Полный текст (5 477 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
وقال حسان بن ثابت، ﵁:
كنا ثمانية وكانوا جحفلا ... لجبًا فشلوا بالرماح
ومنه قولهم: (لامساس) تقول العرب: أنت لامساسِ" أي [لا] تمسني ولا أمسك.
وقرئ في غير السبع "قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس" قرأها أبو حيوة، فهو اسم للمس.
وكذلك همامِ، يقال لا همامِ، أي لا أهم بذلك همًا، قال الكميت:
عادلًا غيرهم من الناس طرًا ... بهم لا همامِ لي لا همامِ
стр. 3362
و (كفافِ) اسم للكف، يقال: دعني كفاف.
والثالث (فَعَالِ) في الصفات، وهو قسمان:
قسم لا يكون إلا في النداء، نحو: يا فساق، ويا خباث، وما أشبه ذلك، وقد تقدم في بابه.
وقسم يقع في النداء وغيره، مثل: جَعَارِ، للضبع، اسم للجاعرة، أنشد سيبويه للنابغة الجعدي:
فقلت لها عيثي جعارِ وجرري ... بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره
ويقال لها: قثامِ، لأنها تقثم، أي تقطع.
وقال الشاعر في (حلاقِ) اسم للحالقة، وهي المنية، أنشده سيبويه:
стр. 3363
لحقت حلاقِ بهم على أكسائهم ... ضرب الرقاب ولا يهم المغنم
وأنشد أيضا لمهلهل:
ما أرجي بالعيش بعد ندامي ... قد أراهم سقوا بكأس حلاقِ!
وتكثير المثل هنا يحصل به الاتساع في التسمية، لأنها أبواب مسموعة، وإنما القياس منها (فعال) في الأمر، وفي النداء، وقد ذكر الزمخشري منها كثيرا. ونقل ذلك ابن خروف، فانقله من ثمة إذا أردته.
فإذا كل ما سمي به من هذه الأشياء فإنه يمتنع صرفه عند بني تميم، ويبنى على الكسر عند أهل الحجاز.
وبقى على كلام الناظم سؤالان.
أحدهما: أنه قد تقرر عند أهل النحو أن (فعال) في جميع أقسامه معدول، ولذلك أتى به الناظم في (باب العدل) وإذا ثبت أنه معدول فهو أيضا معرفة، كان للأمر أو لغير ذلك.
وقد بين ذلك سيبويه، ونص عليه بقوله: وإذا كان جميع هذا نكرة، يعني ما سمي به من أقسام (فعال) انصرف كما ينصرف (عمر) في
стр. 3364
النكرة، لأن (فعال) لا يجيء معدولا عن نكرة.
فقوله: "إن هذا لا يجيء معدولًا عن نكرة" دليل على أن (فعال) في جميع أحوالها معرفة.
وثبت أيضا أنه كلها مؤنثة، استدل سيبويه على ذلك بأشياء كثيرة. وبسط المسألة الشلوبين في "كتاب الأسئلة والأجوبة" بما فيه مقنع، فحصل من جميع ذلك أن (فعال) قد اجتمع فيه العلتان، التعريف والعدل، وثالثة وهي التأنيث.
وكل علم مؤنث: فالحجازيون يبنونه على الكسر، وبنو تميم يعربونه ممنوع الصرف، كما ذكر الناظم، فيقتضي ذلك كله أن (فعال) إذا كان للأمر، نحو: (نزال) فيه للعرب وجهان من حيث ثبت أنه علم لمؤنث معدول.
وكذلك باقي الأقسام، نحو: حلاق، وحماد، ولكاع، وهذا غير صحيح، لأنهم متفقون على لزوم الكسر فيما سوى (رقاشِ) ونحوه من أسماء المؤنث.
فإذا سمي بـ (نزالِ، أو حمادِ، أو بدادِ) امرأة كان كـ (رقاشِ) فإن بقي على أصله فلا خلاف في لزوم البناء على الكسر.
وقد قال في "التهسيل": واتفقوا على كسر (فعالِ) أمرًا أو مصدرًا أو حالًا أو صفةً جارية مجرى الأعلام، أو ملازمة للنداء.
والسؤال الثاني: أنه أطلق القول في اللغتين معًا، وأن تميما تعربه مطلقا عند التسمية به، والحجازيون يبنونه مطلقا.
أما بالنسبة إلى الحجازيين فالإطلاق صحيح. وأما بالنسبة إلى بني تميم فغير صحيح، لأنهم يفرقون بين ما آخره راء وغيره، فما آخره راء يوافقون فيه الحجازيين، حرصًا على الإمالة، نحو: حضار، وسفارِ، ووبارِ، ويسارِ.
стр. 3365
وما آخره غير راء فهو الذي يعربونه غير منصرف. وأين هذا من كلام الناظم؟ فيقتضي أن نحو (سفارِ) معرب عند بني تميم مطلقا، وليس كذلك.
والجواب عن الأول أن قوله: "علمًا" يبين أنه لا يريد إلا ما سمي به مؤنث. وبيان ذلك: أن (فعال) تقرر في السؤال أنه في أصل وضعه معرفة معدول، وإذا كان كذلك فكان اجتزاؤه بأن يقول: "وابنِ على الكسر فعال مطلقًا" كافيًا، لأنه على تقدير: وفي كل نوع كذلك، فصارت فائدة قوله: "علمًا" ساقطة.
وكذلك قوله: "مؤنثًا" لأنه قد تقرر تأنيثه، ولما كان قد حافظ على ذكر قيد العلمية والتأنيث، دل ذلك على قصد إليهما، وتعريف بمعنى لا فيهما، وما ذاك إلا ما كان عند التسمية.
وأيضا، فلفظ العلم إنما الغالب في استعماله ما كان مسمًى به، وواقعًا على الأناسي، وما يألفون ذلك ثانٍ عن أصل الوضع، فليس معنى كونه علمًا مؤنثًا إلا كونه مسمًى به، وذلك يشمل ما سمت العرب به، نحو: حذامِ، ورقاشِ، وما سمينا نحن به من سائر الأقسام.
وهنا يظهر لقيد التأنيث فائدة هي مقصودة للناظم أيضا، وهي حاصلة من مفهوم تلك الصفة، أن هذه الأشياء إذا كانت علما لمذكر فلا يكون حكمها البناء؛ بل غيره.
وقد تقدم اشتمال القاعدة الأولى من العدل عليه، فهو إذًا مما يمتنع صرفه مطلقًا في لغة الحجازيين ولغة التميميين معًا، وهذا هو الأشهر فيه.
стр. 3366
وقد حكي الصرف وهو ضعيف، فإذًا لا إشكال في كلام الناظم على هذا.
والجواب عن الثاني: أن بعضهم حكى عن بعض بني تميم طرد القاعدة في (فعال) مطلقا، فيما آخره راء، وفي غير ذلك. وأجاز ذلك سيبويه، قال: وقد يجوز أن ترفع وتنصف ما كان في آخره الراء، وأنشد قول الأعشي:
ومر دهرٌ على وبارِ ... فهلكت جهرة وبارُ
لكن الأشهر عندهم فيما آخره راء موافقة الحجازيين، فكأنه لما رآهم مختلفين فيه أطلق فيهم القول بطرد القياس، وهو صحيح في الجملة، إلا أن الأولى بيان ذلك لو اتفق.
وبقي الكلام في وجه بناء ما بني من ذلك.
أما (فعال) في الأمر فقد تقدم له في "المعرب والمبني" وجه ذلك، وهو شبه الحرف في النيابة عن الفعل، من غير أن يكون معمولا لعامل، فأشبه "إن" وأخواتها، وذلك في قوله: "وكنيابة عن الفعل بلا تأثر".
وتقدم مذهب من ذهب إلى أن البناء فيها لتضمن معنى لام الأمر، وحمل اسم الفاعل الخبري على الأمري. وما ذكره أولى وأجرى في القياس.
وأما ما عدا ذلك من الأقسام فإنما بني بالحمل على الأمر، لشبهه به في التأنيث والعدل والتعريف، لأن البنية مؤنثة فيها كلها، ومعدولة عن حدها فيها، ومعرفة كذلك. فلما شابهتها هذا الشبه عوملت معاملتها في البناء. والدليل على أن البناء للشبه بـ (فعال) التي للأمر أنه حيث كثر الشبه لم يكن فيه إلا البناء،
стр. 3367
لغةً واحدة، وحيث نقص كان فيه اللغتان، وذلك إذا سمي بواحدة منها.
وذلك أن غير العلم منها فيه الدلالة على المصدر كالتي للأمر، فـ (فعال) في المصدر شديدة الشبه بـ (نزال) و (فعال) في الصفة شديدة الشبه بـ (فعال) في النداء، وقد وجب البناء لهما. و (فعال) في النداء شديدة المشبه بالأمر، فإذا وقعت التسمية بعد الشبه فأعرب غير منصرف.
وإنما وافق التميميون الحجازيين فيما آخره راء حرصًا على الإمالة، لأن إجناح الألف، أي إمالتها، أخف عليهم، ليكون العمل من وجه واحد، فأرادوا الخفة، وعلموا أنهم إن كسروا الراء وصلوا إلى الإمالة لأجل الكسر، فإن رفعوا أو نصبوا لم يصلوا إليها، فألزموه الكسر لذلك، وهو تعليل الخليل. وقد تم كلامه في المعدول.
ثم ذكر حكما آخر يعم جميع أنواع هذا القسم، فقال: "واصرفن ما نكرا" إلى آخره،
يعني أن كل ما أثر فيه التعريف، فكان فيه منعا معتبرا ومؤثرا، بعد أن كان الاسم مصروفا قبل التعريف، فإنه إذا نكر بعد تعريفه انصرف، وعاد إلى ما كان عليه قبل التعريف.
فتقول في المركب: رأيت معديكرب ومعديكربًا آخر.
стр. 3368
وفي ذي الألف والنون: مررت بعثمان العاقل وبعثمانٍ آخر، ومررت بطلحة وطلحةٍ آخر، ورأيت زينب وزينبًا أخرى، ومررت بإسماعيل وإسماعيلٍ آخر، وكذا إلى آخر ما ذكر.
فإن قلت: إن ما تقدم، مما يمتنع فيه الصرف مطلقا، تؤثر فيه العلمية [مع أنه إذا نكر لا ينصرف، كما إذا سميت بـ (ثلاث ورباع وأخر) ونحو ذلك، فإنه إذا سمي به أثرت العلمية لمنافاة الوصف لها، وكذل كل ما منع من الوصف، كبناء (أفعل) وزيادتي (فعلان)، فلم يبق مع العدل أو مع الوزن أو مع زيادتي (فعلان) إلا العلمية، فأثرت، ولولاهن، لانصرف مع فرض زوال الوصفية، وإذا كان كذلك اقتضى أن ذلك كله ينصرف في النكرة، وذلك غير صحيح لما تقدم ذكره من رجوعه لشبه الأصل الذي هو كونه وصفا.
فالجواب أن العلمية لما لم يظهر لها أثر [في الظاهر؛ إذ كان الاسم قبل التسمية ممنوع الصرف، ثم بعد التسمية كذلك عدها فيه كأنها لم تؤثر أصلا، وهو قد قال: "من كل ما التعريف فيه أثرا"] فخرج بهذا الاعتبار ما تقدم من تأثير العلمية.
أو يكون المعنى في قوله: "في كل ما التعريف فيه أثر" أي: ما كان التعريف مختصًا بالتأثير فيه، وعلى هذا التقدير لا إشكال فيه.
ثم لما كان مذهبه في (جوارٍ) ونحوه أنه في الرفع والخفض منون بين أن هذا مطرد فيما كان مثله مما يزول بإعلاله سبب المنع فقال:
стр. 3369
وما يكون منه منقوصا ففي ... إعرابه نهج جوارٍ يقتفي
الضمير في "منه" عائد على ما قدم مما أثرت فيه العلمية، يعني أن ما يكون من الأسماء التي أثرت فيها العلمية منقوصا، وهو ما آخره ياء قبلها كسرة، فإنك تحكم فيه بحكم (جوارٍ) المتقدم، وتسلك في ذلك سبيله، فتجعله في حالة الرفع وحالة الخفض منصرفا، والتنوين فيه تنوين عوضٍ لا تنوين صرف، كما تقدم في مسألة (جوارٍ) قبل هذا.
فإذا سميت امرأة بقاضٍ، أو شجٍ شبحٍ، أو عمٍ، زو مرامٍ، أو نحو ذلك صرفته الرفع والجر، أي ألحقته التنوين عوضًا من المحذوف، سواء أقلت: إنه عوض من ذهاب الحركة أم عوض من الياء على ما مضى في التعليلين، فهما يجريان في هذا الموضع فتقول: هذا قاضٍ، ومررت بقاضٍ، ورأيت قاضي يا هذا، وكذلك هذه شجٍ، وهذه عمٍ، ورأيت شجي وعمي يا هذا، وكذلك باقي الباب.
وتقول في (جوارٍ) اسم رجل أو امرأة: هذا جوارٍ، ومررت بجوارٍ، ورأيت جواري قبل.
وتقول إذا سميت بـ (يغزو، ويدعو): هذا يغزٍ، وهذا يدعٍ، ومررت بيغزٍ ويدعٍ، قلبت أولا الواو ياء، لأن الواو المضموم ما قبلها لا تقع في أواخر الأسماء المعربة، وإن اقتضى ذلك قياس رفض، فصار كـ (يقضي، ويرمي) مسمًى به. وأنت تقول فيه: هذا يقضٍ، ومررت بيقضٍ، وهذا يرمٍ، ومررت بيرمٍ، فكذلك ما آخره واو إذا صار إلى الياء.
стр. 3370
وعلى الجملة، فكل ما سمي به مما آخره ياء قبلها كسرة، وكان التعريف قد منع صرفه، فإنه في الرفع والجر مثل (جوارٍ) والعلة الموجبة لذلك في (جوارٍ) هي الموجبة في هذا كله. كما ذكر، والتنوين تنوين عوض، وليس بتنوين صرف، لأنه لو كان تنوين صرف لأدى إلى أن يكون التعريف والتأنيث في نحو (قاضٍ) اسم امرأة غير موجب لمنع الصرف، وهذا باطل باتفاق.
وقد تقدم بيان هذا، وبيان أن مذهب الناظم إنما هو أن التنوين عوض لا تنوين صرف، لإحالة هذا الفصل على ذلك في الحكم، وأنه منتهج نهجه، وجار على سبيله.
وأما النصب: فحكمه حكم الصحيح، لأنه لما كانت الحركة ظاهرة فيه، غير مستثقلة على الياء، صارت الياء في قولك: رأيت جواري قبل، ورأيت يرمي، ويقضي، وقاضي، كدال (مساجدَ ويزيدَ) ونحو ذلك، وهو مفهوم قول الناظم في تقييده الإتيان بالتنوين بالرفع والجر.
وما تقرر هنا هو مذهب الخليل.
وأما يونس: فوافق في الجمع وخالف في المفرد، وزعم أن نحو (جوارٍ) إذا سمي به، فإنه يجري مجرى الصحيح، يعني في عدم حذف الآخر، فتقول: هذا جواري يا فتى، بإثبات الياء، ورأيت جواري، ومررت بجواري، فتظهر فتحة الخفض، كما تظهرها في الصحيح، وكذلك ما سمي به من نحو: قاضٍ، وغازٍ، ويرمي، وغير ذلك مما تقدم. فتقول: هذا قاضي، ورأيت قاضي، ومررت بقاضي.
стр. 3371
وكذلك هذا يرمي، ورأيت يرمي، ومررت بيرمي، إذا كان اسمًا لمؤنث.
وهذا مذهب عيسى والكسائي. حكى ذلك السيرافي. ولم يرتضه الناظم، فلم يبن عليه حكما.
وقد رد الخليل على يونس قوله بأنه لو كان من شأنهم أن يلزموا الحركة حالة الجو، فيجرونه مجرى الصحيح- لكان من حقهم أن يلزموا الحركة في حالة الرفع أيضا، فكما يلزمهم أن يقولوا: مررت بقاضي، اسم امرأة، فكذلك يلزمهم أن يقولوا: هذا قاضي؛ إذ كانوا يجرون المعتل هنا مجرى الصحيح، وكذلك حكم التسمية بالجمع، لا فرق بينهما، وذلك لأن العرب تفتح الياء في الجر عند الضرورة، وتكسرها أيضا عند الضرورة.
فأما الفتح: فنحو قول الهذلي، أنشده سيبويه:
стр. 3372
أبيت على معاري واضحات ... بهن ملوب كدم العباط
وأنشد أيضا للفرزدق:
فلو كان عبد الله مولًى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا
وأنشد أيضا، وهو مما استشهد به يونس:
قد عجبت مني ومن يعيليا ... لما رأتني خلقًا مقلوليا
وأما الكسر: فنحو ما أنشده أيضا لابن قيس الرقيات:
стр. 3373
لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلا لهن مطلب
وأنشد أيضا لجرير في نحوه:
فيومًا يوافين الهوى غير ماضي ... ويومًا ترى منهن غولًا تغول
فكما أن العرب لا يفتحون إلا إذا اضطروا، ولا يظهرون الكسر أيضا إلا إذا اضطروا، ويونس يفتح في الكلام، فكذلك حقه أن يكسر في الكلام، ويضم في الرفع أيضا، وهذا لا يقوله عربي بالقياس أصلًا، ويزيد الجمع زيادةً أخرى إذا سمي به، لو حكم له في الجر بحكم الصحيح لكان لازما لهم ذلك فيما قبل التسمية، فيقولون: مررت بجواري قبل، لأن ترك التنوين في النكرة والمعرفة على حد واحد، وهذا لا تقوله العرب في السعة أصلًا.
وما أنشده يونس شاهدًا من قوله:
* قد عجبن مني ومن يعيليا *
стр. 3374
فمن باب ما تقدم.
وقوله: "نهج جوارٍ يقتفي".
النهج: الطريق الواضح، وكذلك المنهج والمنهاج. وقفوت أثره قفْوًا وقفُوًا، واقتفيته، وتقفيته، إذا اتبعته، أي تتبع في إعرابه طريق (جوارٍ) المتقدم.
ولاضطرارٍ أو تناسب صرف ... ذو المنع والمصروف قد لا ينصرف
هذه تكملة تكر على الباب، ويعني أن ما شأنه أن لا ينصرف لكون المانع موجودا قد يوجد منصرفًا مع وجود ذلك المانع، وإنما يكون ذلك لسببٍ أهمل لأجله سبب المنع، والسبب الموجب لذلك أمران على ما ذكره:
أحدهما: الاضطرار، وهو أن يكون الوزن لا يستقيم للشاعر إلا بصرف ما لا ينصرف، فهذا سبب موجب، رد به الاسم إلى أصله، لأن أصله الانصراف، وهو في الشعر كثير جدا، وذلك كقول امرئ القيس:
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت لك الويلات إنك مرجلي
وقال النابغة الذبياني:
стр. 3375
فلتأتينك قصائد وليركبن ... جيش إليك قوادم الأكوار
وقال الآخر:
فأتاها أحيمر كأخي السهم ... بعضبٍ فقال كوني عقيرا
وأنشد سيبويه للعجاج:
* قواطنًا مكة من ورق الحمي *
وقال الآخر:
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طيرٍ تهتدي بعصائب
стр. 3376
وقال الآخر:
ما إن رأيت ولا أرى في مدتي ... كجواريٍ يلعبن في الصحراء
وقال النابغة الذبياني:
علي لعمروٍ نعمةٌ بعد نعمةٍ ... لوالده ليست بذات عقارب
وقال أيضا:
وثقت له بالنصر إذ قيل قد غرضت ... كتائب من غسان غير أشائب
إطلاق الناظم في صرف ما لا ينصرف يدل على موافقة الجماعة في موضعين: أحدهما: عدم إخراج (أفعل التفضيل) من هذه الكلمة، خلافًا للكسائي وتلميذه الفراء في قولهما: إن (أفعل منك) لا يصرف، واستدلوا بأن (من) هي المانعة له من ذلك.
стр. 3377
قال السيرافي: وهذا فاسد، بدلالة قولهم: خير منك، وشر منك، وإذا كان كذلك دل على أن مانعه ليس وجود (من) بل الصفة والوزن، كأحمر وأصفر.
والصرف هنا لا يكون بالتنوين وحده إلا في المرفوع والمنصوب.
وأما المجرور: فإنما يكون بالجر بالكسرة والتنوين معا، سواء أقلنا: إن المانع منع الجر والتنوين معًا أم قلنا: إنه مع التنوين فقط، وزال الخفض بالكسرة لعلة أخرى على حسب اختلافهم في ذلك.
أما على قول من قال: إنما امتنع الجر لئلا يلتبس بالمضاف إلى الياء المحذوفة فظاهر.
وأما على القول الآخر: فكذلك، لأن التنوين لا يتبع في الجر إلا الكسرة، فلا يقال مثلا:
* ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة *
ولا ما أشبه ذلك.
والموضع الثاني: موافقتهم في صرف ما آخره ألف مما لا ينصرف كغيره، خلافًا لابن عصفور، حيث زعم أنه لا يجوز صرفه، لأنه لا فائدة فيه، لأنه إذا نون حذفت الألف لالتقاء الساكنين، فسقط منه مثل ما رد إليه، فلم يقع فيه زيادة، ولا يمكن أيضا تحريك الألف فيكون كقوله:
стр. 3378
* عصائب طير تهتدي بعصائب *
فلا يمكن الزايدة ولا البدل، ولأجلهما صرف ما لا ينصرف في الضرورة.
قال ابن الضائع: مثل هذا لا ينبغي أن ينبه عليه لو كان صحيحا، فقد يقول القائل: يمكن أن يكون له فائدة، وذلك أنه قد يكون بعد تلك الألف [ساكن فيجب حذف الألف، فإذا نونا الاسم حركنا التنوين لالتقاء الساكنين، فزدنا حرفا متحركا، وكذلك يمكن أن يكون بعد الألف] همزة، فإذا نونا نقلنا حركة الهمزة إلى التنوين، فسقط حرف، وعلى هذا يكون في صرف ما لا ينصرف زيادة تؤول إلى نقص. انتهى ما نصه ابن الضائع.
وهذا التقرير قد يضاده ما تقدم في (باب النداء) في تنوين المنادى ولكن قد يقال: إنه لم يقصد فيه الكلام على ما آخره ألف؛ بل يكون ما تقدم مشعرا بارتضائه مذهب ابن عصفور، لأن كلامه هنالك مقيد، وكلامه هنا مطلق، والمقيد قاضٍ على المطلق عند المحققين.
ومعنى ذلك أنه قد تقدم وجه منعه لتنوين المنادى المبني إذا لم يظهر فيه الضم، وأن ذلك لا فائدة فيه.
وهذه المسألة بعينها جارية في غير المنصرف إذا أريد تنوينه، وهو عين احتج به ابن عصفور، فكأن الناظم رآه دليلًا واضحا فقال بمقتضاه.
стр. 3379
وما ألزمه ابن الضائع لا يلزم، فإن الغالب في معهود الضرورات أن لا زيادة في لحاق التنوين ما آخره ألف ولا نقصان، وما صوره أمور اتفاقية نادرة لا تلتفت العرب إلى مثلها، فلا ينبغي أن يعول عليها. وإذا أمكن هذا لم يكن بين الموضعين في كلام الناظم تعارض.
والأمر الثاني الموجب لصرف ما لا ينصرف: التناسب، وهو أن ينونن لموازنته لمنون ليس فيه موجب للمنع، وهذا لا يقع إلا في الكلام المسجع، لأن الكلام المسجع يجري في الحكم مجرى الشعر المقفى.
ألا ترى أنه قد جاء حرف الإطلاق في السجع، قال الله تعالى: ﴿وتظنون بالله الظنونا﴾. فأتى بالألف للإطلاق، كما قال الشاعر:
* ظننت بآل فاطمة الظنونا *
وكذلك قول الله تعالى: ﴿يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا﴾.
وبعد ذلك ﴿فأضلونا السبيلا﴾. فإنما هذا لمناسبة ما قبل ذلك وما بعده، من الوقف على الألف المبدلة من التنوين، فكذلك يصرف ما لا ينصرف لمناسبة المنصرف.
ومنه قوله تعالى: ﴿إنا أعتدنا للكافرين سلاسلًا وأغلالًا وسعيرًا﴾ وكذلك قوله: ﴿كانت قواريرًا. قواريرًا من فضةٍ قدرها تقديرًا﴾.
стр. 3380
قرأ ذلك كذلك نافع وأبو بكر وهشام والكسائي.
ووجه ذلك ظاهر، فـ (سلاسلًا) نون لمناسبة مجاوره، وهو (وأغلالًا وسعيرًا) و (قواريرًا) الأول: لمناسبة الفواصل، والثاني: لمناسبة الأول، وهذا ظاهر.
وقول الناظم: "أو تناسبٍ" يشعر أن التناسب هو العلة في صرف ما لا ينصرف.
وكذلك: "ولاضطرارٍ" مشعر بأنه العلة في صرفه، ويستوي في ذلك النثر والنظم.
وقد حكى ابن جني أن المتنبي أنشده قوله:
وقد صارت العينان قرحى من البكا ... وصار بهارًا في العيون الشقائق
قال: فقلت له: هلا قلت: "قرحًا من البكا" بصرف "قرحًا" لتناسب قوله في المصراع الثاني: "وصار بهارًا" قال: فاستحسن المتنبي ذلك.
وهذا النوع من الصرف جائز، وهو رأي الجمهور.
وقد زعم بعض النحويين أن صرف ما لا ينصرف مطلقًا لغة، وحكى الكسائي أن بعضهم يصرف كل ما لا ينصرف إلا (أفعل منك) وقال الأخفش:
стр. 3381
سمعنا من العرب من يصرف هذا، ويصرف جميع ما لا ينصرف. وقال: هذا لغة الشعراء، لأنهم اضطروا إليه في الشعر فصرفوه، فجرت ألسنتهم على ذلك، واحتملوا ذلك في الشعر لأنه يحتمل الزيادة، كما يحتمل النقصان.
وهو الذي حكوا، من أنها لغة، لم يثبت، ولا عرف في كلام العرب أن مثل هذا يكون في الكلام إلا للتناسب.
وأما الشعر: فمحل الضرورة، فلا تثبت به لغة.
ثم قال: "والمصروف قد لا ينصرف" يعني أن الاسم المنصرف الباقي على أصله قد تمنع العرب صرفه، وإن لم توجد فيه علتا المنع، لكن ذلك قليل، دل على ذلك بـ "قد" في قوله: "قد لا ينصرف"
وأكثر ما جاء هذا النوع في الأعلام، ومنه قول العباس بن مرداس السلمي:
فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع
وقال الآخر:
وممن ولدوا عامر ذو الطول وذو العرض
стр. 3382
ولا يريد القبيلة، لأنه قال: "ذو الطول وذو العرض" فوصفه بـ "ذو" التي للمذكر. وقال الاخر:
ومصعب حين جد الأمر أكثرها وأطيبها
فمرداس، وعامرٌ، ومصعبٌ: لا مانع فيها من الصرف إلا العلمية، وهي لا تمنع وحدها.
وقال دوسر بن دهبل القريعي:
وقائه ما بال دوسر بعدنا ... صحا قلبه عن آل ليلى وعند هندِ
وقال حسان بن ثابت- ﵁:
نصروا نبيهم وشدوا أزره ... بحنين يوم تواكل الأبطال
وقال الآخر، وهو عند ابن الأنباري منسوب إلى الفرزدق، ونسبه الجوهري إلى ابن أحمر:
стр. 3383
إذا قال غاوٍ من تنوخ قصيدة ... بها جرب عدت على بزوبرا
وزوبر الشيء: كماله، يقال: أخذت الشيء بزوبره، أي أخذته كله، ولم أدع منه شيئا. وقال الآخر:
قالت أمامه ما لثابت شاخصًا ... عاري الأشاجع ناحلًا كالمنصل
إلى أبيات غير هذه، ذكرها ابن الأنباري في "الإنصاف" وأكثرها أعلام، وكأنهم راعوا العلمية في منع الصرف وحدها للضرورة، كما أهملوها أيضًا للضرورة.
والناظم لم يلتزم في المسألة مذهبا معينًا، وإنما أخبر بما جاء في السماع خاصة؛ إذ ما جاء من ذلك ظاهرٌ فيما قال من منع صرف المنصرف، ويصعب تأويل جميع ما جاء منه.
والمسألة مختلف فيها على قولين:
стр. 3384
أحدهما: جواز منع صرف المنصرف للضرورة، وهو مذهب الكوفيين، ورأى الأخفش وابن برهان من البصريين، ونقل عن الفارسي، وارتضاه ابن الأنباري.
وذهب جمهور البصريين إلى المنع، وهو مذهب الفارسي في "التذكرة".
فأما الكوفيون فحجتهم القياس والسماع. فأما القياس: فإنه لما جاز صرف ما لا ينصرف اتفاقًا، وهو خلاف القياس، جاز أيضا العكس؛ إذ لا فرق بينهما في هذا.
وأما السماع فما تقدم.
وأما البصريون فحجتهم أن صرف ما لا ينصرف إنما جاز في الضرورة، لأنه من أصل الاسم، والاسم غير المنصرف مستحق لأحكام الأسماء، من الإخبار عنه ونحو ذلك من أحكام الأسماء المختصة بها، فإذا اضطروا ردوه إلى أصله، وإن لم ينطقوا به في حال السعة، كما لم ينطقوا بنحو (ضننوا) في حال السعة، بخلاف منع المنصرف لأنه ليس من أصل الاسم ألا ينصرف، فمن أجاز ذلك كان مخطئًا مجيزًا لما لا دلالة عليه.
стр. 3385
وأما السماع فلم يبلغ في الكثرة مبلغًا يقاس عليه بسببها، وأكثر ما جاء في الأعلام، حتى إن "السهيلي" ذهب إلى جواز ذلك في الأعلام دون غيرها، وهو مذهب ثالث في المسألة، والكوفيون إنما أجازوا ذلك في كل شيء، فهم محتاجون إلى السماع والكثرة فيه، وذلك غير موجود.
وقد أورد الفارسي في "التذكرة" على أصل مذهب البصريين سؤالا لم يجب عنه، وهو أنه قال: أفيجوز في الضرورة ألا أعرب الفعل المضارع، لأن الأصل كان فيه ألا يعرب، كما كان الأصل في الاسم أن يصرف، فإذا لم أعربه رددته إلى الأصل في الضرورة، كما رددت الاسم إلى الصرف في الضرورة. واستشهد على ذلك بما أنشده من قوله:
* فاليوم أشرب *
وقول جرير:
стр. 3386
* ولا تعرفكم العرب *
ونحو ذلك.
قيل: أما الأبيات فليس بدليل قاطع، لأنه يجوز أن يكون أجراه في الوصل مجراه في الوقف، مثل (سبسبا) وبقي النظر في: هل يجوز ألا يعرب.
هذا ما قال، ولم يجب عنه، وكأنه إشكال على مذهب البصريين، لكن الجواب عنه يظهر بأدنى نظر.
ولما رأى الناظم المسألة نظرية لم يلتزم فيها مذهبا؛ بل أخبر بالسماع فقط وقبله، وسلمه تنكيتًا على من تهجم من النحويين البصريين على رد روايات رواها الكوفيون، وتكذيب ناقليها فيها؛ إذ ليس هذا شأن العلماء، كقولهم: الرواية في بيت العباس: "يفوقان شيخي أو شنجي" والراد له هو المبرد.
стр. 3387
قال المؤلف في "الشرح" وللمبرد إقدام في رد ما لم يرو، كقوله في قول العباس بن مرداس، ثم أنشد البيت: الرواية:
* يفوقان شيخي *
مع أن البيت بذكر مرداس ثابت بنقل العدل عن العدل في "صحيح البخاري"، وذكر "شيخي" لا يعرف له سند صحيح، ولا سبب يدينه من التسوية، فكيف من الترجيح؟
ذكره المؤلف حيث نقل رد المبرد رواية سيبويه:
* وأضحت منك شاسعة أماما *
وما قاله هو الحق، ومن علم حجة على من لم يعلم، ورواية لا تقدح في رواية أخرى، لأن الجميع عن العرب؛ إذ لا يسوغ نسبة الناقل، إذا كان عدلًا، إلى الكذب أو الوهم إلا ببرهان واضح، وإلا فالظاهر الصدق.
وكذلك قالوا في بيت دوسر: الرواية:
* وقائلة ما للقريعي *
وهذا رد غير مسموع، اللهم إلا أن يقدح في الشاهد من جهة الدلالة باحتمال غير ما قال الخصم، فهناك يسلم إن كان ظاهرا أو غير مرجوح بالنسبة إلى الدعوى.
стр. 3388
إعراب الفعل
ارْفَعْ مُضَارِعًا إذَا يُجَرَّدُ ... مَنْ جَازمٍ ونَاصِبٍ كَتَسْعَدُ
قد تقدَّم في أول الأُرجوزة أن الفعل المضارع معرب إن عَرِيَ من نون توكيد مُبَاشِر، ومن نون جماعة المؤنَّث، ومَرَّ بيانهُ هنالك.
وتقدَّم أيضا أن إعرابه: رفعٌ، ونصبٌ، وجَزْمٌ، كما أن إعراب الاسم رفعٌ ونصبٌ، وجَرٌّ، ومَرَّ إعراب الاسم وما يتعلق به.
فأخَذ هنا في الكلام على إعراب الفعل، وابتدأَ بالرَّفْع لأنه الأصل، ويعني أن الفعل المضارع إذا تجَّرَد من الناصب والجازم فأنه يرفع حينئذ، فتقول: أنتَ تَسْعَدُ، وزيدٌ يَسْعَدُ، ويَخرُجُ أبو عبدالله، وما أشبه ذلك.
وأتى بالتجَّريد عن الناصب والجازم على مَساق الشَّرْطية، لأنه قال: ارفعْه إذا تجدَّد، فيَحتمل أن يكون قد جَعل التعرِّيَ هو نفسَ الرافع للفعل، فيكون مذهبه هنا مذهبَه في «التسهيل» لأنه جعل التعرِّيَ هو الرافع، فقال: يُرفع المضارع لتعرِّيه من الناصب والجازم، لا لوقوعه موقعَ الاسم خلافًا للبصريين.
ويَحتمل أن يكون قد جَعل التعرِّيَ شرطًا في الرفع لا عاملًا، كأنه قال: ارفعْه بشرط التعرِّي، فيكون الرافع مسكوتا عنه في كلامه، وإنما ذكَر الشرطَ في ارفع ولم يَذكر السبب فيه، لأن الشرط أكيدُ الذكِّر، وليس
стр. 3389
السبب عنده بأكيد الذِّكر، وأيضا فالشرط مُتَّفَق على اعتباره.
وقد قيل: إنه الرافع، والسبب مختلَف فيه، وهو بعد في مَحل الاجتهاد، فسَكَت عن تعينه إبقاءً للناظر فيه.
وقد اختُلف في الرافع هنا على ثلاثة أقوال:
أحدهما: ما ذهب إليه في «التسهيل» من أنه التعرِّي من الناصب والجازم، وهو مذهب الفَرَّاء وأصحابه.
والثاني: أنه ارتفع لوقوعه موقعَ الاسم، وهو مذهب سيبويه والجمهورِ من البصريين.
والثالث: أنه ارتفع بالزوائد الأربع التي في أوله، وهو أضعفُها وأشدُّها مخالفةً للقياس والسماع.
والذى نَكَّت عليه، إن كان أراد أن التعرِّيَ هو الرافع، هو مذهب البصريين.
ووجه التَّنْكيت أن الرافع لو كان الوقوعَ موقعَ الاسم لَمَا ارتفع بعد (لَوْ) ولا بعد حرف التحضيض، لأنها مختصة بالأفعال، فليس المضارع بعدها في موضع اسم، فالرافعُ، على قولهم، في هذا معدوم، ولا يقال: إن المراد بوقوعه موقعَ الاسم وجودُ ذلك فيه على الجملة، وأنت تعلم أن الاسم قد يقع بعد (لَوْ) وحرف التحضيض نحو: «لَوْ ذَاتُ سِوَارٍ لَطَمَتْنِي».
стр. 3390
وقوله:
*فَهَلاَّ نَفْسُ لَيْلَى شَفِيعُهَا*
فالوقوع موضعَ الاسم حاصل - لأنا نقول: لا يخلو مرادُكم بالوقوع موقعَ الاسم من أن يكون / بمعنى أن الموضع للاسم في الأصل أو في الاستعمال، أو ما هو أعمُّ من هذا.
فالأول: مُنْتَقِض بالرفع بعد حروف التخصيص لأنه ليس للاسم في الأصل.
والثاني منتقض بالرفع بعد (كاد) فإنه ليس للاسم في الاستعمال.
والثالث: منتقض بالجزم بعد (إنْ) الشرطية، فإنه موضعٌ صالح للاسم في الجُمْلة، نحو: إنْ زيدٌ قامَ أكرمتُه. وإذا بَطَل على كل تقدير صَحَّ أن الرافع له ما تقدَّم.
وهذه الأدلَّةُ من ابن مالك غيرُ واردة على مَقْصدِ سيبويه في الوقوع موقعَ الاسم، فانظره لابن خروف في «شَرْح الكتاب» فليس بنا حاجة إلى الإطالة بذكره. والمسألة على الجملة لا يَنْبني عليها حكم، فالأمر فيها قريب. ثم أخذ في ذكر النواصب فقال:
وبَلَنِ انْصِبْهُ وُكَىْ كَذَا بِأَنْ ... لا بَعْدَ عِلْمٍ والَّتِى مِنْ بَعْدِ ظَنْ
стр. 3391
فَانْصِبْ بِهَا والرَّفعَ صَحِّحْ واعْتَقِدْ ... تَخْفِيفَهَا مِنْ أَنَّ فَهْوَ مُطَّرِدْ
وبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ أَنْ حَمْلًا عَلَى ... مَا أُخِتَها حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلاَ
ذكر الناظم نواصبَ أربعة وهي: لَنْ، وكَىْ، وأَنْ، وإذَنْ، وهي التى تَنصب بنفسها. وما عداها غيرُ ناصب نفسه، كحَتَّى، والواو والفاء في الأجوبة الثمانية، وأوْ، بمعنى (إلاَّ)
فهذه وما أشبهها مِمَّا نُصب، الفعل بعدها منصوبٌ بإضمار (أنْ) لا بنفس ذلك الحرف على حَسَب ما يَذكره إثْرَ هذا.
والضمير المنصوب في «انْصِبْهُ» عائدٌ على الفعل، أي انصبه بهذه الحروف المذكورة.
أما «لَنْ» فينتصب الفعل بعدها بها لابغيرها، فتقول: لَنْ يُكْرِمَكَ زيدٌ، ولَنْ يُهِينَكَ عمروُ.
وجَعْلُه الناصبِ نفسَ «لَنْ» دليلٌ على اعتقاد مذهب سيبويه أنها ليست بمركَّبة من (لاَ أَنْ) كما يزعمه الخليل، فإن النصب على مذهبه يكون بـ «أنْ» وحدَها لا بـ «لَنْ» بجُملتها.
والمختار ما أشار إليه الناظم أنها غيرُ مركَّبة، لأن التركيب على خلاف الأصل، فلا يُدَّعى إلا بدليل، ولا دليل، و (لا أنْ) مع الفعل والفاعل كلامٌ تام، ولو كان أصلها (لا أنْ) لكان الكلام تاما بالمفرد، وهو محال.
стр. 3392
ورَدَّه سيبويه بأنه لو كان كذلك لم يتقدَّم معمولُ معمولها عليها، لأن ما في حَيِّز الصلة لا يتقدم على الموصول، و (أَنْ) حرفٌ موصول. وأنت تقول: زيدًا لن أضربَ، وهو جائز، فَدلَّ على عدم تقدير الخليل.
وأما «كَىْ» فتنصب أيضا بنفسها، فتقول: جئتُكَ لكَىْ تُكْرِمَنى.
ومنه قوله تعالى: ﴾ لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾. وقوله: ﴾ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَى المُؤْمِنينَ حَرَجٌ﴾ الآية.
ودَلَّ من كلامه على كونها ناصبةً بنفسها عطفُه «كَىْ» على «لَنْ» كأنه قال: وبِكَىِ انْصِبْهُ أيضًا.
وهنا إشكال في كلامه/ وهو أنه نَصَّ على نصبها بنفسها مطلقا من غير تَقييد، وذلك غير صحيح، لأن (كَىْ) على وجهين:
أحدهما: أن تكون ناصبة بنفسها كما قال، ويتعَّين ذلك إذا دخلت عليها لامُ الجر، نحو الآيتَيْن المتقدِّمتين.
والثانى: أن تكون جارَّة لا ناصبة؛ بل يكون نصب الفعل الواقع بعدها بإضمار (أنْ) و (أنْ) والفعل فى موضع اسم هو مجرور «كَىْ» والجرُّ بها ثابت من كلام العرب، فإنها قد وقعت موقعَ اللام مع اسم الاستفهام. قال سيبويه: وبعض العرب يجعل «كَىْ» بمنزلة (حَتَّى) يَعنى حرفَ جَرِّ، وذلك أنهم يقولون: كَيْمَهْ؟ في الاستفهام، فيُعملونها في
стр. 3393
الأسماء، كما قالوا: حَتَّامَهْ؟ وحَتَّى متَى؟ ولِمَه؟ ثم أتمَّ الكلام عليها، وأن النصب بعدها بـ (أنْ) مضمرة، لأنه لا وجه في (كَيْمَهْ) إلى حذف الألف غلا أنها مثل اللام في (لِمَهْ) ولا يَدخل هنا اللامُ عليها لأنها حرفُ جَرٍّ مثلُها، وحرفُ الجر لا يدَخل على مِثْله، وإذا كان ذلك ثابتا من كلام العرب كان كلامه هنا بإطلاقه غيرَ مستقيم.
والعجَبُ أنه أتَّم الكلامَ عليها في كتبه، وترَك ذكرَ ذلك هنا، إلا أن يقال: إنه ذهب هنا مذهبِ الكسائى في جَعْله «كَىْ» قِسْمًا واحدا، وهى الناصبة بنفسها، وتَأَوَّل (كَيْمَهْ) على أنها منصوبة على مذهب المصدر، كقول القائل: أقومُ كى تقومَ. فسمعه المخاطب ولم يَفهم «تَقُومَ» فقال: كَيْمَهْ؟ يريد: ماذا؟ فالتقدير: كَىْ تفعلَ ماذا؟ فموضع «مَهْ» نصبٌ على جهة المصدر والتشبيه به، وليس لـ «كى» في «مَهْ» عمل، وهو مذهب مَردود لا ينبغى أن يقال به، وحَمْلُ كلام الناظم عليه ضعيفٌ جدا.
وقد حَكى الأستاذ ﵀ أن بعض المتأخرين ذهب إلى أن «كَىْ» الداخلةَ على الأفعال هي الناصبةُ على كل حال، سواءٌ تقدمَّها حرفُ جر أم لا، فإن تقدَّمها فلا إشكال في أنها الناصبة، وإذا لم يتقدَّمها كان مقدَّرا قبلها.
وأما من جعلها من العرب حرفَ جر فإنه لا يُدخلها على الأفعال أصلا، لأن جَعْل ذلك في (لام كَىْ) و (لام الجحُود) و (حَتَّى) الجارة ينبغى أن يكون موقوفا على السماع، ولو كان ذلك قياسا لجاز أن تقول: عجبتُ مِنْ تُكْرِمَني،
стр. 3394
وهذا لك بتَقُومَ، تريد: من أن تُكْرِمَنى، وبأَنْ تقومَ، فإذا لم يكن ذلك قياسا وجب الاقتصار على الموضع الذى قامت الدلالة على أنه من ذلك.
قال الأستاذ: وهذا تحقيقٌ في الموضع كان يجب الأخذُ به، لولا أن سيبويه قد أثبت دخول (كَى) الجارَّة على الأفعال.
هذا ما حكاه الأستاذ، وما أسْعَده بكلام الناظم حين أَتَى بها في (باب حروف الجر) فدَلَّ ذلك على اختصاصها بالأسماء، وأتى بها هاهنا، فدل على اختصاصها بالأفعال.
والدليل على أن هذا رأيه أنه لم يَذكر (كَىْ) فيما يُنصب بعده الفعل/ بإضمار (أنْ) حين أتى بحتى، ولام كى، ولا الجحود، والجوابِ بالفاء، والواو، وأوْ، ولم يأتِ معها بـ (كَىْ) الجارة، كما أتى بها غيرُه مع هذه الأشياء، فهذا يوضِّح أنه ما أراد سواه، ولا قَصد إلا إيَّاه.
والقياس يَعْضُده، وذلك أن «كَىْ» ظهر منها أمران:
أحدهما: دخولها على الأسماء على حَدِّ دخول حروف الجر، نحو: كَىْ مَهْ؟ كما تقول: حَتَّى مَهْ، ولِمَهْ؟ ولا شك في كونها هنا جارة، ولا تكون جارة حتى تختص بما جَرَّته.
والثانى: دخولها على الأفعال المضارعة، فيُنْصب ما بعدها. والأصل أن يُنْسب الفعل إليها حتى يَدل على خلاف ذلك دليل. وأيضا، قد دل الدليلُ الواضح على صحة وقوعها في النواصب، وهو دخول اللام الجارةَّ عليها، نحو: ﴾ لِكَيْلاَ تَأْسَوْا﴾. وهي هنا ناصبة
стр. 3395
باتِّفاق.
والأصل في العامل ألاَّ يعمل حتى يَختص، فأَنْتج هذا النظرُ غيرَ ما نَقله الأستاذ ﵀ ولا يلزم من ذلك مخالفةُ السماع، ولا إبطالُ القياس، لأن «كى» بهذا الاعتبار لفظٌ مشترَك لموضعين، ولا يُنكر مثل هذا.
وقد يُجاب عن السؤال أيضا على مذهب الجماعة ومذهبه في «التَّسْهيل» وغيره أنَّ ما أتى به هنا صحيح، لأنه إنما أتى بـ «كَىْ» الناصبة وحدها، ولم يتعرض للجارة.
والدليل على هذا من كلامه أنه ذكر الجارَّة في حروف الجر، وجعلها منها إذ قال: «مُذْ مُنْذُ رُبَّ اللاَّمُ كَىْ وَاوٌ وتَا» فاتى هناك بها حرفَ جر، ومُحال أن يريد أن الجارةَّ هناك هى الناصبة هنا، فلابد من مُبَاينة إحداهما للأخرى، فَتثَبَّت القسمان من كلامه، غلا أنه يبقى نظرٌ آخر. وهو أنه لم يَذكر في الجارةَّ ماهو واجبُ الذكر فيها، من كونها لا تجرُّ غلا تقديرا، فيقع بعدها الفعل مقدَّرا قبله (أنْ) ولا يقع بعدها الاسم الصريح إلا (ما) الاستفهامية.
فإطلاقُه أنَّها حرفُ جر، ولم يَذكر لها غير ذلك، يُوهم أن لها حكم سَائرِ الحروف، وليس كذلك، فالإخلال واقعٌ في عدم ذِكْر حكم مجرورها.
فلو قال مثلا إذا أخذ في ذكر ما يَنتصب على إضمار (أن):
وبَعْدَ كَىْ إضْمَارُ أنْ يَغْلِبُ إنْ جُرٌ بِهَا نحُو ائِتهِ كَيْلاَيَهِنُ
أو نحو هذا - لتخلصَّ عن هذا الشَّغْب، فالواجب إذًا حملُه على ما تقدم
стр. 3396
قبل هذا.
ثم قال: «كَذَا بأنْ لاَبَعْدَ عِلْمٍ» يَعنى أنَّ (أنْ) المفتوحة حكمُها حكمُ (لَنْ) و (كَىْ) في كونها ناصبةً بنفسها، ولا خلاف في هذا، لكنه شَرط ألاَّ تكون (أنْ) بعد العِلْم، وحقيقةُ هذا الاشتراط وما ذكُر معه يُعطى في (أنْ) تقسيمًا، وهو أن (أنْ) على ثلاثة أقسام:
أحدها: إلاَّ تقع بعد عِلْم ولا ظَنٍّ، فهذه هى الناصبة للفعل، نحو: جئتُكَ أنْ تُكْرِمَنى، وأعجبنى أن تقومَ﴾ وأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ونحو ذلك.
ولا تقع غيرَ ناصبة إذا دخلت على المضارع إلا نادرًا، كما سيَذكره، وهو الذى ابتدأ به الناظم.
والثانى: أن تقع بعد (العِلْم) فمقتضى اشتراطه ألاَّ تقع الناصبةُ بعدَه دليلٌ على أنها بعدَ العِلْم غيرُ ناصبة للفعل وإن وقعتْ بعده، فتقول: علمتُ أنْ يَقُومُ زيدٌ وعلمتُ أنْ لا يَقُوُم/ زيدٌ، تَرفع الفعل هنا لا غيرُ، إذْ أُخْرِج (أنْ) معه عن النصب جملة، وكونُها بعد العِلْم مخففَّةً من الثقيلة هو السببُ في عدم النصب، على ما يَذكره إثْرَ هذا.
ولا يختص هذا الحكم بـ (عَلِمَ) وحدها؛ بل كلُّ ما يُعْطِى معنى العِلْم فُحكْمُه حُكْمُه، نحو: تَيَقَّنْتُ أنْ لاَ يَقُوُم زيدٌ، ورأيتُ أنْ تَخْرُجُ، وتحقَّقْتُ أنْ لا تَقُوُم، ونحو ذلك لقوله: «لاَ بَعْدَ عِلْمٍ» فعَمَّ أفعالَ العِلْم.
والثالث: أن تقع بعد (الظنِّ) نحو: ظَنَنْتُ، وحَسِبْتُ، وخْلِتُ،
стр. 3397
ورَأَيْتُ، ونحوها مما يُعْطى معنى الظن.
فإذا وقعت (أنْ) بعد أحد هذه الأفعال أو نحوها فلك وجهان:
أحدهما: أن تَنصب بها ما بعدها، فتقول: حَسِبْتُ أنْ يَقُومَ زيدٌ، وخِلْتُ أنْ تَخْرُجَ. ومنه قوله تعالى: ﴾ آلم أحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ الآية. وقوله: ﴾ أيَحْسَبُ الإنْسَانُ أن يُتْرَكَ سُدىً﴾ وقوله: ﴾ إنْ ظَنَّا أنْ يُقَيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ و﴾ تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾.
وقَدَّم النصبَ هنا كأنه أرجحُ عنده من الرَّفْع وأكثرُ، ويُشْعر بذلك قولُه: «فَانْصِبْ بِهَا» فأتى بالنصب في مَساق الاعتماد عليه، ثم استدرَك وجهَ الرفع وصَحَّحه، وإلاَّ فكان يقول: «فَانْصِبْ بِهَا وارْفَعْ» وكذلك قال ابن المؤلف في تَكْملة الشرح: «قال: ولذلك اتُّفِق على النصب في: أَحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا» وكان أكثر القُرَّاء على النصب في قوله تعالى: ﴾ وحَسِبُوا أَنْ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وهم غيرُ أبى عمروٍ وحمزةَ والكسائى، والرفع لهؤلاء الثلاثة.
والثانى: ألاَّ تنصبَ بها، بل يبقى ما بعدها على رَفْعه، نحو قولك: حَسِبْتُ أنْ لا تَقُولُ ذلك، وظننتُ أنْ لا تفعلُ ذلك.
ومنه قوله تعالى: ﴾ وَحَسِبُوا أنْ لاَ تَكُونُ فِتْنَةٌ﴾. على قراءة أبى عمروٍ وحمزةَ
стр. 3398
والكسائي.
وهما على وجهين مختلفين، أما النصب بعدها فلجريانها على بابها، من عدم التحقيق وثبوت التردد، فصارت كالرجاء ب (عسى) فالوضع ل (أن) الناصبة.
وأما الرفع فعلى معنى أنك أثبت ذلك في ظنك، وأدخلته مدخل العلم، وعلى إجرائه مجرى العلم صارت هنا (أن) غير ناصبة، وإلى هذين أشار بقوله: "والتي ومن بعد ظن. فانصب بها والرفع صحح" يعني أن (أن) إذا وقعت بعد الظن فالنصب هو الأكثر، والرفع صحيح جائز.
ثم أخذ في بيان وجه الرفع بعدها حيث لم تقع ناصبة فقال: "واعتقد تخفيفها من أن"
يعني أن (أن) التي لا تنصب الفعل الواقع بعدها لا ينبغي أن يعتقد أنها هي الناصبة للفعل؛ بل هي غيرها، لأن عامل النصب من شأنه ألا يتخلف عن عمله في موضع من المواضع من غير مانع، وأن يكون مختصا بما يعمل فيه، لا يدخل على غيره كسائر العوامل، فإن شأن العامل أن يكون عاملا على / الإطلاق، ومختصا بما يعمل فيه على اللزوم، إلا ما خرج عن هذا عن أصله، نحو (ما) فإنها تعمل مرة ولا تعمل أخرى، وذلك خلاف القاعدة الأصلية، والقياس المستمر؛ فلا بد أن يعتقد في (أن) هذه التي لم تعمل أنها غير الناصبة، وأنها المخففة من (أن) الناسخة للابتداء، فيقال: إنها لم تعمل] لأنها المختصة بالأسماء فلا تعمل في الأفعال. لكن قد يقول القائل: ما الحامل لكم على هذا التقدير، ولعلها (أن) الناصبة، لم
стр. 3399
تعمل هنا [كما لم تعمل في مواضع أخرى كما سيأتي؟ .
فأجاب الناظم عن هذا بأن تخفيف (أن) مطرد في كلام العرب، على أن يكون اسمها مقدر لا يبرز إلا في الضرورة، وبيان اطراده قد تقدم في باب (إن) ووقوع الفعل بعد (أن) غير الناصبة للفعل كثير مطرد أيضا، كما تقدم.
فالحق أن يحمل المطرد على المطرد، ولا يحمل على أنها (أن) الناصبة للفعل لم تعمل، فإن ذلك ليس بمطرد ولا كثير، بخلاف التخفيف من (أن) وحكمها مبين في موضعه، فلم يحتج إلى ذكره هنا، وعلى أنه كرر حكمها في "التسهيل" في باب (إن) وفي نواصب الأفعال. وإن التكرار ينافي الاختصار.
واعلم أن الذي تعرض للكلام عليه من (أن) المخففة من الثقيلة هي التي لم يقع بينها وبين الفعل فاصل سوى (لا) النافية، لأنه إذا وقع بينهما فاصل غير (لا) لم يقع بينها وبين الناصبة للفعل لبس، لأنك إذا قلت: خلت أن سيكون كذا، أو خلت أن لن تقوم- لم يمكن أن تكون هنا ناصبة، لمكان الفاصل الحائل بين (أن) وبين ما كان يمكن أن يكون معمولا لها، فلا يحتاج إلى تفرقة بين المخففة والناصبة في مثل هذا، وإنما يحتاج إلى ذلك حيث يمكن على الجملة أن تعمل (أن) فيما بعدها، وذلك إذا لم يقع بينهما فصل، كقولك: علمت أن تقوم، وخلت أن تخرج، وذلك على الوجه غير الأحسن المنبه عليه في باب (إن) أن يقع من الفواصل ما لا يمنع (أن) من تأثيرها في معمولها، وذلك (لا) نحو: خلت ألا تقوم، وعلمت ألا تخرج، فها هنا يحتاج إلى قانون التفرقة بين (أن) الناصبة للفعل والمخففة من الثقيلة.
стр. 3400
ثم قال: "وبعضهم أهمل أن"
يعني أن بعض العرب أهمل (أن) فلم يعملها وهي الناصبة للفعل، فيقول: أعجبني أن يقوم زيد، وهو قليل.
ومنه ما روى في غير السبع من قوله تعالى: ﴾ لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ برفع "يتم" وأنشد السيرافي، ورواه ابن جنى، عن احمد بن يحيى.:
أن تقرآن على أسماء ويحكما ... مني السلام وأن لا تشعرا أحدا.
وقد يكون منه ما أنشد الفراء من قوله:
следующие страницы →