← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

يامَيَّ لا يُعْجِزُ الأيَّامَ ذُو حِيدٍ في حَوْمَةِ الموتِ رَزَّامٌ وفَرَّاسُ يَحْميِ الصَّريمةَ أُحْدَانُ الرِّجالِ له صَيْدٌ ومُجْتَرِئٌ باللَّيْلِ هَمَّاسُ ويحتمل القطع. والثالث أن تُتْبع بعضاً دون بعض، وهو نَصُّه حين قال: ((أو بَعْضِها اقْطَعْ مُعْلِنَا)) فتقول: مررتُ بزيدٍ العاقلِ الفاضلُ. وقد أُنْشِد بيتُ الخرِنْقِ هكذا (١): النَّازِلوُن بكلِّ مُعْتَرَكٍ والطَّيِّبينَ معاقدَ الأُزْرِ وبالعكس (٢) وأنشد سيبويه قولَ ابن خَيَّاط العُكْلي (٣): وكلُّ قومٍ أَطاعُوا أمَر مُرْشِدِهمْ إلاَّ نُمَيْراً أَطَاَعَتْ أمرَ غاوِيَها

стр. 2662

الظَّاعِنيِنَ وَلَمَّا يُظْعِنُوا أحداً والقائِلُونَ لِمَنْ دار نُخَلَّيهَا قال سيبويه: ومن العرب من يقول: الظَّاعِنُون، والقائِلَين (١). وهذا من القسم الذى قبل هذا. وأَنشد أيضاً لأمَيَّة بن أبى عائذ (٢): وَيأْوِى إلى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ وشُعْثاً مَراضيعَ مثلَ السَّعَالِى وإنما جاز القطع مبالغةً فى المدح أو الذم، لأنه يَستلزم تكثيرَ الجمل المتضمِّن للإطناب فى وصف المذكور، فوصفُه بجملٍ كثيرى أبلغُ من وصفه بجملة واحدة. وأيضاً فإن العِلْم به يُؤذن بالاستغناء عنه، فقَطَعوا إيذاناً بذلك، ليعرِّفوا أن المنعوت مستغنٍ عن نعته. وكأن تعليق حكم القَطْع على العِلْم فى قوله: ((واقَطْع أو اتْبِعْ إن يَكُنْ معيَّناً بدونها)) يُرشد إلى هذا الوجه الثاني من التعليل. قال سيبويه: وزعم الخليل -رحمة الله- أن نصب هذا - يَعنى ما تقدَّم من القطْع - على أنك لم تُرِد أن تحدِّث الناس، ولا مَنْ تُخاطب، بأمرٍ جهلوه، ولكنهم قد علموا من ذلك ما قد علمتَ، فَجعَله تعظيماً وثناء، إلى آخر ما

стр. 2663

قال (١). وأما الحالُ الثالثة، وهو أن يكون المنعوت مفتقِراً إلى بعض النعوت دون بعض فحكمُها إمَّا مأخوذُ من قُوَّة كلامه في الحالين الأَوَّلَيْن، وذلك أن يُتْبَع ما كان مفَتَقَراً إليه، ويُخيَّر في الباقي، فتقول: مررتُ بزيدٍ الخَيَّاطِ الصالح الفاضل. فـ (الخَيَّاطُ) مثلاً لازمُ الإتباع لأنه مفَتقر إليه في بيان المنعوت، ولك في (الصالح، والفاضل) الأتباعُ والقطعُ. لكن يبقى النظرُ في تقديم المفَتقَر إليه مسكوتاً عنه. ولابد من تقديمه/ لأنه لا ... ٦١١ يجري نعتُ المدح والذم والترحُّم إلا بعد معرفة صاحبه. ولعل الناظم سكت عن هذا لأنه ظاهر المعنى. وقد ذهب ابن الناظم في ((شرحه)) (٢)، إلى أن هذه الحالة الثالثة هي المرادة بقوله: ((أو بَعْضِها اقْطَعْ مُعْلِنَا)) كأنه يقول: وإن يكن المنعوت معَنَّياً ببعضها فاقْطَعْ ما سواه. وهذا التفسير لا يَظهر، إذ لو أراد الناظم ذلك لقال: أو بَعْضها اقَطْع معلِناً إن كان معيَّنا بالبعض الآخر، ولم يقل ذلك، فإنَّما قوله: ((أو بَعْضِها اقْطَعْ مُعْلِنَا)) راجع إلى القسم الأخير، وهو أن يكون المنعوت معيَّنا بدونها كما تقدم. ويَدخل حكمُ الحالة الأولى تحت معنى العبارة، لأن ما تأتي به من النعوت المفتَقَر إليها يَشمله قوله: ((وقَدْ تَلَتْ مفتِقراً لذِكْرِهَّن)). وما يأتى به مما هو معيَّن بدونها يَشمله قولهُ: ((إنْ يَكُنْ معيَّناً

стр. 2664

بدوُنِها)) فظهر مراده، وبالله التوفيق. وقوله: ((مُعْلِنَا)) أي مبيِّناً ذلك، ومصرِّحاً به، وظاهره أنه فَضْل، ولكنه يمكن أن يكون تنِكْيتاً على رأي مَن رأى أن القطع لا يأتي إلا بعد الإتباع، فعند هذا القائل لا يجوز: مررتُ بزيدٍ الكريمِ الفاضل، برفعهما معاً، أو نصبهما، أو رفع أحدهما ونصب الاخر، بل اللازم إتباعُ الأول وقطعُ الثاني. وهذا غير مَرْضِيٍّ، فقد حكى سيبويه: الحمدُ للهِ الحميدَ، والحمدُ للهِ أهلَ الحمدِ (١)، بالقَطْع ولم يتقدم مُتْبَع، وأنشد للأخطل (٢): نَفْسِي فِدَاءُ أميرِ المؤْمنيِنَ إذا أَبْدىَ النَّوَاجِذَ يومٌ باسِلٌ ذَكَرُ الخائضُ الغَمْرَ والمَيْمُونُ طائِرهُ خليفهُ اللهِ يُسْتَسْقَى به المَطَرُ وقد تقدم إنشاد بيت العُكْلى (٣): * وكُلُّ قَوْمٍ أَطَاعُوا أَمْرَ مُرْشِدِهمْ *

стр. 2665

وهو كثير، فلا مُسْتَنَد لهذا القول ولا سَلَف. فكأن الناظم يقول: اقطع الجميعَ أو أَتْبِعْها، أو اقطع بعضاً دون بعضٍ مُعْلِناً بذلك من غير قَيْد، فالجميع جائز. ولا فرق في ذلك بين المعرفة والنكرة، بل يجوز أن يقال: مررتُ برجلٍ عالمٍ صالحٌ، كما تقول: مررتُ بزيدٍ العالمِ الصالحُ. ثم على كلامه سؤالات، أحدها أن الذي يَتْبع من النعوت ثلاثةٌ، نعتُ البيان المنبَّه عليه، وهو المفتَقَر إليه. ونعت التوكيد نحو قوله تعالى ﴿فَإذِاَ نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحدَةٌ﴾ (١)، ﴿وقَاَل اللهُ لاَ تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثنَيْنِ﴾ (٢)، ونحو ذلك وهذا مُتَّفَق على منع القطع فيه. وما وُضع من النعوت على اللزوم نحو: مررتُ بهم الجَمَّاءَ الغَفِيرَ، وطَلَعَتِ الشَّعْرىَ العَبوُرُ (٣). وهذا أيضاً مُتَّفَق على منع القطع فيه. وأما القسم الأول فالظاهر من كلام النحويين لزوم الإتباع أيضا، إلا أن ابن أبى الرَّبيع (٤) أجاز فيه القطعَ إلى النصب بإضمار فعل، وإلى الرفع

стр. 2666

بإضمار مبتدأ، ويجوز إظهارُهما، كأنه على تقدير سؤال سائل يقول: مَنْ تَعْنِى؟ أو مَنْ هو؟ إذ لم تَبْنِ الكلامَ على ذكر النعت، لاعتقادك أن المخاطب يعرف مَنْ ذَكره، ثم يبدو لك أنه لا يعرفه، فتقول: مررتُ بزيدٍ الخياطَ، والخياطُ. وإن شئت قلت: أعني الخياطَ، أو هو الخياطُ (١). وما قاله ابن أبى الربيع ليس بمخالف/ لما تقدَّم من لزوم الإتباع، بل هو موافق لغيره. ٦١٢ وثَمَّ نوعٌ رابع يَلزم فيه الإتباعُ أيضاً، وهو نعت المشار إليه، نحو: مررتُ بهذا الفاضلِ وذلك الصالحِ، وما أشبه ذلك. وقد تقدم رأيهُ في نعت الإشارة بالمشتق (٢). فالظاهر من كلام الناظم جوازُ القطع فيها كلِّها، وهو خلاف ما قاله الناس. وثَمَّ أنواعٌ أُخَر يلزم فيها الإتباع أيضاً لا تَعْسُر على مَن طَلبها، لكنها قليلة الاستعمال فلذلك لمُ تذكر هنا. وعلى الجملة فالشروط المذكورة في جواز القطع أربعة: أحدها أن يكون النعت للمدح أو الذم أو الترحُّم، فإن كان لغير ذلك لم يجز القطع إلا على ما قاله ابن أبى الربيع، وليس ذلك من القطع المذكور في ((باب النعت)). والثاني ألا يكون نعتُ المدح أو الذم الترحُّم خاصاً بمَنْ جرى عليه، لا يَليق بغيره، فإنه إذا لم يكن خاصاً كان القطع جائزاً بإطلاق،

стр. 2667

بل هو عندهم الأفصح. فأما إذا كان خاصاً بمن جرى عليه في المعنى فالإتباع هو الوجه الشائع، والقطع قليل. ويَطَّرِد هذا في صفات الله تعالى، لاَ يتَّصِف بها غيرهُ، كقوله: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَميِن * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١)، فإن الجرَيان هنا على الموصوف هو الشائع. ولذلك لم يَقْرأ في بعضها بالقطع إلا قليلٌ. ومنه قوله تعالى: ﴿حم * تَنْزِيلُ الكتَابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ العَليِمِ * غَافِر الذَّنْبِ وقَابِل التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَاب ذىِ الَّطْولِ﴾ (٢). ومثل هذا في القرآن كثير جدا. وفي الشعر قولُ عَمْرو بن الجَمُوح (٣): الحمدُ لِلَّهِ الغنيِّ ذِى المِنَنْ الواهبِ الرزَّاقِ دَيَّانِ الدِّيَنْ وهذا الشرط نَبَّه عليه سيبويه في قوله: وسمعنا بعضَ العرب يقول: ﴿الحمدُ لَلَّهِ رَبَّ العَالَمِينَ﴾ فسألت عنها يونس، فزعم أنها عربية (٤). وبَسْطُ وجه ذلك ذَكره ابن الزُّبَيْر الأندلسي شيخُ شيوخنا (٥) في كتابه ((مِلاَك الَّتْأوِيل)) وهي من مسائله الحِسَان.

стр. 2668

والثالث أن لا يَبْنى المتكلمُ كلامه على ذكر الصفة، وإنما يبدو له ذكرُها بعد شروعه في التكلم، فُيخرجها مُخرج الجواب على سؤال، فيَقطعها على ما يقدِّر السؤال، فيرفعُها أو ينصبُها، فإنه إذا ابتدأ كلامَه قاصداً ذكرَ الصفة أولاً لم يكن بُدٍّ الاتباع، لأن بناءه على ذكرها أولاً يَقتضي إجراءها عليه. والقطُع نقيضُ ذلك، إذ هو مقَتضٍ للاستئناف، لأن الصفة مع المقدَّر تصير جملةً مستقلة لا موضعَ لها من الإعراب. وهذا شأن الجمل المستأنَفة. ونظير ذلك الظنُّ في الغاية وعدم الغاية كما تقدم، و (أَوْ) مع (إمَّا) في الشك، كما سيأتي إن شاء الله تعالى (١). وهذا الشرط نَصَّ عليه ابن مَلْكون في ردَّه على الصَّيْمري (٢)، وهو ظاهر المعنى فلا ينبغي إهماله. والرابع ما ذكره الناظم من تقدُّم/ العِلْم بالمنعوت دون النعت، فنقصه ذكر ثلاثة شروط، ٦١٣ واقتصر على واحدٍ لا يفي بمعني ما ترك. والسؤال الثاني: أنه يقتضى جوازَ الاتباع والقطع كيف كان، من تقديم المُتْبَع أو تأخيره. وذلك ممنوع؛ بل الإتباعُ بعد القطع لا يجوز، فلا يقال: مررتُ بزيدٍ الفاضلُ الصالحُ الحسيبِ، وعُلَّل ذلك بأوجه ثلاثة:

стр. 2669

أحدها ما يلزم على ذلك من الفصل بين النعت والمنعوت، أو بين النعتين، بجملة أجنبية. والثاني أن طباع العرب تأبى الرجوعَ إلى الأمر بعد الانصراف عنه. وكان الشَّلَوْبين يُنشد هنا قولَ مَعْن بن أَوْسٍ (١): إذَا انْصَرفَتْ نَفْسِي عن الشَّيْءِ لم تَكَدْ إليه بَوْجهٍ آخَر الدَّهْرِ تُقْبِلُ فكأنهم جعلوا ألفاظَهم جاريةً على حكم مقاصدهم، وذلك أن الأصل في صفة المدح القطعُ، وكذلك صفةُ الدم والترحُّم، لأن المقصود الاخبارُ عن الموصوف بحاله وصفته، بعد الإخبار عنه بفعله، وهما مقصدان مختلفان، فإذا قطعوا (ثم أتبعو) (٢) فقد رجعوا عن الإخبار الثاني إلى الإخبار الأول بعد الانصراف عنه، وهذا شبيهٌ باعتبار (اللفظ بعد اعتبار) (٢) المعنى، فإنه ممنوع، بخلاف العكس. والثالث حكاه لنا الأستاذ أبو عبد الله ابن الفخار (٣) شيخنا، ﵀، عن بعض نحاة ((قُرْطَبة)) (٤) أن المانع من ذلك ما يلزم عليه في ((علم البيان)) من تَسَفُّلٍ بعد تَصعُّد، وقصورٍ بعد كمال؛ لأن القطع أبلغُ في المعنى المراد من الإتباع، اعتباراً بتكثير الجمل. وعلى ذلك كان القطع.

стр. 2670

ولولا ذلك ما ذُهب به هذا المذهب البعيد، وهو ظاهر. والسؤال الثالث: أنه تكلمَّ على الإتباع والقطع فيما كَثُرت النعوت، وتَرك الكلام على ذلك في النعت المفرد، وهو الأصل للكثرة. ولو تكلَّم على النعت المفرد لأُخِذ له منه حكمُ غير المفرد، ولا ينعكس، بل يُوهم ما ذَكر أن المفرد بخلافه، وإذا تقررَّ هذا كان ذِكْرُه لما ذَكَر، وترْكُه لما تَرك مشكلا. والجواب عن الأول أن الضابط الذي ذَكر يَجمع له مقصودَه، فلا يحتاج إلى شرط سوى ما شَرط، وذلك أن نعت البيان مقصودٌ بلا شك، لأنه مفتقَر إليه، ولذلك لزم إتباعُه على ما تقدَّم، من جهة أن رفع الاشترك في المعرفة وتخصيصَ النكرة (١) إنما يحصل بالإتباع إذا كان القطع على اعتقاد الاستئناف بعد استغناء الكلام الأول، والإتباع يُصَيَّر النعتَ والمنعوت كالشيء الواحد، ولذلك قال سيبويه: زيدٌ الأحمرُ عند مَنْ لا يَعْرفه بمنزلة زَيْدٍ عند مَنْ يَعْرفه (٢). وأما نعت التوكيد فهو مفتقَر إليه على الجملة من وجهين، أحدهما أنه كتكرار الاسم الأول، ففائدته كفائدة التوكيد اللفظي، ولولا أنه مُحْتاج إليه لما كُرِّر، لأنه التكرار عندهم لغير فائدة عيٌّ (٣)، وإذا كان كذلك صار نعت التوكيد مراداً به البيانُ على الجملة، وليس دخوله كخروجه.

стр. 2671

فإذا قلت: كونُه مُبَيَّناً يناقض كونَه مؤكداً- فالجواب أنه/ سُمِّي مؤكدا وإن كان مفتقَرا إليه ... ٦١٤ في التخاطب، كما سمي التوكيدُ اللفظي، بل والمعنوي، توكيداً اعتباراً بأنه مِمَّا يُكْتَفى فيه بالمؤكَّد دونه على الجملة والثاني أن نعت التوكيد مُبَيِّن على وجه، سمعت من شيخنا القاضي أبي القاسم الشريف (١)، ﵀، أن العرب تقول: (هذا رجلٌ) على معنَيْين، أحدهما أن تريد الحقيقة، أي حقيقةَ هذا المعنى من غير نظر إلى توحُّد أو تعدُّد. قال: وهذا لا يُثَنَّى ولا يجمع. والثاني أن تريده بقيد التوحُد والإفراد، وهذا هو الذي يُثَنى ويجمع. فإذا قال: أعطاك زيدٌ غلاماً، فقلت: إنما أعطاني ثوباً- فهذا من الأول. وإذا قال: أعطاكَ ثوبَيْن، فقلت: إنما أعطاني ثوباً- فهذا من الثاني. وإذا ثبت هذا فالمنعوت إنَّما هو الثاني لا الأول، ونعتُه إنما هو رفعٌ لتوهم التعدُّد الذي يحتمله المعنى الأول، لأن المعنى الأول لا نص فيه، من حيث الوَضْعُ، على أفراد، بل على حقيقة الجنس، والحقيقةُ حاصلة في الواحدُ والمتعدِّد، فكان نعت التوكيد مُبَيَّناً بهذا الاعتبار، وحيثما جاء في القرآن فإنَّما جاء على هذا القصد. وأما ما وُضع على اللزوم (٢) فأصله البيانُ، وأيضاً فقد يقال: أَهمل ذكرهَ لقلته في بابه. فإن قيل: هذا الجواب مُشكل على ما قَدَّم في حَدِّ النعت، فإن الناظم قال هناك: إنَّه ((مْتِمُّ ما سَبَق)) واعتُرِض عليه بنعت المدح والذم والترحُّم.

стр. 2672

وأجيب بأن هذه النعوت تُتِّم ما سَبق بحسب القَصْد، فإذاً قد كان الكلام ناقصاً دونها بحسب القصد، وهو معنى كون المنعوت بها مفتَقِراً لذكرها. وعلى هذا التقدير تَدخل له نعوتُ المدح والذم والترحم في الحكم بلزوم الإتباع، وإذ ذاك لا يبقى لقوله: ((واقْطَعْ أَوِ اتْبَعْ)) معنىً ينزَّل عليه، وفَسدت المسألة جملة. فالجواب أن العبارتين منزَّلتان على معنيين لا على معنى واحد، لأن قوله أول الباب ((مُتِمُّ ما سَبَق)) لا يستلزم أن السابق مفتقَر له في العلم به، وإنما يستلزم أنه مكمِّل له على الجملة. وهذا التكميل تارةً يكون مفتَقَراً إليه، فيكون النعت إذْ ذاك لازمَ الإتباع، كنعت البيان، وتارةً يكون غير مفتَقَر إليه في معرفة النعوت، وذلك نعت المدح والذم والترحُّم، فلا يكون لازمَ الإتباع. وهذا صحيح. وأمَّا نعت الإشارة فهو للبيان، لأنه مفتقر إليه فلا اعتراض عليه. فقد حصل أن الخاصَّ بحكم جواز القطع نعتُ المدح والذم والترحُّم. وأمَّا اشتراطُ ألا يكون خاصاً بمن جَرى عليه فلا يُلْقَى من تَرْكه محظور، لأن القطع والإتباع جائزان في الخاص وغيره على الجملة وكثيراً ما يُطلق الناظم القولَ بجواز الوجهين وإن كان أحدهما أرجَح بناءً على صحة القياس فيهما. وأَمَّا اشتراط ما شَرطه ابن مَلكْون (١) فذلك غير لازم، بل هو توجيةُ القطع لمن قَطع ومن لمَ يَقْطع، فوجهُه بناءُ الكلام على ذكر الوصف، كما أنهم يُجيزون/ الوجهين في: زيدٌ طنتُه ٦١٥ قائمُ، وزيداً ظننتُ قائماً، بناءً على المقصدين، ولم يكن ذلك قادحاً في إجازة الوجهين عند أهل

стр. 2673

النحو، فكذلك هنا، فإنه من باب اعتبار المقاصد البيَانِيَّه، وذلك وظيفةُ البَيَانِيَّ وليس على النحويّ اعتبارُ ذلك من حيث هو نحوي، فقد ظهر أن الوجه اعتبارُ ما اعتبره الناظم، وما سوى ذلك زيادةٌ. والله أعلم. والجواب عن الثاني أن الإتباع بعد القطع مختلفٌ فيه بين النحويين، فمِنْ مُجيز ومانع، فمِنْ حُجَّة المانع ما تقدَّم (١). ومن حجة الُمجِيز أنه لا يَلْقَى فيه من جهة القياس محظوراً إلا الفصلَ بين النعت والمنعوت، وذلك جائز على الجملة. وأيضاً فالنعت المقطوع هنا في حكم المتْبَع، لأن الجميع مستغنىً عنه، ولم يُؤْتَ به إلا لكونه مدحاً للأول، وذلك حاصل. وليس في حكم الجملة أيضاً، ولو كان في حكم في حكم الجملة لكان الموضع خَلِيقاً بأن يَظْهر الجزءُ الآخرُ يوماً مَا، لكنهم لم يفعلوا ذلك، فدل على أن المقطوع في الحكم كالمُتْبَع، وإنما تقديرُ المحذوف أمرٌ صناعي، وهو في المعنى معدوم، يُنْظر إلى ذلك ما قالوا في (عَمْرو) من قولك: (إنَّ زيداً قائمٌ وعمروٌ): إنه من باب عطف المفردات، وإن كان ظاهرُ الصناعة أنه مبتدأ محذوف الخبر، بناءً على تناسي المحذوف، حتى قالوا: إن زيداً قائمٌ لا عمروٌ، فعَطفوا بـ (لا) التي لا يُعطف بها إلا المفرد، فكذلك هنا قَطعوا بناءً على العلم بالمنعوت، ولم يُظْهروا إلا المقدَّر بناء على جَعْله وصفاً للأول. فإذا كان كذلك صار القطع والإتباع في نَمَطٍ (٢) واحد من جهة المعنى.

стр. 2674

وأيضاً فإن ظاهر السماع شاهد، كقوله تعالى: ﴿لَكِن الرَّاسِخُون في الْعِلْم مِنْهُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿والْمُقِيميِنَ الصَّلاَةَ والْمؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (١)، وكذلك قول الخِرْنِق (٢): النَّازِليَن بكُلِّ مُعْتَرَكٍ والطَّيِّبُونَ معاقَد الأُزْرِ والمنعوت قبلُ مرفوع. وقول العُكْلى أيضاً (٣): الظَّاعِنِيِنَ وَلمَّا يُظْعِنْوا أحداً والقَائِلينَ لِمِنْ دَارٌ نُخَلِّيهَا والمنعوت قبلُ منصوب. ومن ذلك أشياء أُخَر. ولا يقال: إن ذلك على إضمار رافع أو ناصب، لأنه خلاف الظاهر، والأصل ((الحَمْلُ على الظاهر، وإن أمكن أن يكون المراد غيرَه)) حسبما بَوَّب عليه ابن جِنِّي في ((الخصائص)) (٤) وجَعله أصلاً من أصول سيبويه، وأتى له بشواهد من كلام العرب هي عاضدةٌ لهذا الموضع، فيمكن أن يكون مذهب الناظم هنا ما أعطاه ظاهرُ لفظه من جواز الإتباع بعد القطع خلافَ ما رآه في غيره. وقد تبيَّن مُدْرَكُه، والله أعلم. والجواب عن الثالث من وجهين، أحدهما أن كثرة النعوت أصلها الإفراد، وإذا لزم في المتعدِّد حكمٌ من حيث هو جارٍ على الأول لزم في الإفراد، إذ لا فرق في المعنى بين المتَّحد والمتعدِّد في الجرَيان وعدمه، فكأنَّه ذَكر حكمَ

стр. 2675

الكثرة لِمَا يختصُّ بها مما ليس في الإفراد، وهو الإتباعُ في البعض، والقطعُ في البعض. والثاني أن يقال: لعله ذَهب مذهبَ من لا يَرى القطعَ إلا مع تكرار/ الصفة، ... ٦١٦ وإن مذهباً مَرْجوُحاً، لأنه لا قياس َيَعَضُدُه، ولا سماعَ يؤيِّدَه. والله أعلم. وجَعْلهُ التاءَ في ((أُتْبعَتْ)) رَوياً مع قوله: ((تَلَتْ)) ولم يَجعلها كالهاء وصَلاً - هو رأي الجمهور أهلِ القوافي (١). وقد زعم بعضهم أنها كالهاء لا تقع رَوِياً إلا حيث تقع الهاء رَوِياً، وذلك ينكسر بما أنشده سيبويه في ((كتاب القوافي)) له من قوله الراجز (٢): الحمدُ لِلَّه الَّذِي اسْتَقَلَّتِ بإذْنِه السَّماءُ واطْمَأَنَّتِ بإذْنِه الأرضُ ومَا تَعَنَّتِ الجاعِل الغَيْثِ غيَاثَ المُسْنِتِ أَوْحَي لها القرارَ فاسَتقَرَّتِ وشَدَّها بالرَّاسِيَاتِ الثُّبَّتِ وَلمَّا ذكَر القطع في هذه المسألة، ولم يبين كيفيته أخذ يذكر ذلك

стр. 2676

فقال: وَارْفَعْ أوِ انْصِبْ إنْ قَطَعْتَ مُضمِراَ مُبْتَدأً أو نَاصَبا لَنْ يَظْهَراَ يعني أن القطع إنما يكون إلى الرفع أو إلى النصب. وأما الجر فلا يُقطع إليه أصلا، لأن حرف الجر لا يُضمر. وإذا كان كذلك فالرفع لابد له من رافع، وهو المبتدأ مضمراً قبل النعت المقطوع. فإذا قلت: مررتُ بزيدٍ الفاضلُ - كان على تقدير: هو الفاضلُ. والنصب أيضاً لابد له من ناصب، وهو الفعل مضمَرا قبله. وإذا قلت: مررتُ بزيدٍ الفاضَل - فهو على تقدير: أمدُح الفاضلَ. ونحو ذلك، وهو معنى قوله: ((مُضْمِراً مُبْتَدأً أو نَاصِباً)). فمضمِراً: حال من فاعل ((ارْفَعْ أو انْصِبْ)) و ((مبتدأً)) راجعٌ إلى ((ارفَعْ)) و ((ناصباً)) راجع إلى ((انصِبْ)) والناصب هو الفعل. وإنما لم يعيِّنه لأنه معلوم، إذ الناصب للاسم لا يُضمر حتى يُعلم، كما أنه لم يُعيَّن من الأفعال نوعاً من نوعٍ إحالةً على فهم السامع، لأن قصد الكلام يعيِّن المراد، فإذا كان الموضع للمدح فالمقدَّر ((أَمْدَحُ)) ونحوه. وإذا كان للذم فالمقدر ((أَذُمُّ)) وإذا كان للترحُّم فيقدر ((أَرْحَمُ)) أو نحو ذلك. ولا ينبغي أن يقدَّر ((أَعْنِى)) لأنه قُصُور في موضع المبالغة، إلا أن يكون الموضع خالياً من معنى المدح والذم والترحُّم، فهنالك يصلح تقدير ((أَعْنِى)) ونحوه. ولم يعيِّن الناظم ما الذي يقدَّر، إمَّا اتَّكالاً على فهم ما يقدَّر، لأن الموضع يعيَّنه، فموضع المدح معيَّن لتقدير ((أَمْدَحُ)) وكذلك سائر المواضع معيَّنه لما يقدَّر فيها، فلم يَحتج إلى النص عليه.

стр. 2677

وإمَّا لأنه رأى الخَطْب سهلاً في تقدير ((أَمْدَحُ أو أَعْنَى)) لأن المدح حاصل بالكلام، والفعل لم يَظهر قَطُّ، وإنَّما هو تقدير صناعي، فلا ضَرر في تقدير فعلٍ يَصلح في الموضع على الجملة. وهذا ظاهر. وقوله: ((لَنْ يَظْهَراَ)) الألفُ فيه ضمير التثنية، عائد على ((مُبْتَدأ وناصِبٍ)) وإن كان العطف بـ (أوْ) التي هي لأحد الشيئين أو الأشياء، لأنهما معا مرادان، كقوله تعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيَّاً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهْمِا﴾ (١). ويريد أن مِنْ شرط هذا المقدَّر ألا يُنطق به لأن العرب هكذا فعلت. ووجههُ أنهم قصدوا إنشاء المدح أو الذم أو الترحُّم، فجعلوا إضمار الناصب / أمارةً على ذلك، كما فعلوا ... ٦١٧ في النداء، إذ لو أُظهر الناصب لَخفىِ معنى الإنشاء، وتوهم كونهُ خبراً مستأنَفا، فكان التزام الإضمار أحقَّ لهذا المعنى. وهنا شيء ينبغي عليه، وهو أن هذا الحكم المقرَّر مع كون ذلك المقدَّر لا يظهر إمَّا أن يكون عائداً إلى ما ذَكر آنفا في كثرة النعوت، وإمَّا أن يعود إلى ما فيه قطعٌ مطلقا. فإن عاد إلى ما فيه قطعٌ مطلقا لزم أن يكون المقدَّر لازمَ الإضمار في نحو قولك: مررتُ بزيدٍ وخرجتُ إلى عمروٍ القُرَشيَّيْنِ، وما أشبهه مما هو لمجرد التخصيص، لا لمدحٍ ولا لذمٍ ولا ترحُّمٍ. وهم قالوا هنا: يجوز إظهار الرافع والناصب، فتقول: أَعْنِى القرشيَّيْنِ، أو هما القرشيَّانِ، فكان الإطلاق غيرَ مستقيم.

стр. 2678

وإن عاد إلى ما ذَكر في كثرة النعوت خاصَّة استقام، إلا أنه يبقى حكم القطع في المسألة الأولى مبهمَا غيرَ مبيَّن. وهو قاصر. والجواب أن ظاهر كلامه أن هذا الحكم راجعٌ إلى المسألة الأخيرة. ألاَ ترى أنه قال: ((إِنْ قَطَعْتَ)) فأتي بـ (إِنْ) الداخلةِ على الممكن، والقطعُ في المسألة الأولى واجب، فلم تكن ((إنْ)) لائقةً بالموضع، فإتيانهُ بها دليلٌ على أنه قصد ما القطعُ فيه ممكن لا واجب. وأيضاً فإنه لم يصرَّح فيما تقدم بُحكْم قَطْع، ولا ذَكر ما يُقطع، وإنما نَصَّ على شرط الإتباع، وسكت عن غير ذلك، فلم يُضطر فيه إلى حكم القطع. والله أعلم بمراده. وَمَا مِنَ المَنْعُوتِ والنَّعْتِ عُقِلْ يَجُوزُ حَذْفُهُ وفي النَّعْتِ يَقِلْ يعني أن كل واحد من النعت والمنعوت إذا عُلم جاز حذفه في فصيح الكلام على جهة الاختصار، وذلك أن الأصل الأثباتُ في الجميع، لكن عادة العرب أنها تَجتزئ بالقرائن عن النطق في كثير من كلامها، فإذا كان اللفظ معلوما، ولم يؤدِّ حذفُه إلى اختلال الكلام، بل يستقلُّ اللفظ والمعنى بما بقى - جاز ذلك. فعلى هذا لا يُحذف المنعوت إلا بشرطين، أحدهما مأخوذ من نصه، وهو يكون معلوماً معيَّناً معناه بعد الحذف، ولا إشكال في هذا. والآخر غير مأخوذ من ههنا، وهو أن يكون النعت مستقِلاً بمباشرة العامل، قابلاً له. فإذا قلت: (مررتُ بعاقلٍ، أو براكبٍ) عُلم أن المحذوف (رَجُل) وصَحَّ في ((العاقل)) مباشرتُه للعامل، وكذلك ((الراكب)) ونحو ذلك. _________

стр. 2679

ومنه في السماع قوله تعالى: ﴿وأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ (١)، أي دروعاً سابغاتٍ. وقوله: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صَالِحاً﴾ (٢)، وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمُ لِنَفْسِه ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سَابِقٌ بالْخيْراَتِ بإِذْنِ اللهِ﴾ (٣) وذلك كثير. فلو كان النعت غيرَ معلوم لم يَجُز حذفه، فلا تقول: ائْتني ببَارِدٍ، ولا ائْتِني بطويلٍ أو قصيرٍ، أو نحو ذلك، لأن المنعوت لم يَتَعيَّن. وكذلك إذا لم يصلح النعت لمباشرة العامل لم يَجُز حذفه، كما إذا كان النعت ظرفاً أو مجروراً أو جملة، كقولك: مررتُ برجلٍ عندَك، أو في الدار، أو برجلٍ قامَ أبوه. فلا تقول: مررتُ بِعندَك، ولا بِفِي الدار، ولا بِقَامَ أبوه. وما جاء على خلاف ذلك/ فشاذ نحو قوله (٤): ... ٦١٨ * واللهِ ما لَيْلىِ بِنَامَ صَاِحُبْه * تقديره: بليلٍ نامَ صاحبُه. وكذلك قول الآخر (٥).

стр. 2680

* جَادَتْ بِكَفي من أَرْمَى الْبَشَرْ * أي بكفَّىْ رجلٍ كان من أرمى البشر. فإن قلت: من أين يُفهم هذا الشرط من كلام الناظم؟ فالجواب أن مثل هذا الشرط معلومٌ من قُوَّة العربية، لأن اللفظ لابد يُعطى حقَّه بعد الحذف. ألاَ تراهم حين فَرَّغوا العاملَ لما بعد (إلاَّ) جعلوا ما بعد (إلاَّ) هو الفاعلَ أو المفعولَ أو غير ذلك، على حسب طلب العامل، ونحن نعلم أن الفاعل في المعنى إنما هو المحذوف. وكذلك لما حذفوا ((الكائنَ، والمستِقرَّ)) مع الظرف والمجرور جعلوهما قائمين مقامه، متحملِّين لضميره، فكذلك هنا. فالمنعوتُ لابد أن يكون مبتدأ أو خبراً أو فاعلاً أو مفعولاً أو مجروراً، أو ما يتفرع عن هذه الأشياء. فإذا حُذف فنعتهُ قائمٌ مَقامه، فلابد أن يصلح لمباشرة العوامل، حتى يكون فاعلاً أو مفعولاً أو مبتدأ، أو نحو ذلك. فإذا لم يصلح لوقوعه في هذه المواضع لم يَقُم مقامه، فإذاً الجملة والظرف والمجرور إذا وقعت نعوتاً لا تقوم مقام المنعوت، فلا يُحذف معها. فقد يمكن أن يكون تَرَك ذكَر هذا الشرط اتَّكالاً على فهم معناه. ويمكن وجهٌ آخر أُبْيَن من هذا، وهو أن يكون هذا الشرط مأخوذاً من شرطه المنصوص عليه، وذلك أن الظرف لا يدل على المنعوت أصلا لو قلت: رأيتُ مكانَك، أو رأيتُ في الدار، تريد: رجلاً مكانَك، ورجلاً في الدار- لم يكن ثَمَّ دليلٌ على المنعوت، ولم يُعْقل.

стр. 2681

وكذلك لو أُقيمت الجملةُ مُقام النعت لم يُفهم المنعوت نحو: رأيتُ صاحبهُ في الدار، وما أشبه ذلك. فمن لوازم هذه النعوت أنها لا تدل على منعوتها لو حُذف، فقد استقَلَّ ذلك الشرطُ المذكور بحصول القَصْد من غير زيادة. وإذا فُرض العلمُ به في موضع لا يُلْقَى به محضورٌ لفظيٌ يجوز أن يُقاس، كما أذا كان المنعوت مبتدأ نحو قولك: ما مِنَ البشَرِ إلاَّ يَنْسَى، والناسُ رجلان، منهما يَعْقل ما يُراد به، ومنهما لا يَعْقل ذلك. وفي القرآن الكريم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْل الكِتَاب إلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (١)، (التقدير: وإنْ من أهل الكتاب أحدٌ إلا ليؤْمِنَنَّ بِهِ) (٢). وكذلك قوله: ﴿ومِنَ الَّذِينَ أَشْرَموُا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٣)، وقال ابنُ مُقْبِل (٤): ومَا الدَّهْرُ إلاَّ تارتَانِ فمِنْهمَا أموتُ وأخرىَ أَبْتَغيِ العَيْشَ أَكْدَحُ وقال الآخر (٥):

стр. 2682

إنْ قُلتَ ما في قَوْمِهَا لم تيِثَمِ يَفْضُلُهَا في حَسَبٍ ومِيسَمِ وتعيينُ هذا أن يكون المنعوت بعضَ ما قبله من مجرور بـ (مِنْ) أو (في). فإن كان مما يُلْقَى في حذفه محظورٌ لفظي امتنع، كوقوع الظرف أو الجملة فاعلاً أو مجروراً. والله أعلم. وهذا الشرط الذي ذكره في مواضع: / ... ٦١٩ أحدهما أن تكون الصفة صفةً لظرف زمان أو مكان، نحو: قعدتُ قريباً، وفعلتُ ذلك قريباً، تريد: مكاناً قريباً، وزماناً قريباً. والثاني أن تكون الصفة هي المقصودةَ بالذَّكر نحو قوله تعالى ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِميِنَ﴾ (١)، ﴿قَالُوا إنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الكَافِريِنَ﴾ (٢). والثالث أن تكون الصفة منعوتةً بما يتبيَّن به الموصوف نحو: مررتُ بطويلٍ من الرِّجال، أو مضافةً إلى ما يتبيَّن به نحو: مررتُ بأفاضلِ الناس، وأكلتُ من أطايبِ الأطعمة. والرابع أن تكون الصفة قد استُعملت استعمالَ الأسماء نحو: (الأَبْطَح) لِمسَيِل الماء الواسع الذي فيه دِقَاقُ الَحصَى، و (الأَجْرع) للرَّمْلة المستوِية التي لا تُنْبِت شيئاً، و (الأَبْرَق) للون الذي فيه حمرةٌ وبياض وسواد، وما أشبه ذلك مما صار بالاستعمال كأنه اسم جنس لا اشتقاقَ فيه.

стр. 2683

والخامس أن تكون الصفة مختصةً بجنس نحو: مررتُ بعاقلٍ، ومررت بأحمقَ. هذه المواضع هي المشهورة في المسألة. وما عداها راجع إليها، وقليل الاستعمال وقد تمَّ الكلام على خذف المنعوت. وأما حذف النعت فشرطُ العلم به لازمٌ فيه أيضا كما ذكرَ الناظم، كما تقول: اختبرتُ الناسَ فما وجدتُ رجلاً، تريد: رجلاً يُعجبني، أو يَملأ عَيْنيِ أو نحو هذا. وفي القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بالْحقِّ﴾ (١)، أي بالحق البيِّن الظاهر، لأن موسى ﵇ جاء بالحق في كل مرة. وجعَل المؤلف من ذلك قوله تعالى: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهُوَ الحَقُّ﴾ (٢)، أي قومُك المعاندون، وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بأمْرِ رَبِّهَا﴾ (٣)، أي كلَّ شيءٍ سُلِّطَتْ عليه، وقوله: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرآنَ لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ﴾ (٤)، أي إلى مَعادٍ كريم، أو مَعادٍ تحبُّه، وقولَ مُرَقِّش الأكبر (٥): وَرُبَّ أَسِيلةِ الخَدَّيْنِ بِكْرٍ مُهَفْهَفَةٍ لها فَرْعٌ وجِيدُ

стр. 2684

أي فَرْعٌ وافر، وجيدٌ طويل، أو نحو هذا، وقال امرؤ القيْس (١): فَلَمَّا بَدَتْ حَوْرَانُ في الآلِ دُونَها نظرتَ فلم اَنْطُرْ بعَيْنَيكَ مَنْظَراَ يريد: منظراً يَسُرُّك. وقال الآخر (٢): لَعَمرُ أَبِى الَّطْيرِ المُرِبَّةِ بالضُّحَى على خالدٍ لَقَدْ وَقَعْتِ على لَحْمِ يريد: على لحمٍ شريفٍ، أو نحو ذلك. وقال العباس بن مِرداس (٣): وقد كنتُ في الحرب ذا تُدْرَاءٍ فلَمْ أُعْطَ شيئاً ولم أُمْنَعِ

стр. 2685

يريد: لم أُعْطَ شيئاً يرُضِيني، لأنه قال: ((ولم أُمْنَعِ)). وقوله: ((وفي النَّعْتِ يَقِلُّ)) يعني أن الحذف في النعت قليل في الكلام، وإن كان، مع قلته، جائزاً- فليس في كثرة حذف المنعوت. _________

стр. 2686

فهرس موضوعات الجزء الرابع الموضوع ... الصفحة الإضافة .............................................................................. ... ٢ المضاف إلى ياء المتكلم ................................................................ ... ١٩٣ إعمال المصدر ....................................................................... ... ٢١١ أبنية المصادر ......................................................................... ٣٢٣ أبنية أسماء الفاعلين والمفعولين والصِّفات المشبَّهة .......................................... ... ٣٦٩ الصفة المشَبَّهة باسم الفاعل ........................................................... ... ٣٨٩ التعجُّب ............................................................................ ... ٤٣٢ نِعْم وبئس وما جرى مجراهما ............................................................ ... ٥٠٦ أفْعَل التَّفْضيل ....................................................................... ... ٥٧١ النَّعْت .............................................................................. ... ٦٠٦

стр. 2687

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة أمّـ القرى معهد البحوث العلمية مركز إحياء التراث الإسلامي المقاصد الشافية في شرح الخُلاصةِ الكافيةِ للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن مُوسى الشّاطِبيّ (٧٩٠ هـ) الجزء الرّابع تحقيق الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم البنّا الدكتور عبد المجيد قطامِش

стр. 2688

﴿التوكيد﴾

стр. 2689

التوكيد هذا هو النوع الثاني من أنواع التوابع، وهو التوكيد. وهو على قسمين: توكيد معنوي، وتوكيد لفظي. أما التوكيد اللفظي فلا يختص بالاسم، بل يكون في الاسم والفعل والحرف والجملة، وسيذكره آخر الباب. وأما المعنوي فهو المختص بالأسماء، وهو الذي استفتح الكلام به /وابتدأ الكلام على ألفاظه، وهى أيضا ضربان: أحدهما يقصد به رفع توهم أن يراد بعموم المتبوع الخصوص، ويسمى "توكيد الإحاطة". والثاني يقصد به رفع توهم إضافة إلى المتبوع، وهو الذي يسمى "توكيد إثبات الحقيقة" وهذا الضرب هو الذي قدم أولا فقال: بالنفس أو بالعين الاسم أكِّدا مع ضمير طابق الموكدا يعني أن هذين اللفظين، وهما، (النفس، والعبن) يؤكد بهما الاسم إذا اتصل بهما ضمير مطابق للاسم المؤكد، أى موافق له فى الإفراد أو التثنية أو الجمع، وفى التذكير أو التأنيث، فتقول: خرج الأمير نفسه أو عينه، وجاء زيد نفسه أو عينه، وحاءت هند نفسها عينها. وجاء الزيدان أو الهندان أنفسهما أو أعينهما، وجاء الزيدون أنفسهم أعينهم، وجاءت الهندات أنفسهن أعينهن، وما أشبه ذلك.

стр. 2690

وفي قوله" الاسم أكدا" إشارة إلى معنيين، قصد التوكيد بـ (النفس، والعين) وهو إثبات الحقيقة، وذلك أن معناه أن التوكيد راجع إلى نفس الاسم لا لمعنى فيه، وهو معنى إثبات حقيقته في نفسه، لئلا يحتمل أن يكون المراد غيره، بخلاف (توكيد الإحاطة) فإنه راجع إلى حالة دلالة الاسم، من كونه شاملا لجميع ما ينطلق عليه أو غير شامل، لا لإثباته في نفسه. فإذا قلت: (خرج الأمير نفسه عينه) رفعت بذلك توهم أن المراد جيشه أو خدمه أو عماله، لأن العرب تطلق ذلك اللفظ، وتريد المعنى المحترز منه على طريق المجاز، فكان نفس الاسم غير مراد، فجاء توكيد إثبات الحقيقة محققا لذلك الاسم أنه المقصود بالإخبار، لا ما يضاف إليه فكأنه أراد - والله أعلم - بقوله: "الاسم أكدا" هذا المعنى. والحامل على هذا التاويل، وإن كان فيه بعد، أنه ذكر في الضرب الثاني ما يراد به، حيث قال: "وكُلا اذكر في الشمول" فيبعد أن يذكر أحد القصدين نصاً، ويهمل الآخر جملة. والمعنى الثاني التنبيه على أن هذا القسم هو المختص بالاسم دون التوكيد اللفظي، فإنه يكون في الاسم وفي غيره كما ذكر. ويقال: أكدت ووكدت، تأكيدا وتوكيدا، والواو أكثر، ولذلك شاع فى استعمال النحويين بالواو. فالظاهر أن يكون "أكد" في عبارة الناظم من الواو، وأبدل الواو المضمومة همزة، كوقتت (١)، وهو من (الوقت) وبالهمز وقع في النسخ التي وقعت عليها، والخطب في ذلك يسير.

стр. 2691

و"بالنفس" وما بعده متعلق بـ (أكدا) وكذلك قوله: "مع ضمبر". ولما ذكر (النفس، والعين) بالنسبة إلى إضافتهما إلى ضمير المؤكد، ولم يذكر حالهما بالنسبة إلى إفرادهما أو عدم إفرادهما استدرك ذلك بقوله: واجمعهما بأفعل إن تبعا ما ليس واحدا تكن متبعا /يعني أن (النفس، والعين) إن تبعا في التأكيد غير المفرد، من مثنى أو مجموع، فإنهما يجمعان على (أفعل) جمع القلة، فتقول فى الجمع: جاء الزيدون أنفسهم أعينهم، وجاء الهندات أنفسهن أعينهن. وكذلك فى التثنية تقول: أنفسهما أعينهما، فتجمع وإن كانا اثنين، لأن تثنية ما هذه سبيله جمع، كقطعت رءوس الكبشين. ومنه فى جمع القلة على (أفعل) قول الله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ (١)، فإذا فعلت هذا كنت به متَّبعا سنن كلام العرب (٢). واقتضى هذا التقرير أن الواحد إذا أكّد بـ (النفس أو بالعين) لا يجمع ولا يثنى، بل يبقى على إفراده كما مر تمثيله. فإن قيل: يظهر أن كلامه معترض من وجهين، أحدهما أنه لم يبين حكم الاجتماع فى (النفس، والعين) بل أتى بـ (أو) المقتضية لأحد الشيئين من غير اجتماع، فيفهم له من ذلك أنهما لا يجتمعان، فلا

стр. 2692

تقول: جاء الزيدان أنفسهما أعينهما، ولا جاء زيد نفسه عينه، وإنما تأتى بأحدهما. وذلك غير صحيح (بل جمعها جائز حسبما مرّ تمثيله، فهذا تقصير فى البيان) (١). والثانى أن قوله: "تكن متبعاً" فضل لا زيادة معنىً فيه، لأن من المعلوم أن كل حكم يقرر فالمتبع له متبع للعرب. فما الذي أحرز بهذا، ومن عادته الشح بالألفاظ إلا فيما يعطى الفائدة؟ فالجواب عن الأول أن "أو" آتية فى كلامه فى معرض إثبات حكم وإلزامه، و"أو" تقع هناك للإباحة، لأن الكلام فى معنى الأمر، فصار مثل قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين. وعلى هذا التقرير لا تقتضى "أو" منعاً من الجمع، وهو مراد الناظم، فلك أن تجمع بينهما فى التوكيد عنده، وهو المطلوب. وعن الثانى أن هذا الكلام أعطى فائدتين حسنتين، إحداهما عامة، وهى أن (النفس، والعين) إذا أضيفا إلى ضمير غير الواحد فإنه لا يقتصر فيهما على جمع القلة دون غيره. أما إذا أضيفا إلى ضمير جمع فإنه يجوز أن يجمعا جمع كثرة وجمع قلة، فتقول: أنفسهم زاكية، ونفوسهم زاكية، وأعينهم كالئة، وعيونهم كالئة، وذلك لأن كل واحد منها يجمع هذين الجمعين. ومن ذلك ما أنشد السيرافى وغيره من قول الشاعر (٢): يا صاحبىّ فدت نفسى نفوسكما وحيثما كنتما لاقيتما رشدا

стр. 2693

وأما إذا أضيفا إلى ضمير اثنين فإنه يجوز فيهما ثلاثة أوجه: جمعهما كما تقدم وتثنيتهما فتقول: نفساكما زكيّتان، وعيناكما قريرتان وإفرادهما نحو: نفسكما، وعينكما، وذلك على قاعدة: كل شيئين من شيئين. ولما كانت العرب قد قصرت ألفاظ التوكيد على وجه واحد من تلك الوجوه فلم تستعمل غيره فهم منها أنها أرادت الاستغناء بذلك الوجه عن باقى الوجوه، كما استغنت بـ (كلا وكلتا) عن (أجمعان، وجمعاوان) وما يليهما (١). فنبّه الناظم على ذلك الوجه، وأمر بالتزامه، وأن ذلك هو المستعمل عند العرب، فلا بد من اتباعها، فإذاً لا يجوز لك أن تقول: جاء الزيدان نفساهما، ولا نفسهما، ولا نفوسهما. وكذلك فى الجمع لا تقول: جاء الزيدون/ نفوسهم، ولا جاءت الهندات نفوسهن. و (العين) كذلك، لا تقول: جاء الزيدان عيناهما، ولا عينهما، ولا عيونهن. وكذلك لا تقول: جاء الزيود عيونهم، ولا النهود عيونهم، بل تلتزم جمع اللفظين على (أفعل) خاصة والفائدة الثانية خاصة، وهى التنكيت على ابن معطٍ فى أرجوزته (٢)، حيث خالف الناس والعرب، فذكر فيها أن توكيد المثنى بـ (النفس والعين) يقال فيه: نفساهما عيناهما بتثنية (النفس والعين (فقال هنالك:

стр. 2694

والنفس والعين مقدمان كذلك فى نفسيهما عينيهما *وما لماثنى سوى كليهما* ويقع فى بعض النسخ هكذا "كذاك فى نفسهما عينهما" بإفراد (النفس والعين). وجميع ذلك مخالف لما قالته العرب والتزمته، فهو خطأ بلا شك، فلهذا، والله أعلم، أتى بقوله: "تكن متبعا" تنكيتا على من لم يتبع، وهو ابن معطٍ فى رجزه المنسوج هذا على منواله. ثم قال: وكلا اذكر فى الشمول وكلا كلتا جميعا بالضمير موصلا هذا هو الضرب الثانى من ضربى التوكيد المعنوى، وهو "توكيد الشمول والإحاطة" ومعنى ذلك أنك إذا قلت: (قام القوم) احتمل ظاهر مفهومه، واحتمل أن يكون القائمون بعض القوم لا جميعهم، فأكدت المعنى الأول، وهو معنى شمول اللفظ لجميع ما يدل عليه، وأثبت أنه المراد. وأتى الناظم لهذا التوكيد بستة ألفاظ: أحدها "كل" نحو: قام القوم كلُّهم. والثاني "كلا" نحو: قام الزيدان كلاهما. والثالث "كلتا" نحو: قام الهندان كلتاهما. والرابع "جميع" نحو: قام القوم جميعهم. والخامس "عامة" نحو: قام القوم عامتهم.

стр. 2695

والسادس: ما تصرف من لفظ "الجمع" للمفرد والمجموع، كقولك: أكلت الرغيف أجمع، وأكلت الخبزة جمعاء، وقام القوم أجمعون، وقام إليك الهندات جمع. هذه ألفاظ التوكيد على الجملة، ولها أحكام تظهر فى تفصيل كلام الناظم. فقوله: "كلاّ اذكر فى الشمول" إلى آخره، يريد أن الألفاظ التي تذكر في الشمول منها: كل، وكلا، وكلتا، موصلات بالضمير، لا مجردة منه كما تجردت الألفاظ المذكورة بعد، من الجمع ومتصرفاته، ولا مضافة إلى ظاهر. والضمير هنا جار فى المطابقة على ما تقدم، وعلى ذلك أحال، إذ أتى بالألف واللام العهدية فقال: "بالضمير" أى المطابق لمؤكد، فتقول: قام القوم كلهم، وقامت الهندات كلهن. وكذا فى الإفراد إذا احتمل ذلك العامل نحو: أكلت الخبز كله، وشربت الكأس كلها، وما أشبه ذلك مما يصح فيه التبعيض. وفى المثنى: قام الزيدان كلاهما، والهندان كلتاهما، وليس لهما استعمال فى غير ذلك. ككل "جميع" نحو: أكلت الخبز جميعه، وشربت الكأس جميعها، وقام الزيدون جميعهم، والهندات جميعهن. و"موصلا" حال من "كل" وما بعده، عامله "أذكر" وإنما أفرده حملاً على معنى ما ذكر/ كما قال رؤبة (١):

стр. 2696

فيها خطوط من سواد وبلق كأنه فى الجلد توليع البهق قال أبو عبيدة قلت لرؤبة: إن كانت "الخطوط" فقل: كأنها، وإن كان "سواد وبلق" فقل: كأنهما، فقال: [أردت] (١) كأن ذلك، ويلك، توليع البهق، فأخبر رؤبة بأن قصده عود الضمير على معنى المذكور، فكذلك هنا. أراد (كلتا، ، وجميعا) فحذف العاطف على عادته. وفى هذا الكلام تنبيه على معنيين، أحدهما أن هذه الألفاظ لا تجرد من الإضافة إلى الضمير المطابق لقوله: "بالضمير موصلا" فقيّدها بالاتصال به، فلا يقال: أعجبنى الزيدون كل، ورأيت الناس كلا، ومررت بهم كل. وكذلك (كلتا وكلا وجميع). أما ما عدا "كلا" فمتفق على هذا الحكم فيه. وأما "كل" فقد ذهب الفراء، وتبعه الزمخشرى إلى جواز تجريدها من الإضافة كما مر تمثيله، فقد ذهبا إلى أن "كُلا" فى قراءة من قرأ ﴿إنا كلا فيها﴾ (٢) بالنصب يحتمل أن يكون توكيداً لاسم "إنّ". وردّه المؤلف بأنّ تجويز ذلك فى "كلّ" يؤدى إلى عدم النظير، لأن غير "كلّ" من ألفاظ التوكيد إما ملازم لصريح الإضافة إلى ضمير المؤكد، وهو (النفس، والعين، وجميع، وعامة). وإما ملازم لمنويّها، وذلك "أجمع" وأخواته. وقد أجمعنا على أن منوىّ الإضافة لا يستعمل فيها صريحها، وأن

стр. 2697

صريح الإضافة سوى "كل" لا يستعمل فيه منويها، فتجويز ذلك فى "كل" يستلزم عدم النظير فى الضربين، وما أفضى إلى ذلك مطَّرح، فالقول بجواز قطع "كل" هذه عن الإضافة لا يلتفت إليه. هذا ما قال: ثم وجه قراءة النصب بأن كلاً" حال من الضمير المنوىّ فى "فيها" والعامل هو المجرور، بناء على جواز ذلك عنده كما تقدم في قوله: "وندر نحو سعيد مستقراً فى هجر" (١). فإن قيل: قد استقرّ فى "كلٍّ" جواز قطعها عن الإضافة نحو ﴿كلٌّ في فلكٍ يسبحون﴾ (٢). وهى هى، وإنما بين الموضعين من الفرق الجريان على المؤكد وعدمه. وأما معنى التوكيد فلا ينفك عن "كل" فيهما، فكما يجوز هنالك يجوز هنا، وقد ظهر ذلك في الآية المقروءة كذلك، فلا مانع من القول به. فالجواب أن العرب قد تخير بين استعمالين فأكثر فى موضع، ثم إذا خرجت إلى غيره التزمت أحد الاستعمالين، وأهملت الأخر، وهذا شائع فى كلامها، ألا ترى أنها استعملت (نعم، وبئس) فى الأصل على أوجه، فقالوا: نَعِم، ونَعْمَ، ونِعِمَ ونِعْمَ، وكذلك (بئسَ) وكلُّ فعل على فعل) ثانيه حرف حلق (٣)، ثم لما نقلتهما إلى إنشاء المدح والذم التزمت فيهما وجهاً واحدا، وكذلك (حبَّ) في التعجب، تفتح حاؤها وتضم، فإذا جاءت بـ (ذا) التزمت

стр. 2698

الفتح، و (العَمْر والعُمرْ) مستعملان، فإذا قالوا: لعمرك التزموا فتح العين (١)، إلى غير ذلك مما لا يحصى. فلما ثبت للعرب هذا الأصل لم يَجُزْ أن يجرى القياس للفظ في كل موضع إلا مع الالتفات إلى السماع، ولم نجد من العرب من يقول: قام القوم كُلٍّ، ولا مررت بالقوم كلٍّ، ولا ما أشبه ذلك، وإنما سمع هذا في موضعٍ/ محتمل، والقياس مع الاحتمال لا يستتب فالصحيح إذاً الوقوف على ما سمع، وهو الإضافة. والمعنى الثاني أن هذه الإضافة تختص بالضمير، فلا يضاف هذه الألفاظ إلى الظاهر، فلا تقول: قام القوم كلُّ القوم، ولا قام الرجلان كلا الرَّجُلين، وما أشبه ذلك. وكذلك (النفس والعين) ولذلك قال هناك: "مع ضمير طابق المؤكدا" وما جاء على خلاف ذلك فنادر، كقول الشاعر: (٢) أنت الجواد الذي ترجى نوافله وأبعد الناس كلِّ الناس من عار وأقرب الناس كلِّ الناس من كرمٍ يعطي الرغائب لم يضهمم بإقتار

стр. 2699

وكأن هذا من قيبل قوله (١): * إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها* وهو قليل، فلذلك لم يعول الناظم عليه، أو يكون مما التزمت العرب فيه الضمير، كما التزمت الإضافة أيضاً. وفي هذا البحث وما قبله في المعنى الأول بحث. فإن قلت: أتى الناظم بهذه الألفاظ مرسلةً إرسالاً، فلم يخص منها لفظاً بمفردٍ دون مثنى أو مجموع، فاقتضى بإطلاقه أنها تستعمل في الجميع، وذلك غير صحيح، فإن "كُلاًّ، وجميعا" لا يدخلان في توكيد المثنى، و"كِلا، وكلتا" لا يؤكدان غير المثنى. فالجواب أن هذا كله سيأتي بيانه ووجه الاعتراض فيه عند قوله: "واغْنَ بكلتا في مثنَّى وكلا" إن شاء الله تعالى. ثم قال: واستعلموا أيضاً ككلٍّ فاعلهْ من عم في التوكيد مثل النافلهْ يعنى أن العرب استعملت في ألفاظ التوكيد وزن (فاعلة) مبنياً من لفظ (عمَّ) فأكدّوا به. و (فاعلة) من (عمَّ) تقول فيه: عامِّة. ولما قال: "ككلٍّ" دل على أنه لابد فيه من الإضافة إلى الضمير، فتقول قام القوم عامتهم، وقامت الهندات عامَّتُهنَّ، وكذلك في الإفراد نحو: أكلت الخبزَ عامَّتَه، وشبه ذلك. وقوله: "مثل النافلة" أراد به أنهم استعملوا وزن (فاعلة) من (عمَّ) مثلَ

стр. 2700

استعمالهم إياه من (نفل) فقالوا: (النافلة) فكذلك قالوا: عامة، وأصله: عاممةُ. وفسّر ابن الناظم قوله: "مثل النافلة" بأنه يريد أن عدّ (عامّة) من ألفاظ التوكيد مثل النافلة، أى الزائدة على ما ذكره النحويون في هذا الباب، فإنهم أغفلوه، قال: وليس في الحقيقة بنافلة على ما ذكروه، لأن من أجلهم سيبويه، ولم يغفله. (١) هذا ما قاله، وهو توجيه ضعيف، لأن معنى (النافلة) إذا كان يقتضى أنّ ذكره زيادة غير مفتقر إليها فكون (عامة) كذلك غير صحيح، وإلا لزم أن يكون سائر ألفاظ التوكيد كذلك. وأيضا فإن (جميعاً) قد أغفله الجمهور فلم يذكروه، وإنما ذكره سيبويه فكان إذاً من حقه أن يقيده بمثل ما قيد به (عامة) ولم يفعل ذلك، فدل على أن ما فسر به غير مراد. أما كون الجمهور أغفلوا ذكر اللفظين سهواً أو جهلاً، كما قال في "شرح التسهيل" (٢) فظاهر، فإن سيبويه ذكرهما/ فقال في "باب ما ينتصب لأنه حال وقع فيه الأمر وهو اسم: وأما (كلهم، وجميعهم، وأجمعون، وعامتهم، وأنفسهم) فلا يكون أبدا إلا صفة (٣)، يعنى بالصفة التوكيد. وقال في "باب ما ينتصب خبره لأنه معرفة، وهى معرفة لا توصف ولا تكون وصفا": وأما (جميعهم) فيكون وجهين،
следующие страницы →