← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فعل الأمر مطلقًا وعلى هذا النظر يكون حصره ناقصا، وإن أراد ما هو أعم من الواجب الاستتار، والجائزة فكلامه أيضا معترض، إذ ليس في كلامه ولا تمثيله ما يشعر بذلك، وإذا كان خارجًا عنه فهو جزء من المسألة نقصه ذكره. فإن قلت: إن قوله: (ما يستتر) يحتمل أن يريد به القسمين معا. قيل: التمثيل بما يجب استتاره يرفع ذلك الاحتمال فيلزم الإشكال. والجائز الخفاء هو الضمير المرفوع فعل المفرد، مذكرًا كان أو مؤنثا، مضارعا كان الفعل أو ماضيًا، نحو: زيد قام، وهند قامت، وزيد يقوم، وهند تقوم، والمرفوع باسم فعل بمعناه كهيهات لو قلت: العقيق وأهله هيهات، وسواء في هذا الضمير الواحد والاثنين والجميع ومثله سرعان ووشكان، والمرفوع بصفة بمعناه أيضا نحو: مررت برجل حسن، وبرجل قائم، وبامرأة جميلة، وإنما كان جائز الخفاء لصحة ظهوره في الحصر بإلا، وصلاحية الظاهر في موضعه، بخلاف القسم الأول كقولك: زيد حسن وجهه، وما حسن إلا هو، وهيهات العقيق وأهله. والجواب أن يقال: يحتمل أن أراد الواجب الاستتار (والجائزة معا، ولا يلزمه اعتراض، ويحتمل أن يكون الواجب الاستتار فقط، فأما إن أراد) الأول فإنه إنما مثل بالواجب، لأنه أقعد في ذلك من الجائز، وأتى بالكاف تنبيها على ما بقى مما لم ينبه عليه بمثال، ويدل على ذلك أنه إنما قال أولا: (ومن ضمير الرفع ما يستتر) ولم يقيد ذلك بوجوبٍ

стр. 282

ولا جواز، وأيضا فإذا أمكن صرف الأمثلة إلى نوع من أنواع المستتر لم يكن التمثيل نصا في تعيين أحد النوعين، إذ معناه أن من ضمير الرفع ما يستتر هذا الاستتار، فاقتضى أن منه ما يستتر على نوع آخر وهو الجواز، إلا أنه لم يعتن بقسم الجائز الاستتار، وأما إن أراد الثاني فاللفظ صالح له. ولا سيما حين قيد ما ذكرنا بالتمثيل. فإن قيل: إن قول: (ما يستتر) كيف يعطى اللزوم مع صلاحيته لغيره؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن مراده بقوله: (ما يستتر) أي: ما شأنه الاستتار لا بمعنى أنه قد يكون وقد لا يكون، والعرب تعبر بالمضارع وتريد به الدوام من غير انقطاع كقولهم: فلان يعطى ويمنع، أي: شأنه هذا ودأبه أبدًا، فيكون/ هذا من ذلك. والثاني: أن العبارة وإن كانت مطلقة فقد قيدها، لما مثل بما يلزمه الاستتار، فدل على أن ما مثل به مراد له. والله أعلم. ولما بين الضمائر المتصلة وعددها وذكر مرفوعها ومنصوبها ومجرورها، أخذ في بيان الضمائر المنفصلة، وهو القسم الثاني (من قسمي الضمائر فقال):

стр. 283

وذو ارتفاع وانفاصل أنا هو ... وأنت والفروع لا تشبه وذو انتصاب في انفصال جعلا ... إياي والتفريع ليس مشكلا فقسم الضمائر المنفصلة إلى قسمين: قسم مرفوع، أي: هو من ضمائر الرفع، وهو الذي عبر عنه بذي الارتفاع. وقسم منصوب، أي: هو من ضمائر النصب، وهو المعبر عنه بذي الانتصاب. ولم يذكر للجر ضميرًا منفصلا؛ لأنه معدوم إذ الجار لا يقوى أن يكون في درجة الفعل، والفعل قوي فجاز تصرفه في معمولة بالتقديم والتأخير والفصل، بخلاف الجار، كان اسما أو حرفا، فلما ضعفت عن مرتبة الفعل لم يفصل منه ضميره، فكما لا ينفصل المجرور عن جاره إذا كان ظاهرًا، فكذلك لا ينفصل عنه إذا كان ضميرًا، بل الاتصال هنا أولى، وابتدأ الناظم بضمائر الرفع فقال: (وذو ارتفاع وانفصال أنا هو وأنت) أراد أنا وهو، إلا أنه حذف العاطف ضرورة، يعني أن الضمائر المنفصلة المرفوعة هذه الثلاثة وفروعها، وجعله غيرها فروعا دل على أن هذه الأصول، وذلك صحيح، فإن الأصل الإفراد، وغيره فرع عنه، والأصل أيضا التذكير، وغيره فرع عنه، والدليل على ذلك: جعلهم لما ليس مفردًا مذكرًا علامة تدل عليه في حال إسناد الفعل إليه ولذلك قال الجزولي: إذا ذكر الفعل أدرك أنه لا بد من فاعل، وأنه أقل ما يكون واحدا، وأن أصله التذكير قال: فيحتاج ما لا يدرك إلى علامة فكذلك

стр. 284

ها هنا، فـ "أنا" ضمير التكلم وحده و "هو" ضمير الغائب المذكر وحده و "أنت" ضمير المخاطب المذكر وحده، فهذه ثلاثة أقسام كلها للمفرد والمذكر، فإذا ما خرج عنها ففرع عنها، وذلك ضمير المثنى والمجموع والمؤنث، ولما كانت هذه الفروع قريبة المأخذ سهلة الانقياد إلى الفهم، اتكل الناظم على ذلك فيها، فأحال عليها إحالة مجملة لأنها لقربها في حكم المعلوم. فقال: (والفروع لا تشتبه) أي: أن فروع هذه الثلاثة غير مشتبهة ولا ملتبسة، فعليك فهمها، ويقال: اشتبه على الأمر: إذا التبس وأشكل، ومنه في الحديث: "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات" أي: مشكلات وملتبسات. فأما "أنا" فاستغنى به عن ضمير المفرد المؤنث "أنا" يقوله المؤنث على حد ما يقول المذكر، لأن تكلمه يعينه، فلم يحتج إلى دلالة على التأنيث، وأما المثنى والمجموع مذكرًا أو مؤنثًا فليس لهما إلا ضمير واحد، وهو "نحن" وأصله أن يكون للجماعة، لكنهم شركوا معه المثنى فيه؛ لأن الاثنين فما فوقهما جماعة؛ لأن كل واحد منهما قد جاء مع صاحبه فحقيقة الجمعية موجودة في المثنى، فشرك مع الجمع في الكناية/ واستغنى عن التفرقة بين المذكر والمؤنث؛ لأن تكلمة يعينه، ولقصد الاختصار بتقليل الأوضاع، وإذا استعمل "نحن" في المفرد فعلى خلاف الأصل إذ لا يطلق على المفرد إلا مع توهم الجمع، لأن الواحد لا يستحق ضمير "نحن" إلا مع التعظيم، (إما بقيامة مقام الجماعة أو اختصاصه بالجماعة في الأمر الغالب).

стр. 285

وأما "هو" ففروعه بالنسبة إلى المثنى والمجموع المذكر هما وهم وبالنسبة إلى المفرد والمجموع المؤنث هي وهن، ويشترك مثناه مع مثنى المذكر في اللفظ، وذلك هما، وأما "أنت" ففروعه بالنسبة إلى المثنى والمجموع المذكر أنتما وأنتم، وبالنسبة إلى المفرد والمجموع المؤنث أنت وأنتن، ويشترك أيضا مثناه مع مثنى المذكر، وذلك أنتما فهذه الفروع كما ترى قريبة المأخذ في الفهم من تلك الأصول، فلذلك قال: (والفروع لا تشتبه) وسكن واو "هو" لما احتاج إليه في الوصل لأن الواو والياء لا تقعان وصلا إلا ساكنين ثم قال: (وذو انتصاب في انفصال جعلا إياي) يعني أن الضمير المنفصل المنصوب جعل إياي، أي: جعلت له هذه الصيغة وهذا اللفظ، ثم قال: (والتفريع) يعني على "إياي" هذا المذكور، (ليس مشكلا) بل هو بين ظاهر في نفسه، ومما تقدم في ضمير الرفع وذلك أنه ذكر في المرفوع المنفصل ثلاث مراتب: مرتبة المتكلم: وهي المنبه عليها بـ (أنا). ومرتبة المخاطب: التي أشار إليها بـ (أنت) ومرتبة الغائب: الممثلة بـ (هو) وفرع على كل واحدة، فكذلك يكون الأمر ها هنا، فأتى بضمير المتكلم واقتصر عليه؛ لأنه يدل على مرتبة المخاطب، ومرتبة الغائب، بالإحالة على الحال في المرفوع، ولأن جميع المراتب الثلاث اللفظ فيها واحد، وهو "إيا" ولا تختلف إلا بحروف التكلم والخطاب والغيبة، في آخره، فلذلك قال: (والتفريغ ليس مشكلا) حيث أتى بـ "إيا" الداخلة في المراتب كلها أصولها وفروعها، وبحرف التكلم الدال على مرتبتي الخطاب والغيبة، وهو الياء في مثاله، فلنجر في التفريغ على ما حد، فنقول: أما المتكلم فله ضميران: أحدهما: "إياي" وهو للمفرد مذكرًا كان أو مؤنثًا، كما ذكره في "أنا"

стр. 286

في المرفوع. والثاني: "إيانا" للاثنين والجماعة في التذكير والتأنيث، كما مر في "نحن" وأما المخاطب فله خمسة ضمائر: "إياك" وهو نظير "أنت" في المرفوع، يختص بالواحد المذكر، ويتفرع عنه الاثنين "إياكما" وللجمع المذكر "إياكم" وللواحدة "إياك" ولجمعها "إياكن"، ويشترك مثناها مع المذكر في إياكما. وأما الغائب: فله خمسة ضمائر "إياه" وهو نظير "هو" في المرفوع يختص بالواحد المذكر، ويتفرع عنه الاثنين "إياهما" وللجميع "إياهم"، وللواحدة "إياها"، ولجمعها "إياهن"، ويشترك مثناها مع المذكر في "إياهما"، كما اشترك معه في المرفوع، ويتعلق بكلامه مسألتان: إحداهما: أن "إيا" في نص كالمه من قبيل الأسماء المضمرة، وهذا مذهب الخليل وسيبويه والأخفش والمازني والجمهور، وهو أحد الأقوال الثلاثة فيه. والثاني: أنه من قبيل الأسماء الظاهرة، لا من الضمائر، وهو رأي الزجاج. قال ابن جني: وحكى لي حاكٍ، عن أبي إسحاق، أراه قال: سمعته

стр. 287

يقول: وقد سئل عن معنى قوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾ ما تأويله فقال: حقيقتك نعبد، قال: واشتقاقه من الآية وهي العلامة. والثالث: أن "إيا" عماد/ للضمائر بعده، وليس باسم ظاهر ولا مضمر، بل هو كحرف زائد لا يحول بين العامل والمعمول، حكاه السيرافي وابن كسيان عن بعضهم، والأصح ما ذهب إليه الناظم ﵀ والدليل على ذلك أمور ثلاثة: أحدها: أنه يخلف ضمير النصب المتصل عند تعذره، بتقديمه على العامل نحو: إياك أكرمت، أو لإضماره نحو: إياك والأسد، أو لانفصاله بأداة حصر نحو: ما أكرم إلا إياك، أو نحو ذلك من الموجبات للانفصال كما يخلف ضمير الرفع المتصل عند تعذره ضميره المنفصل، فنسبة المنفصل في النصب من المتصل، كنسبة المنفصل في

стр. 288

الرفع من المتصل، وإذا كانت النسبة واحدة والمنفصل في الرفع ضمير باتفاق، فكذلك يجب على المنفصل في النصب أن يكون ضميرًا. والثاني: أن بعض المرفوعات كجزء من رافعه، وقد ثبت لضميره المنفصل، فثبوت ذلك لضمير النصب أولى، إذ لا شيء من المنصوبات كجزء من ناصبه. والثالث: أن "إياك" اقتصر به على ضرب واحد من أضرب الإعراب، وهو النصب، فهو إما مضمر، وإما مصدر، وإما ظرف، وإما حال، وإما منادى، ولا زائد على هذه في الاحتمال، ولم نعلم اسما مظهرًا اقتصر به على النصب، إلا ما اقتصر به من الأسماء على الظرفية، نحو: ذات مرة أو على المصدرية نحو: سبحان الله، أو على الحالية نحو: "أرسلها العراك"، أو على النداء نحو: يا عبد الله، وأما التمييز فلا يحتمله لتنكيره، فلم يبق إلا أن يكون ضميرًا، فثبت أنه اسم مضمر، لا اسم ظاهر، ولا عماد، وذلك ما أردنا. والثانية: أن الياء في "إياي"، والكاف في "إياك"، والهاء في "إياه" وسائر ما يلحق "إيا" لم يبين الناظم ما هي أهي أسماء أم حروف، إذ يحتمل كلا الوجهين على مذهبه في أن "إيا" ضمير؟ وإلى الأول ذهب الخليل، واختاره المؤلف في "التسهيل"، وإلى الثاني ذهب الأخفش

стр. 289

فيما حكاه ابن جني عن الفارسي. أما على مذهب الزجاج والمذهب الآخر فلا مرية في أنها عندهما أسماء ولا يصح غير ذلك فيها، وإنما ترك التنبيه على ذلك- والله أعلم- لأمرين: أحدهما: أنها مسألة لا ثمرة لها في الصناعة، ولا فائدة في الكلام بل الاعتقاد أن بالنسبة إلى الكلام به واحد. والثاني: تقارب الأنظار في الوجهين، وورد الإشكال على المذهبين، أما على القول بأنها أسماء مضاف إليها، فإن "إيا" مضمر كما تقدم، والأسماء المضمرة والمبهمة معارف، لا يجوز عليها التنكير، وإنما يضاف الشيء إذا قدر نكرة ليكتسب تعريف الإضافة، فإذا استحال تنكير المضمر استحالت إضافته، وإذا استحالت إضافته استحال أن تكون الكاف في "إياك"، والهاء في "إياه"، والياء في "إياي" أسماء مضافًا إليه، وأيضا فإن سيبويه قد قال: من زعم أن الكاف- يعني في "ذلك"- مجرورة الموضع انبغى له أن يقول: ذاك نفسك، فإن قال: إنها منصوبة انبغى له أن يقول: "ذاك نفسك" قال ابن الباذش: وهذا لا يقوله أحد وإن توهم الاسمية، وما قال جار في "إيا"، إذ يلزم أن يقول

стр. 290

عند اعتقاد الاسمية في الكاف والإضافة: إياك نفسك، وهذا غير منقول. قال ابن الباذش: وإنما أتى سيبويه بهذا، لأنه قد روى عن بعضهم على جهة الشذوذ تنكير المضمر، وروى الكسائي تنكير المبهم، على جهة الشذوذ/، قال: فقام من مجموع هذا أن الكاف غير اسم، مع تقدير استحالة تنكير المضمر والمبهم، ومع تقدير تنكيره على الشذوذ، وأيضا فإن إضافة "إيا" تمتنع من وجهين: أحدهما: لزوم إضافة الشيء إلى نفسه، لأن مدلوله ومدلول الكاف واحد، وذلك ممتنع. والثاني: أن الإضافة إما أن تكون إضافة تخفيف أو تخصيص، فأما قصد التخصيص فممتنع؛ لأن إيا من المضمرات، والمضمرات أعرف المعارف فلا حاجة بها إلى التخصيص، وأما قصد التخفيف فمختص بالأسماء العاملة عمل الأفعال، وهذا ليس منها، فهذان وجهان من الحجة ينضمان إلى الوجهين الآخرين، فالجميع أربعة أوجه، وأما على القول بأنها حروف، فإن غير الكاف من لوحق "إيا" مجمع على أسميته مع غير "إيا" مختلف في أسميته معها، فلا يترك ما اجتمع عليه لما اختلف فيه، ثم تلحق الكاف بأخواتها، ليجرى الجميع على سنن واحد، وأيضا فالأصل عدم اشتراك اسم وحرف في لفظ واحد، وفي القول باسمية هذه اللواحق السلامة من ذلك، فوجب المصير إليه حتى يدل على خلافة دليل، وأيضا لو لم تكن أسماء مجرورة المحل لم

стр. 291

يخلفها اسم ظاهر مجرور بالإضافة، لكن ذلك قد وجد فيما رواه الخليل من قول العرب: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب، ويروى: فإياه وإيا السوآت. وقال الخليل: لو قال قائل: إياك نفسك لم أعنفه، وهذا ظاهر في القياس عنده فدل على أن الكاف ونحوها أسماء في موضع جر بالإضافة، وأيضا لو كانت اللواحق حروفًا لم يحتج إلى الياء (في إياي كما لم يحتج إلى التاء) المضمومة في أنا، وقد احتج المؤلف بغير هذا، فلما كانت الأدلة متعارضة، على كلا المذهبين، وما من الدليل إلا ويمكن لخصمه الاعتراض عليه، ترك التنبيه على مذهبه فيها إحالة على النظر والترجيح، واله أعلم. ثم قال: وفي اختيار لا يجئ المنفصل ... إذا تأتى أن يجئ المتصل لما فرغ من الكلام في تعداد الضمائر، أخذ يتكلم على بعض أحكامها الضرورية، ومن ذلك أيضا اتصالها بعواملها وانفصالها منها، وابتدأ أولا بقاعدة عامة جملية في ذلك، وهي أن الضمير لما كان موضوعا على

стр. 292

الافتقار وعدم الاستقلال، ن كما وضع الحرف، لزمه أن يكون متصلا بغيره ليستند لفظه إليه، كما أن معناه كذلك مستند إلى غيره فأما اتصال الفاعل بفعله فلا مرية فيه، بل هو كالجزء منه، بأدلة كثيرة ذكروها، وأما المفعول الأول فيلزمه اتصاله أيضا، لأنه يليه، اتصل به مع ذلك ضمير الفاعل أولا، فإن كان لم يتصل به فلا إشكال نحو: أكرمك زيد، وإن كان قد اتصل به لم يتغير أيضا اتصال المفعول به، لأن الفعل مع الفاعل كالفعل المجرد، ألا ترى أن ضمير الفاعل قد يكون بغير علامة نحو: زيد قام، وقد يعرض لتثنية الفعل ضمير الفاعل فيصير كحرف من حروفه نحو: يضربان، فإذا جئت بعد اتصال ضمير المفعول الأول بضمير مفعول ثان، فالاتصال هو الأصل لقوة الفعل، وأنه الأصل في اتصال ضمائر المنصوبات به على الجملة، وأيضا لما كان الفعل يعمل في المفعولين ظاهرين، وفي موضعهما مضمرين وعمله فيهما لا يغير لهما لفظًا ولا معنى، وكان الاتصال أخص كان هو/ الأصل فلأجل هذا وشبه أتى بهذه القاعدة في ابتداء الفصل، وأصلها لسيبويه لكن ذكرها خاصة بالنص بضمائر النصب وذكرها بالمعنى في غيرها، فأتى بها الناظم عامة كما ترى. والمعنى فيها صحيح على الجملة، فكأنه يقول: إذا تأتى له الاتصال في الضمير فلا تنتقل إلى غيره، لأنه الأصل والقياس، إلا أنها قاعدة مجملة لا بيان فيها، لما يتصل من الضمائر بعامله، وما لا يتصلن وتفصيل ذلك على حسب مراده أن تقول: تقرر في الأصول أن أصل

стр. 293

العمل الطلب الاختصاصي، وإنما يوجد ذلك مطلقًا في الأفعال، إذ لا فعل إلا وهو عامل، ثم يليها الحروف، لأنها تطلب بأنفسها الجر في الأسماء، والجزم في الأفعال، ولم تستحق ذلك بشبه، ثم يليها الأسماء، لأن أصلها ألا تعمل، إذ هي مطلوبة في الأصل لا طالبة وإنما تعمل في الغالب بالشبه بالفعل كاسم الفاعل والمفعول، أو بالنيابة عنه كاسم الفعل والمصدر أو بالنيابة عن الحرف كالمضاف، وهذه قاعدة بيانها في غير هذا الموضع، فإذا تقرر هذا فالأصل في كل مضمر طلبه عامل أن يتصل به، لما تقدم أول المسألة، فأما الأفعال فيتصل بهام عمولاتها على الجملة كما مر. وأما الحروف فما كان منها طلبه بحق الأصل فكذلك، ويجري مجراهما ما أشبههما، فالحروف تجرى في هذا مجراها الأسماء المضافة، من حيث هي مضافة، لأن معنى حرف الإضافة معها قائم، فكما تقول لي ولك وله، كذلك تقول: غلامي وغلامك وغلامه، والأفعال أيضا يجرى مجراها من الأسماء: ما أدى معناها، عمل عملها على التمام، من غير اعتبار بلفظ الاسم، كأسماء الأفعال، ولا سيما ما كان منها على فعال، فكما تقول: اتركها، كذلك تقول: تراكها، وكذلك ما أدى معناها وعمل عملها لكن مع اعتبار لفظ الاسم، كاسم الفاعل والمصدر والموصول، فالحكم الأصلي فيه الاتصال أيضا، فتقول: أنا مكرمه كإكراميك، كما تقول: أنا مكرمه كما أكرمك، ويجرى مجراها من الحروف أيضا ما أشبهها كإن وأخواتها فتقول: إنه القائم، كما تقول: ضربه القائم فهذه الجملة يتأتى (لك فيها) الإتيان بالمتصل، فلا يصح أن يؤتى فيها بالمنفصل، إذا لا موجب لذلك، وفي ضمن هذا الكلام أنه إذا لم يتأت

стр. 294

الإتيان بالمتصل، فلا بد حينئذ من الإتيان بالمنفصل، ولا يكون ذلك إلا لمانع منع من الاتصال، فإن طلب العامل باق كما كان، والموانع التي تنمع من الاتصال بالاستقراء ستة: أحدهما: أن يكون العامل غير ملفوظ به، إما لكونه معنويًا نحو: أنا قائم، وإما لكونه محذوفًا نحو: إن أنت قمت أكرمتك فالعامل هنا لم يكن لفظيًا لم يتأت اتصال الضمير به، إذ الاتصال حكم لفظي. والثاني: أن يقع بين الضمير وعامله فاصل، لا يتأتى وقوعه إلا هنالك كإلا في الحصر، نحو: ما قام إلا أنا، أو "إما" نحو: قام إما أنا وإما زيد، واللام الفارقة نحو: إن قمت لأنت وإن قعد لأنا، أو متبوع نحو: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ فالضمير في هذه ونحوها لا يمكن اتصاله للفاصل الواقع بينه وبين معموله. والثالث: أن يتقدم الضمير على عامله لموجب اقتضى ذلك نحو: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾. فإن موضع الاتصال آخر الفعل، لا أوله/ فكان الاتصال مع قصد التقديم غير متأت. والرابع: أن يقع اللبس بالاتصال، كما إذا كان الضمير مرفوعًا بصفة جرت على غير من هي له، نحو: مررت برجل ضاربه أنا، فلو اتصل الضمير لأوهم أن الضارب هو الرجل لا أنت، فلم يكن بد من انفصال، ومثله إذا التبس أحد المفعولين بالآخر مع الاتصال في باب

стр. 295

أعطى، فإن الحكم البدء بالآخذ، كما يفعل في الأسماء الظاهرة، فإن كان الآخذ غائبا والمأخوذ مخاطب أو متكلم وجب الفصل، وكذلك إن كانا غائبين، نحو قولك لعبدك: غلامي أعطيته إياك، وأنت تريد أنك المعطي، لأنك لو وصلت لوجب تقديم المخاطب، فكان اللبس موجودًا، فلم يكن بد من الفصل، وقد علل المؤلف بهذا النحو وجوب الانفصال في نحو: علمتني إياي. قال: ولأن اتصالهما يوهم التكرار، يريد فيقع اللبس لذلك. والخامس: كون العامل لم يتحقق له شرط العمل، وهو الطلب الاختصاصي أو استحكام الشبه. فالأول كالنائب عن العامل، مثل "يا" في النداء، فإنك تقول: يا إياك، أو يا أنت، ولا تقول: ياك، وكذلك "ما" الحجازية إذا قلت: ما أنا قائما ولا في نحو: ... لا أنا باغيا ... سواها ... ... و"إن" في نحو: إن هو مستوليا على أحد

стр. 296

فإن هذه الأشياء ليست مختصة بعمولاتها أما النائب فإنما اختص من حيث النيابة، وأما "ما" وأخواتها فلدخولها على الأسماء والأفعال فلم تقو في الطلب قوة ما نابت عنه، أو ما أشبهه، فكأنها غير طالبة، فصارت ضمائرها في حكم ما ليس بمطلوب لعامل، فلم يكن الاتصال. والثاني: كخبر "إن" وأخواتها، فإن منفصل أبدا من جهة أن الحروف أصلها أن لا تعمل في معمولين، وأن لا تعمل رفعا لاختصاص ذلك بالفعل لكن لما أشبهت الأفعال عملت عملها معكوسا، ومن شأن المشبه بالشيء أن لا يقوى قوته، ولا يقوم في كل شيء، وقد وجدنا من الأفعال الماضية ما ينفصل عنه منصوبه، وإن كان واحدا كباب "كان" حسب ما يذكره الناظم، فلا يلزمه اتصال الضميرين معا، ضمير الرفع وضمير النصب، فهذا أولى لضعفه عن مقاومته فوجب الانفصال. والسادس: قبح اللفظ في الاتصال، وذلك نحو: أعطيتكك ومنحتنيني ومنحتهوه وظننتنيني وما أشبه ذلك، فإن العرب تراعي قبح اللفظ فتجنبته كما قالوا في كان: وإن زيدا لقائم ونحو ذلك، هذه هي الموانع المعتبرة عندهم فحيث وجد واحد منها امتنع الاتصال، إلا أنه قد توجد موانع أخر تمنع لزوم الاتصال خاصة، من غير أن توجب انفصالا، فيجوز الوجهان، وهي التي نبه عليها في قوله: (وصل أو افصل هاء سلنيه ... ) إلى آخره فتلخص من هذه القاعدة ثلاثة أقسام:

стр. 297

واجب الاتصال: وذلك إذا تاتى الاتصال بغير عارض. واجب الانفصال: وذلك إذا لم يتأت الاتصال ولم يمكن. وجائز الاتصال والانفصال: وذلك إذا تأتى الاتصال، لكن منع من لزومه مانع، وكلها أشار إليها الناظم كما ترى، إلا أنه لم يذكر السبب في عدم التأتي لبيانه، وأشار إلى ذكر السبب في جواز الوجهين مع التأتي، على حسب ما يفسر إن شاء الله. وقوله: (وفي اختيار) تنبيه على أنه قد يأتي المنفصل حيث/ يتأتى المتصل بلا مانع وذلك في الضرورة نحو ما أنشده سيبويه لحميد الأرقط: إليك حتى بلغت إياكا ووجه الكلام أن يقول: "حتى بلغتك" وقال الفرزدق: بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت ... إياهم الأرض في دهر الدهارير

стр. 298

أراد ضمنتهم الأرض وأنشد النحويون أيضا: وما أصاحب من قوم فأخبرهم ... إلا يزيدهم حبا إلى هم فـ "هم" الآخر فاعل يزيد، أراد إلا يزيدون أنفسهم حبا إلي، وأنشد الفارسي قول الآخر: أصرمت حبل الوصل أن صرموا ... يا صاح بل صرم الحبال هم

стр. 299

أراد بل صرموا الحبال وهذا ونحوه مما يحفظ ولا يقاس عليه، وقد نبه الناظم على الشذوذ في آخر الفصل. فإن قيل: إن موضع الضرورة لا يتأتى فيه الإتيان بالمتصل، فإنه لو تأتى لم يسغ الإتيان بالمنفصل، وأيضا لا معنى لاضطرار إلا عدم تأتي المجيء بالمتصل، فإذا كان كذلك فكيف يقول الناظم على ما اقتضاه مفهوم كلامه، لأن الاضطرار يبيح الإتيان بالمنفصل في الموضع الذي يمكن فيه الإتيان بالمتصل، بل ظاهر هذا الكلام التناقض؟ فالجواب: أن يقال ليس معنى التأتي أن يستقيم الوزن بالمتصل والمنفصل مثلا، ثم يجاء بالمنفصل عوضا منه، وإنما معناه أن الموضع الذي وقع فيه هذا الضمير يمكن على الجملة أن يتصل فيه الضمير لا من حيث هو شعر، بل من حيث أنه خال عن الموانع الموجبة للانفصال أو المخيرة فيه، فقول الشاعر مثلا: (قد ضمنت إياهم الأرض) متأت على الجملة أن يقع فيه المتصل، لأن ضمير النصب لم يتقدم ولا فصل بينه وبين معمول فاصل، ولا فيه شيء مما تقدم، فهو على الجملة مما يسع فيه أن يقول: ضمنتم الأرض كذلك ما أشبهه من الشذوذات، لكن من الضرورة تقتضى مقتضاها مما هو خارج عن الموانع المتقدمة بخلاف ما إذا قلت: هو قائم، فإن "هو" هنا لا يتأتى فيه الاتصال إذ ليس له ما يتصل به، وكذلك: (إياك نعبد) إذ كان ما يتصل به مؤخرا عنه وجميع ما فيه مانع من الموانع

стр. 300

المذكورة هذا شأنه، وأما "ضمنت إياهم الأرض" فليس له في نفسه مانع، لأن وقع في موضع يجب فيه الاتصال وإنما الضرورة أمر طارئ على الكلام، وهو إقامة الوزن، والناظم إنما اعتبر الكلام في نفسه، فكلامه صحيح. ثم أخذ في ذكر القسم الذي منع من لزوم الاتصال فيه مانع مع تأتيه فقال: أوصل أو أفصل هاء سلنيه وما ... أشبهه في كنته الخلف انتمي كذاك خلتنيه واتصالا ... اختار غيري اختار الانفصالا فذكر مواضع ما يتأتى في الاتصال، ومع ذلك جيء فيها بالضمير منفصلا في أحد الوجهين، ويشملها أن يقال: كل ضمير ولي ضميرا قبله متصلا بفعل منصوبا مطلقا، أو مرفوعا من باب كان فقط، فهذا هو الذي خير الناظم في وصله وفصله، وهو الهاء في أمثلته المذكورة، لكن على الشرط الذي ينكره بعد هذا، وحصر ذلك في ثلاثة أبواب ذكرها: أحدها: باب أعطى، وهو الذي أشار إليه بقوله: (سلنيه) لأن سأل فعل يتعدى إلى/ معفولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر. والثاني: باب "كان" وهو المراد بتمثيله بـ (كنته). والثالث: باب "ظن"، وهو المنبه عليه بقوله: (خلتنيه) لأن خلت يتعدى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، وابتدأ بباب أعطى فقال: (وصل أو افصل هاء سلنيه وما أشبهه "يعني أنه مخير في

стр. 301

وصل هاء سلنيه وفصله، فإن شئت أتيت به متصلا بعامله يلي الياء التي هي ضمير المفعول الأول، وإن شئت أتيت بالضمير المنفصل عوضا عن الهاء فتقول: التوب سلنيه، وسلني إياه، وكذلك أشبهه مما كان من باب "سل" وإليه يعود الهاء في (وما أشبهه)، أي: وما أشبه سلنيه نحو: أعطى وكسا، تقول: الدرهم أعطيتكه، وأعطيتك إياه، والثوب كسوتكه، وكسوتك إياه، ومن الاتصال قوله تعالى: ﴿أنلزمكموها وأنتم لها كارهون﴾ وقوله: ﴿وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا﴾، ومن الانفصال قول النبي ﵇: "فإن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم" ولم يرد بقوله: "هاء سلنيه" خصوص الهاء، وإنما أراد المفعول الثاني لسلنيه كان هاء أو غيرها، فيجرى مجرى ذلك ما إذا قلت لعبدك زيد: سألنيك وكذلك سألنيها وما أشبه ذلك، والاتصال هنا جار على الأصل الذي قدمه. وأما الانفصال فمخالف له، فلذلك اختار هنا الاتصال الذي أشار إليه بالتقديم حين قال: (وصل أو افصل) والله أعلم. والنظر هنا إنما هو في المفعول الثاني، أما الأول فلا نظر في وجوب اتصاله، ولذلك قال: (هاء سلنيه) فعين للكلام الثاني ولم يتعرض للأول، ثم ذكر باب "كان" فقال: (في كنته الخلف انتمى) أراد: وفي كنته الخلف، فحذف حرف العطف وذاك كثير في كلامه، وقد تقدم الاستشهاد عليه، وهو على حذف مضاف تقديره: وفي هاء "كنته" لأن الكلام إنما وقع له في الهاء، وليس كلامه في نفس "كنته" ولا في ضميريه جميعا، لكنه حذف ذلك المضاف لتقدم الكلام في مثله، وهو "هاء" "سلنيه"، وكذلك

стр. 302

قوله: "كذلك خلتنيه" أي: هاء خلتنيه، وإتيانه بالمثال المعين من غير أن يقول: وما كان نحوه ولا ما أشبهه، لا يدل على أن الخلاف الذي ذكر مختص به، بل يريده وما كان مثله من بابه فكما جرى الخلاف في "كان"، كذلك جرى في أصبح، وأمسى وظل وصار، وسائر أفعال الباب، وكذلك قوله إثر هذا: (كذاك خلتنيه) أي: ما كان من بابه، ودل على أن مراده هنا ذاك قوله في (سلنيه، وما أشبهه) و (الخلف) أراد به الخلاف، وعادة المتأخرين استعمال لفظ (الخلف) مرادفا لمصدر خالفه في كذا مخالفة وخلافا، ولست منه على تحقيق أنه استعمال لغوي، والخلف المشار إليه بين النحويين أن سيبويه يختار الانفصال في باب "كان" والناظم ومن أخذ هو بمذهبه يختار الاتصال على ما يتقرر بعيد هذا إن شاء الله. ثم ذكر باب ظننت فقال: (كذاك خلتنيه) أي: إنه مثل (كنته) يعني في كونه مختلفا في اختيار اتصاله أو انفصاله، فسيبويه يختار الانفصال والناظم اختار في هذا النظم الاتصال، في المسألتنين معا: مسألة (كنته) ومسألة (خلتنيه) وهو قوله: (واتصالا اختار) خلاف ما ذهب إليه في "التسهيل"/ فإنه اختار في مسألة (خلتنيه) ما اختاره سيبويه من الانفصال، وفي مسألة (كنته) ما اختاره هنا. فأما وجه اختياره الاتصال في (كنته) فمن جهة القياس والسماع. أما القياس: فما تقدم في القاعدة الأولى، من أنه لا يجاء بالمنفصل مع إمكان المجيء بالمتصل، وقد أمكن هنا، فهو الذي

стр. 303

كان يجب، وأيضا، فاسم "كان" وخبرها مشبهان بالفاعل والمفعول، وقد بسط سيبويه في باب "كان" بسطا شافيا، أن "كنته" شبيهة بضربته وضربته لا يجوز فيه إلا الاتصال، فكذلك كنته، فهو أولى بالاتصال من باب سلنيه فإنه لم يساو باب ضرب في وجوب الاتصال من أجل سماع، فلا أقل من أن يكون راجحا. وأما السماع: فإن الاتصال ثابت نظما ونثرا، فمن النثر ما في الحديث من قوله ﵇ لعائشة ﵂: "إياك أن تكونيها يا حميراء"، وقوله ﷺ لعمر ﵁ في ابن صياد: "إن يكنه فلا تسلط عليه وإلا يكنه فلا خير لك في قتله" وفي الحديث: "كن أيا خيثمة فكانه". وقال بعض العرب: "عليه رجلا ليسنى"، حكاه سيبويه، وحكى عن بعض العرب الموثوق بهم أنهم يقولون: ليسنى، وكذلك كانني. ومن النظم قال أبي الأسود الدؤلي (أنشده سيبويه): فإلا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غنته أمه بلبانها

стр. 304

وأنشد السيرافي: قال: أنشدنا أبو بكر بن دريد: عددت قومي كعديد الطيس ... إذ ذهب القوم الكرام ليسي وأما الانفصال فلم يأت إلا في النظم نحو ما أنشده سيبويه من قول الشاعر: ليت هذا الليل شهر ... لا نرى فيه هريبا ليس إياي وإيا ... ك ولا نخشى رقيبا أو في الاستثناء، نحو: أتوني ليس إياك، ولا يكون إياك، وهذا قد يتعين انفصاله لإجراء "ليس" و"لا يكون" في باب الاستثناء مجرى "إلا" لوقوعها موقعها فلا يقاس على ذلك، وأما وجه اختيار الاتصال في (خلتنيه) فلأن باب ظننت مشبه في العمل بباب أعطيت، فإذا كان باب أعطيت يلزم فيه الا تصال على ظاهر سيبويه لما تقدم من القاعدة، فلا أقل من أن يكون الاتصال

стр. 305

فيما أشبهه راجحا إن لم يكن لازما. وأعلم أن الجمهور على ما ذهب إليه سيبويه، فإن السماع معه وهو الأصل للقياس، ولذلك قال: قف حيث وقفوا ثم فسر، فالقياس إذا وجد السماع بخلافه متروك، وقد وجه سيبويه وغيره رجحان الانفصال في (كنته) و (خلتنيه)، فأشار سيبويه في (كنته) إلى أن المضمرات لم تستحكم مع هذه الأفعال التي هي "كان" وأخواتها، إذ ليست بأفعال حقيقة، وإنما هي أدوات دالة على الزمان فلم تبلغ بسبب ذلك مبلغ باب ضرب، وزاد السيرافي ثلاثة أوجه: أحدها: أن "كان" وأخواتها أفعال دخلن على المبتدأ والخبر، والخبر يكون فعلا وجملة وظرفا غير متصرف نحو: زيد قام، وزيد أبوه منطلق، وزيد عندك فلما كانت هذه الأشياء لا يجوز إضمارها ولا تكون إلا منفصله من الفعل اختير فيما يمكن إضماره الخروج عن الفعل أيضا. والثاني: أن الاسم والخبر كل واحد منهما منفصل عن الآخر، غير مختلط به/ فإذا وصلنا ضمير الخبر جاز معه أن يضمر الاسم، إذ هو الأصل في الإضمار، من جهة أنه كالفاعل، فيؤدي إلى أن يكون الخبر مختلطا مع الاسم، وغير منفصل عنه، وذلك نقص الغرض. والثالث: أنا لو وصلنا ضمير الخبر بضمير الاسم والفاعل والمفعول في هذه الأفعال لشيء واحد، لزم أن يتعدى فعل الفاعل إلى نقسه متصلا وذلك لا يكون، وإنما يتعدى إليه منفصلا، وإنما جاز ظننتني لأن هذا الباب لا يقع على المفعول الأول حقيقة، فلم يعتد به، وإنما المعتد الثاني. وأما باب "خلتنيه" فإنما اختير فيه الانفصال

стр. 306

- على ما ذكره سيبويه- لأن حسبت بمنزلة "كان"، وإنما تدخلان على المبتدأ والمبني عليه فيكونان في الاحتياج على حال، ألا ترى أنك لا تقتصر على الاسم الذي يقع بعدهما، كما لا تقتصر عليه مبتدأ، فالمنصوبان بعد "حسبت" بمنزلة المرفوع والمنصوب بعد "كان"، و"ليس"، وكذلك الصروف التي بمنزلة "حسبت" و"كان": لأنهما إنما يجعلان المبتدأ والمبني عليه فيما مضى يقينا أو شكًا، وليس بفعل أحدثته منك إلى غيرك، كضربت وأعطيت إنما يجعلان الأمر في علمك، أو فيما مضى، هذا نص سيبويه، وهو مشير إلى ما تقدم. والناظم نبه على تأكيد الاتصال عنده يقوله: (واتصالا أختار) فقدم المفعول إشعارًا بذلك. ثم قال: (غيري اختار الانفصالا) والغير هنا هم الجمهور، وهذا دليل على أن له في المسألة مستندًا قويًا، وسماعًا يرجع إليه، وقد أشار إلى القياس أول المسألة، وبين في "شرح التسهيل"، مستنده من السماع وأنه الحديث أما القياس المتقدم فصحيح، ما لم يعارضه ما يهمل حكمه، وقد وجد. وأما السماع فقد تضمن عهدته نقل الجمهور، ويبقى النظر في اعتماد الناظم على الاستشهاد بالحديث، وليس بمستند عند الجهور من أهل اللسان وهي مسألة أصوليه لا يسعني الآن ذكرها، ولعلها تذكر في موضع هي به أخص من هذا الموضع والله المستعان، وعلى الناظم بعد في هذا الفصل

стр. 307

درك من خمسة أوجه: أحدهما: أن قوله: "في كنته الخلف انتمى" لم ينص فيه على موضع الخلاف، فإنه محتمل أن يريد الخلف في اختيار أحد الوجهين الجائزين ويحتمل أن يريد به الخلف في جواز الوجهين، والذي قصد منها هو الأول لكن مساقه يدل على الثاني، لأنه خير أولا في الفصل والوصل، ثم قال: و (في كنته الخلف) فاقتضى أن الخلف إنما هو فيما تقدم ذكره من التخيير، فكان بعضهم يخير بين الوجهين في "كنته" وبعضهم لا يقول بذلك، وهذا الخلف هكذا لا أعرفه، بخلاف الاحتمال الأول، فإنه مقول به كما تقدم. والثاني: أنه ذكر الخلف في الموضعين الأخيرين، وترك ذكره في باب "سلنيه" والخلاف فيه موجود، لكن على وجه آخر، فإن السيرافي أجاز الوجهين، وحكى ذلك عن بعض النحويين، وهو الذي نص عليه الناظم هنا، وظاهر كلام سيبويه لزوم الا تصال، إذ لم يعرج على خلافه، وذلك لقوة الفعل وأنه الأصل في اتصال الضمائر/ المنصوبات به، وأن الاتصال أخص، وإذا ثبت الخلاف في المواضع الثلاثة فذكره إياه في الموضعين وتركه له في الثالث موهم عدم الخلاف فيه، وهذا إخلال. والثالث: أن إطلاقه القول في باب (كنته) ظاهر في شمول ذلك الحكم لكان وأخواتها وهو صحيح فيما عدا "ليس"، وأما "ليس" فحكى ابن هانئ عن النحويين الاتفاق على أن الاتصال فيها ضعيف. قال: فلو قلت: لسته على حد كنته لم يكن صوابًا. ومن الشاذ قولهم:

стр. 308

"عليه رجلا ليسنى" ووجهه في القياس ظاهر، فإن ليس في معنى الحرف لتعريها عن الدلالة على الحدث والزمان، وكلام الناظم، يقتضى القياس في الا تصال وإن كان الانفصال هو المختار ويقتضى أن الخلاف متقرر فيها، والأمر في كلا الفصلين على خلاف ما قال حسبما ذكره ابن هانئ ففي إطلاقه ما ترى. والرابع: أن قوله: (واتصالا اختار) أراد في باب (كنته)، وفي باب (خلتنيه) أما باب (خلتنيه) فما اختار فيه من الاتصال ممكن أن يختاره مختار لوجوده في كلام العرب نثرًا، وإن كان قليلا عند سيبويه وأما باب (كنته) فما اختار فيه من الاتصال يقتضى أن الانفصال جائز أيضا في القياس، إلا أنه قليل في السماع، فغيره أحسن منه، وهذا عنده غير مستقيم؛ لأن الانفصال على ما قرره في "شرح التسهيل" إنما هو مخصوص بالشعر وبليس ولا يكون في باب الاستثناء وكلاهما لا يقاس عليه عنده كما تقدم ذكره، فعنه نقلت هذا المعنى، وإذا كان كذلك لم يصح على مذهبه في كنته إلا الاتصال فكيف يقول: (واتصالا اختار) فيأتي بعبارة مشعرة بجواز الوجه الآخر، لا يقال إنه اختار الاتصال، بمعنى أنه لا يجيز غيره، لأنا نقول يرد عليه. قوله: (غيري اختار الانفصالا) أو لأنه لا يمشي له في (خلتنيه) فتأمله، وهذا الاعتراض لازم له أيضا في كتابه "التسهيل".

стр. 309

والخامس: أنه قصد في هذا المختصر ذكر الضروري والمشهور من قوانين النحو، وقد ترك من الضروري والمشهور أِشياء كثيرة وضابطها على التقريب والإرشاد إلى من طلب الاستقصاء أن نقول: العوامل التي يمكن اتصال الضمائر بها ثلاثة أنواع: أفعال وحروف وأسماء. فأما الأفعال فيتصل بها فاعلوها، وما أشبه فاعليها، كاسم كان وعسى. وأما المفاعيل فكذلك إلا ما استثناه الناظم من خبر "كان"، وثاني مفعولي "أعطى" و"ظن"، ولا عبرة هنا بخبر "عسى"، إذ لا يكون ضميرًا، وإن فرض ذلك فهو مثل "كان"، ولا بثالث المنصوبات في أعلم، لعدم التكلم به، وإن كان فالانفصال فيه واجبًا لعدم تأتيه قياسًا، فهذا لا نوع مستوفى في النظم فلا اعتراض به. وأما الحروف فثلاثة أضرب: ضرب عمل بالأصالة، وذلك حروف الجر فيتصل بها ضمائرها عملًا بالقاعدة الأولى، وضرب عمل بشبه الفعل الحقيقي، وذلك "إن" وأخواتها، فيتصل بها منصوبها عملا ً بالقاعدة ولا يتصل بها مرفوعها لعدم التأتي كما مر، وضرب عمل بشبه ما أشبه الفعل غير الحقيقي، أو بشبه الحرف المشبه للفعل "كما" و"لا" العاملتين عمل "ليس"، فلا يتصل بها شيء لعدم التأتي قياسًا، فهذا الاعتراض به/ أيضًا من جهة ما تقدم له من القاعدة المذكورة أولا. وأما الأسماء فهي على ضربين: ما يعمل بمعنى الإضافة، فهذا يتصل به معموله وهو واحد أبدًا، كحرف الجر، وما يعمل بجريانه

стр. 310

مجرى الفعل وهذا ينقسم إلى ما يعمل بكونه وضع موضعه في الأصل، أو ناب عنه في الاستعمال، أو تضمن معناه وجرى على لفظه، فهذه ثلاثة أقسام فالأول: أسماء الأفعال وحكمها حكم أفعالها، فكما تقول: اتركها كذلك تقول: تراكها من إبل تراكها وكما تقول: امهله، كذلك تقول: رويده، إلا أن هذا القسم إذا كان وضعه وضع الفعل استعماليًا حتى لحق بالوضعي كعليك ودونك وإليك فإن الوجهين فيه جائزان فتقول: عليكه وعليك إياه، ودونكه ودونك إياه، نص على ذلك سيبويه، وقد جعل بعضهم من هذا رويد، فأجاز رويد إياه، ولم يذكر سيبويه فيه إلا الاتصال، وإنما اعتبر فيه سيبويه أنه اسم فعل بالوضع الأول كـ "تراك"، واعتبر غيره أنه ليس بالوضع الأول، وإنما هو من قبيل "عليك" و"لديك"، ألا تراه يستعمل مصدرًا نحو: رويدًا زيدًا، وأما ما ناب عن الفعل استعمالًا فذلك المصدر الموصول فيجري أيضا مجرى

стр. 311

الفعل في اتصاله الفاعل به وحده، أو المفعول به وحده، على لفظ المضاف إليه، فإذا اجتمعا اختير الانفصال، كقولك: أعجبني إكرامي إياك، وجاز الاتصال أيضا نحو: وكان فراقيها أمر من الصبر وقال: ومنعكها بشيء يستطاع

стр. 312

وأما ما جرى على الفعل وأشبهه لفظًا ومعنى حتى استتر فيه الضمير المرفوع فإنه يجرى في اتصال الضمير به مجرى فلعله فتقول: أنا معطيكه وأنا ظانكه وتفصل الثاني إن شئت وهو أولى من الفعل، ولم أنكر هنا الصفة المشبهة وأفعل التفضيل لدخولها في النوع الأول. فأنت ترى أن شيئًا من أقسام هذا النوع لم يشر إليه الناظم مع تشعب أضربه واختلاف أحكامها فيه زائدًا على كونه ضروري الذكر والاعتراض عليه في "التسهيل" وارد أيضا. والجواب عن الأول: أن موضع الخلاف قد بينه بما يرفع ذلك الاحتمال ويزيح الإشكال بقوله حين حكى الخلف في الموضعين (واتصالا اختار غيري اختار الانفصالا) فبين أن الاختلاف إنما هو في اختيار الوجهين لا في غير ذلك وهو ظاهر. والجواب عن الثاني: أن الخلاف في باب (سلنيه) غير متقن، وذلك أن سيبويه لما ذكر الاتصال لم يحك غير ولا نفاه، بل سكت عنه، والسكوت لا يقتضى نفي السكوت عنه بلابد، فلما كان كذلك كان غير سيبويه قد أجاز الوجهين وليس ذلك الأنباء على السماع، وقد وجده الناظم في الحديث في قوله ﵇: إن الله ملككم إياهم- والحديث عنده عمدة في الاستشهاد به- بني على إطلاق الوجهين من غير إشارة إلى خلاف حيث لم يتحقق له خلاف. والجواب عن الثالث: ما ذكره شيخنا الأستاذ أبو عبد الله بن الفخار- ﵀ فيما نقله عنه شيخنا الأستاذ أبو عبد الله البلنسي-

стр. 313

حفظه الله- أن ابن/ مالك لم تدخل به "ليس" في كلامه، لأنه إنمام مثل بـ "كان" وما كان نحوها، وهي فعل متصرف، فلا ينتظم المثال إلا ما كان منها متصرفًا فخرجت "ليس" عن مراده وإشارته بهذا الاعتبار، فلا اعتراض عليه بما لم يتضمنه كلامه، وقد يقال: إن هذا الجواب غير كافٍ فحسب مراد ابن مالك فإنه جعل قول العرب "ليسنى" حجة في ثبوت الاتصال، كما تقدم بيانه، وأيضا فكذلك فعل سيبويه إذ لم يفرق بين الفعلين، أعني بين "كان" و"ليس" بل جعل السماع في كل واحد حجة للآخر، وإذا ثبت هذا من مذهبه ومذهب غيره كان مؤذنًا بأن "ليس" عنده داخلة في حكم "كان"، وإذ ذاك يبقى السؤال كما كان، ولعل الجواب أن الإجماع الذي ذكره ابن هانئٍ في "ليس" وحدها أن الاتصال فيها ضعيف، وغير مقيس، فيه نظر، إذ النحويون إذا ذكروا في هذا الباب "كان" ذكروا معها "ليس" على مساقٍ واحد، فإن كان في "ليس" إجماع فهو في "كان" وبالعكس، وإن كان اختلاف ففيها جميعا لكن ابن هانئٍ يسلم في "كان" وقوع الخلاف، فليسلمه كذلك في "ليس" وإن فرضنا أن الأمر في "ليس" كما قاله، من الاتفاق فالاعتراض على ابن مالك لازم له والله أعلم. والجواب عن الرابع: أن ذلك الاعتراض إنما يلزمه على كلامه في "التسهيل" حيث شرحه بمقتضى ذلك التقرير، أما في هذا

стр. 314

الموضع فلا يلزمه إذا لعله لم ير هنا من الاحتجاج ما رأي هنالك، بل أثبت السماع بالاتصال وأتكل في نقل الانفصال على غيره، إلا أنه مال به نحو القلة، وهذا هو الظاهر، وعليه يحمل رأيه هنا، والله أعلم. والجواب عن الخامس: أن الحاصل من مقصده بمقتضى كلمه أنه لم يصرح بالكلام على ما يخالف تلك القاعدة إلا في الأفعال، وترك ما عداها في محل النظر، إذ قد يدرك مما ذكر من الانفصال في هذه الأعمال على تجرى فيما لم يذكر، وذلك أن علة الانفصال فيما ذكر أمران: أحدهما: معارضة السماع، كما عارضنا في باب سلنيه. والثاني: كون الفعل المتصل به الضمير لم يتحقق في باب الأفعال كما تقدم، في (كنته) و (خلتنيه) فصارا كأنهما أداتان، أو قريب من الأداتين، والأدوات لا أصل لها في هذا العمل المعين، فلم يستحكم الضمير في الاتصال بهما لذلك، وقد يقال أن علة الانفصال في (سلنيه) بعد ورود السماع هو (التشبيه) بباب (ظننت) فيحمل عليه في جواز الانفصال، وقد يحمل الفرع على الأصل فيما هو أصل في الفرع فرع في: الأصل، فإن علة الانفصال في باب "ظننت" مستحكمة، فاقتضت معلومها بحكم الأصل، ثم حمل عليه باب "سألت" فخرج عن أصل الاتصال إلى الانفصال، وعلى هذا تتخذ علة جواز الانفصال، وإذا ثبت هذا انبنى النظر في (فراقيها) و (تاكها) و (معطيكه) على ذلك، فإن الأسماء لها جهتان: جهة تقتضى الانفصال، إلا في ضمير واحد يجرى مجرى المضاف إليه، وجهة تقتضى الاتصال مطلقا، فالجهة الأولى هي جهة كونها أسماء أصلها أن لها

стр. 315

تعمل إلا في المضاف إليه وهو واحد، وما عدا ذلك فلا عمل لها فيه، والجهة الأولى (جهة) كونها متضمنة معاني الأفعال/ وجارية مجراها، فهي تطلب من تلك الجهة أكثر من معمول واحد، فاجتمع في الأسماء العاملة النظران وكل نظر منهما يطلب بضد ما يطلب الآخر، فمعنى الاسم يطلب الانفصال إذ لم يتحقق في باب الأفعال الطالبة بالاصتال، فلم يستحكم الضمير في الاتصال به، ومعنى الفعل يطلب بالاتصال، إذ هو ظاهر معنى ولفظًا، فكان للنظر القياسي هنا مجال، فتركه الناظم لما أشار إلى أصل العلة في ذكر الأفعال، فإذا يجب أن ننظر فيما تقتضيه تلك العلة، وليس إلا ما تقدم، أما ما عمل بمعنى الإضافة فواجب في معموله الاتصال، لأنه كالمجرور بحرف، ولأنه حل من الاسم محل تنوينه الذي هو كجزء منه. وأما أسماء الأفعال فلما كان القصد بها أن لها تظهر بأنفسها، وإنما وضعت لتكون عوضا من أفعالها، وجب فيها ما وجب في الأفعال، إلا ما ظهر فيه شيء من الاعتبار اللفظي، فإنه روعي، فأنتج مجموع الاعتبارين جواز الوجهين كدونك وعليك. وأما ما ناب عن الفعل استعمالًا وهو المصدر الموصول، فالاعتباران فيه ظاهران، ألا ترى أن ضمير الرفع إذا اتصل به يعامل معاملة المضاف إليه، فلا يستتر فيه، فصار الثاني كأنه غير معمول له، لكن لما طلب بما فيه من معنى الفعل، اقتضى الاتصال،

стр. 316

فجاز فيه الأمران وقد شرح هذا المعنى السيرافي وأصله لسيبويه، وأما اسم الفاعل والمفعول فهو أقعد بالفعل من حيث يضمر فيه، كما يضمر في الفعل ويتصل به الضمير مع اعتقاد نصبه لا جره بالإضافه نحو: الضاربك، على رأي سيبويه، فكان حقيقًا بأن يعامل معاملة فعله الجاري هو عليه، وهذا كله راجع إلى اعتبار العلة المذكورة في باب (خلتنيه) والنظر إلى فوة جانب الفعل المتقضى للاتصال، أو جانب الاسم المقتضى لانفصال ما زاد على الواحد، فإن كان الناظم قد ترك الكلام على ما سوى الأفعال، فقد أدرج فيما ذكر ضابطًا حسنًا، وتنبيهًا أصليًا، يقف بك على ما أردت، مع أنه بحسب قصد الاختصار، وعدم الاستيفاء معذور، ولا عذر له في تركه في "التسهيل" بل الاعتراض عليه هنالك (وارد) ولا يخلصه هذا الجواب هنالك، لاختلاف مقاصد الكتابين، والله الموفق. وقدم الأخص في اتصال ... وقدما ما شئت في انفصال وفي اتحاد الرتبة إلزم فصلا ... وقد يبيح الغيب فيه وصلا مع اختلاف ما نحو ضمنت ... إياهم الأرض الضرورة اقتضت كلامه هنا في ترتيب الضمائر بعضها مع بعض في الاتصال والانفصال، قد قدم القاعدة فيما يتصل من الضمائر العاملة، وما لا، وما فيه الوجهان وعلى ذلك بنى هذه المسألة فيعني أنه إذا كان الضميران أو الضمائر

стр. 317

مجتمعة، فإما أن تكون في رتبة واحدة، أو في رتب مختلفة/ والرتب هنا هي التي بحسب التكلم أو الخطاب أو الغيبة، وذلك أن الضمائر على ثلاثة أقسام: ضمير تكلم، وضمير خطاب، وضمير غيبةٍ، وأخصها ضمير المتكلم، لأنه يدل على المراد بنفسه، وبمشاهدة مدلولهِ، وأيضا فإنه بعيد عن الصلاحية لغيره، ويليه ضمير المخاطب، لأنه يدل على المراد به حاضرًا أو غائبًا على سبيل الاختصاص، ويليه ضمير الغائب لأنه دونهما، فإذا اجتمعت ضمائر فأما أن تكون في رتب مختلفة، أو في رتبة واحدةٍ، فإن كانت في رتب مختلفة كضمير مخاطب مع غائب، أو ضمير متكلم مع مخاطب أو غائب، فإن كان العامل فيها يقتضي اتصالها قدم الأخص في الرتبة، وذلك قوله: (وقدم الأخص في اتصال) وذلك نحو: أعطاكه وأعطيتكه، وأعطتنيه ولا تقول: أعطاهوك ولا أعطاهوني، قال سيبويه: لأنه قبيح لا تتكلم به العرب. قال: وإنما قبح عند العرب كراهية أن يبدأ المتكلم في هذا الموضع بالأبعد قبل الأقرب ثم ذكر أن العرب تنتقل في هذا إلى الفصل فتقول: أعطاك إياي، وأعطاه إياك وما اختاره من هذا الترتيب هو مذهب سيبويه والجمهور وحكى سيبويه عمن تقدم من النحويين أنهم يقولون بالقياس: أعطاهوك وأعطاكني، فلا يلتزمون الترتيب المذكور وارتضاه المبرد، وجعل ضمير الغائب والمتكلم والمخاطب سواء، فأجاز أعطاهوني واستجداه، وهذا المذهب مرجوح بمخالفة كلام العرب، فقد زعم سيبويه أن العرب لا تتكلم بهذا، وأن كلامها جارٍ على اعتبار المراتب، وهذا يكفي في

стр. 318

المسألة، وقد شنع عليهم سيبويه بأنه يدخل عليهم أن يقولوا في الرجل إذا منحته نفسه: منحتنيني. ألا ترى أن القياس قد قبح إذا وضعت "ني" في غير موضعها، يريد أن موضع "ني" هنا النفس فتقول: منحتني نفسي كما كان موضع "ني" في أعطاهوني إياي، فلو جاز لك أن نضع الشيء على غير ما وضعته العرب عليه لجاز لك في كل موضع، وهذا شنيع من الارتكاب. قال ابن خروف: بنى سيبويه على الشايع، يعني فإنه يجوز منحتنيني لكن قليلا. قال المبرد: منحتنيني جيد، وإنما احتج به على جهة التشنيع الذي يشنع به المتكلمون وهو جائز. قال ابن خروف: والذي قال هو صواب غير أن منحتنيني نفسي هو الكثير فصار بمنزلة أعطاهوها، لا بمنزلة أعطاهوني، فإن استدل من خالف الناظم وأصحاب مذهبه يقول العرب: عليكني، من حيث تقدمت الكاف على الياء، والياء أخص، فلا دليل فيه، لأن الكاف في عليك فاعلة في المعنى، فتقديمها على الياء بمنزلة تقديم التاء في أكرمتني، فلا ينبغي أن تجرى كاف لا حظ لها في الفاعليه، مجرى ما لها حظ فيها، وهذا ظاهر وإن اقتضى العامل انفصال بعض الضمائر أما لعدم تأتيه كقولك: ما أعطيتك إلا إياه، وأما لجواز ذلك فيه كقولك: ظننتك إياه وأعطيتك إياه، فأنت بالخيار

стр. 319

إن شئت قدمت الأخص فقلت: ظننتك إياه، وإن شئت عكست فقلت: ظننته إياك، وظننتك إياي، وذلك قول الناظم: (وقدما ما شئت في انفصال) يعني أنك مخير في تقديم أي الضمائر شئت، إذ وجد الانفصال ووجه ذلك أن المنفصل جارٍ مجرى الظاهر/ فلا عليك أن تقدم ما شئت من الضمائر لا اعتبار بالرتبة، والعرب إذا أرادوا تقديم غير الأخص على الأخص لجأوا إلى الانفصال، فأتوا بالضمير المنفصل الجاري مجرى الظاهر ليتأتى لهم الإتيان بغير الأخص مقدمًا على الأخص، لكن هذا الإطلاق هنا وفي القسم الأول فيه نظر. وأما الأول فإنه زعم فيه أن لها لا بد من تقديم الأخص بقوله: (وقدم الأخص في اتصال) يعني على غيره مما هو في الاختصاص دونه، فظاهره انحتام ذلك كان بعض الضمائر في موضع رفع أو لم يكن ذلك، وهو غير صحيح، بل ضمير ارفع لا يعتبر به في هذه المسألة لوقوعه موقع الخبر من عامله فإنك تقول: زيد أعطانيها، فتقدم ضمير الفاعل وهو للغائب، وتؤخر ضمير المفعول وهو للمتكلم، وكذلك تقول: خلتنيه، فتقدم ضمير المخاطب على ضمير المتكلم، وضمير المتكلم أخص، وقالوا: عليه رجلا ليسنى، وفي القرآن الكريم: ﴿وإذ يريكموهم﴾ الآية، وعلى هذا كلام العرب، ولا خلاف فيه أعلمه، وإنما فرضوا المسألة في الضميرين المنصوبين، فهنالك يلزم تقديم الأخص عند الجمهور خلافا للمبرد والقدماء، فقد ظهر أن إطلاق الناظم في القسم الأول غير صحيح.

стр. 320

وأما الثانية: فإطلاقه فيه غير محرر، إذ يقتضى جواز أي الضميرين المنصوبين شئن كان، ثم لبس أولا، وليس كذلك، بل أفعال هذا الباب في ذلك على وجهين: أحدهما: ما لا يلتبس أحد مفعولية بالآخر نحو: الدرهم أعطيتكه فالحكم فيه ما قال من التخيير، فتقول: أعطيته إياك إن شئت، وأعطيتك إياه إن شئت. والثاني: ما يلتبس أحد مفعولية بالآخر، كما إذا كان لك عبدان فأعطيت أحدهما الآخر، فإذا قلت لأحدهما: غلامي أعطيتك إياه، فإما أن يكون الآخذ هو الغائب أو المخاطب فإن كان المخاطب لزم أن تقدمه فتقول: أعطيتك إياه، ولا تقول: أعطيته إياك إذ يلتبس الآخذ بالمأخوذ، فإن كان الآخذ هو الغائب وجب تقديمه أيضا خوف اللبس فتقول: أعطيته إياك، ولا يجوز هنا أن تقول: أعطيتك إياه من أجل للبس، فإذا قوله: (وقدما ما شئت في انفصال) غير صحيح على اطلاقه كما ترى. فأما النظر الأول فظاهر الورود، ولا أجد الآن جوابا عنه، إلا أن يقال: إن تمثيله قبل (سلنيه) و (خلتنيه) يشعر بخروج ضمير الرفع عن إطلاق مسألته، لأن قدم في المثالين المرفوع وهو غير الأخص إذ يعيد أن يأتي بمثال غير حائز، فكان التمثيل قيد طلاق هذه المسألة وهذا اعتبار ضعيف (والله أعلم) , وأما الثاني: فقد يجاب عنه بأنه قد أشار إلى التحرز من ذلك لأنه قال
следующие страницы →