ما فيه (١). وإذا سُلِّم فندورُه يَمنع من القياس عليه. وقد تأوَّله ابن مالك على أن يكون التمييز قد حُذف، والفاعل ضمير، والظاهر المرفوع هو المخصوص. و ((أنا)) و ((خالد)) بدلان، فلا يكون فيه على هذا دليل (٢).
فإن قيل: قد تقدَّم أن التمييز هنا لا يُحذف قيل: ذلك هو الشائع، وقد يُحذف نحو قوله ﵇: ((مَنْ تَوَضَّأَ يومَ الجُمعةِ فَبِهَا فَبِهَا ونِعمَتْ (٣))) فالتقدير: ونِعْمَتْ سُنَّةً، لأنه أضمر الفاعلَ على شريطة التفسير، كأنه قال: ونِعْمَتْ سنةً فعِلَتُه، أو نحو ذلك.
ومن ذلك النكرةُ المضافة نحو: نِعْمَ صاحبُ قومٍ زيدٌ، فقد جاء في الكلام مِثْلُه، وهو حَسَّان بن ثابت ﵁ (٤):
فَنِعْمَ صاحِبُ قَوْمٍ لا سِلاَحَ لَهُمْ
وصاحبُ الرَّكْبِ عُثْمَانُ بن عَفَّانَا
وهذا مما حكاه الأخفش والفرَّاء عن طائفة من العرب أنها تقوله (٥). وقد يظهر أنهما قائلان بجوازه.
стр. 2522
واعتلَّ العَبْدي (١) للجواز بأن النكرة قد تدل على الجنس، كما يدل عليه ما فيه الألف واللام، وأنها قد تؤدِّي في بعض المواضع من المعنى ما تُؤَدِّيه المعرفة الجِنْسية، كقول حَسَّان ﵁ (٢):
كَأَنَّ سَبِيئَةً منَ بْيتٍ رَأْسٍ
يكونُ مِزَاجَها عَسَلٌ ومَاءُ
وهذا كله نادر لا يُعتمد على مثله في السماع. وما ذُكر من وجه القياس يَنْتقَض بما لو كانت النكرة غير مضافة، وهما لا يقولان بذلك، إذ خَصَّا الجوازَ بالنكرة المضافة.
ومن ذلك اسمُ الإشارة نحو: نعْمَ ذا أدبُك، على معنى: نعم الأدبُ أدبُك، فقد أجاز بعضهم في قول الشاعر، أنشده ابن السكيت وغيره (٣):
لَمْ يَمْنَع الِنَّاسُ مِنِّي ما أَرَدْتُ ومَا
أُعْطِيهمُ ما أَرادُوا حُسْنَ ذَا أَدَبَا
ب أن يكون ((ذا)) فاعلاً بـ (حَسُنَ) وهو من (فَعُلَ) الملحق بهذا الباب. وحكمُ
стр. 2523
(فَعُلَ) حكمُ (نعم، وبئس) كما سيأتي بحول الله. فكما تقول: حَسُن ذَا أدباً (١)] على معنى: حَسُن الأدبُ/ أدبُك أدباً، كذلك تقول: نعم ذا أدبك أدباً؛ وعلى إسقاط التمييز؛ لأن ... ٥٥٢ اسم الإشارة مبهَم يقع على كل شِيء، فجرى مَجرى الأجناس، قال ابن السَّراج: والنحويون يُدخلون (حَبَّذاً زيدٌ) في هذا الباب، من أجل أن تأويلها: حَبَّ الشيءُ، لأن ((ذا)) اسمٌ مبهَم يقع على كل شِيء (٢).
وبَيَّن إبهامَ اسم الإشارة الفارسيُّ في ((الإغفال)) و ((الشِّيرازيات)) بياناً شافياً حين تكلم على قوله سبحانه ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ (٣)﴾ وهذا كله لا دلالة فيه، لشذوذ السَّماع بذلك، ولأن ((ذا)) مع ((حَبَّ)) على حكمٍ آخر مختصٍّ بها، سيذكره على حِدتَه، فقياس ((نِعْم)) على ((حَبَّذَا)) غير ظاهر.
والفاضل: ذو الفَضْل والفَضِيلة، وهو ضد النَّقْص والنَّقِيصة.
ويُذْكَرُ المَخْصُوص بَعْدُ مُبْتَدا
أو خَبَرَ اسْمٍ لَيْسَ يَبْدُو أَبَدَا
المخصوص في كلامه وكلام النحويين هو المقصودُ بالمدْح بعد (نِعْمَ) وبالذَمِّ بعد (بِئْسَ) وذلك نحو (زيدٌ، وعمروٌ) في قولك: نعم الرجلُ زيدٌ، وبئس الرجلُ عمروٌ. وإنما سُمِّى مخصوصاً لما فيه من ذلك المعنى؛ إذ كان قد ذُكر أولاً جِنْسُه، ثم خُصَّ بعد ذلك بذكر شَخْصه.
وقَصَد الناظمُ هنا ذكرَ ما يتعلَّق به من الأحكام، فأخبر أولاً أنه
стр. 2524
يُذكر فلا يُترك، لأنَّ بذكره حصولَ الفائدة في المدح أو الذم، لأن ذكرَ جنسه لا يُعَيِّنه، فافَتقَر إلى تعيينه.
ثم بَيَّن أنه يُذكر بعد ذكر الفاعل بقوله: ((وُيْذَكرُ المَخْصُوصُ بَعْدُ)) أي بعد ما تقدَّم الكلام عليه، وهو الفعل والفاعل، فإذاً ما تقدَّم عليهما فليس هو المخصوص، بل هو دليل عليه، وبذلك يُشْعر قولُه بعد: ((وإِنْ يُقَدَّمْ مُشْعِرٌ بِهِ كَفَى)) حسبما يُذكر بحول الله.
ثم ذَكر حكمه في الإعراب لأنه مُشْكل، إذ لا يصح أن يكون فاعلا، لأن الفعل قد أَخَذ فاعلَه، ولا يصحّ أيضاً أن يكون بدلاً حسبما يُذكر، ولابد له من إعرابٍ آخر، بناءً على أن كل اسم لابد أن يكون له موضع من الإعراب. فذَكر له إعرابَيْن ساقهما مَساق التخيير.
أحدهما أن يكون مبتدأ، ولم يُعَيِّن له خبرا، وواضحٌ أن يكون الجملةَ المتقدِّمة، إذ بهما تمامُ الفائدة. وقد قال في باب ((الابتداء)): ((والخبرُ الجزُء المُتِمُّ الفَائِدهْ)).
فإذا قلت: نعم الرجلُ زيدٌ، فـ (زيدٌ) مبتدا، خبره قولك: ((نعم الرجلُ)) ولو كان الخبر غيرَ الجملة لَبَيَّن ذلك، كما بَيَّن في الإعراب الآخر أن المبتدأ محذوف.
والثاني أن يكون المخصوص خبرَ مبتدأ محذوف لازمِ الحذف، وهو قوله: ((أو خبرَ اسْمٍ)) إلى آخره. فكأنه قال: هو زيدٌ، أو الممدوحُ زيدٌ.
وهذا التخييرُ يَحتمل أن يكون ظاهره، فيكون مذهبه في المسألة جوازَ الإعرابَيْن، وهو مذهب الجمهور، كالَجْرمي والمبّرد
_________
стр. 2525
وابن السَّراج/ والفارسيّ وابن جنِيِّ وغيرهم. ... ٥٥٣
ويًحتمل أن يكون رأيه إعرابَه مبتدأ، لتقديمه إيَّاه. وكثيراً ما يَأْتى بالخلاف في مَساق التخيير، كما ظهر في قوله قبلُ: ((أَلْ حَرْفُ تعريفٍ أو اللاَّمُ فَقَطْ (١))) وفي قوله أيضاً: ((نَاوِينَ مَعْنَى كائنٍ أَوِ اسْتَقَرْ (٢))) ويُشْعر بهذا الثاني أنه الذي نَصَّ في شرح ((التَّسهيل (٣))) وهو أحد المذاهب الأربعة، أنه مبتدأٌ لا غَيْر. والثاني التخيير، والثالث تجويزُ أن يكون المخصوص مبتدأ محذوفَ الخبر، وهو مذهب ابن عُصفْور (٤). والرابع أنه بدل من الفاعل.
فأما القول بإعرابه مبتدأً خبرُه ((نعم، وبئس)) فهو الراجح من خمسة أوجه:
أحدهما أنه لو كان غيرَ مبتدأ لوجب أن يَنْتصبَ إذا دخلت عليه ((كان)) لأن خبر المبتدأ هذا حكمُه معها، فكنتَ تقول: نعم الرجلُ كان زيداً، وبئس الرجلُ كان أبا فلان.
قال المؤِّلف: ولم نجد العربَ تَعْدِل عن الرفع في مثل هذا، فدَلَّ على أنه مبتدأ.
وكذلك كان يجب أن يَبْرُز المحذوفُ إذا قلتَ: نعم الرجالُ كانوا الزيدين، ونعم النساءُ كُنَّ الهنداتِ. وهذا لا يقال.
стр. 2526
وكذلك كان يجب إذا دَخلت ((ظَنَنْتُ)) وأخواتُها هنا (١). نعم الرجلُ ظننتُه زيداً، ونعم الرجلان وُجِدا الزيَديْن، لكن العربَ إنما تقول: نعم الرجلُ ظننتُ زيداً، ونعم الرجلان وُجِدا الزيدان، قال زهير (٢):
يَمِيناً لَنِعْمَ السَّيِّدَانِ وَجدْتُماَ
على كُلِّ حَالٍ من سَحِيلٍ ومُبْرَمِ
فعُلم أن المخصوص لم يكن قبله ضمير فيكون هو خبَره، بل كان المخصوص مبتدأ مخبراً عنه بجملة المدح والذم.
والثاني أن الكلام عند جَعْل ((زيد)) خبراً لمحذوف جملتان، ليست إحداهما في موضع إعراب، وهو خلاف الظاهر، وادِّعاءُ خلاف الظاهر من غير حاجة إلى ذلك ممنوع، فكان تقديرُ مبتدأ غيرَ جائز، لعدم الاحتياج إلى ذلك. وذلك أن (نعم، وبئس) لا يتمُّ المعنى المقصود بهما إلا باجتماع المختص بالمدح والذم من الجنس الذي هو منه، فلا يُقَدَّر على هذا إلا مبتدأ، كما لا يقدَّر ((زيد)) في قولك: (ذهب أخوهُ زيدٌ) إلا مبتدأ.
والثالث أن المخصوص يجوز حذفه اتفاقاً إذا تقدَّم ذكره وكان معلوما، كقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إنَّهُ أَوَّابٌ (٣)﴾. فلو كان المبتدأ لازمَ الحذف، ثم حُذف الخبر، وهو ((زيدٌ)) في المثال المتقدِّم لأَدَىَّ ذلك إلى حذف الجملة كلها، وذلك غير
стр. 2527
جائز، وإنما يُحذف من الجملة أحدُ جزءَيْها، ويبقى الثاني دَالاً عليه، ولا يُحذفان معاً إلا أن يُعَوَّض من ذلك، كقولك: أزيدٌ في الدار أم لا؟ ونحو ذلك. فكان القول بما يُؤَدِّي إلى ذلك ممتنعا.
وبهذا الوجه يبطل أيضاً قول من جَوَّز أن يكون المحذوف هو المبتدأ.
والرابع أن الكلام تامٌّ من غير تقدير محذوف، على تقدير أن يكون ((زيد)) مبتدأ خبرهُ ما قبله، فتكلُّف الحذفِ تكلُّف لما لا يُحتاج إليه.
وأيضاً فَدعْوَى حَذْفٍ في موضعٍ لم يَظْهر فيه ذلك المحذوف/ مجردُ دَعْوَى من غير ... ٥٥٤ حجة.
والخامس أن ((نعم الرجلُ)) إنما هو في قُوَّة جزءِ كلام، وليس كلاماً مفيداً بوجه، فلابد من جزء آخر، لأن قولك: ((نعم الرجلُ)) في معنى: جامعُ المحَامِد الرجلُ، أو جَمَع محامدَ الرجلُ، فهو كلامٍ بلابُدٍّ، فافتَقر إلى جزء آخر، وهو المخصوص، فتقدير المحذوف نَقْضٌ للغرض، وجَعْلُ ما هو تام غيرَ تام.
وأما قول ابن عصفور (١) فرُدَّ، زيادةً لما تقدم، بأن محصوله تكلُّف خبرٍ لمبتدأ قد وُجد معه ما يجوز أن يكون خبرهَ، ولُبعد هذا التقدير لم يذكر الناس هذا الوجه، وإلاَّ فقد كان ظَهر من حيث فهموا عن سيبويه أن هذا جوابُ مَنْ قال: مَنْ هو (٢)؟ لأن جواب هذا إنما يكون فيه الاسم المذكور مبتدأ من حيث وقع السؤال بـ (مَنْ) عن خبر المبتدأ، وهي أيضاً
стр. 2528
مبتدأ، وهو نظير قولك: مَنْ القائمُ؟ فتقول: زيدٌ، فزيدٌ مبتدأ، هذا هو الأظهر، ولكنهم استَقْبَحوا ما ذكرتُ من ذلك، فنَفَروا عنه.
ورَدَّه المؤلفُ أيضاً بأن هذا الحذف ملتَزم، ولم نجد خبراً يُلْتَزم حذفُه إلا ومحلُّه مشغول، ليَسُدَّ الشاغلُ مَسَدَّه، كخبر المبتدأ بعد ((لَوْلاَ)) وهذا خلاف ذلك.
وأما القول بالبدل فمردودٌ لوجهين، أحدهما أن من شأن البدل صحةَ الاستغناء عنه. وهذا لا يصحّ الاستغناءُ عنه إذا لم يتقدَّم ذكرهُ، أو لم يُعلَم.
وهذا المعنى احتُجَّ على بعض أصحابنا، حيث ادَّعى في نحو (قَامَتْ هندُ) أن التاء هو الفاعل، وهو ضمير بارز، فأُلزِم أشياء.
من ذلك أن يكون البدل لازماً في هذا النحو من غير أن يجوز الاقتصار على الفاعل وحده، ولا نظير لذلك، ولكنه التزمه.
والثاني أن البدل من شرطه صحةُ وقوعه موقعَ المبدَل منه، وهذا ليس كذلك، إذ لا يستقيم أن يقال في (نعم الرجلُ زيدٌ): نعم زيدٌ.
ومن هنا امتنع عند البصريين أن يكون ((بِشْر)) في قوله: أنشده سيبويه (١):
أنا ابنُ التَّارِكِ البَكْرِيِّ بِشْرٍ
عَلَيْهِ الطَّيْرَ تَرْقُبُه وُقُوعَا
стр. 2529
بدلاً، لأنه لا يصح وقوعُه موقع ((الَبكْرِيِّ)) حسبما يُذكر في موضعه إن شاء الله. فالصحيح ما أشار إلى اختياره الناظم.
فإن قيل: إن إجازة الإضمار قد صرح به سيبويه في قوله: كأنه قال: نعم الرجلُ، فقيل له: مَنْ هو؟ فقال: عبدُ اللهِ، إلى آخره (١).
وأيضاً فالموضع موضع مدح أو ذم، فيَحْسُن فيه تكثيرُ الجمل. وأيضاً فالإضمار قد أجازه سيبويه، وفي إجازته لما أجاز حُجَّة.
فالجواب أن سيبويه لم يذهب إلى إضمار. ومن تَأمَّل كلامه تَبَيَّن ذلك، فإنه قال: وأما قولهم: نعم الرجلُ عبدُ الله فهو بمنزلة: ذهب أخوه عبدُ الله، عَمل ((نعم)) في (الرجل) ولم يَعمل في (عبد الله) وإذا قال: عبدُ الله نعم الرجلُ فهو بمنزلة: عبدُ الله ذهب أخوه (٢). فهذا ظاهر في أن /المخصوص مبتدأ، تقدَّم أو تأخر. ثم قال: كأنه قال: نعم الرجلُ، فقيل له: مَن هو؟ ... ٥٥٥ فقال: عبدُ الله، وإذا قال: عبدُ الله فكأنه قيل له: ما شأنُه؟ فقال: نعم الرجلُ (٣).
فهذا ظاهر في أنه تفسير لما تقدم من التقرير الأول، كأنه يُبَيِّن احتياج المبتدأ إلى الخبر، والخبر إلى المبتدأ، لا أنه أراد أن الكلام على تقدير محذوف.
والدليل على ذلك أنه لم يذهب أحدٌ ممن تقدم إلى أنه مبتدأ محذوفُ الخبر، وإن كان يُهمه كلامُ سيبويه.
وأمَّا الترجيح بتكثير الجُمَل فإنما يكون ذلك بعد تسليم أن (نعم
стр. 2530
الرجلُ) وحدهَ جملةٌ مستقلة، وليس كذلك.
وإذا ثبت أن المخصوص مبتدأ خبرُه الجملةُ فلابد من رابط بينها وبينه، إعمالاً لقوله في ((باب الابتداء)) حيث ذكر الخبر:
ومُفْرَداً يَأْتِي ويَأْتِي جُمْلَهْ
حاويةً مَعْنَى الَّذِي سِيقَتْ لَهْ
إلى أخره. والجملة هنا ليست هي نفسَ المبتدأ، فلابد فيها من رابط. ولم يَذكر هنا وجَه الرَّبط (فلابد أن يكون داخلاً تحت ضابطه هناك. وفي ذلك قولان، أحدهما أن الرجل (١)) لَمَّا كان اسمَ جنس شمل المخصوصَ وغيره، فحصل الربط بلك. وهذا هو المشهور والمتداوَل عند المُقْرِئين والمُعْربين.
والثاني أن ((الرجل)) هو المبتدأ في المعنى، فلم يَحتج إلى رابط، لأن جزء الجملة إذا اتَّحدت بالمبتدأ لم تَفتقر إلى رابط، كما لو كانت الجملة هي المتَّحدة به معنى، نحو: هو زيدٌ قائمٌ، وقَوْلِي الحمدُ لِلَّهِ. وكِلاَ القولين صالح للدخول تحت قوله: ((حاويةً معنى الذي سِيقَتْ لَهْ)).
وثَمَّ قولٌ ثالث، أن الكلام محمول على معناه، لأن معنى قولك: (زيدٌ نعم الرجلُ) زيدٌ هو الرجلُ الكاملُ، أو الرجلُ كلُّ الرجلِ، أو الممدوحُ، أو ما في معنى ذلك، فإن ((الرجل)) هنا ليس مدلوله جميعَ الجنس، أي الأشخاصَ المتعدِّدة، وإنما مدلوله ما في ذِهْنه من تصوُّر حقيقة الرجل الذي يُطلق على أشخاص كثيرة، لا أن الأشخاص الكثيرة هي بعينها ذلك المفهومُ بعينه.
وهذا الرأي بَيَّنه المبرَّد وابن السرّاج وغيرهما (٢)، وهو الذي ينبغي أن
стр. 2531
يُحمل عليه كلامُ من تقدَم، وإليه يشير القول الثاني، وهو رأي المؤلف ﵀.
وليس هذا موضعَ بيان ذلك، إذ لم يتعرض له الناظم. وقد بَسط المسألةَ ابنُ الحاج فيما قيدَّه على ((مقرّب)) ابن عصفور. ثم قال رحمه الله تعالى:
وإِنْ يُقَدَّمْ مُشْعِرٌ بهِ كَفَى
كالعِلْمُ نِعمَ المُقْتَنى والمُقْتَفَى
يعني أن المخصوص يُحذف للعلم به، فإن تقدم قبل (نعم، وبئس) ما يُشعر به، ويُعْرَف به اكتُفِيَ به عن ذكره بعد (نعم، وبئس).
فإذا قلت: (نعم الرجلُ زيدٌ) فلابد من ذكره هنا لعدم الدلالة عليه لو حُذف. فإن قلت: (قَدِمَ زيدٌ ونعم الفاضلُ) جاز الحذف للدلالة عليه.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إنَّا/ وَجَدْنَاهُ صَابِراً نَعْمَ الْعَبْدُ (١)﴾ وقوله: ﴿ولَقَدْ نَادَانَا ... ٥٥٦ فَلِنعْمَ المُجِيبُونَ (٢)﴾، ﴿والأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْم المَاهِدُوَن (٣)﴾ وهو كثير جدا.
ومَثَّل ذلك بقوله: نعم المُقْتَنَى والمُقْتَفَى. والمُقْتَنَى: (مُفْتعَل) من الاقتناء، وهو الادِّخار والاتِّخاذ لنفسك، يقال: قَنَوْتُ الغنَم وغيرَها، قُنْوَةً وقِنْوَةً، وقنيتُها، قُنْيَةً وقِنْيَةً، واقتَنَيْتُها: اتَّخذتُها.
والمُقْتَفَى أيضا: (مُفْتَعَل) من الاقتضاء، وهو اتِّباع الأثر، يقال: قَفُوتُ أثرَه قَفْواً، واقْتَفَيتُه مثلُه، وقَفَّيْتُ على أَثَره بفلان، أي أَتْبَعتُه
стр. 2532
إيَّاه.
والمعنى في المثال: العلمُ نعم المالُ المتَّخَذ، والإمامُ المتَّبع الهادِي إلى سبيل الرشَّاد.
وقد ظهر شمولُ كلامه لنحو: زيدٌ نعم الرجلُ، وأنه في دلالته على المخصوص كقوله: رأيت زيداً ونعم الرجلُ. وفي ذلك بيان أن (نعم الرجلُ) ليس خبرا عن ((زيد)) المتقدِّم، وأنه ليس هو المخصوص، لقوله: ((وإِنْ يُقَدَّمْ مُشْعِرٌ به كَفَى)) بل المخصوص محذوف لدلالة ما تقدَّم عليه، فكأنه في تقدير: زيدٌ نعم الرجلُ هو.
وظاهر كلام النحويين خلافُ هذا. ألا ترى أن سيبويه جعل قوله: ((نعم الرجلُ زيدٌ)) كقولك: ذَهب أخوه عبدُ الله، وقوله: زيد نعم الرجلُ، كقولك: عبدُ الله ذَهب أخوه (١). فظاهر هذا أنه الأصل، كما أن ذلك كذلك في: عبدُ الله ذَهب أخوه.
وعلى ذلك النحويون، بل حكى شيخُنا الأستاذُ ﵀ (٢) الاتفاقَ على هذا.
والمنصوص عليه في ((التَّسهيل)) (٣) موافقةُ الناس. فالحاصل أن ظاهر كلامه هنا مخالفةُ ما اتُّفِق عليه، وهو ممنوع.
فإن قيل: قد يقال: إنه أراد بقوله: ((كَفَى)) أنه المخصوص ﴿تقدم، فيكون مبتدأ خبرُه ما بعده.
стр. 2533
فالجواب أن هذا لا يصح لأمرين، أحدُهما أنه قد أَعرب المخصوص (١)] إذا تأخَّر على وجهين، فاقتضى أنه إذا تقدَّم يُعرب على الوجهين، ولا قائل بهذا.
والثاني أن من الصُّور الداخلة تحت كلامه ألاَّ يكون المخصوص مبتدأ، نحو: ﴿إنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْم الْعَبْدُ (٢)﴾ وهو إذ ذاك ليس المخصوصَ اصطلاحا، بل هو مقدَّر بعد الفاعل، وإذا كان كذلك ظهر أنه مخالف للناس في هذا، واقْتَضى جوازَ بُروُز المخصوص بعد الفاعل في نحو: زيدٌ نعم الرجلُ، فيقال: زيدٌ نعم الرجلُ هو. وكلام النحويين يَقْتَضي المنعَ منه، فتأمَّل هذا الموضع ففيه إشكالٌ ونَظَر. والله أعلم بمراده.
واجْعَلْ كَبِئْسَ سَاءَ واجْعَلْ فَعْلاَ
مِنْ ذِي ثَلاثَةٍ كنِعْمَ مُسْجَلاَ
لما أَتَمَّ الكلام على (نعم، وبئس) بحسب ما يَليق بهذا المختصر رجع إلى ما وَعد به في التَّرجمة، من ذِكرْ ((ما جَرى مَجراهما)) فأتى أولاً بلفظ (سَاءَ) لكثرة استعمالها وشُهرتها في القيام مقام (بئس). ويعني أن ((سَاءَ)) تَجري مَجرى (بئس) في حكمها المذكور في هذا الباب.
ولما أَطْلق القولَ/ في جَعْلها مثلَها، ولم يخص ذلك بحكم دون حكم اقتضى أن ... ٥٥٧ المراد إجراؤها في معناها أولاً، وفي جميع أحكامها المذكورة ثانياً.
стр. 2534
أما جَريانُها مَجراها في المعنى فهو الأصل لجريَان أحكامها عليها.
وأصل (سَاءَ) فَعَلَ من السّوء، ضد السرور، سَاءَهُ الأمُر يَسُوءُه، إذا أحزنه، ثم صُيِّر إلى معنى (بئس) لإنشاء الذم، فترتَّب على حصول هذا لمعنى أن جرت مَجراها في جميع أحكامها، وذلك صحيح، فإنك تقول: ساء الرجلُ زيدٌ، وساءت المرأةُ هندُ، كما تقول: بئس الرجلُ زيدٌ، وبئست المرأةُ هندُ. وتقول: ساء رجلاً زيدٌ، وساءت امرأةً هندُ، كما تقول: بئس رجلاً زيدٌ، وبئست امرأةً هندُ.
وفي القرآن العزيز: ﴿سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بآيَاتِنَا (١)﴾ أي مَثَلُ القوم. وتقول: ساءَ مَا فَعَلْتَ، كما تقول: بِئْسَ مَا فَعَلْتَ، قال تعالى: ﴿سَاءَ ما يَحْكُمُونَ (٢)﴾ ﴿سَاءَ ما يَعْمَلُونَ (٣)﴾.
ولا يَختلف الضمير إذا أُضمر فيها منا لا يَختلف في (بئس) بل تقول: ساء رجلَيْن الزيدان، وساء رجالاً الزيدون، وساء امرأتَيِنِ الهندان، وساء نساءً الهنداتُ، وما أشبه ذلك.
وفي إعراب المخصوص الوجهان، من الابتداء، أو خبرِ مبتدأ محذوف. وإذا تقدَّم ما يُشعر به كَفَى نحو: زيدٌ ساءَ الرجلُ، وزيدٌ ساءَ رجلاً، ورأيتُ زيداً وساءَ الرجلُ، ونحو ذلك. وهكذا سائر الأحكام.
ثم قال: ((واجْعَلْ فَعْلاَ مِنْ ذِي ثلاثةٍ كنِعْمَ)) يعني أنه يجوز أن يُجعل في الأحكام ما صِيغَ من الأفعال على (فَعُلَ) بضم العين، وليس ذلك مختصاً بَفَعْل دون فعل، بل هو جائز قياساً في كل ثلاثي صِيغَ على (فَعُلَ).
стр. 2535
وجَعْلُ هذا الفعل المصُوغ على (فَعُلَ) كـ (نِعْم) يريد به ما أراد بـ (ساء) من جَعْله يؤدِّي إنشاءَ المدح والذم كنِعْم وبِئْس أولاً، ثم إجرائِه مُجْراه في أحكامه اللفظية كما تقدم في (ساء) فتقول: حَسُنَ الرجلُ زيدٌ، وحَسُنَ رجلاً زيدٌ، وحَسُنَ ما تَصنع، كما تقول: نعم الرجلُ زيدٌ، ونعم رجلاً زيدٌ، ونعم ما تَصنع.
ومثله: عَظُم الرَجلُ زيدٌ، وحَلُمَ الرجلُ زيدٌ، وكَبُرَ العملُ قيامُ زيدٍ، وصَغُرَ رجلاً زيدٌ.
هكذا سائر الأفعال تجري على هذا الحكم وعلى غيره مما تقدم. ومنه قول الله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ (١)﴾ وقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٢)﴾.
و((ذو الثَّلاثة)) هو الفِعْل، والثلاثُة: الحروفُ التي صِيغ منها الفعل. والجَعْل بمعنى التَّصْيير، أي صَيِّرْ هذا البناءَ في القياس كـ (نعم) و ((مِنْ ذِي ثَلاثة)) معمولٌ لاسم مفعول (٣) هو حال من (فَعُلَ) أي مَصُوغاً من فعلٍ ذي ثلاثة، أو يراد بالجَعْل معنى الصَّوْغ كما تقول: جعلتُ الفِضَّةَ خَلْخَالاً، فيتعلَّق المجرور بالجَعْل على ذلك المعنى.
فيقَتضي أنه يجوز أن يُبْنى (فَعُلَ) من كل فعل ثلاثي كان على (فَعَلَ، أو فَعِلَ، أو فَعُلَ) فتقول: لقَضُو الرجلُ زيدٌ، وكَمُلَ رجلاً زيدٌ، وكَسُبَ الرجلُ
стр. 2536
عبدُ الله، وضَرُبَ رجلاً زيدٌ، ونَعُمَ الرجلُ زيدٌ، [وبَؤُسَ الرجلُ زَيدٌ (١)] وما كان/ نحو ذلك. ٥٥٨ وذلك صحيح.
ومن كلام العرب: لقَضُوَ الرجلُ، بمعنى: ما أَقْضَاهُ، أو نِعْم القاضِي هُوَ، ورَمُوَتِ اليدُ يَدُهُ (٢).
وتحرَّز بذي الثلاثة من ذي الأحرف الزائدة على الثلاثة، كان ما زاد أصلياً أو زائداً، فإنه لا يُبْنى منه (فَعُلَ) لمل يلزم من هَدْم البِنْية.
و((مُسْجَلاً)) معناه: مطلقاً من غير تقييدٍ بأمر، ولا اختصاصٍ بحال دون حال، بحكمٍ من الأحكام دون آخر. وأَصْل الإسجال الإرسالُ، يقال: أَسْجَلْتُ كلامِي، أي أرسلتُه إرسالاً، والمُسْجَل: المبذول المباح الذي لا يُمنْعَ من أحد.
وعلى الناظم هنا سؤالٌ من ثلاثة أوجه، أحدها أنه نَصَّ على أن (فَعُلَ) يصير في الحكم مثل (نِعْمَ) مطلقاً من غير تقييد، فهو إذاً مثلُه في أحكامه اللفظية والمعنوية. أمَّا في الأحكام اللفظية فكما قال.
وأما في الأحكام المعنوية فقد قالوا: إن (فَعُلَ) هذا المذكور يُعطي معنى التعجُّب، فقولك: حَسُنَ الرجلُ زيدٌ، في معنى: ما أَحْسَنَهُ، ولَقَضُوَ الرجلُ زيدٌ، في معنى: ما أَقْضَاهُ، وهكذا سائر المُثُل، ومعنى التعجب خلافُ معنى إنشاء المدح، فكيف أَطْلق القولَ في جَرَيان (فَعُلَ) مجرى (نِعْمَ)؟
والجواب عنه أن كَوْنَ (فَعُلَ) لإنشاء المدح والذم صحيحٌ ثابت، وهو
стр. 2537
الذي يُعطيه كلام الناظم.
وأما معنى التعجُّب فداخلٌ على ذلك المعنى، إذ لا تَنَافُرَ بينهما، كما يَدخل معنى التعجُّب على معنى القَسَم والاستفهام في قوله (١):
* لِلَّهِ يَبْقَى عَلَى الأَيَّامِ ذُو حِيَدٍ *
وقال الأعشى (٢):
* يَا جَارَتَا مَا أَنْتِ جَارَهْ *
ونحو ذلك، من غير أن يَتَناقض المعنيان، فكذلك هذا.
والسؤال الثاني أن ظاهر كلامه يُعطي أن البناء من (فَعُلَ) إنما يكون على معنى (نِعْمَ) لا على معنى (بِئْسَ) وأما معنى (بِئْسَ) فمختصُّ بـ (سَاءَ) المتقدمة الذكر، لأنه أورد الحكم عليها في مورد التقسيم فقال: اجْعَلْ (سَاءَ) كبِئْسَ، وكُلَّ مبنيِّ من فعل ثلاثي كنِعْمَ، فالمفهوم من هذا أن (سَاءَ) كما اختصَتَّ بـ (بئس) كذلك يَختص (فَعُلَ) بـ (نِعْمَ).
وهذا غير صحيح، بل يجري (فَعُلَ) مَجرى (نِعْمَ) ومجرى (بِئْسَ) فكما تقول: حَسُنَ رجلاً زيدٌ، بمعنى: نِعْمَ حُسْناً حُسْنُ زيدٍ، أو نِعْمَ رجلاً زيدٌ، تريد: لحُسْنِه، كذلك تقول: خَبُثَ الرجلُ زيدٌ، بمعنى: بئس الخُبْثُ خُبْثُ زيدٍ، أو بئس الرجلُ زيدٌ، تريد: لخُبْثِه.
وكذلك: لَؤُم الرجلُ زيدٌ، ودَنُؤَ رجلاً زيدٌ، وما أشبه ذلك، على معنى (بئس)
стр. 2538
فليس معنى (نِعْم) في (فَعُلَ) بمتعيِّن، بل هما يشتركان فيه قياسا، فظهر أن ظاهر كلامه غيرُ مستقيم.
والجواب أن قوله: ((كَنِعْمَ)) لا يَعني بع عَيْنَ المثال، إنما يريد به بابَ ((نعم)) أَجْمَعَ، فكأنه حَذف المصافَ لفهم المعنى. وبابُ ((نعم)) لا يَخُص ((نعم)) وحدها دون ((بئس)).
وإنما خَصَّ أولاً (سَاءَ) لكثرة استعمالها في نَفْسِها بمعنى (بئس) وإذا أمكن حَمْلُه على هذا الوجه لم يَبْقَ إشكال.
وعلى هذا التقرير أتى في ((التسهيل)) بَفَصْل (فَعُلَ) حيث قال: ونُلْحَق (سَاءَ) بـ (بئس)، وبها وبـ (نعم) فَعُلَ إلى آخره (١).
والسؤال الثالث أن صبغة (فَعُلَ) إنما تُبْنَى مما يُبْنَى منه فعلُ التعجُّب، فلا يُبْنَى/ ... ٥٥٩ من أفعال الألوان والخِلَق الثَّابتة والعيوب، فلا تقول: شَهُبَ الرجلُ زيدٌ، ولا مات رجلاً زيدٌ، ولا هَلُكَ الرجلُ خالدٌ، ولا ما أشبه ذلك.
وكذلك لا يُبْنَى من فعلٍ غير متصرِّف، ولا من مبنيّ للمفعول، فإذاً لابد أن يُبْنَى من فِعْل ثلاثي تامٍّ متصرِّف قابلٍ معناه للكثرة، غير مغيَّر عن اسم فاعله بـ (أَفْعَلَ فَعْلاَء) ولا مبني للمفعول.
والناظم لم يذكر من هذه إلا البناء من الفعل الثلاثي، وذلك إخلال، يبيِّن هذا أن (فَعُلَ) يُعِطي معنى (ما أَفْعَلَهُ) فلابد أن يكون بناؤه مما يصح فيه (ما أَفْعَلَهُ) والظاهرُ ورودهُ، ولا أجد الآن جواباً عنه.
وهو أيضا وارد عليه في ((التسهيل)) إذ لم يَزد على ما هنا إلا التنبيه
стр. 2539
على تضمين معنى التعجب، وذلك لا يشعر باشتراط شروط التعجب فقال: وتلحق (ساء) ببئس، وبها وبنعم (فَعُل) مَصُوغاً أو محمولاً من (فَعَلَ أو فَعِلَ) مضمَّنا تعجبا (١).
واعلم أن هذا الاستعمال في (فَعُلَ) غير لازم، فإنك تقول: حَسُن زيدٌ حُسْناً، وما حَسُنَ وجهُه، ولقد قًبُح قُبْحاً. وما أشبه ذلك.
وإنما يلزم في المحَّول من (فَعَلَ، أو فَعِلَ) إذ لا تقول في (كَسُبَ رجلاً زيد): كسُب زيد، وكَسُبْتَ تكسُبُ كَسْباً، وكذلك في (فَعِلَ).
فإن قلت: فإن ظاهر كلامه أن هذا الاستعمال غير لازم، وأنت تقول هو لازم، فما وجُه هذا؟ وذلك أنه قال: اجعل (ساء) كبئس، أي إن (ساء) المستعملة في قولهم: (ساءَهُ الأمُر يَسُوءُه) يجوز أن يُقصد بها قَصْدَ (بئس) فتجري مَجراها. وكذلك صيغة (فَعُلَ) من فعل ثلاثي على (فَعُلَ، أو فَعَلَ، أو فَعِلَ).
أما (فَعُل) فلا كُلْفة فيه إلا اعتقاد المعنى فيه، فقد صَحَّ فيه الجواز في اللفظ الواحد باعتبارين.
وأما (فَعَلَ، وفَعِلَ) فبالتحويل (إلى (فَعُل) فإذا اعتبرت ما بعد التحويل فلا يسوغ فيه الاستعمال الأصلي (٢)) (ولا يسوغ فيه إلا استعمالُ (نعم، وبئس) وإن اعتبرتَ ما قبله فليس فيه إلا الاستعمال الأصلي (٣)).
وإذا اعتبرتَ الأمر في الجملة جاز فيهما، أعني في (فَعَل) و (فَعِل)
стр. 2540
الاستعمالان معا.
فبهذا الاعتبار الأخير أطلق القول بالجواز، فكيف يُطلق القولَ بلزوم معنى (نعم، وبئس) فيهما؟
فالجواب أن اللزوم لم يقل به إلا باعتبار اللفظ بعد التحويل كما تقدم تقريره في السؤال، فلا إشكال. والخطب يسير.
ومِثْلُ نِعْمَ حَبَّذا الفَاعِلُ ذَا
وإنْ تُرِدْ ذَمَّا فَقُلْ لا حَبَّذا
وهذا أيضاً من الأفعال الجارية مجرى (نعم وبئس) وذلك (حَبَّذا) يعني أن (حَبَّ) هذا الفعل المسند إلى (ذا) والمقارن لها- جازٍ في أحكامه مَجرى (نعم) في أحكامها أيضا، وهذا على الجملة. وأما إذا لم تقارنه (ذا) فله حكم آخر يذكره.
فمِنْ جملة مماثلةِ (حَبَّذَا) لنعم جريانُها مجراها في إنشاء المدح، وأداء معنى التعجب، فإن (نعم) تؤدِّي هذا المعنى.
وكذلك تجري مجراها في غير هذا من الأحكام المذكورة، إلا ما يَذكره من المخالفة.
ثم إن قوله: ((وَمِثْلُ نِعْمَ حَبَّذَا)) يشير إلى أنها أيضاً مثلها في الفِعْليَّة، ويدل على ذلك قوله: ((الْفَاعِلُ ذَا)) لأن الفاعل لا يكون فاعلاً إلا لفعلٍ أو ما جرى مجراه. و ((حَبَّ)) ليس جارياً/ ٥٦٠ مجرى الفعل، فهي إذاً
_________
стр. 2541
فِعْل. وحصل بهذا أن مذهبه هنا فِعْليَّةُ (حَبَّ) لا اسميتُها.
والمسألة مختلَف فيها على أقوال أربعة:
أحدها ما ذكَر الناظم أنها فِعْل و (ذا) فاعل به. وإليه ذهب ابن كَيْسان والفارسي وابن خروف وجماعة (١).
والثاني أن (حَبَّذَا) أصلها الفعلُ والفاعل، لكن صُيِّرا بالتركيب اسماً واحداً مبتدأً خبرُه ما بعده، وليست (حَبَّ) بباقيةٍ على ما كانت عليه من الفِعْلية. وهو رأي المبّرد وابن السَّراج والسَّيرافي وابن جِنِّي والزجَّاجي، وجمهور المتأخرين كالشَّلَوْبين وتلامذته (٢).
والثالث أن (حَبَّذَا) بجملتها فِعْلٌ، فاعله المخصوصُ بعد، صار (حَبَّ) و (ذا) بالتركيب فعلاً لا اسماً، وهو مذهب الأخفش وظاهر الجَرْمي في ((الفرخ)) والزُّبَيْدي (٣).
والرابع أن (حَبَّ) فعل، فاعله المخصوص، و (ذا) صِلةٌ، يعني زائدة، لكن لَزِمَتْ، وهولدُرَيوِد (٤).
والكلام في الترجيح طويل. وقد استدَلَّ في ((الشرح (٥))) على ما ذهب إليه هنا بأوجه:
أحدها أن الخصوم مُقِرُّون بأن (حَبَّذَا) في الأصل فعل وفاعل، وذلك فيما
стр. 2542
قبل التركيب وهما بعد التركيب لم يتغيرا معنى ولا لفظا، فوجب ألا يتغيرا حُكْماً، وأن يَبْقيا على أصلهما، كما وجب بقاء (لا) وما رُكِّبَ معها على ما كانا عليه من حَرْفِيَّة (لا) واسميَّة اسمها، مع أنهما قد عَرض لهما التركيبُ والصَّيْرورةُ كالشِيء الواحد.
والثاني أنه لو كان تركيبهما مُزِيلاً لهما عن حكمهما الأصلي لكان ذلك لازماً كلزوم (ما) لإذْ في (إِذْمَا) ومعلوم أن (ذا) مع (حَبَّ) ليس كذلك، إذ يجوز أن تُفصل (ذا) من (حَبَّ) كقوله عبدالله بن رواحة ﵁ (١):
* فَحبَّذا رَياً وحّبَّ دِينَا *
يريد: وحَبَّذَا دِيناً.
والثالث أنه لو كان كذلك لم يجز أن تدخل (لا) على (حَبَّذَا) إلا مع التكرار، فلم يكن ليُقال: لا حَبَّذَا زيدٌ حتى تقول: ولا المَرْضِيُّ، كما يلزم أن تقول: لا الممدوحُ زيدٌ ولا المَرْضِيُّ، ولكن ذلك غير لازم اتفاقا، فليس (حَبَّذَا) اسماً أصلا.
والرابع أنه لو كان كذلك لدخلت على (حَبَّذَا) نواسخُ الابتداء، كما تدخل على سائر المبتدآت، فكنت تقول: إِنَّ حَبَّذَا زيدٌ، وكان حَبَّذَا زيداً، ونحو ذلك، وهو فاسد لا يقال باتفاق، فقد بطل أن يكون مبتدأ مع صحة كونه فعلاً وفاعلاً.
وأما المذهب الثالث (٢) فهو ضعيف جدا، لأنه مؤسَّس على دعوىً لا دليل عليها. وأيضاً ففيه تغليبُ أضعف الجزءين وهو الفعل، على أقواهما وهو الاسم.
стр. 2543
وذلك خلاف القياس.
وأيضاً ففيه عدمُ النَّظير، وهو تركيب فعل واسم، إذ لا يوجد في كلام العرب مثله، فظهر أن الأمر ليس كما زعم ذلك القائل.
وأما الرابع (١) فدعوى أيضاً مجرَّدة. والذي استدل به قائلُه قولُه:
* فَحَبَّذَا رَباًّ وحَبَّ دِينَا *
وهو ظاهر فيما تقدَّم، لا فيما قال هذا القائل. هذا مقدارُ ما يُتَأَنَّس به في هذا الموضع. وقد قَيَّد شيخنا الأستاذ أبو عبدالله بن الفخار رحمة الله عليه (٢) في هذه المسألة/ جزءا ... ٥٦١ رويناه عنه، وقَيَّدناه من خطه، ناظر فيه ابنَ مالك في احتجاجاته، لا حاجة إلى إيراده هنا.
ثم قال: ((الفاعلُ ذَا)) يعني أن باب (حَبَّذَا) خالفَ بابَ (نعم) في أن فاعل (حَبَّ) لا يكون إلا لفظ (ذا) الذي هو إشارة إلى الواحد المذكَّر القريب، بخلاف (نعم) فإن فاعلها يكون أحدَ ثلاثة أشياء كما تقدَّم.
واقتضى هذا الإلزامُ أن لفظ (ذا) لا يَختلف بحسب التثنية والجمع والتأنيث، بل تقول: حَبَّذَا زيدٌ، وحبذا الزيدان، وحبذا الزيدون، وحبذا هند، وحبذا الهندان، وحبذا الهندات. ومن ذلك قول جرير (٣):
стр. 2544
يَا حَبَّذَا جَبَلُ الرَّيَّانِ مِنْ جَبَلٍ
وحَبَّذَا ساكنُ الرَّيَّانِ مَنْ كَانَا
وحَبَّذَا نَفَحاتٌ من يَمَانَيِةٍ
تَأْتِيكَ من قِبَلِ الرَّيَّانِ أَحْيَانَا
وبعد هذا بيت الكتاب (١):
هَبَّتْ جَنُوباً فَذِكْرَى مَا ذَكَرْتكُمُ
عِنْدَ الصَّفَاةِ التي شَرْقِيَّ حَوْرَانَا
وقال الراجز (٢):
يَا حَبَّذَا القَمْراءُ واللَّيُّل السَّاجْ
وطُرُقٌ مِثْلُ مُلاَءِ النَّسَّاجْ
وأنشد المؤلف (٣):
حَبَّذَا أنتَما خَلِيلَيَّ إنْ لَمْ
تَعْذُلاَنِي في دَمْعِيَ المُهْرَاقِ
وذلك كثير.
فعلى هذا لا يقال: (حَبَّ زيدٌ) ولا (حَبَّ الرجلُ) إلا قليلا، سيُنَبِّه عليه بعد،
стр. 2545
بل التزمت العرب هنا الإتيان بـ (ذا).
وكذلك لا يقال: حَبَّذِي هندُ، ولا حَبَّذان الزيدان، ولا: حَبَّ أوُلاءِ الزيدون، ولا ما أشبه ذلك حسبما ينبَّه عليه.
ثم قال: ((وإنْ تُرِدْ ذَمَّا فَقُلْ لاَ حَبَّذَا)) هذا أيضاً مما خالف فيه هذا البابُ بابَ (نعم) وهو أن (حَبَّذَا) للمدح كـ (نعم) فإذا أريد الذمُّ فليس له فعل يشاركه في حكمه يُعْطِي معنى الذم، كما كان لـ (نعم) مشارك في ذلك، وهو (بئس) بل استَغنت عنه العرب بإدخال حرف (لا) على (حَبَّذَا) فإذا أرادت الذمَّ قالت: لا حَبَّذَا زيدٌ. وأنشد المؤلف (١):
أَلاَ حَبَّذَا أَهْلُ المَلاَ غَير أَنَّهُ
إذَا ذُكِرَتْ فَلاَ حَبَّذَا هِيَا
فإن قيل: إن الناظم أتى بـ (ذا) رًوِيَّا في البيتين معا، وذلك هو الإيطاءُ المعَيب (٢)، وليس ذلك من عادته.
فالجواب أن الأمر ليس كذلك لوجود المخالفة بين (ذا) الأولى والثانية، وذلك من وجهين، أحدهما أن (ذا) في الأولى اسم لـ (ذا) المشار بها في (حَبَّذَا) لا المشار بها، فهي كـ (زيد) في قولك: زيدٌ ثلاثيُّ الحروف، فـ (زيد) الواقع على الشخص، لا الاسمُ الواقع على الشخص، فاختلفا، لأن أحدهما اسم اللفظ، والآخر اسم المعنى.
стр. 2546
والثاني أنا لو سلَّمنا أنهما شِيء واحد لم يكن ثَمَّ إِيطاءٌ لأنهما قد اختلفا بالإفراد والتركيب، فـ (ذا) في الأول مفردة، وفي الثاني مركبة مع (حَبَّ) وذلك اختلافُ يُعتبر في القوافي مثلُه، فلا يكون إيطاء. ثم قال:
وأَوْلِ ذَا المَخْصُوصَ أَيَّا كانَ لاَ
تَعْدِلْ بِذَا فَهْوَ يُضَاهِي الْمَثَلاَ
(ذا) مفعول أَوَّلُ لـ (أَوْلِ) والمفعول الثاني المخصوص، وليس ((المخصوصَ)) تابعَ (ذا).
ويريد أن ((ذا)) لازم مع (حَبَّ) على هذا اللفظ في كل حال. فإذا أتيت بالاسم المخصوص، وهو المخصوص بالمدح/ أو الذم، فاجعله والياً لـ (ذا) ملاصقاً له بعده، ولا تَحْفَل ... ٥٦٢ بكون المخصوص إذا أتيتَ به مفرداً مذكرا على مطابقة (ذا) بل تأتي به كيف كان، من إفراد أو تثنية أو جمع، أو تذكير أو تأنيث، مع بقاء (ذا) على لفظ الإفراد والتذكير، لا تَعْدِلْ به غيَره، فإنه يشبه المثلَ السائر الذي لا يغيَّر عن حالته في الاستعمال الأول.
وقد تضمَّن هذا الكلام ثلاثةَ أمور، أحدها لزومُ كون المخصوص والياً لـ (ذا) بعده، فلا يقع قبله ولا بعده مفصولاً منه.
وأما كونه لا يقع قبله فلا تقول: حَبَّ زيدُ ذَا، لأن (ذا) مع (حَبَّ) كالشيء الواحد، ولا تقول أيضاً: زيدُ حَبَّذَا، كما تقول: زيدُ نعم الرجلُ، لأن (حَبَّذَا فلانُ) جارٍ مَجرى المثَل كما قال الناظم.
قال ((الشرح)) (١): وقد أغفل أكثر النحويِّين التنبيهَ على امتناع
стр. 2547
تقديم المخصوص في هذا الباب، وهو من المهمَّات. قال: وتَنَبَّه ابنُ بابْشَاذ (١) إلى التنبيه عليه، لكن جعل سبب ذلك خَوفَ تَوهُّمِ كونِ المراد من (زيدٌ حَبَّذَا) زيدٌ أحَبَّ هذا. قال: وتوهُّم هذا بعيدٌ، فلا ينبغي أن يكون المنعُ من أجله.
ثم عَلَّل بجرَيانه مَجرى المثَل، فلا يُعْدَل عن لفظ السابق في أصل الاستعمال، فلا يغيَّر بالتقديم والتأخير ولا بغير ذلك كما يأتي.
وأمَّا كونه لا يقع بعده مفصولاً منه فذلك تنبيهٌ على أن نواسخ الابتداء لا تدخل على المخصوص ههنا، فإن من ضرورة دخولها أن تَفْصل بينه وبين (ذا) فلا تقول: حَبَّذَا كان زيدٌ، كما نعم الرجلُ كان زيدٌ، ولا حَبَّذَا علمتُ زيداً، كما تقول: نعم الرجلُ علمتُ زيداً. وكذلك ما أشبهه.
وفيه أيضاً تنبيهٌ آخر على أن التمييز أو الحال إذا ذكر مع (حَبَّذَا) يجب تأخيره عن المخصوص، فلا يتقدم عليه، فلا يقال: حَبَّذَا رجلاً زيدٌ، ولا حَبَّذَا عالماً زيدٌ. وهذا رأي حكاه في ((الَّتْذكرة)) الفارسيُّ عن الكوفيين، أنهم لا يجيزون: حَبَّذَا رجلاً زيدٌ.
ونَصَّ الجَرْمي على قبح ذلك إذا أُعرب المنصوب تمييزاً، لكن هذا منه بناءً على أن المخصوص هو الفاعل، و (حَبَّذَا) فِعْل، كما تقدم النقل عنه.
وهذا الرأي، إن كان قَصَده، مخالفُ لجمهور البصريين، فإنهم يُجيزون ذلك كله. وله وجهُ من النظر وإن كان الفارسي قد قال: لا وجهَ له عندي، وذلك أن المنصوب إمّا أن يكون حالاً أو تمييزاً، فإن كان حالاً فإمّا أن يكون صاحبهُ
стр. 2548
(ذا) أو المخصوصَ، فإن كان صاحبه المخصوصَ فلا ينبغي التقديم، لأن المخصوص إمّا مبتدأُ خبرهُ ما قبله، والحال لا يتقدم على المبتدأ. وإمّا خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، فكذلك أيضاً، لزن العامل مَعْنىً، والعامل المعنويُّ لاَ يتصرف في معموله.
وإن كان صاحبه (ذا) فغير لائق، لأن (ذا) مبهَم محتاج إلى التفسير أكثرَ من احتياجه إلى الحال، فلا فائدة في انتصاب الحال عنه، وهو غير معروف، كما ضَعُف انتصابُ الحال عن النكرة لعدم الفائدة. وإن/ كان تمييزاً فإنَّما يصلح تمييزاً لـ (ذا) لا للمخصوص. وعند ذلك ... ٥٦٣ لا ينبغي أن يَلِيه وإن كان تمييزاً له، قياساً على التمييز في (نعم، وبئس) إذا قلت (١):
* فَنِعْمَ الزَّادُ أَبِيكَ زَادَا *
وما أشبه ذلك، لأن عامة السماع على تأخير التمييز عن المخصوص في باب (نعم) فكذلك ينبغي هنا لاتحاد البابين في المعنى وكثير من الأحكام.
وأيضاً فلم يكن الكوفيون ليمنعوا إلا مَادلَّهم الاستقراءُ على امتناعه، فإذا لك يكن سماعُ يَشهد لجواز: حَبَّذَا رجلاً زيدٌ، وإنَّما فيه ما يدل على التأخير نحو قوله (٢):
* يَا حَبَّذَا جَبَلُ الريَّانِ مِنْ جَبَلٍ *
стр. 2549
- كان القول بالامتناع أرجح.
ورأى المؤلف في غير هذا الكتاب موافقةُ الناس في الجواز، ولكن اتباعَ عبارتِه هنا أَدىَّ إلى تفسيرها بما تقدم.
ويمكن أن يكون له رأيُه رأيَ الجماعة، على أنه يرىَ تقديم المنصوب على المخصوص، لكنه لما كان قليلا جدا لم يَعْبَأ به في الذِّكْر، وإن كان قد يُقاس عليه عنده وهذا بَعِيد.
والأظهرُ من لفظه منعُ ذلك، فلمَ يَذكره وإن كان قياساً عند غيره، لكونه لم يَره قياساً لندوره عنده. واعتبره في ((التسهيل)) (١) وغيره.
وقد أنشد في ((الشرح)) على التقديم (٢):
أَلاَ حَبَّذَا قَوْماً سُلَيُمٌ فَإنَّهُمْ
وَفَوْا إذْ تَواصَوْا بالإعانَةِ والنَّصْرِ
ومثله نادر لا يُبنى على مثله، والله أعلم.
الأمر الثاني: كون (ذا) لا يختلف مع اختلاف المخصوص بالتذكير والتأنيث، والإفراد والتثنية والجمع، وذلك قوله: ((وأَوْلِ ذَا المخصوصَ أَيَّا كَانَ)) يعني: أيَّ اسمٍ كان لا تَعْدِل بذا غيرَه، فإذا وليه المؤنث أو المثنى أو المجموع فلا تتغير (ذا) عن لفظ المفرد المذكر، فتقول: حَبَّذَا زيدٌ، وحبذا هندٌ، وحبذا الزيدان والهندان، وحبذا الزيدوُن والهندات. وقد تقدم بيانُ هذا، والاستشهادُ عليه (٣).
الأمر الثالث: تعليل الحُكْمين المتقدِّمين، وذلك قوله: ((فَهُوَ يُضَاهِي المَثَلاَ))
стр. 2550
يعني أن العرب أجرت (حَبَّذَا) مجرى الأمثال التي تُحكى ولا تُغيَّر عن حالها، فلذلك لم تُدخل على المخصوص النواسخَ، ولم يَتَقدَّم على (حَبَّ) ولا على (ذا) ولم يُفصل بين شيئين من ذلك، لكنهم لم يلتزموا فيه الحكاية كل الالتزام، إلا في (حَبَّذَا) خاصة، لأنه حين احتاجوا إلى ما يُسْنَد إليه المدح أو الذم صار ماعدا (حَبَّذَا) مختلفا باختلاف الممدوح أو المذموم، فلحقه من الأحكام القياسية ما يلحق (نعم، وبئس) وغيرهما. فقد ضاهى، أي شابه، المثلَ المحكىَّ بإطلاق، فالتُزِم هنا (ذا) و (حَبَّ) ما التُزم في الأمثال من الإتيان به على حالة واحدة، فكما التزموا خطاب المؤنَّث في قولهم: ((أَطرَّي إنَّكِ ناعِلَةٌ)) (١) وقولهم: ((الصَّيْفَ ضَيحَّتِ اللَّبَنَ)) (٢) وقولهم: ((خَلا لكِ الجوُّ فَبِيضِي واصْفِري)) (٣). وخطاب الواحد المذكر في نحو قولهم: ((ويَأْتيكَ بالأخبار مَن لم تُزِّوَدِ (٤))) وقولهم: ((يدَاكَ أَوْكَتَا وفُوكَ
стр. 2551
نفَخَ)) (١). وما أشبه ذلك، كذلك التَزموا إشارةَ المفرد المذكر القريب هنا، والتزموا اتصالَ (حَبَّ) ب (ذا) وعدمَ الفصل، وعدم تقديم/ المخصوص، كما التزموا نَظْمَ الأمثال فلم يغيِّروها ... ٥٦٤ بفصل ولا تقديم ولا تأخير، وذلك ظاهر.
وقولهُ: ((وأَوْلِ)) فعلٌ متعدٍّ إلى اثنين من: أَوْلَيْتُ زيداً عمراً، أي جعلتُه يَلِيه، فالمفعول الأول هنا (ذا) والثاني (المخصوص) كأنه قال: اجعل المخصوص يلي (ذا).
وقوله: ((أيَّا كانَ)) أيَّا: مقطوعةُ عن الإضافة، منصوبةٌ على خبر ((كان)) يعني: سواء كان مفرداً أم مثنى أم مجموعا، مذكرا أم مؤنثا. وقوله: ((لاَ تعْدِلْ بِذَا)) أي بهذا اللفظ غيرهَ.
وقوله: ((فهو يُضَاهِي المَثَلا)) يعني أنه جارٍ مجرى الأمثال التي لا تغيَّر عن لفظها وحالها، بل تقال لكل من شاكلت حالهُ حالَ المقول فيه أولا، وإن خالفه في التعدَّد والاتِّحاد، والتذكير والتأنيث، لأن المعنى فيه حينُ يذكر أن حال هذا المذكور الآن مثل حال صاحب المثل، ولذلك سُمِّي مثلا. ثم قال:
ومَا سِوَى ذَا ارْفَعْ بَحبَّ أو فَجُرْ
بالبَا ودُونَ ذا انْضِمَامُ الْحاكَثُرْ
стр. 2552
لما أتمَّ الكلام على (حَبَّ) المقرونة بـ (ذا) وهو أغلب استعمالها في معنى الإنشاء المذكور أخذ يذكر حكمَها في الاستعمال الثاني، وهو أن تقُرن بغير (ذا).
فيريد أن (حَبَّ) إذا لم يكن فاعلها (ذا) فلها في نفسها حكمٌ مخالف لحكمها مع (ذا) ولفاعلها أيضا حكم آخر.
فأمَّا حكم فاعلها فيجوز فيه وجهان:
أحدهما، وهو الأصل، أن يُؤتى به مرفوعاً فتقول: حَبَّ الرجلُ زيدٌ، وحَبَّ رجلاً زيدٌ، ففي (حَبَّ) ضمير مرفوع هو الفاعل، كما في (نعم، وبئس)، وقال ساعدة بن جُؤَيَّة (١):
هَجَرَتْ غَضُوبُ وحَبَّ مَنْ يَتَجَنَّبُ
وَعَدَتْ عَوادٍ دُونَ وَلْيِكَ تَشْعَبُ
وهذا هو المشار إليه بقوله: ((ارْفَعْ بِحَبَّ)).
والثاني زيادة الباء في الفاعل، كما زيدت في ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ (٢) والمعنى: كَفَى اللهُ شهيدا، وكما قالوا فيما هو في معناه: أَكَرِمْ بزيدٍ، لأن ((زيداً)) عند جماعة في موضع رفع، والمعنى على فاعليَّة ((زيد)) فالباء، على الجملة، مما تُزاد في الفاعل، فكذلك زادوها هنا، فتقول: حَبَّ بالرجلِ، وكذا: حَبَّ به رجلاً زيدُ. ومنه قول الأخطل (٣):
стр. 2553
فَقُلْتُ اقْتُلوهَا عنكمُ بمَزِاجهَا
وحَبَّ بها مَقْتُولَةً حينَ تُقْتَلُ
وقال الآخر (١):
حَبَّ بالزَّوْر الذي لا يُرىَ
مِنْهُ إلاَّ صَفْحَةٌ عن لِمَامْ
وهذا الوجه هو المراد بقوله: ((أَوْ فُجرَّ بالبَاءِ)) وقَيَّد الجرَّ بالباء لأنه هو موضع السماع، فلا يُتَعدَّى إلى غير الباء، فلا يقال: حَبَّ للرجلِ، ولا حَبَّ من الزَّوْرِ، ولا غير ذلك، كما لا يقال: كَفَىِ لِلَّهِ شهيداَ، ولا كفى من اللَّهِ، ولا غير ذلك. وهذا ظاهر.
وقد زيدت هذه الباء في (نعم) حكى ابن السراَّج (٢): مررتُ بقومٍ نِعْمَ بِهْم قوماً. وأصله: نِعْمُوا قوماً، وهو في (نعم) قليل، وليس في (حَبَّ) بقليل. ولذلك أطلق الناظم القولَ في جواز الوجهين، ولم يقيِّد واحداً منهما بقلة ولا كثرة.
وأما حكم (حَبَّ) في نفسها فذكَر لها وجهين، أحدهما أن تبقى/ حاؤها مفتوحة ... ٥٦٥ كما كانت مع (ذا) فتقول: حَبَّ الرجلُ زيدٌ، وحَبَّ به رجلاً زيدٌ. والثاني أن تُضم حاؤها فتقول: حُبَّ الرجلُ زيدٌ، وحُبَّ
стр. 2554
به رجلاً زيدٌ. ومنه قوله (١):
* هَجَرَتْ غَضُوبُ وحُبَّ مَنْ يَتجنَّبُ *
يُروى هكذا مضموما، ويروى قول الآخر بالوجهين (٢):
* وحُبَّ بها مَقْتُولةً حيَنْ تُقْتلُ *
والضم أكثر من الفتح، وهو مما غَلَب فيه الفرعُ الأصل.
وقد نَبَّه على كثرة الضم بقوله: ((وانْضِمَامُ الحَاكَثُرْ)) يريد: وقَلَّ البقاءُ على الأصل، من الفتح. وهذا بخلافها مع (ذا) فإن الضم غير جائز، لأنه جَرى (حَبَّذَا) مع الفتح مَجرى المثل.
وأصل الضم الفتحُ، لأن أصل (حَبَّ) حَبُبَ، أي صار حَبِيباً، وهو من الأفعال المضاعَفة التي جاءت على (فَعُلَ) وذلك قليل نحو: لَبُبْتَ يا هذا، أي صرتَ ذا لُبّ، حكاه يونس (٣). والأكثر: لَبِبْتَ، وقالوا نحو: عَزُزْتِ يا ناقةُ تَعُزِّينَ، إذا صارت عَزُوزاً، وهي الضيِّقة الإحليل (٤)، في أفعال نوادر.
فنقلوا في أحد الاستعمالين ضمة عينه إلى فإنه فقالوا: حُبَّ، وهذا
стр. 2555
قياسٌ في كل فعل بُني على (فَعُلَ) لقصد إنشاء المدح أو الذم على سبيل المبالغة، فتقول: حُسْنَ الرجلُ زيدٌ، ومنه قول سَهْم بن حَنْظلة الغَنَوي (١):
لَمْ يَمْنَع الِناسُ مني ما أَرَدْتُ ولا
أُعطِيِهمُ ما أرادوُا حُسْنَ ذا أَدَبَا
إلا أنه أجرى (حُسْنَ) مجرى (حُبَّ) فأسنده إلى (ذا).
وقوله: ((ومَا سِوَى ذَا)) ((ما)) منصوب (٢) بـ (ارْفَعْ) و ((أو)) للتَّخْيير، إلا أن الفاء (٣) في قوله: ((فَجُرْ)) مشكلةٌ لدخول عاطف على عاطف.
فإن قيل: هذا الموضع معترِض على الناظم، فإنه لم يقيد هنا فاعلَ (حَبَّ) إذا لك يكن (ذا) بقيد، ولابد من التقييد له، لأن فاعل (حَبَّ) مع غير (ذا) إنما يكون اسمَ جنس، أو ضميراً مفسَّرا بتمييز، أو (ما) أو (مَنْ) كفاعل (نعم، وبئس) من كل وجه، لأن (حَبَّ) جارياً مجراه كسائر الأفعال المبنيَّة على (فَعُلَ) لهذا المعنى، فلا يجوز أن يقال: حَبَّ زيدٌ، ولا حَبَّ أخوك، ولا ما أشبه ذلك.
ولأجل هذا لم يستقم قولُ من جعل ((بُكَاهَا)) من قول حَسَّان بن ثابت، أو مَعْب بن مالك، أو عبد الله بن رواحة، ﵃ (٤):
بَكَتْ عَيْنِي وحُقَّ لَهَا بُكَاهَا
وما يُغْنِي البُكَاءُ ولا الْعَوِيلُ
стр. 2556
- فاعلاً بـ (حُقَّ) على أن يكون مثلَ (حَبَّ) هنا، لأن ((بُكَاهَا)) لا يُسند إليه (نعم وبئس) قال الفارسيُّ في ((البغداديات)): لا يجوز: حَبَّ زيدٌ، كما لا يجوز نعم زيدٌ، لأنه فِعْلُ يقتضي اسماً عاماً مثلَه، ووضعُه للمدح، كما أن وضع (نعم) له.
وأنشد أبو زيد في نوادره (١):
قَدْ زَادَهُ كَلَفَاً بالحُبِّ أَنْ مَنَعَتْ
وحَبَّ شَيْئاً إلى الإنْسَانِ ماُ منِعَا
فهذا كنِعْمَ شَيئاً ماُ منِعَا، وإذا ثبت هذا كان إطلاق الناظم غيرَ مستقيم.
فالجواب أنه لم يَغْفَل عن هذا التقييد البتَّةَ، لأنه لَما ذكر أحكامَ (نعم، وبئس) أَلْحَق بهما (حَبَّذَا) في قوله: ((ومْثِلُ نِعْمَ حَبَّذَا)) فاقتضى أن (حَبَّ) بغير (ذا) مثل (نِعْم) في جميع الأحكام، إلا ما خَصَّها به دون (نعم) وهذا صحيح، فإنها فيما سوى ما ذكَر، فلم يحتج إلى ذكر قيد/ ... ٥٦٦ لرجوعها إلى حكم الباب.
والحاصل أن (حَبَّذَا) خالفت (نعم وبئس) في أحكام، ووافقتهما في أحكام أُخَر. فالتي وافقتهما فيه سبعة أحكام:
أحدها أن (حَبَّ) فعل بإطلاق، وإن تركَّب مع (ذا) كما أشار إليه بقوله: ((ومِثْلُ نِعْمَ حَبَّذَا الفاعلُ ذَا)).
والثاني أن له مخصوصاً بالمدح أو بالذم، لأنه أحال عليه بقوله:
стр. 2557
((وأَوْلِ ذَا المخصوصَ كذا)) فالألف واللام فيه للعهد في المخصوص المذكور لـ (نعم وبئس).
والثالث إن ذلك المخصوص إما مبتدأٌ خبرهُ ما قبله، أو خبرُ مبتدأ محذوف، فعلى الأول التقديرُ: زيدٌ حَبَّذَا، وإن كان ذلك لا يقال كما تقدم، والنظر في العائد هنا كالنظر هنالك (١). وعلى الثاني يكون على تقدير سؤال عن شخص المخصوص، كأنه لَمَّا قال: حَبَّذَا- قيل: مَن الممدوح؟ فقال زيدٌ.
وقد تقدم الكلام على الخلاف في المسألة (٢)، وأنَّ من النحويين مَن زعم أن المخصوص [هنالك مبتدأٌ محذوف الخبر، وهو جارٍ هنا. ومنهم من أعربه بدلا، وقد قيل به هنا نصا. وهو رأي ابن الحاج (٣).
والرابع أن المخصوص (٤)] لا يتقدم، [لأنه قال هنا: ((وأَوْلِ ذَا المخصوصَ)) وقال في (نعم): ((وَيَقعُ المخصوصُ بَعْدُ)) وقد تقدم ما فيه (٥)] هنالك.
والخلاف في المسألتين موجود، فقد زعم ابن خروف أن (زيدٌ حَبَّذَا) جائز، وأن التأخير هو الأكثر.
والخامس جوازُ حذفه للعلم به، فكما تقول هنالك: زيدٌ نعم الرجلُ، فكذلك تقول هنا: رأيتُ زيداً وحَبَّذَا، اي: وحَبَّذَا هُوَ. وأنشد المؤلف (٦):
стр. 2558
أَلا حَبَّذَا لَوْلاَ الحَياءُ ورُبَّمَا
مَنَحْتُ الهَوَى مَنْ لَيْسَ بالمُتقارِبِ
إلا أن هذا نادر، وذلك كثير.
والسادس أن (حَبَّ) هنا فعل غير متصرَّف، فلا يُبنى منه أمرٌ ولا مضارع ولا اسم فاعل، وهو على حاله حتى يَنْتَقل عن معنى إنشاء المدح، فصار كـ (فَعُلَ) في الباب.
وأيضاً فإنه فِعْل غير دالٌ على زمان، كما أن (نعم) كذلك.
والسابع جوازُ الجمع بين الفاعل والتمييز إذا كان الفاعل ظاهرا، فتقول حَبَّذَا زيدٌ رجلاً، وحَبَّ الرجلُ زيدٌ رجلاً، كما تقول: نعم الرجلُ زيدٌ رجلاً: وهو مع (ذا) أحسنُ منه مع غيرها، لأنه في هذا الموضع مبيِّن لـ (ذا) فإنها مبهَمة، فافتَقرت إلى التفسير، وهو هنالك لمجرَّد التوكيد، لم يُفد زيادة على ما أعطاه الفاعل، فكان هنا أولى، اللهم إلا أن يكون التمييز موصوفا، أو بغير لفظ الفاعل، فإذ ذاك يَكثر مجيءُ التمييز، ويُساوِي التمييزَ هنا مع (ذا).
وأمّا إذا كان الفاعل ضميراً مستترا فلابد من التمييز نحو: نعم رجلاً زيدٌ، ومثلُه في (حَبَّ):
* وحَبَّ شيْئاً إلى الإنْسانِ ما مُنِعَا (١) *
وأما الأحكام المخالفة المذكورة هنا فستة:
أحدها جوازُ كون فاعل (حَبَّ) ذا، قياساً مُطَّرِدا، بخلاف (نعم، وبئس)
стр. 2559
وما جرى مجراها، فإن الفاعل فيها لا يكون (ذا) إلا نادرا، نحو قوله (١):
* حُسْنَ ذَا أَدَبَا *
والثاني أن هذا الفاعل يلزمه الإفراد والتذكير، بخلاف (نعم) وبابها، فإن ذلك غير لازم لفاعلها إذا لم يكن ضميرا.
والثالث أنه ليس له مشارِك يَختص بأداء معنى الذم، وإنما يُستغنى عن/ ذلك ... ٥٦٧ بدخول (لا) عليه، بخلاف (نعم) فإن مشاركة في ذلك (بئس).
والرابع امتناعُ الفصل بين (ذا) والمخصوص حسبما تَفَسَّر عند قوله: ((وأَوْلِ ذَا المخصوصَ)) بخلاف (نعم) فإن الفصل هنالك جائز، فتقول: نعم الرجلُ كان زيدٌ، وبئس الرجلُ وجدتُ عَمْراً، وما أشبه ذلك.
والخامس جوازُ دخول الباء على فاعل (حَبَّ) إذا لم يكن (ذا) لقوله: ((أَوْ فَجُرَّ بالباءِ)) بخلاف (نعم) فإن ذلك فيها غير جائز، ولا فيما جرى مجراها، فلا يقال: نِعْم بالرجل، كما يقال: حَبَّ بالرجل.
والسادس جواز ضَمّ حاء (حَبَّ) مع غير (ذا) والتزامُ فتحها مع (ذا) وهذا الحكم مخصوص بلفظ (حَبَّ) ولا يُتصوَّر نَفْيه عن (نعم، وبئس) إذ لا يقبلان ذلك فينفي عنهما، بخلاف ما تقدم من الأحكام.
стр. 2560
أفعل التفضيل
هذا آخر العوامل التي لا تتصرَّف، ويسمى (أَفْعَل مِنْ) و (أَفْعَل التفضيل) يريدون هذا ابناء المقتضي معنى لـ (مِنْ) أن تأتي بعده، والذي يقتضي التفضيل بين الشيئين، تقول: زيدٌ أفضلُ من عَمْروٍ، وخالدٌ أكرمُ من بَكْر، فذَكر أولا أصلاً لهذا العامل يتضمن كثيراً من أحكامه، وذلك فيما يُصاغ منه، فقال:
صُغْ مِنْ مَصُوغٍ مِنْهُ للتَّعجُّبِ
أَفْعَلَ للتَّفْضيِلَ وأْبَ اللَّذْ أُبِي
يريد: أن ما صِيغ منه للتعجب صيغتا (مَا أَفْعَلَهُ، وأَفْعِلْ به) من الأفعال قياساً فذلك هو الذي يصاغ منه للتفضيل بناءُ (أَفْعَلُ)، وما أَبَتِ العربُ أو النحويون أن يَبْنُوا منه للتعجب من الكَلمِ، ولم تُجْرِ القياسَ فيه فَأْبَهُ أنت، اي امتنع منه أيها الناظر في القياس النحوي.
فقوله: ((مِنْ مَصُوغٍ)) متعلق بـ (صُغْ) و ((مِنْه)) متعلق بمصُوغ، و ((للتعجُّب)) متعلق بمَصُوغ أيضاً.
و((أَفْعَلَ)) مفعول ((صُغْ)) و ((للتَّفْضِيل)) متعلق بـ (صُغْ) ايضاً. والتقدير فيه: صُغْ للتفضيل (أَفْعَلَ) من فِعْلٍ صِيغَ منه للتعجُّب: والإبايةُ: الامتناع.
والحاصل أن باب ((أَفْعَل التَّفْضيل)) يجرى في بناء الصَّيغة له مَجرى باب التعجُّب، طَرْداً وعَكْساً، أي ما جاز في التعجب من هذا جاز في أفعل التفضيل، ومَا لاَ فَلاَ. ولذلك يقع للنحويين الاستشهادُ بأحدهما على الآخر.
_________