Полный текст (5 477 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
فيدخل تحته (فواعل، وفعائل وفعالل، وفياعل) وكذلك إذا دخلتها الياء قبل الآخر، وما كان نحوها، وذلك نحو (مساجد) و (قناديل) جمع: قنديل، و (ضوارب، ورسائل، وجعافر، وصيارف) وما أشبه ذلك، الحكم في الجميع سواء.
وهذا التمثيل أشار فيه إلى قيود معتبرة في منع الجمع، وضابطه: كل جمع ثالث حروفه ألف ثابتة، وبعدها حرفان، أو ثلاثة أحرف أوسطها ياء، عارٍ من التأنيث أو ياء النسب.
وقد اشتمل هذا التعريف على قيود مقصودة: أحدها: أن يكون الجمع ثالث حروفه ألف، تحرزًا من نحو (أفعلة، وفعول، وأفعال) ونحو ذلك، فإنها وإن كانت جموعا لا تشبه الآحاد المشهورة في كلام العرب، لا تعتبر في منع الصرف، فـ (أفعلة) لا يقع مفردا، وكذلك (إفعل) إلا ناردا نحو: إصبع و (فعول) ليس في الأسماء إلى نادرا، مثل ما حكى سيبويه من قولهم: "سدوس" لضرب من الثياب، وكذلك (أفعال) هو بناء لا حظ فيه للمفرد، إلا ما حكى سيبويه من قولهم: هو الأنعام أو ما قل من ذلك.
وإذا كانت هذه الأبنية وما أشبهها تختص بالجمع كـ (مفاعل، ومفاعيل) وهي منصرفة مع ذلك- لم تعتبر مانعا، لأنها تشبه المفردات في الوزن وفي الحكم.
стр. 3292
أما في الحكم: فإنها تجري في التكسير مجرى الواحد فتقول: أقوال وأقاويل، وأنعام وأناعيم، وأيدٍ وأيادٍ.
وأما في الوزن: فإن (فعولا) يشبه (فعولا) و (أفعالا) يشبه (أفعالًا) إلى ما جاء من المفردات فيها، بخلاف (مفاعل) أو مفاعيل) فإنها لا تجمع أصلا جمع تكسير؛ بل هي غاية منتهى الجموع.
ولذلك يقول ابن الحاجب: إن سبب منعه الصرف كونه صيغة منتهى الجموع.
وهو يظهر من كلام سيبويه، فهذا قيد أفاده التمثيل.
والثاني: أن تكون الألف الثالثة ثابتة لا محذوفة، فإنها لو كانت محذوفة لجاز تنوينه، وذلك قولهم في (ذلاذل، وزلازل، وجنادل): ذلذل، وهي أسافل القميص، وزلزل، وجندل. وهذا- على فرض أنها جموع حقيقة- تنصرف، لأن بناء (مفاعل) قد ذهب لفظا، فأتي بالتنوين، وجعل كأنه عوض من المحذوف.
والثالث: أن يكون بعد الألف حرفان أو ثلاثة أوسطها ياء، تحرز من جمع التكسير الذي بعد الألف الثالثة فيه حرف واحد، نحو: كباش، وديار، وكذلك جمع السلامة بالتاء، نحو: علامات، فإن كان بعد الألف ثلاثة أحرف، أوسطها ألف، فليس بمقصود الذكر، لأن ذلك كله مصروف.
فإن قيل: إن المثال يخرج نحو: دواب، وشواب، مما هو مدغم الحرفين، لأن (مفاعل) غير مشعر به.
стр. 3293
فالجواب: أنه ليس كذلك، لأن وزن: دواب (مفاعل) ولابد، لكن عرض فيه الإدغام لاجتماع المثلين، فهو داخل. وإنما كان يكون خارجا لو أتى بمثال (فعالل) مما يمكن إدغامه ولم يدغم، فهنالك يكون للمعترض مقال، من حيث يقصد بـ (فعالل) ما كان ملحقا بالتضعيف نحو: (مهادد) في جمع (مهدد) و (قرادد) في جمع (قردد) وما أشبه ذلك.
أما إذا لم يأت إلا بـ (مفاعل) فليس فيه ما يرد نحو (دواب) عن الدخول.
والرابع: أن يكون عاريًا من هاء التأنيث، فإنه إن صحب الهاء صار إلى شبه المفردات نحو: حزابية، وعباقية، وشبه ذلك، فتقول: قوم جحاجحة، وصياقلة، وما أشبه ذلك.
والخامس: أن يكون عاريًا من ياءي النسب، فإن صحبها أشبه المفرادات فصرف، نحو: مدائني ومساجدي، وما أشبه ذلك، للحاقه بباب (تميمي، وقيسي) كما لحق الأول أيضا بباب (تمرة، ونمرة)
ولا يدخل في هذا الشرط نحو: كراسي، وبخاتي، فإن الياءين ليستا للنسب إلا في المفرد، ولم تلحقا الجمع، فلا بد هنا من منع
стр. 3294
الصرف، بخلاف (مدائني) فإن الياءين لاحقتان الجمع للنسب، وهذا في الجمع، وهذا الذي قيده في قوله: "وكن لجمع مشبه كذا" فأما (مفاعل) إذا وقع للمفرد، فمقتضى كلامه أنه مصروف إلا (سراويل) وما سمي به من هذه الجموع. وذلك صحيح أن موازن (مفاعل) أو (مفاعيل) على ستة أقسام:
أحدها: أن يكون هذا الوزن عارضًا فيه لأجل الإعلال لا أصليا وذلك نحو: الترامي، والتداعي، فإن لفظه لفظ موازن (لمفاعل) بلا شك، ولكنه ليس بأصلي فيه، وأصله (التفاعل) نحو: التقابل، والتضارب، إلا أن الضمة قلبت كسرة لأجل [الياء] فعلى هذا تصرفه ولابد، فتقول: ما كرهت تراميًا، ولا أحببت تداعيًا.
والثاني: أن يكون عارضا فيه لأجل] لحاق ياء النسب، كقولك في (صباح، وقذال): صباحي، وقذالي، فإن هذا يوازن (مفاعيل) لفظًا، لكنه في الحكم على غير ذلك، لأن الياءين للنسب، فهما كالكلمة الأخرى، ليست الكلمة مبنية عليهما كهاء التأنيث، فلابد هنا من الصرف أيضًا.
والثالث: أن تكون الألف الثالثة فيه عوضًا من إحدى ياءي النسب نحو: يمان، وشآم، فإن وزنه في اللفظ موافق لـ (مفاعل) إلا أنه في الأصل: يمني، وشامي، فخرج عن ذلك الوزن وحكمه، فتقول: هذا يمانٍ، أو رجل شامٍ، ورأيت رجلًا شآميًا أو رجلًا يمانيًا.
стр. 3295
والرابع: أن تكون الألف شبيهة بالمعوض من إحدى الياءين، وليست بها، وذلك: ثمان، ورباع، وشناح، ونحوه، فاللفظ لفظ (مفاعل) وهو في التقدير: ثمني، وربعي، وشيخي، فكأن الألف عوض إذا لم تقل بحذف الألف والإتيان بالياءين، فهذا مصروف أيضا.
فتقول: رأيت من النعاج ثمانيًا. قال أعشي بكر:
ولقد شربت ثمانيًا وثمانيًا ... وثمان عشرة واثنتين وأربعا
ورأيت رباعيًا من الإبل، وشناحيًا من الرجال، وهو الطويل.
فهذه الأقسام الأربعة مصروفة، لخروجها في الحقيقة عن وزن (مفاعل) و (مفاعيل) وأما (سراويل) و (مساجد) مسمى به، وهما القسمان الباقيان، فممنوعا الصرف لشبههما بالجمع، على ما سيذكره إن شاء الله. وذلك لأنهما على (مفاعيل) حقيقة.
فإذًا الحاصل في منع الصرف هو وزن (مفاعل) أو (مفاعيل) فكان من حق الناظم أن يختصر الكلام فيقول: ما كان على (مفاعل) أو (مفاعيل) حقيقة، فممنوع الصرف، ولا يحتاج إلى هذا التطويل، ولا يدخل له شيء مما تقدم.
стр. 3296
والجواب: أن المانع من الصرف ليس مجرد البنية، وإنما المانع كونهما على صيغة جمعٍ تنتهي إلى الجموع، ولا نظير لها في الآحاد، فتقيد السبب بكونها للجمع، وهو الذي قصد الناظم الإشارة إليه.
ثم نبه على ما يلحق به من المفردات تشبيهًا، لا لوجود السبب حقيقة، فلو اختصر كما قلت لفاته التنبيه على العلة المانعة. وأيضًا لكن يفهم منه أن مجرد الوزن هو المانع، وليس بموافقٍ لما ذكر الناس من السبب، فكان ما فعله من ذلك صحيحًا لا اعتراض فيه.
و"الكافل": الضامن، كالكفيل: كفلت بالشيء كفالة، تحملت به.
فمعنى قوله: "بمنعٍ كافلا" أي كن متكفلًا بمنع صرفه، وضامنًا له، فإن العرب كذلك تفعل، و"بمنع" يتعلق بـ "كافلًا" أي كن كافلًا له بالمنع.
ثم قال: "وذا اعتلال منه كالجواري" .. إلى آخره.
لما كان للمعتل اللام عند الناظم حكم ليس للصحيح، شرع في تبيينه.
ويعني أن ما كان من موازن (مفاعل) أو (مفاعيل) من الجموع يشبه (الجواري) في اعتلال اللام، فإنه يجري في الرفع والجر مجرى (سارٍ) يريد في التنوين، وحذف الآخر لالتقاء الساكنين وتقدير الإعراب، باقٍ على حد منع الصرف.
فلا يريد أن يجريه مجراه في كل شيء حتى في كونه منصرفًا يجر بالكسرة؛ بل إنما يجر بالفتحة، وهي هنا مستثقلة مثل الكسرة، فلا تظهر، فتقول في الرفع: هذه جوارٍ، وغواشٍ، ومرامٍ، جمع (مرمًى) كما تقول: هذا رجل سارٍ، وداعٍ، ورامٍ وغازٍ.
стр. 3297
والأصل في الرفع: جواري، وغواشي، ومرامي، فحذفت الحركة استثقال في موضع الجر والرفع، ثم سيق التنوين عوضًا من الحركة المحذوفة، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين. وهذا التفسير جارٍ على طريقة الأكثرين.
فإن قيل: إن الناظم زعم أنها عنده تجري مجرى (سارٍ) فتنوينها إذًا للصرف لا للعوض، كما كان (سار) أصله: ساري، ثم حذفت الحركة استثقالا، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء وبقي التنوين، كما كان، فإنما يقال على طريقته: كان الأصل جواري، وغواشي، ومرامي، وهو الأصل الأول للأسماء كلها، فحذفت الضمة في الرفع والكسرة في الجر، استثقالًا، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع تنوين الصرف، فصار: هؤلاء جوارٍ، ومررت بجوارٍ، وكذلك باقي الباب. فصار هاهنا (جوارٍ) في اللفظ كـ (سارٍ) و (جارٍ) من: جرى يجري، و (عارٍ) فزال عنه بناء (مفاعل) أو (مفاعيل) فبقي على صرفه.
وأما في النصب، فلما كانت حركة الياء، وهي الفتحة، لا تستثقل على الياء، لم يكن لحذفها موجب، فبقي بناء (مفاعل) محفوظًا فيه. فلذلك قالوا: رأيت جواري، وغواشي.
ومن الدليل على صحة اعتبار اللفظ في (جوارٍ) إذا صار كـ (سارٍ) ما تقدم من قولهم: ذلذل، وزلزل، وجندل، مصروفًا؛ إذ كنت تقول: نظرت إلى ذلذلٍ، وإلى جندلٍ، فتخفض بالكسرة حين زال مثال (مفاعل) لفظًا.
فالجواب: أن هذا ليس بمرادٍ له، وإنما مراده مجرد حذف الآخر والإتيان بالتنوين.
ومن الدليل على هذا من كلامه قوله في آخر الباب:
وما يكون منه منقوصًا ففي ... إعرابه نهج جوارٍ يقتفي
стр. 3298
يعني في كل ما تقدم له من أنواع الممنوع الصرف غير المنصرف المتقدم.
وإذا كان قد أحال عليه، فلا يصح أن يحمل على أنه مصروف، لأنه إن ساغ التعليل في (جوارٍ) ونحوه من أنه على وزن (جناح) فزال المانع، فلا يجري له ذلك فيما إذا سميت امرأة بقاضٍ، ورامٍ، وغازٍ وثمانٍ، ونحو ذلك.
أفترى أن مانع الصرف زال هنا، كلا بل هو باق؛ إذ ليس التأنيث والعلمية والتنوين لابد منه على مذهب سيبويه، الذي اعتمده الناظم، وهو تنوين العوض لا تنوين الصرف.
وعلى هذا لا يمشي على ما مضى من التعليل، إلا على أنه لما حذفت الياء لالتقاء الساكنين وجد تقدير الإعراب في الياء محرزًا لها، فمنع من الصرف لبقاء محرز المثال الأصلي، فلما حذف تنوين الصرف أتي بالتنوين الذي يكون عوضًا من الياء المحذوفة؛ وإذ ذاك يطرد له تعليله الذي علل به السؤال، ويستقيم على مقتضى كلامه فيما بعد، على ما سيأتي إن شاء الله.
وإنما كان يمشي له ذلك إذا سميت بنحو (يرمي، ويغزو) حين وجب على مذهب الخليل (يرمٍ، ويغزٍ) إذ له أن يقول: زال بناء الفعل وتغير، فروجع الأصل، ولكن هذا غير مطرد، ولا موفٍّ بالغرض، فالصحيح ما تقدم.
стр. 3299
وأما ما استدل به من (ذلذلٍ، وزلزلٍ) فليس مثل (جوارٍ) لأن (ذلذلًا) حصل التنوين العوضي منه في حرف الإعراب، فلم يمكن أن يبقى على فتحه حالة الجر، بخلاف (جوارٍ) فإن التنوين فيه مانع في الظاهر لحركة ما قبل الآخر، وفتحة الإعراب غير ظاهرة، فأمكن تقديرها مع وجود التنوين؛ إذ لا فتح فيه، كما في (جندل) ونحوه فافترقا.
وقوله: "وذا اعتلال" منصوب بفعل مضمر من "باب الاشتغال" يفسره "أجره" و"رفعًا وجرًا" مصدران في موضع الحال، والكاف: بمعنى (مثل) وهي في موضع الحال من باب "ضربته شديدًا" أي أجره إجراءً مثل إجراء "سارٍ" ثم قال: "ولسراويل بهذا الجمع" .. إلى آخره.
يريد أن هذا اللفظ له بمفاعيل ومفاعل، شبه اقتضى ذلك الشبه منع الصرف مطلقا، في النكرة والمعرفة [لأنه على زنة (مفاعيل) كقراطيس وقناديل، فحكموا فيه الشبه فمنعوه الصرف، كما منعوه في الجمع، لأن ثمرة الشبه أن يجري المشبه على حكم المشبه به. وعند ابن الناظم أنه نبه بهذا الكلام على خلاف من خالف في عموم منع الصرف، يعني في النكرة والمعرفة]. وزعم أن فيه وجهين: الصرف، وعدمه، أي إن ذلك الشبه اقتضى عموم منع الصرف في جميع وجوه الاستعمال، خلافًا لمن زعم غير ذلك.
وكأن المخالف رأي أن القاعدة العربية أن المشبه لا يقوى قوة المشبه به، فيكون هذا من ذلك الباب.
ألا ترى أن ألف الإلحاق قد أشبهت ألف التأنيث، فمنع صرف ما هي فيه، لكن لما لم يقو قوة ألف التأنيث لم يمنع إلا في المعرفة، فيكون هذا الموضع كذلك.
стр. 3300
وهذا قد يجاب عنه بأن الشبه في باب ما لا ينصرف يؤثر إطلاق، ويلحق المشبه بالمشبه [به].
ألا ترى إلى امتناع صرف (أحمر) المنكر بعد التسمية وغير ذلك.
ومنه. مسألة الإلحاق، لأن الشبه لم يحصل إلا بعد التسمية؛ إذ كانت قبلها تلحقها الهاء نحو: علقاة، وألف التأنيث من حقيقتها ألا تلحقها التاء.
ومن هناك غلط أبو عبيدة في مسألة:
* فكر في علقى وفي مكور *
كما سيأتي إن شاء الله.
فلما امتنعت التاء بالعلمية حصل الشبه، فحصل منع الصرف.
ومقتضى كلام الناظم أن (سراويل) عنده مفرد لا جمع، وهو مذهب سيبويه. قال: وأما سراويل فشيء واحد، وهو أعجمي أعرب كما أعرب الآجر، إلا أن سراويل أشبه من كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، كما أشبه بقم الفعل، يعني بعد التسمية، ولم يكن له نظير في الأسماء.
стр. 3301
فما قاله الناظم في البيت هو عين ما نص عليه سيبويه.
وقد قيل: إن (سراويل) جمع (سروالة) وأنشد أبو العباس في واحدها:
عليه من اللؤم سروالة ... فليس يرق لمستعطف
وقد حكى سيبويه عن يونس أن من العرب من يقول في تحقير (سراويل): سرييلات لأنهم جعلوها جماعة بمنزلة (دخاريص) وعلى هذا قد تضمنه ضابط الجمع، فلا يحتاج إلى التنبيه عليه. وإذ كان ذلك لغةً فليس بخلاف، ولكن الأشهر فيه الإفراد، ولذلك لم يحكه يونس إلا عن بعض العرب، فاعتمد الناظم ما هو الأشهر، والسراويل معروف، وهو أعجمي.
وقوله: "وإن به سمي أو بما لحق به" إلى آخره.
يعني أن هذا الجمع الموازن (مفاعل) أو (مفاعيل) إذا سمي به فإنه يستحق منع الصرف كأصله، فتقول في (مساجد) مسمًى به: هذا مساجد، ورأيت مساجد، ومررت بمساجد.
وكذلك ما لحق بالجمع وإن لم يكن جمعا حقيقة، كهوازن، وشراحيل.
ومنه (سراويل) إذا سمي به أيضا على اعتقاد أنه مفرد، فإنه يستحق أن يمنع صرفه، فتقول: هذا سراويل، ورأيت سراويل، ومررت بسراويل.
стр. 3302
أما الجمع إذا سمي به فوجه منع صرفه التشبيه بأصله، لكونه، على مثال لا نظير له في الآحاد العربية، وكذلك إذا نكر بعد التسمية، وهو أحرى لقربه من أصله، وكذلك (سراويل) يمتنع للمثال تشبيهًا.
وقد زعم الفارسي أن (سراويل) إذا سمي به امتنع صرفه للتعريف والتأنيث، وأخذه من لفظ سيبويه، وذلك، على ما نبه عليه ابن خروف، غير محتاج إليه، للاكتفاء بالمثال عن علة ثانية، ولو كان ذلك معتبرًا لصرف (مساجد) اسم رجل، لأنه لا علة زائدة على المثال، من علمية أو تأنيث أو غير ذلك.
ولم ينبه هنا الناظم على وجه المنع، ولعله اكتفى بالتنبيه عليه في (سراويل).
ويقال: حق الشيء يحق، إذا وجب. وأحققته: أوجبته، كأنه قال: منعه يجب.
وفي قوله: "وإن به سمي" شيء من جهة العربية وهو أن "به" مقام مقام [الفاعل] كأنه قال: وإن سمي به، فواجب فيه التأخير عن الفعل، ولا يجوز التقديم، كما لا يجوز تقديم الفاعل.
ولا يقال: إن المفعول المقام مضمر، تقديره: وإن به سمي الإنسان أو الرجل، أو ما أشبه ذلك مما يصح إضماره للعلم به، لأن عادة أهل النحو أن يقولوا في بنية الفاعل: إذا سميت بكذا صرفته، أي منعته، ولا يذكرون المفعول غالبًا طرحًا له، لعدم الحاجة إليه، فالمبني للمفعول من ذلك، فإن سلم ذلك التقدير فهو من الضعف بمكان.
стр. 3303
ويمكن أن يكون ارتكب مذهب الكوفيين ضرورةً، لاسيما وهو إثر (إن) الشرطية، فقد قال بعض البصريين ذلك في نحو (إن زيد قام) كما تقدم، فهو أخف، وكذلك أتى في البيت قبلة بضرورةٍ أخرى، وهو تقديم مفعول المصدر الموصول عليه، وذلك قوله: "ولسراويل" بهذا الجمع شبه" فإن "بهذا" متعلق بـ "شبه" وهو مصدر، فيقدر بـ (أن) والفعل، وقد قدم المجرور عليه، ولا يمكن أن يقدر "شبه" هنا بمشبه، كما قدر (عجب) بمعجب في قوله تعالى: ﴿أكان للناس عجبًا﴾ الآية.
وإنما هذا ضرورة على حد الضرورة في النظير الموصول من قوله:
تقول وصكت صدرها بيمينها ... أزوجي هذا بالرحى المتقاعس
على رأي من حمله على ظاهره.
وهنا أتم الكلام على ما يمنع من الصرف مطلقا، وذلك في ثلاثة مواضع، تجمع خمسة أنواع.
ثم أخذ يتكلم فيما يمتنع في حال التعريف دون حال التنكير، فقال:
والعلم امنع صرفه مركبًا ... تركيب مزجٍ نحو معد يكربا
стр. 3304
[إلى آخر ما أتى به فيه]
وهذا القسم لا يمتنع الصرف فيه إلا مع العلمية، فلذلك إذا زالت روجع الأصل في الاسم فانصرف، وإذا لم يسم به بقي منصرفًا على أصله.
وكون العلمية مانعًا ظاهرًا، لأنها ثانية عن التنكير وهو الأصل.
وابتدأ بالتركيب مع العلمية، فاعلم أن العلم يمنع صرفه إذا كان مركبًا تركيب مزج، من حيث كان التركيب على ثلاثة أوجه:
تركيب إضافة، كعبد الله، وامرئ القيس.
وتركيب إسناد، كتأبط شرًا، وبرق نحره، وذرى حبًا، وشبه ذلك.
وتركيب مزجٍ، وهو أن تصير الكلمتان كالكلمة الواحدة، وكل واحدة منهما كجزء الاسم، فتجعل الثانية محل الإعراب كهاء التأنيث، وذلك نحو قولك:
معد يكرب، وهو مثاله، وهو اسم رجل، وبلا لاباذ، وبعلبك، ورامهرمز، وحضر موت، ومارسرجس، وأنشد سيبويه لجرير:
لقيتم بالجزيرة خيل قيس ... فقلتم مارسرجس لا قتالا
стр. 3305
و (قالي قلا) مثل (معديكرب) أنشد سيبويه:
سيصبح فوقي أقتم الريش واقعًا ... بقالي قلا أو من وراء دبيل
وأكثر هذه الألفاظ تختلف فيها العرب، فمنهم من يجعلها مضافًا ومضافًا إليه، وهذا غير داخل في المقصود، ومنهم من يجعلها كالاسم الواحد، وإعرابها في الآخر، وعلى هذا تكلم الناظم والنحويون في هذا الباب.
فلما كان المقصود أحد أقسام المركب خصه بالذكر.
فإن قلت: فقد زعم ابن الضائع أن المركب في إطلاق النحويين المراد به هذا المركب تركيب مزج، فكان الأولى ترك التفسير، لأنه مستغنى عنه.
فالجواب: أن هذا لم يتقرر بعد أنه رأى الناظم، فلا يحمل عليه حتى يثبت لنا أنه عنده كذلك.
فإن قلت: فقد كان يكتفى بالتمثيل عن التفسير؛ إذ هو مغنٍ عنه، لأن (معديكرب) كذلك هو.
стр. 3306
فالجواب: أن (معديكرب) لا يتعين فيه تركيب المزج، لإمكان تركيب الإضافة، فلم يكن له بد من تعيينه بغير المثال. ثم أتى بالمثال تبيينًا لما ذكر على عادته.
ويدخل في معنى التمثيل بمقتضى القاعدة ما سمي به من النكرات، وكان مركبًا مبنيًا للتركيب نحو: خمسة عشر، وصباح مساء، ويوم يوم، و"لقيته كفة كفة" وما أشبه ذلك، فيجري مجرى ما مثل به من معديكرب، ويكون على الوجهين المذكورين من التركيب والإضافة.
فإن قيل: إن هذا الكلام يقتضي أن كل ما ركب تركيب مزج، سواء أكان آخر الاسمين صوتًا أم غيره، فحكمه هذا الحكم من الإعراب، غير منصرف، لأنه قال: "امنع صرفه مركبًا تركيب مزجٍ" فعلى هذا ما جاء من نحو (سيبويه، وعمرويه، ونفطويه) معرب عنده، فيكون إعرابه إعراب غير المنصرف، وهذا غير صحيح عنده، لأنه قد تقدم في "باب العلم" نصه على أنه مبني؛ إذ تكلم على المركب فقال: "ذا إن بغير ويه تم أعربا" فتحصل منه أنه مبني لأنه مختوم بويه، وهو قد أطلق هنا في إعراب المركب غير منصرف، وهو من المركب، فاقتضى إعرابه غير منصرف، وهو تناقض.
ولا يقال: إن الإعراب فيه محكي، وقد نص هو عليه في "التسهيل" وغيره، فيدخل له من حيث نقل فيه ذلك، ويكون تنبيهًا على ذلك القليل كيف يكون الإعراب فيه.
стр. 3307
لأنا نقول: هذا يعود عليه بالنقص، لأن كلامه في هذا النظم، إنما ينبني على كلامه فيه فقط، فإذا بني على غيره كان فاسد الوضع، فيلزم الإشكال.
والجواب: أنه لما تكلم هنا على ما كان معربا خاصة، فبين وجه إعرابه، وأنه على ترك الصرف، لأنه قال: "والعلم امنع صرفه مركبًا" ولم يقل: أضعربه غير منصرف، وإنما كان كلامه هنا مختصًا بمنع الصرف، فهذا ينبني على كونه معربًا له موضعٌ آخر غير هذا.
وإنما تقدم له قبل أن المركب تركيب مزج معرب إلا ما ختم بويه- تنزل كلامه على ما تقرر من أنه لا مدخل لـ (سيبويه) وبابه هنا على طريقته.
وإذا قلنا: إنه لم يذكر فيه إعرابًا، ثم ثبت ذلك فيه لدخل تحت هذا الكلام، ولم يلزم فيه تناقض على هذا القصد.
ولو فرضنا أيضا أنه ذكر وجه الإعراب في (سيبويه) مع وجه البناء لكان داخلا من حيث إعرابه تحت هذا الكلام، وكذلك لو لم يذكر فيه إعرابًا ولا بناءً لكان محالًا به على كونه معربا.
ولو سلمنا الإشكال من أصله، وأنه ذكر هنا الإعراب في المركب، لم يدخل هنا المختوم بالصوت، لأن المثال يحرز مراده، وهو (معديكرب) إذ ليس بمختوم صوت، فيقيد كلامه بمثاله، ولا يدخل (سيبويه) وبابه، فكلامه هنا صحيح على كل تقدير، ولا إشكال فيه.
وإنما منع التركيب مع العلمية، لأن التركيب صير المركب قليلًا في كلامهم، غير جارٍ على أبنيتهم المعتادة، فأشبه الأعجمي، كإبراهيم وإسماعيل.
стр. 3308
وأيضاً، صار الاسم الثاني منها بمنزلة هاء التأنيث، فأشبه المؤنث؛ إذ كان الإعراب يقع على غير الأول، كما يقع في (طلحة) على غير الاسم.
كذاك حاوي زائدي فعلانا ... كغطفان وكأصبهانا
هذا نوع آخر من المانع مع العلمية، وهو زيادة الألف والنون، وقد تقدم له ذكرهما في المنع مع الوصف، وهذا قسم لذلك، و"حاوي" صفة لموصوف محذوف، وهو (العلم) كأنه قال: وكذلك العلم حاوي زائدي فعلان.
ويعني أن الاسم العلم إذا كان فيه الألف والنون الزائدتان امتنع صرفه، نحو (غطفان) وهو الذي مثل به الناظم. و (أصبهان) كذلك.
وغطفان: اسم لأبي قبيلة من قبائل العرب، وهو غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان، قال الشاعر:
لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها ... إلى لامت ذوو أحسابها عمرا
وأصبهان: اسم أرض. وأراد بالمثالين ما كان علمًا لإنسان كغطفان، أو علمًا لأرضٍ أو بلدٍ كأصبهان.
стр. 3309
فمن الأول: عمران، وعثمان، وسلمان، وعيلان، وعدنان، وهو كثير من الثاني: حوران وأذربيجان، ونعمان، ونحو ذلك.
ويدخل في مضمن هذا المعنى ما سمي به من الأسماء أو الصفات التي في آخرها الألف والنون الزائدتان، كما إذا سميت بغضبان، أو بسرحان، أو سيفان، أو مرجان، أو ما أشبه ذلك.
ولا يلزم هنا اشتراط عدم لحاق التاء في المؤنث، لأنه، إذا سمي به مذكر أو مؤنث، لم تلحقه التاء أصلًا، فلم يحتج إلى اشتراط ذلك.
وفي قوله: "زائدي فعلان" إشعار بأن لابد من زيادتهما معا، فلو كان أحدهما زائدا، والآخر أصليا، لم يكن ذلك مانعًا، لأن الألف والنون إنما كانت للصرف لشبهها بألفي حمراء وزكرياء.
ومن جملة الشبه أنهما زيادتان زيدتا معًا، فعلى هذا ما كان من الأسماء في آخره الألف والنون، واحتملت النون فيه الأصالة والزيادة، فلك وجهان في الصرف وعدمه، اعتبارًا بأصالتها أو زيادتها فيجوز لك- إذا سميت برمان، أو حسان، أو دهقان، أو شيطان- وجهان، فإن اعتقدت أنها من الرم والحس والدهق، ومن "شيط"، لم تصرفها، وإن اعتقدت الحمل على قواك: أرض مر منه، ومن الحسن، والدهقنة، والتشيطن صرفتها.
стр. 3310
فإذا تمحصت لهجة الأصالة صرفت، كما إذا سميت لطحان من (الطحن) أو بتبانٍ من (التبن) أو بسمان من (السمن) ونحو ذلك.
وقد تقدم نحو هذا في الصفة، والمانع على هذا العلمية والزيادتان، أو تقول: شبه الألف والنون هنا بالألف والنون في (فعلان، فعلى) والأول هو الجاري على كلام الناظم، إذ قال: "كذلك حاوي زائدي فعلان" فأشعر بأن زيادتهما هي السبب في المنع، ويحتمل أن يريد الوجه الآخر، لأنه لم ينص على أن نفس الألف والنون هو المانع.
وحوى الشيء: بمعنى ملكه، وصار في حوزه. واسم فاعله (حاوٍ)
كذا مؤنث بهاءٍ مطلقا ... وشرط منع العار كونه ارتقى
فوق الثلاث أو كجور أو سقر ... أو زيد اسم امرأةٍ لا اسم ذكر
وجهان في العادم تذكيرًا سبق ... وعجمةً كهند والمنع أحق
قد تقدم من أقسام المؤنث ما آخره ألف ممدودة أو مقصورة، وهو يذكر الآن ما بقي من الأقسام، وإنما أتى بها ههنا لمخالفتها لما تقدم، فأتى هنا للمؤنث بأقسام ستة، لأن المؤنث لا يخلو، إذا كان معرفة إما في الأصل أو بالنقل، من أن يكون فيه هاء التأنيث أولا.
فما فيه الهاء قسم ولا تفصيل فيه.
وأما العاري من الهاء فلا يخلو من أن يكون زائدا على ثلاثة أحرف، أو يكون على ثلاثة.
стр. 3311
فما زادت حروفه على ثلاثة قسم ثانٍ لا تفصل فيه.
وأما الثلاثي فإما أن يكون محرك الوسط أولا، فالمحرك الوسط قسم ثالث انتهى التفصيل فيه.
وأما الساكن الوسط فعلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون أعجميًا.
والثاني: أن يكون منقولًا للمؤنث مما غلب عليه التذكير.
والثالث: أن يخلو من الوجهين، فيكون غير أعجمي ولا منقول مما غلب عليه فهذه ثلاثة مضمومة إلى الثلاثة الأولى، فالجميع ستة أقسام، تضمنها كلامه هنا.
فالقسم الأول: ما فيه هاء التأنيث مطلقا، وهو المراد بقوله: "كذا مؤنث بهاء" و"مؤنث" صفة للعلم المقدر، استغني عن ذكره للعلم به، وقال: "يهاء" احترازًا من المؤنث بالألف ولأنه تقدم.
وقوله: "مطلقا" أي غير مقيد بشيء مما قيد به ما بعده من الأقسام. يعني أن العلم المؤنث بالهاء يمتنع صرفه على كل حال، سواء أكان ثلاثيًا أم ثنائيًا أم فوق ذلك.
فإذا سميت بشفةٍ، أو ظبةٍ، أو عضةٍ، أو رقةٍ، أو شيةٍ، منعته الصرف فتقول: هذه شفة قد جاءت، ومررت بشفة.
وكذلك رأيت ظبة ومررت بعضة، ونحو ذلك. وهذا مما لا خلاف فيه.
стр. 3312
وكذلك تقول في الثلاثي: هذه عمرة ورأيت مية، ومررت بمية، فتمنعه الصرف.
وكذلك الزائد على الثلاثة نحو: فاطمة، وعائشة، وأمامة، وما أشبه ذلك.
وسواء في هذا ما كن علمًا لمؤنث أو لمذكر، فيمتنع الصرف، كما لو سميت رجلًا بما تقدم ذكره، وطلحة، وحمزة، ومرة وعتبة، وربيعة، وما أشبه ذلك.
ولفظه شامل لهذا كله؛ إذ قال: كذا مؤنث بهاء مطلقًا" فإن المؤنث بالهاء هو اللفظ، كان واقعًا على مذكر أو مؤنث. والوجه في المنع ظاهر.
ويرد عليه سؤال، وهو أنه قد جاء مما فيه هاء التأنيث ما إذا سمي [به] انصرف عند الجمهور، وذلك (أخت، وبنت) فإنك إذا جعلته اسمًا لرجل صرفته فقلت: هذا أخت قد جاء، وهذا بنت قد مر، وإذا ثبت هذا فقوله في المؤنث بالهاء: سيمتنع مطلقا" مشكل.
والجواب: أن يقال أولًا: إنه قليل نادر، فلم يعتد به.
وأيضا، فقد قام قوم بمنع الصرف فيهما. ومنهم من زعم أنها للتأنيث، حكى ذلك ابن السراج، فقد يمكن أن يقال: إنها عند الناظم كذلك، وإنه يمتنع الصرف فيهما وإن كان مخالفا لسيبويه، ويدل على هذا القول ويبينه الجمع بالألف حيث حذفوا التاء منهما، ولم يقولوا: أختات، ولا بنتات.
стр. 3313
وأيضاً، فسيبويه يعتبر صورة التاء فيها في النسب، فيقول في (أخت): أخوي، وفي (بنت): بنوي.
وإليه ذهب الناظم على ما يأتي في "باب النسب" إن شاء الله، فيظهر قول من قال بهذا، أو يكون داخلا تحت كلام الناظم.
ثم إنا نقول ثانيًا: ليست بتاء تأنيث، وإنما هي تاء أخرى للإلحاق، فـ (أخت) ملحق بـ (قفل) و (بنت) ملحق بـ (عدل) ولو كانت للتأنيث لكان ما قبلها مفتوحا، كشفةٍ، ورقةٍ.
قال سيبويه: وإن سميت رجلًا ببنتٍ أو أختٍ صرفته، لأنك تقول: بنيت الاسم على هذه التاء، وألحقتها ببناء الثلاثة، كما ألحقوا سنبتة بالأربعة، ولو كانت كالهاء لما أسكنوا الحرف الذي قبلها، فإنما هذه التاء فيها كتاء عفريت.
ثم قال: ولو أن هذه الهاء التي في دجاجة كهذه التاء انصرفت في المعرفة. فهذا نص سيبويه على أنها ليست للتأنيث، وإنما تأنيث (بنت) كتأنيث (جمل) بلا هاء تأنيث؛ بل بالبنية. فإذا لا اعتراض على الناظم.
وفي قوله: "مؤنث بهاء" إشعار بأن جمع المؤنث بالألف والتاء لا يمنع صرفة لأنه قال: "بهاء" ولم يقل: "بتاء" وإن كانت عادته أن يطلق على هاء التأنيث لفظ التاء اتساعًا، فمحافظته على التعبير بالهاء دليل على ما ذكر، وعادة النحويين.
والقسم الثاني: ما ليس فيه هاء من المؤنث الزائدة حروفه على ثلاثة، وهو مراده من قوله: "وشرط منع العار كونه ارتقى فوق الثلاث".
стр. 3314
والعاري: هو الذي يجرد عن الهاء، وهو صفة للمؤنث، أي شرط منع المؤنث العاري.
ولا ينبغي أن يقدر (العلم) لأن العلم العاري لا يستلزم كونه مؤنثًا، وليس كلامه إلا في المؤنث، فلا بد من أن يكون المنعوت هو لفظ المؤنث، لتقدم ذكره قريبًا في قوله: "كذا مؤنث بهاء".
و"ارتقى" بمعنى: علا وارتفع، أي ارتفع عن الثلاثي، وزاد عليه.
وقوله: فوق الثلاث" على حذف مضاف، لأن الاسم لا يرتقي فوق ثلاثة أحرف، وإنما يرتقي فوق ما هو على ثلاثة أحرف من الأسماء، فالتقدير: فوق ذي الثلاث. وأنت "الثلاث" ويريد الحروف، لأن الحروف تذكر وتؤنث وقد تقدم في النظم مواضع من هذا.
وحذف ياء "العار" للنظم، وهو جائز في الكلام أيضا. ويريد أن العاري من الهاء التأنيث شرطه في امتناع صرفه أن يكون رباعيًا فأعلى، نحو: سعاد. وزينب.
وكذلك إذا سميت امرأة بنحو: عقاب، أو عقرب، أو أرنب، أو ذراع.
فهذا كله ممتنع الصرف في المعرفة، لأن الرباعي يقوم الحرف الرابع فيه مقام هاء التأنيث.
والدليل على ذلك أن الثلاثي إذا صغر ردت إليه التاء، فقلت في (هند): هنيدة، وفي (دعد): دعيدة، وفي (نعم): نعيمة، إلا ما شذ.
стр. 3315
وإذا صغر الرباعي لم ترد إليه التاء وإن كان في تقدير التاء، كما ردت إلى الثلاثي، لأن الحرف الرابع قام مقامها، فتقول: (سعيد) في سعاد، و (زينب) في: زينب، إلا ما شذ.
وإذا كان كذلك فكأن الهاء فيه ثابتة، فجرى على حكم ما فيه التاء.
والقسم الثالث: المؤنث العاري من هاء التأنيث، والثلاثي المحرك الوسط، وهو المشار إليه بالمثال في قوله: "أوسقر".
وأراد أن شرط منع العاري من الهاء أن يكون زائدا على الثلاثة، أو كهذا اللفظ الذي هو "سقر" فتحريك الوسط يقوم عنده مقام الزائد على الثلاثة في منع الصرف إذا اجتمع مع العلمية، نحو ما مثل من (سقر) وهو اسم علم من أسماء (جهنم) أعاذنا الله منها. ومثله (لظى) من أسماء (جهنم) أيضا.
وإذا سميت امرأة بـ (قدم) أو نحوه من المحرك الوسط، فالحكم كذلك أيضا، فتقول: هذه قدم، ومررت بقدم، كما تقول: هذه سقر.
قال الله تعالى: ﴿سأصليه سقر * وما أدراك ما سقر﴾، وقال: ﴿ما سلككم في سقر﴾.
وإنما امتنع وإن كان ثلاثيا لأجل حركة الوسط، كأنها قامت مقام الحرف الرابع. وهذا تعليل بعد السماع، وإن لا فلو كانت الحركة قائمة مقام الحرف الرابع لم يؤت بالهاء في التصغير، ولما كانت الهاء لابد منها فيه دلت على أنها ليست عوضًا حقيقة، ولا قائمةً مقامها في التحصيل، ولكنهم قالوا ذلك لأن
стр. 3316
الحركة لما كانت زيادة على الحرف، وكان الساكن الوسط ينصرف في أحد الوجهين، ووجد ما حرك وسطه ممنوع الصرف البتة كالرباعي- جعلوا الحركة كأنها تقوم مقامه.
وأصل التعليل أن يقال: إن المانع حاصل في الثلاثي وغيره، وهو العلمية والتأنيث، لكنه استثني من ذلك الساكن الوسط كـ (دعد) لأجل ما حصل بالسكون من الخفة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وخالف ابن الأنباري في لزوم المنع في هذا القسم، فأجاز الوجهين اعتبارا بكونه ثلاثيا، والجماعة على خلافه.
والقسم الرابع: ما كان من المؤنث العلم ساكن الوسط، لكن عرضت فيه علة العجمة زائدة على علتيه، وذلك الذي أشار إليه بقوله: "أوكجور".
أي وشرط العاري من الهاء الزائدة على الثلاثة أو زيادة العجمة كـ "جور" ونحوه.
وجور: اسم بلدة، تقول: هذه جور، ونزلت بجور. ومثل ذلك (ماه) وهو اسم موضع. و (حمص) وهو اسم بلدة.
وعله المنع مطلقا هنا ما قالوا من أن الساكن الوسط ينصرف لكون ثقل إحدى العلتين قابلتها خفة الاسم، فلم يبق إلا علة واحدة، والعلة الواحدة لا تمنع، و (جور) وأخواتها زاد فيها العجمة مع علتيها، وهما التعريف والتأنيث، فقابلت خفة إحدى العلل، فبقى فيه علتان، فوجب المنع، وهذا مذهب الجمهور.
وذهب ابن معط في "ألفيته" إلى إجازة الوجهين، كهند ودعد، حسبما يظهر من كلامه حيث قال:
стр. 3317
أما مثال عجمة الأعلام ... فنحو إسحاق وإبراهام
إلا ثلاثيًا به قد سكنا ... ثانيه فالصرف كنوحٍ عينا
إلا مؤنثا كمصر المعرفة ... فذا كهند بعضهم ما صرفه
فاستثنى من الأعجمي الثلاثي الساكن الوسط ما كان مؤنثًا، فجعل فيه وجهين كهند.
وهذا غلط، لأن المؤنث من هذا النوع ليس فيه إلا المنع، وهو المحكي عنه العرب، والمقول به عند النحويين، وإنما جواز الوجهين في غير الأعجمي المشار كهند، كما يتبين.
والقسم الخامس: ما كان من الأسماء التي غلب [عليه] التذكير، اسمًا علمًا لمؤنث، وهو الذي أشار إليه بقوله: "أوزيد اسم امرأة" يريد أن شرط المؤنث العاري في منع صرفه أن يكون كذا أو كذا، أو مثل (زيد) اسمًا علمًا لامرأة، إذ (زيد) اسم أغلب استعماله في المذكر، فكل ما كان مثله كعمرو، وعدل، وقفل، وحبل، وقلب، ونوم، وما أشبه ذلك، فهو مثله في هذا الحكم إذا سمي به المؤنث.
ووجهه أنه لما كان قد غلب استعماله في المذكر، وصار متمنًا فيه، كان الخروج به إلى غير بابه، واستعماله في غير ما شهر فيه، ثقلًا أدى إلى أن
стр. 3318
قابل الخفة التي فيه فانتهضت العلتان، وهما التعريف والتأنيث، مانعين من الصرف.
قال سيبويه: فإن سميت المؤنث بعمرو أو زيد لم يجز الصرف. هذا قول [ابن] أبي إسحاق وأبي عمرو فيما حدثنا يونس. قال: وهو القياس، لأن المؤنث أشد ملاءمة للمؤنث، والأصل عندهم أن يسمى المؤنث بالمؤنث، كما أن أصل تسمية المذكر بالمذكر.
فإذا خالفوا ذلك فسموا المؤنث بالمذكر، ثقل عليهم، فمنعوه الصرف، وهو أيضا رأي الأخفش والمازني. وروي عن عيسى بن عمر، ويونس، والجرمي، أنهم يجيزون في هذا القسم الوجهين: الصرف، وعدمه، كهند ودعد فيقولون: هذه زيدُ مقبلةَ، وزيدُ مقبلةً، كما تقول: هذه دعدُ مقبلةً، ودعدٌ مقبلةً.
قال المبرد: وحجتهم أنا إذا سمينا مؤنثًا بمؤنث، وهو ثلاثي ساكن الوسط ففيه اللغتان قولًا واحدا، الصرف وترك الصرف وقد نقلناه من ثقل إلى ثقل، والمنقول من حال خفة إلى حال ثقل أخرى بجواز اللغتين، لأن ما هو في أحد حاليه خفيف أخف مما هو في كلا حاليه ثقيل
стр. 3319
قال: كما لو سمينا رجلًا بمؤنث على ثلاثة أحرف: كقدم، وسقر، فليس فيه إلا الصرف لخفة التذكير.
وأجاب ابن الضائع: بأن تسمية المؤنث بالمؤنث، أو المذكر بالمذكر، ليس فيه شبه العجمة، لأنك سميت الشيء بما يلائمه، كتسمية العربي بالعربي.
وأما إذا سميت المؤنث بالمذكر فقد سميت الشيء بما لا يلائمه، فأشبه الأعجمي.
قال: فإن قيل: فامنع صرف (قدم) و (سقر) اسم رجل لأن فيه التعريف وشبه العجمة.
قلت: نعم، لو كانت العجمة الثلاثية تمنع الصرف لوجب منعه على مذهب سيبويه. وقد ثبت أن العجمة الثلاثية تقاوم خفة البناء، كما تقدم في (جور) و (ماه) و (حمص).
стр. 3320
ثم أخذ يحتج لصحة مذهب سيبويه بما تجده في "شرح الجمل" فانظر فيه والأول هو الذي ذهب إليه الناظم هنا، وفي "التسهيل".
وقوله "لا اسم ذكر" توكيد لقوله: "اسم امرأة".
والقسم السادس: ما عدا ما تقدم من الثلاثي الساكن الوسط، وهو قوله: "وجهان في العادم تذكيرا سبق وعجمة".
يعني أن ما كان من المؤنث الثلاثي الساكن الوسط لم يسبق له تذكير قبل استعماله علمًا، كما سبق لـ (زيد) اسم امرأة، ولا كان فيه عجمة، كما كان في (جور) ونحوه، ففيه وجهان: الصرف وعدمه، وذلك مثل (هند) وهو مثاله، تقول: هذه هند يا فتى، ومررت بهند، وقال أبو حية في منع الصرف:
أمن هند الخيال ألم وهنًا ... بأشعث عند ساهمة منين
ونحوه (دعد) قال الشاعر، فجمع بين الوجهين، أنشده سيبويه:
لم تتلفع بفضل مئزرها ... دعد ولم تسق دعد في العلب
стр. 3321
وكذلك (نعم، وجمل، ومي) كقول ذي الرمة، أنشده سيبويه:
ديار مية إذ مي تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب
وأنشد أيضًا:
* يا هند هند بين خلب وكبد *
وأنشد أيضا للأخطل:
أيام جمل خليلًا لو يخاف لها ... صرمًا لخولط منه العقل والجسد
فجاءت هذه الأسماء مصروفة، وإن شئت منعت الصرف.
وإجازته للوجهين موافقة لمذهب الجمهور، خلافًا لما ذهب إليه الزجاج، من الجزم بمنع الصرف، ورد على النحويين في صرفه وقال، لا حجة لهم فيما أنشدوا دليلًا على صرفه، لأن ما لا ينصرف كثير في الشعر. قال: ولا ينبغي أن يعتبر جهة البناء.
стр. 3322
ورد الناس على الزجاج مذهبه، قال السيرافي: لا خلاف بين من مضى من البصريين والكوفيين في جواز صرفه.
قال: وعندي أنهم لم يجمعوا عليه إلا لشهرته في كلام العرب.
ورعاية الخفة في نوح ولوط إجماعًا يرد على الزجاج في قياسه.
قال ابن الضائع: كلام السيرافي صحيح وبين في الرد عليه.
قال: وأيضا، فقد صرح سيبويه أن صرفه لغة حيث قال: من جعل (ابنًا) مع ما قبله اسمًا واحدا يقول: هذه هند بنت فلان، في لغة من صرف (هندًا).
قال: فهذا يدل على استقرارها لغة، ولم يجيء بالبيت هو ولا غيره ليثبتها لغةً.
قال: ولما كان الثلاثي أقل الأصول، وسكن وسطه، كان أخف أبنية الأسماء، فلا يبعد أن تقاوم خفته إحدى العلتين، فلا تؤثر واحدة، فينصرف.
قال: ثم إذا صح السماع لم يلتفت إلى قياس، فلا معنى للقياس إلا أن يوصل إلى معرفة كلام العرب. فإذا ثبت الكلام فأي معنى للقياس؟ !
وأيضًا، لو فرض أنه لم يأتِ إلا في الشعر، فلا ينبغي أن يدعي فيه الضرورة؛ إذ لم يكن له معارض في غير الشعر، بل يحمل على أنه
стр. 3323
كلامهم حتى يثبت المعارض، وهو أصل نص عليه الشلوبين في طرة على كتاب ابن ملكون.
واما الترجيح بين الوجهين فقال سيبويه: ترك الصرف أجود. وهو الذي نص عليه الناظم في قوله: "والمنع أحق" وإنما نص على أن المنع أحق لوجهين:
تبين مذهبه فيهما، وأنه موافقٌ لصاحب الكتاب.
والثاني: التنكيت على الزمخشري حيث عكس القضية، فجعل الصرف هو اللاحق.
قال ابن الضائع: وإنما غلطه في ذلك خطاؤه في أن جعل حكمه كنوحٍ ولوطٍ، وهما مصروفان في القرآن، يعني مع وجود العلتين، وهما: العلمية والعجمة. قال: فحكم أن الصرف أفصح. انتهى.
وهذا القياس من الزمخشري مصادم للسماع؛ إذ حكى سيبويه نقلًا عن العرب، ولم يحكم بذلك رأيا رآه.
فالصحيح ما ذهب إليه الناس، وإنما قال: الأحق المنع، لأن العلتين موجودتان فالأصل القياسي المنع، حتى أنكره الزجاج صرفه، وزعم أنه ضرورة كما تقدم.
стр. 3324
ومفهوم كلامه في قوله: "في العادم تذكيرًا سبق" أن الحكم كذلك، سواء سبق للسم قبل ذلك تأنيث أم لم يسبق له شيء؛ بل كان مرتجلا مثلا، فلو سميت امرأة بشمس، أو قدر، أو حرب، أو عين، أو نحو ذلك مما استعمل قبل العلمية مؤنثا، فالوجهان فيه جائزان.
وعلى الناظم هنا درك، وهو أن كلامه أعطى أن الوجهين إنما يجريان فيما عدم تذكيرا سابقا قبل تسمية المؤنث به.
فأما إذا سبق له التذكير قلب ذلك. فلا يكون حكمه هذا، وهذا في ظاهره جارٍ في نحو: قدر، وشمس، وعنز، مسمًى به.
فأما في نحو (هند) الذي مثل به، وكذلك في (دعد، وجمل، ونعم) فلا.
قال ابن خروف: قد أحاط العلم بأن هذه الأسماء، يعني (دعدا) وما ذكر معه، منقولة من مذكر، وإذا كان ذلك كما قاله ابن خروف كان الحكم فيها على مقتضى النظم منع الصرف لا غير؛ إذ كانت داخلة في القسم الخامس كـ (زيدٍ) اسم امرأة، وهذا فاسد، لأنهم نصوا على جواز الوجهين من غير خلاف أذكره، والمعتبر عندهم في جواز الوجهين أمران:
أحدهما: كونه قبل العلمية لمؤنث، كقدرٍ مسمًى به.
والثاني: أن يكون قد غلب بعد التسمية به على المؤنث.
ومن هذا القسم جعل سيبويه (هندًا) و (دعدًا) ونحوهما، لأنهما لما غلب استعمالهما في المؤنث تنوسي أصلهما، وهو جواب
стр. 3325
الفراء في منع صرف (أسماء بن خارجة) مع أنه عنده (أفعال) فقد كان ينبغي أن ينصرف لأن تأنيث الجمع لا يراعى في (باب ما لا ينصرف) فقال: كثر تسمية المؤنث به، فصار كزينب، اسم رجل، فهو عند سيبويه (فعلاء) فعلى مذهبه لا ينصرف إذا نكر، وينصرف على مذهب الفراء.
ويجاب عن الدرك الذي على الناظم بأن قوله: "في العادم تذكيرًا سبق" ما سبق ذكره من التذكير، وهو (زيد) اسم امرأة، فإشارته بالسبقية لسبقية الذكر، لا لسبقية التسمية، كأنه قال: وجهان فيما عدم مثل ذلك التذكير المذكور، وهو كونه اشتهر في الاستعمال، حتى لم يتناس معه استعماله في المؤنث بعد ذلك، فلو سبق التذكير لكنه تنوسي بغلبة استعماله في المؤنث بعد ذلك لم يكن مما تقدم.
ويشعر بهذا قوله بعد: "أو عجمة" ولا يريد إلا ما تقدم له ذكره وهذا ممكن، وهو خلاف ما تقدم في تفسير كلامه أولًا، وما تقدم هو الأظهر من كلامه، والسابق للناظر، ولكن يلزمه فيه ما تقدم من الإشكال، وربما يحمل على التفسير الأول.
ويجاب عن السؤال بأن (هندًا) وأخواته لما غلب على المؤنث، حتى صار بحيث تنوسي أصله من التذكير، عاد إلى حكم ما لم يسبق له تذكير، فصح إطلاق العبارة عليه بهذا اللحظ. والله أعلم.
فإذا يشمل له هذا القسم على كلا التفسيرين ثلاثة أوجه:
الوجهان المذكوران في السؤال والثالث: أن لا يسبق له شيء، كما إذا سميت امرأة بـ (ديزٍ) مقلوب (زيد) فيكون فيه الوجهان.
стр. 3326
ونقصه من هذا الفصل حكم المذكر إذا سمي بمؤنث كرجل يسمى بـ (قدر) أو (ذراع) أو نحو ذلك.
وإنما ترك ذكره لقلته في كلام العرب، ولذلك لا تجدهم أكثر الأمر يذكرون فيه الأعلام إلى مع فرض التسمية، لعدم مجيء ذلك من كلام العرب، أو لندوره، فلذلك لم يضحفل به في هذا النظم المختصر.
والعجمي الوضع والتعريف مع ... زيد على الثلاث صرفه امتنع
يعني أن الاسم العلم إذا كان عجمي الوضع، أي وضعته العجم، فانتقل إلى كلام العرب منها- يمتنع صرفه لوجود العلتين، وهما التعريف والعجمة، لكن لا يكون ذلك إلا بشرطين:
أحدهما: أن يكون تعريفه أعجميًا، بمعنى أن العجم هي التي عرفته وصيرته علما، ثم بعد ذلك نقلته العرب إلى كلامها، واستعملته كذلك.
وذلك مأخوذ من قوله: "والتعريف" لأنه معطوف على "الوضع" كأنه قال: والعجمي الوضع، والعجمي التعريف صرفه امتنع.
وهذا الشرط الذي ذكر لابد من تفصيل الكلام فيه، وبذلك يتبين مراده.
فالاسم العجمي الوضع ينقسم أربعة أقسام، لأنه لا يخلو أن يكون استعمل علمًا في كلام العجم وفي كلام العرب معًا، أو يكون في كلام العجم نكرة واستعمل كذلك عند العرب، أو يكون نكرة عند العجم علمًا عند العرب، أو يكون علمًا عند العجم نكرة عند العرب. والجميع له حكم مأخوذ من كلام الناظم هنا.
стр. 3327
فأما الأول: وهو أن يكون علمًا في كلام العجم والعرب معًا، فلا إشكال في منع ذلك إذا اشتمل على الشرط الثاني الذي يذكره. وعليه يدل نصه، إذ قال: "والعجمي الوضع والتعريف" أي الذي يكون التعريف الموجود فيه كان مما وضعته العجم، لأنه إنما تكلم على العلم، فلو كان نكرة عند العرب لم تصدق عليه هذه العبارة، ومثاله: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وهرمز، وفيروز، وقارون، وفرعون، وهامان، وأشباه ذلك.
فلا بد من صرفها لتوفر شرط المنع، وإنما امتنع لأنه يتمكن في كلام العرب، كما تتمكن النكرة، فثقل عليهم من حيث كان خارجا عن أصل كلامهم.
وأما الثاني: وهو أن يكون نكرة في كلام العجم والعرب معًا، فلا إشكال في صرفه. وعلى ذلك دل مفهوم كلامه، لأنه إنما قيد منع العجمة بكونه علمًا.
وإذا انتفت العلمية لم يبق في الاسم إلا العجمة وحدها، وهي لا تمنع كذلك وأيضًا، الأعجمي إذا دخل في لغة العرب نكرة، واستعمل فيها على تلك الحال صار داخلا فيها، ومن معهود كلامها، فلم يثقل عليهم ثقل المعرف، فلا يمنع صرفه إلا بما يمنع صرف الاسم العربي المحض، ولا يضر كونه جاء على مثال لم يأت مثله في كلام العرب، كالآجر، فإن خروجه عن أمثلتها يشبه خروج النوادر في العربي المحض عن الأمثلة المعهودة، كإبلٍ ونحوه، مما جاء عادمًا للنظير، وهذا معنى تعليل سيبويه.
ومثال ذلك: اللجام والديباج، والاستبرق، والسجيل، والقسطاس، والبردي، والنيروز، والفرند، والزنجبيل، واليرندج، والياسمين. ومن ذلك كثير.
стр. 3328
فإن سمي بشيء من هذا كان منصرفا، ولا اعتبار بالعجمة، لأنه قد جرى مجرى العربي في استعماله نكرةً، إلا أن يجتمع فيه علتان من علل الاسم العربي، فالوزن مع العلمية في نحو: (بقم) مسمًى به، فيمنع صرفه إذ ذاك، كما يمنع صرف (ضرب) مسمى به.
وأما الثالث: وهو أن يكون نكرةً عند العجم، علمًا عند العرب، فالذي يقتضيه كلام الناظم الصرف، لأنه شرط في المنع أن يكون التعريف منسوبًا إلى العجم، لقوله: "والعجمي الوضع والتعريف".
وهذه الطريقة تظهر من سيبويه، لأنه قال وأما إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وكذا إلى آخرها، فإنها لم تقع في كلامهم إلا معرفة على حد ما كانت في كلام العجم، ولم تمكن في كلام العرب، كما تمكن الأول، يعني النكرة، ولكنها وقعت معرفة، إلى آخر الكلام. فظاهره أنه اعتبر في المنع كون العجم عرفتها، وهو ظاهر الجزولي أبي موسى في "الكراسة" وبه فسرها الدباج.
قال أبو الحسن الأبذي: سألت شيخنا أبا الحسن الدباج- ﵀ عن قول أبي موسى: "أو تلقيه من العجم علمًا" فقال لي:
стр. 3329
هذا إنما معناه أن يتلقى من العجم علمًا، بمعنى أن يكون في كلام العجم علما، فانتقل إلى كلام العرب علما، وكذا وجد كل ما جاء من ذلك ممنوع الصرف.
قال الأبذي: فعرضت عليه ما قدمته، يعني: من أن معناه أن العرب لم تستعمله حين تلقته من العجم إلا علما وقلت له: إن الأستاذ أبا علي- يعني الشلوبين- كان يعتقده، فقال لي: هذا المذهب لم أره لأحد إلا ما قلت لي عن الأستاذ أبي علي، قال: فقلت له: وأي أثر لاشتراط العلمية في كلام العجم؟ فلم يحضر له فيه جواب إلا موافقة السماع.
قال: وتمسك ﵀ بلفظ سيبويه، وذكره، ثم قال: إن هذا الكلام يحتمل التأويل. انتهى.
وبنى على ذلك أن يصرف (قالون) و (بندار) لأنهما معرفتان عند العرب، منقولان من الصفة، إذ كان (قالون) عند العجم بمعنى (جيد) وكذلك الآخر أصله عند العرب الصفة.
وإنما جلبت هذه بيانًا لكلام الناظم، وشرحًا لمدرك مذهبه.
وقد ظهر أن مدركه ما جاء في السماع، وما يظهر من كلام سيبويه. وأما أن يظهر لاشتراط كونه علمًا عند العجم وجه، فبعيد.
ومذهب أبي علي الشلوبين مخالف لهذا كما تقدم، فلا يشترط إلا كونه لا تستعمله العرب علمًا، فسواءً استعملته العجم نكرة أو معرفة، لا فرق بينهما بالنسبة إلى ما يرجع إلى كلام العرب، فيمنع إذًا صرف (قالون) و (بندار) ونحوهما على هذا.
والأولى في النظر ما ذهب إليه الشلوبين، وهو مذهب المؤلف في "التسهيل"، وكلام سيبويه محتمل.
стр. 3330
وأما الرابع: وهو أن يكون علمًا عند العجم، نكرة عند العرب، فعلى كلام الناظم لابد من الصرف، إذ فرض كلامه في منع الصرف، إنما هو فيما كان عند العرب علما وهذا ليس بعلمٍ عندهم، فلا منع، ووجه ذلك ظاهر، لأن [ما]، لأجله صرف القسم الثاني موجود هنا، فلا بد. ومحال أن يعتبر العلمية عند العجم هنا من اعتبرها في القسم الذي قبل هذا في منع الصرف؛ إذ لا ثمرة لذلك، وليس في الاسم غير العجمة، وانتفى حكمها بتصرف العرب. فإذا سمي به بعد ذلك، فليس إلى علة واحدة وهي العلمية.
وقد حكى ابن عبيدة أنه سأل شيخه عن مثال من هذا الاسم، قال: فقال لي الأستاذ: إنها فرض مسألة لا أذكر لها مثالا.
ويبقى هنا نظر في معنى العجمي الذي ذكره الناظم والنحويون.
فالعجمي عندهم [ما] ليس من كلام العرب، من أي لغة كان سوى لغة العرب، واللسان العجمي هو ما خالف كلام العرب، لا يختص ذلك بأمة دون أمة، فكل لسان غير لسان العرب عجمي.
فإن قلت: ما بني قياسًا على كلام العرب، هل هو من قبيل العجمي أولًا؟ مثل أن تبنى من (ضرب) مثل: درهم، أو جعفر، أو سفرجل، فتقول: ضِرببٌ وضَرببٌ، وضَربَّب وضَريّب، وضريّب، ونحو ذلك.
فالجواب عن هذا رأيته لأبي الحسن الأبذي: أن ذلك ينبني على الخلاف فيما بني من ذلك، هل هو قياس أولًا؟
следующие страницы →