← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

قال في "الشرح"، ويقل الاعتماد على المبدل منه، وجعل البدل في الحكم الملغى كقول الشاعر: وكأنه لهق السراة كأنه ... ما حاجبيه معين بسواد فجعل "حاجبيه" وهو بدل في حكم ما لم يذكر، فأفرد الخبر، ولو جعل الاعتماد على البدل لثنى الخبر، كما تقول: إن زيدًا يديه منبسطتان بالخبر، ولو جعلت البدل في حكم الملغى لقلت: إن زيدًا يديه منبسط بالخير، قال: ومثله قول الآخر: إن السيوف غودها ورواحها ... تركت هوازن مثل قرن الأعضب فجعل الخبر للسيوف، وألغى "غدوها ورواحها" ولو لم يلغها لقال: تركا، كما تقول: الجارية خلقها وخلقها سيان. قال: ومن الاعتماد على المبدل منه، وجعل البدل في حكم الملغى قولك: زيد رأيت أخاه عمرًا، وجاء الذي رغبت فيه عامر، انتهى كلامه. فهذان نوعان يردان نقضًا عليه هنا:

стр. 2907

الأول: الأخبار عن المبدل منه دون البدل، والإخبار دليل على أنه المعتمد عليه الكلام. والآخر: عود الضمير على المبتدأ والموصول من المبدل منه دون البدل، وهو أيضا دليل على جعله عمدة الكلام. وهذا الثاني ليس بقليل؛ بل فيه كثرة تعتبر. وأما الأول / فإن كان المؤلف قد عده قليلا، فغيره قد جعله جائزا جوازا يقتضى الكثرة. قال ابن خروف في بيت الكتاب: أعاد الضمير في "معين" على اسم "كأن" وترك البدل، وكلاهما جائز، فهذا كما ترى. وأيضا فليس بمختص ببدل البعض، بل هو جارٍ في بدل الاشتمال كبدل البعض حرفًا بحرف، فتقول: هند وجهها حسن، وحسنة. ونوع ثالث، وهو أنك إذا قلت: أعجبتني الجارية حسنها - فلك في "أعجب" وجهان، إلحاق العلامة اعتبارًا بالمبدل منه، وعدم إلحاقها اعتبارًا بالبدل، كلاهما جائز، فعلى إلحاقها يكون المبدل منه هو المعتبر، والبدل في حكم الملغى، وليس بقليل في الكلام. فالحاصل: أن البدل على ضربين، منه ما يعتبر، ومنه ما لا يعتبر، فكيف يقول في البدل: إنه المقصود بالحكم؟ والجواب عن الأول أنه قليل بحيث لا يعتبره الناظم في مثل هذا النظم. وأيضًا، فقد أول بيت سيبويه على أنه مما أخبر فيه بالمفرد

стр. 2908

عن المثنى، ورشح ذلك هنا تلازم الاثنين، كما أخبر عن "العينين" إخبار المفرد في قوله، أنشده النحويون: لمن زحلوقة زل ... بها العينان تنهل وبابه. وقال بعض المتأخرين: الصواب أن يخبر عن البدل لا عن المبدل منه، إذ هو في نية الطرح، وإنما المعنى على البدل، وجئ به آخرًا ليؤكد به، ويعتمد عليه. فالوجه: أن يخبر عنه، إلا أنهم أخبروا عن الأول منبهةً على أنه ليس في نية الطرح البتة، وأنه مراعي بتلفتٍ في بعض المواطن، والكثير الخبر عن الثاني، وخرج هذا، يعني البيت، منبهةً على ما ذكر. قال: ويدل على أن الأول ليس في نية الطرح قولهم: زيد ضربته أبا بكر، فلو كان الأول في نيه الطرح لما جازت المسألة، لخلوها من ضمير يعود من الخير، وهو جملة، إلى المبتدأ.

стр. 2909

قال: فإن قيل: إذا كان الخبر إنما يكون عن الثاني، فإذا قلنا: أجبتني الجارية حسنها - فالصواب إسناد الفعل إلى الحسن، لأنه بدل، والأول مبدل منه. قيل: ليس كذلك، لأن البدل في تقدير تكرار العامل، فعامل الثاني محذوف مقدر مسند إليه، مذكر، وهذا الظاهر مسند إلى الأول وهو مؤنث، فالوجه التأنيث، بخلاف الخبر الصناعي الذي الوجه فيه الإخبار عن البدل، وقد يجوز تذكير الفعل اعتبارًا بالبدل، هذا ما قال، وهو قد يكفي في الجواب عن الأول والثالث. والذي يقال ها هنا، والله أعلم، أنه قد تقدم أن البدل يأتي على وجهين: أحدهما: أن يكون المتكلم أراد ذكر البدل، فأتى أولاً بموطئ له، ليكون ذكره ثانيا بعد التوطئة له أولاً أوفى بالغرض. والثاني: أن يكون ذكر المبدل منه أولاً اعتقادًا أنه كافٍ، أو إبهامًا، ثم بدا أن يبين ما لم يكن مبينا للمخاطب، وإذا كان كذلك، وكان / الثاني هو المعتمد عليه بحسب المعنيين كليهما - فذكر المبدل منه في الوجه الأول بالقصد الثاني، لا بالقصد الأول، بخلافه في الوجه الثاني، فإنه بالقصد الأول، لكن عرض ما صيره معدولاً عنه، وكالمتروك وإن كان غير متروك. فعلى هذا التقرير ينبني النظر هنا، وعند ذلك فلا يخلو أن يتأخر الخبر أو يتقدم. فإن تأخر كان المعتبر هو البدل، لأنه المقصود المقرر في كلا الوجهين، واستقام الجواب المتقدم.

стр. 2910

وإن تقدم الخبر فهي مسألة: أعجبتني الجارية حسنها، فإن اعتبرت الوجه الأول كان ترك التاء هو الأولى، لأن ذكر "الجارية" فيه وقع بالقصد الثاني والمراد "الحسن". وإن اعتبرت الوجه الثاني كان الأولى والأحق إلحاقها إذا كان المقصود أولاً ذكر "الجارية" فأسندت الفعل إليها على ما ينبغي، ثم بدا لك أن تذكر "الحسن" فلم يكن إلحاق التاء قادحًا في كون "الحسن" مقصودًا دون "الجارية". وفي الوجه الأول: كان "الحسن هو المقصود، وإنما ذكرت "الجارية" تبعًا أو كالتبع. ولكن لا يمتنع في الوجه الأول إلحاق التاء إعتبارًا باللفظ، ولا في الوجه الثاني إسقاطها اعتبارًا بما انصرف القصد إليه. وعلى هذا لا يحتاج إلى الاعتذار بأن البدل في تقدير تكرار العامل، لأن ذلك غير بين، وقد تقدم له تقرير. والعامل عند سيبويه في البدل والمبدل منه واحد من غير تقدير عاملٍ آخر، وحيث ظهر منه ذلك فتفسير معنًى لا تقدير إعراب. وأما مسألة عود الضمير من المبدل منه دون البدل فمبنى على أصل آخر، وذلك أن البدل مع المبدل منه تابع ومتبوع، فحكمه حكم سائر التوابع، من النعت، وعطف البيان، وغيرهما، مع متبوعاتها، بل هو أشبه بالنعت وعطف البيان، ولا فرق بينهما إلا أن المقصود في النعت وعطف البيان هو الأول دون الثاني، وبالعكس في البدل، وذلك غير قادح في جريان حكم التابع عليه. ألا ترى أنه مفرد جارٍ على مفرد، وتابع له بحسب العامل الأول، وكما أن النعت وعطف البيان، وعطف النسق، مع متبوعاتها في عود الضمير منها إلى

стр. 2911

المبتدأ والموصول على حكمٍ واحد في الجواز، كذلك في البدل مع المبدل منه، فكما يعود الضمير من النعت وإن لم يكن هو المقصود نحو: هند ضربت رجلاً يحبها، فكذلك يعود الضمير من المبدل وإن لم يكن هو المقصود، وعود الضمير من المنعوت كعوده من البدل. وقد منع بعض النحويين عود الضمير من البدل، بناًء على أنه من جملة أخرى، لأنه في تقدير تكرار العامل، وهذا ضعيف، وقد تقدم التنبيه عليه. ونص ابن الضائع على الجواز معتمدًا على أنه مع المبدل منه كغيره من التوابع وبأن عود الضمير من المعطوف جائز، فعوده من البدل أجوز لأنه بيان، فصار كالنعت، فيجوز إذًا أن يقال: زيد قام عمرو أخوه، وزيد قام أخوه عمرو، / وزيد مررت أبي عبد الله، وزيد مررت به بأبي عبد الله به، والذي مررت به أبي عبد الله زيد، والذي مررت بأبي عبد الله به زيد، إلا أن قولك: زيد قام عمرو أخوه، أو قام أخوه عمرو - حسن في الكلام، كثير في الاستعمال؛ وفي قوة ما هو كثير، بخلاف المسائل بعده، فإنها قليلة في الاستعمال. وسبب ذلك أن المسألة الأولى غير معدولٍ بها عن صوب الاستعمال؛ إذ لم يؤخر ما كان حقه التقديم، فوقع البدل موقعه من المبدل منه، فإن البدل لم يقع هنالك موقعه، فإن الأولى في باب الإخبار أن يخبر عن البدل والمبدل منه معا، كما يخبر عن النعت والمنعوت معا، وكما هو

стр. 2912

الأولى في المعطوف والمعطوف عليه بيانًا، وفي المؤكد مع المؤكد، وقد نصوا على ذلك في باب "الإخبار". فإذا قلت: زيد مررت به أبى عبد الله، فـ (أبو عبد الله) في الحقيقة جارٍ على (زيد) فكان الأولى أن يقال: مررت بزيدٍ أبي عبد الله، أو يقال: زيد أبو عبد الله مررت به. وهذا كلام صحيح، كقولك: زيد قام أخوه عمرو، وليس فيه من الضعف شيء، ولذلك اختار النحويون: المازني وابن السراج وغيرهما في الإخبار أن يكون الإخبار عنهما جميعا، فتقول: الذي مررت به أبو عبد الله زيد. وهذا صحيح أيضا. فإن قيل: فكان الوجه إذًا في هذه المسائل أن يعتبر فيها البدل في إعادة الضمير دون المبدل منه، أو يكون اعتباره هو الأقوى، ويعتبر المبدل منه على ضعف، كما قالوا في بيت سيبويه: * كأنه .. ما حاجبيه معين بسواد * والأمر بخلاف ذلك. قيل ليس هذا من قبيل البيت، بل من قبيل: أعجبني الجارية حسنها، لأن الموصول والمبتدأ يحتاجان إلى رابط، كما يحتاج الفعل إلى فاعل، فلما اعتبر في الفاعل أقرب مذكور في أحد الوجهين، وكأنه راجح، اعتبر أقرب مذكور في إعادة الضمير أيضا، فهما في هذا المعنى مستويان، فصح إذًا أنه لا حجة لابن مالك، ولا لغيره، على أن البدل قد يكون في حكم الملغي.

стр. 2913

وهي مسألة غامضة، نشأ النظر فيها من القاعدة الأولى وثبت أن حد ابن مالك في هذا النظم للبدل صحيح، وأن قوله: (كأنك ابتهاجك استمالاً) تنكيت على هذه النكتة الحسنة التي "يغفل عنها كثير من الناس، وأصلها لسيبويه ﵀. وبدل المضمن الهمزيلي ... همزًا كمن ذا أسعيد أم علي؟ يعني أن المبدل منه إذا كان مضمنًا معنى الهمز، أي همزة الاستفهام، فإن البدل يقع واليًا لذلك الهمز، يريد تتقدمه همزة الاستفهام مواليًة له، فتقول: من هذا الرجل أسعيدٍ أم علي؟ وهو مثاله وكم هذه الدراهم أعشرون أم ثلاثون؟ وكيف أنت أصحيح أم سقيم؟ ولم أكرمت زيدًا لعلمه أم لجوده؟ وأي الناس جاءك أزيد أم عمرو أم فلان؟ وماذا أنت تصنع أتابوت أم كرسي؟ ولابد من الهمزة لأن المبدل / منه قد تضمنها لما أريد من معنى السؤال، فلابد إذا أبدل منه أن يؤتى بمعناه المراد، والبدل يقع تفصيلاً للمبدل منه إذا اقتضى التفصيل، فلابد من ظهور الهمزة داخلةً على كل تفصيلٍ ذكر، حتى يستوفي المقصود من مدلول الاسم المضمن معنى الهمزة. وهذا الإبدال إنما يكون بالهمزة وحدها، لأنها المضمنة في أسماء الاستفهام، وهي أم الباب عندهم: فلا يضمن غيرها، فلذلك قال: "المضمن الهمز"

стр. 2914

ويبدل الفعل من الفعل كمن ... يصل إلينا يستعن بنا يعن يعني أن الفعل في باب (البدل) يشارك الاسم كالعطف، فيبدل الفعل من الفعل، كما يعطف الفعل على الفعل، فكما تقول: من يكرمني ويكرم زيدًا أكرمه، كذلك تقول: من يجئني يلمم بي أعطه. لكنه اشترط في (البدل) هنا شرطًا لم يصرح به، وإنما أشار إليه مثاله، لأنه أتى بالمبدل منه فعلاً مجملا، وهو "يصل إلينا" ثم أبدل منه فعلا مبينًا لمعنى "يصل" وهو "يستعن بنا" فأعطى المثال أن الفعل يبدل من الفعل إذا أفاد زيادة بيانٍ للأول. وعلى ذلك قوله تعالى: ﴾ ومن يفعل ذلك يلق أثامًا * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا ﴿. فقوله: ﴾ يضاعف له العذاب ﴿بدل من﴾ يلق أثامًا ﴿وهو بيان للقى الأثام. ومنه ما أنشد سيبويه عن الأصمعي عن أبي عمرو: إن يبخلوا أو يجبنوا ... أو يغدروا لا يحفلوا يغدوا عليك مر جليـ ... ـن كأنهم لم يفعلوا

стр. 2915

فقوله: ﴾ يغدوا عليك ﴿بدل من "لا يحفلوا" وهو تفسير له، وأنشد سيبويه: متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبًا جزلاً ونارًا تأججا وأنشد أيضا: إن على الله أن تبايعا ... تؤخذ كرهًا أو تجئ طائعا فإن تخلف الشرط لم يسغ لعدم الفائدة، فإنك إذا قلت: من يستعن بنا يصل إلينا يعن - لم يكن في البدل فائدة ولا بيان، فكان ضائعا، فإذا عكست المسألة كما في المثال الناظم، صحت لحصول الفائدة بذلك. ولما سكت عن إبدال الاسم من الفعل أو العكس دل على أنه عنده ممنوع مطلقا، وإن كان الاسم يشبه الفعل، بخلاف العطف كما تقدم. أما في البدل؛ فلا، لأن من حقيقة البدل أن يصح حلوله محل المبدل منه، ولا يمكن ذلك في الاسم مع الفعل مطلقا، وهذا ظاهر. واعلم أن في كلامه هنا تقصيرًا من وجهين:

стр. 2916

أحدهما: أنه مثل بمثالٍ غير مطابق، لأن الذي ذكره النحويون في الفعل ما كان الثاني فيه مع الأول غير مباين، كما في الأمثلة المتقدمة. قال السيرافي: لا يبدل الفعل إلا من شيء هو هو في معناه، لأنه لا يتبعض، ولا يكون فيه اشتمال فـ (تؤخذ كرهًا أو تجئ طائعًا) هو معنى (المبايعة) لأنها تقع على أحدهما. وقد يظهر هذا من سيبويه فـ"باب ما يرتفع بين الجزمين". والناظم إنما مثل بما الثاني فيه غير الأول، فـ (الوصول) إليهم هو الإتيان والمجيء إليهم، و (الإستعانة) طلب العون، وهو غير المجيء. والثاني: أنه لم يبين / البدل في الفعل: هل يكون فيه ما تقدم في بدل الاسم من الأنواع أم لا؟ بل قد قال السيرافي: ما سمعت وعلى هذا لا يكون فيه إلا نوع واحد، وهو (بدل الكل من الكل) وإطلاقه يقتضى تلك الأنواع عطف الفعل على الفعل بالنسبة إلى حروف العطف. وفي ذلك ما ترى. والجواب: أن مثال الناظم واقع على بعض أنواع البدل، وهو بدل الإضراب أو الغلط، إلا أن يكون قصد (وصولاً) معنويًا، وهو وصول (الاستعانة) فيكون واقعا على (بدل الكل) وعلى كلا التقديرين، فالمثال صحيح، فإن بدل الفعل من الفعل يتصور في بدل الاسم من الاسم،

стр. 2917

فقد يكون فيه (بدل الكل من الكل) ومنه قوله: * متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا * وقول الآخر: * يغدوا عليك مرجلين * وكذلك الآية الكريمة: ﴾ ومن يفعل ذلك يلق أثامًا ﴿قال الخليل: لأن مضاعفة العذاب هو لقي الأثام. وقد يكون فيه (بدل البعض) كقولك: إن تصل تسجد لله يرحمك. و(بدل الاشتمال) أيضًا، ومنه قوله: إن على الله أن تبايعا ... تؤخذ كرهًا أو تجئ طائعا لأن (الأخذ) كرهًا، و (المجيء) طائعًا من صفات المبايعة. وظاهر سيبويه يقتضى أنه أنشده شاهدًا على (بدل الاشتمال) لأنه أتى به مع قول الآخر:

стр. 2918

* فما كان قيس هلكه هلك واحدٍ * وقول الآخر: * وما ألفيتني حلمي مضاعا * وذلك في بابٍ من أبواب (بدل البعض، والاشتمال). وإذا ثبت (بدل البعض)، ثبت (بدل الاشتمال) لأنه مشبه به، إذ عدوا وصف الشيء كالجزء منه. وقد يكون فيه (بدل الإضراب والغلط) نحو: إن تطعم زيدًا تكسه أكرمك. وقد سأل سيبويه الخليل عن قولك: إن تأتنا تسألنا نعطك، بجزم "تسألنا". فقال: هذا يجوز على غير أن يكون مثل الأول، لأن الأول الفعل الآخر تفسير له، وهو هو - يعني ما تقدم في بدل الشيء من الشيء - والسؤال لا يكون الإتيان. قال: ولكنه يجوز على الغلط والنسيان، ثم يتدارك. وقال بعد: فلو قلت: إن تأتني آتك أقل ذاك - كان غير جائز، لأن القول ليس بالإتيان إلا أن تجيزه على ما جاز عليه "تسألنا".

стр. 2919

فهذا نص بجواز (بدل الغلط والنسيان) وجواز (بدل الإضراب) أولى. فإذًا ما مثل به الناظم غير خارج عن أنواع البدل، وأنواع بدل الاسم جارية في بدل الفعل، وليس الأمر كما تقدم للسيرافي، فإطلاقه صحيح أيضا، والله أعلم.

стр. 2920

النداء (النداء) بالكسر، ويقال: بالضم، وهو تصويتك بمن تريد إقباله عليك لتخاطبه، بحرفٍ من الحروف الموضوعة لذلك، هذا أصله. وقد ينادي من لا يراد إقباله، ولكن على وجه التفجع عليه. وقد تستعمل في التعجب هذه الحروف أو بعضها، لا لقصد الإقبال، كما سيذكر إن شاء الله / في موضعه. وابتدأ الناظم ﵀ أولاً بالتعريف بحروف النداء، وهي أدوات التصوير بالمنادي. ولما كان (المنادى) ينقسم قسمين: قريب منك وبعيد - وضع لكل قسم منها ما يخصه. وعرف الناظم أولاً بالقسم الذي يستعمل للبعيد فقال: وللمنادى الناء أو كالناءيا ... وأي وآكذا أبا ثم هيا والهمز للداني ووالمن ندب ... أويا وغير والدي اللبس اجتنب (الناء) هو البعيد، نأى فلان ينأى نأيا، إذا بعد، وأراد (النائي) بالياء، ولكنه نقصه للضرورة، كما قال: * وأخو الغوان متى يشأ يصرمنه * وهو في نظمه كثير.

стр. 2921

ويريد أن (المنادى) البعيد له أدوات ينادي بها، وهي خمس: (يا) وهي أم الباب، ولذلك تستعمل حيث لا يستعمل غيرها من أخواتها، فيندب بها مع (وا) ولا يندب بغيرها معها، وقد ذكر ذلك، وأيضًا لا يقع في باب "الاستغاثة" "والتعجب" غيرها. و (أي) وهي مقصورة غير ممدودة، على ما أتى بها النظم مثل (كي) هذا نقل سيبويه والجمهور من البصريين. وحكي المؤلف عن الكوفيين مد (أي) نقلاً عن العرب، وهذا، وإن كان، فقليل، لذلك لم يعتد به هنا. وما ذكر من أن (أي) للبعيد هو أيضا مذهب جمهور البصريين، فإنه نقل عن العرب، وقد نقلوا أن وضعها لنداء (البعيد) فهو المقبول ولا يعارض بقياس وذهب طائفة إلى خلاف ذلك، إلا أنهم فرقتان، فمنهم من رأى أنها لنداء (المتوسط) وهو منقول عن ابن برهان. وإليه ذهب ابن أبي الربيع وبعض تلامذته. ومنهم من جعلها لـ (القريب) كالهمزة اعتبارًا بكون الصوت بها قصيرا، وإليه مال الجوهري في تفسير هذه الأداة، وهو رأى الجزولي في كراسته،

стр. 2922

ونقله ابن مالك في "الشرح" عن المبرد، ولم أر مذهبه في كتابه "المقتضب" إلا كمذهب سيبويه والجمهور، فانظر من أين نقله؟ ! ، و (أ) مما نقله المصنف عن الكوفيين، واعتمد عليه، لأن الثقات رووه عن العرب، ورواية العدل مقبولة. وحُكي ذلك أيضا عن الأخفش، وذكره ابن الأنباري في "الزاهر". و(أيا) منقولة مشهورة، و (هيا) كذلك، وكأنها في الأصل (أيا) فابدلت همزته هاًء، كما قالوا في (أراق): هراق، وفي (إياك): هياك، ونحو ذلك. وعلى هذا لم يكن ينبغي أن يعدها في جملة الحروف لأن ذلك تكرار، غير أنه ربما وقف مع ظاهر الأمر، من عدم إربدال، وساعده عليه قاعدة التصريف أنه لا يدخل في الحروف ولا ما أشبهها، كما قال: * حرف وشبهه من الصرف برى * فوقف مع الأصل، وعد (هيا) وضعًا آخر؛ إذ لم يقم عليه دليل على الإبدال، وهو ظاهر. فإذا تقرر هذا، فمثال (يا) يا أيها الرجل، يا أيها الناس. ومثال (أي) موجود في الأحاديث "أي رب" وأنشد الزجاجي قول الشاعر: * ألم تسمعي أي عبد في رونق الضحى *

стр. 2923

ومثال (آ) / قولك: آزيد، ولم أجد فيه سماعا. ومثال (أيا): * أيا ظبية الوعساء بين جلاجلٍ * ومثال (هيا) ما أنشده ابن جني من قول الشاعر: فأصاخ يرجو أن يكون حيًا ... ويقول من طربٍ: هيا ربا وقال ابن الطثرية: هيا رب سق لي من هواها منيتي ... بحولك يدخل حبها معي القبرا وأما الذي قال الناظم فيه إنه (كالنائي) وليس به في الحقيقة، فهو الذي يعبر النحاة عنه بالبعيد حكمًا، وهو الذي يكون قريبا، لكنه يعامل معاملة البعيد، لأمرٍ يقتضى ذلك. وذكر سيبويه لذلك أسبابا ثلاثة:

стр. 2924

أحدها: أن يكون المنادى معرضًا عنك، بحيث ترى أنه لا يقبل عليك إلا بالاجتهاد في النداء، ويدخل ها هنا العاقل، فتقول: يا زيد، وأيا زيد، وهو بحضرتك، إلا أنه مشغول عنك بأمرٍ استغرق باله عن إجابتك سريعًا، أو غافل عنك وعن ندائك إياه. والثاني: أن يكون نائمًا مستثقلاً، بحيث لا يجيب إلا بالاجتهاد في النداء ومد الصوت، فتفعل ذلك، فتقول: يا رجل، ويا نائم، رجاء أن يستيقظ فتخاطبه. والثالث: قصد التوكيد، وذلك أن يكون المنادى مقبلاً عليك، قريبًا منك، لكنك أكدت نداءه لأمرٍ عراك، فناديته نداء البعيد، فقلت: يا زيد، يا أخي، ليستبق إلى إجابتك. فهذه المواضع مما عومل فيها القريب معاملة البعيد. ثم أتى الناظم بالقسم الثاني وهو الداني، أي (القريب) وأتى له بأداة واحدة وهي الهمزة، فقال: "للداني" يعني الذي ينادى به الداني، فتقول: أزيد افعل. * أحار بن عمروٍ كأني خمر *

стр. 2925

* أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل * ولم يقل هنا: أو كالداني، كما قال في القسم الأول: "أو كالنائي" لأن هذا الاعتبار معدوم في نداء (القريب) بالهمزة، فإن العرب لا تنادي (البعيد) نداء القريب، كما تنادى القريب نداء البعيد. قال سيبويه: وقد يستعملون هذه التي للمد - يعني أدوات البعيد - في موضع الألف - يعني للقريب - ولا يستعملون الألف في هذه المواضع التي يمدون فيها. ثم قال: (ووالمن ندب أويا) يعني أن (وا) تستعمل في نداء (المندوب) وهو المذكور توجعًا منه أو تفجعًا عليه، بلفظ يدل على المعنى دلالًة منبهة على عذر النادب في ندبته نحو: وا من حفر بئر زمزماه. وكذلك (يا) المتقدمة الذكر، تستعمل للمندوب أيضا كقول جرير: * وقمت فيه بأمر الله يا عمرا * وما أشبه ذلك.

стр. 2926

فإن قيل: إن (وا) يعدها النحويون في قسم ما ينادى به البعيد، لكنه بعد حكمي، والناظم أخرجها عن كلا القسمين، فكان حقه أن يعدها مع أخواتها. فالجواب: أن حقيقة (وا) في المندوب ليست على النداء بها، وإنما أتى بها أداًة لمد الصوت بذكر المندوب لا لينادى؛ إذ كان النداء تصويتك بمن تريد إقباله عليك لتخاطبه، وهذا المعنى في الميت مفقود، لكن لما كان للمندوب أحكام كأحكام المنادى، وأداة تشبه أداة النداء، أتى النحويون به في "باب النداء" لذلك. فالوجه ما فعل الناظم من / فصله بين الأدوات تنبيهًا على فصل المعاني، فكأنه جعل الأدوات ثلاثة أقسام: للمنادى البعيد قسم، وللقريب قسم، ولمن لا يقصد بالنداء، ولكن يصوت بذكره تفجعًا وتوجعًا، قسم. ثم إن (يا) لما كانت للنداء حقيقًة، ووقعت في الندبة، وكانت في بعض المواضع مما يقع بها اللبس بين المنادى والمندوب، فلا يدري المصوت به بـ (يا) هل هو منادًى أو مندوب - تحرز من ذلك، فأخرج (يا) من باب الندبة حيث يقع اللبس فقال: "وغير والدي اللبس اجتنب" وغير (وا) هي (يا) إذ لم يذكر مع (وا): أيا، فيريد أنك تجتنب (يا) في الندبة إذا وقع بها اللبس، وتقتصر على (وا) فهي المختصة ببابها. فإذا قلت: وامن حفر بئر زمزماه - فجائًز هنا أن تأتي بـ (يا) فتقول: يا من حفر بئر زمزماه، لأنه معلوم كونه مندوبًا، بما لحقه آخرًا

стр. 2927

من مدة الندبة، فلا يختلط بالمنادى إذا لحقت؛ إذ لا تلحق المنادى مدة الندبة، وإذا ندبت ولم تلحق فقد يكون المندوب معلومًا، فلا يلتبس بغيره، كما لو قال قائل عند موت عبد المطلب: يا من حفر بئر زمزم، فهذا الوصف مختص به، فلا يفهم من الكلام إلا الندبة، بخلاف ما إذا قلت: يا زيد، وأمامك من اسمه زيد، فلا يتعين مقصودك بـ (يا) أهو نداء زيدٍ أم ندبة من أردت ندبته، ففي مثل هذا الموضع لابد من الإتيان بـ (وا) فتقول: وازيد، إعلامًا أن المراد الندبة لا نداء من أمامك، وكذلك إذا وصلت كلامك، فقلت: وازيد الفاضل، على رأى سيبويه لا تلحق هنا (يا) للبس، فإن تعين بقرينة أنك تندب جاز لحاق (يا) في موضع (وا) وكذلك ما أشبهه. وقوله: (وغيروا) منصوب بـ (اجتنب) وهو واقع على (يا) ثم لما استوفى ذكر الأدوات أخذ في ذكر ما يعرض لها من الحذف ومواضع الحذف فقال: وغير مندوبٍ ومضمرٍ وما ... جامستغاثا قد يعرى فاعلما وذاك في اسم الجنس والمشار له ... قل ومن يمنعه فانصر عاذله فالذي بين على الجملة أمران: أحدهما: أن حرف النداء قد يحذف مع بقاء معناه مرادًا، لأن المحذوف معلوم.

стр. 2928

فقوله: "وغير مندوبٍ" وكذا وكذا "قد يعرى" يعني من حرف النداء، وحذف المجرور لفهم معناه، لتقدم ما يدل عليه. والثاني: حصر المواضع التي يجوز فيها الحذف، والتي لا يجوز فيها. وجعل مواضع منع الحذف على قسمين: قسم يمنع فيه باتفاق، وقسم يمنع فيه باختلاف، أعني في القياس. فأما ما يمنع فيه الحذف باتفاق فثلاثة مواضع: أحدها: المندوب، نحو: وازيداه، ويا عمراه، وإنما امتنع الحذف هنا لأن المقصود مد الصوت، والتصريح بالبكاء، والتفجع والإعلام بذلك، ولذلك لحقته الزيادة آخرًا مبالغًة في التصويت، فصار حرف النداء كالترنم / المقصود، فلو حذف الحرف هنا لكان فيه نقض الغرض، وهو ممنوع. والثاني: المضمر، وللمضمر، في كلامه وجهان: أحدهما: لفظه إذا كان هو المنادى، نحو قول الأحوص اليربوعي حين وفد مع أبيه على معاوية ﵁ فخطب، فوثب أبوه ليخطب، فكفه وقال: يا إياك، لقد كفيتك، وقول الآخر:

стр. 2929

يا أبجر بن أبجرٍ يا أنتا ... أنت الذي طلقت عام جعتا وإنما لزمت (يا) هنا لأنها إذا حذفت لم يبق عليها دليل؛ إذ لو قلت في (يا إياك قد كفيتك): إياك قد كفيتك - لم يكن ثم دليل على أنه منادى. والقاعدة أن الشيء لا يحذف إلا إذا دل عليه الدليل. وفي ذكر الناظم هنا للمضمر دليل على جواز ندائه، إلا أنه لم يبين: هل يؤتى فيه بضمير النصب أو بضمير الرفع، والقياس عند المؤلف الإتيان بضمير النصب، لأنه موضع نصب بالفعل الذي نابت عنه (يا) وهو (أنادى) فوضع ضمير الرفع موضعه شاذ، فلا يقاس عليه. والوجه الثاني: للمضمر أن يكون بمعنى المحذوف، وهو ما كان من المنادى محذوفا، وذلك بعد الأمر والدعاء ونحوهما، فإنه يجوز حذف المنادى هنالك قياسا. فبعد الأمر كقراءة الكسائي: ﴾ ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات ﴿الآية، قالوا: أراد: ألا يا هؤلاء اسجدوا، وقال الراجز: * يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي *

стр. 2930

وقال ذو الرمة: ألا يا اسلمي يا دارمي على البلى ... ولا زال منهلاً بجرعائك القطر وفي الدعاء، كقول الشاعر، أنشده سيبويه: يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جار وأنشد ابن جني وغيره: * يا لعن الله بني السعلات * وفي التعجب، كقول امرئ القيس: * فيا عجبًا من رحلها المتحمل *

стр. 2931

وهذا كثير. فهذا النوع لا يجوز فيه حذف الحرف، لأن في بقائه دليلاً على المحذوف، فلو حذف الحرف مع المنادى لم يبق ما يدل على المحذوف، فلم يجز ذلك. والموضع الثالث: المستغاث، نحو: يا لزيدٍ، ويا لله للمسلمين، وإنما لم يجز الحذف هنا لما يؤدي إليه من نقض الغرض؛ إذ كان القصد في (الاستغاثة) مد الصوت، لأنه موضع تأكيدٍ واجتهادٍ في الاستصراخ والتصويت، لأنه المستغاث عندهم كالبعيد أو كالغافل، فالحذف نقيض هذا، فمنعوه، وعلى هذا المواضع نبه بقوله: "وغير مندوبٍ ومضمرٍ وما جامستغاثًا قد يعرى" وقصر لفظ "جاء" على قول من قال: جايجي، وسا يسو، وهو قليل، أداه إليه الاضطرار الشعري. وإذا تعين له ما يمنع فيه حذف حرف النداء مطلقا - دل على أن ما عدا ذلك يجوز فيه الحذف، وهو الذي قال: "وغير كذا قد يعرى" تقول: زيد افعل كذا، وفي القرآن: ﴾ يوسف أعرض عن هذا ﴿، ﴾ رب احكم بالحق ﴿. ﴾ ربنا اغفر لنا ﴿.﴾ سنفرغ لكم أيه الثقلان ﴿، وما أشبه ذلك.

стр. 2932

ووجه الحذف ظاهر، وهو العلم بالمحذوف، مع كون المنادى - وإن بعد - قد جعل بمنزلة من هو بالحضرة، مقبل على من يناديه، لا شاغل له عنه، فكان ترك التصويت به تركًا لما ينوب منابه، وهو القصد والإقبال، لأنه كافٍ بالنسبة إلى المقبل الحاضر. وعلى العمل على الحصر الذي ذكر يعترض بأمرين: أحدهما: أن (التعجب) الجاري مجرى (الاستغاثة) حكمه في امتناع الحذف حكم الاستغاثة، فالمتعجب منه لا يحذف معه الحرف، كما لا يحذف مع المستغاث، فتقول: يا للعجب، ويا للماء، ويا للفليقة، كما سيأتي إن شاء الله - ولا يحذف الحرف لأنه نقض الغرض - كما تقدم - في الاستغاثة، وحصره يقتضى جواز الحذف هنا، وهو غير صحيح. والثاني: أن لفظ (الله) إذا نودى لا يحذف الحرف معه، فتقول: يا ألله، ولا تقول: الله، فإن العرب التزمت فيه الإتيان بالحرف، وكلام الناظم لا يقتضي ذلك البتة. وأمر ثالث، وهو أن ما حكم له من المناديات بحكم الغافل المتراخي، الذي يجتهد في التصويت به والقصد إليه، لا يحذف منه حرف النداء، ولذلك ينادى نداء البعيد وهو قريب، فإذا كان كذلك - وكان قصد الحذف أن المنادى معدود في عداد الحاضر المصغي إليك - كان الجمع بين الحذف والحكم للمنادى بحكم المتراخي الغافل جمعًا بين المتنافيين، وهذا الوجه مفهوم من كلام سيبويه في تعليل المنع في المستغاث والمتعجب منه.

стр. 2933

(قال: وإنما اجتهد لأن المستغاث عندهم متراخٍ أو غافل، والتعجب كذلك ويدخل هنا المستغاث والمتعجب منه) والمندوب. فكان الأولى به أن يتمم هذا الموضع ليرتفع الإشكال، ويزول الإبهام، وقد تحرز في كتاب "التسهيل" فأخرج اسم (الله) والمتعجب منه، ولم يذكر هذا الوجه الثالث. والجواب عن الأول: أن التعجب جارٍ مجرى الاستغاثة في أحكامه، ومعناه يجامع معناه، فكأنه سكت عنه لدخوله تحته، أو لقياسه عليه عند الناظر. وعن الثاني: أن لفظ (الله) ليس بجارٍ على القياس في أحكام كثيرة، منها هذا، بل له خواص في كلام العرب لا ينتظمها أصل، عدت نحوًا من خمس عشرة خاصة، فلا ينبغي أن يعترض به، لأنه معدود في جملة المسموعات بحسبها، فلا ضرر عليه في ترك ذكره. وأما الثالث: فلم يذكره غيره في معرض التأصيل، كما ذكر المستغاث والمندوب وغيرهما، لأنه أشد تعلقًا بعلم المعاني والبيان منه بعلم النحو، وكثيرا ما يخير النحويون بين أمرين أو أكثر لا يخير البيانيون بينها؛ بل يوجبون أوجه التخيير، كل وجهٍ في سياقٍ يختص فيه، لا يدخل فيه الآخر. ولقد أدخل المتأخرون، ومنهم ابن مالك، في النحو أشياء، علم البيان أخص بالنظر فيها من علم النحو، وقد مر منها أشياء نبه على بعضها، وكان الأولى أن لا يفعل ذلك، فإذا كان الأمر كذلك، وكان الوجه الثالث من هذا القبيل، لم يتمكن الاعتراض به، والله أعلم.

стр. 2934

والقسم الثاني: من قسمي مواضع منع الحذف ما فيه / اختلاف وهو ضربان: أحدهما: اسم الجنس، والثاني: اسم الإشارة، وكلاهما يجوز عند الناظم فيه الحذف، لكن قليلاً، وهو قوله: "وذاك في اسم الجنس والمشار له قل" الإشارة بـ (ذاك) إلى التعري المفهوم من قوله: "قد يعرى" كأنه قال: والتعري في كذا قل، وهو كقوله تعالى: ﴾ وإن تشكروا يرضه لكم ﴿أي يرض الشكر لكم. فأما اسم الجنس: فهو قليل كما قال، نحو: رجل افعل كذا، تريد: يا رجل، وفي الحديث "اشتدي أزمة تتفرجي" وفي الحديث الآخر حكايًة عن موسى ﵇: "ثوبي حجر" يريد: يا أزمة، ويا حجر. ومن كلام العرب في مثل: "افتد مخنوق" و "أطرق كرا"

стр. 2935

يقال للكرى إذا صيد: أطرق كرا أطرق كرا، إن النعام في القرى. وقالوا: "أصبح ليل"، قال بشر: فبات يقول أصبح ليل حتى ... تجلى عن صريمته الظلام وأنشد سيبويه للعجاج: * جارى لا تستنكري عذيري *

стр. 2936

أراد: يا جارية. وأما في اسم الإشارة فقال ذو الرمة: إذا هملت عيني لها قال صاحبي ... بمثلك هذا فتنة وغرام أراد: بمثلك يا هذا، وأنشد المؤلف قول الشاعر: ذي دعي اللوم في العطا ... ء فإن اللوم يعرى الكرام بالإجزال يريد: يا ذي دعى اللوم، وأنشد أيضا: لا يغرنكم أولاء من القو ... م جنوح للسلم فهو خداع وأيضا فاسم الإشارة يشبه العلم في كونه معرفًة مفردًا غير مضاف ولا شبيهٍ به، فكما يجوز أن يقال: زيد أقبل، كذلك يقال: هذا أقبل. هذا كله مما يسوغ جريان القياس، وجواز الحذف مع هذين النوعين، لكنه قليل، فلذلك قال: "وذاك في اسم الجنس والمشار له قل"

стр. 2937

وقد تقدم أن القلة في كلامه تشعر عنده بجريان القياس على ضعف، ثم نبه على الخلاف وترجيح الجواز بقوله: "ومن يمنعه فانصر عاذله" الضمير في "يمنعه" عائد على (التعرى) المفهوم من "يعرى" وفي "عاذله" عائد على "من" والعاذل: اللائم، يقال: عذلته أعذله عذلاً، بالتسكين، والاسم: العذل بالتحريك. يريد أن من النحويين من منع حذف حرف النداء من اسم الجنس والمشار له، وهو حقيق بأن يعذل ويلام على منعه، وينصر من يعذله والخلاف منقول بين البصريين والكوفيين، فرأى البصريين منع القياس في هذين النوعين، ورأى الكوفيين الجواز، وإليه صغو الناظم لقوله: "ومن يمنعه فانصر عا ذله" وقد تقدم ما احتج به الكوفيون. إلا أن الناظم فارق الكوفيين بوجهٍ ما، لأنهم يجيزون الحذف مطلقا، وهو إنما أجازه على قلة اعتبارًا بقلة السماع كما تقدم، وجنوحًا إلى عبارة سيبويه في ذلك، إذ قال على ما ثبت في النسخة الشرقية: وقد تحذف (يا) من النكرة في الكلام ضعيفًا، ثم أتى بالشواهد. ثم قال: وليس هذا بكثيرٍ ولا قوي.

стр. 2938

وعادة الناظم في كثير من المواضع أن يعتمد على استقراء نفسه من غير / تقليدٍ لغيره، لأنه نصب نفسه منصب الاجتهاد المطلق. وقد استدل من منع الحذف هنا أو استضعفه بأن حرف النداء صار مع (الرجل) و (هذا) كأنه بدل من (أي) حين لم تذكرها معهما، لأن (أيًا) في النداء لا توصف إلا بما فيه الألف واللام، أو باسم الإشارة، وذلك لازم في (أي) إذا قلت: يا أيها الرجل، ويا أيهذا، فلما لزمتها على هذا الحال ثم استغنى عنها بتعريف القصد والإشارة، وكان المعنى واحدا - صارت (يا) كأنها عوض من (أي) هذا معنى تعليل سيبويه على ما فهمه ابن خروف. وهو يدل على أنه تعليل السماع، ألا ترى أنه لم يجعله، أعنى حرف النداء، بدلاً من (أي) إلا بعد الاستقراء، إن الأمر كذلك، وأن لا مخالف له ولا معارض. وابن مالك يقول: إن المعارض القياسي قد ثبت، فلا يعتد بذلك التعليل في منع الحذف. ووجه السيرافي المنع بأن (الرجل) كان تعريفه بالألف واللام، فلا يجوز حذف ما كان يتعرف به وتبقيته على التعريف إلا بعوض.

стр. 2939

وأيضاً: فما فيه الألف واللام يتعرف بالعهد، فإذا أردنا تعريفه بالإشارة نقدم قبله مبهمًا، ويصير ما فيه الألف واللام صفًة له، حتى يختلط به، ويصير للإشارة، كهذا الرجل، و (يا أيها الرجل) من هذا. فإذا قلنا: يا رجل، فقد جعلناه مكان (يا أيها الرجل) فلا يحسن حذف حرف النداء مع حذف (أيها) والألف واللام، فيكون إجحافًا. هذا ما قال في اسم الجنس، وهو مبني على أن السماع كذلك كما تقدم، فلا حجة فيه. وأما (هذا أقبل) فإنما قبح الحذف معه، لأن الإشارة إنما تقع للمخاطب إلى غير المخاطب [فإذا ناديت بالإشارة إلى المخاطب في النداء فلابد من (يا) ليعلم المخاطب] أنك تشير إليه وأيضا فقال المازني: إن (هذا) اسم تشير به إلى غير المخاطب، فإذا ناديته ذهبت منه تلك الإشارة، فعوض من ذلك التنبيه، وهذا أيضا فيه نظر. أما الأول فيقال: هذا لازم في العلم، لأنه موضوع على الغيبة، فإذا ناديته فقد أقمته في مقام الحضور، فلابد من (يا) ليعلم السامع أنك تناديه، ولما لم يلتزموا ذلك في العلم مع وجود مثل ما في اسم الإشارة - دل على أنهم لم يعتبروا ما قال. وأما قول المازني فرده ابن خروف بأنه يلزم مثله في الأعلام، لأنها قد انقلبت إلى حكم الحضرة، كما انقلب اسم الإشارة عنها إلى حكم الحضرة، ودخلها من المعنى ما لم يكن فيها قبل، فينبغي أن يلزمها (يا).

стр. 2940

قال: وكذلك علته في (الرجل) - قال: ما كان أصله أن يعرف في النداء بالألف واللام، وهو معرفة، عوض منها لزوم التنبيه - فاسد أيضا، لأن لزوم التنبيه ليس بالحرف، وقد حذف الحرف وبقي القصد ولزوم التنبيه. وبقي النظر في قوله: "ومن يمنعه فانصر عاذله" ما هذا المنع؟ وعلى ماذا يتوجه؟ وهو يحتمل أمرين من جهة اللفظ: أحدهما: أن يكون متوجها على ما جاء من حذف الحرف هنا في النوعين، فكأنه / يقول: من أنكر ثبوت الحذف هنا قليلا فانصر عاذله، وهذا الوجه أشار إليه ابن الناظم في "شرحه" فإن كان قد وقف على إنكار منكر لذلك، فله وجه، ويكون الناظم قد اعتني بالتنكيت على المنكر للسماع خاصة، فهذا ممكن إلا أنه بعيد من جهتين: الأولى: كونه ترك التنبيه على الخلاف الشهير بين الكوفيين والبصريين، ونبه على منكرٍ لسماعٍ لا ينبني عليه حكم، فلا يكون في ذلك كبير فائدة. والثانية: إنكار ذلك السماع بعيد الثبوت، وقد نقله سيبويه والثقات الأثبات.

стр. 2941

والثاني: أن يتوجه المنع على قبول القياس على ما سمع من ذلك وإن كان قليلا، وهذا هو الظاهر والموافق للمنقول، والحرى بالقبول، والمانع هنا أهل البصرة كما تقدم، ولم يمنعوا المسموع ولا أنكروه فيما علمت، والله أعلم. وابن المعرف المنادى المفردا ... على الذي في رفعه قد عهدا تكلم هنا على ما يكون من المنادى مبنيًا، وما يكون منه معربا، وابتدأ بالذي حكمه البناء. ويعني أن المنادى إذا اجتمع فيه وصفان فحقه البناء: أحدهما: أن يكون معرفا، والتعريف هنا على إطلاقه في تعريف القصد وغيره. فإنك إذا قلت: يا رجل، ويا قائم، فالمنادى هنا صار معرفة بالقصد، وإن كان نكرة في الأصل، لأنه مقبل عليه بالنداء، مقصود، فصار كـ (زيد) في الاختصاص، وكذلك إذا قلت: يا زيد، ويا خالد. فبين أن هذا معرف، إما بما كان عليه من العلمية قبل النداء على رأي، وإما بالقصد إليه على رأى. وأيًا ما كان فالتعريف حاصل فيه. واحترز بذلك من المنادى المذكور الذي يذكره بعد، فإنه لا ينبني؛ بل يعرب نصبًا. والثاني: أن يكون مفردا، كزيدٍ وعمروٍ ورجلٍ، وشبه ذلك. والمفرد هنا أطلقه في مقابلة المضاف، وما أشبه المضاف، نحو: يا غلام زيدٍ، ويا ضاربًا زيدًا، فإن ما كان من هذا الباب يعرب نصبًا حسبما يذكره.

стр. 2942

وليس المفرد في مقابلة المركب أيضا [فإن المركب] تركيب مزج حكمه حكم المفرد، فتقول إذا سميت ببعلبك ورامهرمز يا بعلبك، ويا رامهرمز، هكذا مبنيًا على الضم ولابد. زلا في مقابلة المثنى والمجموع جمع سلامة أو جمع تكسير، فإنهما على حكم البناء أيضا، فتقول: يا زيدان، ويا زيدون، ويا هندات، ويا رجال، فإن قلت: من أين يفهم هذا، وهو إنما أراد قيد الإفراد، وهو يطلق في مقابلة المركب، وفي مقابلة المثنى والمجموع، كما يطلق أيضا في مقابلة المضاف والشبيه به، كما تقدم في باب (لا)؟ فالجواب: أن كلامه على أثر هذا يبين ذلك، لأنه أتى في "قسم المعرب" بما يظهر / أنها أضداد لما قيد هنا، فقال: "والمفرد المنكور والمضاف وشبهه انصب" فالمنكور في مقابلة المعرف المذكور، والمضاف وشبهه في مقابلة المفرد المتقدم، فلا يقع له إشكال في أن المقصود ما ذكر. وأما المركب تركيب إسناد فحكمه الحكاية حسبما تقرر في بابه. وينبغي أن يكون "المنادى" في كلامه بدلا من "المعرف" لا نعتًا له، إذ المقصود تقييد "المنادى" بالقيدين، وهما الإفراد والتعريف، لا تقييد "المعرف" بالنداء والإفراد. فالأصل أن لو قال: وابن المنادى إذا كان معرفا مفرداً.

стр. 2943

وأما أن يقصد تقييد المعرف بكونه منادى مفردا فبعيد، ويصير قيد النداء حشوًا، لأنه فيه تكلم، وبأحكامه أتى، فلو قال عوض ذلك: وابن المنادى المفرد المعرفا ... على الذي في رفعه قد عرفا - لكان أبين في المقصود، وكأنه من باب تقديم النعت على أن يعرب بدلاً، نص على ذلك في "التسهيل" واستشهد عليه بقول الله تعالى﴾ إلى صراط العزيز الحميد الله ﴿على قراءة الخفض، وذلك بشرط صحة ولاية النعت العامل، والشرط حاصل هنا. ثم بين على ماذا يبني فقال: "على الذي في رفعه قد عهدا" يعني أن بناءه بعد النداء على ما كان يعرب به قبل النداء، من حركةٍ أو حرف إن كان معربا. ولا يريد أن نفس الحرف أو الحركة التي كان يعرب بها هي بعينها التي يبني عليها، لأن حركات الإعراب غير حركات البناء في الحكم، وإن تماثلت في الصورة فهي متضادة في الحكم، كما تقدم في بابه. وكذلك الحروف يعرب بها غير التي يبني عليها وإن تماثلت في الصورة. فإنما معنى قوله: "على الذي رفعه قد عهدا" أي على ما يشبه ذلك، لكن لما كانت حركات الإعراب والبناء وحروفهما على لفظ واحد تجوز في العبارة، وهو تقرير اصطلاحي.

стр. 2944

والمقصود أنه إن كان المفرد المعرف يرفع قبل النداء بالضمة ينبني في النداء على الضم، وإن كان يرفع بالألف بني على مثل ذلك، أو بالواو فكذلك، فتقول: يا زيد، ويا رجل، فيما يظهر إعرابه وبناؤه، ويا قاضي، ويا داعي، ويا فتى، إن كان ذلك تعذر. كل هذا يشمله قوله: "على الذي في رفعه قد عهدا" لأن المعهود في (رجل) الضمة الظاهرة وفي (قاضي، وفتى) الضمة المقدرة، وكذلك تقول: يا زيدان، ويا عمران، ويا رجلان، ويزيدون ويا خالدون، وما أشبه ذلك. وهذا هو المذهب المشهور الذي عليه الجمهور من المتقدمين والمتأخرين، وذهب بعض المتأخرين إلى أن (يا زيدان، ويا زيدون) معربان لا مبنيان، وكأنه على منهاج من قال من الكوفيين، وهو الكسائي، في المفرد المعرف في النداء: إنه مرفوع بغير تنوين. ويجري هنا الخلاف المتقدم في اسم (لا) المفرد. والخلاف في كونه معربًا أو مبنيًا شهيد، وقد تقدم القول فيه. ويجرى ذلك هنا. وأيضا لو كان معربا بإعراب الظاهر لم يكن له موضع من الإعراب كسائر ما يظهر فيه الإعراب، إذ ليس له ما يطلب باللفظ والموضع معا، وإذا كان كذلك لم يصلح أن يجري تابعه على الموضع، فلا يقال: يا زيدان العاقلان والعاقلين، ولا يا زيد العاقل / والعاقل، ولا ما أشبه ذلك، ولما كان ذلك جائزًا دل على أن ما في اللفظ ليس بإعراب.

стр. 2945

قال الكسائي: وجدت النداء لا معرب له يصحبه، من ناصبٍ ورافع وخافض، ووجدته مفعول المعنى، فلم أخفضه فيشبه المضاف، ولم أنصبه فيشبه ما لا ينصرف، ويحتمل وجهين، فرفعته بغير تنوين، ليكون بينه وبين ما هو مرفوع برافع صحيحٍ فرق. وهذا كله عند البصريين غير صحيح، وقد رد عليه ابن الأنباري والسيرافي وغيرهما بما يطول ذكره. وهذا كله في قسم المعرب قبل النداء، ودل على ذلك تقسيمه، وقوله: "على الذي في رفعه قد عهدا" وأما ما كان قبل النداء مبنيًا فهو الذي يذكره في قوله: وانوا انضمام ما بنوا قبل الندا ... وليجر مجرى ذي بناءٍ جددا يعني أن ما كان من المناديات مبنيًا قبل النداء فالحكم فيه أن تنوي في آخره الضمة، نحو: يا هؤلاء، ويا من فعل كذا، ويا سيبويه، يا رقاش، ويا أنت، ويا إياك، وما أشبه ذلك. وإنما عين الضم دون غيره لأنه لا يمكن فيه إلا تقدير الضم؛ إذ لا يثنى المبنى ولا يجمع، فيبنى على الألف أو الواو. فإن قلت: فأنت تقول: يا هذان؟
следующие страницы →