Полный текст (5 477 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
والثاني: أن يتوجه المنع على قبول القياس على ما سمع من ذلك وإن كان قليلا، وهذا هو الظاهر والموافق للمنقول، والحرى بالقبول، والمانع هنا أهل البصرة كما تقدم، ولم يمنعوا المسموع ولا أنكروه فيما علمت، والله أعلم.
وابن المعرف المنادى المفردا ... على الذي في رفعه قد عهدا
تكلم هنا على ما يكون من المنادى مبنيًا، وما يكون منه معربا، وابتدأ بالذي حكمه البناء.
ويعني أن المنادى إذا اجتمع فيه وصفان فحقه البناء:
أحدهما: أن يكون معرفا، والتعريف هنا على إطلاقه في تعريف القصد وغيره.
فإنك إذا قلت: يا رجل، ويا قائم، فالمنادى هنا صار معرفة بالقصد، وإن كان نكرة في الأصل، لأنه مقبل عليه بالنداء، مقصود، فصار كـ (زيد) في الاختصاص، وكذلك إذا قلت: يا زيد، ويا خالد.
فبين أن هذا معرف، إما بما كان عليه من العلمية قبل النداء على رأي، وإما بالقصد إليه على رأى. وأيًا ما كان فالتعريف حاصل فيه.
واحترز بذلك من المنادى المذكور الذي يذكره بعد، فإنه لا ينبني؛ بل يعرب نصبًا.
والثاني: أن يكون مفردا، كزيدٍ وعمروٍ ورجلٍ، وشبه ذلك.
والمفرد هنا أطلقه في مقابلة المضاف، وما أشبه المضاف، نحو: يا غلام زيدٍ، ويا ضاربًا زيدًا، فإن ما كان من هذا الباب يعرب نصبًا حسبما يذكره.
стр. 2942
وليس المفرد في مقابلة المركب أيضا [فإن المركب] تركيب مزج حكمه حكم المفرد، فتقول إذا سميت ببعلبك ورامهرمز يا بعلبك، ويا رامهرمز، هكذا مبنيًا على الضم ولابد.
زلا في مقابلة المثنى والمجموع جمع سلامة أو جمع تكسير، فإنهما على حكم البناء أيضا، فتقول: يا زيدان، ويا زيدون، ويا هندات، ويا رجال،
فإن قلت: من أين يفهم هذا، وهو إنما أراد قيد الإفراد، وهو يطلق في مقابلة المركب، وفي مقابلة المثنى والمجموع، كما يطلق أيضا في مقابلة المضاف والشبيه به، كما تقدم في باب (لا)؟
فالجواب: أن كلامه على أثر هذا يبين ذلك، لأنه أتى في "قسم المعرب" بما يظهر / أنها أضداد لما قيد هنا، فقال: "والمفرد المنكور والمضاف وشبهه انصب" فالمنكور في مقابلة المعرف المذكور، والمضاف وشبهه في مقابلة المفرد المتقدم، فلا يقع له إشكال في أن المقصود ما ذكر.
وأما المركب تركيب إسناد فحكمه الحكاية حسبما تقرر في بابه.
وينبغي أن يكون "المنادى" في كلامه بدلا من "المعرف" لا نعتًا له، إذ المقصود تقييد "المنادى" بالقيدين، وهما الإفراد والتعريف، لا تقييد "المعرف" بالنداء والإفراد. فالأصل أن لو قال: وابن المنادى إذا كان معرفا مفرداً.
стр. 2943
وأما أن يقصد تقييد المعرف بكونه منادى مفردا فبعيد، ويصير قيد النداء حشوًا، لأنه فيه تكلم، وبأحكامه أتى، فلو قال عوض ذلك:
وابن المنادى المفرد المعرفا ... على الذي في رفعه قد عرفا
- لكان أبين في المقصود، وكأنه من باب تقديم النعت على أن يعرب بدلاً، نص على ذلك في "التسهيل" واستشهد عليه بقول الله تعالى﴾ إلى صراط العزيز الحميد الله ﴿على قراءة الخفض، وذلك بشرط صحة ولاية النعت العامل، والشرط حاصل هنا. ثم بين على ماذا يبني فقال: "على الذي في رفعه قد عهدا" يعني أن بناءه بعد النداء على ما كان يعرب به قبل النداء، من حركةٍ أو حرف إن كان معربا.
ولا يريد أن نفس الحرف أو الحركة التي كان يعرب بها هي بعينها التي يبني عليها، لأن حركات الإعراب غير حركات البناء في الحكم، وإن تماثلت في الصورة فهي متضادة في الحكم، كما تقدم في بابه.
وكذلك الحروف يعرب بها غير التي يبني عليها وإن تماثلت في الصورة.
فإنما معنى قوله: "على الذي رفعه قد عهدا" أي على ما يشبه ذلك، لكن لما كانت حركات الإعراب والبناء وحروفهما على لفظ واحد تجوز في العبارة، وهو تقرير اصطلاحي.
стр. 2944
والمقصود أنه إن كان المفرد المعرف يرفع قبل النداء بالضمة ينبني في النداء على الضم، وإن كان يرفع بالألف بني على مثل ذلك، أو بالواو فكذلك، فتقول: يا زيد، ويا رجل، فيما يظهر إعرابه وبناؤه، ويا قاضي، ويا داعي، ويا فتى، إن كان ذلك تعذر.
كل هذا يشمله قوله: "على الذي في رفعه قد عهدا" لأن المعهود في (رجل) الضمة الظاهرة وفي (قاضي، وفتى) الضمة المقدرة، وكذلك تقول: يا زيدان، ويا عمران، ويا رجلان، ويزيدون ويا خالدون، وما أشبه ذلك.
وهذا هو المذهب المشهور الذي عليه الجمهور من المتقدمين والمتأخرين، وذهب بعض المتأخرين إلى أن (يا زيدان، ويا زيدون) معربان لا مبنيان، وكأنه على منهاج من قال من الكوفيين، وهو الكسائي، في المفرد المعرف في النداء: إنه مرفوع بغير تنوين.
ويجري هنا الخلاف المتقدم في اسم (لا) المفرد. والخلاف في كونه معربًا أو مبنيًا شهيد، وقد تقدم القول فيه. ويجرى ذلك هنا.
وأيضا لو كان معربا بإعراب الظاهر لم يكن له موضع من الإعراب كسائر ما يظهر فيه الإعراب، إذ ليس له ما يطلب باللفظ والموضع معا، وإذا كان كذلك لم يصلح أن يجري تابعه على الموضع، فلا يقال: يا زيدان العاقلان والعاقلين، ولا يا زيد العاقل / والعاقل، ولا ما أشبه ذلك، ولما كان ذلك جائزًا دل على أن ما في اللفظ ليس بإعراب.
стр. 2945
قال الكسائي: وجدت النداء لا معرب له يصحبه، من ناصبٍ ورافع وخافض، ووجدته مفعول المعنى، فلم أخفضه فيشبه المضاف، ولم أنصبه فيشبه ما لا ينصرف، ويحتمل وجهين، فرفعته بغير تنوين، ليكون بينه وبين ما هو مرفوع برافع صحيحٍ فرق.
وهذا كله عند البصريين غير صحيح، وقد رد عليه ابن الأنباري والسيرافي وغيرهما بما يطول ذكره.
وهذا كله في قسم المعرب قبل النداء، ودل على ذلك تقسيمه، وقوله: "على الذي في رفعه قد عهدا"
وأما ما كان قبل النداء مبنيًا فهو الذي يذكره في قوله:
وانوا انضمام ما بنوا قبل الندا ... وليجر مجرى ذي بناءٍ جددا
يعني أن ما كان من المناديات مبنيًا قبل النداء فالحكم فيه أن تنوي في آخره الضمة، نحو: يا هؤلاء، ويا من فعل كذا، ويا سيبويه، يا رقاش، ويا أنت، ويا إياك، وما أشبه ذلك.
وإنما عين الضم دون غيره لأنه لا يمكن فيه إلا تقدير الضم؛ إذ لا يثنى المبنى ولا يجمع، فيبنى على الألف أو الواو.
فإن قلت: فأنت تقول: يا هذان؟
стр. 2946
فالجواب: أنه عنده معرب لا مبنى، وقد تقدم ذلك في باب الإشارة والموصول فلأجل هذا عين فيه تقدير الضم.
وأيضًا، لو كان معربًا لم يعرب إلا بالضمة، فلم يكن ليبنى إلا عليها، وضمير "بنوا" للعرب، وإنما عين تقدير الضم دون ظهوره، لأن آخره قد استحقته حركة البناء الأول أو سكونه، فلم يكن لينسخ بهذا البناء الطارئ.
فإذا قلت: يا هؤلاء، لم يبق لفظه على الكسرة السابقة، وكذلك: يا هذا، ويا من فعل كذا، لا يبنى إلا على السكون، وكذلك جميع الباب.
فإن قلت: ثبت في "الأصول" أن الحكم للطارئ، ألا ترى أنك إذا نسبت إلى (أمية أو جهينة) قلت: أموي، وجهني، فاعتبرت الطارئ وهو النسب، فلم تحفل بكسر بنية التصغير المتقدمة.
وإذا صغرت (عصوى) المنسوب إلى (عصًا) قلت: عصيي، فلم تعتبر ما فعلت في (أموي) فكنت تقول: عصوي؛ بل اعتبرت الطارئ وحده.
وهي قاعدة نبه عليها ابن جنى، وهي أصولية كلية، فكان الوجه هنا أن يبنى على الضمة، وهو البناء الطارئ، ويهمل اعتبار ما قبل، كما أهملوا ما تقدم، وكما أهملوا في الأسماء المعربة أصل التمكن، فبنوها وإن كان التمكن باقيًا.
فالجواب: أن القاعدة صحيحة في نفسها، وما فعلوا هنا صحيح لا يخل بها، وذلك أن الحكم الطارئ إذا ورد على السابق، فتزاحما على محل واحد، فلم يمكن الجمع بينهما على وجهٍ لا يخل أحدهما بالآخر في شيء - فلا بد من
стр. 2947
نسخ الحكم / المتقدم، لكن على وجهٍ لا يخل به المتأخر جملة، لأنه مطلوب أيضا كالطارئ وذلك كمسألة "التصغير" مع "النسب" لما كان كل واحد منهما يطلب ببنيةٍ مخصوصة، وحكمٍ مخصوص، ولم يمكن اعتبارهما معًا فيه، لأن ياء النسب تطلب في (أميي، وعصيي) بتخفيف إحدى الياءين، وقلب الأخرى واوًا، وبنية التصغير [تطلب بإثباتها، وعدم قلب الأخرى - تضادًا فلم يكن بد من اعتبار الطارئ بحيث لا يخل بالمتقدم، فاعتبروا ياء النسب في: أموي، وبنية التصغير] في: عصي، فحذفوا هناك إحدى الياءين، وقلبوا الأخرى ولم يحذفوا ههنا لالتباسه بالنسب إلى (عصية)
وكذلك كل مسألة حكم فيها للطارئ لابد أن تجتمع مع هذه المسألة في هذا المعنى.
وأما إذا كان كل واحد من الحكمين له وجه يجري عليه دون إخلال بالحكم الأول فلا ينصرف إلا غليه كمسألتنا، فإن الحركة قد يؤتى بها ظاهرة وهو الأصل، ومقدرة حيث لا يزاحمها حركة أخرى، كالقاضي، والفتى، وقاضي ونحوها، فما ظنك إذا زاحمها حركة أخرى، كـ (من زيدًا؟ ) و (من زيدٍ؟ ) في باب الحكاية، فلا نكر في ذلك، فإذا أمكن هنا تقدير الحركة الطارئة فهذا أولى.
وأيضًا فشأن حركات الإعراب التساهل فيها، فلذلك يكثر تقديرها، ولاسيما عند شغل المحل بحركة أخرى لازمة، وحركة البناء الطارئ في النداء تشبه حركة الإعراب، ولذلك يعتبر لفظها وموضعها، فدخلت في
стр. 2948
حكم حركة الإعراب، وبسط هذا كله في "علم الأصول العربية" وإنما نبهت عليه تبيينًا لمعنى كلام الناظم في تنبيهه على تقدير الضمة، وإشعار كلامه بالتنكيت على حكم القاعدة.
ثم بين فائدة تقدير الضم في المبني قبل النداء بقوله: "وليجر مجرى ذي بناءٍ جددا" يعني أنه يجرى على حكم المبنى في النداء الذي كان قبله معربًا، نحو: يا زيد، ويا رجل، في جميع الأحكام.
وبيان هذه الجملة أن المنادى المبنى على الضم في النداء إذا أتبع فإنه يجوز فيه الحمل على اللفظ وعلى الموضع، حسبما يذكر إن شاء الله.
وإنما جاز الإجراء على اللفظ وإن كان مبنيا لاطراد البناء على الضم في ذلك الموضع، ألا ترى أنك تقول: كل منادًى مفردٍ مبنى على الضم، كما تقول: كل فاعل مرفوع، وكل مفعولٍ به مع ذكر الفاعل منصوب، وإذا كان كذلك فالمجدد البناء يجري فيه هذا الحكم نحو: يا زيد الطويل، والطويل.
وأما المبنى قبل النداء فقد يتوهم أنه لا يجرى ذلك المجري من جهة أن لفظه على غير الضم، فليس له لفظ يجرى عليه التابع، فاحتاج إلى التنبيه على أن المبنى قبل النداء [إذا قدر له الضم يجرى بذلك التقدير على حكم المبنى في النداء المعرب قبله، ولا يمنعه البناء قبل النداء] حكم البناء الحادث الآن، ولا اعتبار حركته، وهذا من باب الحكم للطارئ المذكور آنفا، فقد أحسن الناظم في هذا التنبيه، وقل من ينبه عليه.
وقوله: "مجرى" هو بالضم لأن (يجرى) مبنى من الرباعي من: أجريته مجرى كذا، أي جعلته يجرى مجراه، وعلى حكمه.
стр. 2949
وبقي هنا سؤال، وهو أن يقال: في أي نوعٍ من أنواع البناء التي ذكر الناظم / قبل هذا يدخل بناء المنادى؟ وإنما قيل في بنائه: إنه أشبه الصوت كغاق وجوب، أو وقع موقع المضمر، أو أشبه كاف المخاطب، وهذه ليست تشبه الحرف؟
والجواب: أنا إن قلنا: إنه إنما تكلم هنالك على البناء اللازم فلا سؤال، أو قلنا: إنه أشار إلى بعض الموجبات تنبيهًا على البعض الباقي فكذلك. وإن قلنا: حصر موجبات البناء بإطلاق فعلى هذا يرد السؤال.
ويمكن أن يكون مبنيا لشبه الحرف، وهو كاف الخطاب المجردة عن الاسمية في نحو قولك: النجاءك، ورويدك، وأرأيتك، أو حرف الخطاب الذي كان حقه أن يوضع له إن قلنا: إن كاف (لك، رويدك) ونحوه، أصله الاسمية، فإن (يا زيد) مقصود فيه معنى الخطاب، أو تضمن معنى حرف الخطاب الذي كان حقه أن يوضع له حرف، وقد قيل. وهذا كله مما يدخل تحت ما ذكر الناظم.
ولم يبن المنكور والمضاف وشبهه - وإن كان فيه ذلك المعنى - لأن المضاف قد دخل فيه ما يرجح جانب الإعراب، وهو الإضافة المختصة بالأسماء المعربة في الغالب. والذي أشبه المضاف أجرى مجراه.
وأما النكرة فلما لحقها التنوين طالت به، فأشبهت المضاف.
وأيضًا، فإن المنادى جارٍ مجرى (قبل، وبعد) في أنهما يعربان حال إلحاق التنوين والإضافة، ويبنيان إذا لم يكونا فيه، ولذلك أيضا بنى المنادى على الضم كما بنيا عليه.
стр. 2950
وقيل: إنه بني على حركةٍ للمزية التي له على ما أصله البناء، كـ (من، وكم) وعلى الضم لأنها حركة لا تكون له إعرابا.
وما قيل في النكرة فيه نظر.
ولما أتم الكلام على قسم المبنى، وحصر أنواعه، عطف بذكر المعرب، وحصر أنواعه أيضا، فقال:
والمفرد المنكور والمضافا ... وشبهه انصب عادمًا خلافا
يريد أن المنادى إذا كان منكورًا، أو مضافًا، أو شبيهًا بالمضاف - فهو منصوب، ليس له إلا ذاك.
فأما (المنكور) فهو الذي كان قبل النداء نكرة، ولم يكن في النداء مقصودًا قصده، كقول الأعمى: يا رجلاً خذ بيدي.
ومنه ما يقول المذكرون بالكسوف: اليوم اذكروا الله يا غافلين.
ومنه ما أنشده سيبويه من قول عبد يغوث بن وقاص الحارثي:
стр. 2951
فيا راكبًا إما عرضت فبلغًا ... نداماى من نجران ألا تلاقيا
وأما (المضاف) فيستوي في ذا الحكم ما كان منه معرفةً بالإضافة وما لم يكن كذلك، ولا يبالى بها أكانت محضًة أم غير محضة، وكان المضاف مقصودًا بالنداء أم لا، نحو: يا ضارب زيدٍ، ويا طالع جبلٍ، ويا غلام زيدٍ. ومنه: ﴾ ربنا تقبل منا ﴿﴾ يا صاحبي السجن ﴿وهو كثير.
وأما (الذي أشبه المضاف) فالمنادى إذا كان عاملا في غيره نحو: / يا ضاربًا زيدًا، ويا مارًا بزيدٍ، ويا خيرًا من زيدٍ، ويا قائمًا أمس، وما أشبه ذلك من العوامل التي تتعلق بها المعمولات، ومنه: يا حسنًا وجهه، ويا قائمًا أبوه، وكذلك المعطوف والمعطوف عليه مسمى بهما نحو: يا زيدًا وعمرًا، وكذلك يا ثلاثًة وثلاثين، مسمًى به، فإن لم تسم به فقولان، قول الفارسي: إنه مفرد معطوف على مفرد نحو: يا زيد والرجل.
وقيل: إنه جارٍ مجراه في التسمية.
وإنما وجب الإعراب هاهنا للطول بالعطف، فصار كالعامل والمعمول.
فإن قلت: هل يدخل هنا في (شبه المضاف) النعت والمنعوت إذا كان المنعوت مفردا نكرة قبل النداء، نحو: يا حليمًا لا يعجل، ويا جوادًا لا يبخل، ويكون منه ما روى عن النبي ﷺ أنه كان يقول:
стр. 2952
"يا عظيمًا يرجى لكل عظيمٍ" وأنشد سيبويه لذي الرمة:
أدارًا بحزوى عجت للعين عبرًة ... فماء الهوى يرفض أو يترقرق
إذ لم يقصد إلا دارًا واحدة، فليس بمنكور، وكذلك ما أنشده أيضا لتوبة بن الحمير:
لعلك يا تيسانزا في مريدةٍ ... معذب ليلى أن تراني أزورها
وقال الآخر، وينسب إلى الأحوص:
ألا يا نخلًة من ذات عرقٍ ... عليك ورحمة الله السلام
стр. 2953
فهذا كله مما عومل فيه المفرد معاملة المضاف للطول بالصفة، وهو ظاهر من كلام سيبويه.
ويرشح هذا احتياج النكرة إلى الصفة التي تبينها، فقد صارت بذلك معها كالشيء الواحد، على حد (المضاف والمضاف إليه).
فالجواب: أن هذا ممكن، على أن يكون نقل إلى النداء موصوفًا، فبقي على ما كان عليه حين صارت الصفة له كالمعمول للعامل، وكالمعطوف في التسمية، وتعريف القصد لا يقدح في هذا، فإنه إنما ورد على الصفة وموصوفها معا، لا على الموصوف وحده.
فإن قيل: يبقى فيه أمران:
أحدهما: لزوم ذلك في المعرفة بغير النداء الموصوفة نحو: يا زيد الكريم، فكنت تقول على هذا: يا زيدًا الكريم، وذلك لا يجوز. والناظم ليس في كلامه ما يعين اختصاص ذلك بما عرف بالنداء خاصة.
والثاني: إذا سلمنا ذلك، فإن النصب جائز غير واجب؛ بل يجوز أن تقول: يا رجلاً فعل كذا، ويا رجل فعل كذا.
ومن البناء قول الأحوص، أنشده سيبويه:
يا دار حسرها البلى تحسيرا ... وسفت عليها الريح بعدك مورا
стр. 2954
وأنشد أيضا للطرماح:
يا دار أقوت بعد أصرامها ... عامًا وما يعنيك من عامها
وأنشد أيضا لعمرو بن قنعاس:
ألا يا بيت، بالعلياء بيت ... ولولا حب أهلك ما أتيت
أفلا ترى إلى البناء مع صلاحية، ما بعد المنادى لأن يجرى صفة، وقد نص في "التسهيل" على هذا المعنى فقال: ويجوز نصب ما وصف من معرف بقصدٍ وإقبال، فأتى بلفظ "يجوز"
وكلام الناظم لا يقتضى / هنا إلا اللزوم، فقد يقال: إن هذين الوجهين مانعان من أن يجرى المنادى الموصوف إذا كان مفردا مجرى المنادى الممطول.
стр. 2955
فالظاهر أن ما كان من المنادى منصوبًا، وهو موصوف بصفة النكرة، نكرة نحو ما تقدم من قوله: "أدارًا بحزو" وسائر النظائر، لأنه لو كان معرفة بالقصد والإقبال لكان لا يوصف إلا بالمعرفة.
ألا ترى أنك لا تقول في وصف نحو: (يا رجل) إلا الكريم - بالألف واللام - ولا تقول: يا رجلاً كريمًا، أو كريم.
وقد حكي يونس عن العرب: يا فاسق الخبيث، وأخبر سيبويه: أنه سمعه من العرب الموثوق بهم، أعنى تعريف الوصف، وحمل قوله: "يا دار أقوت" على أن "أقوت" استئناف، لا على الوصف، وكذلك قوله:
* يا دار حسرها البلى تحسيرا *
وسائر النظائر، وعليه رأى الخليل وسيبويه وغيرهما.
والجواب عن الأول: أنه لو سمع في المعرفة لكان ولا مانع منه في القياس، لأن قصدك إلى نداء (زيد العاقل) كقصدك إلى نداء (رجل عاقل) فكما تقول: يا رجلاً عاقلاً، كذلك تقول: يا زيدًا العاقل، ويكون الفرق بينه وبين (يا زيد
стр. 2956
العاقل) أنك في هذا وصفت ما كان منادى، وفي مسألتنا وصفت غير منادى، لكنك نقلته إلى النداء موصوفا، فأشبه العامل والمعمول كالنكرة الموصوفة.
فالحاصل أن ما ألزم في السؤال يلتزم. سلمنا أنه لا يكون في المعرفة.
فالفرق عدم السماع، ومن جهة المعنى: أن النكرة أحوج إلى الوصف من المعرفة فكون وصفها معها كالشيء الواحد أتم منه في المعرفة مع صفتها، فافترقا.
والجواب عن الثاني أن النصب على ذلك القصد واجب لا جائز، وذلك لأن النداء تارًة يرد على الموصوف بصفته، وعند ذلك لابد من النصب، كما يرد على العامل مع معموله، والمعطوف مع المعطوف عليه في التسمية، فلا يكون بد من النصب.
وتارة يرد على الاسم غير موصوف، فلابد من البناء، لأن الصفة إنما ترد على المنادى وحده، فهو مفرد مقصود، ثم يرد الوصف على معرفة، فلابد من تعريف الصفة.
وإن لا فإذا وقع بعد المنادى جملة أو مجرور، فهو على تقدير الاستئناف.
فعلى اعتبار القصدين جاء الوجهان، وإنما تدخل المسألة في المنادى الممطول على التقدير الأول ولا خيرة فيه، فصح كلام الناظم بدخول المسألة تحته.
وأما ما رآه في "التسهيل" فعبارته فيه تقتضى أن المنادى معرفة، وهو مع ذلك موصوف بصفة النكرة، فلا يستقيم على ظاهره فهمه.
стр. 2957
وما قيل من أن "أدارًا بحزوى" وأشباهه نكرات - فغير مسلم بأنه مشبه بالمعطوف والمعطوف عليه، والعامل والمعمول، وأنت تجعل (يا / طالعًا جبلاً) معرفًة، و (يا رجلاً وامرأًة) مسمًى به معرفة، وإن كان اللفظ لفظ النكرة، فكذلك تجعل (يا رجلاً عاقلاً) بجملته معرفًة، وإن كان اللفظ لفظ النكرة.
فإن قيل: ما الدليل على أنها من المنادى المقصود دون المنكور؟
فالجواب: أن الدليل النقل عن الأئمة أنه كذلك، وأيضا فقوله:
* لعلك يا تيسًا نزا في مريرةٍ *
"التيس" فيه رجل بعينه، وهو زوج ليلى الأخيلية، فإذا ثبت هذا كان دخول المسألة تحت عبارة "شبه المضاف" ظاهرا.
فثبت من كلامه أن المعرب من المناديات ثلاثة أنواع: المنكور المفرد، والمضاف، والشبيه بالمضاف.
والنحويون يعدون من ذلك بحسب الإعراب نوعًا رابعًا، وهو المجرور باللام في "الاستغاثة". وفي "التعجب" الشبيه بها.
وهو غير داخل على الناظم؛ إذ قيد إعرابها بالنصب، وهو مجرور، وسيذكره في موضعه.
стр. 2958
وقوله: "عادمًا خلافًا" حال من ضمير "انصب" يريد أن نصب هذه الأنواع الثلاثة اتفاق من النحويين، لا خلاف بينهم في ذلك.
فإن قيل: فما فائدة التنبيه على نفي الخلاف هنا؟
فالجواب: أنه نبه به على خلاف ضعيف في المسألة، لا ينتهض خلافًا، وذلك أن "ثعلبا" أجاز النصب والرفع في المضاف الصالح للألف واللام نحو: يا حسن الوجه، ويا قائم الأب، فيجوز عنده ضم "حسن" و"قائم" لأنه لما كانت إضافته في نية الانفصال كانت كالمعدمة.
قال المؤلف في "الشرح" وأظنه قاس ذلك على رواية الفراء عن بعض العرب: يا مهتم بنا لا تهتم - بضم مهتم - مع أنه شبيه بالمضاف.
ثم أول الحكاية على أن "بنا" يتعلق بـ (لا تهتم) لا بـ (مهتم) وإذا كان كذلك فلابد أن يكون قائلاً أيضا بجواز الضم قياسًا في نحو: يا مهتم بنا لا تهتم.
فالخلاف حاصل في المضاف، والشبيه به، لكنه خلاف شاذ، فكأنه الناظم يقول: هذا المذهب غير مرضى ولا معتد به أن يكون خلافًا، فلا خلاف في الحقيقة، وكذا عادة بعض المصنفين يحكون الوفاق نفيًا للخلاف الضعيف، وابن الحاجب مما يفعل ذلك في مواضع من "مختصره" الفقهي، نبهنا على ذلك بعض شيوخنا، فيكون هذا الموضع من ذلك.
стр. 2959
فإن قيل: فثم أيضا خلاف غير ضعيف في المفرد المنكور، وذلك أن المازني يجعل ما جاء من ذلك في السماع مونًا ضرورًة لا قياسًا، والقياس عنده الضم فتقول: يا رجل خذ بيدي، وما أشبه ذلك.
قيل: قد يكون هذا الخلاف عنده ضعيفا لا يعتد به، وأيضًا خلاف المازني في أصل المنكور، وذلك أنه يقول: لا يتصور نداء منادًى غير مقبلٍ عليه؛ بل لابد من القصد إليه، وإذا ثبت القصد إليه صار معرفة به، / فلا يكون فيه إلا الضم في غير ضرورة.
فهو غير قائل بالضم في النكرة إلا بناًء على أنها معرفة، هذا إن ثبت خلاف المازنًي في النقل، وإن لا فيكون الأمر أسهل في طلب الاعتذار، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله: "عادمًا خلافا" يرجع إلى توافق السماع، [يريد أن السماع] لم يأت بخلاف ما ذكرت لك من النصب، تنكيتًا على ما رواه الفراء، وما أجازه ثعلب، وهذا الاحتمال ظاهر أيضا.
ولم يتعرض الناظم للناصب ما هو، ولا للمبنى هل هو في موضع نصب أم لا؟
أما هذا الثاني فقد يستشعر من كلامه في التابع، حيث أجاز الحمل على الموضع.
وأما الأول: فالجمهور من البصريين على نصبه بفعل مضمر لازم الإضمار، ومنهم من ذهب إلى أنه منصوب بأداته بالظاهرة، إلا أنهم اختلفوا فيها، فذهب الفارسي في "التذكرة" إلى أن النصب بها، مع أنها حروف، هذا ظاهر كلامه.
стр. 2960
وذهب بعض المتأخرين إلى أنها (أسماء أفعال) نصبت ما بعدها، والكلام على ترجيح المذاهب غير لائق بالشرح:
ونحو زيدٍ ضم وافتحن من ... نحو أزيد بن سعيدٍ لاتهن
والضم إن لم يل الابن علما ... أويل الابن علم قد حتما
هذه مسألة المنادى إذا وصف بـ (ابنٍ) ما حكمه؟
فأشار إلى أنه إذا اجتمعت للمنادى الموصوف بـ (ابنٍ) خمسة شروط جاز في المنادى وجهان:
أحدهما: بقاؤه على ما كان عليه من الضم الذي استحقه بكونه مفردًا معرفة، سواء أكان غير موصوف أم موصوفًا بغير (ابن) فتقول: يا زيد بن عمروٍ.
والثاني: فتحه إتباعًا لـ (ابنٍ) في فتحه نحو: يا زيد بن عمروٍ، وبهذا الوجه الأخير امتازت هذه المسألة عن غيرها، ولأجله ذكرت.
الشرط الأول: ما نبه عليه تمثيله بقوله: "ونحو زيدٍ" وهو في الحقيقة موضوع المسألة، لأن المضاف والشبيه بالمضاف لا يصح فيه الضم، والمنكور لا يوصف بابن فلان، لعدم تعريفه في الأصل.
والثاني: كون الضم فيه ظاهرا، وذلك ما نبه عليه المثال أيضا، لأن (زيدا) اسم ظهر فيه الضم، ففيه وفي أمثاله يصح هذا الحكم، فلو كان ضمه مقدرا فلا ينوى الفتح فيه.
стр. 2961
قال المؤلف: إذ لا فائدة في ذلك، ثم حكي عن الفراء أنه أجاز في قوله تعالى: ﴾ يا عيسى بن مريم ﴿الوجهين - الضم والفتح - فإذا اعتبرنا هذا الشرط أخذًا من المثال، وكثيرا ما يعتمد الناظم على الأمثلة، فيترجح مذهبه بما قال في "الشرح": إنه لا فائدة في تقدير الإتباع.
ومن وجهٍ آخر، وهو أن الإتباع أمر لفظي لا يحكمى، ألا ترى أنه تناسب يحصل بإتباع الفتح الفتح بخلاف ما إذا لم يتبع، / فإن الضم والفتح غير متناسبين، وهما ملتقيان أو كالملتقيين. ومن عادتهم تحصيل التناسب اللفظي، وأما التقدير فلا تناسب بينه وبين اللفظ، ولذلك جاء نحو: منتن، و (الحمد لله) و (الحمد لله) بعيرٍ، ونحوه.
فالصواب ما رآه من التقييد بالظهور، وإنما يحسن تقدير الأمور الحكميه، كالإعراب والبناء وغيرهما.
стр. 2962
والثالث: أن يكون التابع له (الابن) لا غيره من الأسماء. نبه على هذا مثاله أيضا، فلو كان التابع غير (الابن) لزم في (زيد) الضم خلافًا للكوفيين، حسبما يذكر.
والرابع: أن يقع قبل (الابن) علم يكون واليًا له، وذلك قوله: (إن لم يل الابن علما) وهذا الشرط يحترز به من أمرين:
الأول: ألا يكون ما قبل (الابن) علمًا نحو: يا غلام ابن عمروٍ، ويا فاضل ابن زيدٍ فهذا لابد فيه من الضم حتما، لأنه لم يل (الابن) علمًا، فنص كلامه أن الضم متحتم عند فقد العلمية مما قبل (الابن) يفهم منه أن علمية ما قبله شرط في جواز الوجهين.
والثاني: أن يكون ما قبله علمًا، لكن غير والٍ له؛ بل فصل بشيء آخر بينه وبينه، نحو: يا زيد الفاضل ابن عمروٍ، فلابد من ضم (زيد) بمقتضى قوله: "إن لم يل" وإطلاقه (الولاية) هنا يريد بها أن يكون بعده متصلاً به.
والخامس: أن يقع بعد (الابن) علم أيضا، فإن لم يقع بعده علم فلابد من الضم في المنادى نحو: يا زيد ابن الرجل، ويا عمرو ابن صاحبنا، وما أشبه ذلك.
فإذا اجتمعت الشروط جاز الوجهان كما تقدم.
ومن ذلك ما أنشده سيبويه من قول الشاعر:
* يا حكم بن المنذر بن الجارود *
стр. 2963
وأنشد أيضاً للعجاج:
* يا عمر بن معمرٍ لا منتظر *
ويدخل تحت تحت هذا الشرط ما إذا كان (الابن) بين علمين، كما مثل، أو بين لقبين نحو: يا كرز بن بطة، أو بين علم ولقب نحو: يا زيد بن كزرٍ ويا كرز بن زيدٍ، لأن الألقاب أعلام، وكذلك الكنى كما تقدم له في "باب العلم".
ووجه الفتح الإتباع لحركة نون (ابن) لأن الاسمين لما كثر استعمالهما صارا كالاسم الواحد، فجاز فيهما من الإتباع ما جاز في الاسم الواحد نحو: امرئٍ وابنمٍ، فإنك تتبع في ذلك ما قبل الآخر الآخر، نحو: هذا امرؤ وابنم، ورأيت امرأ وابنمًا، ومررت بامرئ وابنمٍ.
ولأجل أنهما استعملا كثيرا، فصارا كالشيء الواحد، لم يجز هذا الحكم عند ما فصل فاصل.
ولأجل أنهما استعملا كثيرا، والأول علم، والثاني كذلك لم يسغ ذلك مع غير الأعلام إذ توسعوا في الأعلام ما لم يتوسعوا في غيرها، ويدلك على ذلك في الأعلام أنك تقول في غير النداء: هذا زيد بن عمروٍ، فتحذف التنوين، وهذه هند بنت عمروٍ، فيمن صرف (هندًا) فتحذف أيضا.
فإذا قلت: هذا زيد ابن أخينا، لم تحذف التنوين، / وكذلك: هذا غلام ابن زيدٍ، فلا تحذف.
стр. 2964
فإن قلت: لم يذكر هنا حكم (بنت) إذا وقع موقع (ابن) مع أن حكمهما واحد، فما المانع من ذكره؟
فالجواب: أن التصرف في (ابن) أكثر، والكلام به أشهر من (بنت) فلم يتعرض له، وعلى أن القياس على (ابن) سائغ فيها على ما تقدم من التعليل، وهو رأى أبي عمرو بن العلاء.
ومعنى قوله: "والضم إن لم يل" .. البيت، أن الضم في المنادى لازم إذا لم يقع (الابن) بين علمين مواليين، فإن وقع كذلك لم يلزم الضم على ما تقدم في البيت قبله.
وقوله: (أويل الابن علم) فعل معطوف على "يل" الأول، داخل تحت حكم الجزم بـ"لم" أي: ولم يل الابن علم، و (حتم) معناه: أوجب.
وقوله في البيت قبله: "ونحو زيد" معمول في المعنى للفعلين بعده، تنازعاه، والمعمل فيه هو الثاني، وهو "افتحن" لأنه بغير ضمير منصوب، و"لاتهن" من: وهن يهن، إذا ضعف، أي لا تضعف عن أمرك، وهو من تمام المثال.
واعلم أن هذا الاشتراط إنما هو في القياس وعلى رأى البصريين، أما في السماع فلا.
فقد قالوا: يا فلان ابن فلان، وليس الاسم واقعا بين علمين، ويا سيد ابن سيد ويا ضل ابن ضل.
وفي تمام الشروط روى الأخفش عن العرب. ضم نون (ابن) فتقول: يا زيد بن عمروٍ، وهو نظير قراءة من قرأ: "الحمد لله" بضم لام (لله).
стр. 2965
وأما مخالفة البصريين، فذكر عن الكوفيين أنهم لا يقتصرون في فتح الموصوف على (الابن) بل يقولون: يا زيد الكريم، ودليلهم على ذلك قول الشاعر، وهو جرير:
فما كعب بن مامة وابن سعدي ... بأجود منك يا عمر الجوادا
رووه بنصب راء (عمر) ومثل هذا شاذ لا يعتد به.
ويرد عليه اعتراض هنا، وهو أنه ترك شرطا معتبرا في الحكم الذي قرر، فإن جواز الوجهين لا يكون إلا إذا أعرب (الابن) صفًة للأول، فحينئذ يحكم له بحكم الإتباع.
وأما إذا كان بدلاً، أو على تقدير نداءٍ آخر - فلا يصح فيه إلا وجه، وهو ضم الأول، وذلك قولك: يا زيد ابن عمروٍ، فـ (ابن عمرو) تعربه بدلا، فلابد من ضم (زيد) لأن البدل هو المقصود بالحكم دون الأول، فلا يتأتى فيه ما يتأتى في الصفة مع الموصوف، وكذلك إن قدرت قبل (الابن) حرف نداء فهو أولى بالانقطاع من الأول وكلامه ليس فيه ما يعطي هذا الشرط، وقد أشار في "التسهيل" إلى هذا الشرط، وهو حقيق بالاشتراط.
والجواب: أنه فرض المسألة سماعية، لأنه قال: "ونحو كذا" ولم يفرضها صناعية، وإذا كان كذلك فالمثال الذي ذكر، وما أشبهه، جائز فيه الوجهان على
стр. 2966
الجملة، لأنك إن فرضت (الابن) صفة، فهو ذاك، وإن لا، فأحد الوجهين لازم، فقد حصل جواز الوجهين، إلا أن أحدهما وهو الأصل على ثلاثة تقديرات، والآخر على تقدير / واحد، ولا خلل في عدم تفصيل الأوجه الصناعية. والله أعلم.
واضمم أو انصب ما اضطرارًا نونا ... مماله استحقاق ضم بينا
أخبر في هذين الشطر أن الشاعر إذا اضطر إلى تنوين المنادى الذي كان مستحًق للبناء على الضم، وهو المفرد المعرفة، جاز له وجهان:
أحدهما: بقاؤه على ضمه، وهو الذي ابتدأ به في قوله: "واضمم" لأن التنوين عارض للضرورة، فلا يعتد به، بل يجعل كالمعدوم، فيبقى على ضمه.
وأيضًا: فيقويه شبه حركة البناء في المنادى بحركة الإعراب.
والثاني: رده إلى أصله من النصب، ولذلك قال: "أو انصب" ولم يقل: أو افتح، كما قال: "واضمم" إشعارا بأن الفتحة إعراب لا بناء.
ووجه ذلك أن البناء إنما كان لشبهه بالمضمر، أو وقوعه موقع (كاف) الخطاب، أو تضمنه معناها.
وعلى كل تقدير فقد ضعف بالتنوين لأنه من خصائص الأسماء كالإضافة، ومقل هذا الاسم الذي لا ينصرف، إذا نون ضرورًة رد إلى
стр. 2967
الجر بالكسرة، كقول امرئ القيس:
* ويوم دخلت الخدر خدر عنيزةٍ *
وهذا الوجه أقيس من الأول، إذ لم يبق عربي الاسم على جره بالفتحة حين اضطر إلى صرف ما لا ينصرف [كذلك ينبغي أن يكون المنادى.
وأيضا فإنه بالتنوين أشبه المطول، فكان الوجه فيه النصب، غير أن البقاء على الأصل أكثر في السماع، ولذلك لم يسمع سيبويه النصب حسبما حكي عن نفسه.
وكأن الناظم قدم الضم على النصب إشعارًا بأنه الأولى عنده، واعتمادًا على ترجيح السماع.
والمسألة مختلف في المختار فيها من الوجهين، ولا خلاف في جوازهما.
فالخليل وسيبويه يختاران بقاءه على الضم، لما تقدم من القياس، ولشبهه بالممرفوع الذي لا ينصرف] ولأن السماع عليه، أنشد سيبويه للأحوص
стр. 2968
سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السلام
وقالت بنت النضر بن الحارث، واسمها قتيلة، حين قتل النبي ﷺ أباها:
أمحمد والضنء ضنء نجيبةٍ ... في قومها والفحل فحل معرق
وقال لبيد بن أبي ربيعة:
قدموا إذ قيل: قيس قدموا ... وارفعوا المجد بأطراف الأسل
أراد: يا قيس.
وأما أبو عمرو وأتباعه فيختارون النصب، لما تقدم من القياس، والسماع أيضا، كقول عدى بن ربيعة أو أخيه مهلهل:
стр. 2969
ضربت صدرها إلى وقالت ... يا عديًا لقد وقتك الأواقي
وقال كثير:
ليت التحية كانت لي فأشكرها ... مكان يا جملاً حييت يا رجل
ويروى "مكان يا جمل" على اختيار الخليل وسيبويه، وقال الآخر:
يا سيدًا ما أنت من سيد ... موطأٍ الأكناف رحب الذراع
وهنا مسائل ثلاث:
إحداها: أن قوله: "مما له استحقاق ضم" أراد به كل حقه أن يبني، والذي هو كذلك المفرد العلم كما تقدم تمثيله، والنكرة المقصودة المفردة نحو: يا رجل، وعليه بيت كثير، والبيت بعده، فكأنه نبه على أنه لا يستثنى من المبنى على الضم شيء.
وظاهر كلام النحويين كظاهر هذا النظم في تعميم الحكم في العلم وغيره مما يجب بناؤه.
وذهب علماء سبتة، فيما حدثنا شيخنا
стр. 2970
الأستاذ - رحمة الله عليه - إلى أن ذلك مختص بالعلم، وعللوا ذلك بأن المعرف بالقصد والإقبال لا ضرورة تلحق فيه، لأنهم إن / أرادوا تنوينه قدروه منكرًا فانتصب.
ورواية بيت كثيرٍ يرد عليهم، وأيضًا، فإن التنكير لا يتأتى في كل موضع؛ بل لابد من موضعٍ يكون قصد التنكير فيه مخلاً بمقتضى الحال، فالأصح عموم الحكم.
و(ما) من قوله: "ما اضطرارًا نونا" منصوبة المحل على المفعولية، تنازعها الفعلان قبلها.
والثانية: أنه قال: "مما له استحقاق ضم بينا" فختم بقوله: "بينا" وهو في موضع الصفة لـ"ضم" بمعنى: ضم أظهر وفائدة هذا التقييد التحرز من الضم المقدر، فإنه، وإن كان مقدرًا، يلحقه التنوين على الجملة، كقاضٍ وفتًى، فأخرج الضم المقدر من هذا الحكم، لئلا يتوهم أنه ينون ضرورًة، وليس كذلك؛ لا ضرورة تدعو إلى ذلك، لأنه إما مبنى أو معرب، وعلى كلا التقديرين لا يضطر إلى تنوينه، لأن الحرف الذي قدرت فيه الضمة ساكن، نحو: يا قاضي، ويا فتى، فإذا نون حذف لالتقائه ساكنًا مع التنوين، فلم يفد التنوين في وزن الشعر شيئا، كما أفاد إذا كانت الضمة ظاهرة، وفي هذا البحث نظر يتبين في باب ما لا ينصرف إن شاء الله.
стр. 2971
والثالثة: أن هذه المسألة من المسائل المختصة بـ"الضرائر الشعرية" وكلامه فيها بناًء على أن تنويون المنادى جائز في الشعر، لأن الكلام في حركته المتبوعة ثانٍ عن كونه تابعا لحركة، وأن ذلك حاصل، وهذا صحيح.
ولكن الكلام في أصلها، بالنسبة إلى هذا المختصر، كـ"الفصل" الذي لا يحتاج إليه، لأنه قد ترك من أحكام الكلام كثيرا، فكيف يذكر أحكام الشعر، وأحكام الكلام آكد بلا شك؟
فيعترض من جهتين، من جهة كلامه في "الضرائر" وهي أحكام أقلية، ومن جهة تركه أحكامًا أكثرية، وقواعد ضرورية، وكان قادرا على وضعها موضع تلك الأقلية.
والعذر عن هذا من وجهين:
أحدهما: عام، وهو أن الاحتياج إلى أحكام "الضرائر" أكيدة بالنسبة إلى الشعراء، كما كانت أحكام "الاختيار" أكيدًة بالنسبة إلى الجميع، فلابد من الإلماع بشيء منها في أثناء الأبواب، ليعمل عليها من كان من أهلها؛ إذ ليس كلام النحويين مختصًا بأحكام "الاختيار".
إلا ترى أن سيبويه بوب على أحكام "الضرائر" على الجملة، ثم نبه في الأبواب على تفاصيلها، فاتبعه المصنفون على ذلك فني كتبهم المطولة والمختصرة، كالزجاجي وغيره، علما منهم بأن الاحتياج إليها لأهلها لا يقصر عن الاحتياج للجميع، فلا بعد في أن يكون الناظم قد اتبعهم في هذا المقصد.
стр. 2972
وأيضاً فقد تكون المسألة شهيرة طبولية، فينبه عليها لشهرتها، ولا تقصير في هذا.
والثاني: خاص، وهو أن لحاق التنوين للمبني في غير التنكير غريب، ويكاد يكون غير معترفٍ به؛ إذ كان تنوين صرف، وتنوين الصرف إنما يلحق حركة الإعراب اللاحقة للمتمكن من الأسماء، الذي لم يشبه الحرف ولا الفعل، فأنت ترى حركة الإعراب / لا يتبعها تنوين مع شبه [الفعل] المعرب، نحو: أحمد، وإبراهيم، فأولى ألا يتبع حركة البناء لشبه الحرف.
فلما كان الأمر كذلك، وكانت العرب قد ألحقت هنا تنوين الصرف، أراد أن ينبه على ذلك، وأنه جارٍ على وجهٍ قياسي، ليبنى على ذلك القول في أحكام التوابع، لأن التابع في هذا الباب يحمل على لفظ، وهو اللفظ المبنى، وذلك أن حركة البناء هنا شبيهة بحركة الإعراب، ذلك أن الحركات في أواخر الكلم لغير التقاء ساكنين ثلاثة أضرب: ضرب حدث بشيء، وضرب حدث دون شيء، وضرب لم يحدث بشيء ولا حدث دون شيء.
فالأول: هو الإعراب، وهو يحدث بالعامل.
والثاني: هو البناء، ويحدث من غير عاملٍ ولا غيره.
والثالث: المبنى هنا وفي باب (لا) فإنها تحدث عند حدوث حرف النداء و (لا) ولا تحدث بهما؛ إذ ليس حرف النداء بعاملٍ مطلقا، ولا حرف النفي بعاملٍ نصبًا في مفرد يقبل التنوين من غير تنوين.
стр. 2973
فقد صار الضم في (المنادى) حادثًا بحدوث شيء، وبهذا أشبه حركة الإعراب، وغير أثر العامل، وبذلك دخل في حركات البناء، ومن حيث أشبه حركة الإعراب، ولم يلحقه تنوين أشبه حركة ما لا ينصرف، فلما كان كذلك لحقه التنوين في الضرورة، كما لحق ما لا ينصرف في الضرورة.
هذا وجه لحاق التنوين على الجملة، إلا أن بعضهم حكم الشبه بما لا ينصرف، فرد عند (الضرورة) إلى الأصل من النصب، كما يرد في حالة الجر ما لا ينصرف إلى الأصل من دخول الجر بالكسرة.
وبعضهم اعتبر مجرد شبه الحركة بحركة الإعراب في المنصرف، فأتبعها على لفظها، كما تتبع حركة المنصرف.
وكلاهما له نظر، فقد يمكن أن يكون الناظم جعل هذا مقدمة لإتباع (المنادى) على اللفظ، كأنه يقول: إن الضم هنا كالرفع، ولذلك نون، فكذلك يتبع على اللفظ، والله أعلم.
وباضطرار خص جمع يا وأل ... إلا مع الله ومحكي الجمل
والأكثر اللهم بالتعويض ... وشذيا اللهم في قريض
يعني أن حرف (النداء) لا يجمع بينه وبين الألف واللام، وهي (أل) في حالة "الاختيار" أصلا، وإنما يحص ذلك بالاضطرار الشعري، إلا ما استثنى، وذلك لأن (يا رجل) معناه كمعنى (يا أيها الرجل) فصار معرفة بالقصد والإشارة إليه، فاستغنى بذلك عن الألف واللام، كما استغنت "أسماء الإشارة" بتعريف الإشارة عن الألف واللام، وكما استغنى بـ (اضرب) عن (لتضرب) فصار القصد
стр. 2974
والإشارة في النداء كالعوض من الألف واللام، فلا يجمع بينهما في الكلام، فلا يجوز لك أن تقول: يا الرجل، ويا الغلام، وهذا مذهب سيبويه والبصريين.
وأجاز ذلك الكوفيون مطلقا، وأجاز بعض / النحويين دخول (يا) عليها إذا كان ثمه تشبيه، نحو: يا لأسد شدًة، ويا لخليفة جودًا.
ودليل البصريين ما تقدم مضافًا إلى السماع، وأما الكوفيون فاحتجوا على ذلك بالقياس والسماع.
وأما القياس فقاسوا ذلك على لفظ (الله) إذ جاز دخول (يا) مع الألف واللام فيه بإجماع، وليستا من أصل الكلمة، وإنما هما زائدتان، فكذلك يجوز أن تقول: يا الرجل، ويا لغلام، ويا الفاضل، ونحو ذلك.
وأما السماع فقد أنشدوا:
فيا الغلامان اللذان فرا ... إيا كما أن تكسباني شرًا
وهذا، على طريقة ابن مالك، يمكن أن يدخل في قبيل "الاختيار" لتمكن قائله من أن يقول:
فيا غلامان اللذان فرا
стр. 2975
وأنشدوا أيضا:
من أجلك يا التي تيمت قلبي ... وأنت بخيلة بالود عني
وهو من أبيات الكتاب، ولم يرتض الناظم البناء على ما احتجوا به.
أما القياس على (يا الله) فغير صحيحٍ عنده، فلذلك استثناه من المسألة فقال: "إلا مع الله" وذلك لأن هذا الاسم قد اختص بأشياء خارجة عن القياس، منها هذا.
وأيضًا، فلدخول (يا) عليه، مع الألف واللام، وجه من القياس ليس في غيره، حسبما يذكر إن شاء الله تعالى.
وأما البيتان فهما من الشذوذ بالمكان المكين، وإنما شأن العرب إذا أرادت نداء ما هما فيه، إن لم ترد حذفهما، أن تأتي بـ (أي) فتقول: يا أيها الرجل، أو تأتي أيضا باسم الإشارة فتقول: يا هذا الرجل، ولا تقول: يا الرجل ونحوه، إلا في "الاضطرار" كما قال.
وأما جواز (يا الأسد شدًة) فقال ابن مالك في "الشرح" هو قياس صحيح، لأن تقديره: يا مثل الأسد، ويا مثل الخليفة. قال فحسن لتقدير دخول (يا) على غير الألف واللام.
стр. 2976
وفيما قاله ابن مالك نظر؛ إذ ليس تقدير (مثل) بمزيلٍ لقبح الجمع بين (يا) والألف واللام، وإلا فكان يلزمه أن يجيز (يا الرجل) لأنه في معنى (يا أيها الرجل) وليس مذهبه ذلك.
ويلزمه أن يقول: يا القرية، لأنه في تقدير (يا أهل القرية) وما أشبه ذلك. ولا يقول به ابن مالك ولا صاحب المذهب المذكور، فدل على أن هذا كله غير صحيح، وأن ما ذهب إليه هنا، من منع إدخال (يا) على ما فيه الألف واللام، هو الصحيح إلا فيما استثنى.
والذي استثنى من ذلك فأجاز اجتماعهما فيه شيئان:
أحدهما: لفظ (الله) فإنه لا يختص اجتماعهما فيه بـ (الاضطرار) فيجوز ذلك فيه في (السعة) فتقول: يا ألله اغفر لي.
وعلل ذلك سيبويه بأن الألف واللام لا يفارقانه، وهما فيه عروض من همزة (إله) فصارت بذلك كأنها من نفس الكلمة، وليس بمنزلة (الذي قال ذاك) لأن (الذي قال: ذلك) يعني الموصول، وإن كان لا تفارقه الألف واللام، ليس باسمٍ غالبٍ على مسماه كزيدٍ وعمروٍ، لأنك تقول: يا أيها الذي قال: ذاك كما تقول: يا أيها الرجل، فامتنع أن تقول: يا الذي قال: / ذاك، كما امتنع (يا الرجل) ولا يجوز أيضا: يا الصعق، ولا يا الدبران، وإن كانت الألف واللام لا تفارقانه لأنهما ليسا
стр. 2977
عوضًا عن شيء من نفس الكلمة، كما كان ذلك في لفظ (الله) حين عوضتا من همزة (إلاه) هذا محصول تعليل سيبويه.
والذي يصحح تنزلهما منزلة ما هو من نفس الكلمة [قطع الهمزة] كما قال:
مبارك هو ومن سماه ... على اسمك اللهم يا ألله
كما أن الفعل الذي أوله همزة وصلٍ إذا سمى به قطعت فقلت: جاءني أقتل وإضرب، ولو كانت في تقدير الانفصال لقالوا: (يا الله) موصول الهمزة، فهذا! وجه ما جاء فيه.
والثاني: من المستثنيين محكي الجمل، يعني به المنادى المسمى بالجملة التي تلزم حكايتها بعد التسمية إذا كان في أولها الألف واللام، كما إذا سميت رجلاً بقولك: الرجل قائم، فإنك تقول: يا الرجل قائم. قال سيبويه: لأنه بمنزلة (تأبط شرًا) لأنه لا يتغير عن حاله؛ إذ قد عمل بعضه في بعض.
يعني أنه جملة يجب أن تحكى ولا تغير عن حالها.
стр. 2978
وعلل ذلك المؤلف بأن معناه: يا مقولاً له: الرجل قائم. قال: وقاس المبرد عليه دخول (يا) على المسمى به من موصولٍ فيه الألف واللام نحو: يا الذي قام. قال: وهو قياس صحيح. يعني من حيث هو في التقدير في معنى: يا مقولاً له كذا.
ولم يعلل سيبويه إلا بما تقدم، فمنع دخول (يا) على (الذي قام) مسمى به، كما لا يجوز أن تنادى (الضارب أبوه) إذا كان اسما، لأنه بمنزلة اسم واحد فيه الألف واللام، فكذلك (الذي) وما بعده من صلته بمنزلة اسم واحد فيه الألف واللام، كالحارث والنضر ونحوهما، مما فيه الألف واللام.
وظاهر كلام الناظم هنا موافقة سيبويه ومخالفة رأيه في "شرح التسهيل" لأنه قال: "ومحكي الجمل". و (الذي قام) ليس من محكي الجمل، لأنه يجرى بوجوه الإعراب، وصلته، وإن كانت جملةً داخلة فيه كالجزء.
وإذا كان كذلك خرج عن مراده من ذلك اللفظ، فهذا الموضع من المواضع التي خالف فيها "التسهيل" و"شرحه" وكان فيها مصيبا؛ إذ ليس التقدير ما قدره المؤلف، وإلا لزم ذلك في كل منادى، فيقدر فيه: يا مقولاً له كذا، لأن الحكاية في التسمية بها وغيرها سواء، فزيد وعمرو ونحوهما في النداء لا يقدر معهما شيء، فكذلك كل ما جرى مجراها من الأعلام.
وأما الموصول فاسم واحد كالاسم المبدوء بالألف واللام [فلم يسغ فيه إلا ما ساغ فيه] ثم قال: "والأكثر اللهم" لما قدم أنه يقال في النداء: يا ألله، في فصيح الكلام، ذكر الآن أن الأكثر في الكلام التعويض، وهو إلحاق الميم
стр. 2979
المشددة آخر الاسم عوضًا من (يا) في أوله، فيقال: اللهم، فإذًا الوجهان جائزان، والأكثر (اللهم)، فعليه معهود الاستعمال، ولذلك لم يقع في القرآن إلا (اللهم).
وفي قوله: "بالتعويض" تنبيه على أمرين:
أحدهما: التنبيه / على المذهب الراجح في هذه (الميم) وهو كونها عوضًا من (يا) قال سيبويه: وقال الخليل ﵀: اللهم نداء، والميم هاهنا بدل من (يا) قال: فهي هنا فيما زعم الخليل آخر الكلمة بمنزلة (يا) في أولها، إلا أن (الميم) هنا مبنية في الكلمة، كما أن نون (مسلمين) في الكلمة بنيت عليها. وهذا مذهب البصريين.
وذهب الكوفيون إلى أن (الميم) ليست عوضا من (يا) وإنما هي مختصرة من (أم) وأصل الكلام: يا الله أمنا بخير، إلا أنهم لما كثر استعمالهم لذلك، وجرى في ألسنتهم، حذفوا بعض الكلمة للتخفيف، كما قالوا: (هلم) في: هل أم، و (ويلمه) في: ويل أمه، و (عم صباحًا) في: أنعم صباحًا، و (أيشٍ) والأصل: أي شيءٍ، وذلك كثير.
ولو كانت عوضًا من (يا) لم يجمع بينهما، لكن العرب جمعت بينهما كما سيذكر، فدل على أنها غير عوض، لأن العرب لا تجمع بين العوض والمعوض منه.
وقول البصريين أصوب، لأن المستفاد من قولك: اللهم، هو عين المستفاد من قولك: يا الله، فلو كان في الكلام معنى زائد لعلم، وكل ما قدره الكوفيون لا دليل عليه، فوجب اطراحه، وما جاء من الجمع بينهما
стр. 2980
فشاذ لا يقاس عليه، وقد أفسدوا دعوى الكوفيين بأشياء أكثرها ضعيفة، فلا حاجة إلى إيرادها.
والأمر الثاني: أن التعويض يقتضي ألا يجمع بين الميم و (يا) فلا يقال: يا اللهم لأن الجمع بين العوض والمعوض منه غير سائغ.
ويقتضيه أيضا قوله: "وشذ يا للهم في قريض" لأن الشاذ هو الذي لا يجوز في الكلام قياسا، وهذا رأى البصريين أيضا أن ذلك لا يجوز.
وذهب الكوفيون إلى جواز الجمع بينهما، وأن يقال في السعة: (يا اللهم) وما قالوه مرجوح، فإن القياس إنما يجري إذا فهمنا من العرب إجراء القياس، وذلك يكون بوجوده مسموعًا كثيرا جدا في النثر والنظم، أو بمجرد سماعه من غير وجود معارض له، وليس ما نحن فيه كذلك، لأن السماع إنما فشا بعدم الجمع، ولم يوجد الجمع إلا في الشعر، ولا وجد في الشعر إلا شاذا، كما قال الناظم: "وشذ يا اللهم في قريض".
فأخبر أنه شاذ في نفسه، وأن ذلك الشاذ إنما أتى في الشعر لا في الكلام، وكل واحد منهما قد كان كافيا على الجملة عند اشتهار عدم الجمع، فقد فهم بسبب ذلك أن العرب لا تجمع بينهما في السعة.
ولم يعتبر الكوفيون هذا، وهو حقيق بالاعتبار، فإن القياس لا ينبغي أن يعمل جزافًا وكيف اتفق؛ بل ينظر في كلام العرب بالاستقراء الصحيح، والتتبع الحسن، فما وجد مشهورا عندهم، لا يتحاشي من استعماله في النثر والنظم،
следующие страницы →