← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

إلا أنه، على هذا التقرير، معترض من جهة أنه أحال في التزام الصفة في اسم الإشارة على (أي) وقد قدم في (أي) أنها توصف بثلاثة أشياء: ما فيه الألف واللام، واسم الإشارة، والموصول المصدر بالألف واللام، فلابد أن يوصف اسم الإشارة على مقتضى كلامه بالثلاثة. ووصفه بالأول لا أشكال فيه، وكذلك الثالث، إذ لا يمتنع أن يقال: يا هذا الذي قام. وأما وصفه باسم الإشارة فغير صحيح، لا سماعًا ولا قياسًا، فعدم / السماع ظاهر. وأما القياس: فلو قلت: (يا هذا ذا الرجل) لكان تكرارًا من غير فائدة، والفائدة إنما حصلت بـ (الرجل) وكذلك إذا قلت: (يا هذا هذا) فلا يفيد الثاني غير ما أفاده الأول، وقد فرضناه مفتقرا للبيان، فتكراره لا بيان فيه. والجواب عن هذا: أنه قدم في (أي) ثلاثة أنواع من الصفة، واعتمد علي واحد منها وهو الأول، وأتى بما عداه في معرض أنه سماع، فالسماع لا يحال عليه إذا لم يكن قياسا، وهو إنما قال فيه: (ورد) ولم يحتم فيه بقياس، فلا إحالة عليه. فإن قلت: فأنت تصف (هذا) بـ (الذي) قيل: إن كان ذلك فليس في قوة ذي الألف واللام، فلم يحفل به، أو يقال: إنه أحال علي الأنواع الثلاثة على الجملة، وترك إخراج اسم الإشارة لأنه معلوم، والله أعلم. واعلم أنه إنما قال: (كأي في الصفة) لأنه لا يستوي حكم (أي) واسم الإشارة على الإطلاق، ولا أيضًا يستويان في أحكام (هذا الباب، أعنى باب النداء.

стр. 3012

ألا ترى أن (أيًا) يجوز حذف حرف النداء معها، ولا يحسن مع اسم الإشارة، إلى غير ذلك، ولا أيضا يستويان في جميع أحكام التوابع وإن ساواها في الافتقار إلى الصفة، ألا ترى أن (أيًا) لا يجوز أن يجرى عليها من التوابع سوى ما تقدم إلا عطف النسق، والبدل، بخلاف اسم الإشارة، فإن التأكيد، وعطف البيان، يجريان عليه أيضا زيادة على جريان البدل، وعطف النسق. وهذا كله مبين في غير هذا الموضع، وإنما القصد بيان أن تقييد الحكم بالصفة في كلامه ضروري لابد منه. والله تعالى أعلم. في نحو سعد سعد الأوس ينتصب ... ثانٍ وضم وافتح أولاً تصب هذه مسألة أيضا تتعلق بـ (فصل التوابع) وهي مسألة ترجم عليها أبو القاسم في "الجمل"، "باب الأسمين اللذين لفظهما واحد والآخر مضاف منهما"، وذكر الناظم فيها أن (سعدًا) الثاني، وهو (سعد الأوس) ينتصب لا غير، إذ لم يذكر فيه سوى ذلك. وأما "سعد" الأول، فذكر فيه وجهين: أحدهما: الضم، فتقول: (يا سعد سعد الأوس)، ومثله: يا زيد زيد عمروٍ.

стр. 3013

الوجه الآخر: الفتح، فتقول: يا سعد سعد الأوس، ويا زيد زيد عمروٍ. ومثله ما أنشد سيبويه لجرير: يا تيم تيم عدى لا أبا لكم ... لا يلقينكم في سوءةٍ عمر وأنشد أيضا: * يا زيد زيد اليعملات الذب * وأنشد الفراء:

стр. 3014

ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر ... وإن كان حيانا عدى آخر الدهر وقدم الضم على الفتح لأنه القياس والأصل، بخلاف الثاني. هذا تصوير ما صور الناظم، وبقى وجه ذلك لم يتعرض إليه بالنص، لأنه بالنسبة إلى المقصد من تصوير كيفية النطق غير ضروري؛ إذ من يعرف ما قال ينحو في المسألة نحو كلام العرب وإن لم يعرف وجهًا لضم ولا فتح، وكذلك فعل في "التسهيل" / ولكنه قد أشار هنا إلى شيءٍ من توجيهها واختيار بعض التأويلات على بعض، فلابد من ذكر ذلك وشرحه، لأن أرباب المختصرات، كالجزولى وغيره، يشيرون إلى التوجيه، فليحذ حذوهم على الاختصار بحسب ما يليق بالموضع، والله المستعان. فأما إذا كان الأول مضموما فوجهه ظاهر، وينتصب الثاني إذ ذاك من خمسة أوجه: أحدها: أن يكون (عطف بيان) على الأول على الموضع. والثاني: أن يكون (بدلاً منه) كأنه في تقدير المباشرة لحرف النداء. والثالث: أن يكون على (نداءٍ) مستأنف حذف منه حرف النداء. والفرق بين هذا الوجه وما قبله أن هذا يجوز معه ذكر حرف النداء، ولا يجوز ذلك في البدل. وإن قيل: إنه على تقدير تكرار العامل؛ إذ هو عند ذلك العامل كالتقدير المعنوي الذي لا يتكلم به، بخلاف الآخر فإنه تقدير لفظي.

стр. 3015

والرابع: أن يكون منصوبا بإضمار (أعني) كأنه لما قال: يا سعد - قيل له: من تعني؟ فقال: سعد الأوس. وهذا الفعل هو الذي يقدر في مواضع البيان. والخامس: أن يكون (نعتًا) للأول كأنه قال: يا سعد المنسوب للأوس. وهذا الوجه ضعيف، لأن الوصف بالجامد، على توهم الاشتقاق، موقوف على السماع فلا يقال به ما وجد عنه مندوحة، وقد وجدنا ذلك: بجواز ما تقدم من الأوجه. وقد يحتمل على ضعفه، بناًد على ما أصله ابن جنى بقوله: لا يمنعنك قوة القوى من إجازه الضعيف، وبني ذلك على أصلٍ عربي حسن. وأما إذا كان الأول مفتوحا: فذلك عند الناظم فتح بناءٍ أو ما أشبه البناء، لا فتح إعراب؛ إذا لو كان فتح إعراب لقال: وضم وانصب أو لا تصب. وإذا كان فتح بناء، والثاني: عنده معرب بالنصب لا مبني لقوله: (ينتصب) ولم يقل: ينفتح - كان ظاهر الميل المذهب السيرافي، وهو أن يكون أتبع حركه الأول المبنى حركة الثاني المعرب، لأن (سعد الأوس) في بيانه للأول مثل (ابن عمرو) ولاجتماع الأولين منهما في أنهما مبنيان مناديان.

стр. 3016

وأجاز ذلك ابن خروف أيضا، فالفتح في الأول بناء، وفي الثاني إعراب، ولعمري إنه ظاهر، وثبت له نظير في "باب النداء" متفق عليه. والمسألة مختلف فيها على ثلاثة أقوال من التأويل، أحدها: هذا. والثاني: مذهب سيبويه: أن الاسم المضاف إليه مخفوض بالأول، والاسم الثاني: مقحم بين المضاف والمضاف إليه، ونظر ذلك بمسألة (لا أبالك) في إقحام اللام بين المضاف والمضاف إليه، وفي قوله: * يا بؤس للحرب * وقولهم: يا طلحة أقبل، وقول النابغة: * كليني لهم يا أميمة ناصب *

стр. 3017

وهذا كله قد خولف فيه، ونقده المبرد من وجهين: أحدهما: أن اطراد الفصل بين المضاف والمضاف إليه مخصوص بالشعر، بشرط أن يكون / الفصل بظرف أو مجرور، وقول سيبويه يلزم عليه الفصل بالثاني بين الأول ومخفوضه وليس بظرفٍ ولا مجرور، ولا الفصل في شعر، فوجب القول بخلافه. والثاني: أن الاسم الثاني غير مضاف إلى ما بعده، وهو مع ذلك غير منون، ولو كان على ما يقول سيبويه لكان منونًا؛ إذ لا مانع يمنع من ذلك، وهذا وإن كان المنتصرون لسيبويه قد أجابوا عنهما فالتأويل المذكور لا يقوى قوة الأول. والثالث: مذهب المبرد، وهو أن المضاف إليه مخفوض بما يليه وهو "سعد" الثاني، ومخفوض الأول محذوف لفظا، مراد معنى، وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه وهو نظير ما ذهب إليه في نحو: قطع الله يد ورجل من قالها، وقول الشاعر: * بين ذراعي وجبهه الأسد * وقد نقد عليه من ثلاثة أوجه:

стр. 3018

أحدها: أنه لو كان المضاف إليه الأول محذوفًا لوجب رجوع التنوين، لزوال ما أوجب حذفه، لأنه إنما حذف للإضافة، فلما حذف المضاف إليه المعاقب للتنوين وجب رده، كما في (كل، وبعضٍ) ونحوهما. والثاني: أنه لو كان كذلك لم يختص هذا الحكم بالنداء، فكنت تقول: هذا زيد زيد عمروٍ، ونحو ذلك، لأن مخفوض الأول عنده محذوف لدلالة الثاني عليه، وهو مطرد في "باب الإعمال"، فكونه اختص بالنداء دليل على خلاف ما قال. والثالث: أن تأخر الدليل عند الحذف على خلاف الأصول، فكان ما ذهب إليه من هذا الوجه مرجوحًا. هذا ما اعترضٍ به وإن كان فيه نظر، فما ذهب إليه أرجح، لأن رأى سيبويه والمبرد فيهما مخالفة القياس، وما ذهب إليه جارٍ على باب مقيس في النداء. فإن قيل: فقد ذهب الناظم إلى مذهب المبرد في نحو: قطع الله يد ورجل من قالها، حسبما تقدم في "باب الإضافة"، وجعلة قياسا، فلم لم يلحق هذا الموضع بذلك كما ألحقه المبرد؟ بل الناظم أولى بهذا من المبرد، لأنه يرى هنالك جريان القياس، فلو حمل المسألة هنا على حذف المضاف من الأول لحملها على وجه مقيس أيضا، فكأن عدوله عن ذلك إلى وده آخر ترجيح من غير مرجح. فالجواب بأمرين:

стр. 3019

أحدهما: أنه قد شرط في مسألة الإضافة أن يكون في الثاني عطف في قوله: بشرط عطفٍ وإضافةٍ إلى ... مثل الذي له أضفت الأولا ومسألة "النداء" لا عطف فيها وإنما فرق بينهما، والله أعلم، لأن السماع إنما كثر مع العطف لا دونه فلو أجرى هذه المسألة على ذلك لكان قد أجرها على ما ليس بقياس، مع إمكان إجرائها على القياس. والذي يرجح هذا أن حذف المضاف مع عدم العطف قليل بالاستقراء، ومثل (يا سعد يا سعد الأوس) ليس بقليلٍ قلته في غير النداء، فدل ذلك على اختلاف البابين عند العرب. والثاني: أنا لو سلمنا استواءهما لكان حملها على ما / حملها عليه أولى بمسائل "النداء" وحمل بعض الباب على بعضٍ أولى من حمله على باب آخر، وأيضًا فإن هذا المحمل لا تقدير حذفٍ فيه، فهو أولى مما يقدر فيه الحذف، لأن الحمل على الظاهر أولى، وإن أمكن أن يكون المراد غيره، وهي من أصول العربية التي اعتمدها ابن مالك، وأخذها بكلتا يديه، فهذا ما اختار هنا. وإذا ثبت هذا فيجوز في (سعد) الثاني على رأيه وجهان: النعت كـ (يا زيد بن عمروٍ) وعطف البيان خاصة. ولا يجوز البدل لأنه في حكم الانفراد عن الأول، أعنى بالنسبة إلى الاستقلال بالعامل، وكذلك إن كان على نداءٍ ثانٍ أو على إضمار فعل، والتركيب ينافي ذلك كله.

стр. 3020

وسعد الأوس هو سعد بن معاذ ﵁ وهو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، وهو أخو الخزرج بن حارثة بن ثعلبة [بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد. وقوله: "سعد الأوس" وقوله: "وافتح أولاً" جاء بهما على نقل]، والحركة وبذلك يستقيم الوزن، إذ لو لم ينقل لانكسر.

стр. 3021

﴾ المنادى المضاف إلى ياء المتكلم ﴿ بوب هنا على الإضافة إلى الياء، وإن كان قد وضع لها فضلاً في "باب الإضافة" لأن لها في "باب النداء" حكمًا زائدا على ما تقدم هنالك، كما فعل هنا في التوابع؛ إذ كان لها حكم مختص بالنداء. وذكر هنا ثلاث مسائل هي المشهورة في الباب: إضافة المنادى إلى الياء مباشرًة، [وإضافته إلى المضاف إليها]، وإضافته إلى الياء مع حذفها، والتعويض منها. فأما المسألة الأولى فهي التي في قوله: واجعل منادًى صح إن يضف ليا ... كعبد عبدي عبد عبدا عبديا يريد أن المنادى إذا أضيف إلى الياء - يعني ياء المتكلم - فإنه يجوز لك أن تجعله كهذه الأمثلة الخمسة؛ لكن بشرط أن يكون صحيح الآخر، فإن المنادى تاره يكون صحيح لآخر، وتارة يكون معتله. فإن كان معتل الآخر بالألف، فلك فيه وجهان: إبقاء الألف على حالها، وفتح ياء المتكلم بعدها على حده لو لم يكن منادى نحو: يا فتاى. وقلبها ياًء وإدغامها في ياء المتكلم، وفتح ياء المتكلم نحو: يا فتى، وهو لغة هذيل. وإن كان معتل الآخر بالياء أدغمتها في ياء المتكلم، وفتحت فقلت: يا قاضي.

стр. 3022

وهذا كله قد تقدم في "باب الإضافة"، فلم يحتج إلى إعادته هنا؛ إذ لا يختلف الحكم فيه بالنداء. وإن كان صحيح الآخر: فهو المقصود، لأنه الذي يتصور فيه تلك الأوجه، وهي خمسة: أحدها: أن تحذف الياء، وتبقى الكسرة دليلاً عليها، وهو مقتضى المثال الأول، ومنه في القرآن الكريم: ﴾ يا عباد فاتقون ﴿، ﴾ قال رب احكم بالحق ﴿، على قراءة السبعة، ﴾ وقال نوح رب لا تذر ﴿، وهو كثير جدا. ووجه حذفها أنها عوض من التنوين؛ إذ هما متعاقبان، وأيضًا. فالياء حرف واحد كاتنوين، وأيضًا لا تقوم بنفسها / حتى توصل بغيرها كالتنوين، وأيضًا موضعها الطرف كالتنوين، فلما أشبهت التنوين من هذه الوجوه، وكان التنوين يحذف في النداء - حذفت الياء كذلك، ولا محظور في ذلك؛ إذ الكسرة التي كانت قبلها باقية لتدل عليها. والثاني: إثبات الياء ساكنة نحو: يا غلامي، وهو الذي أعطى مثاله الثاني ومنه ما روى عن أبي عمرو: ﴾ يا عبادي فاتقون ﴿، وقرأ هو ونافع وابن عامر: ﴾ يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ﴿.

стр. 3023

وحكى سيبويه عن يونس أنها لغة، ثم أنشد لعبد الله بن عبد الأعلى القرشي: وكنت إذ كنت إلهي وحدكا ... لم يك شيء يا إلهي قبلكا ووجه إثباتها أنه الأصل، لكنها أسكنت لأنها شبيهه بالتنوين في تطرفه وكونه على حرف واحد، والتنوين ساكن، فأسكنت لذلك. وأيضًا: فالحركة مستثقلة على حرف العلة على الجملة، وذلك من أسباب إعلاله كقام وباع، فحذفت الحركة لذلك، وهذه العلة غير مختصة بالنداء؛ بل هي جارية في إسكان ياء المتكلم على الإطلاق. والثالث: حذف الياء وإزالة الكسرة وبناء الاسم على الضم، وهو الذي ينبغي أن يضبط به المثال الثالث في كلام الناظم، فإنه يمكن في ضبطه الضم. والفتح بغير ألف، وإن كان محكيًا في المسألة، فهي لغة ضعيفة لم يحكها سيبويه بخلاف لغة الضم، فإنها قوية فتقول: يا غلام، إذا ناديت غلامك، حكاها سيبويه عن بعض العرب.

стр. 3024

ومنه ما حكي في قراءة: ﴾ قل رب احكم بالحق ﴿، وهي قراءة أبي جعفر، وقرأ أيضًا: ﴾ قال رب انصرني بما كذبون ﴿، وشبه ذلك بضم الياء، أراد (ربي) ولم يرد المنادى المفرد، بدليل حذف حرف النداء؛ إذ حذفه كذلك قليل، كما تقدم، فلا يحمل عليه مع وجود غيره. وقد قالت العرب: يا أبت ويا أمت، والتاء فيهما عوض من الياء، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قال شيخنا الأستاذ ﵀: هذا الوجه ينبغي ألا يجوز إلا في موضع البيان لئلا يلتبس بغير المضاب، حتى يكون مثل قراءة من قرأ: ﴾ قل رب احكم بالحق ﴿بضم الباء، لأن الداعي مقر بالعبودية، لأنه في مقام الخضوع والاستكانة. قال: وحذف حرف النداء هنا دليل آخر، لأنه لا يطرد حذفه من النكرة المقصودة، واطراد حذفه في هذا الوجه دليل على أنه ليس بنكرة مقصودة. وقد حمل ابن جنى القراءة على أنها مثل: "افتد مخنوق" و"أصبح ليل"، والأظهر خلافه. ووجه هذه اللغة التكملة لشبه الياء بالتنوين من حيث أزيلت الكسرة المحرزة لها حين لم يكن للتنوين عندهم محرز.

стр. 3025

ويمكن أن يكون نبه على لغة الفتح وإن كانت نادرة، وذلك قولك: يا عبد، تريد يا عبدي، واستشهد على ذلك بقولك الشاعر: فلست براجعٍ ما فات مني ... بلهف ولا بليت ولا لواني قالوا: أراد (يا لهفا) فحذف الألف / اجتزاًء بالفتحة منها، كما اجتزى بالكسرة من الياء في: يا عبد. والرابع من الأوجه: تحويل كسرة ما قبل الياء فتحةً، وقلب ياء المتكلم ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها نحو: يا غلاما أقبل، وهو مقتضى المثال الرابع. قال سيبويه: وقد يبدلون مكان الياء الألف، ثم قال: وتقول: يا عما لا تفعل، ويا أمننا لا تفعلي، أخبرنا بذلك يونس، عن العرب الموثوق بهم، ثبت هذا في النسنخة الشرقية. ووجه هذه اللغة: الفرار من الياء المتحركة المكسور ما قبلها، مع كثرة الاستعمال. وكل ما تقدم من التصرفات وأنواع الحذف إنما أعانهم عليه كثرة الدوران على ألسنتهم، فإن للنداء في ذلك كثرًة، ولذلك وقع فيه الترخيم وغيره، وإذا وقفت في هذا الوجه وقفت بهاء السكت فقلت: يا غلاماه، ويا عماه، فيضاهي المندوب.

стр. 3026

والخامس: البقاء على الأصل من إثبات الياء وفتحها، وهو مفهوم المثال الأخير من أمثلته فتقول: يا غلامي أقبل، ويا عبدي لا تقم. ووجه ذلك أن ياء المتكلم في مقابلة كاف المخاطب، فوجبت لها الحركة لذلك، وكانت الفتحة لخفتها على الياء دون الكسرة. وقوله: (كعبد عبدي) إلى آخره، على حذف العاطف، أي كعبد، وعبدي، وعبد، وعبدا، وعبدي. * * * وأما المسألة الثانية من هذا الباب: فهي إضافة المنادى إلى المضاف إلى الياء، وذلك قوله: وفتح أو كسر وحذف اليا اشتهر ... في يا ابن أم يا ابن عم لا مفر ومقصوده أن (الابن) المنادى إذا كان مضافا إلى (الأم) أو إلى (العم) وهما مضافان إلى الياء، ففيه من أوجه الاستعمال ما ذكر. وبيان ذلك، على مقتضى كلامه، وإشارته، أن المنادى إذا أضيف إلى الياء فحكمه كحكم غير المنادى. هذا هو الأصل كما تقدم في "باب الإضافة". إلا أن العرب استثنت من هذا الحكم اسمًا واحدا، وهو (الإبن) إذا أضيف إلى (الأم) أو (العم) نحو: يا ابن أمي، ويا ابن عمي. ويلحق بهما ما أضيف إليهما (الابنة) عوض (الابن) فإن هذا له حكم آخر سيذكره.

стр. 3027

وبقي ما سوى ذلك على ما تقدم، نحو: يا ابن غلامي، ويا ابنه أخي، ويا أخا أمي، ويا صاحب عمي، ويا غلام أخي، وما أشبه ذلك. والذي ذكر الناظم في هذين اللفظين بالنص وجهان: أحدهما: فتح الميم من (أم) فتقول: يا ابن أم، ويا ابن عم، ومنه قراءة الحرميين وأبى عمرو وحفص، عن عاصم (قال ابن أم إن القوم استضعفوني). الآية، (قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي). والثاني: كسر الميم من غير ياء، فتقول: يا ابن أم، ويا ابن عم، ومنه قراءة من سوى المذكورين من السبعة. وهذا الوجه هو قوله: (أو كسر وحذف اليا). فقوله: (وحذف اليا) قيد للكسر فقط، لأن الياء لا تثبت / مع الفتحة، فلا يصح نفي ما لا يصح ثبوته حقيقًة أو توهمًا. ويمكن أن يرجح حذف الياء إلى الفتح والكسر معا، لأن الألف أصلها الياء، فكأنه اعتبر مع الفتح أصلها، فيكون على هذا التقدير قد أشار في الكسر والفتح إلى وجهين، كما سيذكر.

стр. 3028

ومثل هذا في إطلاقه لفظ الياء على الألف المنقلبة عن الياء إطلاق سيبويه على الألف هنا لفظ الياء وهي ألف؛ إذ قال: وإن شئت قلت: حذفوا الياء لكثرة هذا في كلامهم، قال: وعلى هذا قال أبو النجم: * يا ابنة عما لا تلومي واهجعي * يريد في (يا ابن أم) و (يا ابن عم) حال الفتح. وقاله الجرمي في بيت أبي النجم قال: يمكن أن يريد (يا ابن أمي) ثم قلب الياء ألفا، ثم حذفت استخفافا. وقال ابن خروف: يريد سيبويه بقوله: (حذفوا الياء) قلبوا الياء ألفًا، ثم حذفوها، فعلى هذا يكون قول الناظم: (حذف الياء) من هذا القبيل. وقوله: (اشتهر) الضمير فيه عائد على الفتح، أو الكسر مع حذف الياء، فاعتبر لفظ (أو) ويريد أن هذين الوجهين هما اللذان اشتهرا في الكلام، فهما أحسن من غيرهما. واقتضى هذا الكلام أن هنالك من الأوجه ما لم يشتهر، وقد أشار مفهوم الصفة في قوله: (وحذف اليا) إلى ذلك، لأن التقدير أن الفتح والكسر مع حذف الياء اشتهر، فهما إذا مع عدم حذفهما لم يشتهرا، وهذا صحيح، فقد قالوا: يا ابن أمين ويا ابن عمي - بإثبات الياء ٠ ويجوز فيها الفتح والإسكان. وقالوا: يا ابن أما، ويا ابن عما، فالمجموع خمسة أوجه، هذه الثلاثة منها قليلة،

стр. 3029

فمن إثبات الياء قول أبي زبيد الطائي أنشده سيبويه: يا ابن أمي ويا شقيق نفسي ... أنت خليتني لأمرٍ شديد وقال معد يكرب المعروف بغلفاء: يا ابن أمي ولو شهدتك إذتد ... عوتميمًا وأنت غير مجاب ويحتمل ألا يكون لقوله: (وحذف اليا) مفهوم، لأنه في قوة مفهوم اللقب، ويكون قوله: (اشتهر) هو المشير إلى ما يشتهر. وفي تقريره "الشهرة" في الوجهين ما ينبه على خلاف ما يظهر من الزجاجي في "الجمل"، من أن أثبات الياء أجود من حذفها، والأمر عند النحويين بخلاف ما قال، وقد اعترضوا عليه في هذا الموضع. ويبقى النظر هنا في مسألتين: إحداهما: في تنزيل هذه الأوجه وتوجيهها، فأما من يبقى ذلك على الأصل، فلا إشكال فيه، ووجهه ظاهر، فالنداء عنده لم يحدث أمرًا زائدًا على

стр. 3030

ما كان قبل، والأسمان في هاتين اللغتين - أعني لغة فتح الياء ولغة إسكانها - غير مركبين؛ بل جاريان بالإعراب على ما ينبغي. وأما ما عداهما: فالاسمان فيهما مركبان، جعلا كاسمٍ واحد لكثرة الاستعمال؛ إذ / كان استعمالهم لهذين اللفظين كثيرًا، حتى صاروا يستعملونهما في غير موضعهما، فيقولون للأجنبي: يا ابن أم عم، فلما كان كذلك صير وهما كخمسة عشر، ولذلك يجوز كتبهما موصولين هكذا: يا ابنؤم ويا ابنعم، تشبيها ببعلبك، وكذا وقع رسمه في المصحف. ثم منهم: من أبقى الاسم على كسره بعد حذف الياء، كما قالوا: يا غلام ويا عم. ومنهم من قلبها ألفا، كما قلبها في: يا غلاما. ومنهم: من حذف وفتح الآخر إتباعًا لحركة نون (ابن) على العكس من: يا زيد بن عمرو. أو بنى على الفتح تشبيها بخمسة عشر. وقد نزل ابن أبي الربيع هذه الأوجه في التركيب على اللغات الخمس في (يا غلام) فمن أثبت الياء في (غلامي) ساكنة أو متحركة، أثبتها هنا، ومن حذف وكسر في ياء (غلام) قال هنا: يا ابن أم. ومن فتح هنالك مع إثبات الياء مقلوبًة ألفا فعل كذلك هنا.

стр. 3031

وأما من ضم في (يا غلام) فلا يمكنه هنا إلا الفتح، لأن الضم مختص بالمفرد، و (يا ابن أم) غير مفرد، فبني على الفتح. وتبعه على هذا الأستاذ أبو عبد الله بن الفخار شيخنا، ﵀. وللنحويين هاهنا اختلاف في التوجيه كثير، فتأمله. والثانية: في حكم (ابنة) في هذا الباب، ولم يذكر الناظم ذلك، فيوهم أن حكمها مخالف لحكم (ابن) وليس كذلك، ولذلك استشهد سيبويه ببيت "أبي النجم" في الكلام على (ابن) فأتى في الشاهد (بإبنة)، فهذا دليل على جريانهما مجرًى واحدًا مع (الأم، والعم) فتقول: يا ابنة أمي، ويا ابنة أم، ويا ابنة أم ويا ابنة أما، كما في (الابن) سواء، وقد نص ابن عصفور على ذلك. فهذا فيه ما ترى، ولا جواب لي عنه، إلا إذا ثبت أن ما قاله ابن عصفور ليس كما قال، أو يقال لما لم يذكر ذلك الجمهور، ولم يفصلوا القول في (ابنه) كما فصلوه في (ابن) داخله الريب في إثبات ذلك الحكم له، وهكذا فعل في "التسهيل" و"الفوائد المحوية"، والله أعلم بما أراد. وأما المسألة الثالثة من هذا الباب فهي في إضافة المنادى إلى الياء مع حذفها والتعويض منها، فقال فيها:

стр. 3032

وفي الندا أبت أمت عرض ... واكسرأوا فتح ومن اليا التا عوض ويريد أن (الأب، والأم) هما المختصان بهذا الحكم، وهو إلحاق التاء لهما عوضًا من ياء المتكلم، وذلك أن الأصل: يا أبي، ويا أمي، إلا أنه كثر في ألسنتهم، واستعملوها كثيرا، فحذفوا الياء على عادتهم، فكأنهم أرادوا ألا يخلوا بالاسم حين حذفت الياء منه، فألحقوا هاء التأنيث من ذلك المحذوف، كما أتوا بها في (الزنادقة) عوضًا من ياء (زناديق)، واختص النداء بهذا الحكم، كما اختص بأشياء كثيرة، فلأجل هذا المعنى قال الناظم: (ومن اليا التا عوض) فإذًا لا يصح الجمع بينهما /، فلا يقال: يا أبتي، ولا: يا أمتي، كما لا يجمع بين ياء (زناديق) وهاء (زنادقة) غير أنك إذا لم تلحق التاء عوضًا، فلك في (الأب، والأم) ما لك في المضاف إلى ياء المتكلم، من تلك الأوجه الخمسة، فتقول: يا أبي، ويا أب، ويا أب ويا أبا ويا أبى، فلذلك قال: (وفي الندا أبت أمت عرض) ولم يلزم ذلك الحكم؛ بل جعله عارضًا وواردًا على ما يتصور من الأوجه في مثله، قاله السيرافي. فإذا تقرر هذا ففي تحريك التاء عنده وجهان نص عليهما، وهما الكسر والفتح، فتقول: يا أبت، ويا أمت، ويا أبت ويا أمت، وقد قرئ

стр. 3033

بهما: ﴾ يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبًا ﴿، ﴾ يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ﴿، وذلك كثير، والفتح لابن عامر، والكسر للباقين من السبعة، وقد حكي الضم في التاء وهو قليل، فلذلك لم يذكره الناظم، ولا أشار إليه. وقوله: (ومن اليا التا عوض) قصر الياء والتاء على عادته، و"التاء" مبتدأ خبره (عوض) و (من الياء) متعلق به، لأنه بمعنى معوض، على حد قولهم: زيدًا أجله محرز. * * *

стр. 3034

أسماء لازمت النداء هذا الباب يذكر فيه ألفاظا لم تستعمل إلا في النداء، وإنما تذكر في العربية، مع أنها مجرد لغة، لأن منها ما يطرد، وما يقرب من الاطراد. وذكر معها كلماتٍ هي موقوفة على السماع، وهذا شأن النحوي، قال: وفل بعض ما يخص بالندا ... لؤمان نومان كذا واطردا في سب الانثى وزن ياخباث ... والأمر هكذا من الثلاثي وشاع في سب الذكور فعل ... ولا تقس وجر في الشعر فل ما ذكره في هذا الباب على ضربين: أحدهما: ما جاء منقولاً نقلاً لا يجري فيه قياس البتة، وذلك ثلاثة ألفاظ: أحدهما: (فل) وهو بمعنى (فلان)، قال ابن خروف: "يحتمل أن يكون محذوفا من (فلان) وأن تكون كلمة مرتجلة استعملت في النداء كناية عن رجل". انتهى.

стр. 3035

يقال: يا فل أقبل، بمعنى: يا فلان، وفي الحديث: "أي فل هلم" وقول الكميت: وجاءت حوادث في مثلها ... يقال لمثلي ويهًا فل فإذا بنينا على أنها كلمة مرتجلة بمعنى (رجل) فهي مختصة بالنداء بإطلاق، وإذا بنينا على أنها محذوفة من (فلان) فاستعمالها محذوفًة هو المختص بالنداء. وأما إذا استعملت تامًة ففي النداء وغيره، وما جاء في الشعر في غير النداء من استعمال (فل) فلا يقال عليه، وسيذكره. وقد يقال: (يا فلة) للمؤنث بمعنى: يا فلانة، وعلى هذا نبه بقوله: "وفل بعض ما يخص بالندا" أي إن هذا اللفظ من الألفاظ المخصوص استعمالها بالنداء. والثاني: (لؤمان) من اللؤم، بمعنى: لئيم، واللئيم هو الدنى الأصل، الشحيح النفس، يقال لؤم لؤمًا، ولامًة، وملأمًة. ولؤمان - كما / قال - لا يستعمل إلا في النداء. والثالث: (نومان) وهو من النوم، ويطلق على الكثير النوم، لأن (فعلان) للكثرة والامتلاء نحو: غرثان، وشبعان، وغضبان. قال الجوهري: ويقال: يا نومان، للكثير النوم، ولا تقل: رجل نومان، لأنه يختص بالنداء.

стр. 3036

فهذا معنى قوله: "لؤمان نومان كذا" أي كـ: (فل) لا يستعملان إلا في النداء. والضرب الثاني: ما جاء من ذلك مقيسًا أو قريبًا من المقيس، وهو ثلاثة أنواع، النوعان منها من هذا الباب، والثالث: ليس منه، لكنه أدخله معهما بالتبع: أحدها: (فعال) في سب المؤنث، وذلك قوله: "واطردا في سب الآنثى وزن يا خباث" من الخبث، يعني أن ما كان على (فعال) مما يسب به المؤنث فهو مختص بالنداء، وهو مطرد فيه مقيس، لأنه كثر في السماع كثرًة يقاس على مثلها، نحو: (يا خباث) من الخبث، و (يا فساق) من الفسق، و (يا غدار) من الغدر، و (يا لكاع) من اللؤم بمعنى (لكعاء) وهي اللئيمة، وما أشبه ذلك. فيجوز لك على إطلاق القياس أن تقول: يا لآم، ويا نجاسن ويا قذار، ويا رجاس، من اللؤم، والنجس، والقذر، والرجس. وكذلك كل ما كان سبًا من الفعل الثلاثي يجوز فيه بناء (فعال) منه، فيختص بالنداء، ولا يقال في غيره. وهذا النوع مختلف فيه، فمنهم من يجعله قياسًا كالناظم، ومنهم من يقفه على السماع، وهذا الخلاف أصله الشهادة بكونه بلغ في الكثرة مبلغ القياس أولا، والناظم شهد بالأول، فلذلك قاسه. والثاني: وزن (فعال) المراد به الأمر المبني من الفعل الثلاثي، وهو قوله: "والأمر هكذا من الثلاثي". "الأمر" معطوف على "وزن" و "هكذا" الإشارة بـ (إذا) إلى وزن (خباث) كأنه قال: واطرد الأمر مثل (فعال) من الثلاثي من الأفعال، فأراد أن ذلك مطرد أيضًا مقيس، كما اطرد في اختصاصه بالنداء حين كان وصفا.

стр. 3037

والاطراد في الشيء: تبعية بعضه على بعض حتى لا يتخلف، يقال: اطرد الأمر، إذا استقام، واطرد الشر: تبع بعضه بعضا، ومنه اطراد النهر، وهو جريانه. فأراد أن ذلك استقام في القياس ولم ينكسر. ومثال ذلك: (نزال) من: انزل، و (حذار) من: احذر، ومنه ما أنشد سيبويه للأعشى: مناعها من إبل مناعها ... ألا ترى الموت لدى أرباعها وأنشد أيضا قول الآخر:

стр. 3038

تراكها من إبلٍ تراكها ... ألا ترى الموت لدى أوراكها فـ (مناع) من: امنع، و (تراك) من: اترك، وانشد أيضا لأبي النجم: * حذار من أرماحنا حذار * أي: احذر، وأنشد أيضا لرؤبة: * نظاركى أركبها نظار * أي: انظر، بمعنى انتظر، وأنشد لزهير: ولنعم حشو الدرع أنت إذا ... دعيت نزال ولج في الذعر

стр. 3039

وأنشد أيضاً: نعاء ابن ليلى للسماحة والندى ... وأيدي شمالٍ باردات الأنامل / وأنشد لجرير: نعاء أبا ليلى لكل طمرةٍ ... وجرداء مثل القوس سمحٍ حجولها أي: انع، من النعي وهو خبر الموت. فهذا الباب أيضا مقيس عند الناظم، فتقول على هذا (ضراب) من: اضرب، و (خراج) من: اخرج، و (عمال) من: اعمل و (جبار) من: اجبر، و (قتال) من (اقتل) ونحو ذلك. وقد اختلف في هذا النوع أيضا، فحكي السيرافي عن بعض النحويين، ويذكر ذلك للمبرد، أنه لا يجعل الأمر من الثلاثي مطردا؛ بل يقفه على السماع.

стр. 3040

والذي ذهب إليه سيبويه في هذا النوع، وفيما قبله، أنهما مطردان كمذهب الناظم، نص على ذلك في أبواب "ما لا ينصرف" فقال: واعلم أن (فعال) ليس بمطرد في الصفات، نحو: حلاق، ولا في مصدر، نحو: فجار، وإنما يطرد الباب في النداء، وفي الأمر. وقد مال الشلوبين إلى رأى المبرد، وحمل عليه كلام سيبويه، وزعم أن القياس أداه إلى ذلك، قال: لأن باب الأمر أن يكون بالفعل، والعدل عنه إلى الأسماء ليس بقياس، وعلى هذا المعنى اعتمد، ثم تأول كلام سييبويه على أن المراد بالاطراد الكثرة، وأراد بإطلاق الجواز أنه يريد الجواز على الجملة، على معنى قوله في الاطراد. وهذا كله خلاف الظاهر من كلامه، وما علل به منع القياس لا يلزم إذا كان السماع بحيث يصلح أن يقاس عليه لكثرته؛ لكن سيبويه شرط في اطراده شرطا، وهو أن يكون مبنيًا من الفعل الثلاثي، فقال: واعلم أن (فعال) جائزة من كل ما كان على بناء (فعل) أو (فعل) أو (فعل) قال: ولا يجوز من (أفعلت) لأنا لم نسمعه من بنات الأربعة، إلا أن تسمع شيئا فتجيزه فيما سمعت، ولا تجاوزه. وهذا الشرط هو الذي شرط الناظم في قوله: "من الثلاثي" فلا يجوز أن تقول: (كرام) من: أكرم، ولا (خراج) من أخرج، ولا نحو ذلك، وما جاء منه

стр. 3041

فمسموع نحو: (دراك) من: أدرك، و (بدار زيدًا) من بادرته، لأنه يقال: بدرت إليه، وبادرته، فهو من (بادرته) المتعدى. وأنشد يعقوب، قال: أنشدوا: بدارها من إبل بدارها ... قد نزل الموت لدى صغارها وحذفوا الزيادة لأنها لما كانت غير أصل استسهلوا ذلك فيها. ولم يمكن ذلك في (قرقار) بمعنى قرقر، أي صوت، و (عرعار) بمعنى عرعر، أي اجتمعوا للعب، لأصالة جميع الحروف، فخرج بذلك عن بناء (فعال) إلى ما قرب منه وهو (فعلال) أنشد سيبويه لأبي النجم: قالت له ريح الصبا: قرقار وقال النابغة:

стр. 3042

متكنفي جنبي عكاظ كليهما ... يدعو صبيهم بها عرعار وكأن الناظم أراد نقل نص سيبويه في المسألة؛ إذ أتى بلفظ الاطراد، وشرط كون الفعل ثلاثيا، فعلى هذا كل ما جرى لشراح الكتاب في عبارة سيبويه من النظر جارٍ هنا من أوله إلى آخره، فهو شرح لكلام ابن مالك هنا. / والنوع الثالث: (فعل) في سب الذكور، يعني صفة نظيره (فعال) في سب الأناث، فيريد أن ذلك شائع في كلام العرب، وكثر واشتهر، لكن مختصا بالنداء أيضا، كنظيره في سب الإناث، نحو: يا غدر، ويا فسق، ويا خبث. لكن لما كان هذا النوع عنده لم يكثر كثرة نظيره، لم يطلق فيه القياس، بل قال: "ولا تقس" فمنع من القياس فيه، ووقفه على النقل وإن كثر وشاع. وما ذهب إليه مذهب طائفة من النحويين، ومنهم من يجعله قياسا فيقول: يا كذب، ويا لؤم، وما أشبه ذلك، والتحاكم في هذا أيضا إلى السماع. ثم حكي ما في (فل) شاذًا، وهو مجيئه في غير النداء؛ فقال: "وجر في الشعر فل" يعني أنه يستعمل في غير النداء لكن في الشعر ضرورة. وعين موضع السماع، وهو كونه جاء مجرورا، تحريًا في النقل، وتعيينًا لموضع الشاهد، وتنبيهًا أنه إنما جاء في موضع واحد وإشارته

стр. 3043

بذلك إلى بيت أبي النجم: * في لجةٍ أمسك فلانًا عن فل * وهنا تم قصده إلا أنه يرد عليه السؤال من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن هذا النظم إنما المقصود به الإتيان بالأمور القياسية دون السماعية، إلا أن ينبه على السماع تكلمًة بعد تحصيل المراد من القياس، وهو لم يفعل ذلك هنا؛ بل ترك من الأبنية ما هو عند طائفة من النحويين قياس مطرد فيما يختص بالنداء، كـ (فعال) عنده، وأتى بألفاظ شاذًة عوض ذلك، وهي: فل، ولؤمان، ونومان. فقالوا: إن (مفعلان) في هذا الباب قياس نحو: مكرمان، وملأمان، ومكذبان، ومخبثان، فهذا من المسموع. وأجازوا أن يقال: على هذا: مفسقان، ويا مغدران، ويا ملكعان، هذا إن اقتصرنا بالقياس على ما بنى للذم (وهو قول بعضهم: إن مفعلان) يختص بالذم) ورد عليه بقولهم: يا مكرمان، فيقال قياسًا عليه أيضا: يا مشرفان، من (شرف) ويا مفقهان، من (فقه) وما أشبه ذلك. وإذا سلمنا أنه غير قابل للقياس، ففيه من الشياع في الاستعمال، ومن الكثرة، ما يستحق به أن يذكر مع (فعل) فتركه لمثل هذا، وذكره لمثل (فل، ولؤمان) عكس ما عليه الحكمة الصناعية.

стр. 3044

والثاني: أنه حين تعرض لذكر الألفاظ المسموعة كان حقه أن يذكر جميعها أو أكثرها، كما فعل في "التسهيل" فأتى بـ (فل، وفلة، ومكرمان وملأمان، وملأم، ولؤمان، ونومان). وحكي غيره: مخبثان، ومكذبان، وأشياء غير هذه. وإن سلمنا الإتيان ببعضها فكان حقه أن يأتي بأشهرها في النقل، وأكثرها تداولاً بين النحويين، كمكرمان، وملأمان، ونحو ذلك، ويترك ذكر (لؤمان، ونومان). والثالث: أنه ذكر الشذوذ في (فل) وهو من الأفراد المسموعة التي لو أهمل ذكرها لم يلم على ذلك، وترك ذكر الشذوذ في (فعال) المطرد عنده، لأنهم قد استعملوا (لكاع) / في غير النداء، وأنشد النحويون على ذلك: أطوف ما أطوف ثم آوى ... إلى بيتٍ قعيدته لكاع وقد تقدم أيضا شذوذ باب (فعال) في الأمر، وهو لم ينبه على ذلك، مع أنه آكد من ذكر الشذوذ في (فل).

стр. 3045

والجواب عن السؤال الأول: أن القياس في (مفعلان) غير ثابت عنده؛ إذ لم يبلغ ما سمع منه مبلغ ذلك، فيكون ذاهبًا فيه مذهب من اقتصر على المسموع. وهذا لا اعتراض فيه. وأما كونه لم يذكره فيما شاع اختصاصه بالنداء (كما ذكر فعل) فإنما ذلك، والله أعلم، لأنه لم يتحقق عنده اختصاصه بالنداء) ابتداًء، وذلك لأنه قد حكي: رجل مكرمان، ورجل ملأمان، وامرأة ملأمانة. وحكي ابن خروف عن أبي الحسن أنه قال في "باب من التأنيث": فأما مفعلان نحو: مكرمان، وملأمان، ومخبثان، وملكعان، وما بنى على هذا البناء فإذا جعلته للمؤنث ألحقت فيه الهاء، نحو: مكرمانة ومخبثانة، وهذا يجعل معرفة، تقول: هذا مكرمان مقبلاً، ومكرمانة مقبلًة. قال ابن خروف: وفي هذا شيئان: أحدهما: استعمالها في غير النداء، الثاني: استعمال الباب في المدح. انتهى. فإذا كان الحكم هكذا فأي شياعٍ يثبت لـ (مفعلان) في استعماله مخصوصا بالنداء؟ والجواب عن الثاني: أنه إنما قصد أن يأتي بالبعض منبها على الباب، وموضع استيفاء المثل كتب اللغة أو المطولات في النحو، فالتنبيه في مثل هذا المختصر بالبعض يكفي، وقد بين أن ما ذكره بعض من جملة حين قال: "بعض ما يخص بالنداء" فعليك أنت بالبحث عنها.

стр. 3046

وأما كونه لم يأت بالمشهور من تلك الألفاظ فذلك، والله أعلم، لأن ما أتى به هو الذي تحقق عنده أنه لم يستعمل في غير النداء، إذ كان غيرها قد نقل فيه الاستعمال في غيره حسبما وقع التنبيه عليه آنفا، ولم يكن ذلك كختصًا بالضرورة كما قال في (فل) بل استعمل في الكلام فلم يعبأ به، وأتى بما يتخلص به من الاعتراض عليه، وهو الألفاظ الثلاثة التي ذكر. والجواب عن الثالث: أنه ذكر الشذوذ في (فل) ولم يذكره في المقيس وهو موجود فيه، لأن المقيس إذا اطرد لم يضره المخالف الشاذ في اطراده؛ بل يبقي على حاله من الاطراد، ويوقف المسموع على محلة، بخلاف المسموع إذا عارضه في استعماله استعمال آخر نحو: (فل) فإن للقائل أن يقول: قد استعمل في النداء وغير النداء، فليس مختصا، فيعارض بذلك، فلا يتخلص له المثال من الاعتراض، فبين أن ما جاء في غير النداء إنما جاء في محل (الضرورة) لا في محل (الاختيار). ولذلك لم يسمع في غير بيت أبي النجم، كما نبه عليه بقوله: "وجر في الشعر فل" وبقي ما عدا هذا الموضع مشتعملا فيه (فل) في النداء خاصة استعمالاً شهيرا، يشهد فيه أنه اختص بالنداء. وهذا النوع من المسموعات الموقوفات على النقل قد يتفق كثيرا. ألا ترى إلى استغنائهم بـ (ترك) عن / (وذر، وودع) وذلك مسموع، ثم

стр. 3047

إنهم حكموا (ودع) ولم تكن حكايته بمخرجةٍ له عن قاعدة الاستغناء، لأن الاستغناء عنه شهير، وترك الاستغناء غير شهير، فكذلك مسألتنا، ولها نظائر كثيرة. فتأمل مقصد الناظم في التنبيه على الشذوذ في (فل) وعدم التنبيه عليه في (فعال) يظهر لك أنه لو عكس الأمر لتوجه الاعتراض عليه، وهذا حسن من التنبيه، وبالله التوفيق.

стр. 3048

الاستغاثة الاستغاثة: هي دعاء المستنصر المستنصر به، والمستعين المستعان به. فهي تختص بالنداء، فلذلك أتى بها في أبوابه، لكن لها حكم مختص بها دون ما تقدم في النداء، فلابد من ذكره. والاستغاثة لها متعلقان، وهما المستغاث به، والمستغاث من أجله، فابتدأ بذكر المستغاث به، فقال: إذا استغيث اسم منادًى خفضا ... باللام مفتوحًا كيا للمرتضى يعني أن الاسم المنادى إذا استغيث به فحكمه أن يدخل عليه لام الجر فيجر بها، لكنها تكون مفتوحة، ولا تكون مكسورة كحالها في غير النداء؛ بل ترجع إلى أصلها من التحرك بالفتح؛ إذ كان الأصل، فيما كان من الحروف على حرفٍ واحد يبتدأ به، أن يحرك بالفتح، لأنه أخف الحركات، فروجع هنا الأصل. وفي قوله: "خفض باللام" تنبيه على مسألتين: إحداهما: أن المنادى المفرد المبنى، والمنادى المعرب، في هذا الحكم على حد سواء، وهو الرجوع إلى الإعراب والخفض باللام، فلا يبقى المبني مبنيًا كما كان قبل دخول اللام، لأن اللام معارض في وجه سبب البناء، فلا يصح بقاؤه، فتقول: يا لزيدٍ، وفي المثنى: يا للزيدين، وفي المجموع: يا للزيدين، وفي المضاف: يا لعبد الله، ويا لأمير المؤمنين، ونحو ذلك.

стр. 3049

وأما ما كان مبنيا قبل النداء فلا سبيل إلى إعرابه كغير المنادى. والثانية: التنبيه على أن هذه اللام هي الجارة لقوله: "خفض باللام" ولم يقل: خفض بغيرها، وذلك أن مذهب أهل البصرة أن هذه اللام ليست مختصرة من شيء؛ بل هي لام الجر التي في (لزيد، ولعمروٍ). وذهب الكوفيون إلى أنها ليست بلام الجر، وإنما أصلها (آل) بمعنى: أهل، ثم اختصر ذلك لكثرة الاستعمال، كما في أيشٍ، وويلمه، واللهم، في قولهم، فالأصل أن يقال: يا آل فلان، فلما اختصر صار: يال فلان. ومن دليلهم على هذا فتحها، لأن لام الجر لا تفتح إلا مع المضمر، وليس هذا بمضمر. وأيضًا فإن العرب وقفت عليها دون ما بعدها، كما قال، أنشده ابن جني:

стр. 3050

فخير نحن عند الناس منكم ... إذا الداعي المثوب قال يا لا ولام الجر لا يوقف عليها باتفاق. ولا حجة في هذا، أما البيت فقال المؤلف: يحتمل أن يكون الأصل فيه: يا قوام لا فرار، أو لا تفروا، ثم اختصر الكلام اكتفاًء بأوله، ونظيره قوله: بالخير خيرات وإن شرافا ... ولا أريد الشر إلا أن تا يريد: إن شرًا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء. وأما فتح اللام فعلله البصريون بأوجه: منها أنها فتحت فرقًا بينها وبين لام المستغاث من أجله، لأنها لو بقيت على كسرها، واللام الأخرى مكسورًة أيضا، لوقع اللبس بينهما. ومنها أنها فتحت تشبيهًا للمنادى بالمضمر، ولذلك بني لوقوعه موقعه، فلما تمحض شبهه به عومل معاملته في دخول اللام، وهذا الوجه مكمل للأول. ومنها: أن أصل اللام الفتح، وإنما كسرت فرقًا بينهما وبين لام الابتداء حيث لا يظهر الإعراب، نحو: لهذا غلام؛ إذ لو بقيت مفتوحة لم يعرف معنى هذا الكلام، فلما وقعت في النداء، وهو موضع لا تدخل فيه لام الابتداء، روجع الأصل فيها.
следующие страницы →