Полный текст (5 477 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
وهكذا ينبغي، لأن اسم الجنس لا يُراد به -وهو تابع لاسم الإشارة- إلا ما يراد به وهو غيرُ تابع له، فلو كان نعتاً حين يَتبع اسم الإشارة نحو: رأيتُ هذا الرجلَ لكان نعتا حين يَتبع غيره نحو رأيتُ شخصاً رجلاً، وأنت لا تريد إلا كونَه رجلاً لا امرأة. ولا خلاف في امتناع كونه في هذه الصورة نعتاً، فيجب ألا يكون في غيرها نعتا، وإلا لزم عدم النظير، بجعل اسمٍ واحد نعتاً لبعض الأسماء دون بعض مع عدم اختلاف المعنى.
هذا ما احتج به، وهو لَعَمْرى ظاهر. وإنما تَعَلَّق من قال: إنه نعت بظاهر كلام سيبويه في أبواب النداء، حيث حَكى عن الخليل أن (هذا الرَّجُلُ، ويَا أيُّها الرَّجُلُ) وقع (الرَّجُلُ) فيه وصفا.
والأولى عطفُ البيان، لأن الجامد لا يقع في اصطلاحهم وصفا. وهذا جامد فلا يقع وصفا.
ولعل الخليل وسيبويه أطلقا عليه لفظ الوصف مجازا، كما يُطلق على التوكيد لفظ الوصف أيضا. والله أعلم.
وقد وقع للناظم في باب «النداء» أن (الرَّجل) هنا صفةٌ لا عطف بيان، حيث قال: «وأيُّها مَصْحُوبَ أَلْ بَعْدُ صِفَة» ثم قال بعد ذلك: «وذو إشَارَةٍ كأي في الصفة» فنَصَّ كما ترى على أن ذا الألف واللام في الموضعين صفة مطلقا، من غير فرق بين كونه جامدا أو مشتقا، وهو راجع إلى مذهب غيره، فَبيْن هذا الظاهر وبين ما نَصَّ عليه في باب «النداء» تعارض، سنتكلم عليه هنالك إن شاء الله. ثم أخذ في بيان أحكام العطف، ووجهِ التبعيَّة فقال:
стр. 2732
فَأَوْلِيَنْهُ مِنْ وِفَاقِ الأولِ
مَا مِنْ وِفَاقِ الأولِ النَّعتُ وَلِى
فَفْد يَكُونَانِ مُنَكَّرَيْنِ
كما يَكُونَانِ مُعَّرفَيْنِ
«أَوْلِيَنْهُ» أمرٌ من أَوْلَيْتُه كذا، إذا أعطيتَه إياه، وأصله من: أوليتُه الشئَ إذا أدنيتَه منه. يريد أنك / تُعطيه من موافقة المعطوف مثل مَا أعطيتَ النعت من موافقة المنعوت.
ولما كان قد تقرر في النعت أنه يوافق المنعوت في التعريف والتنكير، والإفراد والتثثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، فكذلك عطفُ البيان لا بد فيه من موافقة المعطوف عليه في هذه الوجوه كلها، ولذلك أكد هذا المعنى بقوله:
فَقد يَكُونَانِ مُنَكَّرَيْنِ
كما يَكُونَانِ مُعَرفَيْنِ
فتقول: مررت بأخيك زيدٍ، وبأخوَيْكَ الزيدَيْن، وبإخوتك الزيدِين، وبأختك هِنْدٍ وبأختَيْكَ الهندَيْنِ وبأخواتك الهِنْداتِ.
ومررت برجلٍ أخٍ لك، وبرجالٍ، إخوةٍ لكَ، وكذلك في التأنيث.
وفي هذا الكلام تنبيهٌ على الخلاف في موضعين:
أحدهما الموافقةُ في التعريف والتنكير، فإنه نُقل عن الفارسي إجازةُ عطف النكرة على المعرفة، وبالعكس، وجَعل من ذلك قول الله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيَّنَاتٌ مَقَامُ إبْرَاهِيمَ﴾ فأجاز فيه البدلَ والعطفَ.
стр. 2733
ووجه ذلك أن العطف شبيه بالبدل، إذ لا فرق بينهما إلا في نِيَّة تكرار العامل، والبدل يجوز فيه التخالف، بأن تُبدل النكرة من المعرفة، والعكس، فكذلك العطف.
وهذا معارَض بشَبَهه بالنعت، إذ لا فرق بينهما إلا في الاشتقاق وعدمه. ويَزيد العطفُ مع النعت بأن كل واحد منهما منزَّل من المتبوع منزلة الشيء الواحد، ألا ترى أن: زَيْدًا الأحمرَ عند من لا يعرفه بمنزلة (زَيْدٍ) وحدَه عند من يعرفه.
وأما البدل مع المبدل منه كالشيء الواحد باتفاق. فهذه العلة أوجبت في النعت مع المنعوت الاتفاقَ في التعريف والتنكير وغيرهما، كما مر ذكره، وأوجبت في البدل جوازَ الاختلاف.
وأيضا فيلزم من هذا المذهب مخالفةُ الإجماع، إذ قد حَكى المؤلف الإجماعَ على خلاف ما قال. وفي مخالفة إجماع العلماء ما عرفتَ، فالصحيح ما ذهب إليه الناظم.
والموضع الثاني صلاحيةُ عطف البيان في النكرات فإن من قَصر ذلك على المعارف، فَمنع أن يقال: مررتُ برجلٍ أخٍ لك، على العطف. وهذا المذهب يُنقل عن أكثر النحويين. ونَقل المؤلف عن الشَّلَوْبين أن هذا مذهب البصريين. ولم يرتضه الناظم، بل نصَّ على مخالفته بأنه مرجوح من جهة القياس والسماع.
стр. 2734
أما القياس فإن الحاجة إليه في النكرة أشدُّ منها في المعرفة، لأن النكرة يلزمها الإبهامُ بحق الأصل، فهى أحوجُ إلى ما يبيَّنها من المعرفة, فتخصيصُ المعرفة بالبيان خلاف مقتضى القياس.
وأيضاً فقد تقدم أن العطف كالنعت، وليس بينهما إلا الجمود والاشتقاق، والنعتُ في النكرة سائغ اتفاقا، فكذلك ينبغي في العطف.
وأما السماع من القرآن الكريم: ﴿يُوقَدُ / مِنْ شَجَرةٍ مُبَاركَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ فالظاهر في «زَيْتُونَة» عطفُ البيان، وهو اختيار الفارسي.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ويُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ وفي قراءة] غير [نافع وابن عامر ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكَيِن﴾ وفي الموضع الآخر ﴿وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيةٌ طَعامُ مَسَاكيِنَ﴾ في قراءة غير نافع وابن عامر.
стр. 2735
وقال ذو الرمة:
لَمْيَاءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ
وفي اللثاتِ وفي أَنْيابِها شَنَبُ
وقد أشعر الناظم بوجه القياس لقوله: «كَمَا يَكُونَانِ مُعَرَّفَيْنِ» أي أن المعرفة والنكرة في الاحتياج إلى البيان متساويان، وهو مَقْصد حسَن، والتشبيه للتنظير.
فإن قيل: لِمَ أتى الناظم بالشطرين، وهما قوله: «فَقَدْ يَكُونَانِ مُنَكَّرَيْنِ» إلى آخره.
مع أنه قد حصل ذلك المعنى في «العَقْد» قبله حين قال: «فأولينه مِنْ وِفَاقِ الأوَّلِ كذا» فالظاهر أن هذا فضلٌ لا زيادةَ فائدةٍ فيه.
فالجواب أنه أخرجه إلى التنصيص عليه، تنكيتاً على من ذهب إلى منع عطف النكرة.
فإن قلت: فإذا كان كذلك فكان ينبغى أن يَفعل مثل ذلك في المذهب الآخر المخالِف له في منع المخالفة في التعريف والتنكير، وهو المنقول عن الفارسي، فِلَم أغفل ذكر ذلك؟
فالجواب أنه لم ينكت على مذهب الفارسي لأمرين، أحدهما أنه على مذهب شاذ ومَنْحًى ضعيف، لم يقل به إلا الفارسيُّ، على ما حكاه المؤلف، فلم يَعتبر به
стр. 2736
خصوصاً، ولكنه اكتفي فيه بقوله: «فأولينه» إلى آخره، بخلاف المسألة الأخرى، فإن الخلاف فيها منقول عن البصريين حسبما نقله الشَّلَوْبِينِ، وأسنده تلميذه الأبَّذِى إلى أكثر النحويين، فلذلك اعتَنى بالتنبيه عليه خوفاً أن يُتَوَهَّم أن مذهبه مذهب البصريين، فيُعترض عليه في «العَقْد» الذى عقده بقوله: «فأولينه مِنْ وِفَاقِ الأوَّلِ» وليس كذلك في إهمال التنبيه على خلاف الفارسي.
والثاني أن المؤلف ارْتَاب في هذا النقل عن الفارسي وقال: إنه لم يجده من غير جهة الشَّلَوْبِينِ، ولا يقول المؤلف هذا إلا بعد شدة البحث عن صحته، وذلك مَقامُ الوقوف والارتياب مع ما قام له من الدليل على صحة قول الناس، فلذلك زاد الشطرَيْن تأكيداً في مخالفة الناس، ولم يَزد شيئا في مخالفة الفارسي. والله أعلم.
و«ولى» من قوله: «مَا مِنْ وِفَاقِ الأولِ النَّعتُ وَلِى» مطاوع (أوليته) و «ما» في موضع نصب (أَوْلِ) على المفعول الثاني، وهي موصولة، وصلت بالجملة الاسمية التي هي «النعتُ وَلِى» و «مِنْ وِفَاقِ» متعلق بـ (وَلِىَ) أى: ما النعتُ وَلِىَ من وِفَاق الأول. و «الأَوَّل» في الشطر السابق واقع على المعطوف عليه. وفي الثاني على المنعوت.
ولَمَّا لم يكن عطف البيان متعينا في أكثر المواضع، وإنما يتعين في بعضها أَخذ يبيين مواضع التعيين فقال:
стр. 2737
وصَالِحًا لبَدَلِيَّةٍ يُرَى
في غَيْرِ نَحْوِ يَا غُلامُ يَعْمُرَا
ونَحْوِ بِشْرٍ تَابعِ البَكْرى
ولَيْسَ أَنْ يُبْدَلَ بالمرْضِى
«صالحًا» حال من ضمير «يرى» وهو عائد على «عطف البيان»
ويَعنى أن عطف البيان، حيثما وقع صالحٌ لأن يُعرب بدلا، فإنك إذا قلت: قام أبو عبد الله زيدٌ- يمكن فيه عطفُ البيان، ويمكن فيه البدلُ، ولكن كل واحد منهما مبنى على قَصْده، إذ ليسا بواردَيْنِ على قصْد واحد حسبما تقدم ذكره.
وكذلك: هذا أبو عبد الله قُفَّةُ- يَحتمل البدل والعطف، فكما يصلح أن يكون الثاني بياناً للأول، والأول هو المقصود، كذلك يصلح أن يكون هو المقصود بالحكم دون الأول، إلا في موضعين، فإن العطف فيهما متعين، ولا يجوز البدل.
أحدهما باب «النداء» نحو: يا رجلُ زيداً بنصب (زيد) فإن البدل ههنا ممتنع، إذ كان على تقدير تكرير العامل، فلم يصح فيه إلا ما يصلح فيه لو كان مباشَراً بالنداء، ولو كان مباشرا به لم يكن فيه إلا البناء فتقول: يا رجلُ زيدُ، لأنه على تقدير: يا زيدُ.
وإلى هذا أشار الناظم بقوله: «في غيرِ نَحْو يا غُلاَمُ يَعْمُرا» ويَعْمُر: اسمٌ عَلَمٌ للغلام.
وكذلك إذا رفعتَ (زيداً) فقلت: يا غلامُ زيدٌ، يا غلامُ يعمرُ- لا يجوز فيه إلا عطف البيان أيضا، فالنصب بالحمل على موضع المنادى، والرفع بالحمل على لفظه.
стр. 2738
وهكذا الحكم إذا المنادى منصوبا لكونه مضافا أو ممطولا، و (زيد) منصوب، ويا أخانا زيدا لا يجوز فيه إلا العطف، إذ لو كان بدلا لوجب بناؤه على الضم.
وجميع هذا داخل تحت إشارته بالمثال، بخلاف ما إذا قلت: يا زيد أبا عبدالله، فإن التابع هنا يحتمل العطف والبدل، وكذلك يا أخانا أبا عبدالله.
والذي يضبط لك هذا في المثال كون التابع فيه مفردا، وهو (يعمر) وقد بين ذلك في «باب النداء» وإنما هذه إشارة إلى ما هنالك.
والموضع الثاني باب «اسم الفاعل» إذا كان المعطوف خاليا من الألف واللام، والمتبوع مقرون بها، وهو مضاف إلى صفة مقرونه أيضا بها، نحو: مررت بالضارب الرجل زيد، فإن «زيدا» هنا، وهو مجرور، لا يصح فيه البدل، وإنما يعرب عطف بيان خاصة.
والعلة فيه ما ذكر من أن البدل على تقدير تكرير العامل، وأنت لو قلت: (الضارب زيد) لم يجز، إذا القاعدة في «اسم الفاعل» أنه لا يضاف، وهو بالألف واللام، إلا إلى ما هما فيه. وقد بين الناظم ذلك في موضعه.
стр. 2739
وأشار في تمثيل هذا النوع إلى البيت المشهور الذى أنشده سيبويه للمرار الأسدى:
أنا ابن التارك البكرى بشر
عليه الطير ترقبه وقوعا
ف (بشر) هو تابع (البكرى) وتبعيته إياه على العطف لا البدل، لأن «بشرا» لا يصح أن يلى التارك مضافا إليه، فلو كان مكان «بشر» غلام الرجل مثلا- لجاز كونه بدلا / ولا يته ل (التارك) فلابد في تعين العطف من كون المعطوف مفردا بغير ألف ولام كما في مثاله، أو مضافا إلى ما ليست فيه. وهذا مبنى على مذهب البصريين كما سيأتي.
وفي هذا الموضع نظر، وذلك أنه حصر تعين العطف في هذين الموضعين، وأعطى أن ما سواهما يصلح فيه البدل.
وذلك غير صحيح، فإن موضع ثم مواضع أخر يتعين فيها العطف، ويمتنع البدل. وقد نبه بعض من قيد ذلك على جملة منها.
والذى زاد على الموضعين عشرة مواضع:
أحدها: أن يكون الكلام مفتقرا إلى رابط، ولا رابط إلا التابع، على أنه عطف البيان، نحو: هند ضربت الرجل أخاها، فلا يجوز أن يكون نعتا، لأنه أعرف مما جرى عليه، ولا بدلا لئلا تعرو والجملة الأولى من رابط، فتعين عطف البيان.
стр. 2740
والثاني: أن يضاف «أفعل التفضيل» إلى عام، ويتبع بقسمى ذلك العام، ويكون المفضل أحد قسمى ذلك العام، نحو: زيد أفضل الناس الرجال والنساء، ف (الرجال والنساء) عطف بيان لا بدل من (الناس) لأن البدل على نية تكرار العامل، فيكون التقدير: زيد أفضل الرجال والنساء، وذلك لا يسوغ.
وما جاء من قوله: أنا أشعر الجن والإنس. فقد غلط في ذلك، وتأوله أبو على أنه أراد: أشعر الخلق. قال: وهو قبيح، ولا يجوز القياس عليه.
والثالث: أن يتبع وصف (أى) بمضاف نحو: يا أيها الرجل غلام زيد، ف (غلام زيد) لا يكون بدلا من الرجل، لأنه ليس في تقدير جملتين، ولا وصفا، لأن ما فيه (ال) لا يوصف بالمضاف إلى (العلم).
والرابع: أن يفضل مجرور (أى) نحو: أى الرجلين زيد وعمرو أفضل؟
فلا يح بدل (زيد وعمرو) من (الرجلين) لأنه لا يجوز أن تقول: أى زيد وعمرو؟ لأن (أيا) لا تضاف إلى مفرد معرفة إلا عند قصد التجزئة نحو: أى الرجل أحسن؟ أعينه أم وجهه؟
والخامس: أن يفصل مجرور (كلا) نحو: كلا أخويك زيد وعمرو قائم، لأن (كلا) لا تضاف إلى مثنى لفظا ومعنى، أو معنى دون لفظ.
والسادس: أن يتبع المنادى المضموم باسم الإشارة، نحو: يا زيد هذا، لا يجوز أن يكون بدلا، لأنه لو كان بدلا لكان منادى، وحرف النداء لا يجوز أن يحذف من اسم الإشارة على رأي البصريين
стр. 2741
والسابع: أن يتبع وصف (أي) في النداء بمنونه، نحو: يا أيها الرجل زيد، لأنه لو كان بدلا لكان غير منون.
والثامن: أن يتبع اسم الجنس أو غيره ذا (أل) لمنادى مضموم، نحو: يا زيد الرجل، ويا غلام الرجل الصالح ويارجل الحارث، أو منصوب نحو: يا أخانا الحارث، لأنه إن جعلناه بدلا أدى إلى تقدير مباشرة حرف النداء ما فيه الألف واللام، فيكون كقولك: ياالرجل، ويا الحارث.
والتاسع: أن يتبع المنادى المضاف باسم الإشارة، نحو: يا غلام زيد هذا.
والعاشر: أن يتبع وصف اسم الإشارة في النداء بمنون، نحو: يا هذا الطويل زيد وتعليل هذا الوجه وما قبله مفهوم مما تقدم.
فهذه عشرة مواضع زائدة على ما ذكره الناظم، ولعل ثم مواضع أخر لمن تتبع المسائل، وإنما هذا تنبيه على غيره.
وجميعه واضح في أن حصر الناظم قاصر جدا، وكذلك نص فى / «التسهيل» فلم يزد على الموضعين المذكورين إلا ثالثا، وهو أن يقرن ب (أل) بعد منادى، وهو الثامن هنا.
والجواب عن ذلك أن أكثر النحويين هكذا فعلوا، فتراهم ينصصون على معنى ما نص عليه، ويقصرون تعيين العطف على الموضعين، أعنى باب «النداء» وباب «اسم الفاعل» فالاعتراض وارد على جميعهم ولا يختص به.
ولكن يمكن الاعتذار عما فعلوا من أحد ثلاثة أوجه:
стр. 2742
إما أن يقال: أن جميع ما استدرك عليه داخل له مثاليه، وذلك أن كله دائر على حرف واحد، وهو عدم صلاحية وقوع الثانى موقع الأول، وإذا تتبعت جميع المواضع وجدتها كذلك، فيكون على هذا قول الناظم: «في غير نحو كذا» مشيرا إلى كل موضع لا يحل فيه الثانى محل الأول. وإذا كان كذلك دخل جميع ما يحتاج إليه، مما ذكر ومما لم يذكر، وإنما عين الموضعين لشهرتهما في النقل.
وإما أن يكون اقتصر على الموضعين لوجود السماع فيهما، فإن الذى سمع عن العرب في تعيين العطف محصور في البابين، وما سواهما فإنما هو تفريع بالقياس لا اتباع للسماع ويكون إذ ذاك قد نبه على جميع المواضع المتصورة في باب «النداء» ولأن السماع وارد فيه وإن لم يرد في جميع مسائله، فيدخل له، مما استدرك عليه، مسائل «النداء» كلها وهي ست، وتبقى المسائل الأربع كأنه لم يتعرض لها، لإمكان أن يقول قائل بعدم القياس فيها، أو بعدها من النوادر التى لا يعتد بها في مثل هذا المختصر.
وإما أن يقال: إنه اتبع في ذلك الجمهور، وجرى على طريقهم من غير نظير فيما يلزم عن ذلك، وهذا خلاف عادته، ولكنه ممكن على الجملة.
وإذا ثبت هذا فتلك المواضع المعترض بها ليست بمخلصة كلها، بل في بعضها نظر. أما الأول، فإن البدلية فيه سائغة، والربط بالبدل فيه خلاف، فقد مر ذلك في باب «الاشتغال» وتقدم أن ظاهر كلامه هناك أن «العلقة» حاصلة بالبدل كما تحصل بالعطف. وتبين وجهه هنالك.
стр. 2743
وضبط ذلك سيبويه بالصفة، فما صح أن يكون رابطا في الصفة السببية صح أن يكون رابطا في «الاشتغال». والصفة السببية، في كونها صفة الموصوف أو خبرا المبتدأ، سواء، فما جاز في «الاشتغال» جاز في الصفة، وما جاز في الصفة جاز في الخبر. وهذا مسلم عند النحويين.
فالربط بالبدل جائز في الخبر لجوازه في «الاشتغال» فقولك: زيد ضربت هند أخته، أو هند ضربت زيدا أخاها- جائز على البدل، وعلى عطف البيان، فلم يتعين فيه عطف البيان، فخرج عن أن يعترض به وأما السادس فليس مما نحن فيه، فإن اسم الإشارة يجرى نعتا على العلم فتقول: مررت بزيد هذا. وقد نص عليه الناظم وغيره، لأنه في تقدير المشتق، ولا مانع من ذلك / فلا يحتاج إلى تكلف عطف البيان إن سلم أنه يجرى نعتا فلا مانع من البدل أيضا، لأن تكرار العامل إنما معناه أن يقدر واليا له حقيقة، لا أن يكون العامل قبله مقدر الحذف، لكن جريانه على المبدل منه جار مجرى تكراره، كأن العامل مع المبدل منه عوض ومعوض منه.
وإن قيل: إنه على تقدير طرح الأول فأوضح في الجواز، لأن حرف النداء ظاهر، فإذا وليه (هذا) جاز.
فإن قيل: فلو فرض حذفه فقلت: زيد هذا- لم يصح فيه ذلك التوجيه- قيل: بل يصح، فإن المنادى كالعوض من حرف النداء، ولو قدر طرحه لجئ بالحرف، ليعامل كل اسم بما يليق به، وكذلك القول في التاسع من غير فرق.
стр. 2744
ورأيت لهذا المقيد مثالا في أحد الموضعين المتقدمين في نظر أيضا، وذلك أنه قال: ومثل (يا أخانا زيدا) قول الشاعر:
أيا أخوينا عبد شمس ونوفلا
أعيذكما بالله أن تحدثا حربا
في رواية من نصب «عبد شمس ونوفلا» قال: فلا يجوز هنا البدلية، لأن أحد المتعاطفين مفرد، وهما منصوبان، والبدل المجموع لا أحدهما، فلا يصح تقدير حرف النداء، وكلاهما تابع لمنصوب، لما يلزم من نصب أحدهما وهو المضاف، وبناء المفرد على الضم، والرواية بنصبهما.
هذا ما قال، وهو غير لازم، بل البدل جائز وإن كان الثانى مفردا، ويصح تقدير حرف النداء، ولا يلزم ضم المفرد، لأنه قد صار مع المضاف شيئا واحدا، فلا يمكن أن يختلفا في الإعراب والبناء، لأنه كاختلاف بعض الكلمة مع بعض، بل نقول: لو كان الاسمان معا مفردين لتعين النصب فيهما بدلين، وعطفى بيان.
أما مع البدلية فلأن مجموعهما هو البدل لا كل واحد منهما، إذ لو كان كل واحد منهما بدلا لكان من بدل المفرد من المثنى، وهو باطل، ولا يتأتى البناء فيهما إلا مع تقدير حرف النداء مع كل واحد، وذلك لا يصح، لأنه عند ذلك فلا يقدر حرف النداء إلا مع أول الاسمين، والمجموع هو البدل، فصار اسما مطولا بالعطف، كما لو سميت رجلا بزيد وعمرو، ثم ناديته لكنت قائلا:
стр. 2745
يا زيدا وعمرا، فتنصب وجوبا كما تنصب المطولات، فمسالتنا بهذه المثابة من كل وجه، لأن الاسمين معا هما الاسم المثنى المنادى، فلو باشرا حرف النداء لانتصبا. وعلى هذا يبنى حكم عطف البيان، لأن مجموعهما هو المعطوف، وقد كانا في المثال تابعين لمنصوب، فلا يصح فيهما غير النصب.
وكذلك إن تبعا مفردا، نحو يا صاحبان زيدا وعمرا، ويا زيدان بطة وقفة. والعطف والبدل في ذلك سواء.
فثبت بهذا أن البيت لا يتعين فيه عطف البدل أصلا. وإنما ذكرت هذا لئلا يتوهم أنه مما يعترض به على الناظم في جملة تلك المواضع، وليظهر وجه يصوب في المسألة. وبالله التوفيق.
وتأمل مسألة الفارسى في «الإيضاح» فهي مبينة لهذا الموضع، وهي مسألة: يا ثلاثة وثلاثين في «باب النداء» وقول الناظم: «وليس أن يبدل بالمرضى» الضمير في «يبدل» يحتمل أن يعود على «بشر» في مثاله الأخير ونحوه، ويريد أن إعرابه بدلا غير مرضى، وإنما يعرب عطف بيان، ويتعين فيه ذلك، وكأنه أراد التنكيت على موضع الخلاف المنصوص، وذلك أن من النحويين من أجاز البدل في باب «اسم الفاعل» لكن على طريقتين، إحداهما طريقة من أجاز أن يضاف «اسم الفاعل» بالألف واللام إلى ما ليس فيه ألف ولام، وذلك مذهب الفراء، فهو يجيز: مررت بالضارب زيد، فإجازته لنحو: مررت بالضارب الرجل زيد، على البدل أولى.
стр. 2746
والثانية طريقة من لا يعتبر حلول البدل في محل المبدل منه، وذلك مذهب الأعلم وابن خروف. وحجتهما أن التابع قد يحل حيث يحل محل المتبوع، والبدل هنا كالعطف في: يا زيد والحارث، مع أنه لا يحل محله. وكذلك رب رجل وأخيه، وكل شاة وسلختها بدرهم. فإن أردت أن يحل محله. فإن أردت أن يحل ذلك محل الأول أزلت الألف واللام من (الحارث والتارك) في قوله:
* أنا ابن التارك البكرى بشر *
والضمير من (الأخ والسخلة) وهذا كله على خلاف الاستقراء من البدل لأن مواضع البدل يصح فيها حلوله محل المبدل منه، فإذا لم توجد هذه الخاصية وقع الشك في كونه بدلا. ولولا السماع في العطف لما قيس مع أنه نادر في السماع فلا يعتد به فالأصح مذهب الناظم.
وفي إشارته إلى البيت أيضا تنبيه على أنه قائل بمذهب سيبويه والجمهور في صحة الجر في مثل هذا خلافا للمبرد، فإنه منع الجر في «بشر» ونحوه. وروى البيت بنصب «بشر».
قال السيرافى: والقول قول سيبويه للقياس وإنشاد العرب والنحويين «بشر» بالجر.
стр. 2747
ويحتمل أن يكون الضمير في «يبدل» عائدا على عطف البيان المعين في المثالين ونحوهما، فيكون المعنى على أن البدل في هذه المواضع وما أشبهها غير مرضى أن يقال به.
ويكون تنكيتا على الخلاف الحاصل فيه في جميع المواضع، أو تخريجا، فالنص ما تقدم، والتخريج على قول الأعلم وابن خروف، إذ ظهر وجه مذهبهما، ومذهب الفراء لا أدرى هل يعتبر في الجواز ذلك الوجه أم لا، فلذلك لا ألتزم التفريع عليه. والله أعلم.
стр. 2748
عطف النسق
هذا هو الوجه الثاني من وجهي العطف، وهو عطف النسق.
والنسق في اللغة: الكلام الذي يأتي على نظام واحد، ونسقت الكلام نسقًا، بالتسكين، إذا عطفت بعضه على بعض، وأصله/ من التنسيق، أي التنظيم، لأن الكلام ينظم بعضه مع بعض، فالنسق في هذا الاستعمال من باب: الخبط والنفض فقولهم: (عطف النسق) بمعنى عطف الكلام المنسوق. وليس المصدر إلا مسكنًا، فإذا أضيف العطف إلى المصدر قلت: عطف النسق. وأتى الناظم بحد هذا العطف في قوله:
تالٍ بحرف متبع عطف النسق ... كاخصص بود وثناءٍ من صدق
التالي هو التابع، وهو الجنس الأقرب، وقوله: "بحرف متبعٍ" أي بحرف وضع للتبعية، وهي أن يشرك الثاني مع الأول في عامله، فخرج بهذا الفصل سائر التوابع.
وسيذكر الحروف المتبعة، إلا أنه مثل بواحد منها وهو (الواو) فقال: "كاخصص بود وثناء" فـ (ثناء) معطوف على "ود" بالواو الموضوعة لذلك.
والكلام في هذا الباب في عطف المفردات لأن التبعية لا تتكون إلا فيها، وعليه يدل مثاله وكلامه.
стр. 2749
و"عطف النسق" مبتدأ، خبره "تالٍ" وما تعلق به.
ثم أتى بحروف العطف فقال:
فالعطف مطلقًا بواو ثم فا ... حتى أم او كفيك صدق ووفا
وأتبعت لفظًا فحسب بل ولا ... لكن كلم يبد امرؤ لكن طلا
وهذه حروف العطف قد أتى بها، وهي تسعة: الواو، والفاء، وثم، وحتى، وأم وأو، وبل، ولا، ولكن.
ولم يذكر غيرها، فدل على أن ما عداها عنده ليس بحرف عطف، وإن ذهب إلى ذلك غيره.
والحروف التي اختلف فيها: هل هي للعطف أم لا، مما لم يذكره، سبعة: (إما) المكسورة، وإلا، وليس، وأين، وكيف، وهلا، و (أي) التفسيرية.
فأما (إما) فيشير إلى رأيه فيها.
وأما (إلا) فذهب الأخفش إلى جواز كونها حرف عطف، لأنها عنده تجئ بمعنى الواو، كقوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾، وكذلك جعلها الفراء في قوله تعالى: ﴿إني لا يخاف لدى المرسلون إلا من ظلم﴾، الآية، وقوله تعالى: ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾.
стр. 2750
وهذه المواضع لا يلزم فيها ما قالاه، لأن بقاءها على أصلها من الاستثناء ممكن، وذلك الاستثناء المنقطع، مع أن (إلا) قد ثبت لها أصل وهو الاستثناء، فلا تخرج عنه إلا مع التعين، ولم يتعين ذلك في هذه المواضع، فلا تصح دعوى ما لم يثبت بمجرد الاحتمال.
وأما (ليس) فذهب الكوفيون إلى أنها تجئ حرف عطف، فيقولون قام زيد ليس عمرو، بمعنى: لا عمرو، محتجين بنحو قول أبي بكر الصديق ﵁:
بأبي شبيه بالنبي ... ليس شبيه بعلي
ويقول لبيد:
وإن أقرضت قرضًا فاجزه ... إنما يجزى الفتى ليس الجمل
وذلك لا حجة فيه، لأنه على حذف خبر (ليس) وإذا اتجه هذا لم يبق لهم متعلق، ولا يجوز الخروج عما ثبت إلى ما لم يثبت، لأنه تحكم بغير دليل/.
стр. 2751
وأما (أين، وكيف، وهلا) فحكى السيرافي عن الكوفيين جواز العطف بهن، فيقولون: ما مررت بزيدٍ ههنا فأين أبي عبد الله، وما مررت برجل فكيف امرأةٍ، وما مررت بزيدٍ فهلا عمروٍ. وهذا كله غير جائز.
ولما مثل سيبويه بـ (كيف) وأن ما بعدها مرفوع قال: فزعم يونس أن الجر خطأ، وقال: هو بمنزلة (أين) قال سيبويه أو يونس: ومن جر فهو ينبغي له أن يقول: ما مررت بعبد الله فلم أخيه، وما لقيت زيداً مرة فكم لقيت أبا عمرو؟ تريد: فلم مررت بأخيه؟ وفكم أبا عمرو؟ .
وقال السيرافي: والكوفيون لا يلتزمون هذا.
وأيضًا فما قالوا على خلاف شأن العاطف، فإن شأنه ألا يجتمع معه حرف عطف، فلا يقال: جاء زيد فو عمرو، ولا أكرمت الناس وحتى زيدًا إلا شاذًا في نحو قوله:
أراني ما بت بت على هوى ... فثم إذا أصبحت أصبحت خاليَا
стр. 2752
وأمثلتهم التي أجازوها قد اجتمعت فيها الفاء مع (أين، وكيف، وهلًا) وذلك خلاف القاعدة.
على أن بعض المتأخرين يزعم أن الكوفيين يوافقون على أنها ليست مع الفاء حروف عطف، وإنما تكون حروف عطف دونها. وما حكاه السيرافي أثبت، وهو يستشعر من كلام سيبويه.
وأما (أي) فحكى ابن مالك عن صاحب "المستوفي في شرح المستصفي"، أنها عاطفة لجريان ما بعدها على ما قبلها، كقولك: رأيت أسدًا، أي شجاعًا، ونهيتك عن الونى، أي الفتور.
ورد هذا بأن حروف العطف لا يصح حذفها إلا شذوذًا، و (أي) يجوز حذفها جوازًا حسنًا، فإنك تقول في (مررت بغضنفر أي أسد): مررت بغضنفر أسد، وتستغني عن (أي) وسائر الحروف العاطفة على خلاف ذلك.
وأيضًا فإن حق العاطف أن يكون ما بعده مباينًا لما قبله، نحو: مررت بزيد وعمرو. هذا في غير التوكيد، و (أي) بخلاف ذلك.
قال المؤلف: إنها حرف تفسير، وما يليها من تابع عطف بيان موافق لما قبلها في التعريف والتنكير.
فهذه السبعة هي الساقطة عن كلامه وفي اعتقاده فليست عنده عاطفة.
стр. 2753
وما ذكر فهو الذي قال به، ولا أعلم في كونها للعطف خلاقًا إلا (لكن) فإنها مختلف فيها على حسب ما يأتي إن شاء الله في موضعه.
ولما أراد عد هذه الحروف قسمها أولًا قسمين:
أحدهما ما يأتي العطف المطلق، ومعنى ذلك أن يكون تشريك الثاني مع الأول في اللفظ والمعنى.
ويدل على هذا القصد قوله في القسم الثاني: "وأتبعت لفظًا فحسب كذا وكذا". فأشار بهذا إلى أن الأول أتبع في اللفظ والمعنى، فهو قوله: "مطلقًا".
واتى لهذا القسم بستة أحرف وهي: الواو، وثم، والفاء، وحتى، وأم، وأو.
وعطف بعضها على بعض بغير حرف عطف ضرورة، وقصر لفظ (فا) ونقل همزة (أو) إلى ميم (أم).
ثم مثل/ بالواو، وهو قوله: "كفيك صدق ووفا" أي: فيك هذان الأمران، فقد اشترك الصدق والوفاء في العامل الأول في لفظه ومعناه، فإنك إذا قلت: قام زيد وعمرو- فالقيام حاصل لهما معاً، وقد ارتفعا به على جهة واحدة.
وكذلك قام زيد ثم عمرو، وقام زيد فمرو، وقدم المسافرون حتى المشاة، فالمشاة من جملة القادمين.
وكذلك إذا قلت: أزيد في الدار أم عمرو؟ لأن قائل هذا الكلام عالم بأن الذي في الدار أحدهما، وغير عالم بتعيينه، فالذي بعد (أم) مساوٍ للذي قبله في الصلاحية لثبوت الاستقرار في الدار وانتفائه،
стр. 2754
وحصول المساواة إنما هو بواسطة (أم) فقد شركتهما في المعنى كما شركتهما في اللفظ.
وكذلك (أو) إذا قلت: قام زيد أو عمرو- مشركة لما بعدها مع قبلها فيما يجاء بها لأجله من شك أو إبهام كما في المثال، أو تخيير أو غير ذلك.
وقد تقع موقع (الواو) فيكون حكمها حكم الواو. وهذا توجيه المؤلف لـ (أو، وأم) وهي طريقته فيهما، أعني أنهما عنده يشركان في اللفظ والمعنى.
وفي هذا القسم تنبيهان:
أحدهما أن كلامه في (أم، وأو) مخالف- فيما زعم- للنحويين، إذ قد نصوا على أنهما إنما يشركان في اللفظ لا في المعنى، لأنك إذا قلت: قام زيد أو عمرو، فما بعد (أو) مخالف في المعنى لما قبلها، لان القيام حاصل لأحدهما دون الآخر بلا بد في اعتقادك، بحيث لا يعريان عنه معًا، ولا يتلبسان به معًا.
وكذلك إذا قلت: أقام زيد أم عمرو؟ فعندك أن أحدهما قائم، والآخر غير قائم، فسألت عن تعيين القائم منهما. وإذا كان كذلك فكيف يقال: إنهما يشركان في اللفظ والمعنى؟ بل صارا مثل قولك: قام زيد لا عمرو، أو: ما قام زيد لكن عمرو، إلا أن القائم في مسألتنا غير متعين، وهو مع (لا، ولكن) متعين.
وقد رأيت الأستاذ شيخنا أبا عبد الله بن الفخار، ﵀، يحكى الإجماع على هذه الطريقة، تنكيتاً منه- والله أعلم- على ما ذهب إليه ابن مالك.
стр. 2755
وقد صرح ابن مالك في "الشرح" بالمخالفة، وأن الصحيح ما ذهب إليه.
وأقول: إنه لم يتوارد مع النحويين على قصد واحد في المسألة؛ فإن النحويين إنما تكلموا على التشريك في معنى العامل المتقدم، وعلى هذا المعنى اتفقوا في (الواو، وثم، والفاء، وحتى) ولا يشك أحد أن معنى العامل- في محل النزاع- إنما هو لأحدهما دون الآخر، لكنه غير معين، وعدم التعين لا يضر في هذا القصد.
وابن مالك تكلم فيما يؤول إليه الكلام في قصد المتكلم، من عدم التعيين. وعدم التعيين لمعنى العامل قد تساوي فيه ما قبل (أو، أم) وما بعدهما.
وما ذهب إليه مأخوذ من كلام سيبويه، فإنه قال في "باب العطف": ومن ذلك: مررت برجل أو امرأةٍ، فـ (أو) أشركت بينهما في الجر، وأثبتت المرور لأحدهما دون الآخر، وسوت بينهما في الدعوى.
فقوله: "وسوت بينهما في الدعوى" هو معنى كلام ابن مالك. وقوله قيل: "وأثبتت المرور لأحدهما" هو كلام غيره، فإذا ينبغي أن يكون بينهما في المسألة خلاف، لأن إحدى الطريقتين لا تخالف الأخرى. وقد اجتمعنا في كلام الإمام، فلم يكن ينبغي للمؤلف أن يصرح بمخالفة أصلًا.
والتنبيه الثاني أن (أم، وأو) على وجهين:
стр. 2756
أحدهما أن يكونا بمعنى (بل) للإضراب: وحكمهما في المعنى حكم (بل) في أنهما من القسم الثاني الذي يشرهك في اللفظ فقط.
والآخر أن يكونا لغير ذلك، وحكمها كما قال. فيقتضي إطلاقه هنا أنهما يشركان في اللفظ والمعنى في كلا الوجهين، وذلك غير صحيح. ولذلك تحرز في "التسهيل" فقال: وكذا (أم، وأو) إن اقتضيا إضراباً، يعني أنهما كـ (بل، ولا).
والجواب أن كلامه هنا مطلق، قيده ما بعده، إذ تكلم على واحد منهما، وإذا كان مقيدًا لم يبق عليه فيه اعتراض.
والقسم الثاني ما يأتي للعطف المقيد. ومعنى المقيد أن يكون التشريك في اللفظ لا في المعنى. وهو قوله: "واتبعت لفظًا فحسب بل ولا" إلى آخره.
يعني أن هذه الأحرف الثلاثة، وهي (بل، ولا، ولكن) تتبع الثاني الأول في اللفظ خاصة، لا في اللفظ والمعنى معًا، كقولك: ما قام زيد بل عمرو، وقام زيد لا عمرو، وما قام زيد لكن عمرو.
ومثل الناظم هذا بقوله: "لم يبد امرؤ لكن طلا" قيل: أثبتت للثاني ما نفي عن الأول، و (لا) بالعكس، نفت عن الثاني ما ثبت الأول، و (لكن) بمعنى (بل) توجب للثاني ما نفي عن الأول، فأنت ترى كيف لم تشرك هذه الأحرف الثلاثة في معنى العامل أصلًا. و (الطلا) بفتح الطاء ولقصر: الولد من ذوات الظلف، وهو المراد هنا. وقد يطلق ويراد به الشخص، قاله الجوهري، وليس بمراد هنا.
стр. 2757
وقد تم تعدادها جملة، ثم أخذ في تفصيل معانيها وأحكامها، فقال مبتدئًا بالواو لأنها أم الباب:
فاعطف بواو لاحقًا أو سابقًا ... في الحكم أو مصاحبًا موافقًا
يعني أن الواو معناها في العطف الجمع المطلق من غير ترتيب ولامعية. فإذا قلت: (قام زيد وعمرو) احتمل أن يكون عمرو لاحقًا لزيد، أي قائمًا بعده، ولذلك يحسن أن يقال: قام زيد وعمرو بعده، واحتمل أن يكون سابقًا لزيد في القيام، ولذلك يصح أن يقال: قام زيد وعمرو قبله وقبله. واحتمل أن يكون مصاحبًا له في القيام، وموافقًا له في زمانه، فيكون فقيامها معًا، ولذلك يصلح أن يقال: قام زيد وعمرو معه.
قالوا: وليس فيها دلالة على شيء من ذلك، وهو نص سيبويه، ورأى البصريين والكوفيين. حكى السيرافي الاتفاق من الطائفتين على ذلك.
وبعضهم يحكى عن الفراء المخالفة في هذا، وليس بصحيح، إذ قد نص في "معاني القرآن" له على ما نص عليه غيره من/ عدم التزام الترتيب، لكن الأصوليين يحكون الخلاف في المسألة، فلعله ناشئ من جهتهم.
فمما جاء في الترتيب اللفظي موافقاً للترتيب الزماني قوله تعالى ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها﴾، وقوله تعالى:
стр. 2758
﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾، وقوله: ﴿إنا نحن نحيى ونميت وإلينا المصير﴾، وقال حسان بن ثابت ﵁:
هجوت محمدًا وأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
وذلك كثير. ومما جاء على عكس الترتيب قوله تعالى: ﴿أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم﴾، وقوله: ﴿وجاء فرعون ومن قبله﴾ في قراءة غير أبي عمرو والكسائي.
وقد اجتمع الضربان في قوله تعالى: ﴿وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم﴾.
ومما جاء على المعية قوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾، ونحو: اختصم زيد وعمرو، وجلست بين زيد وعمرو، وهذان زيد وعمرو، وما أشبه ذلك. وهو كثير.
ومعنى قوله: "في الحكم" أي في الحكم الذي حكم به المتكلم على المعطوف، من تقدم أو تأخر أو مساواة.
стр. 2759
وقد يكون ذلك الحكم لفظيًا كما إذا قلت: قام زيد وعمرو بعده، أو قلت: قام زيد وعمرو قبله، أو قلت: قام زيد وعمرو ومعه.
وقد لا يكون لفظيًا، كما إذا لم تلفظ بتلك الظروف، لكن معناها مستحضر عندك، فهو حكم منك أيضًا.
فكل ما كان هكذا فعطف بالواو فالمقصود منه (مجرد التشريك) في العامل الأول من غير تعرض لما حكم المتكلم به من غير وجه التشريك.
وتحرز بذلك من فهم السبقية في الوجود أو عدمها لا في الحكم. وليس ذلك بمراد، فإن المعتمد في الكلام حكم المتكلم بمقتضاه في الوجود، لا حصول الوجود، فقد يقول القائل: (قام زيد) اعتقادًا منه انه قام، ولم يقم. وقد يقوله كذبًا، وعلى غير ذلك، وليس في الخارج منه شيء. فلو كان ما في الخارج قيدًا في الكلام لم يكن ثم كذب ولا غلط ولا نسيان، فكذلك إذا قال: قام زيد وعمرو، قد يكون في اعتقاده أن زيدًا هو السابق لعمرو أو بالعكس، والأمر في الخارج على خلاف ذلك، فإذا قال: "في الحكم" كان متحرزًا من ذلك كله، ولم يستلزم الحكم على الخارج بأمر أن يكون كما حكم، بل قد يكون وقد لا يكون. وهذه المسألة مبينة في الأصول.
والسبقية هنا أطلقها، وهي التقدم، ولم يقيد ذلك، فكان في الكلام إبهام ما، وذلك أن التقدم والتأخر المتكلم فيه عند الأدباء، ليس الزماني خاصة. بل التقدمات كلها معتبرة عندهم على حسب المقاصد ومقتضيات الأحوال، وهي التقدم بالطبع والرتبة والشرف والسببية، ومنها التقدم
стр. 2760
بالزمان، فما الذي يخصص له تقدم الزمان وتأخره دون غيره؟ وهو الذي أراد بلا بد، إذ لا يتكلم النحويون إلا فيه.
فقد يقال: إن الناظم اتكل في ذلك على ما عند النحويين، وأيضًا فإنه أسبق إلى الذهن/ فلذلك لم يحتج إلى تنبيه لبيانه.
واخصص بها عطف الذي لا يغني ... متبوعة كاصطف هذا وابني
ضمير "بها" عائد على (الواو) يريد أن الواو تختص من بين سائر أخواتها بعطف مالا يغنى عنه متبوعة، وذلك أن من العوامل مالا يستغنى بواحد دون أن يعطف عليه غيره فذلك العطف لا يكون إلا بالواو، لأنها التي تفيد الجمع المطلق.
وأما مال عداها فلا يفيده إلا بزيادة تقتضي ترتب المعطوف على المعطوف عليه أو غير ذلك مما يناقض مقصود الجمع المراد في عطف مالا يغني متبوعة.
فإذا قلت: (اصطف هذا وابني) وهو مثال الناظم، فالعطف هنا لابد منه، لأن الفعل فيه لا يقع إلا من اثنين، فلا يقال: اصطف زيد وتسكت.
فكذلك لو قلت: اصطف زيد فعمرو، أو اصطف زيد ثم عمرو، لاقتضاء هذا الكلام انفراد كل واحد منهما بالفعل، وهو فاسد.
ومثله: اقتتل زيد وعمرو، واختصم زيد وعمرو، (وتفاخر خالد وبكر، وكذلك مخفوض (بين) إذا كان مفردًا، ولا يغني دون أن يعطف عليه، فلا يعطف عليه إلا بالواو، فلا تقول: جلست بين زيد فعمروٍ،
стр. 2761
ولا بين زيدٍ ثم عمرٍو) ولا ما أشبه ذلك، كما لا تقول: جلست بين زيدٍ - مقتصرًا، لأن المتبوع (لا يغني.
فلو كان المتبوع)، مغنيًا عن التابع لجاز العطف بالواو وغيرها، فتقول: المال بين الورثة، وجلست بين الناس، ونحو ذلك، فعلى هذا تقول: المال بين أهل الفروض فالعصبة، أو ثم العصبة، وقعدت بين الرجال ثم النساء، وما أشبه ذلك.
ون هذا قول امرئ القيس:
قفانبك من ذكرى حبيب ونزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمال
على ما سيأتي القول فيه بعيد هذا بحول الله.
стр. 2762
ومن هذا قولك: هذان زيد وعمرو، وهو لا أبوك وأخوك وابنك، فلا يصح ههنا العطف إلا بالواو، إذا لا يغني المتبوع عن التابع، فلا تقول: هذان زيد، ولا هو أبوك، مقتصرًا.
فكذلك لا تقول: هذان زيد فعمرو، ولا هو أبوك ثم أخوك ثم ابنك، وذلك أن المعطوف هنا مع المعطوف عليه في قوة الاسم المثنى والمجموع، والمثنى والمجموع مرادفان لما يقتضي معناهما من الجمع المطلق، وذلك للواو لا لغيرها، وإنما كانا في قوة المثنى والمجموع لأنهما جاريان على مثنى أو مجموع، فليس المعطوف عليه بمعتبر فيه تقديم، كما أن المعطوف لا يعتبر فيه تأخير، لأن المتبوع يطلبهما طلبًا واحدًا من غير اعتبار ترتيب ولا غيره، فالعطف بغير الواو ينافي ذلك القصد، ويقتضي أن المعطوف عليه في حكم الاستقلال، لكن ترتب عليه ما أريد ترتيبه.
وكذلك الحكم في سائر حروف العطف، لا تقول:
هذان زيد لا عمرو وهذان زيد بل عمرو، ولا اصطف هذا/ بل ابني، أو لا ابني، أو ما أشبه لك، وذلك فيه أجلي، وهذا التعليل مشار إليه بقوله: "الذي لا يغني متبوعة".
ويدخل تحته أيضًا ما كان من نحو: مررت برجلين صالح وطالح، وبرجلين مسلم وكافر، ومررت برجال كاتب وشاعر وفقيه. قالوا: وتتعين هنا دون غيرها، إذ لا يغني المتبوع عن التابع، وأنشد سيبويه:
стр. 2763
بكيت وما بكا رجلٍ حزينٍ ... على ربعين مسلوب وبال
وانشد أيضًا الحجاج:
خوى على مستويات خمس ... كركرة وثفناتٍ ملس
وأنشد لكثير:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحةٍ ... ورجل يرمي فيها الزمان فشلت
وفي قراءة مجاهد والحسن والزهري. ﴿قد كان لكم آية في ... فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة﴾، على الإتباع.
وهذا كله إذا أتبعت. وأما القطع فلا يدخل تحت هذا الحكم./ وما ذكر هنا للواو هو أحد الحكمين الخاصين بها. وسيذكر الثاني بعد.
وفي هذا الفصل نظر في أمور.
стр. 2764
أحدها أنه قد قدم قول السيرافي أنه لا خلاف في (الواو) أنها لا توجب تقديم ما قدم من لفظه، وتأخير ما أمر لفظه، غير أن المؤلف في "التسهيل" "وشرحه" زعم أن جهة استعمالها أن يكون ما قبلها متحد الزمان مع ما بعدها راجحًا، ومتأخرات الزمان عما بعدها مرجوحًا، ومتقدم الزمان على ما بعدها متوسطًا بين الاستعمالين. هذا مع التجريد من القرائن، وهذا اختياره بعد القول بأنها لا تقتضي ترتيبًا، فلا تنافي بين كلامه هنا وفي "التسهيل" (وشرحه)، وهو المعتمد في معنى (الواو).
فإن ثبت خلاف في ذلك فالدليل على صحة مذهب الناظم من أوجه، أجلاها الاستقراء والنقل عن الأئمة، وقد تقدم من ذلك أشياء.
وأيضاً فإذا ثبت عن أئمة الأدباء اعتبار غير الزمان من التقدمات، كالتقدم بالشرف والرتبة وغيرهما، وأنه لابد منه في مراعاة البلاغة، فلو اعتبر الزمان وحده لم يتمكن اعتبار غيره معه إلا إذا كان تابعًا له، وعند ذلك لا يتعين اعتبار غير الزمان، لكن ذلك باطل بالاستقراء، فما أدى إليه كذلك.
فإن قيل: اعتبار غير الزمان مجاز وعلى خلاف الأصل، والكلام إنما هو في الأصل، والحقيقة قيل: دعوى المجاز خلاف الأصل، فلا ترتكب إلا لدليل.
وقد استدل على ذلك بأمور أخر، كقوله تعالى ﴿وادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة﴾، وفي الآية الأخرى على عكس هذا الترتيب. فلو كانت (الواو) تقتضي الترتيب لتناقضت الآيتان.
стр. 2765
وأيضًا فقوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾، وقد قال الصحابة: بأيهما نبدأ؟ وهم العارفون بلسانهم، فلو كانت الواو للترتيب عندهم لم يحتاجوا إلى سؤال، إلى غير ذلك من الأدلة.
والتطويل لا فائدة فيه، والمسألة قد تتبعها الناس، ولا زائد مع الاستقراء الصحيح.
والثاني: أن قوله: "في الحكم" إن كان مفسرًا بما تقدم فيبقى عليه ما لم يحكم عليه المتكلم بتقدم ولا تأخر ولا معية/ مهمل الاعتبار، فإن المتكلم قد يكون عارفًا بقيام زيد وعمرو (وغير عارف بزمان قيامها، فيخبر بذلك فيقول: قام زيد وعمرو)، فلا يكون عندهم حكم بتقدم شيء من ذلك، فلا يدخل له هذا القسم تحت نصه، ويبقى مسكلًا عليه، حيث ذكر نوعين، وهما ما حكم فيه المتكلم بالتقدم أو التأخر أو المعية لفظًا أو نية، وترك نوعًا آخر فلم يذكره، وهو متأكد الذكر.
إلا أن يقال: إنه أراد حكم من حكم على الجملة، لا حكم المتكلم، فإن المعطوف بـ (الواو) شأنه أن يحكم عليه بأحد الثلاثة المذكورة، فالحكم راجع إلى هذا المعنى. والله أعلم.
والثالث: أنه ذكر الموضع الذي تختص به (الواو) دون غيرها، ولم يقيد (الواو) التي شأنها ذلك، وليست كل (واو) تقع في ذلك الموضع، وإنما تقع هنالك (الواو) التي يكون ما بعدها مصاحبًا لما قبلها في الحكم، فإن قولك: جلست بين زيد وعمرو- يقتضي مصاحبتهما معًا في الجلوس بينهما، ولا يصح غير ذلك.
стр. 2766
وكذلك اختصم زيد وعمرو، وسائر ما تقدم التمثيل به. هذا شرط لابد منه.
وشرط ثان، وهو أن يكون القصد الإخبار عن فعل واحد لا عن فعلين.
وبيان ذلك أنك إذا قلت: مررت بزيد وعمرو فهذا محتمل أن تكون أخبرت عن مرور واحد أشركتهما فيه، ولا يضر في ذلك كون المرور حصل من أحدهما قبل الآخر، ومعنى هذا أنك أخبرت عنهما معًا بوقوع جنس المرور منهما، ويحتمل أن تكون أخبرت عن مرور لكل واحد منهما، كأنك قلت: مررت بزيد، ومررت أيضًا بعمرو، فهما مروران، ولا يضر في هذا الوجه كون المرورين وقعًا معًا في زمان واحد، وكلا الاحتمالين موجود في الكلام، ونص عليه سيبويه وغيره.
فعلى الاحتمال الثاني لا يصح استعمال (الواو) المصاحب ما بعدها لما قبلها في تلك الأمثلة، لأنها تقتضي استئناف الإخبار عن (المرور بعمرو) والموضع لا يقتضي ذلك، بل يجب فيه اعتقاد الاحتمال الأول والجزم به، وعند ذلك يصح العطف في الأمثلة.
فهذان الشرطان لم يذكر الناظم واحدًا منهما، بل أطلق القول، فأفهم أنها يعطف بها ما لا يغني متبوعة على كل أحوالها، وليس كذلك.
والجواب عن هذا أن مراده الاختصاص بـ (الواو) دون غيرها على الجملة، فكأنه يقول: لا يقع غير (الواو) هنا. وبقى عليه العلم على أي معنى تقع (الواو) فلم يصرح به.
стр. 2767
وأيضًا فإن كلامه اقتضى هذين الشرطين، لأنه قال: "واخصص بها عطف الذي لا يغنى متبوعة" وإذا كان (الواو) غير مصاحب ما بعدها لما قبلها أغنى المتبوع معها عن التابع، لجواز الإخبار عن فعل أحدهما دون الآخر. وكذلك إذا قصد الإخبار عن فعلين، لأن الكلام إذ ذاك في تقدير كلامين، فإذا اجتمع الشرطان فعند ذلك لا يغني المتبوع عن التابع.
فإن قيل: فقد تقول: قام زيد وعمرو، مع اجتماع الشرطين، ويكون لك أن تقتصر على المتبوع فتقول: قام زيد- قيل: لا أسلم جواز/ الاقتصار، بل يكون حكمه حكم.
قوله: ﴿وجمع الشمس والقمر﴾ وما أشبه. فتأمله، والله أعلم.
وإن سلم الاحتمال في: قام زيد وعمرو- فلا يحتمل ذلك في مسألتنا. ثم قال:
والفاء للترتيب باتصال ... وثم للترتيب بانفصال
وأخصص بفاء عطف ما ليس صلة ... على الذي استقر أنه الصلة
يعني أن (الفاء) العاطفة معناها ترتيب ما بعدها على ما قبلها في الزمان كترتيب اللفظ، لكن بشرط الاتصال، ومعناه اتصال فعل المعطوف بفعل المعطوف عليه.
стр. 2768
فإذا قلت: (قام زيد فعمرو) فالقائم أولًا زيدً، وبعده عم لكن امهلة بينهما، ولا فصل بين زمانيهما إلا بمقدارٍ ما، لا يمكن الشروع في الثاني بعد الفراغ من الأول إلا به عادة، فلا يلزم أن يقال: إن الثاني متصل بالأول من غير فصل البتة، ولا تراخ قليلٍ ولا كثير، بل ما ذكر، وهو الذي ينبغي تفسير الاتصال به في كلام الناظم، وهو التحقيق عند شيخنا الأستاذ، ﵀.
قال: وقد أشار الفارسي في "الإيضاح" إلى هذا المعنى.
فقول الناظم" "باتصال" معناه الاتصال العرفي الذي لا يعد به الثاني منقطعا من الأول. وهذا يقتضي أنها لا تكون لغير ترتيب، وهو الذي عليه الجمهور.
وذهب بعض النحاة، فيما نقل، أن (الفاء) قد تكون للاجتماع كـ (الواو) فليس الترتيب يلازم لها عندهم. والاستقراء يشهد بخلاف ما قالوا.
وقد احتجوا على ما ذهبوا إليه بأشياء توهم دعواهم، منها قوله تعالى: ﴿فنادوا صاحبهم فتعاطي فعقر ﴿أي تعاطي الذنب فعقر، وتعاطي الذنب هو العقر نفسه.
وقوله: ﴿وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا ﴿الآية، لأن الإهلاك بعد مجيء البأس أو معه، لا أن مجيء البأس مرتب على الإهلاك. وقوله تعالى: ﴿ثم دنا فتدلى ﴿- المراد- والله أعلم- تدلى، يعني جبريل، فدنا.
стр. 2769
وقال امرؤ القيس:
* بين الدخول فحومل *
فأتى بـ (الفاء) وهو موضع (الواو) كما تقدم. فدل على أنها في البيت مرادفة لها.
وليس فيما جلبوا دليل.
أما قوله: ﴿فتعاطي فعقر﴾ فمعناه أن قوم قدار بن سالف نادوه، وأشاروا عليه بعقر الناقة، فتعاطي، أي تناول أمرهم وقبله، فعقر بعد تعاطي ما رغبوا فيه.
وقيل: معنى (تعاطي) قام على أطراف أصابع رجليه، ثم رفع يده فضربها، فـ (الفاء) على معناها من الترتيب.
وأما قوله: ﴿أهلكناها فجاءها بأسنا﴾ فهو على المعنى: أردنا إهلاكنا، فمجيء البأس عقيب الإرادة، والهلاك في الواقع بعد مجيء البأس، فهذا من إطلاق المسبب، وهو كثير في القرآن وكلام العرب. ومنه قوله: ﴿فإذا قرأت القرآن فأستعذ بالله﴾ وقوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ الآية.
стр. 2770
وأما قوله: ﴿ثم دنا فتدلى﴾ فقيل: معناه: ثم دنا من النبي ﷺ فتدلى، أي بقي متدليًا بعد الدنو، ولم يصل إليه، والتدلي: التعلق في الهواء، وليس
الهبوط. ومنه: دلى رجليه من السرير.
وأما بيت أمريء ألقيس:
* بين الدخول فحومل *
فإن الرواية المشهورة فيه (الواو) وهي القياس، فإذا ثبتت رواية (الفاء) فنجيزها حيث ثبتت، لا تتعدى ذلك، ولا نقيس على المسموع فيه حكم كل شاذ، قال خطاب ألماردي: وقد يجوز عندي على أن (الدخول) مكان يجوز أن يشتمل على أمكنة كثيرة، فتم الكلام، كما تقول: قعدت بين الكوفة، تريد: بين دورها وأماكنها أو طرقها، أو ما أشبه ذلك مما يشتمل عليه، فإذا جاز هذا في (الكوفة) لم يمتنع في مثل (الدخول) على مثل هذا، فجئت بـ (الفاء) على تقدير: فبين حومل، وجعلت (حوملًا) مكانا متضمنًا لأمكنة أيضا، فصار هذا كقولك: اختصم إخوتك فأعمامك، إذا كان كل فريق منهم خصمًا لصاحبه.
следующие страницы →