← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

الترخيم, كما لو قلت: مررت بسفر, تريد: (سفرجل) مسمى به, لأنه لم يشترط إلا أن يصلح لمباشرة حرف النداء حسبما فسر في "شرح التسهيل", وسكت عن اشتراط ما تقدم في الترخيم. وعلى هذا التوجيه المذكور يجوز أن يقال مثلا: *أو الفًا مكة من ورق الحما* *ودرس المناز أو المناز* والجواب: أن قوله: "ما للندا يصلح" يريد: مع ترخيمه بحيث لو باشره حرف النداء كان مرخما ترخيما صحيحا, فجمع بين الموضعين ولم يرد أحدهما, وقد نبه على اعتبار ذلك في "الشرح" فعلى هذا يستقيم كلامه على مقتضى التوجيه, فيجئ منه اشتراط الأمرين, وهما ألا يكون بالألف واللام, وأن يكون الحذف لائقا بطريقة الترخيم, ويلزم على اعتبار هذا ألا يحذف من غير العلم إلا هاء التأنيث خاصة, وأن يكون الحرف الأصلي أو الحرفان في علم خاصة, وهو ظاهر. وبالله التوفيق. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.

стр. 3152

﴿الاختصاص﴾

стр. 3153

﴿الاختصاص﴾ معنى الاختصاص عند النحويين: أن تأتي بـ (أيها) المختصة بالنداء من غير حرف نداء, تفيد تأكيد الاختصاص للمتكلم بما ذكر في الخبر. والباعث عليه إما فخر "أو تواضع أو زيادة بيان. هذا أصله, وهو شبه النداء, كما قال الناظم: الاختصاص كنداء دون يا ... كأيها الفتى بإثر ارجونيا أما كونه يشبه النداء فلأوجه: أحدهما: إفادة الاختصاص بالمتكلم دون غيره, كما أن النداء أفاد اختصاص المخاطب دون غيره بالأمر والنهي والإخبار. والثاني: أن كل واحد منهما لا يكون إلا بالنسبة إلى الحاضر, فالنداء للمخاطب, والاختصاص للمتكلم, وقد يكون للمخاطب قليلا, ولم يذكره الناظم لقلته, ولا يكون للغائب, [كما أن النداء لا يكون للغائب]. والثالث: أن الاختصاص واقع في معرض التأكيد للكلام المتقدم, والنداء يكون كذلك أيضا, لأنك قد تقول لمن كان مقبلا عليك, منصتا لكلامك, مستمعا له: كان الأمر كذا يا فلان, فأثبت بالنداء توكيدا, وبهذا شبه سيبويه. ولما أشبه الاختصاص النداء من هذه الأوجه الثلاثة أتوا له بالأداة المختصة بالنداء وهي (أيها).

стр. 3154

فمن هاهنا أخبر الناظم أن الاختصاص مثل النداء, نحو ما مثل به من قولهم: ارجوني أيها الفتى, وهو قوله: "كأيها الفتى بإثر ارجوا نوالي". ومعناه: أيها ارجوني, أى أرجوا نوالي فإني فتى, أي كريم. والفتوة: السخاء والكرم, يقال: فتى بين الفتوة, وقد فتى, وتفاتى, ووقع "أيها" على ضمير المتكلم في "ارجوني" أي ارجوني أيها الكريم. وقوله: "دون ياء" لما أخبر أنه مثل النداء أو شبهه توهم أن قائلا يقول: فلابد إذا أن تدخل عليه أداة النداء, وهي (يا) أو غيرها, فأزال التوهم بقوله: "دون" يريد أن حرف النداء لا يدخل على (أيها) فلا يقال: ارجوني يا أيها الفتى. ومن عادة الإمام إذا شبه شيئا بشيء, وقرب أوجه التشبيه أن يبين أوجه التفرقة, لئلا يتوهم متوهم أنه هو. فالناظم حذا هنا حذوه. و"يا" في كلامه مثال عبر به عن حرف النداء مطلقا؛ إذ لا يريد أن "يا" وحدها هي الممنوعة الدخول على "أيها" دون غيرها كـ (أيا, وهيا) ونحوهما, وإنما قصده نفي الأداة مطلقا. وأنما لم تدخل أداة النداء لأنك لا تريد أن تنبه غيرك ليستمع كلامك, لأن (أيها) واقعة على المتكلم, و (يا) لا تكون إلا تنبيها لمخاطب, وهذا تعليل الكتاب, وهو ظاهر.

стр. 3155

ومن الأمثلة في هذا الفصل قولك: أما أنا فأفعل كذا أيها الرجل, ونحن نفعل كذا أيها القوم وقالوا: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة. ولما أتى بـ هذا المثال المذكور ظهر أنه أحرز به أشياء: أحدها: أن المختص واقع بعد ضمير المتكلم لقوله: "ارجونى" فلا يكون بعد ضمير غائب البتة, فلا يقال: زيدا ارجوه أيها الفتى, ولا بعد ظاهر نحو: أكرموا زيدا أيها الفتى, ولا ما كان نحو ذلك. فإن قلت: فقد حكى سيبويه أو مثل بقولهم: على المضارب الوضيعة أيها البائع, فـ (أيها) اختصاص راجع إلى "المضارب" وهو ظاهر, ولم يأت به على أنه شاذ ولا ضرورة, وإنما أتى به على حسب التمثيل لمطلق الباب: فالجواب: أن هذا المثال ليس على ظاهره, لأن سيبويه نص بعد ذلك على أن الاختصاص لا يكون للغائب. قال: ولا يجوز أن تقول: إنهم فعلوا أيتها العصابة, إنما يجوز هذا للمتكلم والمكلم المنادي. وإذا كان كذلك عنده فقالوا: إنه من وضع الظاهر موضع المضمر, كأنه قال: على الوضيعة أيها البائع. وقيل: إن الرواية: وعلى صارت الوضيعة أيها البائع, أو أيها المضارب.

стр. 3156

قال السيرافي: وهو أشبه بالصواب, فإذا لا اعتراض به على الوجهين. فإن قيل: مفهوم هذا القيد المثالي يقتضي أن الاختصاص لا يكون مع ضمير المخاطب, فلا يقال: أنت تفعل كذا أيها الفاضل. وهذا غير مستقيم, لأن الاختصاص يقع مع ضمير المخاطب, وقد نص عليه الناس, وحملوا ما كان نحو قول امرئ القيس: *الأعم صباحا أيها الطلل البالي* على الاختصاص, وعلى النداء, وليس بينهم في جوازه للمخاطب خلاف أعلمه, فكيف يقيده بالمتكلم خاصة؟ فالجواب: أن تقييد المثال لا يقصر الحكم على المتكلم؛ إذ لنا أن نقول: لا مفهوم له, فيبقى مع ضمير المخاطب مسكوتا عنه, لأنه عنده قليل, ألا ترى إلى قوله في "التسهيل": "وقد يلي هذا الاختصاص ضمير مخاطب, فأتى بـ (قد) المفيدة للتقليل, فلم يعتبره في هذا المختصر. أو يقال: إن المثال قد يشمل ضمير المخاطب؛ إذ لنا أن نعتبر في ضمير المتكلم الوصف الأعم وهو الحضور, كأنه يقول: كهذا المثال وما أشبهه مما فيه

стр. 3157

ضمير حضور, ولا يسقط له شيء, ولا يضرنا في ذلك قلة أحد الحضورين, وهو حضور الخطاب, وكثرة الآخر, وهو خصوص المثال, فقد يقصد هذا المعنى. والأمر الثاني: وقوع ذي الاختصاص غير مبتدإ به الكلام. وإلى هذا المعنى أشار بقوله: "بإثر ارجونيا" فقيد (أيها) بكونه آتيا بأثر (ارجوني) لا متقدما عليه. وهذا قيد صحيح؛ إذ لا يجوز أن يقال: أيها الفتى ارجوني, لأنه واقع موقع التوكيد, ومحل التوكيد بعد تقرير المؤكد لا قبله. والأمر الثالث: الإيتان له بـ (أي) كالنداء, وهو قوله: (كأيها الفتى) وقد تضمن هذا القيد ما تضمنته (أي) في باب النداء, من لزوم "ها" التنبيه معها, ولزوم وصفها بما فيه الألف واللام, وكونها مع المذكر المفرد أو المثنى أو المجموع على لفظ (أي) ومع المؤنث المفرد أو المثنى أو المجموع على لفظ (أية) وما أشبه ذلك. وعلى ذلك قوله: "كنداء دون يا" فشبه الاختصاص بالنداء, فلابد أن تكون (أي) معه كما هي مع النداء, وهو ظاهر أيضا, لكنه لما أتى بـ (أي) في المثال خاف أن يتوهم لزومها للاختصاص, فأخذ يتحرز من هذا اللزوم المتوهم, فقال: وقد يرى ذا دون أي تلو أل ... كمثل نحن العرب أسخى من بذل

стр. 3158

يعني أنه قد يوجد في كلام العرب هذا الاختصاص دون أن يؤتي فيه بـ (أي) المذكورة [وذلك قليل] , ولذلك قيده بـ (قد) وقلته بالنسبة إلى كثرته بـ (أي). وشرط ذلك أن يكون المختص تاليا لأل, يريد تابعا للألف واللام, أي ذا ألف ولام, نحو قوله: نحن العرب أسخى من بذل, فـ"العرب" منصوب على الاختصاص, والسخاء: ضد البخل, والبذل: العطاء, أي نحن أسخى من تسخى وبذل المال. ومنه: نحن العلماء أحق الناس بالعمل, ونحن العرب أقرى الناس للضيف. وإنما اشترط أن يكون تلو (أل) لأن (أيا) إنما تدخل على ما فيه (أل) فإذا حذفت (أي) بقي ما دخلت عليه. وأيضا: فإن الموضع لا يعتبر فيه صلاحيته للنداء, فيجوز دخول الألف واللام على المختص. وهذا الموضع فيه إشكال من وجهين: أحدهما: أنه اشترط شرطا لم يشترطه النحويون, ولا هو ممن يساعد عليه كلام العرب, وهو: تلو المختص لأل, وذلك أن العرب تنصب على الاختصاص أحد ثلاثة أشياء: الأول: ما فيه الألف واللام, وهو الذي مثل به, وقيد المختص به. والثاني: ما كان مضافا إلى ما هما فيه, كقولك: إنا معشر العرب نفعل كذا. وفي الحديث: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث". وقالوا: إنا أصحاب

стр. 3159

الشاء لا يبقى لنا مال, ولا تصبر أموالنا على السنة. ثبت هذا في النسخة الشرقية. وقالوا: (إنا معشر الصعاليك لا قوة بنا على المروءة). والثالث: العلم, والمضاف إلى العلم, نحو ما أنشده سيبويه من قول عمرو ابن الأهتم: إنا بني منقر قوم ذوو حسب ... فينا سراة بني سعد وناديها وأنشد أيضا للفرزدق: ألم تر أنا بني دارم ... زرارة منا أبو معبد وأنشد أيضا لرؤبة: *بنا تميما يكشف الضباب*

стр. 3160

وقال الآخر: نحن بني ضبة أصحاب الجمل ... الموت أحلى عندنا من العسل هذه كلها أمثلة تدل على خلاف تقييده, فيكون غير صحيح. والوجه الثاني: أنه ترك النص على شرط معتبر, وهو أن يكون المختص المفسر ضمير متكلم أو مخاطب على ما تقدم في (أي) فإنه قد يشكل الأمر في غير (أي) والحكم واحد, فالذي يشترط مع (أي) يشترط هنا. فإن قلنا: باختصاصه بالمتكلم فذاك, وإن قلنا: بدخول المخاطب, فيكون كما تقدم. ومنه قول بعضهم: بك الله نرجو الفضل, وسبحانك الله العظيم, ونحو ذلك. وقد شرطوا أيضا في المنصوب أن يكون غير نكرة ولا مبهم, فلا يقال: أنا هذا أفعل كذا وكذا, ولا أنا رجلا أقرى الضيف, وإنما يؤتى بالأسماء الظاهرة, والألفاظ الواضحة المعروفة, لأن الأسماء إنما تذكرها توكيدًا وتوضيحا للضمير المتقدم, فإذا أبهم فقد سيق ما هو أشكل من المضمر, وذلك خلاف المقصود, ونقض الغرض, وكذلك النكرة بهذه المنزلة.

стр. 3161

ولكن هذا الشرط قد تقيد باشتراطه في المنصوب (أل) فيبقى اقتصاره على ذلك, وتركه ما هو محتاج إليه. والجواب عن الأول: أن القسمين الأخيرين عند المؤلف قليلة الاستعمال, والأمر العام ما ذكر, فكأنه لم يعتن بالبناء عليه. وأيضا فما أضيف إلى الألف واللام بمنزلته, ألا ترى أنه كذلك في الحكم في "باب اسم الفاعل, والصفة المشبهة" حين جاز: مررت بالضارب صاحب الغلام, ومررت بالحسن وجه الأخ, كما جاز: مررت بالضارب الغلام, والحسن الأخ, وإذا كان بمنزلته في الحكم, فقد يكون مقصود الدخول في "تلو أل" والله أعلم. وعن الثاني: أن ما تقدم اشتراطه مستصحب هنا حتى يظهر نسخه, ولاسيما وقد مثل بما يقتضيه وما قبل هنالك. فإن قيل: باشتراط كون المنصوب غير نكرة ولا مبهم, هل يجري فيما تقدم أولا؟ فالجواب: أنه غير محتاج إليه لأنه لازم؛ إذ لابد من وصف (أي) ولا توصف بمبهم ولا نكرة, وإنما توصف بذي الألف واللام, وقد مر ذلك في بابه, فلا مزيد عليه. واعلم أنه ذكر هنا النصب, ولم يذكر وجهه, وقد يفهم من تسميته اختصاصا أنه على تقدير: أخص, أو أعنى, وهذا التقدير ظاهر في المنصوب, وجار في (أيها) لأن موضعه نصب, وإن كان لفظ المرفوع كالنداء بغير فرق.

стр. 3162

التحذير والإغراء التحذير والإغراء متساويان في الأحكام, وإنما يفترقان في المعنى. فالإغراء هو الإلزام والتسليط, يقال: أغريت الكلب بالصيد, إذا أرسلته عليه, وحرضته وسلطته. والتحذير بضد هذا, وهو التخويف من الشيء, والحذر, والحذر: التحرز, يقال: حذر وحذر من الشيء, إذا تحرز منه, وابتدأ الناظم بالتحذير فقال: إياك والشر ونحوه نصب ... محذر بما استتاره وجب "إياك والشر" في موضع نصب بـ"نصب" وما في قوله: "بما استتاره وجب" واقعة على الفعل المضمر الناصب لـ"إياك" في مثاله, ولـ"نحوه". ويعني أن "إياك" إذا عطف عليه, ولا يعطف عليه إلا بالواو خاصة, ينصب هو ما عطف عليه بفعل مستتر لا يظهر أبدًا. وبيان ما قصد من ذلك أنه أتى في هذين الشطرين وما بعدهما بأقسام خمسة, يتفق الحكم في بعضها, ويختلف في بعضها, وجملتها محمولة على كلامه أنك أتيت بـ (إيا) معطوفا عليها أو غير معطوف عليها, فالفعل لازم الإضمار, وهو الناصب لهما, وإن لم يأت بـ (إيا) فإن لم تعطف ولا كررت فلا يلزم إضمار الفعل؛ بل يجوز الإضمار, وإن عكفت أو كررت فلابد من الإضمار, ولا يجوز الإظهار, وهذا بيان الأقسام على الجملة.

стр. 3163

وأما على التفصيل فالقسم الأول: الإتيان بالأداة المشهورة في التحذير, وهي (إيا) الضمير المنصوب المنفصل, معطوفا عليها, نحو ما مثل به, من قوله: "إياك والشر" فهذا القسم ينتصب فيه (إيا) بفعل واجب الاستتار, تقديره: إياك باعد والشر, أو أياك اتق والشر, أو إياك نح, أو ما كان بهذا المعنى. ومثل ذلك: إياك والأسد, فالمعطوف والمعطوف عليه معًا ينتصبان بذلك الفعل, كما قاله الناظم, لأن واو العطف شركت بينهما في العامل, وكأن العرب جعلت هنا (إياك) بدل اللفظ بالفعل الناصب, فلا يظهر معه أصلا. وما مثل به الناظم فيه قيدان معتبران: أحدهما: تقييد (إيا) بالخطاب, فلا تقول: إياه والأسد, ولا إياي والشر, وسيأتي كلامه على هذا, وإنما يقال: إياك والشر, أو إياكم والشر, وكذلك إيكم, وإياكن. وسيأتي توجيهه عندما ينبه عليه إن شاء الله. والثاني: تقييد العطف بالواو من بين سائر حروف العطف, فلا تقول: إياك فالشر, ولا إياك ثم الشر, لأن المقصود التحذير من جمع هذين, وليس المراد أن تحذر هذا ثم هذا, ولا أن تحذر هذا فهذا, وإنما القصد أن تحذر هذا من هذا. فإن قلت: إن العطف يعطي أن كل واحد منهما محذر منه أو محذر, لأن المعطوف شريك المعطوف عليه في معنى العامل, وإذا كان كذلك فلا فرق بين الواو وبين الفاء وثم.

стр. 3164

فالجواب: أن معنى التشريك فيه ليس على حقيقته, لأن (إياك) محذر لا محذر منه, و"الأسد" محذر منه لا محذر, فلا يجري هذا الحكم في غير الواو, وإنما جاز في الواو بلحظ التشريك في مجرد التحذير, وإن كان التحذير بالنسبة إليهما مختلفا, هذا محذر, وهذا محذر منه. ونظره السيرافي بقولك: خوفت زيدًا الأسد, فزيد مخوف, والأسد مخوف, وليس معناهما واحدا, لأن الأسد مخوف منه, وزيد مخوف, على [معنى] أنه يجب أن يحذر [منه] , ولفظ "خوفت" قد تناولهما جميعا, فـ (إياك والأسد) الناصب لهما معنى واحد, وطريق التخويف مختلف فيهما. وإذا كان كذلك فقد يحتمل هذا في الواو بعد السماع, ولا يحتمل في غيرها من حروف العطف. وقد حرر ابن الضائع هذا المعنى تحريرا حسنا, فطالعه في موضعه من كتابه. والقسم الثاني: أن تأتي بـ (إيا) دون عطف, وذلك قوله:

стр. 3165

ودون عطف ذا لإيا انسب وما ... سواه ستر فعله لن يلزما إلا مع العطف أو التكرار ... كالضيغم الضيغم ياذا الساري فيريد أن (إيا) إذا أتت من غير عطف فانسب إليها ما نسب إلى (إيا) المعطوف عليها, وهو لزوم استتا الفعل, فـ (ذا) إشارة إلى النصب بما استتاره وجب, فلا يجوز إظهار الفعل فتقول: إياك يا زيد, أو إياك لا تفعل كذا. كأنك قلت: إياك نح, أو إياك باعد. وإنما لم يظهر فيه الفعل لأنهم لما كثر هذا في كلامهم ألزموه الحذف اختصارا لفهم المعنى. ولم يذكر مع (إيا) هذه ما يقع بعدها, وهي في ذلك على ثلاثة أوجه: ألا يقع بعدها شيء كما مثل, وأن يقع بعدها المحذر منه مصرحا به غير معطوف, نحو: إياك الشر, وأن يقع بعدها (أن) والفعل, نحو قوله: فيا الغلامان اللذان فرا ... إياكما أن تكسباني شرا وهو مع (أن) كثير. فإما أن يكون سكت عن ذلك جملة, لما في تفصيل الحكم فيه من الخلاف والشغب.

стр. 3166

وإما أن يكون اعتقد أن المنصوب بعدها من جملة أخرى, كأنه على إضمار فعل آخر, وإن كان ذلك قليلا إلا أنه يصلح للقياس, كالذي أنشده سيبويه عن ابن أبي إسحاق: إياك إياك المراء فإنه ... إلى الشرر دعاء وللشر جالب فنصب (المراء) على معنى: اتق المراء. وكذلك ما أنشده الفراء من قول الجعدى: ألا أبلغ أبا عمرو رسولا ... وإياك المحاين أن تحينا ويحتمل المعنى فيما إذا وقعت (أن) بعد إياك, نحو: إياك أن تفعل, فيقدره منصوبا بـ (اتق) ونحوه, ولا يجعله على حذف الجار. ومنه ما أنشده يونس لجرير: إياك أنت وعبد المسيح ... أن تقربا قبلة المسجد

стр. 3167

وأنشد الفراء: فبح بالسرائر في أهلها ... وإياك في غيرهم أن تبوحا وأنشد الكوفيون: فيا الغلامان اللذان فرا ... إياكما أن تكسباني شرا أو يكون على حذف الجار أيضا, لكن هو مع (أن) كثير, أعنى وقوع (إياك) قبل (أن) بخلاف نحو: إياك المراء, وإذا فرضناه على الإضمار فذلك المضر يجوز إظهاره, فهذان الوجهان يمكن أن يكون الناظم قد ذهب فيهما مذهب الجمل, لا مذهب المفردات, فيكون (إياك) جملة, و (المراء) جملة أخرى. وكذلك (أن تفعل) بعد (إياك) جملة أخرى, والجمل قد يترك عطفها بعضها على بعض, لاسيما إن جرت مجرى التوكيد لما قبلها, وعلى تقدير الجملتين وجه سيبويه والشراح بيت ابن أبي إسحاق؛ إذ قدروه بفعلين, فكذلك نقول نحن في كل ما جاء من هذا, وإنما منع سيبويه والجمهور المسألة على أنها من عطف المفردات, فإذا قدرناها جملتين لم يمتنع.

стр. 3168

قال ابن خروف: لا يجوز حذف حرف العطف من الأسماء المفردة إلا في الشعر, ويجوز حذفه من الجمل. قال: وهو في القرآن كثير, كقوله: ﴿قال فرعون وما رب العالمين﴾. إلى آخر الآيات. قال: وإنما حذف مع الجمل لأن كل جملة قائمة بنفسها. هذا ما قال ابن خروف, والمعنى المقصود من كلامه صحيح, وهذا المعنى يظهر من كلامه في "التسهيل" حيث قال: ولا يحذف العاطف بعد (إيا) إلا والمحذور منصوب بإضمار ناصب آخر, أو مجرور بمن. فظاهر هذا الكلام جواز حذف العاطف قياسا, ولا علينا أن يكون ذلك قليلا. وإذا ثبت هذا كله فالناظم لم يتكلم على هذا, لأنا إن فرضنا وقوع المنصوب بعد (إيا) فعلى جملة أخرى من القسم التالي, لهذا كررت توكيدا, فلا حاجة إلى عاطف معها, وإن وقع بعدها (أن) والفعل فعلى ذلك أيضا, أو على إضمار الجار؛ إذ يجوز ذلك مع (أن, وأن) كما تقدم في بابه. وقد يجوز أن يقال: إياك من الأسد, على تقدير: باعد نفسك من الأسد, وهذا الحكم لا يختص بهذا الباب, فلم يذكره هاهنا؛ إذ هو محال به على موضعه, فعلى كلا الوجهين لا حاجة إي ذكر شيء من ذلك في هذا القسم, للاستغناء عن ذلك بذكره في موضعه. وما تقدم من النص عن "التسهيل" ربما يبحث عنه الناظر فيه, فلا يجده في النسخ المستعملة بأيدينا, لأن "باب الإغراء والتحذير" غير موجود فيها, وهو موجود في النسخة الكبرى منه.

стр. 3169

وقد ذكر أبو حيان (بن حيان) في شرحه للتسهيل: أن هذا الباب يثبت في بعض النسخ, ويعني النسخة الكبرى. والقسم الثالث: ما عد (إيا) لكن من غير عطف ولا تكرار, وذلك قوله: "وما عداه ستر فعله لن يلزما". الضمير في قوله: "عداه" عائد على (إيا) على الوجهين, أي وما عدا (إيا) كانت بعطف أو بغير عطف, لن يلزم ستر فعله إلا مع كذا. يريد أنك إذا أتيت بما تحذر به دون (إيا) فيجوز أن يكون ناصبه مقدرا ويجوز أن يكون ظاهرا. فإذا قلت: نفسك يا زيد, فهو منصوب بفعل مضمر, تقديره: نفسك اتق, أو نفسك احذر, ويجوز أن تظهر ذلك الفعل, فتقول: اتق نفسك, أو أحذر نفسك. ومثله: الجدار يا هذا, والأسد يا فتى, والشر يا فتى, أي اتق الجدار, واتق الأسد, واحذر الشر, وما أشبه ذلك, ولك أن تظهر ذلك كله. وإنما جاز إظهاره هاهنا لأنه الأصل في كل مضمر مقدر, لأن هذه الأشياء ونحوها لم تكثر في كلامهم كثرة (إياك) وحدها, أو مع العطف.

стр. 3170

ومن أمثلة الإظهار في هذا النحو قول جرير, أنشده سيبويه: خل الطريق لمن يبني المنار به ... وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر والقسم الرابع: ما عدا (إيا) إذا صحبه العطف, وهو أحد ما استثنى في قوله: "إلا مع العطف أو التكرار". واستثناؤه هذا القسم والذي بعده من جواز إظهار الناصب دليل على أنه لا يجوز الإظهار فيهما؛ بل يلزم الاستتار فيما إذا أتيت بالمحذر معطوفا عليه محذر آخر, وذلك قولك: رأسك والحائط, ونفسك والشر, على تقدير: اتق نفسك والشر, أو: باعد نفسك والشر. والعطف هاهنا منزل على العطف مع (إيا) من حيث كان كل واحد منهما محذرا على الجملة, وإن كان المعنى على أن أحدهما محذر, والآخر منه لا على الاشتراك الحقيقي. فإن قيل: إن هذا الإطلاق يقتضي أن الإضمار هنا لازم مع العطف كيف كان, فيدخل فيه ما تقدم, ويدخل فيه أيضا ما إذا كان المعطوف مشاركا للأول في كونه محذرا, كقولك: الأسد والذئب, أو قولك: رأسك وجنبك, أو قلت: نفسك وغيرك, أو نفسك وولدك, أو ما أشبه ذلك, مما يصلح أن يؤتي بعده بالمتقى منه, فهل يكون هذا مثل ذلك, فليزم الإضمار, أم يكون حكم هذا حكم المفرد, فلا يلزم الإضمار, ويكون إطلاقه مشكلا؟

стр. 3171

فالجواب: أن العطف المعتبر هنا إنما هو ما كان نحو: رأسك والحائط, ونفسك والشر, فهو الذي يلزم الإضمار, وأما ما كان غير ذلك فلا, لأنك إذا قلت: الأسد والذئب, فهما اسمان في حكم الاسم الواحد, كأنك تقول: هذين اتق, فكما أنك تنصب المثنى في التحذير إذا لم تعطف عليه بما يجوز إظهاره, فكذلك ما كان في تقديره. ألا ترى أنه يجوز لك أن تعطف المحذر منه عليهما, فليس إطلاق العطف بمستقيم, غير أن هذا لا يرد على الناظم, لأنه قال: "إياك والشر ونحوه" وإذا كانت للعهد فيما تقدم خرج عن ذلك ما كان العطف فيه مرادفًا للتثنية, وهذا حسن. والقسم الخامس: ما عدا (إيا) إذا صحبه التكرار, وهو تكرار الاسم الأول بلفظه, فالإضمار هنا لازم, نحو قولك: الأسد الأسد والجدار الجدار, أي احذر الأسد, واتق الجدار. وتقول: الصبي الصبي, أى لا توطئ الصبي, وإنما لم يظهر الفعل في هذين القسمين, لأن اللفظ الأول من اللفظين كأنهم جعلوه بدلا من اللفظ بالفعل, فصار كـ (إياك) في قيامه مقام الفعل. ونظير ذلك في الأول من القسمين قولهم: ما أنت إلا سيرا, وإنما أنت سيرا. وفي الثاني: قولهم: زيد سيرا سيرا, وقد مر ذلك:

стр. 3172

قال سيبويه: فلو قلت: نقسك, أو رأسك, أو الجدار, كان إظهار الفعل جائزا نحو قولك: اتق رأسك, واحفظ نفسك, واتق الجدار. قال: فلما ثنيت صار بمنزلة إياك, وإياك بدل من اللفظ بالفعل, كما كانت المصادر كذلك, نحو: الحذر الحذر. وقوله: "كالضيغم, الضيغم" مثال من التكرار, و"ياذا الساري تمام المثال, اسم فاعل من: سرى يسري, وهو سير الليل خاصة, والضغيم: الأسد. وشذ إياي ولإياه أشذ ... وعن سبيل القصد من قاس انتبذ لما ذكر أولا أن التحذير إنما يكون للمخاطب على حسب ما أشار إليه في المثال المتقدم نبه هاهنا على ما يخالف ذلك المثال أنه شاذ, وأتى في هذا القصد بمسائل ثلاث: إحداهما: بيان شذوذ (إيا) المتصلة بياء المتكلم, نحو: إياي, وإيانا, فلا يقال عنده: إياي والأسد, ولا إياي والشر, وإنما لم يجز ذلك لأن الإنسان لا يأمر نفسه, ولا ينهي نفسه, وإنما الأمر والنهي للمخاطب, وما جاء من ذلك فشاذ يحفظ ولا يقاس عليه. ومن ذلك قولهم: إياي وأن يحذف أحدكم الأرنب, حكاه سيبويه, ومعنى الحذف أن يرميه بسيف ونحوه. وحكى أيضا عن بعض ملوك اليمن: إياى وإيا الركب. وحكى أيضا سيبويه: أن بعضهم يقال له: إياك, فيقول: إياك, فيقول: إياي, كأنه قال: إياي أحفظ وأحذر.

стр. 3173

فحمل هذا على الخبر, ولم يحمله على الأمر, بخلاف الأول, وهو إياي وأن يحذف, فإنه حمله على أنه أمر للمخاطب, كأنه [قال]: إياي باعد أيها المخاطب وحذف الأرنب, ولم يأمر نفسه؛ إذ لا يصح ذلك, ولذلك لا يصح إضمار فعل, فهذا عند الناظم شاذ. والثانية: بيان أن (إيا) المتصلة بهاء الغائب أشذ من (إياي) وذلك قوله: "وإياه أشذ" يعني من (إياي) ". وذلك أن العلة في منعهما معا واحدة, من حيث كان الأمر والنهي مختصين بالمخاطب, فما جاء على خلاف ذلك نادر شاذ. وإشارته بذلك لما حكى سيبويه عمن لا يتهمه عن الخليل أنه سمع أعرابيا يقول: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وأيا الشواب, أي إياه حذر والشواب, فهو أمر للمخاطب, كما في (إياي). وهذا المثال شاذ من وجهين: من الوجه الذي أشار إليه الناظم, ومن جهة إضافية (إيا) إلى الظاهر, ولذلك قال في "التسهيل": وشذ "إياه وإيا الشواب" من وجهين. والثالثة: إخباره بأن هذا الذي ذكر أنه شاذ لا يقاس عليه, ومن قاس عليه فقد أشد عن سبيل جماعة النحويين, وذلك قوله: "وعن سبيل القصد من قاس أشد" أي إن من قال بالقياس فقد خرج عن السبيل القاصد, والطريق المستقيم. وهذا الكلام قد يشعر بوجود خلاف في هذه المسألة, وهو خلاف لا أتحققه منصوصا عليه إلا ما أذكره لك.

стр. 3174

وذلك أن سيبويه أتى بـ (إياك, وإياي, وإياه) في مطلق التمثيل غير مقيد بشذوذ ولا قلة, فقال في "باب التحذير": ومن ذلك قولك: إياك والأسد, وإياي والشر, كأنه قال: إياك فاتقين والأسد, وكأنه قال: إياي لأتقين والشر, فـ (إياك) متقى, و"الأسد والشر" متقيان. قال: ومثله: إياي وأن يحذف أحدكم الأرنب. قال: ومثله: إياك, وإياه, وإياي, كأنه قال: إياك باعد, وإياه, أو نح. قال وزعم أن بعضهم يقال له: إياك, فيقول: إياي, كأنه قال: إياي أحفظ وأحذر. فهذه العبارة من سيبويه تشعر بأن تحذير المتكلم والغائب قياس كتحذير المخاطب, والشراح, كالسيرافي وابن خروف, حملوه على ظاهره, ولم يقيدوه إلا بأن التحذير هنا راجع للمخاطب, لا للمتكلم ولا للغائب. قال السيرافي: ما معناه: إن القائل: إياي والشر, ليس يخاطب به نفسه ولا يأمرها, وإنما يخاطب رجلا, يقول له: إياي باعد عن الشر, فينصب (إياي) بـ (باعد) وما أشبهه, ويحذف حرف الجر من "الشر" ويوقع الفعل المقدر عليه, فيعطفه على الأول, لأن الفعل قد وقع على الأول, قال: ومثله: إياي وأن يحذف أحدكم.

стр. 3175

قال الشلوبين: هذا الذي قاله السيرافي واضح, لأن إضمار فعل المتكلم في الأمر وفعل الغائب لا يكون. قال: وقد نص سيبويه على أن فعل المخاطب هو الذي يضمر فيما تقدم. قال: ولكن يمكن أن يكون الإنسان يخاطب نفسه, فيقول: احذري إياي والشر, فلا يحذف إلا فعل المخاطب. وقال ابن خروف: ليس هذا أمرًا بنفسه, إنما خاطب رجلًا, فحذره نفسه والشر, أي بمباعدتها من الشر. قال: والمعنى لا تقرب الشر فيأتيك مني ما تكره, أي اتق الشر, واتق معاقبتي لك عليه. وأجاز الشلوبين في قوله: (ومثله إياك, وإياه, وإياي أن يكون أراد: ومثله أن تقرن إياك مع الشر, وإياه مع الشر, وإياي كذلك, يعني أن لا تكون (إياه) معطوفة على (إياك) وعلى (إياي) وإن كان الأظهر أن يكون معطوفا وقع موقع الظاهر في قولك: إياك زيدًا, وإياي زيدًا, فجعله محتملا لأن يكون سيبويه يجيز: إياي والشر, وإياه والشر. فكلام الشلوبين أقرب لتجويز القياس, وإن كانت عبارتهم لا تأباه كما تقدم. وقد أجاز ابن خروف في (إياي والشر) أن يكون خبرا, كأنه قال: إياي أحذر وأحفظ, كأنه جواب من قيل له: إياك والشر. فقال: إياي والشر, وجعله تأويلا لكلام سيبويه, قال: وهو صحيح, يعني هذا الوجه من التأويل.

стр. 3176

فقد ظهر من مجموع هذا الكلام أن (إياي والشر) جائز على الوجهين, على الأمر وعلى الخبر, وكذلك (إياه) على ما ظهر من كلام الشلوبين, فإن كان الناظم أراد بالقائس من تقدم ذكره وإلا فلا أدري من المخالف في المسألة. والمستند الذي عول عليه الناظم هو السماع, لأن الذي اشتهر في الكلام تحذير المخاطب (إياك) لا بـ (إياي) ولا (إياه) وعلى أنه قد أجاز في "التسهيل": إياي والشر, ومنعه هنا, وهذه عادته في اضطرابه في الاختيار, وقد جعله في "الفوائد" نادرا. والسبيل: الطريق. والقصد: العدل, والقصد أيضا: إيتان الشيء والذهاب نحوه. واتتبذ فلان, أي ذهب ناحية, فكأنه قال: ومن قاس فقد خرج عن طريق العدل والصواب, أو خرج عن الطريق القاصد الموصل إلى الصواب والحق. وكمحذر بلا إيا اجعلا ... مغري به في كل ما قد فصلا لما أتم الكلام على أحكام التحذير, شرع في التنبيه على أحكام الإغراء. ولما كان التحذير والإغراء معا يجريان مجرى واحدا أحال في حكمه على حكم التحذير, ويعني أن الاسم المغرى به حكمه حكم الاسم المحذر في جميع ما تقدم تفصيله من الأحكام, من لزوم إضمار الناصب وعدم لزومه, وفي كونه مكررًا أو معطوفًا عليه, وغير ذلك. إلا في حكم واحد, وهو الإتيان بـ (إيا) فإنها لا تقع في الإغراء, كما تقع في التحذير [لأن معناها مختص بالتحذير, فلا موقع لها في غيره.

стр. 3177

وقد تقدم في كلامه في التحذير] خمسة أقسام, اثنان منا مع (إيا) وثلاثة مع غيرها, فالتي مع (إياك) هي قولك: إياك والأسد, بتابع معطوف, إياك, بغير تابع أصلا. وهذان غير داخلين في الأغراء. لاختصاصهما بـ (إيا) فبقي الثلاثة الأخر, وهو الإتيان بالمحذور وحده, أو به مع معطوف, أو به مكررا, فهذه هي الأوجه التي تتصور في الإغراء. فالقسم الأول, وهو الإتيان بالمغرى به وحده, فنحو قولك: شأنك يا زيد, وأمرك يا عمرو, تريد: الزم شأنك, والزم أمرك. وتقول: زيدًا, أي: الزمه, ومنه قول أبي ذؤيب: جمالك أيها القلب القريح ... ستلقى من تحب فتستريح أي الزم تجملك وحياءك. ويجوز هنا إظهار الفعل, لأن الاسم إذا أتى به مفردا لم يجز مجرى المكرر, لكثرة لاستعمال في المكرر بخلاف هذا, فألزم المكرر الحذف لذلك دون المفرد. فإن قلت: فقد نصوا على لزوم الإضمار وإن كان مفردا, نحو قولك: حذرك يا زيد, وعذيرك من زيدٍ. قال عمرو بن معد يكرب, أنشده سيبويه:

стр. 3178

أريد حباءه ويريد قتلى ... عذيرك من خليلك من مراد والعذير: بمعنى العذر والمعذرة. وأنشد أيضًا لذي الإصبع العدواني: عذير الحى من عدوا ... ن كانوا حية الأرض ونحو هذا، إنما هو على معنى: الزم حذرك، والزم عذيرك، أي عذرك، وهو مما لا يظهر فيه الفعل، فقد خالف بهذا "باب التحذير". فالجواب: أن هذا ليس من باب (الزم) وإنما هو من باب المصادر التي عملت فيها أفعالها، فصارت مثل: ضربًا زيدًا، وإذا كانت كذلك خرجت عن كونها منصوبة من "باب الإغراء" وأيضا، فهذا إنما يكون في بعض الأشياء التي يكثر في الكلام استعمالها، فهي خارجة بكثرة الاستعمال عن جواز الإظهار، وهي مع ذلك موقوفة على السماع. والقسم الثاني، وهو الإتيان بالمغرى به مع العطف عليه، نحو قولك: شأنك والعلم، وشأنك والحج.

стр. 3179

ومن ذلك "أهلك والليل" أي لزم أهلك، أو بادر أهلك والليل، يعني بادرهم قبل الليل. وهذا تمام ما يلزم فيه إضمار الفعل، فلا يجوز أن تقول: الزم شأنك والحج، كأنهم جعلوا المفعول الأول بدلًا من اللفظ بالفعل، والعلة هنا وفي التحذير واحدة، ولذلك أتى بهما سيبويه مختلطين، لم يفرق بينهما، لأن أحدهما أمر والآخر نهى. والقسم الثالث: الإتيان به مكررا بلا عطف، نحو: الليل الليل، أي الزمه وأدركه، والطريق الطريق، إذا أردت: الزمه، وأخاك أخاك، وأنشد سيبويه لمسكين الدارمي: أخاك أخاك إن من لا أخاله ... كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح ومنه قولك: الله الله في أمري، أي الزم تعظيمه والوسيلة به. وهذا أيضا لا يجوز فيه إظهار الفعل، وقد تقدم تعليل ذلك في التحذير. وهذا الباب كله، أعنى (باب الإغراء) مختص بالمخاطب، لا يكون لمتكلم ولا لغائب، فلا يقال: شأني والحج، لأن الإغراء أمر، كما أن التحذير نهى، وهما يختصان بالمخاطب.

стр. 3180

فإن قلت: إن كلام الناظم يعطى بعمومه أنه قد جاء (الإغراء للمتكلم والغائب، وأنه اختلف في القياس عليه، وأن رأيه عدم القياس لقوله: إن) الإغراء كالتحذير في كل ما قد فصل، وهذه المسألة مما قد فصل قبل. فالجواب: أن هذه مغالطة، لأن الشذوذ إنما نقله في (إيا) وقد استثنى هو (إيا) في قوله: (بلا إيًا) فسقطت حكاية الشذوذ، والخلاف في القياس عليه. على أنه قد جاء الإغراء للغائب، ومنه في الحديث "من استطاع منكم الباءة فليتزوج" ثم قال: "وإلا فعليه بالصوم فإنه له وجاء". فأغرى الغائب، وكذلك جاء إغراء المتكلم، كقولهم: على زيدًا، وقال سيبويه: وحدثني من سمع أن بعضهم قال: عليه رجلًا ليسني وهو من إغراء الغائب، ولكن هذا قليل، ومتأول على أن الأمر للمخاطب، كأنه قال: بصروه ودلوه على الصوم، وعلى زيدًا، أي أخذني زيدًا، أي اجعلني أخذه، وكذلك: عليه رجلًا ليسني، وكل هذا شاذ، كما تقدم.

стр. 3181

أسماء الأفعال والأصوات ما ناب عن فعلٍ كشتان وصه ... هو اسم فعلٍ وكذا أوه ومه اسم الفعل: هو الاسم الموضوع بالأصالة موضع الفعل نائبًا عنه فيما له من عملٍ ومعنى. واسم الصوت: هو اللفظ المخاطب به مالا يعقل، أو الموضوع حكاية لصوته. فهذا الباب مشتمل على ثلاثة الأنواع. وابتدأ الكلام في النوع الأول، وهو اسم الفعل، ويريد أن ما كان من الأسماء نائبًا عن فعل من الأفعال، قائمًا مقامه يسمى (اسم فعل). والمراد بالنيابة هنا النيابة المعنوية، أي ما ناب في أداء معناه حقيقة، ولا يريد النيابة مطلقا، في المعنى والعمل وغيره، لأنه قال بعد هذا: "وما لما تنوب عنه من عملٍ لها" فلو كان المراد هو النيابة في العمل أيضا لكان معنى الكلام: ولأسماء الأفعال النيابة عن الفعل في العمل ما للفعل من عمل، فيكون إخبارًا بأنها تنوب عنه فيما هي نائبة عنه، وهذا تكرار لا طائل تحته، فالمقصود نيابة المعنى خاصة. وقوله: "ما ناب عن فعلٍ" مشعر بأن اسم الفعل نائب عن الفعل بلا واسطة، فحصل من ذلك مسألتان مختلف فيهما:

стр. 3182

إحداهما: أن (شتان، وصه، ومه) ونحوها أسماء لا أفعال؛ إذ لا يقال في الفعل: إنه ناب عن فعل. وهذا مذهب البصريين، وذكر عن الكوفيين أن أسماء الأفعال أفعال حقيقة، وهو مذهب غير جارٍ على طريقة صناعة، لأن الأفعال تتصل بها ضمائر الرفع البارزة، فتقول: اضربا يا زيدان، واضربوا يا زيدون، وأنت تقول: صه يا زيد، وصه يا زيدان، وصه يا زيدون، لا غير، فلو كانت أفعالا لاتصلت بها الضمائر. والثانية: أنها نائبة عن الأفعال أنفسها بلا واسطة، وهو مذهب الجمهور. وذهب قوم إلى أنها نائبة مناب المصادر النائبة مناب الأفعال، فقولك: (صه) نائب مناب قولك: سكوتًا، و (سكوتًا) في موضع (اسكت) وكذلك سائرها. فعلى الأول لا موضع لها من الإعراب. وعلى الثاني هي في موقع نصب، لوقوعها موقع ما هو في موضع نصب. وما ذهب إليه الناظم أولى، لأنها لو كانت موضوعة موضع المصادر لجرت بوجوه الإعراب كالمصادر، لأنها لم تكن دالة إلا على ما يستحق الإعراب، فكونهم التزموا بناءها دليل على خلاف ما ذهبوا إليه، وصحة ما مال إليه الناظم. وقد استدل من ذهب إلى ذلك بأن الاسم يجرى مجرى المسمى في معهود اللغة، وهذه الأسماء يلحقها ما لا يلحق الأفعال، من التنوين نحو: صهٍ، ومهٍ، وأفً، وإيهٍ، ومن الألف واللام نحو: النجاءك، والتصغير نحو: رويدًا، والتثنية

стр. 3183

نحو: "دهدرين سعد القين" أي هلك سعد القين، والتركيب نحو: هلم، وحيهل. فلو كانت معاقبة للفعل، ونائبة منابه وبمعناه من كل وجه- لما ساغت فيها هذه الأحكام التي لا تكون إلا للاسم. وهذا ضعيف، فإن ما يقوم مقام الشيء لو أعطى حكم ذلك الشيء من كل وجه لكان إياه، وهذا فاسد، بل الذي يقوم مقام الشيء، وكان من غير جنسه، يقوم مقامه فيما لا يخل بحكمه في نفسه، فأسماء الأفعال يعامل لفظها معاملة الأسماء، ويعامل معناها معاملة الأفعال، لأن معانيها معاني الأفعال. فالأصح ما ذهب إليه الناظم. ثم أتى بأربعة أمثلة نبه بها على مسألتين:

стр. 3184

إحداهما: أن النيابة المرادة هنا هي الوضعية، فإن النيابة على وجهين: أحدهما: النيابة في معهود الاستعمال، لا في أصل الوضع، كنيابة المصادر عن أفعالها، نحو: ضربًا زيدًا، وهو أخي حقًا، وما أشبه ذلك، فالأسماء النائبة هذه النيابة ليست أسماء أفعال، وإنما هي على أصل وضعها، لكن عرض لها نيابة في الاستعمال، ولم تخرج بذلك عن حقيقة أصلها، ولذلك ظهر فيها تأثير العامل التي نابت عنه. والثاني: النيابة في أصل الوضع، وهي النيابة التي صيرت الأسماء على حكم الأفعال في العمل وغيره؛ بل على حكم الحروف التي وضعت نائبة عن الحرف، كـ (إن) وأخواتها كما تقدم. وهذه هي النيابة المرادة هنا، أحرز ذلك تمثيله. والمسألة الثانية: إشارته إلى أنواع اسم الفعل، وذلك أن اسم الفعل ينقسم بانقسام الفعل، والأفعال ثلاثة: أمر، وماضٍ، ومضارع، فكذلك أسماء الأفعال ثلاثة: أحدها: اسم فعل الأمر نحو (صه) بمعنى: اسكت و (مه) بمعنى: انكفف، و (إيه) معنى: حدث و (نزال) بمعنى: انزل، و (قرقار) بمعنى: قرقر، و (حيهل) بمعنى إيت، نحو: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر. وقد نبه عليه بمثالين، وهما (صه، ومه). والثاني: اسم الفعل الماضي، نحو (هيهات) بمعنى: بعد، و (همهام) بمعنى: فني، و (دهدرين) اسم: هلك، أو بطل، و (سرعان) بمعنى: سرع.

стр. 3185

ورأت امرأة من العرب شاًة سال أنفها، فقالت: "سرعان ذي إهالة" أي سرع شحم هذه الشاة. والإهالة: الشحم، و (وشكان) بمعنى: سرع أيضا، و (شتان) بمعنى: افترق، وهو مثاله الذي نبه عليه به. و (بطان) بمعنى: أبطأ. والثالث: اسم الفعل المضارع، نحو: (واهًا) بمعنى: أعجب، و (وى) كذلك. و (أوه) بمعنى: أتوج، و (أف) بمعنى: أتضجر، و (كخ) بمعنى: أتكره، و (ها) بمعنى: أجيب، و (بجل، وقط) بمعنى: أكتفى، و (حس) بمعنى: أتوجع. فإن قلت: إطلاقه يقتضي أحد أمرين، كل منهما محظور، وذلك أنه لا يخلو إما أن يريد بالنيابة هنا النيابة بالأصالة أولا. فإذا أراد النيابة بالأصالة، فلا تدخل تحت إطلاقه سوى ما كان من نحو (صه، ومه، ونزال، وهيهات) ونحو ذلك مما تقدم ذكره، ويبقى (إليك، وعليك، ودونك، وعندك، ولديك) وما كتن نحوها غير داخلٍ، لأن كونها أسماء أفعالٍ ليس بحق الأصل؛ إذ كان أصلها أن تكون ظروفًا ومجروراتٍ، نحو: جئت إليك، واعتمدت عليك، ونزلت عندك ونحو ذلك، وهو قد نص على دخولها في الباب على أنها من أسماء الأفعال بقوله:

стр. 3186

والفعل من أسمائه عليكا ... وهكذا دونك مع إليكا فجعلها أسماء أفعال كالذي قدم، فيناقض إطلاقه أولًا كلامه آخرًا، وإن أراد النيابة على أعم من ذلك، فيدخل له (عليك، وإليك) ويدخل معه المصادر النائبة عن أفعالها لزومًا، نحو: ضربًا زيدًا، وحمدًا، وشكرًا، وعجبًا، وما كان من ذلك، وهو كثير جدًا- فيقتضي أنها أسماء أفعالٍ اصطلاحًا، وداخلة في أحكامها، وهذا كما ترى ليس كذلك، فإن نيابة هذه المصادر عن الأفعال عارضة، وفي حالٍ ما، وهي باقية على بابها الأصلي، ولذلك لم تبن كما تبنى أسماء الأفعال، فلا بد من اإشكال على كلا التقديرين. فالجواب: أن المراد النيابة الأصلية وما جرى مجراها، فالأصلية ما في (صه، ومه، وهيهات). وأما اللاحقة بها فـ (دونك، وعندك، وإليك) ونحوها، وذلك أنها تمحضت للنيابة وإن كان أصلها غير ذلك، بخلاف (ضربًا زيدًا) ونحوه، فإنه ناب في بعض الأحوال، ويظهر الفعل في أحوال أخر. والدليل على عروض النيابة بقاء الإعراب، فإنها لو تمحضت لذلك لبنيت. فإن قلت: فـ (عندك، وقدامك، ووراءك) ونحوه معربة أو مبنية؟ فإن قلت: معربة، فهي مثل (ضربًا وزيدًا) وإن قلت: مبنية، فمن أين لك هذا وهي باقية على ما كانت عليه قبل النيابة من كونها منصوبة بفعلها الذي نابت عنه؟ فالجواب: أنها مبنية لما سيذكر عند ذكر الناظم له إن شاء الله.

стр. 3187

وفي (أوه) لغات، إحداها: ما ذكره الناظم، وأوه، وأوه، وأوه، وأوه، وأه. وما بمعنى افعل كامين كثر ... وغيره كوى وهيهات نزر يريد أن اسم الفعل، بمعنى فعل الأمر، كثر في كلام العرب، نحو ما ذكر في التمثيل قبل هذا. ومنه: أمين، وأمين، ممدودا، وهو مثاله، ومقصورًا أيضا، فمن الممدود قوله: يا رب لا تسلبنى حبها أبدًا ... ويرحم الله عبدًا قال أمينا ومن المقصور قوله: تباعد منى فطحل إذ سألته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدًا ومنه أيضا (ها، وهاء) مقصورًا وممدودًا، و (هال، وهاءك) وكلها بمعنى: خذ. ومنه بلا كاف: ﴿هاؤم اقرءوا كتابيه﴾.

стр. 3188

و (هلم) الحجازية، بمعنى: أقبل، أو أحضر، ومنه قوله تعالى: ﴿والقائلين لإخوانهم هلم إلينا﴾ وقوله: ﴿قل هلم شهداءكم﴾. و(تيد، ورويد) كلاهما بمعنى: أمهل. و (حيهل) بمعنى: إيت، نحو: فحيهلا بعمر، بمعنى: أقبل. و (هيت، وهيت، وهيا، وهيك، وهيك، وهيك) بمعنى: أسرع، و (بله) بمعنى: دع، وذلك كثير. وأما ما كان بمعنى الماضي أو المضارع فقليل كما ذكر. وقوله: "كوى" مثال من اسم فعل المضارع، وهو بمعنى: أعجب. ومنه عند الخليل وسيبويه. قوله تعالى: ﴿ويكأن الله يبسط الرزق﴾ الآية. وأنشد سيبويه: وى كأن من يكن له نشب يحـ ... ـبب ومن يفتقر يعيش عيش ضر

стр. 3189

وقد تقدم بعض الأمثلة، ومنه باب (فعال) ثلاثيًا وهو قياس، ورباعيًا وهو سماع، نحو: قرقار، وعرعار. وقوله: "هيهات" مثال من اسم الفعل الماضي، وفيه لغات: هيهات، وهيهات، فالفتح لأهل الحجاز، والكسر لتميم وأسد. ومن العرب من يضمها، ومنهم من ينون في اللغات الثلاث، وقرئ بجميع ذلك قوله تعالى: ﴿هيهات هيهات لما توعدون﴾. فبالكسر لأبي جعفر المدني، ومع التنوين لأبي حيوة، وروي عنه الضم بالتنوين وعدمه، والفتح بلا تنوين للجماعة، وبالتنوين لخالد بن إلياس، وروى سكون التاء عن أبي عمرو، والأعرج، وعيسى بن عمر، وهيها بلا نون، وأيها، وأيهان، وهيهان، وأيهات. هذه كلها لغات منقولة. وإنما كثر ذلك في الأمر، لأن باب الأمر والنهي لا يكون إلا بالفعل، فلما قويت الدلالة فيه على الفعل حسنت إقامة غيره مقامه، بخلاف الخبر لأنه لا يخص بالفعل؛ إذ كنت تأتي بالخبر من غير فعل، نحو: زيد أخوك، وعمرو صاحبك، والأمر لا يكون ذلك فيه، فلما ضعفت الدلالة على الفعل في الخبر قل ذلك فيه. ونزر الشيء، نزارة ونزورًا، إذا قل. والفعل من أسمائه عليكا ... وهكذا دونك مع إليكا كذا رويد بله ناصبين ... ويعملان الخفض مصدرين

стр. 3190

يعني أن من أسماء الأفعال ظروفًا ومجروراتٍ وفيرها، وعد منها خمسة: أحدها: (عليك) نحو: عليك زيدًا، بمعنى: الزم زيدًا، ومنه قوله تعالى: ﴿عليكم أنفسكم﴾. والثاني: (دونك) نحو: دونك زيدًا، بمعنى: خذ زيدًا. قالت تميم للحجاج: أقبرنا صالحًا، وكان قد صلبه، فقال: دونكموه. ومنه قول الشاعر، أنشده أبو زيد: أعياش قد ذاق القيون مرارتي ... وأوقدت ناري فادن دونك فاصطل والثالث: (إليك) نحو قول المرار: إليكم يالئام الناس إني ... تشعت العز في أنفي تشوعا أي: اذهبوا وتنحوا، وقول القطامي:
следующие страницы →