ومن ذلك جميعُ ما ذُكر في الأسئلة على النَّاظم فيما بُنِي من (أَفْعَلَ) ومن (فِعُل) (١) ونحو ذلك، فقد سبق منه أمثلةٌ كثيرة، وجميعها نادر في موضعه، يُحفظ حفظا، ولا يُقاس عليه حَسْبَما ارتضاه في هذا النَّظْم.
فإن قيل: ظاهر قوله: ((ولا تَقِسْ على الَّذِي مِنْهُ أُثِرْ)) أَنَّه حَشْوٌ لا فائدة فيه، إذ كان صَدْر هذين المُزْدَوَجَيْن يَقضي بذلك، وهو قوله: ((وبالنُّدوُر احْكُمْ لَغْيرِ ما ذُكِرْ)) فإنه إذا كان نادرا كان غير مَقيس فلم يُفد شيئا زائدا على ما تقدم، بل نقول: إن مجموع الشَّطْرَيْن حَشْو، لأن جميع ما تقدم ذكرهُ قياس، فلو تَرك التنبيهَ على ما عده لَفُهِمَ أنه غير مَقِيس بحكم مفهوم الشروط المذكورة، وذلك عَيْنُ ما ذكُر هنا، فهذان سؤلان، أحدهما: ما فائدة ذكر الشَّطرين؟ والثاني على تسليم أنه أَفَادَ بالشَطر الأول ما فائدة الثاني؟
فالجواب عن الأول أنك إذا تأملَّتَ ما تقدم في الشروط وجدتَ ما خرج منها على قسمين، منه ما قيل بأنه قياس، وذلك كما في البناء من (أَفْعَلَ) ومن فِعْل المفعول، فإن النحويِّين قد اعتَبروا السَّماع في ذلك، وكَثُر عندهم كثرةً يُقاس عليها، وقد اعتَبرها هو في ((التَّسْهيل)) (٢). ومنه ما ليس بقياس اتفاقا، وذلك: ما أَعْسَاهُ، وأَعْسِ به، ونحو ذلك. فلو سكت عن التَّنبيه على النُّدور لَتَوهَّم الناظر فيه أنه إخلال، فأَشْعَر هنا أنَّ تَرْك ما تُرِك ليس بمَغْفُولٍ عنه، بل هو مُغْفَلٌ عَمْداً، غيرُ معتَبر في القياس قَصْداً.
وعن الثاني أن الشطر الأول أخبر عن حقيقة الأمر في ذلك المسموع المنبَّه عليه، وأنه نادر قليل، لا كثيرٌ كما يزعمه مَن ادَّعى القياسَ في تلك المسائل،
стр. 2487
وعادته أن يعبِّر بالقليل عما جاء في الكلام، ولم يَختص بالشِّعر. وقد تقدم التَّنْبيه على ذلك في مواضع. ويعبِّر أيضا بالنُّدور عما جاء في الكلام وهو مُحْتَمِلٍ للقياس عليه وعدمِه.
فلما كان الأمر كذلك حَرَّرَ ما عسى أن يُفهم له منه إجراءُ القيَاس بقوله: ((ولاَ تَقِسْ عَلَى الَّذِي مِنْه أُثِرْ)) اي لا تظن أنه مِمَّا يُقاس وإن كان قليلا، بل اعتَقِدْ أنه عندي في هذا الكتاب غيرُ مقيس بإطلاق/ وإن كان قد جَعل في ((التَّسهيل)) بعضَه قياسا (١)، وهذا المعنى يُحْتاج إلى ... ٥٣٩ ذِكْره، فليس في الكلام حَشْو. وابن مالك ممَّا يَقْصد قَصْدَ هذه التَّنْبيهات، فلا تُهمل النظرَ في كلامه، والتأمُّلَ لمَنَاحِيه، فإن تحت كلامه دقائقَ محتاجاً إليها.
و((أُثِرَ)) معناه: ذُكِر ونُقِل عن العرب، يقال: أَثَرْتُ الحديثَ آثِرُه، إذا ذكرتَه عن غيرك، ومنه يقال: حَدِيثٌ مَأْثُور، أي يَنقله الآخِرُ عن الأول.
ومنه في حديث عمر رضي الله تعالى عنه ((فما حَلَفْتُ به ذَاكِرا ولا آثِراً (٢))) أي: ولا مُخْبِرا عن غيري، يعني الحِلَفَ بأبيه. ثم قال:
وَفِعْلُ هَذَا الْبَابِ لَنْ يُقَدَّمَا
مَعْمُولُهُ ووَصْلَهُ بِه الْزَمَا
يعني أن الفعل في التعجُّب، وهو (أفْعَلَ، وأَفْعِلْ) يلزم طريقةً واحدةً مع معموله، فَيتقدم الفعلُ على معموله، ويَتأخَّر المعمولُ لزوما، ولا يتقدم المعمول.
стр. 2488
ويلزم أيضاً وَصْلُ المعمول بفعله، فلا يُفصل بينهما بفاصل سوى ما يَسْتَثنى. هذا عَقْد ما قاله.
فأما التقديم والتأخير فتقول: ما أَحْسَنَ زيداً قائماً، وأَحْسَنَ بزيد راكباً، فلا تقول: ما أَحْسَنَ راكباً زيداً، ولا أحْسِنْ راكباً بزيدٍ، ولا زيداً ما أَحْسَنَ، ولا بزيدٍ أَحْسِنَ، ولا ما زيداً أَحْسَنَ.
وكذلك لا تقول في قولك: (ما أَنْفَع مُعْطِيكَ عند الحاجة): ما أَنْفَع عندَ الحاجةِ مُعْطِيَكَ، ولا في قولك: (ما أَكْرَمَ مُعْطِيكَ ثَوْباً): ما أَكْرَمَ ثوباً مُعْطِيكَ.
فالحاصل أن الصورة التي ذكر أول الباب ملتَزمة، لا تتخلَّف إلا في موضع واحد، وهو الفَصْل بين الفعل ومعموله بالظرف والمجرور على خلافٍ فيه كما سيَذكره، وذلك أن العرب التَزمت في فِعْلَيِ التعجُّب وعدمَ التصُّرف، ولذلك لا يدُلاَّن على زمان/ كعَسَة ولَيْس، ونِعْم وبِئْس، ولا يأتي منهما مضارعٌ ولا أمر. وإذا لم يتصرَّفا في أنفسيهما لم يتصرَّفا في معمولاتهما بتقديم ولا تأخير.
وأيضاً لَمَّا جَرَيا مَجرى الأمثال كما تقدم صار التقديم والتأخير والفَصْلُ مُخْرِجا لهما عما قَصَدت بهما العرب، فلذلك قال سيبويه: ولا يجوز أن تقدم (عبَط الله) وتؤخِّر (ما) يعني في قولك: ما أَحْسَنَ عبدَ اللهِ، ولا تُزيل شيئاً عن موضعه، ولا تقول فيه: ما يُحْسِنُ، ولا شيئاً مما يكون في الأفعال سوى هذا (١).
فإذا كان هكذا فاللازم فيهما صيغةٌ واحدة.
وقد حَكى المؤلف الإجماعَ على منع الفصل بغير الظرف والمجرور، قال في ((الشرح)) (٢): وكذا لا خلاف في منع إيلائهما ما يتعلَّق بهما من غير
стр. 2489
ظرف وجار ومجرور، نحو: ما أَحْسَنَ زيداً مُقْبِلاً، وأَكْرِمْ به رجلاً، قال: فلو قلت: ما أَحْسَنَ مُقْبِلاً زيداً، وأكْرِمْ رجلاً به- لم يَجُز بإجماع. انتهى.
وفي هذا الإجماع نظر، فقد نُقل عن الجَرْمي في كتابه ((الفَرْخ)) (١) أن الفصل بين ((أَحْسَنَ)) ومعموله بالظرف والحال والمصدر قبيحٌ، وهو على قبحه جائز/ والمصدر أقبحُها عنده، ... ٥٤٠ فالخلاف واقع كما تَرى، ولكن الجمهور على ما قاله.
وقد مَنع الناس (الإعمالَ) (٢) في فِعْل التعجُّب فِراراً من الفَصْل بينه وبين معموله، فلا يقال عندهم: ما أَحْسَنَ وأَجْمَلَ زيداً، ولا ما أَحْسَنَ وأَجْمَلَهُ زيداً، لأن فيه مع إعمال الثاني الحَذْفَ، ومع إعمال الأول الفصلَ.
وأمَّا إذا كان معمولُ فِعْل التعجُّب ظرفاً أو مجرورا فقد قال فيه الناظم:
وفَصْلُهُ بَظْرفٍ أو بِحْرفِ جَرْ
مُسْتَعْملٌ والخُلْفُ في ذَاكَ اسْتَقَرْ
الضمير في ((فَصْلُه)) عائد على ((المعمول)) أي: وفَصْلُ المعمول، يريد: مِنْ عامِله الذي هو فعُل التعجُّب، قد استعملته العرب، ففَصلت بينهما بالظرف، وحرف الجر، أي مع مجروره، وجَرى ذلك في كلامها
стр. 2490
جَرَياناً معتبَراً.
وقوله: ((مُسْتَعْمَلٌ)) يُشعر بأنه في كلامهم غيرُ قليل، بل هو موجود نظماً ونثراً. فأمّا النثر فمنه قول علي بن أبي طالب ﵁ حين مَرَّ بَعَّمار (١) فَمسح الترابَ عن وجهه وقال: أعْزِزْ عَليَّ أبا اليَقْظان أَنِّي أراكَ صَرِيعاً مُجَدَّلاً (٢). ففَصَل بـ (عَلَيَّ) والمنادي.
وقال عمرو بن مَعْدِ يكَرِب: لله دَرُّ بني سُلَيْم، ما أَحْسِنَ في الهَيْجاء لقاءَها، وأَكْرَمَ في الأَزَمات عطاءَها، وأَثْبَت في المَكْرُمات بقاءَها.
وحكى المبرّد وابن السَّرَّاج (٣): ما أَحْسَنَ بالرجل أن يفعلَ كذا.
وأما النظم فأنشد ابن الدهَّان (٤):
وقالَ إمامُ المُسْلِمين تَقَدَّمُوا
وأَحْبِبْ إلَيْنَا أن يكونَ المُقَدَّمَا
وقال عمرو بن العاص السَّهْمي يَرثى رسولَ الله ﷺ :
стр. 2491
غَداةَ نَعَى النَّاعِي النّبِيَّ محمَّداً
فأعْزِزْ عَلَيْنَا بالنَّبِيِّ مُحَمَّدِ
وأنشد المؤلف (١):
خلِيلَيَّ ما أَحْرَى بذِي اللُّبُ أن يُرَى
صَبُوَرا ولَكِنْ لا سَبِيلَ إلى الصَّبْرِ
وأنشد أيضا أبياتاً أُخَر لم أقِّيدها.
والذي يَعْضُد ذلك من جهة القياس أن الفَصْل بالظرف والمجرور في أبوب العربية مُغْتَفَر محتَمل فيما هو أشدُّ من هذا، وهو الفصل بهما بين المضاف والمضاف إليه، وهما كالشِيِء الواحد، فهذا أشدُّ من الفصل بهما بين معمولٍ وعاملٍ ليسا كالشيِء الواحد.
وأيضاً فالقياسُ على (بِئْسَ) مع معمولها مع أنها أضعف من فعل التعجُّب، وقد ورد الفصلُ فيها في قول الله تعالى ﴿بِئْسَ للظَّالِمينَ بَدَلاً (٢)﴾ فإذا جاز الفصل في (بِئْس) فهو في فعل التعجُّب أولى.
وهذا التقرير محتِمل لأن يكون معتبراً في القياس، فيُقاس الفصلُ بالظرف والمجرور، ولأَن يكون غيرَ معتَبر لقلَّة ما جاء في السَّماع من ذلك.
ولذلك- والله أعلم- لم يَقطع هنا الناظمُ بأحد الوجهين، وإنما بَيَّن أن الفصل بالأمرين قد استُعمل. ثم حكى [الفصل قياساً (٣)] وذكر الخلافَ في
стр. 2492
القياس على ما سُمِع بقوله: ((والخُلْفُ في ذَاك اشْهَرْ)) أي في جواز الفصل قياساً.
وذكر في ((التسهيل)) وشرحه (١) / أن الجواز مذهب الفَرَّاء والجَرْمِيِّ والفارسيِّ ٥٤١ وابن خَرُوف والشَّلَوْبِين (٢). ومن المُجيزِين ايضا الزجَّاجُ والسِّيرَافي (٣).
وممَّن نُقل عنه المنعُ الأخفشُ، ونَقل السِّيرافي عن المبّرد المنعَ، وانظر في ((المقتضب)) (٤) ونَسَبه الصَّيْمري (٥) لسيبويه، وإنَّما تعلَّق بقوله: ((ولا تُزيل شيئاً عن موضعه (٦))). وذهب إليه طائفة دون مَنْ ذَكر. والأمر في المسألة محتِمل كما تقدم.
وهنا مسألتان، إحداهما أنه لما نَصَّ على منع الفصل بغير الظرف والمجرور كان ظاهراً في مخالفة ابن كَيْسان (٧) حين أجاز الفصل بـ (لولا) بين الفعل ومعموله، نحو: ما أَحْسَنَ، لولا بُخْلُهُ، خُلُقَ زيدٍ. قال في
стр. 2493
((الشرح)) (١): ولا حجة على ذلك.
ولم يُنَبِّه على الفصل بـ (كان) بين (ما) والفعل، لأنه قد تقدم ذلك في ((باب كان)) في قوله:
وقَدْ تُزَادُ كَانَ في حَشْوٍ كَمَا
كَانَ أَصَحَّ عِلْمَ مَنْ تَقَدَّمَا
وأمَّا: ما أَصْبَح اَبْرَدَهَا، وما أَمْسىَ أَدْفَأَهَا- فيُشَكُّ في كَونْه محكياً من كلام العرب، فإن ابن السَّراج (٢) والسِّيرافي لم يُورِداه على أنه مسموع، ولكن على أن قوماً من النحويِّين أجازوا ذلك، ورَدَّاه.
وثبت في مَتْن الكتاب من كلام الأخفش: ((وقالوا: ما أَصْبَح أَبرَدَهَا، وما أَمْسَى أَدْفَأَهَا (٣))) وإنما يَعْنِي النحويِّين لا العرب، ولو عَنَى العرب لم يَجُز لأبي بكر (٤) ولا لغيره رَدُّه.
وكلام الأخفش في كتابه ((الأَوْسَط)) يدل على أنه لم يَحْكِه. وقد حمله ابن خروف على أنه سَماع، وضَعَّفه بعضُ المتأخرين، فإذاً لا اعتراض على الناظم بَترْك التَّنْبيه عليه.
والثانية انه أطلق القول بجواز الفَصْل بالظرف والمجرور، ولم يبيِّن ان الجواز مخصوص بما إذا كان متعلِّقاً بفعل التعجب، إذ قال: ((وفَصْلُه بظَرْفٍ
стр. 2494
أوْ بَحْرفِ جَرُّ .. مُسْتَعْمَلٌ)) ولم يقيِّد، فاقتَضى ذلك جوازَ: ما أنَفْعَ عِنْدَ الحاجةِ مُعْطِيَكَ، وما أَحْسَنَ في الخير مُوافِقَكَ، على أن يكون الفاصل متعلقاً بالمعمول. وهذا غير جائز على ما نَقله المؤلف.
ومعلومٌ أنه لم يُرِد من الفصل إلا ما كان من قبيل ما تقدَّم من الشواهد، مَمَّا الفاصلُ فيه متعلِّق بفعل التعجب لا بغيره، فكان إطلاقُه غيرَ مطابق لمراده، فكان غير مَستقيم، ولأجل هذا قال في ((التسهيل)): ولا يَليهما غيرُ المتعجَب منه إن لم يتعلَّق بهما، (١) ولم أجد الآن له في هذا عذْراً، فلو قال عِوضَ ذلك:
وفَصْلَ مَعْمُولٍ لَهُ ظرفاً ومَا
ضَاهَى أَجِزْ والخُلْفُ فيه عُلِمَا
أو ما أَعْطى هذا المعنى لَصَحَّ، ويكون ضمير ((له)) عائداً إلى الفعل في قوله: ((وفِعْلُ هَذا البابِ لَنْ يُقَدَّمَا)) و ((ظَرْفاً)) حال، أي أَجِزْ أن يَفْصِل معمولُ فعل التعجب حالة كونه ظرفاً أو ما ضَاهَاه، وهو المجرور.
стр. 2495
((نعم وبئس)). وما جرى مجراهما
الذي جرى مجرى ((نِعْمَ وبِئْسَ)) (فَعُلَ) المبنيُّ من الثلاثي نحو: (سَاءَ) في معنى (بِئْسَ) و ((حِسُنِ)) نحو: حَسُنِ ذَا أدباً، في معنى (نِعْمَ) و (حَبَّذَا) أيضا في معنى (نِعْمَ) وكل ذلك مذكور في هذا الباب.
واعلم أن لـ (نِعْمَ، وبِئْسَ) استعمالين، أحدهما أن يجريا مَجرى سائر الأفعال في التصرُّف وبناءِ المضارع والأمرِ منهما، واسم الفاعل ونحو ذلك، وهما إذ ذاك للإخبار بالنِّعْمة والبُؤْس، كما أن (قَامَ، وقَعَد) للإخبار بالقيام والقعود، فتقول: نَعِمَ زيدٌ بكذا، يَنْعَم به. وبَئِسَ يَبْأَسُ بكذا. أصلهما (نَعِمَ، وبَئِسَ) لكن ما كان على (فَعِلَ) مما عينُه حرفُ حَلْق فيه لغات أربع: الأصْل: الأَصْل، والتَّسْكين منه، والإتباع (١)، والتسكين منه.
والثاني أن يُستعملا لإنشاء المدح والذم، وهما في هذا الاستعمال لا يتصَّرفان لخروجهما عن أصل معاني الأفعال، من الدلالة على الحَدث والزمان، فأشبها الحرف لذلك. وهذا القسم هو المذكور هنا؛ إذ الأول معلومٌ حكمهُ، فقال ﵀:
فِعْلاَنِ غَيْرُ مُتَصرِّفَيْنِ
نِعْمَ وبِئْسَ رَافِعَانِ اسْمَيْن
стр. 2496
مُقَارِنَىْ أَل مُضَافَيْنِ لِمَا
قَارَنَها كنِعْمَ عُقْبَى الْكُرَمَا
عَرَّف أولاً أن (نِعْم وبِئْس) فعلان لا اسمان، لكنهما لا يتصرَّفان تصرفَ الأفعال، من كَونْهما يُبْنيان للماضي والحال والاستقبال وغير ذلك، لمانعٍ مَنع من ذلك، وهو لزومُهما إنشاء المدح أو الذم على سبيل المبالغة، فلَزِما طريقةً واحدة.
وهي مسألة خِلاَفية بين أهل الكوفة وأهل البصرة (١).
فأما أهل البصرة فرأوا أنهما فِعْلان، وهو رأي الناظم، وإليه ذهب الكسائيُّ من الكوفييِّن. وذهب باقي الكوفيين إلى أنهما اسمان لا فعلان. والذي يدل على صحة ما ذهب إليه الناظم (٢) من نظمه قولُه أولاً عند التَّعريف بالفِعْل (٣):
بِتَا فَعَلْتَ وأَتَتْ ويَا افْعَلِى
ونُونِ أَقْبِلَنَّ فِعْلٌ يَنْجِلى
فأخبر أن لَحَاق ناء التأنيث الساكنة آخرَ الكلمة التي لا يَقْلبها (٤) أحدٌ من العرب هاءً في الوقف، ولا تقبل الحركة لغير مُوجِب-من خَوَاصِّ الأفعال، كما كانت التاء في (فَعَلْتَ) وهي ضمير الفاعل دليلاً على ذلك باتفاق.
وإذا ثَبت دخولُ الأداة المختصَّة بالفعل على (نِعْمَ وبِئْسَ) في قولهم: نِعْمَتِ المرأةُ، وبِئْسَت الجارية، قال: نِعْمَ الفَتَى، وبِئْسَت القبيلة- دَلَّ ذلك على فِعْليَّتهما.
стр. 2497
ومثل ذلك في الدلالة على الفِعْلية اتصالُ ضمير الرفع البارز، كما حَكى الكسائي: الزيدان نَعْمَا رَجُلَيْن، والزيدون نِعْمُوا رجالا، ونحو ذلك (١).
فإن قيل: الدليل على أنهما اسمان صَلاَحِيةُ خواصِّ الأسماء معهما، وجَريَانُهما مجراها، فمن ذلك/ أنهما لا يتصرَّفان للماضي ولا للأمر ولا للمضارع، ولا يدلاَّن على زمانٍ ماضٍ ولا ٥٤٢ حاضرٍ ولا مستقبل. وهذا سبيل الأسماء لا سبيل الأفعال.
ومن ذلك دخولُ الجارِّ عليهما، وهو مختصٌّ بالأسماء، كقولهم: ما زيدٌ بِنِعْمَ الرجلُ، وقال بعض العرب: نِعْمَ السَّيْرُ على بِئْسَ العَيْرُ (٢)، وحَكى الفراء: واللهِ ما هي بنِعْمَ المولودةُ (٣).
وكذلك دخولُ حرف النداء، نحو: يَا نِعْمَ المَوْلَى، ويا نعْمَ النَّصِيرُ. ولا يسوغ تقدير المنادى هنا، إذ لا يكون ذلك إلا في الأَمْر وما جرى مجراه، نحو قراءة الكسائي ﴿أَلاَ يا اسْجُدُوا لِلَّه (٤)﴾ وقول ذي الرُّمة (٥):
стр. 2498
ألاَ يَا اسْلَمِي يا دَارَمَيَّ على البِلىَ
ولاَزَالَ مُنْهَلاً بَجْر عَائِكِ القَطْرُ
وقال الآخر (١):
* يَا قَاتَلَ اللَّهُ بَنِى السِّعْلاَتِ *
وذلك في كلامهم كثير. وأما الماضي فلا يُحذف المنادى معه.
فالجواب أن عدم التصرف لِمَا لحقهما من المعنى المقصودِ به نهايةُ المدح والذم، فجُعِلت دلالتُهما (٢) على الحال، لأنه لا يُمدح إلا بما هو ثابت موجود في الحال، لا ما كان ماضياً فانقطع، أو مستقبلاً لم يَقَع.
وأيضاً لَمَّا دَخلهما معنى الإنشاء صَرفهما عن أصلهما، كـ (أَفْعِلْ به) في التعجُّب.
وأما دخول الجارِّ فعلى الحكاية وتقدير القول، كأنه قال: ما زيدٌ بمقولٍ فيه هذا الكلام، كما قال الشاعر (٣):
стр. 2499
* واللهِ ما لَيْلِي بِنَامَ صَاحِبُهْ *
فدخلت الباء، وهو فِعْل بإجماع، وما ذاك إلا لقصد الحكاية، أي مقولٍ فيه: نامَ صاحبهُ. والقَوْلُ يُحذف كثيرا.
أو يكون على حَدِّ الجواب عن قول القائل: زيدٌ نِعْمَ الرجلُ، فيرد الرادُّ عليه كلامَه على غير تقدير القول، كما قال القائل: دَعْنَا من تَمْرتَانِ (١)، على طريقة الحكاية المحضة، وكذلك سائر المُثُل.
وأما حرفُ النداء فقد أدخلته العرب على الأمر، والماضي وإن كان في معنى الأمر، وعلى الجملة أيضاً، نحو (٢):
يَا لَعْنَةُ اللَّهِ والأَقْوامِ كُلِّهِمِ
والصَّالحينَ على سَمْعَانَ مِنْ جَارِ
وذلك كله دليل على أن العرب قد توسَّعت في حرف النداء حتى صارت تَدُل به على مجرد التنبيه من غير قصد نداء، قاله ابن جني وغيره (٣).
وإذا كان ذلك كذلك لم يكن في دخولها على (نِعْم، وبِئْس) دلالة على الاسمية بلابُدٍّ. والكلام في هذا النحو كثير.
وقوله: ((نِعْم، وبئْس)) مبتدأ، خبره ((فِعْلاَنِ غَيرُ مُتَصَرِّفَيْنِ)) ومعناه: أن لهما أحكاما، منها أنهما فعلان، وقد تقدم أنهما غير متصرِّفين كـ (ليس وعسى) وفِعْلَي التعجب. وقد تبين وجهُ ذلك
стр. 2500
ومن الأحكام أيضاً أنهما يطلبان مرفوعاً على وجه مخصوص، وذلك قوله: ((رَافِعَانِ اسْمَيْن)) إلى آخره.
يعني أنهما من حيث كانا فعلين لا بدَّ لهما من فاعل كسائر الأفعال، لكن لا يرفعان كلَّ اسم على الفاعلية لقصورهما، بعدم التصرف/ عن جَرَيانهما مَجرى الأفعال المتصرفة ... ٥٤٣ فاخْتَصَّا برفع ثلاثة أسماء على البدل لا على الجمع (١).
أحدهما كلُّ ما كان مصحوباً بالألف واللام الجِنْسية، أو ما أُضيف إلى ما هما فيه، وذلك قوله: ((مُقَارِنَيْ أَلْ أَوْ مُضَافَيْنِ لِما قَارَنَها)).
فتقول: نعم الرجلُ زيدٌ، وبئس الغلامُ عَمْروٌ، ولا تقول: نعم زيدٌ، ولا بئس عمروٌ.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿نِعْم العْبدُ إنَّه أَوَّابٌ (٢)﴾، (فلنِعْمَ المُجيبُونَ (٣)﴾، ﴿فَنِعْم الْقادِرُونَ (٤)﴾.
وتقول أيضاً: نعم صاحبُ القومِ، وبئس خَدِيُم القومِ (٥)، ومنه في القرآن الكريم ﴿منِعْمَ أَجْرُ العَامِلينَ (٦)﴾، ﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِين كَذَّبُوا بآيات اللَّهِ (٧)﴾، ﴿وبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمينَ (٨)﴾ ومَثَّله
стр. 2501
الناظم بقوله: ((نِعْمَ عُقْبَى الكُرَمَاء)) والكرماء: جمع كريم، والعُقبى: العاقبة وأصل الكرم الشَّرَف، كذا قال ابن قُتَيْبَة.
ووجه رفعهما لما فيه الألف واللام أن (نعم، وبئس) للمدح والذم، فبُولِغ أن جُعِل فاعلُهما جِنْسَ الممدوحِ أو المذمومِ مجازا، ولأَنْ يُذكر أولاً مُبْهَماً في جنسه، ثم يُخَصُّ ثانياً ويُفَسَّر- مبالغةٌ في ذلك القصد، إذ كان الإبهام أولا، ثم البيان ثانيا يُعْطِي تفخيماً وتعظيماً للأمر.
والثاني من مرفوعات (نعم وبئس) الضمير المبهم المفسَّر بما بعده، وذلك قوله:
ويَرْفَعانِ مَضْمَراً يُفسِّرهْ
مُمَيِّزً كَنِعْمَ قَوْماً مَعْشَرُهْ
يعني أن مرفوعهما يكون أيضاً مضمراً مستتِراً مُبْهَماً، يفسِّره مميِّز يُذْكر بعده منصوباً بالفعل، نحو ما مَثَّل به في قوله: ((نِعْم قَوْماً مَعْشَرُهْ)) ففي (نعم) ضمير مبهم يفسِّره ((قوماً)) وليس مرفوعهُ قولَه: ((مَعْشرُه)) لأمرين، أحدهما أنه لا يحتاج إلى مفسِّر، لبيان معناه، فصار ((قوماً)) لا فائدة له، وأيضاً فالمفسِّر لا يتقدَّم على مفسَّره، كما مَرَّ في بابه.
والثاني أن فاعل (نعم وبئس) إذا كان ظاهرا لا يكون إلا بالألف واللام، أو ما أُضِيف إلى مصحوبها، أو ((ما)). و ((ما)) فيها خلاف سيذكره.
فثبت أن فاعله ليس هذا الظاهرَ، وإنما هو ضمير مستتر دَلَّ عليه التفسير بعده، ولأنهم قد قالوا: نِعْمُوا قوماً، ونِعْمَا رَجُلَيْنِ.
وعلى الجملة فلابد من مرفوع، ولا شِيء في الظاهر يصلح أن يكون فاعلا،
_________
стр. 2502
فلابد أن يقدَّر لقوله في باب الفاعل:
وبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فإِنْ ظَهَرْ
فَهُوَوَ إلاَّ فَضَمِيرٌ اسْتَتَرْ
وهذا ظاهر.
ثم كلامه وتمثيله مُشْعِر بفوائد، إحداها أن هذا المضمر لا يختلف باختلاف المميِّز، من إفراد أو تثنية أو جمع، ولا يَبْرز أصلا، وذلك في اللغة المشهورة (١) وإنما تقول: نعم رجلاً زيدٌ، ونعم رجلَيْن الزيدان، ونعم رجالاً الزيدون، ونعم امرأةً هندُ، ونعم امرأتين الهندان، ونعم نساءً الهنداتُ.
ووجهُ الإتيان به مُبْهَما هكذا نحوٌ مِمَّا تقدم في الإتيان بالألف واللام الجنسية، من أنه أُبْهِم ذكر/ الممدوح أو المذموم تفخيماً للأمر، وتعظيماً للشأن، ثم فُسِّر بعْدُ تعريفاً له، ٥٤٤ وتخصيصاً من بين سائر أفراد الجنس، وهو في هذا القَصْد نظيرُ ضمير الأمر والشأن.
والثانية أن هذا الممِّيز لازم لقوله: ((ويَرْفَعَانِ مُضْمَراً يُفَسَّرهُ مُمَيِّز)) أي مضمراً هذه صفتُه وحالُه، فلا يجوز إذاً أن يأتي فاعلُهما مضمرا غَير مميَّز لفظاً وإن كان معلوماً إلا قليلا، دَلَ على ذلك الاستقراء.
ومن ذلك القليل قوله ﵇: ((مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمعُةِ فبِهَا ونِعْمَتْ (٢))) أي: فبالسنَّة أَخَذ، ونِعْمَت سنةُ الوضوء، لكن حُذف للعلم به.
والثالثة بيان أن المميِّز لابد أن يكون فيه وصفٌ هو موجود في
стр. 2503
((قوماً)) وذلك كَوْنُه يَقبل الألف واللام، فإن ((قَوْماً)) يصح أن يَدخل عليه على الجملة، فلو لم يصلح لها لم يميِّز، فلا يجوز الإتيان بـ (أيٍّ ولا غَيْر، ولا مِثْل) ولا (أَفْعَلُ مِنْ) ولا ما أشبه ذلك، فلا يقال: نعم مِثْلَكَ زيدٌ، وبئس غيرَكَ عمروٌ، ونعم أفضلَ منك بكرٌ، لأن التمييز نائب عن الفاعل الذي بابُه أن يكون بالألف واللام، فيصح أن يصحبها ويرتفع فاعلاً، فتقول: نعم القومُ مَعْشَرُه.
فإن كان هذا القيد مقصوداً في المثال فهو تَنْكيت على مَن جَعل ((ما)) في قولك (نِعْمَ مَا صَنَعْتَ) وشبِهه تمييزاً، وأن الأمر ليس كذلك، بل ((ما)) هما فاعل، وهو رأيه في ((التسهيل وشرحه (١))) ولكنه لم يعيِّن ذلك بعد، بل أطلق القول بالخلاف حين قال: ((ومَا مُمَيِّزٌ وقِيلَ فاعلُ)) وسيأتي ترجيح هذا المذهب بحول الله تعالى. ثم قال:
وجَمْعُ تَميِيْزٍ وفَاعِلٍ ظَهَرْ
فِيه خِلاَفٌ عَنْهُمُ قَدِ اشْتَهَرْ
هذه مسأله تتعلق بالنوعين المتقدمين، إذ كان الفاعل إذا أَتَى ظاهراً لا يَحتاج إلى تميز، وإن أَتَى ضميراً احتاج إليه، وذلك أن أصل التمييز أَلاَّ يَجتمع مع الفاعل الظاهر، لأنه إنما أُتِي به ليفسِّر جنس الممدوح أو المذموم حين لم يَتَبيَّن بالإضمار، فإذا أُظهر كان الجنس بَيِّناً بنفسه، مستغنياً عن التفسير، فكان الجمع بينهما جمعاً بين العِوَض والمعوَّض منه، لكن لما جاء السَّماع به اختُلف في إجراء القياس على ما سُمع وعدم إجرائه.
فحكى الناظم الخلافَ في ذلك، فيريد أن جَمْعَك بين التمييز المذكور والفاعل الظاهر في اللفظ فيه خلافٌ بين النحويين قد اشْاَهر عنهم وشاع، هل
стр. 2504
يُقاس على ما سُمع من ذلك أم لا؟
والخلاف المُشْتَهِر بينهم هو أن طائفة مَنعوا من الجمع بينهما لما تقدم من أنه جمع بين العِوضَ والمعَّوض منه، ولا فائدة فيه، إذ هو تفسير المفسَّر فذِكُرهُ فَضْل (١)، فامتنع لذلك.
وهو ظاهر كلام سيبويه، إذ قال حين ذكر الوجهين في (نعم): ((فنِعْمَ تكون مرةً عاملةً في مضَمر يفسِّره/ ما بعده، فيكون هو وهي بمنزل (وَيْحَهُ، ومِثْلَه) ثم يَعملان في الذي ... ٥٤٥ فَسَّر المضمَر عملَ (مِثْلَه، ووَيْحَه) إذا قال: لي مِثْلُه عَبْداً)) (٢).
يعني: يلزمه التفسيرُ كما لزم في: وَيْحَهُ رجلاً وعَبْداً، فتقول: نعم رجلاً زيدٌ.
قال: ((ومرةً أخرى تعمل في مُظْهَر لا تُجاوزُه)) (٣) أي لا تجاوزه إلى مفسِّر استغناءً به عنه.
بهذا تعلَّق مَن زعم أن مذهب سيبويه المنع، وله نحوٌ من هذا في أول ((الاشتغال (٤))) ومنهم من أجاز ذلك، منهم المبّرد وابن السَّراج (٥) وظاهر الفارسي في الإيضاح (٦).
стр. 2505
وشبَّه ذلك المبرّد وابن السَّراج بقولهم: لي من الدراهم عشرون درهما.
ولابن عُصفور قولٌ ثالث بالتفرقة بين أن يكون التمييز من لفظ الفاعل فيَمتنع، أو من لفظٍ غير فَيجوز إذا أفاد معنىً زائداً على ما دَلَّ عليه الفاعل.
ولم يبيِّن الناظم في هذه المسألة مُرْتضىً من هذه الأقوال. والذي مال إليه في ((التَّسهيل)) القولُ بالجواز (١) تعويلاً على القياس والسَّماع.
أما القياس فإن حامل سيبويه على المنع كَوْنُ التمييز في الأصل مَسُوقاً لرفع الإبهام، ولا إبهام إذا ظهر الفاعل، فلا حاجة إلى التمييز. ويلزم من هذا الاعتبار منعُ التمييز من كل ما لا إبهام فيه، كقولك: له من الدراهم عشرون درهما. ومثل هذا جائزٌ بلا خلاف. ومثله قوله: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُور عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً (٢)﴾ وقوله: ﴿واخْتَار مَوُسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِميقَاتِنَا (٣)﴾ وقوله: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعينَ لَيْلَةً (٤)﴾ وقوله: ﴿فَهِيَ كَالحِجْارةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (٥).
فكما حُكم بالجواز في مثل هذا، وجُعِل سببُه التأكيدَ لا رفعَ الإبهام، كذلك تقول في: نِعْم الرجلُ رجلاً، لأن تخصيصه بالمنع تحكُّمٌ بلا دليل.
وأما السَّماع فمنه في ((كتاب البُخَاري)) في حديث عبد الله بن عمر ((فَيَسْأَلُها عن بَعْلِها فتقول له: نِعْم الرجلُ مِنْ رَجُلٍ، لم يَطَأْ لنا فِرَاشاً، ولم
стр. 2506
يُفَتِّش لنا كَنَفاً مُذِابْتَنَي)) (١) وأَدْخل ((مِنْ)) على المفسِّر. وقالوا: نعم القتيلُ قتيلاً أصلح الله به بين فِئَتَيْن (٢).
وقال جرير يمدح عمر بن عبدالعزيز ﵁ (٣):
تَزَوَّدْ مِثْلَ زَادِ أَبِيكَ فِينَا
فِنعْمَ الزَّادُ زَادُ أَبِيكَ زَادَا
وقال يَزِيد بن طُعْمة (٤):
بِئْسَ ذَاكَ الحَيُّ حَيّا نَاصراً
لَيْتَ أَحْيَاءَهُمُ فِيمَنْ هَلَكْ
وقال المُغِيرة بن حَبْنَاء التَّميمي (٥):
فنِعْم الخُلْفُ كان أَبُوكَ فِينَا وبِئْسَ الخلْفُ خُلْفُ أَبِيكَ خُلْفَا
وقال الآخر (٦):
стр. 2507
ذَرِينِي أَصْطَبِحْ يا بَكْرُ إنِّي
رأيتُ المَوْتَ نَقَّبَ عن هِشَامِ
تَخَيَّرهُ ولَمْ يَعْدِلْ سِوَاهُ
ونِعْم المَرْءُ مِنْ رَجُلٍ تَهَامِ
استشهد بهذا بعضُهم على المسألة، لأن ((من)) زائدة. وإذا كان ثابتاً نظماً ونثراً، وساغ له وجهٌ من القياس صحيحٌ كان القول بقياسه لازما.
والمانع من القياس يَحتجَ بالقياس والسَّماع. وأما القياس فقد تقدَّم. وما أَتَوا به من الشواهد على الإتيان بالتمييز توكيداً/ لا يدلُّ على الجواز، لأن جميع ما تقدَّم إنما جاء على الأصل؛ ٥٤٦ من بيانِ ما هو مبهَم، لكن عَرضَ للكلام عارضٌ خارج صار به التمييز مستدلاً عليه، فلا يَمتنع الإتيانُ به اعتباراً بالأصل، لأن [المبهم (١)] المطلوبَ تفسيرُه باقٍ، إذا زالت القرينةُ الخارجية رجع إلى إبهامه.
وأما (نِعْم الرجلُ) فليس فيه ما يحتاج إلى بيان، لا في أصله ولا في استعماله، فلا يحتاج إلى مفسِّر يَصير توكيداً مع قرينة خارجية، فصار التمييز هنا لا فائدة له بحال، لا أصلاً ولا فرعاً. وهذا فرقٌ صحيح لمن تأمَّله.
وأما السماع فالنقلُ فيه قليل، وقد أنشد المؤلف بيتاً آخر زائداً إلى ما تقدم، وأنشد في نحو ذلك أيضاً (٢):
стр. 2508
ولَقَدْ عَلِمْتُ بَأَنَّ دِيَن محَّمدٍ
مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ البَرِيَّة دِينَا
وهذا كله نادر. ومنه ما هو في الحديث. والاستشهاد به كما ترى. وقد تقدَّم ما يصح الاستشهادُ به من الحديث وما لا يصح.
وقال الشَّلَوْبِين في قوله (١):
* ونِعْمَ المرُء مِنْ رَجُلٍ تَهَامِ *
إن ((مِنْ)) لا تَدخل على تفسير ((نعم)) بَوجْهٍ، فلا يقال: نِعْم مِنْ رَجُلٍ زيدٌ، لا سماعاً ولا قياساً، لأن ((مِنْ)) لا تدخل إلا في موضعٍ يصح فيه التَّبْعيض، أو يكون أصل التمييز فيه الجرَّ بـ (مِنْ) نحو: لِلَّهِ دَرُّه فارساً، وامتَلأَ الإناءُ ماءً، وليس هذا البيت كذلك.
وأيضاً فليس البيت من باب: نعم الرجلُ رجلاً، وإنما كان يكون مثله لو قال: ونِعْمَ المرُء التِّهَامِيُّ مِنْ رجلٍ تَهامِ، ولكن لَما اسْتَبْهَم قولُه: نِعْم المَرْءُ، من جهة أنه مَدْحٌ عامٌّ فُسِّر بخاص، كما فُسِّر: لِلَّهِ دَرُّه من فارسٍ. ودخول ((مِنْ)) على ((رجل تَهامٍ)) كدخولها على ((فارسٍ)) من قولك: لِلَّهِ دَرُّهُ من فارسٍ. فليس من مسألتنا في شِيء.
وهذه الفِقْه في البيت صحيح، وهو جارٍ في الحديث (٢)، وكذلك قولهم: نْعِم
стр. 2509
القتيلُ قتيلاً صفتُه كذا (١)، لتَقْيِيده التمييز. وكذلك قول الآخر (٢):
* بِئْسَ ذَاكَ الحَيُّ حَيَّا نَاصِراً *
فخرَج أكثر ما ذَكر من الشواهد عن المسالة. وقد يُؤَوَّل أيضاً بيتُ جرير (٣) على أن (زَاداً) عاملُه (تَزَوَّدْ) لا (نِعْم) فلا دليل فيه.
وإذا انهدمت قاعدةُ السماع والقياسِ لم يَبْق ما يعوَّل عليه في الجواز.
وأما مذهب ابن عصفور فكأنه عَوَّل على المنع إلا في مثل:
* ونِعْمَ المَرْءُ مِنْ رَجُلٍ تَهَامِ *
وقد تقدَّم ما فيه.
واعلم أن من المحققِّين مَن لا يجعل بين سيبويه والفارسيِّ وغيرهِ خلافا، وإنما تكلَّم سيبويه على الشَّائع في الباب، وتكلَّم غيرُه على ما جاء من ذلك قليلا، فالخلاف إذاً غيرُ محقَّق عند هؤلاء. والناظم إنما بَنى على ظاهر كلامهما لا سيَّما وقد انضَمَّ إلى ذلك القولُ الثالث بالتَّفرقة. والله أعلم.
وأما النوع الثالث من مرفوعات (نعم، وبئس) فهو الذي قال فيه:
ومَا مُمَيِّزٌ وقِيلَ فَاعِلُ
في نَحْوِ نِعْمَ ما يَقُولُ الفَاضِلُ
стр. 2510
/ إلا أنه ذكر في ذلك خلافاً بين النحويين، وهو ما في نحو قولك: نِعْمَ ما صَنَعْتَ، ... ٥٤٧ وبِئْسَ ما فَعَل زيدٌ.
ومنه مثال الناظم ((نِعْمَ ما يقولُ الفاضلُ)) ومنه في القرآن: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١)﴾، ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ (٢)﴾، ﴿قُلْ بِئْسَما يَأَمركُمْ بِهِ إِيَمانُكُمْ (٣)﴾، ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ (٤)﴾ الآية.
وعَيَّن للخلاف قولَيْن، أحدهما أن ((ما)) تمييز، فهي في موضع نصب، وفاعل (نعم، وبئس) مضمَر فيهما على حد: نَعْمَ رجلاً زيدٌ، وبِئْس غلاماً عَمْروٌ. وهو منقولٌ عن جماعةٍ، منهم الفارسيُّ والزمخشريُّ وغيرهما (٥). وإليه ذهب الجُزوليُّ (٦) وجَمْعٌ من المتأخِّرين.
لكن اختَلفوا: هل هي نكرةٌ موصوفة بذلك الفعل الظاهر، أم غيرُ موصوفة، و ((صَنَعْتَ)) صفةٌ للمذموم المحذوف على قياس قول علي بن حمزة الكسائي الآتي.
فالأولُ هو المشهور في النَّفل، والثاني كأنه مَخْرج. وهذا معنى قوله: ((وما مميِّز)) أي عند بعض.
والثاني أن ((ما)) في موضع رفع على الفاعلية، إلا أن هؤلاء اختلفوا في ((ما)) فذهبت طائفة إلى أنها اسم تامٌّ مَكْنِيٌّ به عن اسمٍ معرَّفٍ بالألف
стр. 2511
واللام الجِنْسية، فمعنى قولك: (نِعْمَ ما صَنَعْتَ) نعم الشِيءُ صنعتَ، و ((صنعتَ)) في موضع الصِّفَة، من باب قولهم: ما يَحْسْنُ بالرجلِ خيرٍ منكَ أن يَفَعْلَ.
وذهبت طائفة إلى أن ((ما)) موصولة بمعنى ((الذي)) واكتُفي بها وبصلتها عن المخصوص بالمدح والذم.
وحَكى النَّحاس (١) عن الكسائي أن ((ما)) والفعل الذي بعدها في موضع رفع بـ (نِعْمَ).
وغيرُه يَحكى عنه موافقةَ القولِ الأول أنها اسم تام مرفوع، ولكن على أن ((ما)) بعدها ((ما)) أخرى مقدَّرة، كأنه قال: نعم الشِيءُ ما صنعتَه، وهو قول رابع.
وحكى بعض المتأخرين أن منهم من يَجعل ((ما)) نكرةً موصوفة مرفوعة، كأنه قال: نِعْمَ شَيِءٌ صنعتَ.
فهذه خمسة أقوال تفَّرعت على القول بأن موضع ((ما)) رفعٌ، وهو قوله: ((وقِيلَ: فاعل)).
وفي المسألة قول ثالث بالتخيير بين الوجهين، وهو مذهب طائفة. وقال به الفارسيُّ في بعض مسائله.
ولم يَنص الناظم على اختيار واحد من القولين اللَّذَين حَكَى. وفي كلامه ما يشير غلى الاختيار، لكنها إشارة ضعيفة، فقد تقدَّم في قوله: ((كنِعْمَ قَوْماً مَعْشَرُهْ)) ما يُشعر أن رأيه أنه فاعل، وتقديمُه هنا القولَ بالتمييز قد يُشير إلى اختياره. ويمكن، وهو الأظهر، أَنْ لم يَقْصِد اختِياراً بحال.
стр. 2512
ولكن نقول: إن كان قد مال إلى القول بالفاعليَّة فقد رَجحَّه الناس بأمور، أحدها التعلُّق بكلام سيبويه (١) مع موافقته للمعنى، فإنك إذا قلت: (نَعْمَ ما صَنَعْتَ) فمعناه: نعم الشِيءُ صنعتَ، وفي ﴿إَنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ (٢)﴾ معناه: فنعم الشِيءُ إبداؤها.
قال ابن خروف (٣): وتكون ((ما)) تامَّةً مَعْرفة بغير صِلَة، نحو: دققتُه دَقاً نِعِمَّا. قال سيبويه: أي نعم الدَّقُّ (٤)، و ﴿نِعِمَّا هِيَ﴾ أي نعم الشيءُ إبداؤُها، و: نعم ما صنعتَ، وبِئْسَمَا صنعتَ، أي نعم الشيءُ صنعتَ. هذا قول ابن خروف معتمِداً على كلام سيبويه.
وسَبقه إلى ذلك السِّيرافيُّ (٥)، وجعل نظيرَ ((ما)) هنا/ قولَ العرب: إنِّي مِمَّا أَنْ أَصْنَعَ، ... ٥٤٨ أي من الأمر أَنْ أصنعَ، فجعل ((ما)) وحدها في موضع ((الأَمْر)) ولم يصلها بشيء. وتقدير الكلام [إنِّي من الأَمْر] (٦) أي من الأَمْر صُنْعِي كذا، فالياء اسم ((إنَّ)) ((وصنعي)) مبتدأ، و ((من الأمر)) خبرُ ((صُنْعِي)) والجملة في موضع خير ((إنَّ)).
وهذا موافق لكلام سيبويه، إذ قال (٧): ونظير جَعْلَهم ((ما)) وحدهَا اسماً قولُ العرب: إنِّي مِمَّا أَنْ أصنعَ، أي من الأمر أن أصنعَ، فجعلوا
стр. 2513
((ما)) وحدها اسماً. ومثُل ذلك: غسلتُه غَسْلاً نِعِماً، أي: نِعْم الغَسْلُ. فَقدَّر ((ما)) بالأَمْر وبالغَسْل، ولم يقدِّرها بأمرٍ ولا غَسل، فعُلم أنها عنده معرفة.
والثاني أن ((ما)) قد كثر الاقتصارُ عليها في نحو: غَسَلْتُه غَسْلاً نِعمَّا. والنكرة التالية ((نِعم)) لا يُقتَصر عليها إلا نادرا.
والثالث أن التمييز إنما يُجاء به ليُزيل الإبهامَ، ويَرفع الإشكال عن جنس الممَّيز، و ((ما)) المذكورة مساوية للمضمر في الإبهام، فلا يكون تمييزاً على هذا.
والرابع أن ((ما)) هنا إمَّا مَعْرفةٌ ,إمَّا نكرة موصوفة، إذ لم يَثْبت لها إلا هذان القسمان، و ((ما)) في ﴿نِعمَّا هِيَ﴾ وفي (غَسْلاَ نِعمَّا) ليست بموصوفة، فلا تكون نكرة، وإذا لم تكن هنالك نكرة فلا تكون في (نِعْم ما صَنَعْتَ) نكرة، إذ لم يثبت ذلك في نظيرتها.
وإن كان الناظم مائلاً إلى القول بأن ((ما)) في موضع نصب على التمييز فيرجَّح بأشياء: أحدها أن فاعل ((نعم، وبئس)) لم يَثْبت فيه إلا أن يكون بالألف واللام الجِنْسية، أو مضافاً إلى ما هما فيه، أو مضمراً فيهما على شَرِيطة التفسير، وليس هناك ما فيه ألف ولام، ولا ما أضيف إليه، فلابد أن يَتعيَّن أن الفاعل مضمر كما تعيَّن في نحو: نِعْم قوماً مَعْشَرُه، وإذ ذاك تكون ((ما)) في موضع نصب على التمييز نظير ((قوماً)) في المثال المذكور، ولا مَنْع في ذلك وإن كانت ((ما)) مبهَمة، لأنها بمعنى ((شِيء)) أو غيره من النكرات التي يصح وقوعها تمييزاً هنالك، وكما تقع ((ما)) صفةً في قولهم: (شِيءٌ مَا) مع أن أصل الصفة أن تأتي للبيان، كذلك تقع هنا تمييزا، وإن كان أصله البيان.
والثاني أن ((ما)) إذا ادُّعِي أنها في موضع رفعٍ إمَّا أن تكون موصولةً أو
стр. 2514
غير موصولة، [فإن كانت موصولة (١)] لم يَصح، لأن الموصولة تَتَبيَّن بالصلة، فتصير في عداد الأسماء المعيَّنة، وهي لا تكون فاعلة لـ (نعم، وبئس) فإن لم يكن لها صلة فموصولٌ بغير صلة لا يكون. وإن كانت غيرَ موصولة فإمّا نكرةً أو معرفة، فإن كانت [نكرة] (٢) لم تقع فاعلة في هذا الباب لاختصاص الفاعل فيه بالتعريف، وإن كانت معرفةً فخلافُ الظاهر (٣)، لأن ((ما)) قُوتُّهَا قوةُ النكرة إذا لم تكن موصولة.
ومَا قَدَّرها به سيبويه من المعرفة لعلَّه على غير تفسير الإعراب، بل على التساهل في تقدير المعنى، وإذا لم يَثْبت لها بحكم الظاهر إلا التنكير صَحَّ أن الفاعل أمرٌ آخر، ووجب نصب ((ما)) على التمييز لِمَا قُدِّر فاعلاً، وهو الضمير.
ثم هنا مسائل؛ إحداها أن ((ما)) في وقوعها بعد ((نعم، وبئس)) على ضربين/ ... ٥٤٩ أحدهما أن تكون صالحة لأن تكون موصولةً فاعلة، أو نكرةً موصوفة منصوبة على التميز، أو مرفوعةً حَسْبَما تقدَّم من الخلاف، كقولك: نِعْمَ ما صنعتَ، وبئس ما فَعل زيدٌ.
والثاني ألاَّ تكون صالحةً لذلك كقولك: نِعْمَ ما أَنْتَ، وقوله: ﴿فَنِعَّما هِيَ (٤)﴾.
وحكَى الزَّجَّاج عن النحويين (٥) أنهم حَكَوا: بِئْسَمَا تزويجٌ ولا مَهْرٌ.
стр. 2515
وحَكى ابن الطَّراوة. بئسما بَطٌّ ولا نَرْعَاها. وحكَى سيبويه: غسلتُه غَسْلاً نِعِمَّا (١)، وما أشبه ذلك.
فأمّا الضرب الأول فظاهر الناظم أنه الذي عَيَّنَ لما ذكَرَ من الحكم، لقوله: ((في نحو كذا)) يعني أن ذلك الخلاف المحكيَّ هو في هذا الضَّرْب. فبقى الضَّرْب الثاني غيرَ محكوم عليه، بل مسكوتاً عنه.
وظاهر ما في ((الشرح)) (٢) أن الضربَيْن عنده واحج، وأن الخلاف فيهما واحد. وهذا مما فيه نظر.
أمّا الأول فقد مضى ما فيه. وأما الثاني فقد استَقْرأ بعضُ حُذَّاق المتأخرين من كلام سيبويه أن ((ما)) في الأول موصولةٌ، وفي الثاني اسمٌ تامٌّ بلا صلة، وإن كان غيره يرى غير ذلك.
وفَرقَّ بينهما الفارسيُّ ايضاً، فإنه قال في ((الشِّيرَازِياَّت)): إن نحو (بئس ما صنعتَ) يحتمل أن تكون ((ما)) فيه موصولة أو موصوفة، وقال في ﴿نِعِمَّا هَيِ﴾: هي نكرة، لا غير.
وقال الفراء (٣): إن ((ما)) تَلِي ((نِعْم)) على أوجه ثلاثة، أحدها ألاَّ يكون لها موضع من الإعراب، وتكون كبعض حروف الاسم، كـ (ذا) من: حَبَّذا، ولا تتغيَّر ((نعم)) في تأنيث ولا تثنية ولا جمع. وتُرفع الأسماء بعدها، وعليه حَمل قولَ الله تعالى: ﴿فَنِعمَّا هِيَ﴾ وقولَهم: بِئْسَما تزويجٌ ولا مَهْر.
والثاني أن تكون زائدة لا أثر لها، فتقول: نِعْمَا رجلَيْن الزيدان، ونِعْمَا
стр. 2516
رجالاً الزيدون، ولم يمثِّل بنحو: نِعْمَ مَا الرجلُ زيدٌ.
والثالث نحو قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَروْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ (١)﴾ فنَصَّ على أنها مرفوعة (٢)، وظاهره أنها مَعْرِفة موصولة.
ومذهب الكسائي أن ((ما)) في (نعم ما صنعتَ) بمنزلة ((الرَّجُل)) تامَّة، وبعدها ((ما)) أخرى مضمرة. وفي نحو: نِعْمَ مَا زيدٌ، بمنزلة: نعم الرجلُ زيدٌ (٣).
فالحاصل أن الواقعَ بعدَها الفعلُ غيرُ الواقعُ بعدها الاسمُ، أو التي لم يقع بعدها اسمٌ ولا فِعْلَ في جَرَيان الأحكام، لكنهما قد يتفقان في بعض الأحكام دون بعض. وظَهَر أن الخلاف فيهما ليس على حَدٍّ واحد، فلذلك- والله أعلم- قَيَّد الكلامَ، ولم يُهمل القولَ بنقْل الخلاف، إلا أنه أهمل القولَ في الضَّربْ الآخَر، إمَّا لأنه أقلُّ بالنسبة إلى هذا، وإما لأنه موضع نَظَر، هل يُلحق بها أم لا؟ مع أنه يمكن أن يكون المثال ليس بِقَيْد، فَيَدخل له الضَّرْبان معا، حَسْبَما ذكر في ((التَّسهيل)) (٤). وهذا بعيد، والله أعلم.
والثانيةِ أنه نَصَّ على الخلاف في ((ما)) وأَهمل ذكَر ((مَنْ)) وهي مِثْلُها في هذا الباب، فكما تقول: نعم ما صنعتَ كذا، كذلك تقول: نعم مَنْ لقيتَ زيدٌ.
ويصح هنا تقدير ((مَنْ)) في موضع رفع على الفاعلية، وفي موضع نصب/ على ... ٥٥٠ التمييز، على تقدير: نعم الرجلُ، أو نعم رجلاً، فيظهر أن
стр. 2517
ذِكْر أحدهما دون الآخر تقصير.
وقد جاء في الكلام ذلك، أنشد الفارسيُّ وابنُ دُريَدْ وغيرهما (١):
فَنِعْمَ مَزْكَأُ مَنْ ضَاقَتْ مَذَاهِبُهُ
ونِعْم مَنْ هُوَ في سِرٍّ وإعْلاَنِ
فَنصَّ الفارسيُّ في ((الأبيات المشكلة (٢))) على أن ((مَنْ)) تمييز، كمذهبه المتقدم في ((ما))، ومن الناس من أجاز فيها الرفعَ كـ (ما) فالحاصل أنها مِثْلُها، فإذا كان كذلك فلِمَ تَركها الناظم دون ((ما))؟
والجواب أن من النحويين مَن زعَم ذلك، وأن ((مَنْ)) كـ ((ما)) بإطلاق، ومنهم ابن جنيِّ (٣)، فقد قال في قول ساعِدَةَ بن جُؤَيَّة (٤):
* هَجَرَتْ غَضُوبُ وحُبَّ مَنْ يَتَجنَّبُ *
إن ((مَنْ)) يجوز أن يكون فاعلا، و ((حَبَّ)) هنا من باب ((نعم)) كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 2518
ويحتمل أن يكون الناظم ذَهب هنا إلى أن ((ما)) فاعل لا تمييز، وأنها اسم تامٌ لا موصول، وإذا كان كذلك لم يصلح في ((مَنْ)) أن تكون فاعلاً غير موصول، إذ لم يثبت لها ذلك، وإنما تكون في غير الشرط والاستفهام إما نكرةً موصوفة، وإما موصولةً بمعنى ((الذي)) أو ((التي)) وهذا رأيه في ((التسهيل)) (١) فَتَرك إلحاقَ ((مَنْ)) هنا لعدم جَرَيان الحكم فيها على مذهبه.
والثالثة أنه ذكر الخلاف في ((ما)) ولم يُعَيِّن ما هي على كلا القولين، إذ على القول بالفاعليَّة فيها يُحتمل أن تكون اسماً تاماً بلا صلة، أو موصولاً بمعنى ((الذي، والتي)) أو نكرةٌ موصوفة. وعلى القول بأنها تمييز يُحتمل أن تكون نكرةً موصوفة، أو غير موصوفة.
وقد تقدم ما في ذلك من الاضطراب. والناظم تَرك ذلك كله، والعُذْر عنه أن كثيراً من المسائل التي لا يَنْبني على الخلاف فيها حكمٌ لفظي لا يَعْتنى بنقل الأقوال فيها، فكأنَّه رأى نقلَ الخلاف هنا شَطَطا، فتَركه. والله أعلم.
وإن الرابعة أنه لما اقتصر بفاعل ((نعم، وبئس)) على هذه الأنواع الثلاثة دَلَّ على أن ما سوى ذلك لاَ يْرتفع بهما على الفاعلَّيةِ، فإن جاء من كلام العرب ما يَنْقض ذلك فغيرُ معَتدٍّ به لقلَّته أو إمكان تأويله.
فمن ذلك (الذي، والتي) وما أشبههما من الموصولات التي فيها الألف واللام، فإنها إن عُنِى بها معهودٌ فظاهر امتناعُ جعلِها فاعلاً هنا، كالرَّجل والغلام إذا أردت معهودا.
وإن أردتَ بها الجنس كما أردت بـ (الرجل) الجنسَ ففي جواز ذلك
стр. 2519
خلاف، فمنهم من منع، وهو الذي رأى الجَرْمي (١). ومنهم من أجاز، إذ لا فرق بين الموصول وغيره إذا كان في الحكم مثلَه. وهذا رأي المبّرد (٢)، ونحا نحوهَ ابنُ السَّراج على تردُّد (٣).
وهو مذهب ابن الحاجِّ (٤) من المتأخرين، وحَمَلِة لفظ الكتاب، حيث تَمَّم سيبويه ذكر ما فيه الألف واللام أو ما أضيف إلى ما هما فيه بقوله: وما أشبه (٥).
والأظهرُ في مثل هذا المنعُ، إذ لو كان جائزاً عندهم لكان حَرِياً بأن يَكثر في كلامهم، لأنه مِمَّا يُحتاج إليه في التخاطب. فلما لم يُسمع منهم، أو سُمع نادراً دَلَّ على أنهم قد اطَّرحوه، فلا يسوغ القياس على نحو (الرَّجُل).
وايضاً/ فليست الألف واللام في الموصولات لتعريف عَهْد ولا جِنْس، بل هي تُشبه ... ٥٥١ الأصلية للزومها الكلمة، فالأولى المنعُ، وهو الظاهر من الناظم.
ومن ذلك ما أُضيف إلى ضمير ما فيه الألف واللام الجِنْسية نحو: نعم صاحبُ الدابَّة ونعم أخوه عبدُ الله، والراكبُ نعم صاحبُه زيدٌ، وما أشبه ذلك.
стр. 2520
أجازه بعضهم، وأنشد على ذلك قولَ الشاعر (١):
* فَنِعْم أَخُو الهَيْجَا ونِعْمَ شِهَابُها *
وظاهر إطلاقات الناس منعُ هذا، ولو كان يَكثر في السَّماع لَقالوا به، ولكنه نادر، فلا اعتبار به. وأيضاً يمكن تأويله على مثل مَا تأوَّل ابنُ مالك وقوعَ العَلَم بعدهما حَسْبما يُذكر على إثر هذا بحول الله.
ومن ذلك الضمير البارز نحو: مررت بقومٍ نِعْمُوا قوماً، والزيدان نِعْمَا رجلَيْن. حَكى هذا الكسائيُّ عن بعض العرب (٢)، ولكنه قليل لا يقاس على مِثْله.
ومن ذلك العَلَمُ والمضافُ إليه، فقد جاء منه في النثر ما يمكن أن يُدَّعى قياسُه، ففي الحديث ((نِعْمَ عبُد اللهِ خالدُ بن الوليدِ (٣))) وقول بعض عبادلة الصحابة (٤): بئس عبدُ الله أَنَا إن كان كذا. وقول سَهْل بن حُنَيْف: شهدتُ صِفِّينَ وبئست صِفُّونَ (٥)، وهو نادر، ومن باب الاستشهاد بالحديث، وقد مَرَّ
стр. 2521
ما فيه (١). وإذا سُلِّم فندورُه يَمنع من القياس عليه. وقد تأوَّله ابن مالك على أن يكون التمييز قد حُذف، والفاعل ضمير، والظاهر المرفوع هو المخصوص. و ((أنا)) و ((خالد)) بدلان، فلا يكون فيه على هذا دليل (٢).
فإن قيل: قد تقدَّم أن التمييز هنا لا يُحذف قيل: ذلك هو الشائع، وقد يُحذف نحو قوله ﵇: ((مَنْ تَوَضَّأَ يومَ الجُمعةِ فَبِهَا فَبِهَا ونِعمَتْ (٣))) فالتقدير: ونِعْمَتْ سُنَّةً، لأنه أضمر الفاعلَ على شريطة التفسير، كأنه قال: ونِعْمَتْ سنةً فعِلَتُه، أو نحو ذلك.
ومن ذلك النكرةُ المضافة نحو: نِعْمَ صاحبُ قومٍ زيدٌ، فقد جاء في الكلام مِثْلُه، وهو حَسَّان بن ثابت ﵁ (٤):
فَنِعْمَ صاحِبُ قَوْمٍ لا سِلاَحَ لَهُمْ
وصاحبُ الرَّكْبِ عُثْمَانُ بن عَفَّانَا
وهذا مما حكاه الأخفش والفرَّاء عن طائفة من العرب أنها تقوله (٥). وقد يظهر أنهما قائلان بجوازه.
стр. 2522
واعتلَّ العَبْدي (١) للجواز بأن النكرة قد تدل على الجنس، كما يدل عليه ما فيه الألف واللام، وأنها قد تؤدِّي في بعض المواضع من المعنى ما تُؤَدِّيه المعرفة الجِنْسية، كقول حَسَّان ﵁ (٢):
كَأَنَّ سَبِيئَةً منَ بْيتٍ رَأْسٍ
يكونُ مِزَاجَها عَسَلٌ ومَاءُ
وهذا كله نادر لا يُعتمد على مثله في السماع. وما ذُكر من وجه القياس يَنْتقَض بما لو كانت النكرة غير مضافة، وهما لا يقولان بذلك، إذ خَصَّا الجوازَ بالنكرة المضافة.
ومن ذلك اسمُ الإشارة نحو: نعْمَ ذا أدبُك، على معنى: نعم الأدبُ أدبُك، فقد أجاز بعضهم في قول الشاعر، أنشده ابن السكيت وغيره (٣):
لَمْ يَمْنَع الِنَّاسُ مِنِّي ما أَرَدْتُ ومَا
أُعْطِيهمُ ما أَرادُوا حُسْنَ ذَا أَدَبَا
ب أن يكون ((ذا)) فاعلاً بـ (حَسُنَ) وهو من (فَعُلَ) الملحق بهذا الباب. وحكمُ
стр. 2523
(فَعُلَ) حكمُ (نعم، وبئس) كما سيأتي بحول الله. فكما تقول: حَسُن ذَا أدباً (١)] على معنى: حَسُن الأدبُ/ أدبُك أدباً، كذلك تقول: نعم ذا أدبك أدباً؛ وعلى إسقاط التمييز؛ لأن ... ٥٥٢ اسم الإشارة مبهَم يقع على كل شِيء، فجرى مَجرى الأجناس، قال ابن السَّراج: والنحويون يُدخلون (حَبَّذاً زيدٌ) في هذا الباب، من أجل أن تأويلها: حَبَّ الشيءُ، لأن ((ذا)) اسمٌ مبهَم يقع على كل شِيء (٢).
وبَيَّن إبهامَ اسم الإشارة الفارسيُّ في ((الإغفال)) و ((الشِّيرازيات)) بياناً شافياً حين تكلم على قوله سبحانه ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ (٣)﴾ وهذا كله لا دلالة فيه، لشذوذ السَّماع بذلك، ولأن ((ذا)) مع ((حَبَّ)) على حكمٍ آخر مختصٍّ بها، سيذكره على حِدتَه، فقياس ((نِعْم)) على ((حَبَّذَا)) غير ظاهر.
والفاضل: ذو الفَضْل والفَضِيلة، وهو ضد النَّقْص والنَّقِيصة.
ويُذْكَرُ المَخْصُوص بَعْدُ مُبْتَدا
أو خَبَرَ اسْمٍ لَيْسَ يَبْدُو أَبَدَا
المخصوص في كلامه وكلام النحويين هو المقصودُ بالمدْح بعد (نِعْمَ) وبالذَمِّ بعد (بِئْسَ) وذلك نحو (زيدٌ، وعمروٌ) في قولك: نعم الرجلُ زيدٌ، وبئس الرجلُ عمروٌ. وإنما سُمِّى مخصوصاً لما فيه من ذلك المعنى؛ إذ كان قد ذُكر أولاً جِنْسُه، ثم خُصَّ بعد ذلك بذكر شَخْصه.
وقَصَد الناظمُ هنا ذكرَ ما يتعلَّق به من الأحكام، فأخبر أولاً أنه
стр. 2524
يُذكر فلا يُترك، لأنَّ بذكره حصولَ الفائدة في المدح أو الذم، لأن ذكرَ جنسه لا يُعَيِّنه، فافَتقَر إلى تعيينه.
ثم بَيَّن أنه يُذكر بعد ذكر الفاعل بقوله: ((وُيْذَكرُ المَخْصُوصُ بَعْدُ)) أي بعد ما تقدَّم الكلام عليه، وهو الفعل والفاعل، فإذاً ما تقدَّم عليهما فليس هو المخصوص، بل هو دليل عليه، وبذلك يُشْعر قولُه بعد: ((وإِنْ يُقَدَّمْ مُشْعِرٌ بِهِ كَفَى)) حسبما يُذكر بحول الله.
ثم ذَكر حكمه في الإعراب لأنه مُشْكل، إذ لا يصح أن يكون فاعلا، لأن الفعل قد أَخَذ فاعلَه، ولا يصحّ أيضاً أن يكون بدلاً حسبما يُذكر، ولابد له من إعرابٍ آخر، بناءً على أن كل اسم لابد أن يكون له موضع من الإعراب. فذَكر له إعرابَيْن ساقهما مَساق التخيير.
أحدهما أن يكون مبتدأ، ولم يُعَيِّن له خبرا، وواضحٌ أن يكون الجملةَ المتقدِّمة، إذ بهما تمامُ الفائدة. وقد قال في باب ((الابتداء)): ((والخبرُ الجزُء المُتِمُّ الفَائِدهْ)).
فإذا قلت: نعم الرجلُ زيدٌ، فـ (زيدٌ) مبتدا، خبره قولك: ((نعم الرجلُ)) ولو كان الخبر غيرَ الجملة لَبَيَّن ذلك، كما بَيَّن في الإعراب الآخر أن المبتدأ محذوف.
والثاني أن يكون المخصوص خبرَ مبتدأ محذوف لازمِ الحذف، وهو قوله: ((أو خبرَ اسْمٍ)) إلى آخره. فكأنه قال: هو زيدٌ، أو الممدوحُ زيدٌ.
وهذا التخييرُ يَحتمل أن يكون ظاهره، فيكون مذهبه في المسألة جوازَ الإعرابَيْن، وهو مذهب الجمهور، كالَجْرمي والمبّرد
_________
стр. 2525
وابن السَّراج/ والفارسيّ وابن جنِيِّ وغيرهم. ... ٥٥٣
ويًحتمل أن يكون رأيه إعرابَه مبتدأ، لتقديمه إيَّاه. وكثيراً ما يَأْتى بالخلاف في مَساق التخيير، كما ظهر في قوله قبلُ: ((أَلْ حَرْفُ تعريفٍ أو اللاَّمُ فَقَطْ (١))) وفي قوله أيضاً: ((نَاوِينَ مَعْنَى كائنٍ أَوِ اسْتَقَرْ (٢))) ويُشْعر بهذا الثاني أنه الذي نَصَّ في شرح ((التَّسهيل (٣))) وهو أحد المذاهب الأربعة، أنه مبتدأٌ لا غَيْر. والثاني التخيير، والثالث تجويزُ أن يكون المخصوص مبتدأ محذوفَ الخبر، وهو مذهب ابن عُصفْور (٤). والرابع أنه بدل من الفاعل.
فأما القول بإعرابه مبتدأً خبرُه ((نعم، وبئس)) فهو الراجح من خمسة أوجه:
أحدهما أنه لو كان غيرَ مبتدأ لوجب أن يَنْتصبَ إذا دخلت عليه ((كان)) لأن خبر المبتدأ هذا حكمُه معها، فكنتَ تقول: نعم الرجلُ كان زيداً، وبئس الرجلُ كان أبا فلان.
قال المؤِّلف: ولم نجد العربَ تَعْدِل عن الرفع في مثل هذا، فدَلَّ على أنه مبتدأ.
وكذلك كان يجب أن يَبْرُز المحذوفُ إذا قلتَ: نعم الرجالُ كانوا الزيدين، ونعم النساءُ كُنَّ الهنداتِ. وهذا لا يقال.