← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

قبل هذا. ثم قال: «كَذَا بأنْ لاَبَعْدَ عِلْمٍ» يَعنى أنَّ (أنْ) المفتوحة حكمُها حكمُ (لَنْ) و (كَىْ) في كونها ناصبةً بنفسها، ولا خلاف في هذا، لكنه شَرط ألاَّ تكون (أنْ) بعد العِلْم، وحقيقةُ هذا الاشتراط وما ذكُر معه يُعطى في (أنْ) تقسيمًا، وهو أن (أنْ) على ثلاثة أقسام: أحدها: إلاَّ تقع بعد عِلْم ولا ظَنٍّ، فهذه هى الناصبة للفعل، نحو: جئتُكَ أنْ تُكْرِمَنى، وأعجبنى أن تقومَ﴾ وأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ونحو ذلك. ولا تقع غيرَ ناصبة إذا دخلت على المضارع إلا نادرًا، كما سيَذكره، وهو الذى ابتدأ به الناظم. والثانى: أن تقع بعد (العِلْم) فمقتضى اشتراطه ألاَّ تقع الناصبةُ بعدَه دليلٌ على أنها بعدَ العِلْم غيرُ ناصبة للفعل وإن وقعتْ بعده، فتقول: علمتُ أنْ يَقُومُ زيدٌ وعلمتُ أنْ لا يَقُوُم/ زيدٌ، تَرفع الفعل هنا لا غيرُ، إذْ أُخْرِج (أنْ) معه عن النصب جملة، وكونُها بعد العِلْم مخففَّةً من الثقيلة هو السببُ في عدم النصب، على ما يَذكره إثْرَ هذا. ولا يختص هذا الحكم بـ (عَلِمَ) وحدها؛ بل كلُّ ما يُعْطِى معنى العِلْم فُحكْمُه حُكْمُه، نحو: تَيَقَّنْتُ أنْ لاَ يَقُوُم زيدٌ، ورأيتُ أنْ تَخْرُجُ، وتحقَّقْتُ أنْ لا تَقُوُم، ونحو ذلك لقوله: «لاَ بَعْدَ عِلْمٍ» فعَمَّ أفعالَ العِلْم. والثالث: أن تقع بعد (الظنِّ) نحو: ظَنَنْتُ، وحَسِبْتُ، وخْلِتُ،

стр. 3397

ورَأَيْتُ، ونحوها مما يُعْطى معنى الظن. فإذا وقعت (أنْ) بعد أحد هذه الأفعال أو نحوها فلك وجهان: أحدهما: أن تَنصب بها ما بعدها، فتقول: حَسِبْتُ أنْ يَقُومَ زيدٌ، وخِلْتُ أنْ تَخْرُجَ. ومنه قوله تعالى: ﴾ آلم أحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآية. وقوله: ﴾ أيَحْسَبُ الإنْسَانُ أن يُتْرَكَ سُدىً﴾ وقوله: ﴾ إنْ ظَنَّا أنْ يُقَيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ و﴾ تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾. وقَدَّم النصبَ هنا كأنه أرجحُ عنده من الرَّفْع وأكثرُ، ويُشْعر بذلك قولُه: «فَانْصِبْ بِهَا» فأتى بالنصب في مَساق الاعتماد عليه، ثم استدرَك وجهَ الرفع وصَحَّحه، وإلاَّ فكان يقول: «فَانْصِبْ بِهَا وارْفَعْ» وكذلك قال ابن المؤلف في تَكْملة الشرح: «قال: ولذلك اتُّفِق على النصب في: أَحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا» وكان أكثر القُرَّاء على النصب في قوله تعالى: ﴾ وحَسِبُوا أَنْ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وهم غيرُ أبى عمروٍ وحمزةَ والكسائى، والرفع لهؤلاء الثلاثة. والثانى: ألاَّ تنصبَ بها، بل يبقى ما بعدها على رَفْعه، نحو قولك: حَسِبْتُ أنْ لا تَقُولُ ذلك، وظننتُ أنْ لا تفعلُ ذلك. ومنه قوله تعالى: ﴾ وَحَسِبُوا أنْ لاَ تَكُونُ فِتْنَةٌ﴾. على قراءة أبى عمروٍ وحمزةَ

стр. 3398

والكسائي. وهما على وجهين مختلفين، أما النصب بعدها فلجريانها على بابها، من عدم التحقيق وثبوت التردد، فصارت كالرجاء ب (عسى) فالوضع ل (أن) الناصبة. وأما الرفع فعلى معنى أنك أثبت ذلك في ظنك، وأدخلته مدخل العلم، وعلى إجرائه مجرى العلم صارت هنا (أن) غير ناصبة، وإلى هذين أشار بقوله: "والتي ومن بعد ظن. فانصب بها والرفع صحح" يعني أن (أن) إذا وقعت بعد الظن فالنصب هو الأكثر، والرفع صحيح جائز. ثم أخذ في بيان وجه الرفع بعدها حيث لم تقع ناصبة فقال: "واعتقد تخفيفها من أن" يعني أن (أن) التي لا تنصب الفعل الواقع بعدها لا ينبغي أن يعتقد أنها هي الناصبة للفعل؛ بل هي غيرها، لأن عامل النصب من شأنه ألا يتخلف عن عمله في موضع من المواضع من غير مانع، وأن يكون مختصا بما يعمل فيه، لا يدخل على غيره كسائر العوامل، فإن شأن العامل أن يكون عاملا على / الإطلاق، ومختصا بما يعمل فيه على اللزوم، إلا ما خرج عن هذا عن أصله، نحو (ما) فإنها تعمل مرة ولا تعمل أخرى، وذلك خلاف القاعدة الأصلية، والقياس المستمر؛ فلا بد أن يعتقد في (أن) هذه التي لم تعمل أنها غير الناصبة، وأنها المخففة من (أن) الناسخة للابتداء، فيقال: إنها لم تعمل] لأنها المختصة بالأسماء فلا تعمل في الأفعال. لكن قد يقول القائل: ما الحامل لكم على هذا التقدير، ولعلها (أن) الناصبة، لم

стр. 3399

تعمل هنا [كما لم تعمل في مواضع أخرى كما سيأتي؟ . فأجاب الناظم عن هذا بأن تخفيف (أن) مطرد في كلام العرب، على أن يكون اسمها مقدر لا يبرز إلا في الضرورة، وبيان اطراده قد تقدم في باب (إن) ووقوع الفعل بعد (أن) غير الناصبة للفعل كثير مطرد أيضا، كما تقدم. فالحق أن يحمل المطرد على المطرد، ولا يحمل على أنها (أن) الناصبة للفعل لم تعمل، فإن ذلك ليس بمطرد ولا كثير، بخلاف التخفيف من (أن) وحكمها مبين في موضعه، فلم يحتج إلى ذكره هنا، وعلى أنه كرر حكمها في "التسهيل" في باب (إن) وفي نواصب الأفعال. وإن التكرار ينافي الاختصار. واعلم أن الذي تعرض للكلام عليه من (أن) المخففة من الثقيلة هي التي لم يقع بينها وبين الفعل فاصل سوى (لا) النافية، لأنه إذا وقع بينهما فاصل غير (لا) لم يقع بينها وبين الناصبة للفعل لبس، لأنك إذا قلت: خلت أن سيكون كذا، أو خلت أن لن تقوم- لم يمكن أن تكون هنا ناصبة، لمكان الفاصل الحائل بين (أن) وبين ما كان يمكن أن يكون معمولا لها، فلا يحتاج إلى تفرقة بين المخففة والناصبة في مثل هذا، وإنما يحتاج إلى ذلك حيث يمكن على الجملة أن تعمل (أن) فيما بعدها، وذلك إذا لم يقع بينهما فصل، كقولك: علمت أن تقوم، وخلت أن تخرج، وذلك على الوجه غير الأحسن المنبه عليه في باب (إن) أن يقع من الفواصل ما لا يمنع (أن) من تأثيرها في معمولها، وذلك (لا) نحو: خلت ألا تقوم، وعلمت ألا تخرج، فها هنا يحتاج إلى قانون التفرقة بين (أن) الناصبة للفعل والمخففة من الثقيلة.

стр. 3400

ثم قال: "وبعضهم أهمل أن" يعني أن بعض العرب أهمل (أن) فلم يعملها وهي الناصبة للفعل، فيقول: أعجبني أن يقوم زيد، وهو قليل. ومنه ما روى في غير السبع من قوله تعالى: ﴾ لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ برفع "يتم" وأنشد السيرافي، ورواه ابن جنى، عن احمد بن يحيى.: أن تقرآن على أسماء ويحكما ... مني السلام وأن لا تشعرا أحدا. وقد يكون منه ما أنشد الفراء من قوله:

стр. 3401

أن تهبطين بلاد قوم ... يرتعون من الطلاح ثم أخذ في توجيه هذا الإهمال فقال: "حملا على ما أختها". يعني أنها الناصبة للفعل، أهملت بالحمل على (ما) أختها، وهي المصدرية، لأنها أختان في تأويلهما بالمصدر، فكما أن الفعل إذا وقع بعد (ما) مهمل غير منصوب، فكذلك حملت (أن) عليها فقيل: "أن تقرآنن" ونحو ذلك. وقوله: وحيث استحقت عملا"/. يعني أن هذا الإهمال إنما هو في] موضع استحقت فيه العمل، لا في موضع لا تستحقه فيه، فتحرز من وقوعها بعد علم أو طن، فإنها هناك غير مستحقة على التفسير [المذكور أولا، فليس مخصوصا بهذا البعض الذي حكى عنه. وما قرر من التوجيه هو رأي البصريين، وأحمد بن يحيى من الكوفيين. حكاه عنه ابن جنى في كتاب "التعاقب" له ومذهب الكوفيين في التوجيه: الحمل على أنها المخففة من الثقيلة، أتى بها من غير فصل، وهو مذهب الفارسي، حكاه عنه ابن جنى أيضا في البيت المتقدم: - أن تقرآن على أسماء ويحكما* والأظهر فيه خلافه، لقوله في البيت: - وأن لا تشعرا أحدًا *

стр. 3402

فنصب بها، فلو كانت الأولى عنده المخففة لكان من التناسب أن تكون الثانية كذلك. والمذهبان متقاربان. لكن على الناظم هنا درك ما مع ما تقدم له في باب "إن" وذلك أنه قدم في المخففة من الثقيلة أن الأحسن الفصل، ويجوز ترك الفصل قليلا، وذلك في قوله: وإن يكن فعلا ولم يكن دعا. ثم قال: فالأحسن الفصل بقد أو كذا" إلى آخره. ونبه على ما جاء من نحو قوله تعالى: ﴾ لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾. ونحو البيتين المنشدين، فظاهره فيما تقدم أنها المخففة، وها هنا نقض ذلك، فحملها على (أن) الناصبة للفعل لا على المخففة والجواب أن الناظم قصده في الموضعين صحيح. فأما قصده في باب (إن) فالإخبار عن المخففة إذا تعين ذلك فيها، وذلك عند وقوعها بعد العلم، أو بعد ما كان نحوه، فلم تتعين الآية ولا البيتان بخصوصها لتمثيل عدم الفصل في المخففة. وإنما نبه على ما يصلح أن يكون مثالا له هنالك، وذلك إذا وقعت بعد العلم أو الظن نحو: علمت أن يقوم زيد، وظننت أن يقوم زيد، ونحو ذلك. وأما القصد هنا فالإخبار عن (أن) التي لا تقع بعد علم ولا ظن، وهو موضع الخلاف. فالكوفيون يحملونه على المخففة، والبصريون على الناصبة للفعل،

стр. 3403

فلا تناقض. ووعلى هذا التوهم استظهر بقوله: "حيث استحقت عملا". أي إنما هذا التأويل حيث تستحق العمل، فإن الموضع الآخر حيث لا تستحق العمل متفق عليه، وهذا حسن من التنبيه كما مر تفسيره آنفا. ونصبوا بإذن المستقبلا ... إن صدرت والفعل بعد موصلا. أو قبله اليمين وانصب رافعا ... إذا إذن من بعد عطف وقعا. هذا هو الموضع الرابع من الأدوات الناصبة بأنفسها، وهو (إذن) وهو حرف جواب وجزاء. فقوله: "ونصبوا بإذن" نص في أنها الناصبة بنفسها. وقد حكى المؤلف في "التسهيل" عن الخليل: أن النصب بعدها بإضمار (أن) قال: ابنه: وإنما مستنده فيه قول السيرافي في /أول شرح الكتاب: روى أبو عبيده عن الخليل أنه قال: لا ينصب شيء من الأفعال إلا بأن مظهرة، أو مضمرة في (كي، ولن وإذن) وغير ذلك. قال: وليس في هذا نص، لجواز أن تكون مركبة عنده من (إذ) التي للتعليل و (أن) كما يقول في (لن).

стр. 3404

قال: وهذا على ضعفه أقرب من تلك الدعوى. هكذا قال، ولم يدر أن سيبويه حكى ذلك عنه في باب (إذن) ورد عليه، فتأمله. والنصب بعدها بإضمار (أن) مذهب الزجاج أيضا، ورد عليه الفارسي في "الإغفال" بما فيه كفاية، فطالعه ثمة إذ لا حاجة إليه هنا. ثم شرط في عملها النصب شروطا أربعة: أحدها: أن يكون الفعل الذي تنصبه مستقبلا من جهة معناه. فقوله: "والمستقبلا" على حذف الموصوف، أي: ونصبوا بإذن الفعل المستقبل، كقولك لمن قال: آتيك غدا، فتقول: إذن أكرمك. ومن ذلك قول ابن عنمة الضبي: اردد حمارك لا تنزع سويته ... إذن يرد وقيد العير مكروب.

стр. 3405

فلو كان الفعل غير مستقبل لم تنصبه (إذن) فتقول إذا حدثت حديثا: إذن أظنه فاعلا، وإذن أظنك صادقا، فرفعت لأنك حالة الإخبار في ظن، فخرجت بذلك عن باب (أن، وكي) لأنهما لا ينصبان إلا المستقبل، وهي مشبهة في العمل بهما، فلا يجوز أن تنصب إلا ما ينصبانه، وهو المستقبل. والثاني من شروط النصب بها: أن تقع صدر الكلام، وذلك قوله: "إن صدرت: والتصدير فيها على إطلاقه، من كونها لا يقع قبلها شيء، لا حرف عطف ولا غيره، لأنه قد ذكر وجهين فيما إذا تقدم حرف العطف. و"إذن" لها ثلاثة أحوال" أن تتقدم، وأن تتأخر، وأن تتوسط. فأما إذا تقدمت: فتنصب، فتقول في جواب ممن قال: آتيك: إذن أحسن إليك، وأما إذا توسطت أو تأخرت: فلا تعمل، فتقول في الجواب: أنا إذن أكرمك، ووالله إذن أكرمك. ومنه قول كثير عزة، أنشده سيبويه: لئن عادلي عبد العزيز بمثلها ... وأمكنني منها إذن لا أقيلها. فقوله: "إذن لا أقيلها" مبني على اليمين، فصار متوسِّطاً.

стр. 3406

وكذلك إذا قلت: أكرمك إذن، فأخرت. وقد أنشد بيت حكي فيه النصب بها مع توسطها، وهو قوله: لا تتركني فيهم شظيرا ... إني إذن أهلك أو أطيرا. ومنشده الفراء. وإنما أعملت مبتدأة ولم تعمل على غير ذلك، لأنها أصل وضعها جواب تكفي من بعض كلام المتكلم، كما تكفي (نعم، ولا) فتقول: إن تزرني أزرك، فيقال: إذن أزورك، أي للشرط الذي شرطت، فنابت عن الشرط، وكفت من ذكره. فلما كانت جوابا قويت في الابتداء، لأن الجواب لا يتقدمه كلام. ولما وسطت وأخرت زايلها مذهب الجواب، فبطل عملها. وشببها الخليل ب (أرى) / في أنه إذا تقدم بني الكلام عليه فأعمل. فإذا توسط أو تأخر ألغي لدخوله بعد بناء الكلام على غيره، فصار لغوا، فكذلك (إذن). والثالث من الشروط أن يكون الفعل الذي تعمل فيه بعدها لا قبلها، وذلك قوله: "والفعل بعد" وهي جملة في موضع الحال من ضمير "صدرت"] أي: إن صدرت [(إذن) حالة كون الفعل واقعا بعدها.

стр. 3407

وليس هذا الشرط داخلا تحت الأول، لأن (إذن) قد يكون الفعل واقعا بعدها، وهي بعد غير مصدرة نحو: إني إذن أكرمك، وما أشبه ذلك، فإن تقدم الفعل عليها لم يصح نصبه، فلا يجوز أن تقول: يقوم إذن زيد، ويخرج إذن. ووجه ذلك راجع إلى ما تقدم قبل هذا، من أن حقها التصدير، وأيضا، لا يتصرف في معمولها بالتقديم، لأن أختيها وهما (أن، وكي) لا يكون ذلك فيهما، فلا يتقدم معمولها، فكذلك ما حمل عليها، وهو أحرى بذلك، لنقص رتبته عن رتبتهما. والرابع: أن يكون الفعل متصلا ب (إذن) غير مفصول بينهما بفاصل معتد به. وذلك قوله: "موصلا أو قبله اليمين". و"موصلا" حال من "الفعل" والعامل فيه الكون والاستقرار الذي دل عليه الظرف، بل الظرف نفسه لقيامه مقامه. فإذا اتصل الفعل ب (إذن) نصبت فقلت: إذن أقوم. فإن فصل بينهما فاصل فلا يخلو أن يكون مما يعد فاصلا أولا، فإن كان كذلك بطل العمل، فلا يجوز أن تقول: إذن أنا أكرمك، ولا إذن زيد يحسن إليك، بل يجب الرفع، وكذلك إذا فصل بمفعول أو غير ذلك نحو: إذن طعامك آكل، وإذن درهما أعطيك. وإنما امتنع النصب لأجل الفصل بين العامل والمعمول، إذ كنت لا تفصل بين (أن) أو (كي) ومنصوبها، فلا تقول: أعجبني أن زيدا تضرب، ولا جئتك كي درهما تعطيني، فصارت (إذن) كحروف الابتداء، نحو (إنما، وكأنما) لا تعمل شيئا.

стр. 3408

وإن كان الفاصل [لا يعد فاصلا] لم يضر، وبقي اعمل منسحبا على الفعل، وذلك اليمين نحو: إذن والله أكرمك، وما أشبه ذلك، لان القسم في حكم الزائد المطرح، ودخوله كخروجه، وغنما دخوله لمجرد التوكيد، ولذلك يقع في مواضع لا يقع فيها غيره. ثم ذكر حكم ما إذا تقدمها حرف العطف فقال: "وانصب وارفعا" إلى آخره. يعني أنه إذا وقعت (إذن) من بعد حرف العطف، ولم يتقدمها غيره، فلك في العمل وجهان: أحدهما: النصب فتقول: فإذن أكرمك، وإذن آتيك". قال سيويه: وبلغنا أن هذا الحرف في بعض المصاحف﴾ وإذن لا يلبثوا خلفك إلا قليلا﴾. قال: وسمعنا بعض العرب قرأها: "وإذن لا يلبثو" وهي قراءة هارون/القارئ. والثاني: الرفع فتقول: وإذن أكرمك، وهو الأكثر. ومنه قوله تعالى: ﴾ فإذن لا يؤتون الناس نقيرا﴾ وقراءة الجماعة: ﴾ وإذن لا يلبثون خلفك إلا قليلا﴾.

стр. 3409

وإنما جاز الوجهان لأن حرف العطف صير (إذن) بتقدمه عليها كمتوسطة، فألغيت تارة اعتبارا بتوسطها، وأعملت تارة اعتبارا بكون العاطف غير معتد به. ويدخل تحت إطلاقه نوع آخر من مسائل العطف، وذلك أن العطف يجوز أن يكون عطف جملة على جملة ليس بينهما علقة، فالنصب هنا هو المحكوم به، لأن (إذن) مبتدا بها، فالحكم فيه الرفع. ويتبين لك هذا في مسألة سيبويه، وهي قولك: إن تأتني آتك، وإذن أكرمك، ] فإن جعلت (وإذن أكرمك [جملة مستأنفة غير متعلقة بالأولى أعملت وألغيت على وجهي العطف، وإن جعلتها متعلقة جزمت، فقلت: وإذن أكرمك، عطفا على (آتك) وإن شئت نصبت لا على (إذن) بل على العطف على الجواب، كقوله تعالى: ﴾ فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾، بعد قوله: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه [. الآية. فقد تصور في المسألة وجهان على الجملة، إعمال (إذن) إهمالها، لكن قد يقال: إنمه لا يشمله كلام الناظم لقوله: "وارفعا" فجعل قسيم النصب الرفع، وفي مسألتنا الجزم، فكيف يصح أن يريد مثل هذا؟ والجواب: أن نفس الرفع ها هنا ليس بمقصود في نفسه، وإنما المقصود عدم إعمال (إذن).

стр. 3410

وإذا كان المقصود هذا دخل فيه ما كان في معناه مما لا تعمل فيه (إذن) وعلى أنك في هذه المسألة قادر على جعلها من قبيل ما يكون فيه الفعل مرفوعا، بجعلك (إذن) في موضع (إن) أو إتيانك بفعل الشرط ماضيا وبفعل الجواب مضارعا، في أحد الوجهين، على ما سيذكر إن شاء الله تعالى. فعلى كل تقدير يشمل كلام الناظم أمثال هذه المسائل، والله أعلم. وعلى كلام الناظم في مسألة (إذن) أسئلة: أحدها: أنه جزم بالنصب مع وجود الشروط الأربعة؛ إذ قال: "ونصبوا" وأطلق القول في ذلك، وهذا الإطلاق غير صحيح، إذ النحويون يحكون مع اجتماع الشروط الوجهين: النصب والرفع. فقد حكى سيبويه عن عيسى بن عمر: أنا ناسا من العرب يقولون: إذن أفعل في الجواب، يعني مع اجتماع الشروط. قال: فأخبرت يونس بذلك فقال: لا تبعدن ذا.] ولم يكن ليروي إلا ما سمع، جعلوها بمنزلة (هل، وبل) ومنه الحديث "إذن يحلف يا رسول الله" فقد ثبت الوجهان. وكلام الناظم يقتضي الاقتصار على وجه واحد، وهو إخلال في النقل. والجواب عنه أن إلغاءها مطلقا لغة ضعيفة، على خلاف ما عليه جمهور العرب، ولذلك قال في "التسهيل": وينصب غالبا ب (إذن) وحكاية سيبويه تدل على قلته إذا لم يحفظه يونس وقال له: لا تبعدن ذا [. وهذا مما يدل على ضعفها في القياس، وقلتها في السماع، فلم يبن

стр. 3411

الناظم عليها على عادته في البناء على الشهير من اللغات. والسؤال الثاني: أنه استثنى من الفصل بين (إذن) والفعل اليمين خاصة، فيعطى بمفهومه في الاقتصار في جواز الفصل عليه ألا يفصل بغير اليمين، لدخوله تحت منع الفصل/، وذلك لا يصح، لأن الفصل يقع أيضا بالنداء نحو: إذن يا زيد أكرمك، لأنه يجري مجرى القسم في كونه الفصل به كلا فصل. وكذلك (لا) النافية إذا فصل بها، لم يمنعها ذلك عملها، لعدم اعتبارها فاصلا؛ إذا كانت تدخل بين الجار والمجرور، والناصب والمنصوب، وغير ذلك. وكذلك يقول ابن عصفور في الظرف والمجرور، قياسا على القسم والنداء] لأنهما قد يتصرف فيهما بالتقديم والتأخير ما لا يتصرف في المفعول، فصارا بذلك في حكم القسم والنداء [. وقد جمع بعضهم شروط إعمال (إذن) واستثنى من الفصل ما ذكرت لك، فقال: أعمل إذن إذا أتتك أولا .... وسقت فعلا بعدها مستقبلا واحذر إذا أعملتها أن تفصلا ... إلا بحلف أو نداء أو بلا. فجعل النداء و (لا) مع اليمين.

стр. 3412

وزاد بعضهم على هذا الظرف والمجرور فقال: والظرف والمجرور زدهما على ... قول ابن عصفور نبيل النبلا وزاد ابن خروف أيضا الدعاء إذا فصل به، فلا اعتبار به في ذلك، نحو قولك: إذن غفر الله لك بفعل كذا. هذه ستة أشياء، ذكر الناظم منها واحدا فقط، وأهمل البواقي، وهذا كله فيه ما ترى. والجواب: أنه في ذلك متبع لكلام سيبويه، لأنه إنما تكلم على الفصل بالقسم خاصة، وكأن ما عدا ذلك إنما هو قياس على القسم. وأما (لا) فقد علم من حكمها أنها تدخل في الاختيار بين العامل والمعمول مطلقا، فلم يحتج إلى ذكر ذلك فيها، وزيادة ابن عصفور قد لا يسلم له فيها، لأن الظرف والمجرور إنما يتسع فيهما بالسماع، ولذلك لما استدل الفارسي على جواز تقدم خبر (ليس) عليها بجواز تقدم معموله، وتلا قوله تعالى: ﴾ ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم﴾. اعترض عليه بأن الآية لا دليل فيها، لأن الظرف والمجرور قد يتصرف فيهما بالتقديم حيث لا يتصرف في المفعول. ورد هذا الاعتراض بأن التصرف في الظرف والمجرور، وإن كثر، موقوف على السماع، فلا يقع إلا حيث سمع، والظرف والمجرور لم يقع واحد منهما،

стр. 3413

فاصلا أصلا، فلا ينبغي أن يقال به، وإن كانوا قد قالوا في (لن): لن ما رأيت أبا يزيد مقاتلا ... أدع القتال وأشهد الهيجاء. ففصلوا بين (لن) ومعمولها، وهي أشد في طلب الاتصال من (إذن) فذلك موقوف على السماع. وما زاده ابن خروف فيلزمه أن يجيز ذلك في جمل الاعتراض مطلقا، فيقول: إذن فاعلم أكرمك، وإذن لو علمت أكرمك، وما أشبه ذلك. ويطول الأمر في هذا، فالأولى الاقتصار على ما قرب مرماه، وسهل في الحكم تناوله، كالنداء والقسم. والسؤال الثالث: أن قوله: "وانصب وارفعا" ظاهره الإشعار بقوة النصب، وفضيلته على الرفع لتقديمه إياه، وكثيرا ما يجري ذلك في كلامه، وقد عرفت أن الرفع هو الأكثر على تقدم ذكره. والجواب عنه: أن التقديم والتأخير ليس بواجب التحكيم، وأيضا/فالوجهان جائزان على الجملة. وقد مر أنه لا يقتصر على المثال المذكور أولا، بل يدخل فيه غيره، والإعمال والإلغاء مختلف بحسب المسائل، فهو قد أطلق القول في الوجهين، ولم يعتبر جهة التقديم والتأخير. والضمير في "قبله" عائد على الفعل.

стр. 3414

وقوله: "من بعد عطف" على حذف مضاف تقديره: من بعد حرف عطف، أو في عطف، ويريد الحرف. وبين لا ولام جر التزم ... إظهار أن ناصبة وإن عدم. لافأن اعمل مظهرا أو مضمرا ... وبعد نفي كان حتما أضمرا هنا أخذ في الكلام على ما ينتصب بإضمار الناصب، والمضمر ها هنا (أن) وحدها من بين سائر أخواتها، لأنه أم الباب ك (يا) في حروف النداء، و (الهمزة) في حروف الاستفهام، و (إن) في حروف الشرط. والمواضع التي تقع فيها (أن) ناصبة على ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون مضمرة لا تظهر أصلا، ومواضعها المذكورة في هذا النظم خمسة، وذلك بعد (حتى) ولام الجحود، والجواب بالفاء، والواو، و (أو) بمعنى (حتى) أو (إلا). ولم يذكر (كي) الجارة، وقد تقدم التنبيه على ذلك. والثاني: أن يجوز فيها الأمران، ولها موضعان، وذلك بعد: لام (كي) بغير (لا) وبعد حرف العطف المعطوف به الفعل على الاسم الصريح. والثالث: ألا يجوز الإضمار أصلا، وذلك فيما عدا ما تقدم. وخص بالنص ما إذا وقعت بعد لام (كي) إذا كانت معها لا. وبه ابتدأ الكلام في هذا الفصل فقال: "وبين ل ولام جر التزم إظهار أن". يعني أنه إذا كان موضع (أن) بعد لام جر و (لا) الذي هو حرف نفي فإظهارها لازم فتقول: جئت لئلا تعتبني، وتحصنت لئلا تخذلني.

стр. 3415

﴾ لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾.﴾ لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ الآية. وإنما لزم إظهارها لما يلزم لو أضمرت من قبح اللفظ باجتماع لامين إذا قلت: للا تعتبني، كما أنهم لا يلحقون لام التوكيد بعد (إن) حيث الخبر مصدرا ب (لا) إلا نادرا نحو: وأعلم أن تسليما وتركا ... للامتشابهان ولا سواء. لأجل قبح اجتماع المثلين. وإنما قال: "ولام جر" ولم يقل: ولام كي، لأن لام الجر لا تقع في مثل هذا الموضع إلا كانت للتعليل، وهي لام (كي). وأيضا، فأطلق في لام الجر لما يحتاج إليه إثر هذا فيما إذا لم يأت معها (لا) فإنها قد تكون للتعليل ولغير التعليل، كما يتبين إن شاء الله. وقوله: "ناصبة" حال من (أن) عاملها (إظهار) ومراده أن يبين أن هذا الحكم ل (أن) الناصبة للفعل، لا للمهلة، ولا للتي أصلها (أن). ثم قل: "وإن عدم لافأن أعمل مظهرا أو مضمرا". يعني أن (لا) إذا لم يؤت بها مع الحر، فلك في (أن) وجهان: أحدهما: أن تظهر (أن) وهو الأصل فيها، لأن الإضمار/على خلاف

стр. 3416

الأصل، فتقول: جئتك لأن تكرمني، وضربته لأن يتأدب. والثاني: أن تضمرها، فتثقول: جئتك لتكرمني، وضربته ليتأدب. وهذا الحكم لا يختص بلام (كي) بل يكون معها كما ذكر، ويكون مع لام العاقبة، نحو قوله تعالى: ﴾ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا﴾. وهذه اللام راجعة في الحقيقة إلى الأولى، ولكن المؤلف من عادته أن يعتبر الظاهر في المعاني. والثالث: اللام الزائدة في نحو: أريد لتفعل كذا. ومنه قوله تعالى: ﴾ يريد الله ليبين لكم﴾، وقوله: ﴾ ولكن يريد ليطهركم﴾. ومنه قول الشاعر: أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل. وأنشد المؤلف في "الشرح": ومن يك ذا عود رطيب رجابه ... ليكسر عود الدهر فا كاسره. وهذه المعاني الثلاثة التي يتأتى معها دخول اللام على المصدر، فيؤتى لها

стр. 3417

بـ (أن) والفعل. وبقي قسم رابع خالف حكمه هذا الحكم، وذلك لام الجحود، فلذلك استدركها إثر هذا. وإنما خص الإضمار باللام دون غيرها، لأنه لا يجوز ذلك مع غيرها، كالباء و (في) ونحو ذلك: بل يلتزم الإظهار، نحو: رغبت في أن تفعل، وعن أن تخرج، وعجبت من أن تضرب زيدا، وسررت بأن تقول كذا. وكذلك سائرها، لأن استعمال اللام في الكلام أكثر من استعمال غيرها، فاستخف ذلك فيها لكثرة دورها في الاستعمال دون غيرها. ثم استثنى من جواز الوجهين لام الجحود، وهو أول المواضع الخمسة فقال: "وبعد نفي كان حتما أضمرا". يريد بعد اللام التي بعد نفي (كان) ولا يريد مطلق نفيها، بل بقيد تقدم لام الجر، فهو مستثنى من وقوع (أن) بعد لام الجر مضمرة أو مظهرة. ومعنى كلامه أن للام الجر إن إذا وقعت بعد (كان) المنفية. فإن العرب ألزمت إضمار (أن) فلا يجوز إظهارها، فتقول: ما كنت لأفعل، وما كان زيد ليقوم. ولا يجوز أن تقول: ما كان زيد لأن يفعل، ولا لإن يقوم. ومنه قوله تعالى: ﴾ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ وقوله: ﴾ ما كان الله ليذر المؤمنين﴾.﴾ وما كان الله ليطلعكم على الغيب﴾. وهو كثير. وتسمى لام الجحود، لأنها تقع بعد الجحود، وهو النفي.

стр. 3418

ويريد بقوله: "ونفي كان" فعل الكون مطلقا، كأنه يقول: ونفي فعل كون، وليس المثال بمعين للماضي في قصد الناظم؛ بل الحكم جار إذا كان الفعل المنفي مضارعا، نحو يكن ليفعل. ومنه قوله تعالى: ﴾ لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا﴾. نعم الذي يلزم أن يكون فعل الكون ماضيا معنى، ولا /يلزم أن يكون ماضيا لفظا. ووقع لابن خروف ها هنا مخالفة لهذه القاعدة، فزعم أن لام الجحود قد تقع بعد النفي وإن وإن لم يكن ثم (كان) إذا اقتضى المعنى ذلك، وجعل من ذلك قوله تعالى﴾ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾. قال: لأن المعنى: ما كان الله ليفعل كذا، وهذا خلاف ما عليه الناس. والحق أن اللام في الآية إنما هي اللام التي تدخل في الإيجاب في نحو قوله: ﴾ يريد الله ليبين لكم﴾. بدليل قوله إثر الآية المستشهد بها: ﴾ ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم﴾. وأتى أيضا بحديث وقع لأبي عبيد في "غريبه" من حديث أبي الدرداء أنه قال في الركعتين بعد العصر: "ما أنا لأدعهما، فمن شاء أن ينحضج فلينحضج" أي ينقد من الغيظ. وهذا أيضا نادر. والصيمري أطلق القول بذلك، وأن لام الجحود هي الواقعة بعد النفي مطلقا.

стр. 3419

وعلى ما قال الناظم: جلة النحويين، وهم أعرف بكلام العرب، لأن ذلك راجع إلى صحة ظهور (أن) وعدم صحته. فالجمهور على جواز ظهورها في نحو: ما جئتك لتسبني، ولزوم إضمارها في: ما كان زيد ليقوم، وإنما لزم الإضمار هنا دون ما تقدم لأن لام الجحد جواب لفعل ليس تقديره تقدير اسم، ولا لفظه لفظ الاسم، وهو الفعل الداخل عليه السين أو سوف. فقولك: (ما كان زيد ليخرج) الأصل فيه: كان زيد سيخرج، أو سوف يخرج فكرهوا في الجواب إظهار (أن) لأن ظهورها يحقق تقدير الاسم، فيخرج بذلك عن مذهب الجواب. وأيضا، تقدير الكلام من حيث كان جوابا لمستقبل: ما كان زيدا مقدرا لأن يخرج، أو مستعدا، أو هاما أو عازما، أو نحو ذلك من التقديرات التي توجب الاستقبال للفعل، و (أن) توجب الاستقبال فيه، فاستغنى عن ذكر (أن) بما تضمن الكلام من الدلالة على الاستقبال. وقد زعم الكوفيون أن اللام هنا في الناصبة بنفسها، سواء كانت لام جحد أم لا، وليست عندهم بلام جر، وذهبوا في ذلك مذاهب لا فائدة في الاشتغال بها إذا فهم وجه الكلام، وهو ما ذكر الناظم مما تقدم شرحه. ثم قال: كذاك بعد أو إذا يصلح في ... موضعها حتى أو إلا أن خفى. وهذا موضع ثان من المواضع الخمسة التي يلزم فيها إضمار (أن) ويعني أن الحذف لازم في (أن) أيضا إذا وقعت بعد (أو) التي بمعنى (حتى) أو التي بمعنى (إلا) وذلك أن (أو) على وجهين إذا وليها المضارع:

стр. 3420

أحدهما: أن يكون ذلك المضارع مساويا للفعل التي قبلها في الشك أو الإبهام أو غيرهما، فحكم هذا أن يتبع الثاني الأول في الإعراب، فتقول: هو يقيم أو يذهب، ويعجبني أن تقيم أو تذهب، وليقم زيد أو يذهب، وهذا مبين في باب العطف. والثاني: أن/ يكون المضارع بعد (أو) مخالفا لما قبلها، بأن يكون ما بعدها على الشك وما قبلها على اليقين، فحكم هذا عدم التبعية للإعراب، لأنه لم يشاركه في الحكم، فلا يشاركه في الإعراب، بل ينصب ب (أن) لازمة الإضمار، كما قال الناظم. و(أو) في المخالفة تارة تكون بمعنى (حتى) وأراد الجارة المرادفة ل (إلى) نحو: لألزمنك أو تقضيني حقي، ولأسيرن أو تغرب الشمس. ومن ذلك ما أنشده الأشنانداني من قول عبد الله بن ثعلبة: فلا وأساف لا تلطون دونه .. ز تيوسا بقوسي أو تعضكم الحرب. وحكى الكسائي في قراءة أبي: ﴾ تقاتلونهم أو يسلموا﴾. تقديره: حتى يسلموا. وتارة تكون بمعنى (إلا) كقولك: لأقتلنك أو تسقيني، ولأقتلن الكافر أو يسلم. وأنشد سيبويه لزياد الأعجم:

стр. 3421

وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما. التقدير: إلا أن تستقيم. وأنشد أيضا لامرئ القيس: فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا. فإن قلت: كان يجزيه أن يقول: إذا يصلح في موضعها (إلا) ولا يحتاج إلى ذكر (حتى) لأن كل ما يقدر بحتى يصح أن يقدر بإلا. فلو قلت: لألزمنك إلا أن تقضيني حقي، وتقاتلونهم إلا أن يسلموا، أو غير ذلك من المثل- لصح المعنى، مع أن سيبويه والنحويين إنما يقدرونها ب (إلا) ويفسرونها بذلك، فيقولون: و (أو) بمعنى (إلا أن) فظهر أن الإتيان بحتى شطط من غير معنى زائد. وقد قال ذلك ابن الناظم في "التكملة" من أن كل ما يصح فيه تقدير (أو) ب (إلى أن) يصح أن يقدر ب (إلا أن). فالجواب: أن المعنى فيما قال ظاهر، لأن قول القائل: لألزمنك أو تقضيني حقي، ولأسيرن أو تغرب الشمس- ليس معناه أن السير أو اللزوم

стр. 3422

يقع عند عدم الغروب أو القضاء، وأما إذا وقع ذلك فلا يقع سير ولا لزوم، بل المعنى أن السير واللزوم واقع على كل حال إلى هذه الغاية، بخلاف ما إذا قلت: لأقتلنه أو يسلم، فإن المعنى فيه أن القتل يقع عند فقد الإسلام خاصة، لا أنه واقع إلى غاية الإسلام. فمعنى (حتى) في الأول ظاهر، وفي الثاني محال. نعم، قد يقول القائل: لألزمنك أو تقضيني، على معنى (إلا) كأنه يقول: إلا أن تقضيني، على ما تقدم في الوجه الثاني، وذلك صحيح وداخل تحت قوله: "أو إلا" وعليه فسر سيبويه والنحويون. وسبب ذلك أن معنى - إلا) لازم لمعنى (إلى) فإن قولك: لألزمنك إلى هذه الغاية، كمعنى قولك: لتصلن اللزوم إلا أن تقضي، وهذا ظاهر، فإذا لا بد من ذكره. فإن قلت: على كل حال لا يحتاج إلى ذكرها، إذ لا يوجد معنى (إلا) مفارقا لمعنى (إلى) فكان الاجتزاء بها أولى. فالجواب: أن الاقتصار على (إلا) لا يشعر بمعنى (إلى) فذكره محتاج إليه لأجل ذلك. وقوله " أن خفي" "أن" مبتدأ. و"خفي"/خبره و"بعد" متعلق ب "خفي" كأنه قال: تخفى (أن) أيضا بعد كذا وكذا. فإن قلت: ما الذي أحرز بقوله: "أن خفي" وكان قوله: "كذاك" مجزيا عنه، لأنه يعطي تشبيه حكم هذا المتأخر بحكم المتقدم، وذلك يكفي، فالظاهر لبادئ الرأي أنه حشو؟ فالجواب: أنه احتراز وليس بحشو، وذلك أن قوله: "كذاك" إشارة

стр. 3423

إلى متقدم. فإما أن تعتبر دلالة الكاف فتقول: إنه إشارة إلى غير القريب، وذلك لام (كي) إذا لم تكن ب (لا) والوجهان هنالك جائزان، فلو لم ينص على لزوم الإخفاء لأخذ له الوجهان، وهو فاسد. وإما ألا تعتبر دلالتها فتقول: إنه يشير إلى أقرب مذكور، فذلك غير ظاهر، لأن الكاف لا تقع في لإشارة إلى القريب، فلا يفهم أنه راجع في لزوم الإضمار إليه، فلا بد من ذكر ذلك رفعا لهذا الإيهام. وقوله: "خفي" يحتمل أن يكون فعلا ماضيا، ويحتمل أن يكون وصفا، لكن خفف الياء للقافية، وأصلها التشديد. وبعد حتى هكذا إضمار أن ... حتم كجد حتى تسد ذا حزن. وتلوحتى حالا أو مؤولا .. به ارفعن وانصب المستقبلا. وهذا موضع ثالث من المواضع التي يلزم فيها إضمار (أن) وذلك بعد (حتى) فلا يجوز أن تظهر معها (أن) أصلا، فلا تقول: سرت حتى أن تطلع الشمس، ولا جد حتى أن تسر ذا حزن. وما ذكر من أن النصب بعدها بإضمار (أن) هو مذهب سيبويه والبصريين. وذهب الكوفيون والجرمي من البصريين إلى أن النصب بحتى نفسها.

стр. 3424

زعم الكوفيون أنها ليست بحرف جر، وإنما هي ك () كي، وأن) فإذا دخلت على الأسماء فالجر بعدها بإضمار (إلى) وهو مذهب مردود، أصله الدعوي. وإنما الأقرب أن يدعى فيها أنها لفظ مشترك للنصب في الأفعال، والجر في الأسماء، كما يقول السيرافي في (لا) من حيث كان أصلها النفي، ثم تعمل في الاسم النصب والرفع، وفي الفعل الجزم نحو: لا تفعل، فهذا يمكن أن يقال. ولكن الأصح ما ذهب إليه الناظم، لأن الجر قد ثبت من عملها. ومواقعها المعلومة في الكلام ثلاثة: تقع حرف ابتداء، تأتي بعدها الجملة الاسمية والفعلية، وتقع حرف عطف وقد تقدم ذلك، وتقع حرف جر، كما تقدم أيضا. وها هنا لم يثبت لها نصب بأمر بين، فإذا رجعنا إلى المواضع الثلاثة أمكن فيه منها أن تكون جارة لأجل نصب الفعل بعدها، فلا بد من تقدير ما يصير به الفعل في تقدير الاسم المجرور وهو (أن) وصارت (حتى) في ذلك كلام الجحود و (كي) الجارة ونحو ذلك. وهذا غير خارج عن قياس النحو، بخلاف ما إذا ادعي أنها ناصبة مطلقا، والاسم بعدها مجرور ب (إلى) فإن هذا غير جار على قياس، ولا يساعده سماع. وقوله: "إضمار أن حتم" "إضمار أن" مبتدأ و"حتم" خبر، وهو بمعنى: لازم. و"بعد حتى" متعلق باسم فاعل حال، يعمل فيه قوله: "حتم" أي: إضمار (أن) لازم حالة كونها بعد (حتى) ويجوز تعلقه بـ

стр. 3425

"إضمار" وذلك شاذ، كقوله: - كان جزائي بالعصا أن أجلدا* ويريد أن إضمار (أن) لازم، لا يجوز إظهارها مع (حتى) كأنهم جعلوها عوضا من اللفظ ب (أن). وشبه سيبويه (أن) في هذه المواضع بالفعل في (أما) في قولهم: أما أنت منطلقا انطلقت معك. ومثال الناظم وهو: "جد حتى تسر ذا حزن" "حتى" فيه بمعنى (كي) كأنه قال: جدكي تسرذا حزن، و (حتى) إذا نصبت لها معنيان. أحدهما هذا، وهو أن يكون ما قبل (حتى) سببا فيما بعدها، ولم يقع، ومنه قولك أسلمت حتى أدخل الجنة، وكلمته حتى يأمرلي بشيء. والثاني: أن يكون ما بعدها غاية لما قبلها، وسواء أكان ما قبلها سببا فيما بعدها أم لا، إلا أنه إذا لم يكن سببا فإنه يتعين الغاية نحو: سرت حتى تطلع الشمس، إذ المعنى: سرت إلى أن تطلع، وإذا كان سببا فيما بعدها احتمل الغاية، ومعنى (كي) كقولك: سرت حتى أدخل المدينة، فقد تريد معنى: إلى أن أدخل، وقد تريد معنى: كي أدخل، لكن يتعين، الدخول في الأول دون الثاني. ومثال الناظم محتمل للوجه الأول أيضا، وهو معنى الغاية، إلا أن

стр. 3426

الآخر أظهر. ثم ذكر الموضع الذي يرفع فيه ما بعدها، والموضع الذي ينصب فيه، لأنها على ما تقدم ذات استعمالات فقال: "وتلوحتى حالا أو مؤولا. به ارفعن". "تلو" مفعول ب "ارفعن" و"حالا" حال منه. و"به" متعلق ب"مؤولا". ويعني أن "تلو" (حتى) وهو الفعل الذي بعدها يليها، لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون حالا حقيقة، أو مؤولا بالحال، وإما أن يكون مستقبلا. فإن كان حالا أو مؤولا به فهو مرفوع، لا يضمر بعد (حتى) شيء. وإن كان ذلك الفعل مستقبلا فهو منصوب على إضمار (أن) بعد (حتى) فتقول في المستقبل: لأسيرن حتى تطلع الشمس، وسر حتى تدخل المدينة، وكلمته حتى يأمر لي بشيء ومنه مثاله: جد حتى تسرذا حزن. فما بعد (حتى) هنا مستقبل، و (أن) إنما تدخل على المستقبل. وفي الحال تقول: سرت حتى أدخل المدينة الآن، ومرض حتى لا يرجونه، وضربته أمس حتى لا يستطيع اليوم أن يتحرك. ومنه قول حسان بن ثابت- ﵁: -

стр. 3427

يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل. فالفعل عنا مرفوع ولا بد، لأنه مراد به الحال، و (أن) مخلصة للاستقبال، / فلا يصح أن تدخل إلا على المستقبل. وأما المؤول بالحال فذلك المضارع الماضي معني، إذا كان مسببا عما قبل (حتى) فتقول: سرت حتى أدخلها، على معنى: سرت فأنا الآن أدخل، على معنى أنك تحكي حال الدخول، لا على الحقيقة، فإنه قد مضى. ومنه قوله تعالى: ﴾ وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه﴾. الآية، على قراءة الرفع وهي لنافع. هذا حاصل ما ذكر الناظم، إلا أنن هذا الكلام يحتمل بسطا به يتبين مقصوده، وما احتوى عليه هذا الاختصار. فالمضارع الواقع بعد (حتى) لا يخلو أن يقع بعد المفرد أو بعد الجملة. فإن وقع بعد المفرد فليس إلا النصب بإضمار (أن) لأن غير النصب لا يتصور. وذلك قوله: سيري حتى أدخل المدينة، لأن (حتى) هنا حرف خفض في التقدير، وما بعدها مخفوض بها، والخافض والمخفوض في موضع خبر "سيري" ولا يصح أن يكون حرف ابتداء، لأن الكلام بعدها يكون إذ ذاك مستأنفا، فيبقى المبتدأ بلا خبر، فلا بد أن يكون في موضع خفض، وذلك لا يكون إلا بعد تقدير (أن) فلا بد من النصب هنا. فإن وقع الفعل بعد الجملة: فلا يخلو أن تكون تلك الجملة تقتضي

стр. 3428

وقوع الفعل أولا تقتضي وقوعه. فإن كانت لا تقتضي وقوعه فلا بد من نصب ما بعد (حتى) نحو قولك: ما سرت حتى أدخلها، وهل سرت حتى تدخلها؟ لأن ما قبلها لا يقتضي وقوع الفعل، وما بعد (حتى) لا يكون في الرفع إلا مسببا عما قبلها، فلا يصح الرفع، لأن عدم السير غير سبب للدخول، فلا يصح إلا النصب، بمعنى ما سار إلى هذه الغاية. وقد أجاز الأخفش هنا الرفع قياسا منه قولك: ما تأتينا فتحدثنا، فإن ما قبل (الفاء) مثل ما قبل (حتى) في أنهما سبب فيما بعدهما، وأنت تجيز الوجهين مع (الفاء) فكذلك مع (حتى). قال النحويون: وهذا منه قياس في موضع السماع، لأن الرفع وضع فيه المضارع موضع الماضي، و (حتى) موضع (الفاء) فلا يقال منه إلا ما قالته العرب، لأنه خروج عن الأصل. ألا ترى أنهم قدروا: سرت حتى أدخلها بقولك: سرت فدخلت؟ وإن كانت الجملة تقتضي الوقوع فلا يخلو أن يكون سببا فيما بعد (حتى) أو غير سبب، فإن كان غير سبب فلا بد من النصب، نحو: سرت يؤذن المؤذن، وسرت حتى تطلع الشمس، فالسير ليس بسبب في أذان المؤذن، ولا في طلوع الشمس. وإذا لم يكن سببا فلا يرفع، لأن الرفع من شرطه أن يكون ما قبل (حتى) سببا فيما بعدها. وهذا القسم ليس كذلك، فإنما المعنى هنا معنى: إلى أن يؤذن المؤذن، وإلى أن تطلع الشمس، وهو ماض في المعنى، لكنه مؤول بالمستقبل، لأنه

стр. 3429

بالنسبة إلى السير مستقبل. وإن كانت الجملة سببا فيما بعدها فلا يخلو أن يكون ما بعدها مستقبلا في المعنى أو ماضيا أو حالا. فرن كان مستقبلا فلا بد من النصب، نحو قولك: أسلمت حتى أدخل الجنة، وكلمته حتى يأمر لي بشيء، ولأسيرن حتى تطلع الشمس، وحتى أدخل المدينة. وهذا ظاهر الدخول تحت نص الناظم. ومعناها ها هنا معنى (كي) في المثالين الأولين، وفي الآخرين معنى (إلى). ولا يجوز هنا رفع ما بعد (حتى) لأن الرفع لا يحصل ما يراد من الاستقبال، بخلاف ما إذا نصبت بإضمار (أن) التي تخلص للاستقبال. وإن كان ماضيا في المعنى جاز الرفع والنصب، فالرفع على حكاية الحال، كما تقدم، وقد نبه عليه. والنصب على معنى الاستقبال، لأن قولك: سرت حتى أدخل المدينة، والدخول ماض في معنى المستقبل، وذلك بالنسبة إلى حال السير. وإن كان حالا فالرفع خاصة لقوله: "حالا أو مؤولا به ارفعن". فالحاصل من هذا التقسيم: أن الرفع إنما يكون إذا كان ما بعد (حتى) حالا أو مؤولا بالحال، وهو ما نص عليه. وسائر الأقسام داخلة تحت قوله: "وانصب المستقبلا" إذ لا يصح فيها إلا أن تكون مستقبلة: وقد جعل في "التسهيل" علامة كون ما بعدها مستقبلا كونه غاية لما قبلها، أو متسببا عنه، فيصح تقدير (حتى) بمعنى (إلى أن) أو بمعنى

стр. 3430

(كي) وعلامة كونه حالا صحة جعل (الفاء) مكان (حتى). ولا بد من التسبيب في الرفع، ولذلك كان علامة ذلك (الفاء) المقتضية للتسبب، وذلك أن (حتى) أصلها أن تكون جارة، وكونها جارة يأتي بمعنيين: بمعنى (إلى) وبمعنى (لام السبب) وما عدا ذلك، من ابتداء الغاية والعطف، إنما هو اتساع فيهما، ولذلك يصحبها معنى الغاية في جميع الأقسام، فإذا اتسع فيها فلا يكون ذلك إلا في موضع لا تصلح أن تكون فيه جارة، ولا يمكن كونها جارة إذا دخلت على غير الاسم الصريح إلا مع تقدير (أن) وذلك لا يصح إلا مع الفعل المستقبل. وأما الحال والجملة الاسمية فلا يصلح معها (أن) فلا تدخل عليها الجارة فهنا تكون حرف ابتداء، فيرتفع الفعل بعدها؛ إذ لا سبيل إلى تقدير (أن) وما فيه الوجهان فعلى اللحظين المذكورين. وعلى الناظم بعد هذا سؤالان: أحدهما: أن كلامه يقتضي أن الفعل المضارع إذا كان حالا، كيفما وقع، لازم فيه، ولم يقيد ذلك بقيد. الفعل الحالي لا يرتفع إلا بشرط أن يكون ما قبله سببا له، وأن يكون موجبا، وأن يكون بعد جملة. فإذا اجتمعت الشروط الثلاثة صح الرفع، وإلا لم تجز المسألة. أما إن لم يكن ما بعد (حتى) مسببا عما قبلها نحو: سرت حتى تطلع الشمس، على معنى: سرت حتى الشمس الآن طالعة، فلا يجوز الرفع، لأن العرب لا ترفع هنا الفعل إلا إذا كان مسببا، ولا يجوز النصب أيضا لأنه فعل حال. وأما إن لم يكن ما قبلها موجبا فكذلك لا يجوز الرفع، لأن / عدم

стр. 3431

السير لا يكون سببا للدخول إذا قلت: ما سرت حتى أدخل المدينة، ولا بد في الر فع من السببية كما ذكر، ولا يجوز النصب لأن الفرض أن الفعل حال. وأما إذا وقع قبلها المفرد نحو: سيري حتى أدخل المدينة، فلا يجوز الرفع، لأن ما بعد (حتى) جملة مبتدأة، فيبقى المبتدأ بلا خبر كما تقدم، ولا النصب لأنه فعل حال، والناس قد شرطوا في الرفع في الحال هنا الشروط الثلاثة، فإن تخلف شرط لم تجز المسألة بحال. فأنت ترى قول الناظم: "وتلو حتى حالا أو مؤولا به ارفعن" يقتضي بإطلاقه أن يقال ذلك كله، وأن يقع فعل الحال في كل موضع، فيقال: سيري حتى أدخلها، وما سرت حتى أدخلها، وسرت حتى تطلع الشمس، وذلك كله غير جائز. ولا يقال: إن هذه المسائل تمتنع رأسا، ولم يتكلم هو إلا على ما يجوز، ] لأنا نقول: الجواز [والمنع من كلامه نستفيده لا من خارج، لأنه موضوع لبيان ما يجوز في الكلام وما يمتنع. والسؤال الثاني: أن المستقبل على وجهين كما ذكر في الحال، مستقبل حقيقة كقولك: كلمته حتى يأمر لي بشيء، ومؤول كقولك: سرت حتى أدخل المدينة، لأن معناه: فدخلت، لكنه يرجع إلى المستقبل بالتأويل كما ذكر، وحقيقته المضي، فيقتضي أن ما أدل بالمستقبل ليس بمنصوب، إذ لم يثبت النصب إلا للمستقبل حقيقة وإلا فإطلاقه القول فيه بعد تقييد الحال يشعر بأن التأويل فيه غير مقصود، وهذا غير صحيح، بل هو كالمستقبل في الحكم، إلا أنه يلحظ فيه لحظان، فينصب ويرفع باعتبارهما. والجواب عن الأول أن يقال أولا: إن الناظم إنما تكلم على الحال

стр. 3432

والمستقبل حيث يصلح وقوعه، وإليك النظر في ذلك، ولا نكر في هذا، فقد يترك المختصر مثل هذا اتكالا على ما يقع في تفسيره. وأيضا، أصل (حتى) أن تكون جارة كما تقدم، فلا يصلح مع تقدم المفرد غيرها، كما ذكر قبل، فلم يحتج إلى التنبيه عليه، ولا إلى اشتراط وقوع الجملة قبلها، لأنه مع (حتى) الابتدائية ليس بكلام، ومعلوم أن ما ليس بكلام غير معتبر عند النحويين، ولا جائز. وأما اشتراط كون الكلام موجبا في وقوع الفعل الحالي بعد (حتى) فلم يذكره، لأن الكلام غير الموجب لا يكون سببا فيما بعد (حتى) وإذا لم يكن سببا فالفعل غير واقع لعدم وقوع ما قبلها، ولا معنى لكون الفعل مستقبلا إلا كونه غير واقع، فلم يصلح الموضع لفعل الحال أصلا. وأيضا، فما المانع من أن يكون ذهب في ذلك مذهب أبي الحسن في جواز الرفع، فيكون الحال والمستقبل واردين على الموضع، والقياس على (ما تأتينا فتحدثنا) صحيح في نفسه. وأما اشتراط أن يكون ما قبلها/ سببا لما بعدها فقد يقال: إن ذلك غير لازم عنده، كمذهب الكوفيين القائلين بجواز قولك: سرت حتى تطلع الشمس، بالرفع حكى الفراء عن الكسائي: أن من العرب من يرفع بعدها وإن لم يكن الأول سببا للثاني وحكى: إنا لجلوس فما نشعر حتى يقع حجر بيننا، وأنشد:

стр. 3433

وقد خضن الهجير وعمن حتى ... ويفرج ذاك عنه المساء. وعلى هذا انبنى مذهب أبي الحسن في المسألة المتقدمة وإذا كان كذلك لم يكن ما أطلقه الناظم فاسدا. وهذا لجواب في غاية التكلف، والحق أنه لم يبن على بيان مواقع الفعل بعد (حتى) وهو إخلال. والجواب عن الثاني: يقال: أتى بالمستقبل على أعم من أن يكون حقيقة أو مؤولا، وكأنه قال: وانصب المستقبل حقيقة أو تأويلا، لأنه لما بين ذلك في الحال علم أن المستقبل يكون فيه ذلك. وأيضا: المستقبل المؤول راجع إلى الحقيقي، لأن استقبال الفعل إنما هو بالنسبة إلى المتكلم، يتصور وقوعه حالا في الإخبار لا بالنسبة إلى ما قبل (حتى) من الفعل؛ إذ هو بالنسبة إليه مستقبل ليس إلا، فلذلك أطلق لفظ الاستقبال، ولم يقيده كالحال. وبعد فاجواب نفي أو طلب ... محضين أن وستره حتم نصب. هذا موضع رابع من المواضع التي يلزم فيها إضمار (أن) وذلك بعد (الفاء) الموصوفة بما ذكره، وهو أن تشتمل على ثلاثة أوصاف: أحدها: أن تقع جوابا، ومعنى كونها جوابا أن يكون ما قبل (الفاء) من كلام منفي، أو فعل طلب، سببا فيما بعدها من الفعل، وشرطا فيه وذلك لأن الفاء في جميع أماكنها عاطفة. وقد يتناول العامل بالعطف الشيئين بإعراب واحد، وبلفظ واحد، على وجه

стр. 3434

واحد، وعلى وجهين مختلفين. فالوجه الواحد كقولك: زيد يقوم فيتكلم، وأنت تأتيني فتحدثني. والوجهان المختلفان كقولك: لو يترك زيد وعمرو لظلم أحدهما الآخر، ولو ترك زيد والأسد لأكله، فالترك وقع عليهما معا في اللفظ، وأحدهما ممنوع، والآخر ممنوع منه. يجري الحكم في (الفاء) فالعطف بها على وجهين: أحدهما ظاهر، وهو أن يكون الثاني جاريا على الأول في إعرابه وظاهر معناه وهذا قد تقدم في "باب العطف". والآخر متأول، وهو أن يكون ما قبل (الفاء) معلقا بما بعدها، شرطا فيه، وهو المتكلم فيه الآن، وذلك على أوجه مختلفة، أحوجت إلى التغيير وإضمار (أن) لتدل على تلك الوجوه. وذلك أنك إذا قلت في النفي: ما تأتيني فتحدثني، فالعرب تنصب (فتحدثني) لتدل به على معنيين لا يدل الكلام عليهما مع الرفع: أحدهما: أن يكون الإتيان منفيا نفيا مطلقا، والحديث ممتنع من أجل عدم/ الإتيان، ولو وجد الإتيان لوجد الحديث. والوجه الآخر: أنت يكون المعنى: ما تأتيني أبدا إلا لم تحدثني، أي منك إتيان كثير ولا حديث منك، فالمنفي هو الإتيان الذي يكون معه الحديث، لا الإتيان مطلقا. فهذان الوجهان منعا عطف (تحدثني) على (الإتيان) المنفي، لأنه إذا رفع فليس أحدهما شرطا في الآخر. ومن هنا يظهر معنى كلام الناظم، في كونه حكم على ما بعد

стр. 3435

(الفاء) بالنصب حتما إذا كان جوابا لما ذكر، أي مسببا عما قبلها، فذكر أن (أن) تنصب بعد (الفاء) في جواب النفي أو الطلب، ولم يذكر جواز الرفع، وإن كان النحويون قد أجازوه في المسألة، لأن الرفع لا يكون مع بقاء كونه جوابا فإذا قلت: ما تأتيني فتحدثني، ارتفع من وجهين: أحدهما: أن تترك الثاني مع الأول في النفي، كأنك قلت: ما تأتيني وما تحدثني. ولا سببية في هذا. والآخر: أن يكون موجبا، والعطف عطف الجمل، كأنك قلت: ما تأتيني، ثم أنت تحدثني الآن، ولا سببية في هذا أيضا) فلم يحتج إلى ذكر ذلك بحسب قصد ذكر النصب. ولما كان الرفع لا يستقيم فيه المعنى الذي أرادوا صرفوا الكلام عن ظاهر لفظه، لئلا يبطل ما قصدوه من المعنى، وتأولوه على معناه، فجعلوا الكلام الأول في تقدير مصدر، وإن لم يكن لفظه لفظ المصدر، وجعلوا الثاني مقدرا بمصدر غير ظاهر، فلذلك قدرت (أن) فعملت عملها. فالكلام في تقدير: ما يكون منك إتيان فحديث، ولا ينطق به لأنه لا يعطي من المعنى ما يعطيه الكلام الأول. ولم تظهر "أن" لأن ظهورها لفظا كالمصدر الذي ظهر، ولم يظهر المعطوف عليه، إذا الظاهر إنما هو الفعل، فكان من المشاكلة لزوم الإضمار، وعليه نبه بقوله: "وستره حتم" والضمير عائد على "أن" وهي جملة اعتراض بين المبتدأ الذي هو "أن" وخبره الذي هو "نصب" وقوله: "وبعد نفي" متعلق ب "نصب. وقد حصل أن مذهبه كون النصب بإضمار "أن" وهو مذهب سيبويه وجمهور البصريين.
следующие страницы →