← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

وقال عمران بن حطّان (١): لكِنْ أَبَتْ لِيَ آياتٌ مُنَّزلةٌ منها التلاوةُ في طه وعمرانِ وهو أكثر من أن يحصى. وقوله: ((يأتي خلفا عنه في الإعراب))، يريد أنه يعرب المضاف إليه بإعراب المضاف إذا/ حُذِف، ٣٩٧ فضمير ((يأتي)) عائد على ((ما)) في ((ما يلي المضاف))، وهو المضاف إليه. وفي ((عنه)) عائد على المضاف. وإنما يأتي خلفاً عنه في الإعراب غالباً لا لازماً، لقوله على أثره: ((وربّما جَرُّو الذي أبقوا)). فالمضاف إليه عند حذف المضاف على وجهين: أحدهما: أن يبقى على إعرابه كأن المضاف موجود لم يُحذف. وهو القليل. والثاني: أن ينوب عنه في إعرابه كما قال، فيرتفع على الفاعلية، كقولهم: بنو فلانٍ يَطَؤُهم الطريقُ (٢). أو على الابتداء (٣) كقوله: (ولكن البَّر من آمن بالله)، وعلى خبر الابتداء نحو (٤): وشّرُ المنايا ميتٌ بيت أَهْلِه

стр. 2137

وعلى مالم يُسمَّ فاعله، كما قال ابن جني فيما رَوَى عن أبي عمرو: ﴿ونزَّل الملائكةُ تنزيلا (١)، إنه على حذف المصدر، كأنه قال: ونُزِّل نزولُ الملائكة. وينتصب على المفعولية نحو: (واسأل القرية التي كنا فيها (٢))، (قال هل يسمعونكم إذ تدعون (٣). وعلى الظرفية نحو قولهم: أتينا طلوعَ الشمس وقوله (٤): وقَد جَعَلَتْني من حَزِيَمةَ إِصْبَعَا أي: ذا مسافة إِصبَع وعلى المصدر كقول الأعشى، ميمون (٥):

стр. 2138

أَلَم تَغْتَمِضْ عيناك لَيْلَةَ أَرْمَدا وبِتَّ كما باتَ السَّلِيمُ مُسَهَّداً أراد: اغتماضَ ليلةِ أَرمدَ، وينجرُّ بالحرفِ كقولهِ تعالى: (كالذي يُغشَى عليه من الموتِ (١))، أي: كدوران عيني الذي يُغشى عليه من الموتِ. وبالإضافة نحو (٢): ولا يحولُ اليومِ دونَ غدِ أي: دون عطاء غدٍ. هذا بيان ما قال، وفيه بعد ذلك مسائلُ اربعٌ: إحداها: أَنَّ الناظم قد أطلق القول في حذف المضاف بقوله: ((وما يلي المضافَ يأتي خلفاً عنه))، فدلّ على أنه عنده قياسٌ لاسماع، وإلاّ فلو كان عنده سماعاً لقيده بذلك. فإن قيل: ولو كان أيضاً قياساً لقيده بذلك. فالجواب: أن عِلْم النحو إنما هو الكلام على قياس كلام العرب، فإذا اطلق القول فيه فهو محمولٌ على أصله الذي بُني عليه. وأما السماع فإنما يتكلّم فيه النحويُّ بالانجرارِ وعلى جهة الاحتراز أن لا يقاسَ، فلذلك هنا لما لم يقيد كلامه حُمِل على ما هو الأصل في علم النحو من تقرير القياس، وإذ ذاك يتبين أن الناظم هنا آخذٌ بمذهب من قال بالقياس في حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، خلافاً للأخفش القائل بعدم القياس فيه، وذلكن القياس سائغ فيه من حيث كان الحذف في كلام العرب-على الجملة- جائزاً في العُمَد

стр. 2139

والفضلات لدلالة المعنى على المحذوف، إلا ما استُثني من الفاعل ونحوه. وإذا كان كذلك فالمضاف من جملة ذلك فيجوزُ حذفه لاسيَّما وقد ناب عنه نائبٌ لفظي، فهو أقوى في جواز الحذفِ من المبتدأ والخبر، بل هو اشبهُ شيءٍ بالفاعل إذا حُذف ومقام المفعول مقامه، وهذا قياسه. وأما السماع فكثير جداً في الكلام والشعر بحيث لا يَسَع (١) في القياس عليه إنكار. وقد مرَّ من ذلك جملةٌ، وبَّوب عليه سيبويه، وأتى منه بجملةٍ صالحةٍ نثراً/ ونظما، وقال: ((هو أكثر من ... ٣٩٨ أِن أُحِصَيه)). فإن قيل: القياسُ عليه يلزمُ أمران: أحدهما: مخالفةُ الأصلِ؛ إِذ حَذْفُ المضافِ ومعاملة المضاف إلي هـ معاملته مجازٌ، والأصل الحقيقةُ، فيلزم من القياس تكثيرُ مخالفة الأصلِ والحملُ على غير الحقيقة، وذلك غير سائغٍ. وأيضاً يلزم القياسُ في الأمور المجازيّة، وذلك ممنوع. والثاني: أنه يلزم أن يقال: ضربتُ زيداً، وإنما ضربتُ غلامه أو ولده. ومثلُ هذا لا يجوز؛ إِذْ لا دليل عليه، ولا مُعرِّف به. فالجواب: أن ذلك-وإن كان مجازاً- لا يمنعهُ كونُه مجازاً من قياسه واطراده؛ ألا ترى أنك قلمَّا تجدُ كلاماً إلا وقد دخله المجازُ؛ فأشهر الكلام في الاستعمال: ضربتُ زيداً، وهو مجازٌ من أوجه ذكرها ابن جني في الخصائص (٢) وغيره. وكذلك: قام أخوك، وجاء الجيشُ، وما أشبه ذلك. ومع ذلك فإنه قياسٌ مطردٌ وطريق مَهْيَعٌ، فكذلك نحوُ:

стр. 2140

(اسأَلِ القرية (١)). فإن قيل: ضربتُ زيداً ونحوه كثير جداً، فكذلك حذفُ المضاف. وأما قوله: إنه مخالف للأصل فَمُسلَّم، ولكن لا يلزم عدمُ القياس فيه، لأن مخالفة الأصل القياسيّ قد يكون قياساً استعمالياً كما في ((قام)) ونحوه، أصله القياسي: قَومَ، ولم يلزم من مخالفته محذورٌ، بل صار إعلالهُ إلى إن صار ((قام)) أصلا ثانياً استعمالياً قياسياً. وبهذا يظهر أن القياسَ في الأمور المجازية سائغ إذا كثرت واطّردت. وأما الأمر الثاني فقد أجاب عنه ابن جني بأن ما شَنَّعتَ به جائز، إلا ترى أنك تقول: إنما ضربتُ زيداً، بِضَرْبِك غلامه، وأهنتهُ، بإهانتك ولده. قال: ((وهذا باب إنما يصِلحه ويفسده المعرفة [به (٢)]؛ فإن فُهِم عنك في قولك: ضربتُ زيداً أنك إنما أردتَ بذلك: ضَربتُ غلامه أو أخاه أو نحو ذلك - جاز، وإن لم يُفهَم عنك لم يَجُزْ، كما أنَّك إن فُهِم بقولك: أكلت الطعام، أنك أكلتَ بعضه، لم تحتَجْ إلى البدل، وإن لم يُفهم عنك وأردت إفهام المخاطب إياه، لم تجد بداً من البيان وأن تقول: بعضه أو نصفه أو نحو ذلك؛ ألا ترى أن الشاعر لما فُهِم عنه ما أراد بقوله، قال (٣): صَبَّحن من كاظمة الحِصْن الحَزِبْ يَحْمِلن عَبَّاسَ بنَ عبدالمطلبْ وإنما أراد: عبدالله بن عباس. ولو لم يكن على الثقة بفهم ذلك لم يجد

стр. 2141

بداً من البيان. وعلى ذلك قول الآخر (١): عَليمٌ بما أعْيَا النَّطاسيَّ حِذْيما أراد: ابنَ حِذْيمٍ (٢))) فالصحيح ما ذهب إليه الناظم، والله أعلمُ. والمسألة الثانية: أنَّ قوله: ((وما يلي المضاف))، إنما يريدُ به المضاف إليه، فكأنه يقول: إن المضاف إليه يقومُ مقام المضاف إذا حُذِف. وهذا الكلامُ لا يقتضي خذفَ مضافٍ واحدٍ فقط، بل الحكم فيه مطلق، فيجوز إذاً حذفُ أكثر من مضافٍ واحدٍ، وقيامُ ما أضيف إليه مُقامه. فَحَذْفُ المضافين كقول الله تعالى: ﴿تدورُ أَعينُهم كالّذي يُغْشَى عليه من الموتِ (٣)﴾، فالتقديرُ: كَدَوران عَيْنَيِ الذي يُغشَى عليه من الموت. وقال الشاعر (٤): وَقَدَ جَعَلتْنيِ من حَزِيَمةَ إِصْبَعَا تقديرهُ: ذا مسافَة إصَبعٍ، أو: ذَا مساحةَ إِصْبَعٍ. وقالوا: تبسَمَّت وميضَ البرقِ، أي: مثل تبَسُّمِ وميض البرق، في أحد التأويليين/ ومن ذلك قوله أيضاً قوله تعالى، حكايةً: ﴿فَقَبَضْتُ قبضةً من أَثَر الرسول (٥)﴾،

стр. 2142

التقدير: من أثر حافِرِ فرسِ الرسول. وعلى الجملة فلا يُقَتصَر في حذفِ المضاف على الواحد، بل يجوز حذفُ مضافين فأكثر إذا كان معلوماً. والمسألة الثالثة: أنه لما قال: ((يأتي خَلَفَاً عنه في الإعراب)) كان ذلك ظاهراً في أنّ القائم مَقَام المضافِ من شرطِهِ أن يَصلُح إعرابه بإعراب المضاف، فيُرفَع ويُنَصب ويُجرّ، لأنه قال: ((يأتي خلفاً عنه)) في كذا، وما لا يقبل الإعراب كيف يكون خلفاً عنه؟ فإذاً إِذَا كان المضاف اسماً مضافا إلى جملة لم يجز خذفُه، كما قلت: انتَظرتك طَلَعَتِ الشمسُ، تريد: زَمَن طَلَعتِ الشمس، أو كان كذا الحجاجُ أميرٌ، تريد: زمن الحّجاجُ أميرٌ، وما أشبه ذلك. ولا أعني بكون المضاف إليه يُرفَع وينصب ويُجَرّ أن يكون معرباً في اللفظ، بل مما يقبُل الفاعلية والمفعولية والإضافة، فإن المضاف إليه قد يكون مبيناً نحو: ﴿كالذي يُغْشَى عليه من الموت﴾، فإذا كُلُّ ما لا يصلح لواحدٍ من تلك الوجوه لا يصلح أن يُحذفَ ما أُضِيف إليه. والمسألة الرابعة: أنَّ فيما قَرَّر هنا نظراً من أربعة أوجه: أحدها: أنَّ من شَرْطِ خذِف المضافِ العِلْمَ به، إما من قرينة حالٍ، وإما من جهة أمرٍ لفظيٍّ أو معنوي، وعلى ذلك جرى الحكم عند العربِ والنحويين، وإلا فلو لم يُعَلم ما حذف لم يُدَّعَ أوَّلاً حذفُه، وكيف يُدَّعى حذفُ شيءٍ لم يدلّ دليل أن المتكلم أراده، ولو أراده المتكلم ولم يجْعَلْ على إرادتِه دليلاً، ولا أخبر بذلك، لم يصحّ لنا دعواه، إذ دعواه وَهْم مجرّدٌ لا حكم له، وإذا كان كذلك فكان الواجب على الناظم أن يشترط ذلك الشرط، لكنه لم يفعل، فاقتضى أنه يجوزُ الحذفُ من غير دليل، وذلك غير صحيح. _________

стр. 2143

فإن قيل: قد تَقَدّم له مِراراً اشتراطُ العلم بالمحذوف على الجملة فلعلّه اكتفى بلك؛ إِذ عُلم من كلامه اشتراطهُ له. فالجواب: أنّ هذا غيرُ مطَّردٌ له، فقد يجوز الحذف وإن لم يعلم المحذوفُ، كما يحذفُ المفعول اقتصاراً، وقد تَقَدّم وجهُ ذلك. وإذا كان الحذفُ ذا وجهين في العلم به وعدمه، كان الإخلالُ بشرطه إخلالاً بالحكم المقرّر. والثاني: أنه جَعَل حَذْفَ المضافِ في التسهيل-وإن عُلمٍ- على وجهين: قياسٍ وسماعٍ، فالقياسُ هو فيما إذا امتنع استبدادُ العامل بالمضاف عليه دون المضاف، نحو: (واسأل القرية (١))؛ إذ لا يصلح أن تُسأل القريةُ نفسُها، فلابُدَّ من تقدير الأهل، وكذلك جميع ما مرَّ، والسماعُ هو فيما إذا لم يمتنع استبدادهُ به، نحو: ضربتُ زيداً، تريد: ضربتُ غُلامَ زيد، فإنه يُقِع اللَّبسَ وإن كان معلوماً من خارج، فلا يجوزُ مالم يكن في اللفظ ما يدّلُ على المراد، كقول القائل: مررت بالقرية فأكرمتني، فإنه جائز، وإن كان أهلُ القريةِ والقريةُ صالِحَين للمرور عليهما حقيقةً، لكن ذكر الإكرام بَيَّن أن المراد الأهل/ فجاز. قال: وكذلك لو فُهم بغير قرينة لفظية ٤٠٠ كقولة (٢) ((لا تلمني، عتيقُ))، وأتى بأشياء من هذا، فجعل المضاف-كما ترى- منه ما هو سماعٌ، ومنه ما هو قياس، والناظم هنا قد أطلق القولَ في الإجازة قياساً، ففيه ما ترى.

стр. 2144

والثالثُ: أن قوله: ((وما يلي المضافَ يأتي خلفاً عنه))، يقتضي أنه لا يُحذفُ إلا مضاف واحد، لأن ما يلي المضافُ قد جعله هو الخلف عن المحذوف، وإذا كان خلفا عنه لم يجز حذفه، لأنه جمعٌ بين حذفُ العوِض والمعوض عنه، وايضاً فحذفه نقضُ الغرضِ، لأن معنى كونه خَلَفَاً عنه أنه قائم في اللفظ مقامه، فحذفه يناقِضُ هذا المعنى، لكن هذا غير صحيح، لأنّ حذف المضافين المتوالييين جائزٌ كما تقدم ذكره، فكان كلامهُ هنا غير محرَّرٍ. وأيضاً فإن المضاف الثاني مضافٌ إليه الأولُ، فلا يدخل تحت قوله: ((وما يلي المضافَ يأتي خلفاً)). والرابع: أن قوله ((يأتي خلفاً عنه في الإعراب)) يُعِطي بظاهره أنه إنما يَخلُفُه في وجوهِ الإعرابِ خاصَّةً؛ إِذ لو أراد غير الإعراب معه لم يُقيِّده به، فكان يقول: ((يأتي خَلَفَاً عنه))، ويسكت، فيدخلُ الإعراب وغيره. فلما لم يقل ذلك وَقَيَّد بالإعراب دلّ على اختصاص النيابة فقط، وليس كذلك، بل ينوبُ عنه في غير ذلك، فقد يقُع موقعه في التنكير فيكون نعتاً للنكرة وينتصب حالاً من المعرفة وإن كان معرفةً، لأنه ناب عن نكرة فيقول: مررتُ برجُلٍ زهيرٍ شعراً، وعنترة إقداماً، وحاتمٍ جوداً، فتصف به النكرة لأنه في تقدير: مررتُ برجلٍ مثل فلان، ولو نطقت (١) بمثل لجرى على النكرة فكذلك إذا حُذف وناب عنه المعرفة. وكذلك تقول: مررت بزيد زهيراً شعراً، وحاتما جوداً، ونحو ذلك. وكذلك يقع موقعه في غير ذلك. بل لقائل أن يقول: إن قوله ((في الإعراب))، إنما يقتضي النيابة عنه في مجرّد الرفع والنصب والجر، لا في مقتضى العامل من فاعلية أو مفعولية أو إضافة أو غير ذلك، وليس الأمر على ذلك. بل ينوب

стр. 2145

عنه في مقتضى العامل، فقولك: بنو فلان يطؤهم الطريقُ (١)، الطريقُ فيه فاعل، وقوله: (واسأل القرية (٢))، القرية فيه مفعولة، وكذلك سائر الأمثلة، فظاهر هذا لا يستقيم. والجواب عن الأول: أنَّ شرط العلم بالمحذوف لابدَّ منه، وإنما تَرَكه لكثرة المواضع التي نبَّه فيها على اشتراطه، وما اعِترُض به من مواضع الحذفِ اقتصاراً فقد تقدّم أن ذلك ليس من مواضع الحذفِ على غير علمٍ، بل هو حذفٌ بشرط العلم بالمحذوف، إلا أن العلم به تارةً يكون جُمْليا وتارة يكون تفصيليا. وقد تقدم الكلامُ على ذلك قبلُ بما يُغني عن الإعادة، فلا معنى للتكرار. وعن الثاني: أنَّ كلاَ القسمين المذكورين في التسهيل قسم واحد/ وشرطُ العلم ٤٠١ فيهما (٣) معا لازمٌ، فإذا قلت: ضربتُ زيداً، وأنت تريد ضربتُ غلامه، لا يخلو أن يكون ثَمَّ ما يدل على المحذوف أولا، فإن كان ثَمَّ ما يدَّل عليه فلا إشكال في الجواز؛ إذ الدليلُ يمنعُ كون الضربِ واقعاً بزيدٍ، فلم يَستبدَّ العامل إذاً بالمضاف إليه الذي هو زيدٌ، ولا كان في حذف المصاف لبسٌ. وقد تقدّم نصُّ ابن جنِّي في ذلك، وإن لم يكن ثَمَّ ما يدلّ على المحذوف لم يجز الحذفُ بإطلاقٍ في مذهب أحدٍ من أهل العربية، فصار هذا التقسيم لا حاصل له، وصحّ إطلاقُه هنا، والله أعلم. وعن الثالث: أن حذف المضافَين يدخل تحت كلامه بطريقةٍ صناعية،

стр. 2146

وذلك أن المضاف الثاني مضافٌ إلى ما يليه، فجاز حذفُه وإقامته مقامه، وأما الأول فإن الثاني لما ناب عنه غيرُه وقام مقامه حتى كأنه هو صار الأول مضافاً في التحصيل إلى ما يليه، وهو النائب عن الثاني، وكأنه في التقدير مضافٌ إلى الثاني، لأنه أُضيف إلى ما قام مقام الثاني، فكأن الثاني ثابتٌ من حيث النائب، فَصَدَق بهذا الاعتبار أن الأول مضاف إلى الثاني الذي يليه، وأن الثاني هو الذي قام مقامه. وأيضاً فيترشَّح ها بطريقة التدريج، وهي طريقةٌ صناعية، ارتضاها الأئمةُ، وذلك أنّ قولهم: تبسَّمَتْ وميضَ البرق، كان أصلهُ: تبسمَتْ مثل تبسُّم وميضَ البرق، وصار التبسّم خلفاً في الإعراب من مثْل، ثُم حذف التبسُّم من حيث كونه مضافاً لا من حيث كونُه نائباً وخلفاً وأقيم مقامه وميض، فصار: تَبسمت وميض البرق. وهو أحسنُ في الصنعةِ من حذف المضافين في التقدير عَبطةً حسب ما قرره ابن جني في الخصائصِ في نحو قوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئاً (١)﴾، والأصل فيه: لا تجزي فيه، ثم قَدَّر حذف الجارَّ فصار: لا تَجْزِيه، ثم حذف الضمير، وَجَعَله أحسنَ من حذف الجار والمجرور معاً ابتداءً، وهو رأي الأخفش (٢) فيها، خلافُ ظاهر سيبويه (٣). وإذا كان كذلك ساغ دخول حذف المضافين تحت كلام الناظم بمقتضى هذه الصفة؛ إذ ليس فيها ما يدفعها. وعلى أنّا إن قلنا بموجب الاعتراضِ فلا يضرّ، فالغالب في الباب حذف الواحد، وأما حذفُ أكثر من واحدٍ فقليل، ولا تكاد تجدُه إلا في مضافين خاصّة؛ إذْ لا أعلم في السماع حّذْفَ ثلاثة مضافات على التوالي، ولا أكثر من

стр. 2147

ذلك، فلا دَرْك على الناظم في اختصاص حذف المضاف الواحد، على فرض انه أراد ذلك. وعن الرابع: أن اللازم للمضاف إليه من النيابة عن المضاف هذه النيابةُ المخصوصةُ في الإعراب، وأما نيابته عنه في مقتضى العامل من الفاعلية وغيرها فلازمٌ وتابع للإعراب؛ ألا ترى أَنَّك تُعرِبُ المرفوع فاعلاً أو مبتداً أو خبراً، حسب ما يطلبه العامل. وكذلك المنصوب تُعرِبه على حسب مقتضى العامل، وكذلك/ المجرور فاستغنى بذكر الملزوم عن ذكر اللازم. وأنا نيابته عن ٤٠٢ المضاف في التعريف أو التنكير فأمرٌ غير لازم ولا مُسَلَّمٍ فيما قال، ولا مُطَّردٍ إن سُلِّم. أما أوّلاً فإن زُهَيرا في قولك: مررتُ برجلٍ زهيرٍ شعراً، ليس بنعتٍ (١) من النيابة؛ إذ لا نُسلِّم أنه نائب، بل من حيث تأولة بنكرة، إذ كان معنى شاعر. وأما ثانيا فإن سُلَّم أنه على حذف المضاف فليس بمطّرد في كلّ ما حُذِف منه المضاف، ولا في حكم ثابت للمضاف، وإنما هو مخصوص بنيابته عن ((مِثْلٍ)) وحده في التنكير وحده، مع أنه قليلٌ، وقد نبه على ذلك في التسهيل بقوله: ((وقد يخلُفُه في التنكير إن كان المضافُ مِثْلاً (٢))) فلو أطلق النيابة لكان يُفهم له ذلك في كلِّ حكمٍ، وذلك غير صحيح. فإن قيل: وكذلك إن قٌيِّدَتِ النيابةُ بالإعراب اقتضى أنها لا تكون في غيره، وذلك غير صحيح. وأيضاً فإن المضاف-وإن حُذِف- يبقى حكمه فيكون ملتفتاً إليه في أحد الوجهين؛ ألا ترى أنك تقول: قرأت هوداً، تريد سورة هود، فلا تمنع صرف هود، وتقول: هذه الرحمن،

стр. 2148

فتؤنث، والمراد سورة الرحمن؛ إذ لا يجوزُ جعله اسماً للسورة، وقال الشاعر (١): يسقُون من وَرَد البريصَ عَلَيهمُ بَردَى يُصَفَّق بالرَّحيق السَّلسل فقال: يًصَفَّق، مراعاةً للمضاف. وما ذلك إلا للنيابة. فالجوابُ: أن ذلك غير صحيح، أما اختصاص النيابة في الإعراب ومقتضاه، فقد تقدم، وأما مررت برجلٍ زهيرٍ شعراً، فلا اعتراض به كما مرّ، وأما الالتفاتُ إلى المحذوف فليس للنيابة، ولكن لأن معناه حاضر فكأنه موجودٌ لفظاً، ولذلك أبقَو الإعراب الأصلي له مع حَذْفِه، حسب ما يأتي في الوجه الثاني: [(٢) وإذا لم يكن للنيابة لم يبق إلا النيابة في الإعراب، وهو الذي اعتمده الناظم. ثم أخذ في الوجه الثاني (٢)] من وَجْهَي حالِ المضاف إليه بعد حَذْفِ المضاف، فقال: ((وربما جّروا الذي أبقَوا)) إلى آخره. يعني أن العرب قد جاء عنها قليلاً إبقاءُ المضاف إليه على حالة من الجرّ الذي كان له قبل حذف المضافِ، ويجوز أن يكون ضمير ((جَرّوا)) عائداً على النحويين، ويكونُ ذلك عبارةً عن إجاتهم له قياساً لكن ضعيفاً، وإن كان عائدا على العرب، ففي ((ربَّما)) إشعارٌ بوجود ذلك في الكلام قليلاً.

стр. 2149

وفي قوله: ((وربَّما حرّضوا)) بعضُ قلقٍ، والأولى أن لو قال: ((وربما أبقوا جَرَّ المضافِ إليه))؛ فإن قوله: ((جَروا)) يُعطي تجديد الجرِّ بعد الحذف، وليس كذلك، بل هو الجرُّ الأولُ الموجودُ قبل الحذفِ. ثم اشترط في جواز هذا الحكم أن يكون ما حُذِف-وهو المضاف-مماثلا لمضافٍ متقدّم [عُطِف (١)] عليه ذلك المحذوف، وذلك قوله: ((ولكن بشرط أن يكون ما حِذُفْ)) إلى آخره، والضمير في قوله: ((لما عليه)) عائدٌ على ((ما))، و ((ما)) واقعة (٢) على المضاف المعطوف عليه، والضمير في ((عُطِف)) عائدٌ على المضاف المحذوف، و ((عليه)) متعلق/ بعطف، و ((بشرط)) متعلِّقُ ... ٤٠٣ باسم فاعلٍ محذوفِ هو حالٌ من فاعل جرُّوا))، أي: ملتبسين بشرط كذا. والتقدير: وربما جرُّوا كذا بشرط أن يكون المحذوفُ مماثلاً للمضافِ الثابت الذي عطف عليه المضاف المحذوف. وقد مشتمل هذا الشرطُ على شرطين: أحدهما: أن يكون المحذوفُ معطوفاً على مضافٍ ثابتٍ، فإن كان كذلك جاز حذفُ المضاف، وإن لم يكن كذلك لم يجز، وما جاء من ذلك فلا يقاس عليه كقراءة ابن جَمّاز (٣): (والله يريدُ الآخرةِ (٤)))، بجرَ (الآخرةِ)؛ فإن المضافَ المحذوفَ، وهو ((عَرَضَ)) ليس بمعطوف على (عَرَضَ) الأول في قوله: (تريدون عرضَ الدنيا (٤)). وكذلك ما في الحديث

стр. 2150

من قول الصحابي: ((قلنا: يا رسول الله، مالُبْثُه في الأرض؟ قال أربعين يوماً (١)))، على تقدير: لبثُ أربعين. وكذلك ما أنشدوه من قوله (٢): رحم الله أَعظُما دَفَنُوها بسجستَان طَلْحةِ الطّلَحاتِ يريد: أَعُظمَ طلحةِ الطلحات. فهذا ونحوه مما تقدَّم فيع المضاف، ولكن/ ... ٤٠٣ [لم (٣)] يعطف عليه المحذوفُ. وكذلك إذا لم يتقدَّم مضاف أصلاً نحو قولهم: رأيت التيمىً تَيْمِ عَدِىًّ، على تقدير من قَدَّر (٤): ذا تَيْمِ عَدِىًّ، فإنه لا يقاس عليه. والثاني: أن يكون المضافُ المحذوف مماثلا للمضافِ المتقدّم في اللفظ والمعنى، فلو كان غير مماثل له لم يجز القياس (٥) فيه، فإن وجد فسماعٌ يحفظ: (والله يريدُ الأخرةِ (٦))، إذا قدرنا: والله يريد باقي الآخرة، وهو تقدير شيوخنا ومن قبلهم، فلو فرضناه معطوفاً على المضاف المتقدّم لم يجز قياسهُ بمقتضى الشرطِ المذكور، فإذا توفَّر

стр. 2151

الشرطان معاً جاز الحذف قياساً، نحو: ما مثُل أخيك ولا أبيك يقولان ذاك، فالتقدير: ولا مثلُ أبيك. وكذلك إذا قلت: ما مثل أخيك يقول ذاك زلا أبيك، تقديره: ولا مثلُ أبيك. ومثلهُ: ما كلُّ سوداء تمرةً ولا بيضاءَ شحمةً، أي: ولا كلُّ بيضاء. وأنشد سيبويه لأبي دُؤاد (١). أكلَّ امرئٍ تَحسبينَ امرأً ونارٍ توقَّدُ باللَّيل نارا وانشد في الشَّرحِ (٢): لم أَرَ مثلَ الخيرِ يتركُه الفَتَى ولا الشرِّ يأتيه الفتى وهو طائعُ؟ وقول الآخر (٣): لو أنَّ الأنسِ والجن داويا الَّـ ذي بِيَ من عَفْراء ما شَفَياني وقول الآخر (٤): لو أنَّ عُصمَ عمايتين ويذبُلٍ سَمِعا حديثَك أنزلا الأَوْعالا في أبيات أُخَرَ.

стр. 2152

وهنا النظر في مسألتين: إحداهما: أن الناظم لم يشترط في جواز هذا الحذفِ غير ما تقدّم، فدّلَ على أنه لا يرتضي من رأى اشترطَ تَقَدُّم نفيٍ أو استفهامٍ، كما في مثل قولهم: ما مثلُ أخيك ولا أبيك يقولان ذاك، وقوله: أكلَّ امرئٍ تحسبينَ امرأً البيت. وهذا الرأيُ مرجوحُ بوجود الحذفِ مع عدم الشرط، كقول الشاعر: لو أن طبيب الجنَّ والإنسِ .. وأنشد في الشرح (١): لَغَيرُ مُغْتَبِطٍ مغْرىً بطوعِ هَوىٍ ونادِمٌ مولعٌ بالحَزْمِ والرُّشْدِ وقول الآخر (٢): كلّ مُتْرٍ في رهطِه ظاهرُ الـ عزَّ دي غربةٍ وفقرٍ مَهينُ فالصواب/ عدمُ اشتراط ذاك الشرط. ... ٤٠٤ والثانية: أن هذه المسألة تضمَّنت مسألتين: إحداهما، مسألة: ما مثُل أخيك ولا أبيك يقولان ذاك، وما كان مثلها، وذلك مما يتعينّ فيه حذفُ المضاف؛ إذ لو كان قوله ((ولا أبيك)) على العطف لقال: ((يقول ذاك))، لأنه راجع إلى ((مثل)) الأول، وهو مفر،

стр. 2153

فلما قال: ((يقولان))، وكان ذلك من كلام العربِ، تعيَّن أن التقدير: ((ولا مثل أبيك)). وكذلك يقال: ما مثل أخيك يقولُ ذاك ولا أبيك، يصحّ حمله على ((مثل)) الأول. والثانية، مسألة: ما كلُّ سوداءَ تمرةً ولا بيضاءَ شحمة. وهذا النمط في نفسه محتمل لأن يكون من باب العطف على معموليَ عاملين، فإن ((ما)) حجازية هنا، وكلُّ خافضة، والواو شرَّكت ما بعدها في العاملين معاً، ومحتمل أن لا يكون من باب حذف المضاف-كما قال الناظم- فهو قد ضَمَّ المسألة في ضابطه، وحكم فيها بأحد الوجهين دون الآخر، فدلَّ على أنه لم ير فيه جواز العطف على معمولي عاملين، وأنَّ رأيه في مسألة العطف رأيُ سيبويه وأكثرِ النحويين، خلافا للأخفش ومن وافقه (١). والخلافُ فيها خلافٌ في تأويل، إذ هم مُتّفقُون على جواز المسألة على الجملة، وأما الراجح في النظر عندهم فرأيُ الناظم، واحتجّوا له بأمور: منها أن حذف ما دلَّ عليه دليلٌ من حروفِ الجرّ وغيرها مجمعٌ على جوازه، والعطف على معمولي العاملين مختلفٌ في جوازه، والأكثر على منعه، وإذا كان كذلك كان المسير إلى المجمع عليه من الحذْفِ للدليل، وإلى موافقة الأكثر في منع ذلك العطف أولى من غير ذلك. ومنها: أَنَّ هذا العطف شبيه بتعدِّيين بتعدٍّ واحد، فكما لا يجوز أن يتعدى الفعلُ إلى شيئين بمعدٍّ واحدٍ، كذلك لا يجَوزُ ما هو بمنزلته. ومنها: أن العاطف نائبٌ عن العامل، وعاملٌ واحد لا يعمل رفعاً وجراً، فكذلك ما أشبهه. ومنها: أن الواو حرفٌ فلا يَقْوى أن تنُوب مناب عاملين، وإذا كان الفعلُ

стр. 2154

لا ينوب مناب عاملين، فالحرف أحرى بذلك الحكم لضعفه وقوة الفِعْلِ؛ ألا ترى أنه يضعُفُ عند قومٍ الفصلُ بين الواو وبين معطوفها، نحو: ضربتُ اليوم زيداً وغداً عمراً؟ فالأصحّ ما ذهب إليه الناظم، والله أعلم. * * * ثم ذكر حَذْف المضافِ إليه فقال: ويُحذَفُ الثانيِ فَيَبْقَى الأَوَّلُ كحالهِ إِذَا بِهَ يتَّصلُ بِشَرْطِ عَطْفٍ وإضافةٍ إِلى مثْل الَّذي لَهُ أَضَفْتَ الأَوَّلا يعني أنَّ المضاف إليه-وهو الثاني-يجوزُ حذفُه، كما جاز حَذْفُ المضاف، لكن يبقى إذ ذاك/ المضافُ على حاله قبل أن يُحَذفَ المضافُ إليه، فيجرّ بالكسرة وإن كان فيه ... ٤٠٥ مانعُ الصَّرفِ، ولا يُرَدُّ إليه ما نُزِعَ منه للإضافة من نونٍ أو تنوينٍ، ولا يُبْنَى من أجلِ هذا الحذفِ وإِن كان مما يُبنى للقطع عن الإضافة، بل يُعَدُّ كأنَّ المضاف إليه موجودٌ، وهو معنى قوله: ((فيبقى الأولُ)) يعني المضافَ ((كحاله إذا به يتّصل))، أي: إذا يتّصل به الثاني. وهذا الحكم إنما يكون بشرطٍ ذكره، وهو أن يكون ثَمَّ عطفٌ وإضافةٌ إلى اسم يماثل الاسم الذي أَضَفْتَ إليه الأول، ومعنى هذا أن يكون ثَمَّ معطوف ومعطوف عليه، وكلاهما مضافٌ إلى اسم واحدٍ، أي: إن المضاف الأول المعطوف عليه مضاف إلى مثل ما أضيف إليه الثاني

стр. 2155

المعطوف، وبالعكس، وذلك أنك تقول: ضربت يَدَ ورِجْلَ زيدٍ، فالأصلُ فيه: ضربت يدَ زيدٍ ورجلَ زيدٍ، وَإِنْ شِئتَ أظهرتَ ذلك، لكنّ المختار إضمارُ الثاني، أرادوا التخفيفَ وحذفَ المضافِ إليه الأول لدلالة الثاني عليه، وإبقاءَ المضاف الأول على تهيئته له، كأنه ثَمَّ، لوجوده مع المضاف الثاني، فلذلك لم يُنَوِّنوا ((يداً)). وكذلك إذا قلت: ضربتُ يَدَىْ ورِجْلَ زيدٍ، تترك ((يَدَىْ)) محذوف النون كما لو لُفِظ بزيدٍ معه. وكذلك مررتُ بأفضَلِ وأكرمِ مَنْ ثَمَّ، تترك ((أفضل)) على جرّه بالكسرة وإن كان فيه مُوجِبُ منعِ الصرف، وذلك الوصف والوزن، لأن مَنْ (١) في حكم الملفوظ به معه. وكذلك تقول: قمتُ قبلَ وبعدَ زيد، فتبقى قبل على نصبه وإِن عُدِم المضافُ إليه، ولا تَبنيهِ على الضمّ. وقد حصل الشرط الذي شرطه الناظم؛ إذ حصل في الكلام-على الجملة- عطف، وهو ((ورجْلُ زيد))، وإضافةٌ كما وصف، وهي إضافة الرجل إلى مماثلِ ما أُضِيف إليه الأولُ الذي هو اليد، وذلك قولك ((زيدٌ)). وكذلك إذا قلت: أعطيتك ستةَ دراهمَ أو سبعةَ، تريد: سبعةَ دراهمَ، فقد حصل الشرط من العطف والإضافة إلى مثل ما أُضِيف إله الأولُ، وهو الدارهم، فجاز الحذفُ قياساً. فعلى هذا يدخلُ تحت مضمونِ هذا الكلام نوعان: أحدهما: أن يكون حذفُ المضاف إليه موجوداً في المعطوف عليه، ودل على المحذوف المضافُ إليه في العطوف، كقولهم: ((قطع الله يد ورجل من قالها))، حكاه الفراء (٢)، أراد: يد من قالها ورجلَ من قالها، وأنشد سيبويه

стр. 2156

للأعشى (١): وَلا نقاتِلُ بالعِصِىِّ وَلاَ نُرَامى بالحجِارَة إِلاَّ عُلاَلَةَ أو بُدَاهَةَ قَارحٍ نَهْدِ الجُزَارَةْ أراد: إِلاَّ علالة قارح أو بداهة قارح. وأنشد أيضا للفرزدق (٢): يا مِنْ رِأَى عارضاً أُسَرُّبه بين ذِراعَيْ وجبهةِ الأسدِ قال ابن جنِّي: ((ومنه قولُهم: هو خيرُ وأفضلُ مَنْ ثَمّ. والنوع الثاني: أن يكون حذفُ المضاف إليه في العطوف لا في المعطوف عليه، وهو أقربُ في القياس /لتقدّم الدليل على المحذوف، ومنه ما وقع في البخاريّ من قول أبي برزَةَ ... ٤٠٦ الأسلمي-﵁ ((غَزَوتُ مع رسول الله- ﷺ -سبعَ غزواتٍ أو ثمانيَ (٣))). هكذا بفتح الياءِ من غير تنوينٍ، يريد: أو ثمانيَ غزوات، فَحذَفَ.

стр. 2157

وقد يكون من لأولِ ما يتقدّمُ فيه الدليلُ على المحذوف، كما يقول: مُطِرنا سهلُ وجبلُنا، يريد: سهلُنا وجبلُنا. وأنشد المؤلِف بيتاً صدرا (١) سُقَى الأرضين الغيثُ سهلَ وحزنَها فإن تخلَّف الشرط الذي شرطه الناظم في الجواز امتنع حذفُ المضافِ قياساً، وإن جاء منه شيءٌ فموقوفٌ على محلّه، نحو ما حكاه أبو علىّ من قولهم (٢): ابدأ بهذا من أوّلُ-مثلَّث اللاَّم-والشاهد فيه كسر اللاَّم من غير تنوين، والتقدير: من أولِ الأشياء، ونحو ذلك. وحكى الكسائيّ عن بعض العرب: ((افوق تنام أم أسفلَ))، على تقدير: أفوق هذا تنام أو أسفلَه؟ )) أو نحو ذلك. وقرأ ابنُ مُحيصِنٍ-فيما يروى عته-: ﴿فلا خَوفُ عليهن (٣)﴾ بِرَفْع الفاء من غير تنوين، أي: فلا خوفُ شيءٍ عليهم. وعلى هذا حمل المؤلِّفُ قولَ بعضِ العرَب: ((سَلاَمُ عليكم (٤)))، بغير تنوين، أي: سلامُ الله عليكم. وقال ذو الرُّمة (٥): فلما لَبِسْنَ الليل أو حين نَصَّبَتْ له من خَذَا آذانِها وَهْو جانحُ

стр. 2158

أراد: أو حين أقبل، كذا، قدرَّه ابنُ جني (١). فمثلُ هذا عنده غيرِ مقيس، وإنما جاز (٢) ما تقدّم دون هذا لقلة هذا بالنسبة إلى ذاك، ولأن المضاف فيما تقدم لما كان مذكوراً مماثلاً للآخر، صار أحدهُما كأنه مغنٍ عن صاحبه، بخلاف ما استثنى فإنه لا دلالة في اللَّفظِ على المحذوف، فلم يكن من شأنِ اللفظ أن يَبْقى على حاله قبل الحذفِ، وصار كقبلُ وبعد وبابهما إذا قطعت عن الإضافة، تلحقها الأحكام التي من شأنها أن تلحق غير المضاف فلهذا فرّق الناظم بين الموضعين، وهو سديدٌ من النظر (٣). ويبقى هنا نظرٌ في المسألة في ثلاثة مواضع: أحدها: النوع الأول، فإن الناظم ارتضى فيه الجواز قياساً، على تأويل حذف المضاف إليه من الأول. أما الجوازُ قياساً فهو أحد المذهبين على الجملة، وهو رأي الفراء والسيرافي. والجمهورُ على المنع، وهو مذهب سيبويه، لأنه لما أنشدَ بيتَ الأعشى المتقدّم أنشد معه بيتاً من الفصل، ثم قال: ((وهذا قبيح، يجوز في الشعر على هذا: مررتُ بخيرِ وافضلِ مَنْ ثَمَّ (٤))). والراجح عند الناظم الأول، وذلك من جهة القياس والسماع. أما السماع فقد كثُر فيه كثرةٌ توجب القياس وأن قلَّ في نفسه، فلا مانعَ من القياسِ عليه.

стр. 2159

وأما القياسُ فإنَّ المضاف إليه الثاني لما كان هو الأول بعينه، صار كأنه حاضرٌ في موضعه، فلذلك بَقِى بعد الحذفِ على تَهيِئَتِهِ. وأيضاً فإنَّ ذلك شبيهٌ بالإعمال، فالمضافُ الأولُ كأنه طالبٌ للمضافِ إليه الثاني / فصار حذفُ الأول كلا حذفَ، وكأنه موجودٌ. وأما تأويلُ حذفِ ٤٠٧ المضاف [إليه (١)] فهو رأي المبِّرد، لأنه يُقَدِّر المسألة إعماليةً، والمختار عند البصريين إعمالُ الثاني، فكذلك هنا، قُلْتَ: قطع الله يَدَ ورجلَ من قالها، أعملت الرِّجْلَ في ((مَنْ))، وقُدِّر لليد ما يعمل فيه، ويكون محذوفاً. وهذا أحدُ المذاهبِ في تأويل المسالة. وذهب سيبويه إلى أنها من باب الفصل بين المضافِ والمضاف إليه، فكأنَّ الأصل: قطع الله يد من قالها ورجله، ثم أقحم الرِّجلُ بين المضاف والمضاف إليه، فصار في التقدير: يد ورِجلْه من قالها، ثم حذفت الهاء اجتزاءً بِمَنْ عن الضمير، وإصلاحاً للفظ، فصار: يدَ ورجلَ من قالها (٢). والراجُح عن الناظم الأولُ؛ لأنك بين أمرين: أن تُقَدِّر المسألة من باب الفصلِ بين المضاف والمضاف إليه، أو تجعلها إعمالية، أما الأول فخاصٌ بالشعر أو شاذٌ في الكلام، لأنه قبيحٌ أن يُفصلَ بين شيئين هما كشيءٍ واحدٍ وليسا في تقدير المنفصلين، بل الثاني حالٌّ من الأولِ محلَّ التنوين، فلم يَسُغِ الفصل بينهما. ولا يُعَتَرضُ بنحو: ﴿قَتْلُ أولادْهم شركائِهم (٣)﴾، لأنه من باب الفصل بين الفعل والفاعل كما سيأتي، فهما في تقدير ما يصحُّ انفصاله، فلم يبق إلا أن يكون من باب الإعمال، حُذِفَ

стр. 2160

معمولُ الأولِ وأُعمِل الثاني. ولا يقال: إن الاسمين معاص مضافان إلى الثاني، للاتفاق على بطلان ذلك؛ إِذ لا يضاف اسمان معاً إلى اسم واحد. فإِن قيل: لو كانت إعماليةً لجاز إعمالُ الأوّل عند الجميع، وإن كان غير مُنكر عند البصريين، فكنت تقول: قطع الله يد ورِجْلَه من قالها، كما يُعمِلُ الأول في الفعل. فالجواب: أن ذلك لم يجز لما يلزم من الفصل الذي فُرَّ منه، وأيضاً فيلزم على مذهب سيبويه التهيئة والقطع، لأنه حَذَفَ الضمير من الرِّجْلِ وهيَّأه للعمل في ((مَنْ))، ثم لم يُعمله. وهو ممنوعٌ عندهم، بخلاف ما ذهَبْنا إليه. فإن قيل: يلزمُ من الحذف أن يُنَوّن المضافُ؛ إِذْ صار كالمقطوع عن الإضافة، فلمَّالم يفعلوا ذلك دَلَّ على أنه مضافٌ في اللفظ إلى ((مَنْ))، ووقع الفصلُ بالرِّجْلِ المُقحَمةِ. فالجواب: أنَّ هذا مُشَتَرك الإلزامِ، فإنكم مقرُّن بأنّ الرِّجْلَ غير مضافٍ في اللفظ، بل قُطع عنها، فيلزم أن يُنَوَّن ويجرى مجرى المقطوع عن الإضافة في أحكامه. فإن قيل: إِن الظاهر وهو ((مَنْ)) ناب عن الضمير المحذوف، فكأَنَّ الرِّجْلَ مضافٌ إلى الظاهر لأنه يليه، وهو المضمرُ بعينه، فلذلك بقي المضاف على حالِهِ قبل حذف الضمير. قيل: وكذلك نقولُ نحن: لَمَّا كان اليدُ مضافاً في الأصل إلى ((مَنْ)) والدليلُ عليها المماثل لها حاضرٌ، صارت كأنهّا هي، فبقى المضاف على تهيئته وعلى الجملة. فَحَذْفُ المضاف أسهلُ من الفصل، والله أعلم. والموضعُ الثاني: هو النوع الثاني، فإِنّ الناظم حَكَم بالقياس فيه، وظاهر _________

стр. 2161

كلام الناس أنه سماع/، وكأنه رأى مجيئَه في الحديث الذي هو أفصحُ كلام البشر، وأنه ٤٠٨ ... في صحة النظر كالنوع (١) الأول؛ لأن الدليل حاضرٌ، والمحذوفَ مماثلٌ له' فصار في حكم الموجود، فعُومِل معامَلَةَ الموجود. والموضع الثالث: حيث تخلَّف الشرطُ، فإنه حكم فيه بعدم القياس، حسب ما يقتضيه مفهومُ الشرط، وظاهر التسهيل فيه القياس، فإنه قال هنالك: ((ما أُفرد لفظا من اللازم الإضافة معنىً إن نُوِى تنكيره، أو لفظ المضاف إليه، أو عُوِّض منه تنوين، أو عطف على المضاف اسم عامل في مثل المحذوف، لم يغيّر الحكم، وكذا عُكس هذا الأخير (٢))). فقوله: ((أو لفظ المضاف إليه))، وهو الضَّرْبُ الذي تحرَّز منه في هذا النظم فأخرجه عن القياس، وقوله: ((أو عُطِف على المضاف اسمٌ عاملٌ في مثلِ المحذوفِ))، وقوله: ((وكذا لو عكس هذا الأخير))، هو الضرب الذي أجازه قياساً. والأظهر ما ذهب إليه هنا؛ حُكى من السماع لا يبلُغ مبلغ القياس في أمثاله، مع إمكان التأويل في بعضِه، وأيضا فقد تقدَّم فرقُ ما بين الموضعين في القياس وعدمه. * * * فَصْلَ مُضافٍ شِبْهِ فِعْلٍ ما نَصَبْ مَفعولاً أوْ ظَرْفاً أَجزْ ولم يُعَبْ فَصْلُ يَمِينٍ، واضِطراراً وُجِداَ بِأَجْنَبِيٍّ أوْ بنَعْتٍ أوْ نِداَ

стр. 2162

ذَكَر في هذا الفصلِ مواضعَ جوازِ الفصل بين المضافِ والمضافِ إليه، ثم أَتبعها بما لا يجوزُ ذلك فيه إلاّ ضرورةٍ، وذلك أَنَّ الأصل أن لا يُفصلَ بيتهما كما لا يُفصل بين أجزاءِ الاسم؛ إذ كان المضافُ إليه قد تنَزَّل منزلة الجزءِ أو ما هو كالجزءِ من المضافِ، لأنه واقعٌ موقع تنوينه، فصار الفصلُ بينهما محظوراً، فإن جاء جهة الاضطرار والشذوذ، لكن لما جاء فيه ما فيه كثرةٌ في بعض المواضع وساعده النظر قال بالقياس حيث كَثُر، وأبقى ما سوى ذلك على المنع إلا أن يسمع فيحفظ، وموضعُ القياس عنده على ما ذكر هنا موضعان: أحدهما: أن يكون المضافُ اسماً يُشِبه الفعلَ، والفاصلُ منصوباً على المفعولية أو الظرفية معمولاً للمضافِ، وذلك قولُه: ((فصلَ مضافِ شبْهِ فِعلٍ ما نَصَبْ))، إلى آخره. فقولهُ: ((فصلَ)) منصوب بأَجِزْ، والمصدرُ الذي هو ((فَصْلَ)) مضافٌ إلى مفعوله، و ((ما نَصَب)) هو الفاعلُ الي رفعه ((فَصْلَ)). و ((مفعولاً)): حالٌ من الضمير المحذوف من ((، نَصَب)) العائد على ((ما)) وثَمَّ مجرورٌ محذوفٌ دلّ عليه الكلامُ متعلِّق بِفَصْلَ، وتقدير الكلام: أَجِزْ أن يَفصِل مضافاً يُشبِه الفعلَ من المضاف إليه الاسمُ الذي نصبه ذلك المضافُ، مفعولاً به أو ظرفاً. فحصل من هذا الكلامِ أنّ الفصل بين المضافِ والمضاف إليه جائز بثلاثة شروط: أحدها: أن يكون المضافُ اسماً يُشبِه الفعل، وذلك المصدرُ المقدَّر بأَنْ والفعِل، واسمُ الفاعل، واسم المفعول؛ لأنها التي/ تعملُ عَمَلَ الفعلِ وتُؤَدِّي معناه على التمام، وهو ... ٤٠٩ الذي قال فيه: ((فَصْلَ مضافٍ شِبْهِ فِعْلٍ)). _________

стр. 2163

والثاني أن يكون الفاصلُ بينهما معمولاً للمضاف، ولا يكون أجنبياً منه معمولاً لغيره. والثالث: أن يكون منصوباً على المفعولية أو الظرفية، فلا يكون مرفوعاً (١) به. ويجري مجرى الظرف المجرور؛ إذ هما في الحكم واحد. فإذا اجتمعت هذه الشروطُ الثلاثةُ ساغ القياسُ، فتقول: أعجبني ضَرْبُ زيداً عَمْروٍ، وقيامُ زيدٍ، وسَيرُ يومَ الجمعةِ زيدٍ. وتقول: هذا ضاربُ غداً زيدٍ، وهذا مُعطي درهماً زيدٍ. وما أشبه ذلك. وإنما قال بالقياس في هذا النمط لِمَا ثَبَتَ فيه السماعِ الذي يقاس على مثله، فمن ذلك قراءةُ ابن عامر: ﴿وكذلك زُيِّنِ لكثير من المشركين قَتْلُ أولادَهم شُرَكائِهم (٢)﴾، فقتلُ: اسمٌ يُشبِه الفعلَ، والفاصل الذي هو (أولادَهم) معمول القتل، وهو أيضاً منصوب، والتقدير: أن يقتلُ أولادَهم شركاءُهم. وهذه القراءة وحدها عُذرٌ لمن قاس في الموضع، لأنها نُقِلت عن موثوقٍ بعربَّيته قبل التعلّم، فإنه كان من كبار التابعين، ومن الذين يُقتَدى بهم في الفصاحة كأمثاله الين لم يعلم منهم مجاورةٌ للعجم يَحدُث بها اللحن، كذا قال ابن مالك (٣). وأيضاً فهو من العدول الذين لا يُظَنّ بمثلهم إدخالُ الرأي في القراءة (٤)، كما ظُنَّ بغيرهم، ولا اتباعُ خطّ المصحف مع عدم اعتباره الرواية. فالأولى في هذه القراءة (أن تجعل (٥)) حجةً في الجواز، فإنها من أقوى ما يُحتَجّ به، وقد جاء

стр. 2164

ما يُؤَيِّدها من السماع والقياس. فأما السماع فنُقِل أيضاً عن بعض السلَّفِ أَنَّه قرأ: ﴿فلا تحسبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدَه رُسُلِه (١)﴾، أراد: مخلِفَ رٌسٌلِه وَعْدَه. واسمُ الفاعلِ والمصدر سواءٌ في الإضافة. ونُقل عن عبدالله بن ذَكْوَانَ (٢) في كتابه أنه قال: سألني الكسائيّ عن هذا الحرفِ-وبَلَغه من قراءتنا (٣)، يعني: ﴿قتلُ أولادَهم شركائِهم﴾ - فرأيتُه قد أعجبه ونزع بهذا البيت فيه (٤): تَنْفِى يداها الحَصَى في كلِّ هاجرةٍ نَفْىّ الدراهِمَ تنفاد الصياريف هكذا أنشده، وأنشدوا من ذلك للطرمَّاح (٥): يَطُفْنَ بِحُوزِىِّ المراتِعِ لم يُرَع بِواديِه من قَرعِ القسِي الكنائِنِ

стр. 2165

وأنشد الأخفش (١): فزججتُها بِمِزحَّةٍ زَجَّ القَلوصَ أبى مَزَادَهْ وأنشد أبو عُبَيدة مَعْمَرُ بن المثَنَّى (٢): وحَلَقِ الماذِىِّ والقَوانِسِ فداسَهَمْ دَوْسَ الحصادَ الدائسِ وأنشد أيضاً لجندل بن المثنّى (٣): يَفْرُكن حَيَّ لسُّنْبُلِ الكُنَافِجِ بالقاع فَرْك القُطنَ المَحَالجِ هذا مما وقع فيه الفصل بالمفعول. ومما وقع فيه الفصلُ بالظرف-وفي

стр. 2166

معناه المجرور-ما في الحديث من قوله ﵇: ((هل أنتمُ تاركوُ لي صاحبِي (١)))، أراد: تاركو صاحبي لي. وقال بعضُ العربِ: تركُ يوماً نَفْسِك وهواها سعيٌ في رداها)). وأنشد سيبويه للشماخ (٢): ربّ ابن عمٍّ لسْلَيمى مُشْمَعِلْ طَبّاخ ساعاتِ الكرى زادِ الكَسِلْ / على من رواه بجرِّ الزادِ. وانشد أيضاً للأخطل (٣): ... ٤١٠ وكَرَّارِ خَلْفَ المُحْجَرين جَواده إذا لم يُحامِ دُون أُنْثَى حليلُها وأنشد المؤلف (٤): لأَنْتَ معتادُ في الهيجا مُصَابرةٍ يَصْلَى بها كلُّ من عَاداكَ نِيرانا وأما وجهُ القياس فإنّ ما تقدَّم من الشواهد استمل على فصلٍ بِفَضلةٍ بين عاملها المضاف إلى ما هو فاعلٌ في المعنى أو مفعولٌ وبين

стр. 2167

معموله (١)، فَحسَّن ذلك ثلاثة أمور: أحدها: كونُ الفاصلِ فضلةً، إما ظرفاً، وإما مفعولاً به، فإنه بذلك صالح لعدم الاعتداد به. والثاني: كونُه غير أجنبيّ لتعلُّقِه بالمضاف. والثالث: كونه مقدَّر التأخير؛ من أجل أن المضاف إليه مقدّر التقديم، بمقتضى الفاعلية مع المفعولية، أو المفعولية مع الظرفية. فلو لم تستعمل العرب الفصل المشار إليه لاقتضى القياسُ استعماله، لأنهم قد فَصَلوا في الشعر بالأجنبيّ كثيراً، فاستحقّ الفصلُ بغير الأجنبي مزيّةً تقتضي القول بجوازه. هذا معنى ما قاله المؤلف (٢) مع زيادة شيءٍ مّا، ويُسوِّغ ذلك أيضاً كونُ الإضافة أصلُها الرفعُ أو النصبُ، فكان محصولُ هذا الفصلِ فصلاً بين فعلٍ ومرفوعه أو منصوبه ببعض معمولاته، فهو في الحقيقة تقديمُ مفعولٍ على فاعلٍ، أو ظرفٍ على مفعول؛ إِذْ كان قولُك: من قَرْعِ القِسِىَّ الكنائنِ كقولك: من قَرْعٍ (القِسِىَّ الكنائنُ (٣)). وقولُك: طباخِ ساعاتِ الكرى زادِ الكَسِلْ كقولك: ((طباخٍ ساعاتٍ الكرى زادً الكًسِلْ. وكذا سائر المُثُلِ، فصار ذلك كلُّه كقولك: ضَرَبَ عمراً زيدٌ، وضربت اليوم زيداً. ولا إشكال في جواز مثل هذا. فهذه المسألة راجعةٌ إليها من جهة المعنى ومن جهة التقدير اللفظي، فلا

стр. 2168

يُسْمَع قولُ من قال بِتَخْطِئِة ابن عامرٍ والغضِّ منه بأنه اتّبع رأيه، وخطَّ المصحف، وترك الرواية، وأن تلك القراءة لحنٌ وغير جاريةٍ على أصول كلام العرب؛ فإن هذا القول تخرُّصٌ عليه، وعدمُ توفيةٍ لحقِّ الإمامة والتقدمِ والعدالةِ ولقاءِ الصحابةِ والأَخْذِ عنهم؛ إذ كان من شيوخه الذين عَوَّل عليهم عثمانُ بن عفانَ، ﵃ أجمعين. وأيضا فهو ممّن اتّفَق الجمُّ الغفير على اتِّباعه الأثَر وعدمِ أخذه بالرأي كسائر السبعةِ وغيرهم، وممن اشتهر بِنَبْذِ الرأي واتباع السنَدِ في القراءة. ولا أعني بهذا الكلام من زَعَمَ أن [مثل (١)] هذا مختصٌّ بالشعر، وأنه شاذ غير مقيس؛ فإنَّ قائِلَ ذلك مُقِرٌّ بأنه (٢) لم يُحَفَظْ مثلُه في كلام العرب، أو لم يكثر كثرةً تُعْتَبر في القياس، أو لم يُدرِكْ وَجْهَ القياس فيه، أو أدركه لكن رآه ضعيفاً. فمثلُ هذا لا كلام مَعَه ولا عَتْبَ عليه، وإنما المراد من زعم (٣) أن هذه القراءة خطأٌ، وأن ابن عامرٍ رأى في مصحف الشاميّين فيه ياءٌ مُثبَتةً في (شركائهم)، فقدَّر أن الشركاءَ هم المضلُّون لهم الداعون إلى قَتْل أولادهم، فأضافَ القَتْلَ إِليهم كما يُضافُ المصدر إلى فاعله، ونصب الأولاد، ولو أضافه إلى/ المفعول وهم الأولاد لزمه ... ٤١١ رفعُ الشركاءِ فخالف المصحف. ثُمَّ وَجّه كون (شركائهم) مرسوما بالياء على خفضه بدلاً من الأولاد لأنهم شركاء آبائهم في إهلاكهم. وأيضاً فقد تكون الياء مضمومةً بدلاً من

стр. 2169

الهمزة على لغة: شفاه الله شفايا (١)، ويُقَدَر: زيّنه شركايُهم قال هذا القائل: وهذان الوجهان تخريج لخطّ المصحف، ولا وجه لقراءة ابن عامر. هذا ما قال. وقد تقدَّم-والحمدلله- وجهُها على ما يساعدُ عليه القياسُ المكور مضافاً إلى ما تقدَّمَ من النقل، وذلك غاية ما قصد في توجيه القراءة. وحصل من مجموع ذلك رُجحانُ ما ارتكبه الناظمُ من القول بالقياس في المسألة. غير أنّ ههنا قاعدةٌ يجب التنبيهُ عليها في الكلامِ على هذا النَّظْمِ، وما ارتكب صاحبُه فيه وفي غيره، وذلك أنَّ المعتمد في القياس عند واضعيه الأوّلين إِنما هو اتباع صلب كلام العرب وما هو الأكثر فيه فنظروا إلى ما كثُر مثلاً كثرةً مسترسلة الاستعمال فَضَبطوه ضبطا ينقاس (٢) ويُتكَّلم بمثله لأنه من صريح كلامهم. وما وجدوه من ذلك لم يكثُرْ كثرةً تُوازي تلك الكثرة، ولم يَشِع في الاستعمال، انظروا: هل له من معارضٍ في قياس كلامهم أم لا؟ فما (٣) لم يكن له معارض أجروا فيه القياس أيضاً، لأنهم علموا أن العرب لو استعملت مثله لكان على هذا القياس، كما قالوا في النسب إلى فَعُولة: فَعَلِىٌّ، ولم يذكروا منه في السماع إلا شَنَئِياً (٤) في شَنُوءَةَ فقاسوا عليه أمثاله لعدم المعارضِ له، فصار بمثابة الكُلِّىَّ الذي لم يُوجَد من جُزئيّاته إلا واحد كشمس وقمر. وكذلك إذا تكافأ السماعان في الكثرة بحيث يصحُّ القياسُ على كلِّ واحد منهما-وإن كانا متعارِضَيْنِ في الظاهر- لأن ذلك راجع إلى جواز الوجهين كلغة الحجازيين وبني تميم في إعمال ما وإهمالها، والتقديم والتأخير في المبتدأ مع الخبر، والفاعل مع المفعول، وغير

стр. 2170

ذلك، فليس في الحقيقة بتعارض، لا سيما إن كانا في لُغَتين مفترقتين؛ فْإنَّ اللغاتِ المفارقة الْسِنَةٌ متباينة، وقياساتٌ مستقلة، فلا تعارُضَ فيها البتة، وإن قلَّت إِحداهما بالإضافة إلى الأخرى، إلا أن تضعفَ جداً فلها حكمُها. وأما الوجهان في اللغة الواحدة فحكمها ما ذُكِر. وما كان له معارضٌ توقفوا في القياس عليه، ووقفُوه على محلّه، إذا كان المعارضُ له مقيساً، وذلك كدخول أَنْ في خبر كاد تشبيهاً بعسى، لو أعملنا نحن القياس في إدخالها لانحرفت لنا قاعدةُ عدمِ إدخالها، مع أنه الشائع في السماع. وهذا كلّه مُبَيّن في الأصول. وإِذا ثبت هذا فمسألة الناظم من هذا القبيل، أما إذا فرضناها عامةً في الفصل بين المضاف والمضافِ إِليه بإطلاقٍ، فلا مِرْيةَ أَنَّ الفصلَ قليلٌ، وعامَّتهُ في الشعر، فهو بحيثْ لا يُلتَفتُ إلى / القياس، وإذا فرضناها خاصّة في إضافة المصدر أو الصفة إلى معمولها، فنحن لا نَشُكّ ٤١٢ أَنّ عدم الفصل فيها هو الشائعُ الذائعُ، وأنّ الفصل بالنسبة إلى عدمه كالمعدوم، وأنّ ما جاء منه في الشعر وما جاء في الكلام شاذٌ في غاية الندور، فكيف نُجري فيه القياس وهو مصادمةٌ لما شاع في كلامهم من عدم الفصلِ؟ إِذ لو عزموا على القياس لكانوا خُلَقاءَ أن يتكلموا به ويكثُر في كلامهم كما كثُر عدمُ الفصل، فإن لم يفعلوا ذلك-بل أطبقوا على عدم الفصلِ-دليلٌ على عدم مراعاة ما راعاه الناظم واضحٌ، ولا يصح أن يقال: هو-وإن كان قليلا-قد ظهر له وجه من القياس، حيث جرى مجرى العامل غير المضاف في جواز بعض معمولاته على بعض؛ _________

стр. 2171

لأنا نقول: ذلك غيرُ معتبرٍ من وجهين: أحدهما: أن العلَّةَ إذا وُجِدت، وَوَجْهَ القياس إذا ظهر، لا يعتبر إلا مع شياع السماع، أو كونه في قوة الشائع لعدم المعارض، كما تقدم، وهذا ليس كذلك. والثاني: أنَّ هذا لو كان مراعىً عندهم لَكَثُرَ في كلامهم كما كثر تقديم (١) المنصوب على المرفوع في غير المضاف. ولا يلزم من عدم القول بالقياس في هذه الأشياء الواقعة في القرآن الكريم أن يكون عَدَمَ مراعاةٍ للفظ القرآن أو إخراجاً له عن الفصاحة أو نحو ذلك، كما يَظُن من لا تحقيق له! بل هو في أعلى الدرجاتِ في الفصاحة، لكنه لم يكثر مثلُه فيقاس عليه. وعلى هذا بنى سيبويه والمحقِّقُون، هذا الصواب، ولكن ابن مالك رُبَّما أهمل هذه القاعدة كما فعل هنا، ولعله يقع التنبيه على بعض مواضعَ من هذا النوع إن شاء الله. وقد خرجنا عن المقصود الأصلي لعارضٍ عَرَضَ فَلْنرجِعْ. فإن تخلَّف أحدُ الشروط المتقدمة لم يَجُزِ الفصل بين المضاف والمضاف إليه قياساً على مقتضى كلام الناظم، فلو كان المضافُ غير شبيه بالفعل لكان الفاصل أجنبياً منهما، فلم يصحَّ أن يقع بينهما. وكذلك إذا لم يكن الفاصل معمولاً للمضافِ، وإن كان المضافُ شبيهاً بالفعل. ومذلك لو كان الفاصلُ مرفوعاً، لأنه عند ذلك متمكِّن في موضعه؛ إذ كان له رتبة التقديم على المضاف إليه، فكان الفصل به فصلاً حقيقةً، فاستُكرِه الفصلُ لذلك، فإذا قلت: أعجبني غلامُ في الدار زيدٍ، لم يجز، وكذلك لو قلت: أعجبني ضاربُ عندك زيدٍ، أو قلت: أعجبني ضربُ زيدٌ عمروٍ، أو: الضاربُ أبوه الغلامِ.

стр. 2172

وما جاء مما خالف القاعدة فسماعٌ إلا الفصل باليمين فإن ظاهر كلامه هنا إجازته قياساً، لقوله: ((ولم يُعَبْ فصلُ يمين))، وهو الموضع الثاني من موضِعَي الفصل القياسيّ، يعني أنّ الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالقسم لم يعيبوه حتى لا يجئَ إلا في ضرورة الشعر، بل استسْهلوا أمره، ففصلوا به في الكلام لكن قليلا، فحكى الكسائي/: هذا غلامُ-واللهِ-زيدٍ (١)، ونُقِل ... ٤١٣ عن أبي عٌبيدة أنه حكى: ((إِنَّ الشاة تسمعُ صوتَ -والله-رَبِّها فتقبلُ إليه وتَثْغُو (١)))، وحكاه ابنُ خروفٍ عنه أنه سمع ابا الدُّقَيش يقول: ((إن الشاة تسمع صَوْتَ-قد عَلِمَ الله- رَبِّها، فتقبل إليه وتثغُو)). وهذا قسمٌ أيضاً، كما فَصلوا بين حرفِ الجرّ ومجروره بالقسم أيضاً، حكاه الكسائي في الاختيار، نحو: اشتريته بِوَالله درهمٍ، فتقول على هذا قياساً: رأيت غلام-والله-زيدٍ، وأتيت بعدَ -لعمروُ الله-عمروٍ، ونحو ذلك. ووجهُ استسهال الأمر في فصل القسم خصوصاً، حتى لم يشترطوا فيه شرطاً، أَنَّ العرب استعملته على جهة التأكيد زائداً على أصل معنى الكلام، كالجلة المعترضة في أثنائه، فكأنه لا فصل ثَمَّةَ، ولذلك وقع بين إِذَنْ ومنصوبها فلم يُعَدَّ فَصْلا، ولم يمنعها أن تُؤَثّر في الفعلِ فتنصبَه، فقالوا: إذنْ-والله-أكرمَك. وهذا الموضعُ ممّا خالف فيه الجمهور من النحويين كالموضع الأول، فإن الفصل بين المضاف والمضاف إليه ممتنع في القياس عندهم بإطلاقٍ. ووجْهُ مذهب الناظم قد مرَّ آنفاً، مع أن السماع-وإن لم يكثر-فقد جاء منه ما يُمكن القياسُ عليه، وقد حَكى (٢) الكسائي ذلك في الاختيار فيما هو

стр. 2173

أشدّ، وذلك حرفُ الجرّ والمجرور؛ فإن الحرف أشدُّ طلباً للاتصال بمجروره من الاسم، فالاسم أحرى بالجواز. وأيضاً فقد زعم أبو عُبيدة أن من شأن العرب أنهم ينقُلون المضافَ إليه الذي موضعُه إلى جنب المضاف الأول، فيؤخِّرونه ويُقدِّمون بينه وبين المضاف الأول كلاماً، ثم لا يُغَيِّر ذلك معناه ولا إعرابه عن حاله إذا احتاجوا إلى ذلك. ,انشد على ذلك جملة أبيات، وحكى كلام أبي الدُّقَيش، فهذا كله مؤنسٌ بوجوده في النظم والنثر على الجملة، أعني الفصل على الجملة. وكونُ الفاصلِ هو القسمُ أسهلُ من غيره، فكان القول (١) بالقياس فيه صحيحاً على هذا الترتيب. وفي إطلاقه القياس في الموضعين نظرٌ من جهة أنه يقتضي جواز الفصل بإطلاق، كان المضافُ إليه ظاهراً أو مضمراً؛ أمّا الفصل مع كونه ظاهراً فمسلَّمٌ على ما قال، وأمّا مع كونه مضمراً فغيرُ مساَّم، لأنّ ضمير الجرِّ متصل أبداً فلا ينفصل البتَّة، ولا ينوبُ عنه في الفصلِ ضميرُ رفعٍ ولا نصبٍ، كما ناب في نحو [قوله (٢)]: ولم يَأْسِرْ كإيَّاك آسِرُ (٣) وقولهم: ما انت كأنا (٤). فكان من حقِّه أن يتحرَّزَ من ذلك.

стр. 2174

وكذلك يقتضي أيضاً جوازَ الفصل بالقسم إذا كان المضاف إليه جملة، نحو جئت يوم قام زيدٌ، وحين زيد قائم، [(١) فتقول: جئت يوم-والله-قام زيد، وحين-والله-زيدٌ قائم (١)]. وجوازُ مثل هذا بعيدٌ؛ إذ لم يسمع مثلُه، ولا يقاسُ إلا على مسموع. والجواب عن الأول: أن حكم الضمائر المتصلة مأخوذٌ من بابه، فلم يحتج إلى ذكره ههنا، وعن الثاني من وجهين، أحدهما: أن كلامه في أصل الإضافة، والأصل فيها أن يكون المضاف إليه مفرداً لا جملة. والثاني: على تسليم أنه أطلق القول قصداً، فلا مانع من الفصل وإن كان المضاف إليه جملةً، بناءً على القياس في أصل المسألة، فإنه إذا ثبت إجراء القياس كان تخصيصُ بعض المواضع دون سائرها تحكّماً بغير دليل. فإن قيل: لا يُقاس إلاّ على مسموع/ ولا سماعَ هنا ... ٤١٤ قيل: قد ثبت السماع على الجملة، ولم يكن الفصلُ ممتنعاً في الأصل من جهة وصفٍ في المضاف إليه، من كونه مفرداً أو جملة، بل من جهة أنه وقع من المضاف موقع التنوين، فالمفرد والجملة في ذلك سواء، فإذا جاز الفصلُ بينهما في بعض المواضع، إمّا لكون المضافِ إليه في الحكم لم يقع موقع التنوين لكونه منصوباً به تقديراً كالموضع الأول، وإمّا لكون الفاصل كالمعدوم حكماً كالموضع الثاني، فلا فرقَ بين المفرد والجملة في جواز الفصلِ أو منعه. وهذا واضحٌ. ثم رجع الناظمُ إلى التنبيه على ما نُقِل مخالفاً لما أَصَّل ولم تتوفَّر فيه شروطُ الجواز، فقال: ((واضطراراً وُجِدا بأجنبيٍّ))، إلى آخره، يعني

стр. 2175

إن الفصل بين المضاف والمضاف إليه إذا لم تُوجَد الشروطُ المذكورة، ولا الفصل بالقسم، قد وجُد في الشعر في حالة الاضطرار، وذلك الفصلُ بالأجنبي، وهو الذي لم يتعلق بالمضافِ ولا كان نعتاً له، ولا كان نداءً، وبالنعت وبالنداء، وأراد النعتِ ونعتَ المضافِ، وبالنداء مع المنادي؛ فإن حقيقة النداء هي التصويتُ بالمنادى، وذلك راجعٌ إلى الحرف المصَّوت به. ولم يقع الفصلُ به إلا مع المنادى، فلابُدَّ أن يُفسَر بهذا، أو يكون على حَذْف مضافٍ، أي: أو ذى نداء. فأما الفصل بالأجنبيِّ فنحو قول عَمرو بن قميئةَ، من أبيات الكتاب: لما رَأَتْ ساتيد ما استعبَرَتْ لله درُّ-اليومَ-مَنْ لاَمَها (١) فاليوم أجنبيّ من ((دَرّ))، لأن العامل فيه ((لامها)). وأنشد لأبي حيَّة النُّميري (٢): كما خُطَّ الكتابُ بِكفِّ يوماً يَهُودِيٍّ، يُقَارِبُ أو يزِيلُ فالعامل في ((يوماً)) خُطَّ. وأنشد أيضاً لذي الرمَّة (٣):
следующие страницы →