إلا تدريجا وَتأْنيساً، كما إذا قلت في (أجْرٍ) جمع (جَرْو) وأصله (أجْرُوٌ): إنهم قلبوا الضمة كسرةً أولا، لأنها أضعف، ثم تدَرَّجوا إلى قلب الواو ياءً لأجلها، فلم يقُدموا على الحرف الأقوى إلا بعد أن أَنَّسُوا بالإقدام على الحركة الضعيفة، ولو عكسوا لكان إقداماً على الأقوى من غير تدريج ولا تَأْنيس، فلم يكن موافقا للملاطفة. وعلى هذا يكون رأيه في مسألتنا البدءَ بقلب الضمة كسرة.
وقد نَصَّ على مثلها في كتاب ((الخصائص)) (١).
واعلم أني إنما تَتَبَعَّتُ هذا الموضع هنا، وكان اللائق به ((باب التَّصْريف)) لأن الناظم لم يتعرَّض للمسألة هنالك، وإنما ذكَر هناك قلبَ الواو ياء، وإدغامَ الياء في الياء، وتَرَك ذكرَ انقلاب الضمة مسرة، فأظنُّه إنما تَرك ذلك هنالك إحالةً على هذا الموضع. وسيأتي التَّنْبيه على ذلك إن شاء الله. فكان تَخْلِيصُ المسألةِ هنا بحسب ما أعطاه النَّظَرُ في كلامه أوْلَى.
ثم قال: ((وألفاً سَلِّمْ)) يعني أن الألف في آخر المعتلِّ بخلاف الياء والواو، فالحكم فيها أن تُبقيها على حالها دون إعلال أو قلب، كانت الألف للتَّثْنية أو لغيرها، ولا تَقْلِب ألف التَّثْنية هنا أصلا.
وأما ألف المقصور فعدمُ القلب وتركُها سالمةً هي اللغة المشهورة.
وجاء في المقصور خاصةً عن هذيل قلبُ الألف ياء وإدغامُها في الياء كالواو. وبَيَّن ذلك بقوله: ((وفي المقْصِورِ عَنْ هُذَيْلٍ ياء حَسنُ)) الضمير
стр. 2196
في ((أنقِلاَبُها)) راجع إلى ألف المقصور، يَعني أن انقلاب الألف في المقصور ياء عند هُذَيْل حَسَنٌ، فتقول: (عَصَىَّ) في عَصَاىَ، و (هُدَىَّ) في: هُدَاىَ، وما أشبه ذلك قراءة عاصم الجَحْدري، وابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر البصري (١) - ﴿فَمَنْ تَبِعّ هُدّىَّ﴾ (٢) و ﴿إنَّهُ رَبَّي أَحْسَنَ مَثْوىَّ﴾ (٣) ... / و ﴿قَاَل هِيَ عَصَىَّ﴾ (٤) ورُوِيت عن النبي ﷺ . ... ٤٢٣
وكذلك قرأ ابن أبي إسحاق وابن أبي عَبْلة وعاصم الجحدري وعيسى بن عمر (يَا بُشْرَىَّ هَذَا غُلاَمٌ) (٥) وقال أبو ذُؤَيْب الهُذَلي (٦):
سَبَقُوا هَوَىَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُم
فَتُخرِّمُوا ولِكُلِّ جِنْبٍ مَصْرَعُ
стр. 2197
وأنشد قُطْرب وغيرْه للمنَخَّل الَيشكُرى (١):
يُطَوِّفُ بِي عِكَبٌّ في مَعَدٍّ
وَيْطعُنُ بالصُّمُلَّةِ في قَفَيَّا
فإن لم تَثْأرا لي مِنْ عِكَبٍّ
فلا أرْوَيْتُما أبداً صَدَيَّا
وقال أبو دُؤَاد (٢):
وفَأَبْلُونَيِ بَليَّتُكُمْ لَعَليَّ
أصَالٍحكُمْ وأسْتَدرِجْ نَويَّا
وهُذيل: حَيٌّ من مُضَر، وهو هُذَيْل بن مُدْرِكة بن إلياس بن مُضَر، أخو خُزَيْمة ابن مُدرْكِة، أمهما هِنْدُ بنت وَبَرَة أخت كَلبْ بن وَبَرة.
وفي قوله: ((انْقلاَبُها ياءً خَسَنٌ)) ما يُشْعر بأن هُذَيْلا لاَ تلتزم قلب الألف مع ياء المتكلم، بل قد تَقْلب وقد لا تَقْلب، لقوله إن ذلك عندها حسن، ولم يقل: إنه واجب، وذلك مقتضى كلامه في ((التَّسْهيل)) إذ قال: وإن كان ألفاً لغير تَثْنيه
стр. 2198
جاز في لغة هُذَيل القلبُ والإدغام (١)، ولم يقل: وجب ذلك.
وايضاً ففي قوله: ((حَسَن)) تنبيهُ على أن هذا القلب في لغة هُذَيْل ليس بقبيح ولا مختصٍّ بالشعر، بل هو مما يُسْتَحسن استعمالهُ في نظمها ونثرها، وهو تحرُّز حَسَن، غير أن في تخصيصه ذلك الحكم بهُذَيْل نظرا، فإن ابن جنِّي نَقل أن هذا القلب شهير في غير هُذَيْل، فليس بخاصٍّ بها وحدها (٢).
ويدل على ذلك أن أبا دَؤاد قد قلب الألف حين قال (٣):
* وأَسْتَدِرْجْ نَوَيَّا *
وهو ينتسب إلى إياد بن نزار أخى مُضر الذي تنتسب إليه هُذَيل، فلا يَثْبت اختصاصُ هُذَيل بذلك، فكلام الناظم مُعْتَرض إذاً.
والجواب من وجهين:
أحدهما أنا لا نسلِّم أن كلامه مُشعر بالاختصاص، وإنما فيه تصريح بأن ذلك الحكم منقول عن هُذَيْل، وليس فيه ما يعطى مفهوماً يقتضى أن غير هُذَيْل لا يفعلون ذلك إلا مفهوم اللَّقَب (٤)، وهو غير ثابت. وإذا لم يُعط مفهوماً فلا إشعار في كلامه بالاختصاص.
والثاني أنا إن سلَّمنا أنه لم يَشْتهر به عنده غيرهم أو لعله لا يرى القلبَ عند غيرهم حسناً، ولا معمولاً به قياسا، فلذلك أشار إلى الاختصاص. والله أعلم.
و((ما)) من قوله: ((وإنْ ما قَبْلَ واوٍ)) مفعولُ ما لم يُسَمَّ فاعله، بفعل
стр. 2199
مضمر مبني، دلَّ عليه ((ضُمَّ)) الظاهر.
و((ألفاً)) مفعول ((سَلِّمْ)) و ((في المقصور)) متعلق بـ ((انقلابُها)) وهذا شذوذ، لأن ((انقلاب)) مصدر موصول، فلا يتقدم عليه ما في صلته، لكن يقال بجوازه في الضرورة مراعاةً لمن قال بجواز ذلك في نحو (وكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِيِنَ (١)) ونحو قول الشاعر (٢):
/ أزَوْجِيَ هَذَا بالرَّحَى المُتَقَاعِسُ ... ٤٢٤
و((عن هُذَيْل)) متعلق باسم فاعل حال من ((الانقلاب)) أي حالة كون الانقلاب عن هُذَيْل.
стр. 2200
إعمال المصدر
هذا الباب يَذكر فيع إعمالَ المصدر الموصول، وذلك أن المصدر على قسمين، عاملٍ وغير عامل.
فغير العامل هو ما جاء للتوكيد وما جرى مَجراه، نحو: ضربتُ ضَرْباً، وضربتُ ضَرْبةً، وضَرْبتْين، وقعَد القُرْفُصَاء، وما أشبه ذلك.
فهذا لا يعمل، لأن مدلوله الجنسُ، أو نوعٌ من أنواعه، أو فردٌ من أفراده، ولا دلالَة فيه على العلاج، فلا رائحةَ فعلٍ فيه. وقد تقدم حكم هذا القسم في ((باب المفعول المطلق)).
والعاملُ على ضربين: ضربُ يعمل عملَ فعله بالنيابة عنه، وذلك كالنائب عن فعل الأمر، نحو: ضَرْباً، أو غير فعل الأمر، نحو: أضَرْباً زيداً؟
* عَلاَقةً أُمَّ الولُيِد (١) *
وقد تقدم هذا الضرب أيضا.
وضربٌ يعمل لتقديره بالفعل مع حرف مَصْدَرِيٍّ، وهو الذي يسمى ((المصدر الموصول)) لأنه مقدَّر بحرف، وهو (أنْ) أو ما جرى مجراها.
فأخذ الآن يذكر أحكام هذا المصدر، فقال:
стр. 2201
بِفِعْلِهِ المْصْدرَ في العَمَل
مُضَافاً أوْ مُجَرَّداً أوْ مَعَ أَلْ
إنْ كانَ فِعْلٌ مَعَ أَنْ أو مَا يَحُلْ
مَحَلَّهُ ولاِسْمِ مَصْدَرٍ عَمَلْ
يعني أن المصدر يُلْحَقُ بفعله الذي اشَتُقَّ منه في عمله مطلقا، من رفع أو نصب، وعمل في جميع المفعولات وما أشبهها، كما كان الفعل كذلك، لا يضعف (١) عن مرتبة فعله، وذلك قياس مُطَّرِد.
فيرفعُ الفاعلَ نحو: أعجبني قيامُ زيدٍ، وعَظُم نَفْعُ زيدٍ وحلمُه، وضَرَرُ عمروٍ وجَهْلُه.
واسمَ ((كان)) نحو: أعجبني كونُ عَدُوِّنا المقهورَ. وينصب المفعولَ نحو؛ أعجبني ضربُ زيدٍ عَمْراً، وإكرامُ أخيك عمراً.
وخبرَ ((كان)) نحو: أعجبني كونُ زيدٍ قائماً.
والظرفَ نحو: أعجبني قيامُ زيدٍ أمامكَ، وإكرامُ عمروٍ يومَ الجُمُعةِ.
والمفعولَ معه، ومن أجله نحو: أعجبني إتيانُ الَبرْدِ والطَّيَالِسَةَ، وأعجبني ضربُك زيداً تأديبا له.
والحالَ نحو: أعجبني قيامُ زيدٍ ضاحكاً. وما أشبه ذلك,
وأيضاً فيتعدَّى فعله، فتقول: مرُورُك بزيدٍ حَسَنٌ، وإعراضُك عن عمرو قبيحُ، ورغبتُك في الخير خيرٌ، وإكرامُك زيداً حَسَنٌ، وإعطأوُك زيداً درهماً جزاءٌ له، وعلمُك زيداً قائماً معروفٌ، وإعلامُك زيداً عماً أخاه غريبٌ، وأَمْرُك زيداً الخيرَ خيرٌ، ونحو ذلك.
وأيضاً لًمَّا قال: ((بفِعْلهِ المَصْدَرَ الحِقْ في العَمَلْ)) ولم يُقيَّد فعلاً من فعل - دَلَّ على أنه ... / يعمل عمل كل فِعْل، ماضياً كان أو حاضراً أو مستقبلاً، فتقول: أعجبني ضَرْبُ زيدٍ ٤٢٥ عمراً أمسِ، ويعجبني ضربُ زيدٍ عمراً الآنَ أو غداً.
стр. 2202
بخلاف اسم الفاعل، فإنه لا يعمل إلا بمعنى الحال أو الاستقبال.
قال المؤلَّف: لأن المصدر أصل، والفعل فرعه، فلم يَتَقَيَّد عمله بزمان دون زمان، بل يعمل عملَ الماضي والحاضر والمستقبل، لكونه أصلَ كلِّ واحدٍ منها، بخلاف اسم الفاعل، لأنه عمل لشَبَهِه (١)، فتَقَيَّد عملهُ بما هو مشبهُه، وهو المضارع (٢).
هذا ما قال، ولذلك يقدَّره بالماضي والمضارع، وإنما تعذَّر تقديرهُ بفعل الأَمْر، لأن الحروف المصدريَّة لا توصل بفعل الأمر، حسبما يذكر بحول الله.
فعلى هذا كلِّه احتوى قولهُ: ((بِفِعْلِه المَصْدَرَ أَلْحِقْ)).
و((المصدرَ)) منصوب بـ ((أَلْحِقْ)) وبه تعلَّق المجرورات معاً، وهما ((بِفِعْلِه، وفي الَعَمَلِ)) وضمير ((بِفِعْلِه)) عائد على ((المصدر)).
وإنَّما قيدَّ هذا الإلحاق بالعمل، لأن ذلك هو المقصود، إذْ ات يُلْحق به في غير العمل من الأحكام الجارية على الفعل، لأن الفعل والمصدر نوعان متباينان، هذا فعلٌ تَجْري عليه أحكامُ الأفعال، وهذا اسمُ تَجْري عليه أحكام الأسماء.
وأَوَّلُ ذلك أن الفعل يدل على زمان الفعل الواقع من الفاعل، ماضياً وحالاً ومستقلاً، والمصدر ليس كذلك.
والفعلُ مبنيٌّ لفاعله فلا يُستغنى عنه، والمصدر ليس كذلك.
والفعلُ لا يقع مبتدأً، ولا فاعلاً، ولا مفعولاً لم يُسَمَّ فاعلهُ، ولا مفعولاً يُسَمَّى فاعلهُ، ولا نحو ذلك، والمصدر بخلاف ذلك.
وبالجملة فهذا اسمٌ، وهذا فعلٌ، فلذلك قال: ((في العَمَلِ)).
ثم قال: ((مُضافاً أو مُجَرَّداً أو مَعَ أَلْ))
стр. 2203
يريد أن هذا الحكم جارٍ على المصدر في جميع أحواله، من كَوْنه مضافاً، أو بالألف واللام، أو مجَّرداً منهما، أي إن إضافته أو دخولَ الألف واللام عليه، وإن كانا مما يَخْتَصُّ بالأسماء، لا يُؤَثِّران في عمله عملَ فعله، بل يبقى عملُه كالمجَّرد منهما، فكما لا يُؤَثَّر التنوينُ، وإن كان من خصائص الأسماء، كذلك لا تُؤَثَّر الإضافةُ ولا الألفُ والام.
إلا أنه في هذه الوجوه ليس على رُتْبةٍ واحدةٍ في العمل، بل على مراتبَ في الحُسْن والكثْرة، فعمله مضافاً أكثرُ من عمله غير مضاف. قال المؤلف: لأن الإضافة تَجْعل المضاف إليه كالجزء من المضاف، كما يَجْعل الإسنادُ الفاعلَ كالجزء من الفعل، وتَجْعل المضافَ كالفعل في عدم قبول التَّنْوين والألف واللام (١).
وعملُه منوَّناً أكثرُ من عمله بالألف واللام، فالترتيب في الحُسْن والكثرة على حَسَبَ ما رَتَّبه الناظم، فكأنه قصد بذلك التَّنْبيه.
وهذا ليس مُتَّفَقاً عليه فقد قيل: إن المنوَّن أقوى، ثم المضاف، ثم ذو الألف واللام. وإنما يعنون: أقوى في القياس. صَرَّح بذلك صاحب ((الإيضاح)) (٢) لموافقته الفعلَ في التنكير.
والناظم اعتبر الكثرة، ولا شك أن المضاف أكثرُ في الإعمال من غيره فصار الخلاف/ ٤٢٦ وفاقاً.
فمثال إعماله مضافاً قولُك: أعجبني ضَرْبُ زيدٍ عمراً، وإكرامُ بِشْرٍ خالداً.
ومنه في القرآن ﴿ولَولاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيَا
стр. 2204
والآخِرَةِ (١)﴾ وقوله: ﴿فَاذْكُروا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أو أشَدَّ ذِكْرا (٢)﴾ وقالوا: سَمْعُ أُذُنِي زيداً يقولُ ذاك (٣)، وأنشد سيبويه للَبِيد (٤):
عَهْدِي بهِ الحَيَّ الجَمِيعَ وفيهِمُ
قبلَ التَّفَرُّقِ مَيْسِرٌ ونِدَامُ
وأنشد أيضا لرُؤْبَة بن العَجَّاج (٥):
ورَأْيُ عَيْنَيَّ الْفَتَى أخَاكَا
يُعْطِي الجَزِيلَ فعليكَ ذَاكا
وهو كثير.
ومثال إعماله منوَّناً قولُك: أعجبني ضَرْبُ زيدٌ عمراً.
وفي القرآن الكريم ﴿أوْ إِطْعَامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبةٍ. يتيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (٦)﴾ وفي قراءة أبي بكر بن عاصم- ﴿إنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بزِينَةٍ الكَوَاكِب (٧)﴾ - أي بأَنْ زِنَّاهَا. يقال: زانَه وزَيَّنه.
стр. 2205
وقد يكون من ذلك قوله تعالى: ﴿ويَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَالاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً من السَّموات والأَرْض شَيْئاً (١)﴾ - أي مالا يملك لهم أن يرزقهم شيئا. وأنشد سيبويه (٢):
فَلَوْلاَ رجاءُ النَّصْرِ مِنْكَ ورَهْبَةٌ
عِقَابَكَ قَدْ صَارُوا لنا كَالمْوَارِدِ
وأنشد أيضا قول الآخر (٣):
أَخَذْتُ بسَجْلِهمْ فَنَفَحْتُ فيِهِ
مُحَافَظَةً لَهُنَّ إخَا الذِّمامِ
وأنشد أيضا (٤):
بِضَرْبٍ بالسُّيُوفِ رءوسَ قَوْمٍ
أَزَلْنَا هَامَهُنَّ عن الْمَقِيل
ومثال إعماله بالألف واللام قولك: أعجبني الضربُ زيداً، والإكرامُ عمراً،
стр. 2206
وأنشد سيبويه للمرار (١):
لَقَدْ عَلِمَتْ أُولَى المُغِيرةِ أَنَّنيِ
لَحِقْتُ فَلَمْ أَنْكُلْ عن الضَّرْب مِسْمَعَا
وأنشد أيضا (٢):
ضَعِيفُ النَّكَايةِ أعْدَاءَهُ
يَخَالُ الفِرَار يُرَاخِي الأَجَلْ
وجعل الفارسيُّ من هذا القسم قوله تعالى: ﴿لاَ يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بالسُّوءِ من القَوْلِ إلاَّ مَنْ ظُلِمَ (٣)﴾ فـ (مَنْ) في موضع رفع بـ (الجَهْر) وهو حَسَن.
ونَبَّه بقوله: ((مُضَافاً اوْ مجَّرداً أو مَعَ أَلْ)) على خلاف من خالف في بعض هذه الأقسام، وهم الكوفيون، فوافقوا البصريين في المصدر المضاف أنه يرفع وينصب وخالفوا فيما عدا لك، فزعموا أن المجرد ينصب ولا يرفع، فيجوز
стр. 2207
عندهم: أعجبني ضربٌ زيداً، ولا يجوز: أعجبني ضربٌ زيدٌ، ولا ضربٌ زيدٌ عمراً، وأن ذا الألف واللام لا يرفع ولا ينصب، فلا يقال: أعجبني الضربُ زيدٌ، ولا أعجبني الضربُ زيداً، ولا الضربُ زيدٌ عمراً. وما جاء مما يخالف ذلك فشاذّ ومؤوَّل، كما أن الذي جاء به السماع في المجرَّد إنما هو النصب وحده.
هكذا حَكى الخلافَ عن الكوفيين ابنُ ابي الرَّبِيع، وحكى الشَّلَوْبين عنهم أن المصدر لا يعمل إلا إذا كان منوَّناً، فإن كان مضافاً أو بالألف واللام لم يعمل شيئاً، وكان المنصوب بعدهما على إضمار فِعْل.
ومنهم من حكى الخلافَ في ذى الألف واللام وحده، وأنه عندهم غير عامل، ومِمَّن حكى هذا الأخير عن البغداديين ابنُ السرَّاج (١). قال الفارسي: ولم أرَهُ يَحكي عنهم في الإضافة شيئا، أعني في الإضافة إلى المعرفة. وذكر ابن عُصْفور عن الفراء في المجرَّد ما ذكره ابنُ الرَّبيع وعن قومٍ لم يعيِّنهم في ذي الألف/ واللام، ما ذكره غيرُه. ... ٤٢٧
والذي تحقَّق من النقل وجودُ الخلاف في ذى الألف واللام. وغالبُ الظن صحةُ ما نقله ابن أبي الرَّبيع وابن عُصْفور. وما ذكره الشَّلَوْبين غريب. وإن صَحَّ ثَبت الخلاف في الأقسام الثلاثة. والأرجح ما رآه الناظم.
أما ((المضاف)) فهملهُ شهير جدا، وقد تقدم منه، وهو من الكثرة بحيث لا ينبغي أن يُنْكر قياسه.
وأما ((المنَّون)) فالسماع موافقٌ لما قال الكوفيون، إذ لا تكاد تجده رافعاً. ولكن القياس سائغٌ، إذ لا فرق في ذلك بين المضاف والمنوَّن، فإن
стр. 2208
كل واحدٍ منهما يَطْلب فاعلاً ومفعولاً من جهة المعنى، فَلْيَكُن كل واحدٍ منهما عاملاً فيما طلبه. وقد عمل المضاف في الفاعل فَلْيَعمل المنوَّنً فيه كذلك.
وأيضا فقد جاء الرفع في المنوَّن، فُحِكى: إعجبني قراءةٌ في الحمام القرآنُ، فـ (القرآن) قائم مقام الفاعل، وهما في الحكم سواء. وإذا كان كذلك ثَبتت صحةُ رفعه.
لا يقال: إن هذا نادر، والنادر لا يُعْتُّد به، لأنا نقول: إذا جاء السماع قليلا، وعَضَده القياس، ولم يعارضه معارض- وجب أن بكون أصلاً يُعَوَّل عليه. ألا ترى أن النسب إلى (فَعُولَة): فَعَلِىُّ، وهو عند سيبويه والنحويين قياس (١)، ولم يُسمع منه إلا (شَنَئَئٌّ) في شَنُوءة، لكنه جاء على القياس، لأن حمل (فَعُولة) على (فَعِيلَة) قياس، إذ ليس بينهما فرق إلا الواو والياء، وهما متقاربان، إذْ يقعان ردْفَيْن في القصيد الواحد (٢)، ويُدغم أحدهما في الآخر، إلى غير ذلك من الأحكام.
فكذلك هذا الموضع. وقد تقدم ما يُستفاد منه هذا المعنى في باب ((الإضافة)) وأما ((ذو الألف واللام)) فعمله غير ممتنع وإن كان ضعيفا، لأن الألف واللام لا تمنعانه من العمل كما لا تمنعه الإضافة (٣)، إذ كلاهما من خصائص الأسماء، وكذلك التنوينُ من خصائصها، فيلزم تقديرُ الفعل في الجميع، وذلك باطل باتفاق.
стр. 2209
وأيضاً إن كان ما تقدَّم من السماع محتملاً فيه (١) تقديرُ الفعل فلا يصلح في كل موضع.
فقوله: ((ضَعِيفُ النِّكَايةِ أَعْدَاءَهُ (٢))) معناه، على أن ((أعداءه)) معمول ((النِّكَاية)) لأنه أبلغ في الهجاء من أن يريد ضَعْفَ النكايةِ مطلقا. هكذا قالوا.
وكذلك قول الآخر (٣):
لَحِقْتُ فًلْم أَنْكُلْ عن الضَّرْبِ مِسْمعَا
إن كان يؤوَّل على أن ((مِسْمَعاً)) معمول ((لَحِقْتُ)) فقد روى ((كَرَرْتُ)) ولا يصح أن يُحمل على حذف الجار؛ كانه قال: كررتُ على مِسْمع، إذ لا يصح الحمل على ذلك إلا لضرورة.
وتقدير الفعل في الموضعين خلافُ الظاهر. ورَدَّه المؤلف أيضا بأن النصب قد جاي فيما لا يمكن فيه تقدير الفعل، وذلك نحو قول كُثَيِّر عَزَّة (٤):
стр. 2210
تَلُومُ امْرَاً في عُنْفُوَانِ شَبَابِهِ
وللتَّرْك أَشْيَاعَ الصبَّابَ حينُ
ثم أتى بشاهد آخر نحو ذلك (١).
ولابن الطَّراوة هنا قول ثالث فيما فيه الألف واللام' فإنه جعله على وجهين:
أحدهما أن تكون الألف واللام معاقِبةً للإضافة، كقوله (٢):
* فَلَمْ أَنْكُلْ عِنِ الضَّرْبِ مِسْمَعَا*
وقوله (٣):
* ضَعِيفُ النَكايَةِ أعداءَهُ *
وما أشبه ذلك، فإن المعنى: عن ضَربْي مِسْمعاً، ونكايته أعداءَه، فحكم/ ... ٤٢٨ هذا حكم المضاف، لأن العرب تَحْكُم للمعاقِب بحكم المعاقَب.