Полный текст (5 477 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
أربعة فصاعدًا والخلف في ... واوٍ وياء بهما فتح قفي
يعني أنك تحذف مع الحرف الأخير أيضا ما قبله، يليه، إن اشتمل على شروط أربعة زائدةٍ على الشروط المتقدمة قبل، ويؤخذ له أن ما مر من الشروط مرادة هنا من محصول قوله: "ومع الآخر احذف" كأنه قال: مع الآخر المشترط في جواز حذفه تلك الشروط تحذف أيضا ما قبل الآخر إن كان فيه أربعة شروط زائدة:
أحدها: أن يكون ما قبل الآخر زائدا لا أصليا، فلو كان أصليا لم يجز، فلا يقال في (فرزدق): يا فرز، ولا في (جحمرش) مسمى به: يا جحم، ولا في (مختار): يا مخت، ولا في (منقاد): يا منق، إذا سمى بذلك، ولا ما أشبه ذلك.
وهذا الشرط يمنع جواز نحو: يا قم، في (يا قمطر) ويا هر، في (هرقل) وقد تقدم ما يرد على من قال بجواز ذلك.
والثاني: أن يكون الزائد حرف لين. وحروف اللين هي الواو، والألف، والياء، وذلك قوله: "إن زيد لينًا".
فقوله: "إن زيد" هو الشرط الأول.
وقوله: "لينا" هو هذا، أي حالة كون الزائد ذالينٍ، فإن كان الزائد غير حرف لين لم يجز حذفه مع الآخر، فلا تقول في (ضفنددٍ، وخفيددٍ): يا ضفن
стр. 3117
ولا يا خفى ولا في (رخود): يا رخو، ولا ما أشبه ذلك.
والثالث: أن يكون حرف اللين ساكنا، وذلك قوله: "ساكنًا" وهو نعت لـ (لين) فإذا سكن حرف اللين، جاز حذفه، فإن تحرك لم يجز أن يحذف فتقول في (قنورٍ) يا قنو، وفي (هبيخ): يا هبي- بتشديد الواو والياء- ولا تقول: يا هبي، ولا يا قنو، وكذلك تقول في (حولايا، وبرد رايا): يا حولاي، ويا بردراي، ولا تحذف فتقول: يا حولا، ويا بردرا، وكذلك ما أشبهه.
والرابع: أن يكون ذلك الحرف الذي قبل الآخر مكملا للأربعة، أي يكون رابع الأحرف المتقدمة فأكثر، وهو قوله: (مكملًا أربعًة فصاعدًا) مثل أن يكون خامسها أو سادسها.
فكونه رابعا مثل: حمراء وعثمان، وكونه خامسا مثل: عنتريس، ورجل اسمه "مسلمون" ونحو ذلك، وكونه سادسا نحو: زكريا.
فلو كان الحرف لا يبلغ أن يكون مكملا للأربعة، فلا يجوز حذفه مع الآخر نحو: عماد، وسعيد، وثمود، فلا يجوز أن تقول: يا سع، ولا يا عم، ولا يا ثم.
стр. 3118
وخالف هاهنا الفراء فأجاز ذلك، وهو مردود عند البصريين، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في نظير هذا الشرط فيما تقدم في قوله: "إلا الرباعي فما فوق العلم".
وبقى شرط خامس نبه عليه بعد هذا الشطر، يتبين عند ذكره إن شاء الله، وهو أن يكون حركة ما قبل الآخر مجانسًا له.
فإذا توفرت هذه الشروط جاز حذف ما قبل الآخر، كان الآخر أصليًا أو زائدًا.
فأما كونه أصليا فقولك في (منصور): يا منص، وفي (شملال) اسم رجل: يا شمل، وفي مسمى بقنديل: يا قند، وفي (عنتريس): يا عنتر، وفي (عضر فوط): يا عضرف.
وأما كونه زائدا: فقولك في (عثمان): يا عثم و (أسماء): يا أسم، وفي (مروان): يا مرو، ومنه قول الفرزدق، وأنشد سيبويه:
يا مرو إن مطيتي محبوسة ... ترجو الحباء وربها لم ييأس
يريد: يا مروان، وأنشد أيضا:
*يا نعم هل تحلف لا تدينها*
стр. 3119
يريد: يا نعمان، وأنشد أيضا للبيد، وقال ابن السيد: هو لأبي زبيد الطائي:
يا أسم صبرا على ما كان من حدثٍ ... إن الحوادث ملقى ومنتظر
يريد: يا أسماء وقال عمر بن أبي ربيعة:
قفي فانظري يا أسم هل تعرفينه ... أهذا المغيري الذي كان يذكر؟
وينتظم في هذا السلك ما إذا سميت رجلا بمسلمين ومسلمون وبقرشي، فإنك تقول: يا مسلم، ويا مسلم، ويا قرش، ونحو ذلك.
وإنما اشترطت هذه الشروط لأسباب قياسية وافقها السماع، فاشتراط زيادة ما قبل الآخر لأن الزائد أسهل شأنًا من الأصلي؛ إذ كان حذف الأصلي بعده هدمًا لبنية الكلمة.
واشتراط كونه حرف لين لأنه أضعف من الحرف الصحيح.
واشتراط كونه ساكنا لأنه أضعف أيضا، بخلاف المتحرك، فإنه قوي بالحركة، وأيضًا فإنما يكون المتحرك زائدا للإلحاق، فهو واقع في مقابلة الأصلي، فكأنه أصلي، فلم يحذف لذلك.
стр. 3120
واشتراط كونه مكملا للأربعة فصاعدا قد تقدم وجهه.
وهذا تعليل قد ينهض، والتعليل الجاري على رأي سيبويه هو أن الحرفين لا يحذفا في الأصل إلا إذا كانا زيدتا معًا، كألفي صحراء، والألف والنون في (مروان، وعمران) فإنهما في مقابلة الألفين في صحراء، وكيائي النسب، وزيادتي التثنية وجمع السلامة في المذكر والمؤنث.
ومعنى كونهما زيدتا معا أن إحداهما لم تتقدم على الأخرى، كما تقدمت الألف في نحو (سعلاة) على هاء التأنيث، لأن الهاء أتت لاحقًة للاسم بعدما تم بناؤه، فالألف مما بنيت عليه بخلاف ما تقدم، فإن الكلمة إنما بنيت عليهما معا، وكذلك زيادتا التثنية والجمع وياء النسب، لم تزد واحدة بعد أخرى، فلما كان كذلك لم يكونوا ليحذفوا واحدا ويبقى الآخر في زيادتين كالزيادة الواحدة، ثم أنهم ألحقوا بذلك نحو (منصور) لأنهم لما كانوا مما يحذفون الآخر في الترخيم، فصار لذلك كالزائد العريق في الزيادة، من حيث كانا يحذفان تارًة، ويثبتان تارًة، كان الزائد قبل الآخر [مع الآخر]، يشبه الزيادتين اللتين زيدتا معا، فحذفا معا.
هذا أصل المسألة، فالأصلان على هذا لا يحذفان لأنهما ليسا بمنزلة حرف واحد زائد، وكذلك الزائد الآخر مع أصلي قبله نحو:
стр. 3121
حبارى، فإن الألف إنما زيدت بعد تمام الكلمة بأصولها، فالراء قبلها بائنة عنها، أصلية دونها.
وكذلك الزائدان إذا لم يزادا معا، تحرك الأول منهما أو سكن، كقنور وحولايا، ومثل: سعلاة، فإن واو (قنور) جعلت في مقابلة أصلي بعد ما كانت البنية قد كملت أصولها دونه، فلم يكن الآخر معها بمنزلة زيادتين زيدتا معا، وكذلك (يا حولايا) مع الألف بعدها؛ إذ لو زيدتا معا لكانت الياء ألفا، والألف همزة، كما في (حمراء) لأن ما جعل مما قبل الآخر مع الآخر كالزيادة الواحدة ساكن لا يتحرك، بخلاف واو (منصور) ونحوه، وكذلك (سعلاة) لو كانت الألف مع التاء بمنزلة زائدٍ واحد لقلت في تصغيره: سعيلاة، كما تقول: عثيمان، أو سعيليت، كما تقول: سريحين. ولما كنت تقول: (سعيلية) دل على الانفكاك بينهما.
وأصل الزيادتين اللتين بمنزلة الزيادة الواحدة هما اللتان يكون أولهما حرف لين ساكن، لأن المتحرك في ذلك الموضع لا يكون إلا زائدًا للإلحاق أو شبهه، فلا يكون مع ما بعده بمنزلة الزيادة الواحدة، فلا يحذف إلا الأخير.
هذا وجه حذف الزيادتين ترخيمًا، وهو من أسرار "الكتاب" التي لا توجد إلا فيه، أو في كتاب من نقل منه، وإنما أتيت به، وإن كان فيه طول، لأنه قاعدة الباب وسره، وبه يحصل بيان ما اشترطه الناظم حصولا تاما. والله المستعان. ثم قال: (والخلف في واوٍ وياء بهما فتح قفي)
قفي: من قفوته، أي اتبعته، يريد: اتبع الفتح بهما.
يعني أن الواو والياء اللذين يقعان قبل الآخر إذا كان ما قبلهما مفتوحا، ففي جواز حذفهما مع الآخر ومنعه خلاف بين النحويين.
стр. 3122
فمنهم من يجيز حذفهما معه, ويحكم لها بحكم ما لو كان قبلهما من التحريك من جنسهما, وهذا مذهب الفراء والجرمى, فيقولان في (فردوس) مسمى به: يا فرد, وفي (إدرون) ياإدر, وفي (غرنيق): ياغرن, وفي (زميل): يازم.
ومنهم من يمنع ذلك, ولايجيز إلا حذف الآخر, فيقول: يافردو, ويا إدرو, وياغرني, ويازمى.
فالمجيز يقول: هذا زائد زيد قبل الآخر, وهو حرف لين ساكن, فيحذف وإن كان حركة ما قبله ليست من جنسه.
وأيضًا, فالواو والياء المفتوح ما قبلهما يجريان مجراهما لو كان ما قبلهما من جنسهما, ألا ترى أنهما لا يقعان قبل حرف الروى, مع الحرف الصحيح, فلا يجمع في القافية بين (العقل, والميل, أو القول).
وأيضا, فيقعان ردفين كحرفي المد, ويجمع معهما بين الساكنين كمديق ونحوه, فلما كانا كذلك عوملا معاملة حرف المد.
стр. 3123
وأما المانع فيقول: الواو والياء في مثل هذا ليسا مع ما بعدهما بمنزلة زيادتين زيدتا معا, لأنهما إنما زيدتا بعد ما استقلت الكلمة بأصولها.
وأيضا, فليستا للمد؛ بل لتكثير الكلمة أو للإلحاق, فالياء للتكثير, وزيادة التكثير كزيادة الإلحاق, إنما تلحق بعد حصول أصول الكلمة والواو للإلحاق, فلم تعد مع بعدها كواو (منصور) مع ما بعدها, فلم ينبغ أن يكونا كحرفي النداء. وهذا هو مذهب سيبويه, وهو الجاري على القياس المتقدم, فعلى هذا لابد في مذهبه من الشرط الخامس, وهو أن تكون حركة ما قبلهما من جنسهما, كما تقدم تمثيله, وكل ما كان هكذا فلا خلاف فيه, فقولك في (مروان): يا مرو, في (قنديل): يا قند, وفي (منصور): يا منص, مما يتفق عليه بمقتضى كلام الناظم, وإنما الخلاف فيما وراءه, ولم يختر هنا مذهبا معينا, كما فعل في "التسهيل", حيث ارتضى مذهب سيبويه, ولعله قوى عنده قياس الجرمى. والله أعلم.
***
وأما القسم الثالث من أقسام المرخم, وهو ما يرخم بحذف عجزه, فهو الذي قال فيه:
والعجز أحذف من مركب وقيل ... ترخيم جملة وذا عمرو نقل
والمرخم هكذا هو المركب دون غيره, وقد تقدم أن المركب على ثلاثة أقسام:
أحدها: المركب من المعطوف والمعطوف عليه.
والثاني: المركب تركيب مزج وخلط.
стр. 3124
والثالث: المركب تركيب إسناد.
فأجاز هنا الترخيم في الثانى والثالث, فاقتضى أن الأول لا يصح فيه هذا الترخيم, كما أنه لا يصح فيه الترخيم المتقدم, ووجه ذلك إنه معرب لم يتغير في النداء عن حاله قبل النداء, فجرى مجرى الاسم الممطول, ومجرى المضاف إليه, بخلاف غيره فإنه إنما جرى مجرى المضموم في النداء.
فأما المركب تركيب مزج فأجاز فيه الترخيم مطلقا من غير قلة, ولم يشترط فيه هنا شرط, لأن ما تقدم في القسم الأول لا يحتاج إليها فيه, لما يذكره على إثر هذا بحول الله, لكن هذا الترخيم بحذف العجز, وهو خلاف الصدر, لأن المركب, تركيب مزج أو تركيب إسناد, له صدر وعجز, فصدره نظير صدر الكلمة المفردة, وعجزه نظير عجزها.
وأيضا, فالجزء الثاني مشبه بهاء التأنيث التي تحذف في الترخيم وذلك نحو: معد يكرب, ورامهرمز, وبلا لا باذ, تقول: يا معدى, ويا رام, ويا بلال, وكذلك في (عمرويه): يا عمر, وفي رجل اسمه (خمسة عشر): يا خمسة, ومن ذلك كثير.
وإنما حذف العجز هنا لأنه قد جرى في كلامهم مجرى هاء التأنيث في كثير من الأحكام وذكر سيبويه من وجوه الشبه بينهما أربعة أوجه:
стр. 3125
أحدها: التصغير, لأن الاسمين إذا جعلا اسمًا واحدا صغر الصدر, ثم أتى بالعجز على حاله, كما يفعل بالهاء.
والثاني: النسب, يحذف له العجز في المركب, كما تحذف الهاء.
والثالث: أن العجز لا يلحق بنات الثلاثة بالأربعة, ولا بنات الأربعة بالخمسة. كما أن الهاء كذلك.
والرابع: أن العجز لا يغير ما دخل عليه, ولا يفسد بنيته كالهاء سواء وثم وجه آخر, وهو فتح ما قبل العجز, كما يفتح ما قبل هاء التأنيث. فلما جرى مجراها عومل معاملتها.
واعلم أن هنا نظرين:
أحدهما: أنه أطلق على المركب تركيب مزح لفظ المركب مطلقا من غير تقييد, وكان الأولى أن يقيده بتركيب المزج.
والجواب: إن ابن الضائع, حكى أن المركب في اصطلاح النحويين هو المركب تركيب مزج, فإن كان كذلك فلا إشكال, لأن الناظم إذ ذاك اعتمد على الاصطلاح.
والنظر الثاني: أنه لم يشترط هنا في ترخيم المركب شرطا, ولا بد فيه من شروط ثلاثة, وهو ألا يكون مندوبًا كما تقدم في نظائره, وألا يكون مستغاثًا ولا متعجبًا منه, وقد تقدم أيضًا, وإن يكون علمًا, فإنه إن لم يكن علما لم يرخم, فلا يقال في رجال عدتهم خمسة عشر: يا خمسة, وإنما يجوز ذلك في الأعلام. وإطلاق الناظم يقتضى أن يكون ذلك في كل مركب علمًا كان أو غيره, وذلك غير صحيح.
стр. 3126
وكذلك المركب تركيب إسناد لا بد فيه من الشروط الثلاثة, ولم يذكر شيئًا من ذلك, فكان كلامه معترضًا.
والعذر أن يقال: لعله اكتفى بذكر المركب عن اشتراط العلمية, فكأنه على حذف المرصوف, أى: من علم مركب, لأن غالب التركيب في الأعلام, وينتهض هذا جدًا في المركب تركب إسناد؛ إذ لا يتصور أن تنادي الجملة من حيث هي جملة, وإنما ينادي الاسم.
وأما كونه غير مندوب أو مستغاث: ففيه ما تقدم قبل في نظائره.
ثم قال: (وقل ترخيم جملة) أى بحذف عجزها لتقدم ذكره, يعني أن المركب تركيب إسناد قل فيه الترخيم, فيقال في (تأبط شرًا): يا تأبط, وفي (برق نحره): يا برق, وما أشبه ذلك, والأكثر في كلام العرب التزام حكايته, ووجه ترخيمه تنزيله منزلة المركب تركيب مزج لشبهه في التسمية بأكثر من كلمة واحدة.
وجمهور النحويين يمنعون ترخيم ذي الإسناد استنادًا منهم لقول سيبويه بالمنع من ذلك في"أبواب الترخيم" إذ قال: واعلم أن الحكاية لا ترخم, لأنك تريد أن ترحم غير منادى وليس مما يغييره النداء, وذلك نحو: تأبط شر, وبرق نحره, وما أشبه ذلك.
قال ولو رخمت هذا لرخمت رجلًا يسمى: (يا دار عبلة بالجواء تكلمي). يعني يلقب بهذا البيت, فجرى الناس على هذا المذهب.
فجاء ابن مالك هنا وفي كتاب" التسهيل" فنص على جواز ترخيمه نقلًا عن سيبويه؛ إذ قال: (وذا عمرو نقل) , قال في "الشرح": ونص- يعني سيبويه- في باب النسب على أن من العرب من يرخمه
стр. 3127
فيقول في (تأبط شرًا): يا تأبط, ورتب على ترخيمه النسب إليه قال: ولا خلاف في النسب إليه انتهى.
فلا شتهار المنه في المسألة عن سيبويه اعتنى بذكرها, والتنبيه على أن صاحب المنع هو الناقل للإجازة عن العرب, والذي نقل عن سيبويه وقع له في "باب الإضافة إلى الحكاية"
قال: فإذا أضفت إلى الحكاية حذفت وتركت الصدر بمنزلة عبد القيس وخمسه عشر, حيث لزمه الحذف كما لزمها, وذلك قولك في تأبط شرًا: تأبطي.
قال ك ويدلك على ذلك أن من العرب من يفرد, فيقول: يا تأبط أقبل, فيجعل الأول مفردا, فكذلك تفرده في الإضافة.
هذا نصه في المسألة, وهو كما قال ابن مالك, لكنه أسعد بكلامه هنا منه بكلامه في " التسهيل" إذ قال هنا: (وقل) فوافق قول الإمام: "من العرب من يقول كذا".
وقال في "التسهيل" ويجوز ترخيم الجملة وفاقا لسيبويه, فأطلق الجواز.
وأيضا, فإن كلامه هنا أقرب إلى مساعدة التأويل في الجمع بين الموضعين في كلام الإمام من كلامه في "التسهيل"؛ إذ ظاهره أن ما قاله في "باب الترخيم" خطأ وأن الصواب ما قاله في "النسب".
ولا بد هنا من بث القاعدة الأصولية باختصار, فهي محتاج إليها, في هذا الموضوع, وذلك أن العالم إذا صدر عنه قولان, ظاهرهما التضاد,
стр. 3128
فطريقة ابن جني أنه إما أن ينص على الرجوع عن أحدهما أولا, فإن نص على الرجوع فظاهر, وإن لم ينص, فإما أن يكون أحدهما مرسلا والآخر معللا أولا, فإن كان كذلك أخذ له بالمعلل, وإن لم يكن كذلك, فإن كانا مرسلين بحث عن التاريخ وأخذ بالمتأخر, فإن جهل التاريخ وجب البحث عن مدراكهما, فأخذ له بالأقوى, وجعل مذهبه تحسينًا للظن بالأئمة, فإن تساويا اعتقدا رأيين, فإن الداعي إلى التساوي عند الناظر هو الداعي لصاحبهما إلى القول بهما, هذا بمقتضى العرف وإحسان الظن, وأما القطع: فعلمه عند الله.
قال ابن جنى: وقد كان أبو الحسن لا يتحشم من سلوك هذا المسلك, يعنى اعتقاد القولين, وأكثر كلامه عليه, ثم حكى عن الفارسي في (هيهات) نحوًا من ذلك.
هذه قاعدة ابن جنى في القولين, فلنبن الآن عليها اصطلاحًا, وإن كان فيها نظر متشعب, فكأن المؤلف, والله أعلم اعتقد أن آخر القولين لسيبويه ما قاله في "النسب" أو أنه المعضود بالسماع فاعتمده, ولم يعتمد القياس في المنع في "باب الترخيم" لأنه لم يعضده بسماع, ولا نفي عن القول به فقوله الجواز مطلقا لذلك.
والذي ينبغى التعويل عليه هنا أن يقال: إن النظر في القولين ثانٍ عن ثبوتهما قولين: إما نصًا وإما ظاهرًا, كما يقول سيبويه في تاء (بنت وأخت) مرة: إنها للتأنيث ومرة إنها ليست للتأنيث ونحو ذلك,
стр. 3129
فيثبت على الجملة من كلامه فيها قولان, فينظر في تأويلهما إن أمكن, وإلاعدا قولين على ما ظهر.
أما "مسألة الترخيم" فلم يثبت بعد فيها قولان, فكيف ينظر فيما لم يثبت؟ وبيان ذلك أن سيبويه تكلم في أبواب "الترخيم" على وجه القياس, وأنت تعلم شدة متابعته للسماع في وضع القياسات, فلابد أن يكون منعه لترخيم ذى الإسناد مستندًا إلى كلام العرب, وأن أكثر العرب على منعه.
ثم لما جاء إلى باب "النسب" وهو باب يحذف فيه عجز الاسم مطلقا في كل مركب أنس جواز حذف العجز في ذي الإسناد في "النسب" بحذفه عند بعض العرب في "الترخيم" تشبيهًا بالمركب تركيب مزج, ولم يقل: إن ذلك قياس فيه, ولا إن قياس "النسب" مبني على "الترخيم"؛ بل كما يأتي في مواضع بالمثل القليلة الاستعمال والنادرة تأنيسًا في مواضع القياس وفي أبواب" النداء" من ذلك حظ صالح.
وإذا كان كذلك فالذي حكى عن العرب من ترخيم ذي الإسناد قليل, وذلك مفهوم من قوله: "من العرب من يفعل كذا" ولم يقل: والدليل على ذلك: أن العرب تفعل كذا, وأما أشبه ذلك, فإذا لا يقدح ما نقل في "النسب" فيما اعتمد من المنع في "باب الترخيم" وإذا رجع كل واحد من الكلامين إلى معنى ظاهرٍ من لفظه لم يصلح أن يحمل على أنهما قولان متضادان, فإشارته في "هذا النظم" جارية على كلام سيبويه, وكلام سيبويه غير متضاد, فالأحسن ما فعل هنا, ولا يحتاج إلى إثبات قولين, وطلب الترجيح بينهما أو التأويل. والله أعلم.
وقوله: (وذا عمرو نقل) هو سيبويه, وهو: عمرو بن عثمان بن قنبر, مولى لبني الحارث بن كعب بن عمرو. و (سيبويه) لقب له.
стр. 3130
وزعم بعضهم أن معناه ثلاثون رائحة, قالوا: لأنه كان طيب الرائحة.
كان- ﵀ ثقة ثبتا فيما ينقله, محققا في علمه, لم ير في زمانه مثله فهما لكلام العرب, وشرحا لمقاصده, وهو أثبت من أخذ عن الخليل على صغر سنه, وكان سنيا في مذهبه.
أخذ عن جماعة من أهل النحو واللغة والقرآن والحديث, ولازم الخليل بن أحمد, ويونس بن حبيب, وعليهما عول في النحو, وأخذ عن عيسى بن عمر, والأخفش الكبر, وأبي زيد سعيد بن أوس البصري المصادري, وأبي عبيدة معمر بن المثنى, واللحياني, والأصمعي, وابن أبي إسحاق, وهارون القارئ.
روى عنه الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة.
توفى سنه ثمانين ومائة, وهو ابن ثلاث وثلاثين سنه.
وإن نويت بعد حذف ما حذف ... فالباقي استعمل بما فيه ألف
واجعله إن لم تنو محذوفا كما ... لو كان بالآخر وضعا تمما
هذه المسألة يذكر فيها حكم آخر الاسم بعد دخول الترخيم فيه.
وللعرب فيه وجهان:
أحدهما: أن تنوى المحذوف, بمعنى أنك تقدره أنه موجود لم يحذف, فيبقى الاسم بعد الحذف على حكمه لو لم يحذف منه شيء, وهذا الوجه يسمى "لغة من نوى" وإليها أشار بقوله: (وإن نويت بعد حذف ما حذف).
стр. 3131
والثاني: ألا تنوي المحذوف, بمعنى أنك تقدره كأنه لم يكن, فتعامل الاسم بعد الحذف معاملته لو كان كذلك في الأصل لم يحذف منه شيء. وهذا الوجه يسمى "لغة من لم ينو" وإليها أشار بقوله: (واجعله). يعني الباقي بعد الحذف "إن لم تنو محذوفا كما لو كان بالآخر وضعًا تمما" والأكثر في الترخيم الحمل على "لغة من نوى" ولذلك كانت مطردة في كل شيء, بخلاف "لغة من لم ينو" فإنه لا يحمل عليها إلا إذا لم يؤهد اعتبارها إلى لبس, كما سيذكر إن شاء الله.
ولهذا, والله أعلم, قدم الناظم هنا "لغة من نوى" على الأخر.
وقد شبهت هذه اللغة بقولهم في جمع (جارية): جوار- ببقاء الكسرة- دليلًا على ثبوت الياء تقديرا, وأن الإعراب منوى بها وشبهت الأخرى بحذف آخر المعتل, وجعل ما قبله حرف إعراب كيدٍ ودمٍ, ولا شك في اطراد الأول وعدم اطراد الثاني, فلذلك كثر الترخيم على اللغة الأولى, ولم يكثر على الأخرى.
ومعنى كلامه: أن كلا الوجهين المذكورين جائزين قياسيا, إلا أنك إذا رخمت على "لغة من نوى" فالباقي مستعمل على ما كان ألف فيه قبل الترخيم, لا زيادة على ذلك ولا نقصان.
وأما إن رخمته على اللغة الأخرى: فإن ما بقى من الاسم يعامل معاملة الاسم التام وضعًا, الذي لم يحذف منه شيء, فما لزم فيه في العربية, من إعراب أو تصحيح أو إعلال أو غير ذلك, لزم في آخر هذا المرخم.
هذا معناه على الجملة من غير تمثيل ولا تفصيل, ثم أخذ في التمثيل فقال:
стр. 3132
فقل على الأول في ثمود يا ... ثمو وياثمى على الثاني بيا
يعني أن الوجه الأول إذا اعتبرته فإنك تقول في ترخيم (ثمود): يا ثمو, فتترك آخر الاسم المحذوف على حاله, كما كان قبل الحذف. ولو كانت الدال ثابته لقلت: يا ثمود- بإثبات الواو- فكذلك تقول: يا ثمود, بإثباتها على حالها غير منقلبة, لأنها في وسط الاسم لا في آخره, وعلى هذا يقول في (طلحة): يا طلح, فتبقى الحاء على فتحها, كما لو كانت التاء ثابتة, وفي (حمزة): يا حمز, وفي (قاسم): يا قاس- بكسر السين- إذ لو ثبتت الميم لكانت السين مكسورة, وكذلك في (حارث): يا حار.
وعلى هذا الترتيب يجري سائر الأسماء, فتقول في (مروان): يا مرو, وفي (أسماء): يا أسم, وفي (مسلمان): يا مسلم, وفي (مسلمون): يا مسلم. ومن ذلك قراءة: (ونادوا يا مال). ومنه قول امرئ القيس:
أحار ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل
وقال:
أحار بن عمرو كأني خمر ... ويعدو على المرء ما يأتمر
стр. 3133
وأنشد سيبويه للقطامي:
قفى قبل التفرق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا
وأنشد أيضا لابن الخرع:
كادت فزارة تشقى بنا ... فأولى فزارة أولى فزارا
وهو من ترخيم غير النداء, وكذلك تقول في (كنهور): يا كنهو, وفي (فردوس): يا فردو, وفي (غرنيق): يا غرني, وفي (حولايا): يا حولاى, وفي (كروان): يا كرو, وفي (نفيان): يا نفي, وفي (هرقل): يا هرق- بالسكون- وكذلك ما أشبه, كل ذلك يعد فيه المحذوف كالموجود.
وعلى هذا الاطلاق في الوجه الأول يتعلق النظر بأمرين:
أحدهما: بيان أنه مخالف للكوفيين في امتناعهم من إبقاء آخر الكلمة بعد الحذف ساكنا ما لم يحذفوا الساكن مع الآخر, فيقولون في (قمطر, وهرقل): يا قم, ويا هر, ولا يقولون: يا قمط ويا هرق.
والدليل على صحة مذهب البصريين: أن الفريقين اجتمعوا على أن حركة ما قبل الاخر بعد الترخيم باقية في هذه اللغة على ما كنت عليه بعده,
стр. 3134
من ضم أو فتح أو كسر ليكون فيها دليل على المحذوف, فكذلك ينبغي في الإسكان, لأن فيه أيضا ذلك المعنى, فالتفرقة بينهما تفرقة لغير معنى.
فإن قيل: إنما معنى حذف الآخر دون الساكن حذرا من أن يشبه الأدوات بسكون آخر ذلك الاسم, وذلك محظور.
قيل: لو كان هذا معتبرا لامتنع ذلك فيما إذا كان قبل الآخر مكسورا, فكان يجب حذفه أيضا مع الآخر, لئلا يشبه المضاف إلى ياء المتكلم, ولما لم يكن ذلك مغتفرًا دون الإشعار بالمحذوف وجب أن يكون في مسألتنا كذلك.
والثاني: أن هذا الاطلاق ظاهر في أن ما قبل المحذوف لا يزول عن حالته التى كان عليها لقوله: "فالباقي استعمل بما فيه ألف" يريد ما ألف قبل الحذف, فاقتضى لذلك أن تقول في (قاضون, ومصطفون)
على هذه اللغة: يا قاض- بالضم- ويا مصطف- بالفتح- من غير رد شيء مما حذف لأجل سكون الواو, إذ كان الأصل: قاضيون, ثم نقلت حركة الياء لالتقائهما, وكذلك (مصطفون) أصله: مصطفيون, ثم مصطفاون, ثم مصطفون.
وهذا الرأى رآه المؤلف, وخالف فيه النحويين: الخليل وسيبويه ومن دونهما, ونص في " التسهيل" على المخالفة.
ورأيهم في ذلك أن تقول: يا قاضي, ويا مصطفى, برد المحذوف للساكنين, لأن الساكن الثاني لما حذف للترخيم لم يكن لبقاء
стр. 3135
الأصلي, غير مرجوعٍ, وجه؛ إذ كان موجب الحذف قد زال, كما أنك تقول في الدرج (غير محلى الصيد) فتحذف ياء (محلى) فإذا وقفت عليها أثبتها, فقلت: (محلى) لزوال ما أوجب حذفها, هذا تعليل سيبويه. وألزم المؤلف عليه أن يعاد إلى كل متغير بسبب الترخيم ما كان يستحقه لو لم يكن ذلك السبب موجود أصلا, فكان يقال في ترخيم (كروان, نزوان): يا كرا, ويا نزا, قولا واحدا, قال: لأن سبب تصحيح واوهما هو تلافي الساكنين وقد زال, ومع ذلك يبقون الحكم المرتب عليه لكون المحذوف منوى الثبوت.
قال: ولا فرق بين نية ثبوته ونية سبب حذف ياء (قاضون) وألف (مصطفون) حين يرخمان.
ونقل أيضا: احتجاجهم بالتشبيه برد ما حذف لأجل نون التوكيد الخفيفة عند زوالها وقفا كقول الواقف على (تفعلن): هل تفعلون, برد واو الضمير ونون الرفع لزوال سبب حذفها, وهو ثبوت نون توكيد وصلا.
قال: وهذا التشبيه ضعيف, لأن الحذف لأجل الترخيم غير لازم, فيصح معه أن ينوي ثبوت المحذوف.
هذا ما احتج به الجمهور, وما رده به المؤلف, ومن هنا لم يرتض مذهبهم.
стр. 3136
وظاهر هذا النظم اعتقاد هذا النظر, فإن كان مقصوده ما ظهر دخل عليه أن يقال في ترخيم (راد) مسمى به: يا راد- بإسكان الدال- وفي ترخيم (تضار, ومضار, وأسحار). ومسمى بها: يا تضار, ويا مضار, ويا أسحار, كما تقول في (مكر, ومفر) يا مكر, ويا مفر, لكنه إنما يقال فيه: يا راد, ويا تضار, أو تضار إن كان مبنيا للمفعول ويا مضار , أو مضار, فتحركها بحركة الأصل, ويا أسحار, فتفتحها, لمناسبتها للألف, وإذا كان كذلك فلم يستعمل الباقي بما ألف فيه, من حيث كان المألوف فيه السكون, فترك إلى التحريك. وبموافقة الجماعة يقول في هذا, فيلزمه في "التسهيل" و "شرحه" التناقض.
فإن قيل: إن هذا لا يلزم, لأن التحريك فيه ضروري؛ إذ لا يجتمع ساكنان في مثله ما لم يكن الثاني مدغما, بخلاف نحو (قاضون, ومصطفون) فإنه لا ضرورة تدعو إلى رد المحذوف, فوجب التنبيه عليه دون الأول.
فالجواب: أن الأمر في الجميع واحد, إذ هو حكم لفظي, فإن اعتبرت اللفظ بعد الحذف, لزم أن يقال: يا قاضي, لزوال الساكن, وكذلك يا مصطفى, كما تعتبره في التقاء الساكنين هنا, فتقول: يا مضار, وإن اعتبرت المحذوف لزم أن تقول: يا مضار- بالسكون- كما تقول: يا قاض, ويا مصطف, لا فرق بين الموضعين, فإن التزم هذا هنا حسبما يقتضيه ظاهر لفظه خالف الناس.
والحق في أصل المسألة مع غيره. ويد الله مع الجماعة.
стр. 3137
وقد تكلم معه شيخنا الأستاذ- ﵀ في "شرح الجمل" بما لا حاجة إلى ذكره هنا لخروجه عن قصد الشرح والله الموفق.
وأما إن اعتبرت الوجه الثاني, وذلك "لغة من لم ينو" فتقول في (طلحة): يا طلح, وفي (حمزة): يا حمز, وفي (مالك): يا مال, وفي (قاسم): يا قاس فتبنى ذلك على الضم, لأنك لو فرضته غير محذوف منه ما تعديته, وكذلك تقول في (مروان) يا مرو, وفي (أسماء): يا أسم.
ومن ذلك قول عنترة أنشده سيبويه:
يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم
يروى بضم الراء, وأنشد أيضا للأسود بن يعفر تصديقًا لهذه اللغة:
стр. 3138
الأهل لهذا الدهر من متعلل ... عن الناس, مهما شاء بالناس يفعل
وهذا ردائي عنده يستعيره ... ليسلبني حقي أمال بن حنظل
يريد: حنظلة.
وإنما قال: "تصديقا" لأنه ترخيم في غير النداء, وكذلك أنشد قول رؤبة:
إما تريني اليوم أم حمز ... قاربي بين عنقي وجمزي
أراد: حمزة.
وعلى هذه اللغة تقول في (ثمود): يا ثمي- بالياء- كما نبه عليه الناظم, لأن الواو في هذه اللغة وقعت كأنها في آخر اسم متمكن, والحكم أن الواو لا تقع كذلك في أواخر الأسماء المتمكنة, فإن اقتضى ذلك قياس رفض حسبما يأتي في التصريف إن شاء الله. فقلبت الواو ياء, والضمة كسرة.
وكذلك إذا رخمت (بنون) قلت: يا بني, فقلبت الواو ياء, والضمة كسرة كذلك, وإذا رخمت (قمحدوة) تقلب الواو ياء, والضمة كسرة فقلت: يا قمحدي, وفي عرقوة: يا عرقي, وفي (قتول): يا قتى, وفي (قطوان): يا قطا, لأنك لما حذفت الألف والنون بقى الاسم (قطو) فوجب انقلاب الواو ألفا
стр. 3139
لتحركها وانفتاح ما قبلها, كما تقول في (فتى): فتا, وكذلك في (نفيان): يا نفا وقولهم: (أطرق كرا, أطرق كرا. إن النعام في القرى).
وكذلك من اسمه (علاوة) تقول فيه: يا علاء, لأنك لما حذفت التاء وقعت الواو طرفا بعد ألف زائده, فوجب قلبها همزة, كما قلت في (كساء) وكان أصله (كساو) وكذلك في عناية): يا عناء, كما قلت: رداء, والأصل رداى. وتقول في (هرقل): يا هرق, وفي (مضار, وتضار, وأسحار) ونحو ذلك مسمى به يا مضار, ويا تضار, ويا أسحار. وتقول في (قاضون): يا قاضي, وفي (مصطفون): يا مصطفى, فترد المحذوف.
وتسوى اللغتان لفظا فى نحو: يا منص- ترخيم (منصور) إلا أن الحركتين مختلفتان حكما.
وكلامه يقتضي أنه لم يعتبر عدم النظير في وزن أو غيره إن أدى إليه الحكم في هذا الوجه, فتقول في (سفرجل) على مذهبه: يا سفرج, وإن أدى إلى وزن (جعفر) وهو مثال غير موجود, وكذلك في (طيلسان) على لغة كسر اللام: يا طيلس, وإن أدى إلى وزن (فعيل) وهو بناء غير موجود إلا في المعتل العين نحو: سيد وميت.
وتقول أيضا في (حذرية): يا حذري, و (فعلى) ليس في الكلام, وفي (حبلوى): يا حبلى, فتقلب الواو, فيؤدي إلى وزن
стр. 3140
(فعلى) وفعلى, إذا كانت ألفه لغير التأنيث, غير موجود, وكذلك (حمراوى) تقول: يا حمراء, فتقلب الواو همزة, فيؤدي إلى كون همزة التأنيث منقلبة عن الواو, وذلك غير موجود فيها, فليست للتأنيث, و (فعلاء) إذا كانت همزته لغير التأنيث معدوم أو كالمعدوم.
هذا كله جائز على ظاهر كلامه؛ إذ لم يستثن من ذلك إلا ما يوقع اللبس خاصة كما يأتي, وهذا مذهب الإمام والجمهور.
وذهب المبرد إلى امتناع ترخيم ما أدى ترخيمه إلى عدم النظير في هذه اللغة, وارتضاه المؤلف في "التسهيل", وإنما يرخم عندهما على "من نوى" ليبقى محرزا بنيته الأصليه, فلا يبقى محذور, وكأن المبرد شبه اعتبار البنية باعتبار الإعلال, والوجه ما قاله غيرهما.
قال السيرافي: لم يذكر سيبويه هنا شيئا اعتبر فيه بناء ما يبقى؛ بل اعتبر ما إذا عرض في الكلام غيرته العرب من حرف إلى حرف كما تقدم, لأنه حكم متلئب مستمر, التغيير في جميع ما تقدم ونحوه.
قال: فأما البنيه العارضة في كلامهم, الخارجية عن أبنيتهم, فلا يلتزمون تغييرها إلى أبنيتهم, ولا إخراجها من كلامهم كإبراهيم, وإسماعيل, وقابيل, وإبريسم, ونحو ذلك, فكذلك (طيلس, وحبلى) إنما هو شيء عرض, هذا اعتذاره عن سيبويه باختصار. ثم أخذ في الرد على المبرد بأنه يقال له: مازون (حار)؟ فإن قال: (فاعل) فيلزم أن يكون (طيلس) فيعلان,
стр. 3141
وإن قال: (فاع) فليس في الكلام. وإن قيل: (فعل) قيل له: قد علمت أن الألف زائدة لا أصلية, ويلزم أن يكون (منص) فعل, و (منذ) ترخيم (منذر) فعل, ويلزمه ألا يجيز ترخيم شيء من هذه الأسماء, وألا يرخم (خضم) لأن وزنه: فع ولا (قمحدوة) لأن: فعلى ليس في أصول الأبنية, فالقول ألا يعتبر الوزن.
وهذا للسيرافي حسن من الإلزام, وهو لازم للمؤلف أيضا في "التسهيل" ولله دره في هذه الأرجوزة, فإنه يلتزم فيها مخالفة رأيه في "التسهيل" في مواضع كثيرة, فتكون مخالفته أحق من موافقته, وقد مضى من ذلك مواضع.
ثم استثنى في هذا الوجه الثاني ما يؤدي إلى اللبس فقال:
والتزم الأول في كمسلمة ... وجوز الوجهين في كمسلمة
يعني أن الوجه الأول وهو "لغة من نوى" المحذوف ملتزم فيما كان نحو: مسلمة, تأنيث مسلم, فتقول: يا مسلم- بفتح الميم- في اللغتين جميعا. ولا تقول: يا مسلم, لأن "لغة من نوى" لا لبس يقع بسببها لبقاء الفتحة دليلًا على المحذوف, ولو قلت: يا مسلم- بضم الميم- لأوقع ذلك اللبس بنداء (مسلم) المذكر, فامتنع ذلك, لكنه قال: (التزام الأول في كذا) أى فى هذا المثال وما أشبهه مما يقع به اللبس بين صفة المذكرة
стр. 3142
المؤنث, كمسلم ومسلمة, وصالح وصالحة, ومستكبر ومستكبرة, وما أشيه ذلك من الصفات غير الأعلام.
وهذا مما تعطيه قوة المثال, وعلى ذلك لو كان الاسم علما جاز الترخيم على "لغة من لم ينو" من غير اعتبار بلبس أو عدمه, لأن الأعلام ليست بموضع لبس, لجواز تسميه المذكر بما فيه الهاء, وتسمية المؤنث بما لا هاء فيه, وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله: (وجوز الوجهين في كمسلمه) أى فيما كان عاما مطلقا نحو: (مسلمة) فتقول: يا مسلم على "لغة من لم ينو" كما تقول: يا مسلم, على لغة من نوى", وكذلك تقول في (حمزة): يا حمز, وفي (طلحة): يا طلح. قال عنترة:
*يدعون عنتر والرماح كأنها* ... البيت
فالحاصل أنه فرق في إجازة "لغة من لم ينو" بين العلم الذي لا لبس معه والصفة التي يقع معها اللبس, وهو المعتبر عند النحويين.
قال سيبويه بعد ما أطلق الجواز في ترخيم الأعلام على "من لم ينو": واعلم أنه لا يجوز أن تحذف الهاء, وتجعل البقية بمنزلة اسم ليست فيه الهاء إذا لم يكن اسما خاصا غالبا, من قبل أنهم لو فعلوا ذلك التبس المؤنث بالمذكر, وذلك أنه لا يجوز أن تقول للمرأة: يا خبيث أقبلى.
قال: وإنما جاز في الغالب- يعنى العلم- لأنك لا تذكر مؤنثا, ولا تؤنث مذكرا.
стр. 3143
قال السيرافي: الاسم الذي هو مؤنث في الحقيقة إنما تدخله هاء التأنيث لتفصل بين المذكر والمؤنث, فكرهوا اللبس. قال: وهى في الأعلام لم تدخل فاصلة, فإنه قد يسمى الرجل بخبيثة, والمرأة بخبيث فلا لبس.
وذهب المؤلف في "التسهيل", "وشرحه", إلى امتناع "لغة من لم يجز ترخيمه على "لغة من لم ينو" لأنه يلتبس إذا قلت يا ضخم, ويا عمرة, لم يجز ترخميه على "لغة من لم ينو" لأنه يلتبس إذا قلت يا ضخم, ويا عمر بنداء (ضخم, وعمرو) لأن الذهن يسبق إلى أنه ندا لرجل موصوف بالضخامة, أو لمسمى بعمرو, وكأنه عنده مخالف لمسلمة ونحوه, لأنك إذا قلت فيه: يا مسلم-بالضم- لم يقع فيه لبس؛ إذ ليس في المذكرين ما ينطلق عليه لفظ: مسلم بغير هاء. وكذلك تقول فى (طلحة): يا طلح, وفي (حمزة): يا حمز, إذ ليس في مستعملاتهم رجل يسمى بطلح ولا حمز, ولا يعتبر دون هاء. فهذا رأيه في هذا الموضع, كما ترى مخالفا للنحويين. والصواب: ما ذهب إليه غيره, والله أعلم.
ولكن يمكن أن يكون رأى هنا ما رآه في "التسهيل" من مراعاة اللبس في الأعلام, ولذلك مثل بمسلمة, فيكون مثاله مشعرا بذلك, فإن كان مراده هذا فلما قاله وجه إن كانت المسألة غير مجمع عليها, وهو أنهم قد استقر منهم مراعاة اللبس ومجانبته؛ بل قد ثبتت مراعاته في هذا الباب, كما في (مسلمة).
والمعنى الذي في (مسلمة) موجود في (ضخمة, وعمرة) وما أشبه ذلك, فلابد من مراعاة ذلك. والله أعلم.
стр. 3144
ولاضطرارٍ رخموا دون ندا ... ما للندا يصلح نحو أحمدا
يعني أن العرب قد وقع لها الترخيم في غير النداء, وذلك على وجه "الضرورة الشعرية" لا في "الاختيار" فلا يقاس عليه, إلا إن قيل به في شعر إن بلغ مبلغ القياس.
والترخيم القياسي إنما يختص بالنداء, وعلى أنه لا يكون في الاضطرار إلا فيما صلح لأن يكون منادي, ومباشرًا لحرف النداء, فإذا لا يجوز أن يرخم ما فيه الألف واللام, فلا يجوز أن يقال في نحو ما أنشده سيبويه من قوله العجاج:
*أو الفًا مكة من ورق الحمى*
يريد "الحمام" أنه رخم ضرورة, لأنه لا يصلح أن يدخل عليه حرف النداء, لما فيه من الألف واللام, وكذلك كل ما هما فيه إن اتفق في الضرورة حذف آخره فليس بترخيم, وإنما هو حذف على غير جهة الترخيم الاصطلاحي.
ومن ذلك أيضا قول لبيد:
стр. 3145
درس المنا بمتالع فأبان ... فتقادمت بالحبس فالسوبان
أراد " المنازل".
فأما إذا صلح للنداء فيجوز فيه الترخيم للضرورة, ومثل ذلك (أحمد) وهو علم يصلح لمباشرة أداة النداء.
ويتعلق بهذا الموضع التنبيه على ثلاث مسائل:
إحداها: أنه لما أطلق القول في هذا الترخيم, ولم يقيده بلغة دون لغة دل على جوازه على كلتا اللغتين. أما على "لغة من لم ينو" فمتفق عليه, كقول الأسود بن يعفر:
وهذا ردائي عنده يستعيره ... ليسلبني حقى أمل بن حنظل
يريد "ابن حنظلة" وأنشد أيضا لامرئ القيس:
لنعم الفتى تعشو إلى ضوء نادرة ... طريف بن مال ليلة الجوع والخصر
стр. 3146
أراد "ابن مالك" وأنشد أيضا لرجل من بني مازن:
على دماء البدن إن لم تفارقي ... أبا حردب ليلًا وأصحاب حردب
أراد "حرد به" وأنشد أيضا:
أسعد بن مالٍ ألم تعلموا ... وذو الرأي مهما يقل يصدق
وأما على "لغة من نوى" فرأى الجمهور كذلك, ومنه قول ابن أحمر, أنشده سيبويه:
أبو حنشٍ يؤرقنا وطلق ... وعمار وآونة أسالا
يريد "أثالة", انشد أيضا لجرير:
стр. 3147
ألا أضحت حبالكم زماما ... وأضحت منك شاسعة أماما
أراد "أمامه" وأنشد لا بن حبناء التميمي:
إن ابن حارث إن أشتق لرؤيته ... أو أمتدحه فإن الناس قد علموا
وخالف المبرد في هذا الوجه, فمنعه في غير النداء, وهو محجوج على ذلك كما تقدم, وقد قدح فيها بما لا يثبت له ما قال, أما قوله:
*وآونةً أثالا*
فمعطوف على مفعول "يؤرقنا".
وأما بيت جرير فرد فيه رواية سيبويه وقال: وإنما الرواية هكذا:
*وما عهد كعهدك يا أماما*
فهو من ترخيم النداء.
وزعم أن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير أنشده إياه هكذا, ورد الناس هذا الرد بأن سيبويه أوثق من أن يتهم.
وهكذا أخذ في تأويل جميع ما أنشده سيبويه, وذلك إن أمكن في البعض فلا يتأتى في الجميع. فالصحيح ما ذهب إليه عامة النحويين.
стр. 3148
وأيضا, فما ذكر من أن الرواية على كيت إذا فرض أنه صحيح, فلا يلزم منه مقصوده, فإن القاعدة الأصولية أن رواية لا تقدح في رواية أخرى في الأحكام العربية إذا جاء الاختلاف من جهة العرب.
وأيضا فإن القياس يقتضي عكس ما قال, فإن حذف بعض الاسم مع إبقاء دليل على المحذوف أحق, بالجواز من حذفه من غير إبقاء دليل.
ألا ترى اطراد نحو: قاضٍ, وغازٍ, وقلة نحو: يدٍ, ودمٍ.
والثانية: أن تمثيلية ب (أحمد) مع اشتراط ما يصلح للنداء من غير زيادة يدل على أن هذا الترخيم لا يختص بالهاء؛ بل يجوز وإن كان آخر الاسم غير الهاء (أحمد) الممثل به, فتقول في الشعر: جاءني أحم يا هذا, ومنه في الشعر:
*أمال بن حنظل*
وقول الآخر:
*أسعد بن مال ألم تعلموا*
وما أشبه ذلك.
والثالثة: أن ذلك يدل على أن هذا الترخيم لا يختص بالأعلام دون غيرها, وإن كان أكثر الترخيم في الأعلام, فالهاء لا تختص ترخيم ما هي فيه بالأعلام, فتقول: على هذا في الشعر: مررت بحنظل, على"لغة من
стр. 3149
نوى" وأنت تريد واحدة الحنظل, ومررت بامرأ, تريد (امرأة) وما أشبه ذلك.
ومسألة رابعة: وهي أن يقال: لم أخرج ما كان نحو:
*درس المنا بمطالع فأبان*
ولم يدخله فيما تقدم له؟ ولم فرق بينهما, فجعل نحو:
*أمال بن حنظل*
ترخيمًا, ونحو:
*درس المنا*
ليس بترخيم وكلاهما حذف, وغاية ما بينهما أن يقال: أحدهما قليل فلم يعتبره, والآخر: كثير فاعتبره, وذلك لا يقدح في تسمية الجميع ترخيمًا.
فالجواب: أن ما فعل من التفرقة ظاهر المعنى, وذلك أن الترخيم المصطلح عليه ما جرى على قانون معلوم, من حذف حرف واحد أو حرفين زائدين, أو أولهما أصلي, على صفات مخصوصة, ويشترط أن يبقي بعد الحذف ثلاثة أحرف أو أكثر, ما لم يكن المحذوف هاء التأنيث أو عجز المركب, وهذا المعنى موجود فيما سماه ترخيما في غير النداء.
أما ما كان من باب "درس ألمنا" فليس بجار على ذلك.
стр. 3150
ألا ترى أن المحذوف من "المنا" حرفان أصليان, وذلك لا يكون في الترخيم, وكذلك قوله:
*مفدم بسبا الكتان*
إذا فسر بسبنى الكتان, أو أراد بسبائب؛ إذ لا يحذف مع الآخر ما قبله من زائد إلا إذا كان حرف مد ولين كما مر, ومنه قوله الآخر: "ألاتا" فأجيب "بلى فا".
وقول الآخر:
*ولا أريد الشر إلا أن تا*
وما أشبه ذلك.
فليس هنا من شروط الترخيم شيء, فلما كان كذلك علم أن ما تخلف فيه شرط الترخيم في النداء فليس بترخيم في غير النداء.
ومن هنا, والله أعلم, ضبط الناظم ذلك بما يصلح للنداء, إلا أن هذا التوجيه يقتضي أنه يسمى ترخيما إذا صاح للنداء, وإن لم يكن على شرط
стр. 3151
الترخيم, كما لو قلت: مررت بسفر, تريد: (سفرجل) مسمى به, لأنه لم يشترط إلا أن يصلح لمباشرة حرف النداء حسبما فسر في "شرح التسهيل", وسكت عن اشتراط ما تقدم في الترخيم.
وعلى هذا التوجيه المذكور يجوز أن يقال مثلا:
*أو الفًا مكة من ورق الحما*
*ودرس المناز أو المناز*
والجواب: أن قوله: "ما للندا يصلح" يريد: مع ترخيمه بحيث لو باشره حرف النداء كان مرخما ترخيما صحيحا, فجمع بين الموضعين ولم يرد أحدهما, وقد نبه على اعتبار ذلك في "الشرح" فعلى هذا يستقيم كلامه على مقتضى التوجيه, فيجئ منه اشتراط الأمرين, وهما ألا يكون بالألف واللام, وأن يكون الحذف لائقا بطريقة الترخيم, ويلزم على اعتبار هذا ألا يحذف من غير العلم إلا هاء التأنيث خاصة, وأن يكون الحرف الأصلي أو الحرفان في علم خاصة, وهو ظاهر.
وبالله التوفيق.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.
стр. 3152
﴿الاختصاص﴾
стр. 3153
﴿الاختصاص﴾
معنى الاختصاص عند النحويين: أن تأتي بـ (أيها) المختصة بالنداء من غير حرف نداء, تفيد تأكيد الاختصاص للمتكلم بما ذكر في الخبر.
والباعث عليه إما فخر "أو تواضع أو زيادة بيان. هذا أصله, وهو شبه النداء, كما قال الناظم:
الاختصاص كنداء دون يا ... كأيها الفتى بإثر ارجونيا
أما كونه يشبه النداء فلأوجه:
أحدهما: إفادة الاختصاص بالمتكلم دون غيره, كما أن النداء أفاد اختصاص المخاطب دون غيره بالأمر والنهي والإخبار.
والثاني: أن كل واحد منهما لا يكون إلا بالنسبة إلى الحاضر, فالنداء للمخاطب, والاختصاص للمتكلم, وقد يكون للمخاطب قليلا, ولم يذكره الناظم لقلته, ولا يكون للغائب, [كما أن النداء لا يكون للغائب].
والثالث: أن الاختصاص واقع في معرض التأكيد للكلام المتقدم, والنداء يكون كذلك أيضا, لأنك قد تقول لمن كان مقبلا عليك, منصتا لكلامك, مستمعا له: كان الأمر كذا يا فلان, فأثبت بالنداء توكيدا, وبهذا شبه سيبويه.
ولما أشبه الاختصاص النداء من هذه الأوجه الثلاثة أتوا له بالأداة المختصة بالنداء وهي (أيها).
стр. 3154
فمن هاهنا أخبر الناظم أن الاختصاص مثل النداء, نحو ما مثل به من قولهم: ارجوني أيها الفتى, وهو قوله: "كأيها الفتى بإثر ارجوا نوالي".
ومعناه: أيها ارجوني, أى أرجوا نوالي فإني فتى, أي كريم.
والفتوة: السخاء والكرم, يقال: فتى بين الفتوة, وقد فتى, وتفاتى, ووقع "أيها" على ضمير المتكلم في "ارجوني" أي ارجوني أيها الكريم.
وقوله: "دون ياء" لما أخبر أنه مثل النداء أو شبهه توهم أن قائلا يقول: فلابد إذا أن تدخل عليه أداة النداء, وهي (يا) أو غيرها, فأزال التوهم بقوله: "دون" يريد أن حرف النداء لا يدخل على (أيها) فلا يقال: ارجوني يا أيها الفتى.
ومن عادة الإمام إذا شبه شيئا بشيء, وقرب أوجه التشبيه أن يبين أوجه التفرقة, لئلا يتوهم متوهم أنه هو. فالناظم حذا هنا حذوه.
و"يا" في كلامه مثال عبر به عن حرف النداء مطلقا؛ إذ لا يريد أن "يا" وحدها هي الممنوعة الدخول على "أيها" دون غيرها كـ (أيا, وهيا) ونحوهما, وإنما قصده نفي الأداة مطلقا.
وأنما لم تدخل أداة النداء لأنك لا تريد أن تنبه غيرك ليستمع كلامك, لأن (أيها) واقعة على المتكلم, و (يا) لا تكون إلا تنبيها لمخاطب, وهذا تعليل الكتاب, وهو ظاهر.
стр. 3155
ومن الأمثلة في هذا الفصل قولك: أما أنا فأفعل كذا أيها الرجل, ونحن نفعل كذا أيها القوم وقالوا: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة.
ولما أتى بـ هذا المثال المذكور ظهر أنه أحرز به أشياء:
أحدها: أن المختص واقع بعد ضمير المتكلم لقوله: "ارجونى" فلا يكون بعد ضمير غائب البتة, فلا يقال: زيدا ارجوه أيها الفتى, ولا بعد ظاهر نحو: أكرموا زيدا أيها الفتى, ولا ما كان نحو ذلك.
فإن قلت: فقد حكى سيبويه أو مثل بقولهم: على المضارب الوضيعة أيها البائع, فـ (أيها) اختصاص راجع إلى "المضارب" وهو ظاهر, ولم يأت به على أنه شاذ ولا ضرورة, وإنما أتى به على حسب التمثيل لمطلق الباب:
فالجواب: أن هذا المثال ليس على ظاهره, لأن سيبويه نص بعد ذلك على أن الاختصاص لا يكون للغائب.
قال: ولا يجوز أن تقول: إنهم فعلوا أيتها العصابة, إنما يجوز هذا للمتكلم والمكلم المنادي.
وإذا كان كذلك عنده فقالوا: إنه من وضع الظاهر موضع المضمر, كأنه قال: على الوضيعة أيها البائع. وقيل: إن الرواية: وعلى صارت الوضيعة أيها البائع, أو أيها المضارب.
следующие страницы →