فيها خطوط من سواد وبلق
كأنه فى الجلد توليع البهق
قال أبو عبيدة قلت لرؤبة: إن كانت "الخطوط" فقل: كأنها، وإن كان "سواد وبلق" فقل: كأنهما، فقال: [أردت] (١) كأن ذلك، ويلك، توليع البهق، فأخبر رؤبة بأن قصده عود الضمير على معنى المذكور، فكذلك هنا.
أراد (كلتا، ، وجميعا) فحذف العاطف على عادته.
وفى هذا الكلام تنبيه على معنيين، أحدهما أن هذه الألفاظ لا تجرد من الإضافة إلى الضمير المطابق لقوله: "بالضمير موصلا" فقيّدها بالاتصال به، فلا يقال: أعجبنى الزيدون كل، ورأيت الناس كلا، ومررت بهم كل. وكذلك (كلتا وكلا وجميع).
أما ما عدا "كلا" فمتفق على هذا الحكم فيه.
وأما "كل" فقد ذهب الفراء، وتبعه الزمخشرى إلى جواز تجريدها من الإضافة كما مر تمثيله، فقد ذهبا إلى أن "كُلا" فى قراءة من قرأ ﴿إنا كلا فيها﴾ (٢) بالنصب يحتمل أن يكون توكيداً لاسم "إنّ".
وردّه المؤلف بأنّ تجويز ذلك فى "كلّ" يؤدى إلى عدم النظير، لأن غير "كلّ" من ألفاظ التوكيد إما ملازم لصريح الإضافة إلى ضمير المؤكد، وهو (النفس، والعين، وجميع، وعامة). وإما ملازم لمنويّها، وذلك "أجمع" وأخواته. وقد أجمعنا على أن منوىّ الإضافة لا يستعمل فيها صريحها، وأن
стр. 2697
صريح الإضافة سوى "كل" لا يستعمل فيه منويها، فتجويز ذلك فى "كل" يستلزم عدم النظير فى الضربين، وما أفضى إلى ذلك مطَّرح، فالقول بجواز قطع "كل" هذه عن الإضافة لا يلتفت إليه.
هذا ما قال: ثم وجه قراءة النصب بأن كلاً" حال من الضمير المنوىّ فى "فيها" والعامل هو المجرور، بناء على جواز ذلك عنده كما تقدم في قوله: "وندر نحو سعيد مستقراً فى هجر" (١).
فإن قيل: قد استقرّ فى "كلٍّ" جواز قطعها عن الإضافة نحو ﴿كلٌّ في فلكٍ يسبحون﴾ (٢).
وهى هى، وإنما بين الموضعين من الفرق الجريان على المؤكد وعدمه. وأما معنى التوكيد فلا ينفك عن "كل" فيهما، فكما يجوز هنالك يجوز هنا، وقد ظهر ذلك في الآية المقروءة كذلك، فلا مانع من القول به.
فالجواب أن العرب قد تخير بين استعمالين فأكثر فى موضع، ثم إذا خرجت إلى غيره التزمت أحد الاستعمالين، وأهملت الأخر، وهذا شائع فى كلامها، ألا ترى أنها استعملت (نعم، وبئس) فى الأصل على أوجه، فقالوا: نَعِم، ونَعْمَ، ونِعِمَ ونِعْمَ، وكذلك (بئسَ) وكلُّ فعل على فعل) ثانيه حرف حلق (٣)، ثم لما نقلتهما إلى إنشاء المدح والذم التزمت فيهما وجهاً واحدا، وكذلك (حبَّ) في التعجب، تفتح حاؤها وتضم، فإذا جاءت بـ (ذا) التزمت
стр. 2698
الفتح، و (العَمْر والعُمرْ) مستعملان، فإذا قالوا: لعمرك التزموا فتح العين (١)، إلى غير ذلك مما لا يحصى.
فلما ثبت للعرب هذا الأصل لم يَجُزْ أن يجرى القياس للفظ في كل موضع إلا مع الالتفات إلى السماع، ولم نجد من العرب من يقول: قام القوم كُلٍّ، ولا مررت بالقوم كلٍّ، ولا ما أشبه ذلك، وإنما سمع هذا في موضعٍ/ محتمل، والقياس مع الاحتمال لا يستتب فالصحيح إذاً الوقوف على ما سمع، وهو الإضافة.
والمعنى الثاني أن هذه الإضافة تختص بالضمير، فلا يضاف هذه الألفاظ إلى الظاهر، فلا تقول: قام القوم كلُّ القوم، ولا قام الرجلان كلا الرَّجُلين، وما أشبه ذلك.
وكذلك (النفس والعين) ولذلك قال هناك: "مع ضمير طابق المؤكدا" وما جاء على خلاف ذلك فنادر، كقول الشاعر: (٢)
أنت الجواد الذي ترجى نوافله
وأبعد الناس كلِّ الناس من عار
وأقرب الناس كلِّ الناس من كرمٍ
يعطي الرغائب لم يضهمم بإقتار
стр. 2699
وكأن هذا من قيبل قوله (١):
* إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها*
وهو قليل، فلذلك لم يعول الناظم عليه، أو يكون مما التزمت العرب فيه الضمير، كما التزمت الإضافة أيضاً. وفي هذا البحث وما قبله في المعنى الأول بحث.
فإن قلت: أتى الناظم بهذه الألفاظ مرسلةً إرسالاً، فلم يخص منها لفظاً بمفردٍ دون مثنى أو مجموع، فاقتضى بإطلاقه أنها تستعمل في الجميع، وذلك غير صحيح، فإن "كُلاًّ، وجميعا" لا يدخلان في توكيد المثنى، و"كِلا، وكلتا" لا يؤكدان غير المثنى.
فالجواب أن هذا كله سيأتي بيانه ووجه الاعتراض فيه عند قوله: "واغْنَ بكلتا في مثنَّى وكلا" إن شاء الله تعالى. ثم قال:
واستعلموا أيضاً ككلٍّ فاعلهْ
من عم في التوكيد مثل النافلهْ
يعنى أن العرب استعملت في ألفاظ التوكيد وزن (فاعلة) مبنياً من لفظ (عمَّ) فأكدّوا به. و (فاعلة) من (عمَّ) تقول فيه: عامِّة.
ولما قال: "ككلٍّ" دل على أنه لابد فيه من الإضافة إلى الضمير، فتقول قام القوم عامتهم، وقامت الهندات عامَّتُهنَّ، وكذلك في الإفراد نحو: أكلت الخبزَ عامَّتَه، وشبه ذلك.
وقوله: "مثل النافلة" أراد به أنهم استعملوا وزن (فاعلة) من (عمَّ) مثلَ
стр. 2700
استعمالهم إياه من (نفل) فقالوا: (النافلة) فكذلك قالوا: عامة، وأصله: عاممةُ.
وفسّر ابن الناظم قوله: "مثل النافلة" بأنه يريد أن عدّ (عامّة) من ألفاظ التوكيد مثل النافلة، أى الزائدة على ما ذكره النحويون في هذا الباب، فإنهم أغفلوه، قال: وليس في الحقيقة بنافلة على ما ذكروه، لأن من أجلهم سيبويه، ولم يغفله. (١)
هذا ما قاله، وهو توجيه ضعيف، لأن معنى (النافلة) إذا كان يقتضى أنّ ذكره زيادة غير مفتقر إليها فكون (عامة) كذلك غير صحيح، وإلا لزم أن يكون سائر ألفاظ التوكيد كذلك.
وأيضا فإن (جميعاً) قد أغفله الجمهور فلم يذكروه، وإنما ذكره سيبويه فكان إذاً من حقه أن يقيده بمثل ما قيد به (عامة) ولم يفعل ذلك، فدل على أن ما فسر به غير مراد.
أما كون الجمهور أغفلوا ذكر اللفظين سهواً أو جهلاً، كما قال في "شرح التسهيل" (٢) فظاهر، فإن سيبويه ذكرهما/ فقال في "باب ما ينتصب لأنه حال وقع فيه الأمر وهو اسم: وأما (كلهم، وجميعهم، وأجمعون، وعامتهم، وأنفسهم) فلا يكون أبدا إلا صفة (٣)، يعنى بالصفة التوكيد. وقال في "باب ما ينتصب خبره لأنه معرفة، وهى معرفة لا توصف ولا تكون وصفا": وأما (جميعهم) فيكون وجهين،
стр. 2701
يوصف به المضمر [والمظهر]، كمل يوصف بـ (كلهم) ويجرى في الوصف مجراه - يعنى بالوصف التوكيد - ويكون في سائر ذلك بمنزلة (عامّتهم، وجماعتهم) يُبتدأ ويُبنى على غيره، لأنه نكرة، وتدخله الألف واللام (١).
فقد أثبت كما ترى في ألفاظ التوكيد (جميعاً، وعامّة) مضافين إلى المضمر كـ (كلٍّ) إلا أن المبرّد خالف فى (عامّتهم) ونفاه عن ألفاظ التوكيد. لأن (عامة) أقل مما جرى عليه.
فإذا قلت: جاء القوم عامّتهم فـ (عامتهم) أقل من القوم، ولا يؤكد الشيء ببعضه. قال: وإنما يكون بدلاً (٢).
ورده ابن خروف بأن أصل (عامة) العموم، وهى مشتقة من: عممته، كـ (كفل) أصلها العموم والإحاطة، ثم تقع للبعض إذا كثرت، فكذلك (عامة) أصلها وبابها العموم، ثم استعملها بعضهم في الكثير، فالصواب إثباتها، كما فعل الناظم.
ثم ذكر ما لا يحتاج إلى اتصال الضمير فقال:
وبعد كل أكدوا بأجمعا
جمعاء أجمعين ثم جمعا
ودون كل قد يجئ أجمع
جمعاء أجمعون ثم جمع
يعنى أن العرب أكّدت أيضاً فى (الشمول) بهذه الألفاظ التى هى (أجمع، وجمعاء، وأجمعون، وجمع) نحو: نجُس زيدُ أجمع، نجست هند جمعاء،
стр. 2702
وجاء الزيدون أجمعون، وجاءت الهندات جمع.
ورتَّبها هذا الترتيب اتكالا علي سهولة المأخذ فى فهم المراد، لأن المفرد هو المقدَّم فى الترتيب الطبيعى على غيره، والمذكر هو المقدم فى الترتيب الوضعي الاصطلاحى على المؤنث، فاقتضى أن (أجمع) للمفرد المذكر، وأن (جمعاء) للمفرد المؤنث.
ولما ذكر اختصاص المثنى واستغناءه بـ (كلا وكلتا) في قوله: "واغن بكلتا فى مثنى وكلا" ثبت أن (أجمعين) للمجموع المذكر، وأن (جمع) للمجموع المؤنث، فظهر وجه ما رتبه.
ثم إن هذه الألفاظ إما أن يؤتى بها مع (كل) أو دونها، فإن أتى بها مع (كل) فالواجب تقديم (كل) لأن ترتيب هذه الألفاظ إذا جمعت مع (كل) أن تتقدم (كل) فتقول: رأيت زيداً كله أجمع، ولا تعكس فتقول: رأيت زيداً أجمع كله، لأن (كلاً) أقوى من حيث كان يستعمل تابعا وغير تابع. بخلاف (أجمع) فإنه لا يُستعمل إلا تابعا.
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ (١).
وأما إذا لم يذكر معها (كل) فلك أن تأتى بـ (أجمع) وحده، لكن إفراده عن (كل) قليل.
وعلى هذا نبّضه بقوله: "ودون كل قد يجئ أجمع" إلى آخره. فأتى بـ (قد) المؤذنه بالتقليل، وكذلك ما ذكر من فروع (أجمع) ومع ذلك فليس عنده بسماع، بل الأمران مقيسان، وإن كان أحدهما أقوى من الآخر، فتقول/:
стр. 2703
رأيت زيداً أجمع، وهنداً جمعاء، وجاء الزيدون أجمعون، والنهدات جمع. ومنه في القرآن الكريم ﴿وإنّ جهنم لموعدهم أجمعين﴾ (١)، و ﴿لأغوينّهم أجمعين﴾ (٢)، وفى الشعر قوله (٣):
يا ليتني كنت صبيا مرضعا
تحملني الذَّلفاءُ حولاً أكتعا
إذا بكيت قبَّلتنى أربعا
إذاً ظللت الدهر أبكى أجمعا
فإن قيل: إنه لم يذكر ما صيغ من (الكتع، والبصع، والبتع) (٤)، والنحويون أرباب المختصرات، فضلاً عن غيرهم، يذكرون ذلك، ولا يغفلونه، فكيف تركه؟ فالجواب أن ماعدا ما ذكر قليل الاستعمال، غير متداول في الكلام، ومن استقرأ كلام العرب وجد الأمر كذلك. ثم قال:
وإن يفد توكيد منكورٍ قُبِلْ
стр. 2704
وعن نحاة البصرة المنع شمل
أفاد هنا معنيين، أحدهما منصوص عليه، وهو أن الأسماء النكرات يصح توكيدها ويجوز قياسا، لكن بشرط حصول الفائدة به. وذلك أن توكيد النكرة تارة يكون غير مفيد فلا يجوز، نحو: رأيت رجلاً نفسه، وجاءنى رجل نفسه، وأتانى ناس كلهم، فهذا ونحوه ممنوع، من حيث إنه لا يحصل فائدة، ولأن التوكيد إنما يفيد فيما حصّل معناه عند المخاطب، والنكرة لم تتحصَّل بعد، فكيف تؤكد؟
وهذا معنى قول الزجاجى (١): لأن النكرة لم تثبت لها عين فتؤكد.
وأيضا فإن التوكيد شبيه بالنعت، وقد تقرّر أن ألفاظ التوكيد معارف، فكما لا تنعت النكرة بالمعرفة كذلك بالمعرفة كذلك لا تُؤكَّد بها. وهذا التعليل الثاني جارٍ على طريقة البصريين (٢).
وتارةً يكون توكيد النكرة مفيداً فيجوز عند الناظم، لأن الفائدة هى المتَّبَعة. فإذا قلت: صمت شهراً كلَّه؛ أو قمت ليلةً كلَّها، وسرتُ يوماً أجمع، وهذا أسدُ نفسهُ، وعندى درهم عينه - فبذكر (كل) علم أن الصيام وقع فى جميع الشهر، والقيام وقع فى جميع الليلة، ولو لم يذكر لكان محتملاً كالمعرفة سواء.
وكذلك (أجمع، والنفس) وغيرهما، فبذكر (أجمع) علم أن السير وقع فى اليوم كله لا فى بعضه، وبذكر (النفس) علم أن المشار إليه أسد حقيقى لا شبيه به، وبذكر (العين) علم أن الذى عندك درهم مصوغ، لا صرفه ولا موازنه.
قال فى "الشرح" بعد التمثيل: فتؤكيد النكرة، إن كان هكذا - يعني
стр. 2705
مفيدا حقيق بالجواز وإن لم تستعمله العرب، فكيف إذا استعملته؟
وأما ما لا فائدة فيه نحو: اعتكفت وقتاً كله، ورأيت شيئاً نفسه - فغير جائز، قال: فمن حكم بالجواز مطلقا، أو بالمنع مطلقا فليس بمصيب، وإن حاز من الشهرة أوفر نصيب (١).
وإنما قال هذا لأن البصريين، غير الأخفش، يمنعون توكيد النكرة مطلقا، أفاد أولا ومن الكوفيين من يجيز مطلقا، أفاد أولا. حكاه في "الشرح".
وما ذهب إليه الناظم هو مذهب بعض الكوفيين. ورأى الأخفش. والذي نقل هنا خلاف ما نقله ابن الأنبارى عن الكوفيين، من أن الجواز عندهم/ مقيّد بأن تكون النكرة مؤقتة لا مطلقا، ولم يحك عنهم خلاف ذلك (٢). وهو أشبه بنقل الأئمة مما نقله المؤلف فى "الشرح".
وكلام الناظم هنا لا مخالفة فيه لما ذكره الناس من الخلاف إلا فى شئ آخر حسبما يذكر على إثر هذا بحول الله.
ومما استُدِكَّ به للجواز قول الراجز (٣):
أرمى عليها وهى فرع أجمعُ
وهى ثلاث أذرع وإصبعُ
стр. 2706
أرمي عليها وهى فرع أجمعُ
وهى ثلاث أذرع وإصبعُ
وقال الآخر (١):
* قد صرّت البكرة يوماً أجمعا*
ومن أبيات الحماسة (٢)
أولاك بنو خيرٍ وشرٍّ كليهما
جميعاً ومعروفٍ ألمَّ ومنكر
وقال الآخر (٣):
يا ليتني كنت صبيا مرضعا
تحملنى الذلفاء حولا أكتعا
إلى أشياء غير هذا.
وما ذهب إليه الناظم حسن إن ساعد قياسه سماع يعتد به فى القياس، ويخرج بكثرته عن الشذوذ وتكلّف التأويل، وإلا فلنحاه البصرة أن يقولوا: إن النكرة لا يصح توكيدها قياساً، إذ ليس لها عين ثابتة كالمعرفة، فينبغى ألا تؤكّد، لأن توكيد ما لا يعرف غير مفيد.
стр. 2707
وأيضاً فالنكرة شائعة فى جنسها، والتوكيد يقتضى التخصيص، وهما كالمتنافيين فلا يجتمعان، ولهذا امتنع نعت النكرة بالمعرفة، والعكس، كما تقدم (١). هذا وجه القياس. وأما السماع فلم يأت منه ما يشفى غُلَّةً. ولهذا كله يشمل المنع ما أفاد وما لم يفد عند نحاه البصرة، فإن الفائدة عندهم ليست هي المانعة فقط، بل ثم عندهم أمر آخر زائد عليه، وهو الوضع العربى، فإذا كان الوضع لم يتبين استمراره لم يصح أن يعتمد على مجرد الفائدة فيه، كما لم يعتمدوا عليها فى نعت النكرة بالمعرفة، وبالعكس، فليعلم الناظر أن قول إمام الصنعة (٢): "قف حيث وقفوا ثم فسِّرْ" أصل عظيم، لا يفهمه حق الفهم إلا من قتل كلام العرب علماً (٣)، وأحاط بمقاصده.
وكثيراً ما تجد ابن مالك وغيره من التأخرين يعتمدون على أشياء لا يعتمد على مثلها المتقدمون الذين لابسوا العرب، وعرفوا مقاصدهم، اتكالا على قياس مجرد، أو على حصول الفائدة أو غير ذلك.
والصواب الاستناد إلى السماع، ثم النظر فى قياسه إن كان، لا العكس. وقد مر لهذا بيان فيما تقدم.
والمعنى الثانى من معنيى هذين البيتين، وهو غير المنصوص عليه، إن باب التوكيد المعنوى أصله للمعارف دون النكرات، نحو: جاءنى الأمير نفسه، والقوم كلُّهم، لأن المعنى الذي لأجله منع توكيد النكرة مفقود فى المعرفة، إذ كانت المعرفة قد ثبتت عينها، وظهرت حقيقتها.
стр. 2708
وإنما لم يصرح الناظم بصحة توكيد المعرفة لكون ذلك مفهوما من قيده فى النكرة.
وهو قوله: "وإن يفد" إذ من المعلوم أن توكيد المعرفة مفيد على الإطلاق، اعنى من غير قيد تتقيد به فى حصول الفائدة.
وقوله: "عن نحاة البصرة" متعلق بمحذوف، هو حال من فاعل (شمل) تقديره: المنع شمل منقولاً عن نحاة البصرة، أو يكون المجرور خبر المبتدأ الذي هو (المنع) و (شمل) جملة حالية وإن كان الفعل ماضيا، إذ قد أجاز المؤلف ذلك، وحمل عليه قوله تعالى: ﴿قلت لا أجد ما أحملكم عليه﴾ (١)، فـ (قلت) عنده جملة حاليه من ضمير الخطاب/ المتقدم، فكذلك يكون هنا. ولا يجوز تعلق المجرور بـ (المنع) لأنه مصدر لا يتقدم عليه معموله، ثم قال:
وأغن بكلتا فى مثنى وكلا
عن وزن فعلاء ووزن أفعلا
لما كان قد ذكر أولا أنه يؤكد بعد (كل) بـ (أجمع) ومتصرفاته، وبقى (كلا وكلتا) مسكوتا عنهما أخذ الآن يذكر حكمها فى ذلك، فأخبر أنهما ليسا كـ (كل) فيما تقدم، بل يستغنى بهما عما بعدهما من (أجمع، جمعاء) فإذا قلت: (جاء الزيدان كلاهما) فلا تقول: أجمعان، وإذا قلت: (جاء الهندان كلتاهما) فلا تقول بعده: جمعاوان، لأن العرب استغنت بـ (كلا وكلتا) عن ذلك، فلم تتكلم به. وعدم السماع دليل على
стр. 2709
الاستغناء. وقد نبه الناظم على هذه العلة بقوله: "واغن بكذا" أى استغن بذلك كما استغنت العرب. فإن قلت: من أين يفهم تعيين (كلا) للمذكر، و (كلتا) للمؤنث، وهو قد تقدم (كلتا) على (كلا) والتقديم إنما يستحقه المذكر؟ فالجواب أن ذلك يفهم له من قوله "عن وزن فعلاء ووزن أفعلاء" لأن وزن (فعلاء) للمؤنث، ووزن (أفعل) للمذكر كمل تقدم، فإذا رجع الأول للأول، والثاني للثاني تعين أن (كلتا) للمؤنث، و (كلا) للمذكر، وتعين أنهما معاً للمثنى بقوله: "في مثنى".
لكن هنا نظر من أوجه:
أحدها أن وزن (فعلاء) ووزن (أفعل) إنما هما توكيد للمفرد لا للمثنى، وهو قد قال: "اغن بكذا في النثنية عن وزن كذا" وهذا الكلام يقتضى أن المثنى كان مستحقاً لهما، وذلك غير صحيح، لأن المثنى لا يستحق في المذكر (أفعل) ولا في المؤنث (فعلاء) وإنما يستحق تثنيتهما.
والعذر أن مراده تثنيتهما لا نفس الوزنين، فكأنه على حذف المضاف، أى عن تثنية وزن (فعلاء) ووزن (أفعل) وإنما ترك بيان ذلك اتكالا على فهم المراد، إذ لا يعسر فهم ذلك على طالب العلم، وهو عذر كما ترى.
والثاني أنه قصر الاستغناء بـ (كلا وكلتا) عن (أجمع وجمعاء) فاقتضى أن (كفلَّا، وجميعاً، وعامَّةً) لا يستغنى بهما عنها، فيجوز أن تجتمع عنده، إذ لم يبين فيما قبل أن (كلا وكلتا) في المثنى عوض من (كل، وجميع، وعامة) فانضم إلى ذلك مفهوم هذا التقييد، فأوهم أنه يقال: جاء الزيدان كلُّهما كلاهما، أو بالعكس. وكذا في (عامة، وجميع) وهو غير مستقيم.
стр. 2710
والجواب أن المفهوم هنا معطّل، لأنه مفهوم اللقب (١)، كما تقول: فلان عنىٌّ عن زيد، فلا يقتضى أنه غنىٌّ عن عمرو، كما يقوله الدقّاق وشذوذ (٢)، فالصحيح خلافه.
وإذا لم يكن للموضع هنا مفهوم فنقول: ذكر الناظم أولاً ألفاظاً ستة كلُّها بمعنى واحد، عين منها واحداً للتبعية لـ (كل) وهو (أجمع) فبقيت الخمسة يعطى النظر فيها أن كل واحد منها قائم مقام الآخر لا تابع له، فإذا أكِّد بأحدهما قام مقام التوكيد بالآخر. وإذا كان كذلك تبين من مساق كلامه، مع فهم المعنى المراد، أن وقوعها في التوكيد على البدلية، ثم أخرج (كلا، وكلتا) إلى باب المثنى، بخلاف (كل، وعامة، وجميع) فدل على/ منع اجتماعها معهما.
ولما تبين أن (كلا) للمذكر، و (كلتا) للمؤنث لم يصح أن يتعاقبا على شئ واحد، بل يختص هذا بالمذكر، وهذا بالمؤنث، فصح معنى كلامه واستتبَّ.
فإن قيل: إن هنا إيهاما في كلامه، وذلك أنه لما قال: "وكلا اذكر في الشمول" إلى آخره - اقتضى أن جميع تلك الألفاظ تستعمل في كل ما يقتضى الشمول، من مفرد أو مثنى أو مجموع، لكنه خص (كلا، وكلتا) بالمثنى، فبقى ما عداهما مستعملاً في الكل. وهذا غير صحيح،
стр. 2711
فإن المثنى لا يؤكد بـ (كل) ولا (جمميع) ولا (عامة). على أنه قد نص في " التسهيل (١) " على أنه قد يستغنى بـ (كلهما) عن (كلتيهما وكليهما) ولم يأت له في "الشرح" بشاهد.
وقال أبو حيان في هذا الموضع من "شرحه (٢) " على امتداد باعه، وسعة حفظه: هذا يحتاج إلى نقلٍ وسماعٍ من العرب. فإذاً لا معوّل عليه، فهذا الموضع من "الخلاصة (٣) " غير مخلّص - قيل: الإيراد صحيح، ولا جواب لي عنه الآن. ولو قال مثلا:
وفي الشمول بالضمير موصلا
يخص ماثُنِّيى كلتا وكلا
وغير ما ثُنِّيَ كل ونقلْ
مع ذا جميع والضمير يتّصلْ
ثم قال: "واستعملوا أيضاً ككل فاعلة" إلى آخره - لكان المعنى مخلّصا من ذلك الشغب (٤). والله أعلم.
والثالث أن الناظم قد بين في "قسم الشمول" ترتيب ألفاظه بعضها على بعض بقوله: "وبعد كل قد يجئ أجمع" ولم ينبّه على ذلك في "قسم إثبات الحقيقة" وترتيب ألفاظه بعضها على بعض، ولا بيّن ذلك فيما إذا اجتمع القسمان، وإنما قال هنالك: "بالنفس أو بالعين الاسم أكذا" وليس فيه ما يدل على التقديم ولا الترتيب، فسكوته في الموضعين، وتنبيهه على الموضع الآخر قد
стр. 2712
يشعر بعدم الترتيب، وأنه غير مطلوب، وليس كذلك عند النحويين، بل إذا جمعت (النفس، والعين) قدمت النفس، لأنها أبين في أداء المعنى وإذا اجتمع "كل" و"أجمع" قدم "كل" لأنه يستعمل توكيدا وغير توكيد، تخلاف (أجمع) فإنه لا يستعمل إلا توكيدا. فلم يبق إلا الترتيب المذكور.
وأما إذا اجتمع القسمان فالذي لـ (إثبات الحقيقة) هو المقدم، لأن إثبات الحقيقة أكد في تحصيل الإفادة، وهو ظاهر.
فكان الناظم مقصراً بإهماله هذا الحكم جملة، وليس في تقديمه (النفس) ذكراً إشعار بذلك يعتمد عليه، مع أنه يبقى ترتيب أحد القسمين على الآخر، ولا جواب لي عنه.
واعلم أن الاستغناء المذكور في قوله: "واغن بكلتا في مثنى وكلا" مختلف فيه، فالبصريون على ما قال. وأما الكوفيون فأجازوا الإتيان بـ (أجمع، وجمعاء) | مثنيين بعد (كلا، وكلتا) قياساً، فيقولون: جاء الزيدان كلاهما أجمعان والهندان كلتاهما جمعاوان. وإلى الجواز ذهب ابن خروف. والصحيح المنع كما تقدم، لعدم السماع المسوِّغ للقول به.
ثم قال:
وإن تؤكد الضمير المتصل
بالنفس والعين فبعد المنفصل
/عنيت ذا الرفع وأكّدوا بما
سواهما والقيدلن يلتزما
يعنى أن الضمير المتصل إذا أريد توكيده لإثبات الحقيقة بـ (النفس والعين) وكان ضمير رفع فإنما توكيده بعد الإتيان بالضمير
стр. 2713
المنفصل، فتقول: زيد قام هو نفسه، وهند قامت هى نفسها، وقمت أنت نفسك، ونحو ذلك.
وذلك أن الضمير المراد توكيده لا يخلو أن يكون متصلا أو منفصلا، فإن كان متصلا فلا يخلو أن يكون ضمير رفع أو غيره، فإن كان ضمير رفع فلا يخلو أن يكون تأكيده بـ (النفس والعين) أو بغير ذلك، فهذه أربعة أقسام.
فأما الأول - وهو أن يكون ضمير رفع متصل مؤكداً بـ (النفس والعين) فالحكم ما ذكر، فلا يجوز أن تقول: زيد قام نفسه، وهند قامت عينها، إلا على ضعّف (١)، والتوكيد هنا جارٍ مجرى العطف حسبما يذكره في بابه (٢).
ووجه ذلك أن (النفس، والعين) لكا كانا يستعملان واليين للعوامل على غير التأكيد أتى بالضمير المنفصل ليرتفع اللبس الذي كان يعرض لو لم يؤت بالضمير.
ألا ترى أنك لو قلت: المال قبض عينه، وهند خرجت نفسها - لم يتبين كون (النفس) توكيدا إلا بالضمير المؤكد. وكذلك (العين) مثل (النفس) ثم حملوا ما لا فيه على ما فيه اللبس، ليجرى الباب على حكم واحد، فقالوا: قاموا هم أنفسهم، وقمن هن أنفسهن، ونحو ذلك.
وأيضاً فإن الضمير المتصل، وإن برز، جارٍ من الفعل مجرى الجزء، بأدلة كثيرة دلت على ذلك، فكأن التوكيد، إذا لم يؤكد الضمير، جارٍ على الفعل لا على الضمير، فأزالوا قبح اللفظ بهذا الضمير المنفصل.
وأما القسم الثاني - وهو أن يكون ضمير رفع مؤكداً بغير النفس والعين - فقيد الإتيان بالضمير المنفصل غير ملتزم، بل يجوز جوازاً حسناً أن تقول: قاموا كلهم، وقمن جمع، ونحو ذلك.
стр. 2714
ووجهه ظاهر مما تقدم، لأن (أجمع) لما كانت لاتلى العوامل ارتفع اللبس من أصل، إذ لا يقال: (قام أجمعون) البتة، ولا يقال أيضا: قام كلهم، إلا على ضعف، فصح عدم الالتزام.
وهذا القسم داخل تحت قوله: "وأكّدوا بما سواهما والقيد لن يلتزما".
فالواو في قوله: "والقيد لن يلتزما واو الحال من ضمير "أكدوا" تأي أكدوا غير ملتزمين للقيد المذكور، وهو قيد الإتيان بالضمير المنفصل. والضمير في "سواهما" عائد على (النفس، والعين).
وإنما قال: "والقيد لن يلتزما" تنبيهاً على أنه جائز أن يؤتى به، فيقال: قامواهم كلهم، وقمتم أنتم أجمعون. وسيأتي ذلك في التوكيد اللفظي على أثر هذا بحول الله تعالى.
وأما القسم الثالث - وهو أن يكون ضميراً متصلا غير مرفوع - فلا يطلب فيه ذلك القيد أيضا، أخذاً من مفهوم قوله: "عنيت ذا الرفع" فبقي غير ذي الرفع على أصله من عدم التقييد، فيجوز أن تقول: رأيتك نفسك، وأكرمته نفسه عينه/ ونحو ذلك.
ووجهه أن ضمير النصب غير قائم مع الفعل مقام جزئه، فحصل به الفصل، وبرز كلمة أخرى، فلم يحتج إلى توكيده بالضمير المنفصل.
وكذلك ضمير الجر نحو: مررت بك نفسك، ومررت به عينه، ففارقا بذلك ضمير الرفع.
وأما القسم الرابع - وهو أن يكون الضمير منفصلا - فمقتضى كلامه أيضاً عدم الافتقار إلى القيد المذكور، فدخل تحت ما تقدم أول
стр. 2715
الباب من الجواز من غير قيد، وذلك صحيح، فإن الضمير المنفصل جارٍ هنا مجرى الظاهر، ولذلك يجوز العطف عليه من غير فصل فتقول: ما قام إلا أنت وزيد، فكذلك تقول هنا: ما قام إلا أنت نفسك، وما رأيت إلا إياه نفسه، وكذلك ما أشبهه.
وقوله: "فبعد المنفصل" "بعد" معمول لفعل محذوف دلّ عليه فعل الشرط، أى فوكده بعد المنفصل، أو فجئ بهما توكيدا أو نحو ذلك. والكلام مختصر لفهم المعنى، وحقيقته: فوكده بهما بعد الإتيان بالمنفصل، أو يكون المعنى فاجعله بعد المنفصل.
وهنا تم كلامه في التوكيد المعنوي. ثم انتقل إلى التوكيد اللفظي فقال:
وما من التوكيد لفظي يجى
مكررا كقولك: ادرجى ادرجى
ويعنى أن التوكيد اللفظي معناه أن يوتى باللفظ المراد توكيده مكررا بنفسه، كما مثل في قوله للمؤنت: ادرجى ادرجى يا هند. وقد يكون للمذكر: ادرج ادرج يا زيد، بضم الجيم الأولى وكسرها. وعلى الكسر يستوى لفط المذكر مع لفظ المؤنث في (ادرج) الأول.
وفي هذا المثال إعلام بأن هذا التوكيد غير مختص بالاسم، إذ لم يقيد بالمثال به.
وهو يحتمل أن يكون من توكيد الفعل، وأن يكون من توكيد الجملة إذا قلنا: إنه أمر لمذكر وإذا أعطى عدم الاختصاص اقتضى الإطلاق في كل ملفوظ به، فيكون في الاسم والفعل والحرف والجملة.
стр. 2716
فأما توكيد (الاسم) فنحو: قام زيد زيد، ومنه قول الشاعر (١):
أخاك أخاك إنّ من لا أخا له
كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح
وقالت العرب: ضبّا ضبّا كيف صدته! وإنما أنت سيراً سيراً (٢).
ويمكن أن يكون منه قول الله تعالى: ﴿كلّا إذا دكّت الأرض دكا دكا (٣)﴾ وقال الآخر (٤):
هلّا سألت جموع كندة يوم ولو أين أينا!
وقال مسروق بن الحارث الأرحبى يرثي رسول الله ﷺ (٥):
وفدته النفوس ليس من الأمر فرار وأين أين الفرار!
وقال الآخر (٦):
стр. 2717
يا لبكر أنشروا لي كليبا
يا لبكر أين أين الفرار؟
وأما توكيد (الفعل) فنحو: قام قام زيد. ومنه قول الشاعر (١):
فأين إلى أين النجاة ببغلتى
أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس
وقام الراجز (٢):
بئس مقام الشيخ أمرس أمرس
إما على قعو وإما اقعنسس
وأما توكيد (الحرف) فنحو: نعم نعم، وبلى بلى، ولا لا. ومنه قول الشاعر (٣):
لا لا أبوح بحب بثنة إنها
أخذت علىّ مواثقا وعهودا
стр. 2718
وقال الشاعر (١):
/ ليت شعري هل ثم هل أتينهم
أم يحولن من دون ذاك الردى
وقال الآخر (٢):
ليت وهل تنفع شيئاً ليتُ
ليت شباباً بوع فاشتريتُ
وأما توكيد (الجملة) فنحو: قام زيد قام زيد، ومنه قوله تعالى: ﴿فقتل كيف قدّر. ثم قتل كيف قدّر (٣)﴾ وهى جملة دعاء أعيدت توكيدا. وقال تعالى: ﴿كلّا سيعلمون. ثم كلّا سيعلمون (٤)﴾ وقوله: ﴿فإنّ مع العسر يسراً. إنّ مع العسر يسراً (٥)﴾ وقال عوف بن الخرع (٦):
وكانت فزارة تصلى بنا
فأولى فزارة أولى فزارا
стр. 2719
وأنشد المؤلف (١):
ألا حبّذا حبّذا حبّذا
حبيب تحملت فيه الأذى
وهذا كثير في الكلام.
وقول الناظم: "يجي" أتى به محذوف اللام لأجل الضرورة، مع أنها لغة لبعض العرب، فإن منهم من يقول: (يجى، ويسو، ويستحى) ونحو ذلك (٢). وحكى ذلك في "التسهيل (٣) " و"ادرجى" من: درج الضّب والرجل، يدرج، دروجاً، إذا مشى.
ولما ذكر التوكيد اللفظي مجملا، وكانت له أحكام زائدة على مجرد تكرار الأول أخذ يذكر ذلك فقال:
ولا تعد لفظ ضمير متصل إلا مع اللفظ الذي به وصل
كذا الحروف غير ما تحصّلا به جواب كنعم وكبلى
الألفاظ المراد تكرارها على قسمين، قيم مستقل بنفسه كالاسم الظاهر، والفعل، والحرف القائم مقام الجملة، وهو حرف الجواب، فهذه - من حيث لا تفتقر إلى لفظ آخر تعتمد عليه - تعاد وحدها كما تعاد الجملة المؤكدة، كقولك: قام زيد زيد، وقام قام زيد، وبلى بلى، ونحو ذلك.
стр. 2720
وقسم لا يستقل بنفسه، وإنما يأتي معمودا بغيره، ومتصلا به، وذلك الضمائر المتصلة، والحروف غير القائمة مقام الجملة، فهذه - من حيث لا تستقل بأنفسها - تفتقر إلى إعادة ما اتصلت به إذا كررت.
وهذا المعنى أراد بقوله "ولا تعد لفظ ضمير متصل" إلى آخره، يعني أنه لا يجوز أن يكرر الضمير المتصل وحده دون اللفظ الذي وصل به، كان ذلك اللفظ اسما أو فعلا أو حرفا، فتقول إذا أكدت الضمير: فعلت فعلت، وضربك ضربك، ومررت به به، وجاءني غلامي غلامي، ونحو ذلك.
وإنما كان ذلك لأن إعادته تصيره منفصلا، والمراد المتصل، فكان نقضا للغرض.
وكذلك الحروف التي لم يتحصل بها جواب لا بد من إعاة ما اتصلت به معها، وذلك قوله: "كذا الحروف غير ما تحصل به جواب" وهو الحرف الذي يكون جوابا للمتكلم، وهو: نعم، ولا، وبلى، وما في معناها، فلا يحتاج إلى اتصال شيء بها، لأنها في تقدير كلام تام مستقل، فعوملت معاملة المستقل.
وأما ما سواها فهو مفتقر إلى غيره، فلم يمكن إعادته وحده، فتقول إذا أكدت الحرف غير الجوابي: فيك فيك رغبتي، وإن زيدا إن زيدا قائم، ولزيد لزيد قائم.
وهذا المعنى نص عليه ابن السراج في / "الأصول" (١). وخالف فيه الزمخشري، فأشار إلى جواز: إن إن زيدا قائم (٢)، وليت ليت عمرًا منطلق.
стр. 2721
قال المؤلف (١): وقوله مردود لعدم إمام يستند إليه، وسماع يعول عليه.
وعد ما جاء من قول الشاعر (٢):
فلا والله لا يلفى لما بي
ولا للما بهم أبدا دواء
ونحوه من الضروراب.
وفيما قاله هنا نظر من وجهين، أحدهما أنه قصر ما لا يستقل على إعادة ما اتصل به فقط، فا قتضى أنه فصل، لا بد من إعادة ما اتصل به، أعني فصل بين المؤكد والمؤكد، وليس كذلك (عنده (٣)) فإن الفصل بينهما - في رأيه - قائم مقام إعادة ما اتصل به، فقوله (٤):
ليت وهل تنفع شيئا ليت
ليت شبابا بوع فا شتريت
ليس بضرورة، وكذلك ما كان مثله من المفصول نحو (٥):
ليت شعري هل ثم هل أتينهم
стр. 2722
وكذلك ما أنشد الفارسي من قول الراجز (١):
حتى تراها وكأن وكأن
أعناقهن مشرفات في قرن
هو عند المؤلف من هذا القبيل. وقد تقدم مذهب الفارسي فيه في "باب التنازع (٢) " وعلى هذا نبه في كتابه "التسهيل (٣) " بقوله: وإن كان المؤكد به ضميرا متصلا، أو حرفا غير جواب لم يعد في غير ضرورة إلا معمودا بمثل عامده أولا أو مفصولا.
والثاني أن كلامه يقتضي في نحو (إن زيدا إن زيدا قائم) ألا يضمر الثاني وإن تقدم ذكره، لأنه قال: ولا تعد كذا إلا مع اللفظ الذي به وصل (٤)، لأن اللفظ الذي وصل به هو الظاهر لا الضمير، وهم يقولون: إن الأحسن إضمار الثاني، وأن يقال: إن زيدا إنه قائم، فكان كلامه لا يستتب على ذلك، بل ظاهره خلافه، وأن إعادة لفظ الظاهر لازمة، وليس كذلك وقد قال في التسهيل (٥) ": وإن عمد أولا بمعمول ظاهر اختير عمد المؤكد بضمير.
стр. 2723
والجواب عن الأول أن الباب المطرد هو إعادة اللفظ المتصل به، وأما الفصل فلم يكثر تلك الكثرة، ولا اطرد اطرادا يعتد به، فكان ظاهر السماع _ من حيث لم يأت إلا في الشعر _ أنه شاذ محفوظ، فلم يعتن بذكره. وفي هذا الجواب نظر.
وعن الثاني أن يقال: ليس مقصوده مجرد اللفظ بعينه، وإنما مقصوده الإتيان بما يتصل به، مما هو الأول في المعنى، ثم تجرى الألفاظ على أحكامها، فإن باب الاسم، إذا أعيد ذكره، الإضمار لا الإظهار، إلا لقصد معنوي أو لفظي، فليس كلامه بمناف لما قال في "التسهيل". وإذا لم يمتنع التوكيد بالمرادف، نحو: أعط زيدا آته، كما قال الأسود بن يعفر (١):
فرت يهود وأسلمت جيرانها
صمي لما فعلت يهود صمام
- فأن لا يمتنع الإتيان بمرادف العامد للمؤكد أولى، فإن المترادفين ليسا متباينين، ولذلك تقول: قعد جلوسا، وذهب انطلاقا. وسيذكر على إثر هذا توكيد المتصل بالمنصل، وفي ذلك ما يبين مقصوده.
ومضمر الرفع الذي قد انفصل
أكد به كل ضمير اتصل
стр. 2724
/ هذه مسألة لم يختلف فيها قول ابن مالك هنا وفي "التسهيل" مع قول غيره من النحويين، وهي جواز توكيد الضمير المتصل، كان ضمير رفع كـ (قمت) أو ضمير نصب، كـ (أكرمك) أو ضمير جر كـ (بك، وغلامك) - بضمير الرفع المنفصل.
وضمائر الرفع المنفصلة: أنا، ونحن، وأنت، وأنت، وأنتما، وأنتم، وأنتن، وهو، وهي، وهما، وهم، وهن.
فبين هنا الناظم أن هذه الضمائر يصح جريانها على كل ضمير متصل مطلقا، فتقول: قمتأنا، وقمت أنت، وقمتم أنتم، وقمتن أنتن.
وتقول: أكرمني أنا، وأكرمنا نحن، وأكرمك أنت، ومررت بك أنت، ومررت بهما هما، وجاء غلامك أنت، وما أشبه ذلك.
فيجري ضمير الرفع توكيدا على جميع الضمائر المتصلة، وإن اختلفت في الوضع.
ووجه ذلك أن الضمائر المنفصل أصله للمرفوع دون المنصوب والمجرور، لأن أول أحوال الاسم الابتداء، وعامل الابتداء ليس بلفظ، فلم يكون بد من انفصال ضميره.
وأما المنصوب والمجرور فلا بد لهما من لفظ يعمل فيهما، فيتصلان به، فإذا احتجنا إلى توكيدهما - لتحقيق الفعل الثابت للشيء بعينه دون من يقوم مقامه أو يشبهه - احتجنا إلى ضمير منفصل، ولا ضمير منفصل (١) في الأصل إلا ضمير الرفع، فا ستعملناه في الجميع، كما
стр. 2725
اشترك الجميع في (نا) نحو: قمنا، وأكرمنا، وغلامنا. لأن أصل الضمائر أن تأتي على لفظ واحد كا لأسماء الظاهرة. هذا تعليل السيرافي (١). وبقي وراء هذا حكم جريان الضمير الموافق في غير الرفع، هل هو عنده توكيد أم لا؟
والمسألة مختلف فيها بين أهل البلدين (٢)، لسيبويه وأتباعه على أنك إذا قلت: رأيتك إياك، ورأيته إياه [فهو (٣)] بدل لا توكيد، وإن كان البدل يراد به التوكيد أيضا (٤).
وذهب الكوفيون وابن مالك في "التسهيل" "وشرحه" (٥) و "القواعد (٦) " إلى أنه توكيد لا بدل. وليس في هذا الموضوع ما يدل على اخبيار له في ذلك، فلا عذر للكلام فيه هنا.
стр. 2726
العطف
هذا هو النوع الثالث من أنواع التابع، وهو العطف، إلا أن العطف على وجهين، عطف بيان وعطف نسق. فلذك قسمه أولا فقال:
العطف إما ذو بيان أو نسق
والغرض الآن بيان ما سبق
وذكره كل قسم وأحكامه بعد ما أشعر بأنه يبتدئ بذكر عطف البيان بقوله: "والغرض الآن بيان ما سبق" والذي سبق في ذكره هو عطف البيان، فأخذ أولا في التعريف به فقال:
فذو البيان تابع شبه الصفة
حقيقة القصد به منكشفة
فقوله: "تابع" هو الجنس الأقرب. وقوله: "شبه الصفة" يريد أنه جار مجراها في بيان متبوعه / وإظهار، وكونه يتم به فهمه، ويتضح معناه.
أو هو جار مجراها فيما هو أعم من هذا، لكن الأول أولى، لقوله مفسرا لذلك: "حقيقة القصد به منكشفة".
فشبه الصفة هو كونه مبينا لمتبوعه، وذلك أنك إذا قلت: قام زيد، فأشكل على السامع أي الزيدين هو؟ فقلت: أخوك - تبين (زيد) من هو، ووضح أمره، كما لو كان طويلا فقلت: قام زيد الطويل، أو خياطا فقلت: قام زيد الخياط، فأشبه الصفة من هذا الوجه.
وخرج له بذلك النعت، وعطف النسق، والبدل.
стр. 2727
أما النعت فجَعله مشبَّها به، والمشبَّه به لا يكون هو نفسَ المشبَّه، وبذلك ظهر أن عطف البيان من حقيقته أن يكون جامدا أو بمنزلته، لأن من حقيقة النعت أن يكون مشتقًا أو بمنزلته. وكلا الموضعين خاصٌ بموضعه، فلا يمكن أن يَشْرَك عطفُ البيان النعتَ في الاشتقاق، لأنه إن شاركه صار نعتا حقيقة.
وأما خروج العطف النَّسَقي فلبُعده عن شَبَه الصفة في كونه لا يُبَيَّن ولا يُوَضَّح، ولأنه قد جعله قسيما له في قوله: "إما ذُو بَيَانٍ أو نَسَق" وقسم الشيء لا يكون نفسَ الشىِء.
وأما خروج البدل فلأن البدل هو المقصود بالحكم على حسَب الاستقلال، ولذلك كان على تقدير تكرار العامل، بخلاف عطف البيان فإن متبوعه هو المقصود بالحكم، وإنما أتى بالعطف زيادةَ بيانٍ له. وبهذا المعنى أشبه النعت؛ إذ كان النعت غير مقصود لنفسه، وإنما جيء به للأوَّل، والأول هو المقصود بالحكم، فخرج البدل بذلك.
فإن قلت: هذا مشكل، فإن عطف البيان - حيث كان - يجوز فه البدل إلا في الموضعين المذكورين، وذلك يدل على أن المقصود فيهما واحد، ألا ترى أنك إذا قلت: قام زيدٌ أخوك، فـ (أخوك) يُعرب عطفَ بيان لأنه مبيَّن، ويُعرب بدلا، وهو مبيُن أيضا. فهل اختلف المعنى باختلاف الإعرابين؟ بل هذا الفَرْق الذي فَرَق به بينهما غيُر بَيَّن.
فالجواب أن الفرق صحيح، وإنما جاز الإعرابان على مقصدين.
فإن قصدتَ بالحكم الأولَ، وجعلت الثانىَ بيانًا له بحيث لا يُستغنى عن الأول فهو عطفُ البيان، وهو معنى شَبَهه بالنعت.
стр. 2728
وإن قصدتَ بالحكم الثانيَ، وجعلت الأولَ كالتوطئة فهو البدل، وهذا المعنى ليس النعت، فليس الإعرابان واردَيْن على قَصْد واحد.
والدليل على ذلك خروجُ المسألتين المذكورتين بعدُ عن احتمال البدل، وهما: يا رجلُ زيداً ومررت بالرجلِ الضاربِ زيدٍ، على ما سيبيَّن إن شاء الله؛ إذ كانت هاتان المسألتان لا يُتَصور فيهما إلا أحدُ القَصْدين، وهو قصدُ كون الثاني بياناً للأول، نعم لا يُنْكَر أن يكون البدل يقع بيانا، لأنه إنما قُصِد، وصُرِف القُصد عن الأول إليه لأنه أبْيَنُ من الأول. وهذا ظاهر، وقوله: " حقيقةُ / القَصْد به مُنْكَشِفَة" تفسيرٌ لما أراده بقوله: " شِبْهُ الصفة" إذا كان أصل الصفة أن تأتي للبيان والكشف عن مراد المتكلم بالموصوف، فكذلك عطف البيان كما تقدم.
لكنه يُعترض على هذا التفسير بدخول التوكيد، إذ يَصدق عليه أنه تابع يُشبه الصفة في أنه مبين لقصد المتكلم، لأنك إذا قلت: قَدِمَ الأميرُ احتَمل أن يكون القصد: قَدِمَ حَشَمُه، أو خَدَمُه، أو رسولهُ. وكذلك إذا قلت: قام القومُ- احتمل أن يكون القائم بعضَهم لا جميعَهم، فلم يتبيَّن إذاً قصدُ المتكلم من إرادة مقتضى اللفظ.
فلما قلت: قدم الأميرُ نفسُه، أو قام القومُ كلُّهم- ارتفع ذلك الاحتمال، وصارت حقيقةُ القصد بالتوكيد منكشفِة، كما تقدم في بابه، فدخل التوكيد إذاً في هذا التعريف، فصار غيرَ معرف لكونه غيرَ مانع، مع أنه لو لم يَزد هذه الزيادة لكفى قوله: " شِبْهُ الصفة" على إبهامٍ مَا، وهو أحسنُ من زيادةٍ مُخِلَّة.
стр. 2729
والعذر عنه أنه لما قال: «شِبْه الصفة» كان هذا التعريف غير تام، لأن شَبَه الصفة يقع من وجوهٍ عِدَّة، منها الاشتقاق وغيره، فلو اقتصَر على ذلك لم يكن فيه بيانُ أنه يشبهها من جهة دون أخرى، ولا تعيَّنت جهةُ الشَبَه، فبين بقوله: «حقيقةُ القصدِ به مُنْكَشفِة» ما أراد بقوله «شِبْه الصفة»
وقد مَرَّ في «الصفة» أنه يبين ما سبَق بوَسْمه، فبيَانُه من جهة تعيين المتبوع وإيضاحه، حتى لا يختلط بغيره كما تقدم.
فـ (عطف البيان) مبين ذلك البيانَ المعلوم، والتوكيد ليس كذلك، وإنما بَيانُه على وجه آخر، وهو إبراز جهة الحقيقة عن جهة المجاز في المتبوع الذى يبين معناه.
فإذا قلت: (جاء الأمير) فهو محتاج إلى البيان من الجهتين:
إحداهما من جهة تعيين مدلوله من بين سائر الأمراء، والنعت هو المبين لهذا المعنى وعطفُ البيان، فتقول جاء الأميرُ أبو عبدِ الله، أو جاء الأميرُ الفاضلُ ولا يُحتاج هنا إلى التوكيد، إذ لا يؤكَّد إلا بعد معرفته.
والثانية من جهة كونه نسبة المجيء إليه حقيقة أو مجازا، إذ يمكن أن يريد المتكلم: جاء أمرُه، أو جاء غلامُه، أو نحو ذلك، حتى تقول: نفسُه أو عينُه.
والنعت وعطف البيان غير داخلين هنا، لأن مدلول لفظ (الأمير) معروف. وكذلك إذا قلت: قام القومُ كلُّهم.
فقد ظهر معنى قوله: «حقيقةُ القصدِ به منكشفة» حين كان بيانا لقوله: «شِبْه الصفة» وبَانَ أن التوكيد غيرُ وارد.
ويمكن أن يكون قوله: «حقيقةُ القصدِ به منكشفة» يَعني به أن عطف البيان بين ظاهر من إطلاق الاسم عليه، لا يَحتاج إلى تعريف، لأنه إنما سمي
стр. 2730
عطفَ بيانٍ لكونه مَسُوقا لبيان الأول وإيضاحه فهذا المعنى قد فُهم من نفس / التسمية، ويكون هذا القول اعتذارا عن استغنائه في تعريفه بقوله: «تابعٌ شِبْهُ الصفة» فكأنه يقول: عطف البيان هو التابع الشبيه بالصفة، وحقيقةُ القصد به تُغْنى عن تعريفه لبيانه. وعلى هذا لا يبقى في كلامه إيهام، ولا يَدخل له التوكيد أيضا.
وبهذا التعريف يظهر أن تابع اسم الإشارة، إذا كان جامدا، عطفُ بيانٍ لا نعت، وهو رأيه في «التسهيل» أيضا.
قال في «الشرح»: وأكثر المتأخرين يقلد بعضُهم بعضا في أنه نعت، ودعاهم إلى ذلك اعتقادهم أن عطف البيان لا يكون متبوعه أخصَّ منه. قال: وهو غير صحيح، فإن عطف البيان يُقصد به في الجوامد، من تكميل المتبوع، ما يُقصد بالنعت في المشتق وما جرى مجراه، فلا يَمتنع أن يكون متبوعُ عطفِ البيان أخصَّ منه، كما لا يمتنع أن يكون المنعوت أخصَّ من النعت. قال: وقد هُدِي أبو محمد بن السيد إلى الحق في هذه المسألة، فجعل ما تبع اسم الإشارة من (الرَّجُل) ونحوه عطفَ بيان. وكذلك فعل ابنُ جنى، وحكاه أبو علي الشلَّوْبِين.
стр. 2731
وهكذا ينبغي، لأن اسم الجنس لا يُراد به -وهو تابع لاسم الإشارة- إلا ما يراد به وهو غيرُ تابع له، فلو كان نعتاً حين يَتبع اسم الإشارة نحو: رأيتُ هذا الرجلَ لكان نعتا حين يَتبع غيره نحو رأيتُ شخصاً رجلاً، وأنت لا تريد إلا كونَه رجلاً لا امرأة. ولا خلاف في امتناع كونه في هذه الصورة نعتاً، فيجب ألا يكون في غيرها نعتا، وإلا لزم عدم النظير، بجعل اسمٍ واحد نعتاً لبعض الأسماء دون بعض مع عدم اختلاف المعنى.
هذا ما احتج به، وهو لَعَمْرى ظاهر. وإنما تَعَلَّق من قال: إنه نعت بظاهر كلام سيبويه في أبواب النداء، حيث حَكى عن الخليل أن (هذا الرَّجُلُ، ويَا أيُّها الرَّجُلُ) وقع (الرَّجُلُ) فيه وصفا.
والأولى عطفُ البيان، لأن الجامد لا يقع في اصطلاحهم وصفا. وهذا جامد فلا يقع وصفا.
ولعل الخليل وسيبويه أطلقا عليه لفظ الوصف مجازا، كما يُطلق على التوكيد لفظ الوصف أيضا. والله أعلم.
وقد وقع للناظم في باب «النداء» أن (الرَّجل) هنا صفةٌ لا عطف بيان، حيث قال: «وأيُّها مَصْحُوبَ أَلْ بَعْدُ صِفَة» ثم قال بعد ذلك: «وذو إشَارَةٍ كأي في الصفة» فنَصَّ كما ترى على أن ذا الألف واللام في الموضعين صفة مطلقا، من غير فرق بين كونه جامدا أو مشتقا، وهو راجع إلى مذهب غيره، فَبيْن هذا الظاهر وبين ما نَصَّ عليه في باب «النداء» تعارض، سنتكلم عليه هنالك إن شاء الله. ثم أخذ في بيان أحكام العطف، ووجهِ التبعيَّة فقال:
стр. 2732
فَأَوْلِيَنْهُ مِنْ وِفَاقِ الأولِ
مَا مِنْ وِفَاقِ الأولِ النَّعتُ وَلِى
فَفْد يَكُونَانِ مُنَكَّرَيْنِ
كما يَكُونَانِ مُعَّرفَيْنِ
«أَوْلِيَنْهُ» أمرٌ من أَوْلَيْتُه كذا، إذا أعطيتَه إياه، وأصله من: أوليتُه الشئَ إذا أدنيتَه منه. يريد أنك / تُعطيه من موافقة المعطوف مثل مَا أعطيتَ النعت من موافقة المنعوت.
ولما كان قد تقرر في النعت أنه يوافق المنعوت في التعريف والتنكير، والإفراد والتثثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، فكذلك عطفُ البيان لا بد فيه من موافقة المعطوف عليه في هذه الوجوه كلها، ولذلك أكد هذا المعنى بقوله:
فَقد يَكُونَانِ مُنَكَّرَيْنِ
كما يَكُونَانِ مُعَرفَيْنِ
فتقول: مررت بأخيك زيدٍ، وبأخوَيْكَ الزيدَيْن، وبإخوتك الزيدِين، وبأختك هِنْدٍ وبأختَيْكَ الهندَيْنِ وبأخواتك الهِنْداتِ.
ومررت برجلٍ أخٍ لك، وبرجالٍ، إخوةٍ لكَ، وكذلك في التأنيث.
وفي هذا الكلام تنبيهٌ على الخلاف في موضعين:
أحدهما الموافقةُ في التعريف والتنكير، فإنه نُقل عن الفارسي إجازةُ عطف النكرة على المعرفة، وبالعكس، وجَعل من ذلك قول الله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيَّنَاتٌ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ﴾ فأجاز فيه البدلَ والعطفَ.
стр. 2733
ووجه ذلك أن العطف شبيه بالبدل، إذ لا فرق بينهما إلا في نِيَّة تكرار العامل، والبدل يجوز فيه التخالف، بأن تُبدل النكرة من المعرفة، والعكس، فكذلك العطف.
وهذا معارَض بشَبَهه بالنعت، إذ لا فرق بينهما إلا في الاشتقاق وعدمه. ويَزيد العطفُ مع النعت بأن كل واحد منهما منزَّل من المتبوع منزلة الشيء الواحد، ألا ترى أن: زَيْدًا الأحمرَ عند من لا يعرفه بمنزلة (زَيْدٍ) وحدَه عند من يعرفه.
وأما البدل مع المبدل منه كالشيء الواحد باتفاق. فهذه العلة أوجبت في النعت مع المنعوت الاتفاقَ في التعريف والتنكير وغيرهما، كما مر ذكره، وأوجبت في البدل جوازَ الاختلاف.
وأيضا فيلزم من هذا المذهب مخالفةُ الإجماع، إذ قد حَكى المؤلف الإجماعَ على خلاف ما قال. وفي مخالفة إجماع العلماء ما عرفتَ، فالصحيح ما ذهب إليه الناظم.
والموضع الثاني صلاحيةُ عطف البيان في النكرات فإن من قَصر ذلك على المعارف، فَمنع أن يقال: مررتُ برجلٍ أخٍ لك، على العطف. وهذا المذهب يُنقل عن أكثر النحويين. ونَقل المؤلف عن الشَّلَوْبين أن هذا مذهب البصريين. ولم يرتضه الناظم، بل نصَّ على مخالفته بأنه مرجوح من جهة القياس والسماع.
стр. 2734
أما القياس فإن الحاجة إليه في النكرة أشدُّ منها في المعرفة، لأن النكرة يلزمها الإبهامُ بحق الأصل، فهى أحوجُ إلى ما يبيَّنها من المعرفة, فتخصيصُ المعرفة بالبيان خلاف مقتضى القياس.
وأيضاً فقد تقدم أن العطف كالنعت، وليس بينهما إلا الجمود والاشتقاق، والنعتُ في النكرة سائغ اتفاقا، فكذلك ينبغي في العطف.
وأما السماع من القرآن الكريم: ﴿يُوقَدُ / مِنْ شَجَرةٍ مُبَاركَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ فالظاهر في «زَيْتُونَة» عطفُ البيان، وهو اختيار الفارسي.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ويُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ وفي قراءة] غير [نافع وابن عامر ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكَيِن﴾ وفي الموضع الآخر ﴿وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيةٌ طَعامُ مَسَاكيِنَ﴾ في قراءة غير نافع وابن عامر.
стр. 2735
وقال ذو الرمة:
لَمْيَاءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ
وفي اللثاتِ وفي أَنْيابِها شَنَبُ
وقد أشعر الناظم بوجه القياس لقوله: «كَمَا يَكُونَانِ مُعَرَّفَيْنِ» أي أن المعرفة والنكرة في الاحتياج إلى البيان متساويان، وهو مَقْصد حسَن، والتشبيه للتنظير.
فإن قيل: لِمَ أتى الناظم بالشطرين، وهما قوله: «فَقَدْ يَكُونَانِ مُنَكَّرَيْنِ» إلى آخره.
مع أنه قد حصل ذلك المعنى في «العَقْد» قبله حين قال: «فأولينه مِنْ وِفَاقِ الأوَّلِ كذا» فالظاهر أن هذا فضلٌ لا زيادةَ فائدةٍ فيه.
فالجواب أنه أخرجه إلى التنصيص عليه، تنكيتاً على من ذهب إلى منع عطف النكرة.
فإن قلت: فإذا كان كذلك فكان ينبغى أن يَفعل مثل ذلك في المذهب الآخر المخالِف له في منع المخالفة في التعريف والتنكير، وهو المنقول عن الفارسي، فِلَم أغفل ذكر ذلك؟
فالجواب أنه لم ينكت على مذهب الفارسي لأمرين، أحدهما أنه على مذهب شاذ ومَنْحًى ضعيف، لم يقل به إلا الفارسيُّ، على ما حكاه المؤلف، فلم يَعتبر به