Полный текст (5 477 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
وأما ما جاء على غير (فعال) فنحو: صه أكلمك، ومه تكرم، ورويد أحسن إليك، وأنشد ثابت في "دلائله" قول الشاعر:
رويد تصاهل بالعراق جيادتا ... كأنك بالضحاك قد قام نادبه.
ومنه أيضا: عليك زيدا أكرمك، ودونك عمرا أحسن إليك، ومكانك تحمد رأيك، ومنه قول الشاعر:
وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي.
وكذلك ما أشبه هذا من أسماء الأفعال.
ولا يجوز النصب كما قال، لا يسوغ التأويل بالمصدر، لأنها غير مشتقة، ولا صالحة لأن تقع في صلة (أن) ولا أن يقدر منها ما يصح فيه ذلك، حتى يصح العطف إذا كان النصب راجعا إلى عطف مصدر على مصدر، قال الفارسي:
وليس العطف بالفاء في هذا كالجواب، فيجوز لقائل أن يقول: يجوز أن يجاب بالفاء كما جاز أن يجاب بجواب مجزوم، لأن الجواب المجزوم ليس
стр. 3467
بمعطوف فيقتضى أن يكون المعطوف عليه مثله، فلهذا أجاز: صه يكن خيرا لك، وحسبك ينم الناس، ألا ترى أنك لو قلت: ايتني آتك، وجاز وإن كان الأول مبنيا والثاني معربا، لأنه ليس بمعطوف، ولو كان أراد العطف لم يجز، زرني أزرك. وقد أجاز ذلك الكسائي، فيجوز عنده أن تقول: عليك زيدا فأكرمك، وصه فأكلمك، وهو مردود بالقياس المتقدم آنفا، وبعدم السماع فيه، فلا يلتفت إليه.
والنوع الثاني: من الأنواع الدالة على الأمر بلفظ الخبر، وهو على وجهين:
أحدهما: أن يكون دعاء، والآخر: أن لا. والدعاء عند النحويين يطلقون عليه لفظ الأمر، لان صيغته كذلك.
فأما الدعاء بلفظ الخبر فكقولك: غفر الله لك يدخلك الجنة، وأكرمك لا يحاسبك، ونحو ذلك.
قال ابن الضائع: ويجري هذا المجرى، يعني مجرى (حسبك ينم الناس) ونحوه في الدعاء قولك: غفر الله لي أنج من عذاب الله، أي. إن غفر الله لي نجوت، فهذا معناه معنى (اللهم اغفر لي أنج) لكنه جاء مجئ لفظ الإخبار بالغفران على خلاف / الأصل، فصح الجزم، لأن معنى الشرط فيه صحيح، ولا يصح النصب، فلا تقول: غفر الله لك فيدخلك الجنة، وقد تقدم وجه ذلك. وأجازه الفراء والكسائي، وليس لهما في ذلك سماع يستند إليه، ولا قياس يعول عليه.
стр. 3468
وأما غير الدعاء فمنه قولك: حسبك ينم الناس، أي اكتف ينم الناس.
وقالوا: اتقي الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه، معناه: ليتق، ومنه قوله تعالى: ﴾ يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾. الآية: بعد قوله: ﴾ تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم﴾.
قال الزجاج: هو جواب ل (تؤمنون) أي إن تؤمنوا يغفر لكم، وهو خبر معناه الأمر، والدليل عليه قراءة ابن مسعود: ﴾ آمنوا وجاهدوا﴾ وفي الآية محمل آخر.
ولا يجوز أن تنصب بعد الفاء، فتقول: حسبك فينام الناس، ونحو ذلك، والعلة في المنع عند ابن المؤلف ما تقدم في اسم الفعل، من عدم صحة تقديره بالمصدر، لأن الجملة الاسمية أو الفعلية لا يصح أن تتقدر بالمصدر، ولا تقع صلة ل (أن) فلا يصح أن ينتصب بعدها شيء.
والنوع الثالث: التحذير والإغراء ونحوهما، نحو: إياك وزيدا تسلم منه، وأخاك أخاك تقو به. وهذا أولى في الجزم من قولك: حسبك ينم الناس، لأن باب "التحذير والإغراء" قام فيه المفعول مقام الفعل، فهو مقدر كأمه منطوق به، و"حسبك" لفظ خبري يعطي معنى فعل الأمر، ولا دلالة له على لفظه، فكان أبعد
стр. 3469
منه، إلا أنهم لازموا هنا تقدير الفعل وعدم اللفظ به، فصار الأمر بغير (فعل) كما في (دونك، وعليك) وعلى ما اقتضاه كلام الناظم هنا لا يقال: إياك والأسد فتسلم ولا أخاك أخاك فتقوى به، لأنه شبيه بأسماء الأفعال في لزوم إقامته مقام الفعل.
ومن هذا الباب ما قام من المصادر مقام أفعال الأمر لزوما، كضربا زيدا يتأدب، ولا يقال: فيتأدب.
وهذا كله إنما أتيت به على ما يحتمله كلامه، وما يسوغه القياس، ولم أر فيه نصا فانظر فيه. ووجه امتناع النصب ما تقدم من تعذر تقدير الكلام بالمصدر، وعدم تأتي جعله صلة (أل).
والفعل بعد لافاء في الرجا نصب ... كنصب ما إلى التمني ينتسب.
هذا تمام الكلام في الجواب بالفاء، وهو ما لم يدخل له تحت العقد المتقدم/، لأن (الرجاء) ليس بطلب، كما كان الاستفهام والعرض والتحضيض ونحوها طلبا، وكذلك (التمني) لأن الطلب إنما هو ما أعطى معنى (افعل) فالاستفهام والعرض وغيرهما فيها معنى (افعل) فقولك: هل قام زيد؟ في معنى: أخبرني عن قيان زيد، وكذلك: ألا قمت، وهلا قمت، في معنى (قم) بخلاف الرجاء والتمني.
وقد جعل ابن الناظم (التمني) داخلا تحت الطلب، فهو عنده
стр. 3470
قسم سابع من أقسامه. وقد يشعر بذلك قول الناظم: "كنصب ما إلى التمني ينتسب" فأتى به في مساق المقرر الحكم، حيث جعله مشبها به.
فإن أراد الناظم هذا فهو بعيد، لبعد الطلب في التقدير من معنى التمني. ألا ترى أنه لا يستلزم حضور مخاطب كالترجي، بخلاف الاستفهام وغيره مما تقدم، فالتمني والترجي من باب واحد، والفرق بينهما أن الرجاء إنما يكون في الممكن، كقولك: لعلي أحج، ولعلي أكرمك، والتمني يكون في الممكن وغير الممكن، نحو: ليت لي مالا أنفق منه، و:
ليت هذا الليل شهر ... لا ترى فيه عربيا.
فأخبر الناظم- ﵀ أن الفعل ينتصب بعد الفاء في الرجاء، فتقول في الرجاء: لعل لي مالا فأنفق منه، وقرأ حفص عن عاصم: ﴾ لعلي أبلغ الأسباب. أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى﴾ بنصب (أطلع) وقرأ عاصم أيضا: ﴾ وما يدريك لعله يزكي. أو يذكر فتنفعه الذكرى﴾ بنصب
стр. 3471
(فتنفعه) وذلك كله على جواب (لعل) ومعناها الترجي.
وأنشد الفراء:
عل صروف الدهر أودولاتها ... يدللننا اللمة من لماتها
فيستريح القلب من زفراتها.
بنصب "يستريح".
والنصب بعدها ليس بكثير، لم يطرد في الكلام أن يقال: لعلك تأتينا فتحدثنا، ولكنه قد جاء في الكلام الفصيح الذي هو القرآن، فلا يقال: إنه ممتنع.
وقد حكى ابن المؤلف في "التكلمة" عن البصريين أنهم يمنعون النصب بعد (الرجاء) لأنه في حكم الواجب، وحكى جوازه عن الكوفيين، بناء على كون "لعل" تأتي للاستفهام وللشك فيجاب في الوجهين، ومن أمثلتهم: لعلي سأحج فأزورك. والاستفهام ب (لعل) غير معروف عند البصريين. وقد استدل المؤلف على
стр. 3472
ثبوته بقوله ﵇: "لعلنا أعجلناك" وبقوله: ﴾ وما يدريك لعله يزكى﴾ ولا حجة في شيء من ذلك.
/والصحيح أنها محمولة على التمني في نصب الجواب، لأن التمني والترجي متقاربان في المعنى، فكأنهم أشربوا (لعل) معنى (ليت) فنصبوا، وكذلك قال الجزولي: وأشربها معنى (ليت) من قرأ (فأطلع) نصبا.
وإلى هذا أشار الناظم بقوله: "كنصب ما إلى التمني ينتسب" أي نصب على حد نصب ما انتسب إلى التمني، لتقارب معنييهما.
ولما كان النصب في الترجي عنده ثابتا نبه عليه، وعلى أنه من كلام العرب، بقوله: "والفعل بعد الفاء في الرجا نصب" وأنه مثل التمني، فلا بد من القول بقياسه، كما يقوله الكوفيون، خلافا للبصريين على ما حكى ابنه عنهم، لكن ليس على ما يتأوله الكوفيون، بل على ما يتأوله البصريون.
وقوله: "بعد الفاء" قيد للنصب بعد "الرجاء" وظاهره أنه مقتصر به على ما بعد الفاء، فإذن لا يدخل ما بعد الواو في هذا الحكم، فلا يقال: لعلي أحج وأزورك.
وذلك غير مستقيم، لأن النحويين المتأخرين من البصريين يجيزون ذلك مطلقاً.
стр. 3473
والجواب بالفاء والواو في الأجوبة الثمانية صحيح سائغ عندهم، ولم يستثنوا ترجيا ولا غيره.
والجواب عن هذا أن ذكر الفاء ليس بقيد يخرج الواو، بل ذكرها ليلحقها بما تقدم من النفي والطلب. والناظم قد تقدم له أن الواو كالفاء في وقوعها جوابا إذا كانت بمعنى (مع)
يعني حيثما وقعت، ومن مواقعها الرجاء والتمني، فلا بد أن تقع الواو فيهما فتقول إذن: لعلي أحج وأزورك، على معنى: لعلي يجتمع لي حج وزيارة لك، وهذا ظاهر.
وقوله: "كنصب ما إلى التمني ينتسب" أي أن الفعل بعد الفاء إذا كان منتسبا إلى التمني، أي واقعا جوابا له، لأنه إذا وقع جوابا انتسب له، فقيل: جواب التمني، فإنه ينتصب أيضا، لأن الكلام مع التمني غير واجب، فاستوى في ذلك مع الاستفهام والدعاء ونحوهما، فتقول: ليت لي مالا فأنفق منه، ومنه قوله تعالى: ﴾ يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما﴾ وتقول في الواو إذا وقعت جوابا: ليت لي مالا وأنفق منه، ومنه قراءة حفص وحمزة: ﴾ فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين﴾ بنصب "نكذب" و"نكون" على جواب التمني، أي يا ليتنا يجتمع لنا هذا وهذا، وقرأ ابن عامر بنصب "نكون" على الجواب، ورفع "نكذب" عطفا على "نرد"/ولم يذكر ها هنا كون ما بعد الفاء جوابا في القصد، لذكر ذلك فيما تقدم، فلم يحتج إلى إعادته لأنه معلوم.
стр. 3474
و"ما" في قوله: "ما إلى التمني" موصولة، وهي واقعة على الفعل الواقع جوابا. بعد الفاء.
وإن على اسم خالص فعل عطف.
تنصبه أن ثابتا أو منحذف هذا هو الموضع الثاني من الموضعين اللذين يجوز فيهما إظهار (أن) وإضمارها، وذلك إذا عطف الفعل على الاسم الخالص.
يعني أن الفعل إذا عطف على اسم خالص، فإن ذلك الفعل ينتصب ب (أن) ثابتة غير محذوفة، أو محذوفة غير ثابتة، لكن قوله: "الخالص" يمكن أن يفسر بأحد وجهين:
أحدهما أن يريد به ما أراد النحويون بقولهم: الاسم الصريح، أي غير المؤول، ومثلوا ذلك بنحو قولك: أعجبني قراءتك وتفهم، وإن شئت قلت: وأن تفهم. ومنه قوله تعالى: ﴾ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا﴾ على قراءة النصب، وهي قراءة من عدا نافعا من السبعة. وأنشد سيبويه قول الشاعر، وهو لميسون بنت بحدل الكلابية:
стр. 3475
للبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف.
ولا يختص هذا العطف بالواو، بل يجوز في غيرها أيضا، ولذلك لم يقيد ذلك الناظم، فيدخل فيه العطف (أو) كما في الآية المذكورة، والعطف ب (ثم) نحو قوله:
إني وقتلي سليما ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر.
وبغير ذلك.
وقوله: "على اسم خالص" أعم من أن يكون ذلك الاسم مصدرا أو غيره، فالمصدر كما تقدم، وغير المصدر نحو قوله، وهو كعب الغنوي، أنشده سيبويه:
وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ... ويغضب منه صاحبي بقؤول
جعل "ويغضب" معطوفا على "الشيء" أي ما أنا بقؤول للشيء: غير نافع،
стр. 3476
ولأن يغضب، أي للسبب المؤدي إلى الغضب، وقال الآخر:
ولولا رجال من رزام أعزة ... وآل سبيع أو أسوءك علقما.
ومثال إظهار (أن) في هذا قول الشاعر:
أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا.
وإنما لزمت (أن) هنا لأجل المشاكلة، من حيث كان الفعل لا يعطف على الاسم إلا إذا كان الاسم مشاكلا للفعل، كاسم الفاعل ونحوه، فإن لم يكن مشاكلا فلا بد من رد الفعل إلى الاسم، وذلك مع تقدير (أن).
وإنما/جاز إظهارها لأنها إذا ظظهرت مع الفعل كالاسم الصريح، ولذلك يطلق سيبيويه على (أن) أنها اسم، لما كانت في تقديره، فناسبت لذلك المعطوف عليه، وهو الاسم الصريح المتقدم، فجاز الإظهار لذلك، وفارق بذلك باب (ما تأتينا فتحدثنا) وهو المتحرز منه على هذا التفسير، لأن المعطوف عليه ليس بصريح، فلو أظهر لم يكن في اللفظ ما يعطف عليه، فامتنع.
ومن هذا تحرز بقوله: "على اسم خالص) لأن المصدر في (ما تأتينا فتحدثنا) غير خالص، بل هو مقدر تقديرا معنويا، فلا يجوز أن تظهر (أن)
стр. 3477
تقدم ذكره عند ذكر الأجوبة.
والوجه الثاني: أن يكون معنى "الاسم الخالص" الذي لم يشبه الفعل، فكأنه خالص الاسمية، وعلى هذا حمله ابن الناظم، ومثاله ما تقدم، قال: فلو كان المعطوف عليه وصفا شبيها بالفعل لم يجز نصب الفعل المعطوف على ذلك الوصف، كما قد نبه عليه بقوله: "على اسم خالص" أي غير مقصود به معنى الفعل، قال ابن الناظم: واحترز بذلك من نحو: الطائر فيغضب زيد الذباب، فإن "يغضب": معطوف على اسم الفاعل، ولا يمكن أن ينصب، لأن اسم الفاعل مؤول بالفعل، لأن التقدير: الذي يطير فيغضب زيد الزباب، هذا ما قاله. وهو ممكن في التفسير، إلا أنه يرد على كلا التفسيرين إشكال.
أما الأول فلا شك أنه يدخل عليه النصب، بل وجوبه في مسألة (الطائر فيغضب زيد الذباب) ونحوها من مسائل عطف الفعل على الاسم الذي بمعناه، نحو: مررت برجل ضارب ويشتم، والنصب هنا غير سائغ، لأنه في المعنى كعطف فعل على فعل، كما تقدم في "باب العطف".
وأما الثاني: فيخرج له عن الحكم بالنصب المصدر المقدر ب (أن) والفعل، لأنه ليس باسم خالص عن قصد معنى الفعل، لان قولك: أعجبتني قراءتك وتفهم، في تقدير: أن تقرأ وتفهم، فلم يتمحض إلى جانب الاسم.
فإن قال: إن المصدر غير شبيه بالفعل وإن كان عاملا عمله، وإنما عمل بالنيابة لا بالشبه، إذ لا شبه له بالفعل كشبه اسم الفاعل به.
فالجواب أن هذا الاعتذار يدخل له في وجوب المنصب مسألة (الطائر
стр. 3478
فيغضب زيد الذباب) لأن اسم الفاعل، بالألف واللام، إنما عمله بالنيابة لا بالشبه، لأنه في تقدير: الذي يطير فيغضب زيد الذباب، والدليل على ذلك أنه يعمل وإن كان في معنى الماضي كما تقدم، فالإشكال وارد على التفسيرين/ معا.
ويمكن أن يجاب عن الأول بأن المصدر المقدر ب (أن) والفعل حاصل له حكم النصب كيف اعتقدته، فإن اعتبرت فيه تقدير الفعل فهو منصوب، فالمعطوف عليه مثله، وإن اعتبرت لفظ المصدر فهو صريح في الاسمية.
وأما اسم الفاعل فله أيضا جهتان:
جهة الاسمية الخالصة إذا قدرتها فيها، بحيث يكون نحو (قائم) في حكم: كاهل، وغارب، فلا شك على هذا التقدير في نصب الفعل بعده، نحو: يعجبني فاضل ويتكرم. وعلى هذا التقدير يصح قولك: عجبت من رجل ضارب ويشتم، بالنصب.
والأخرى جهة معنى الفعل، والعطف فيها في المعنى من "باب عطف الفعل على الفعل" وقد تقدم أن الفعل يعطف على الاسم الذي يعطي معنى الفعل، إعمالا لمعناه، وإهمالا للفظه، فكأنه ليس باسم صريح بذلك الاعتبار، فخرج له عن الحكم بالنصب.
وأما الثاني: من الإشكالين فهو قوي، والاعتذار عنه صعب، فلذلك كان التفسير الأول الذي جرى عليه الناس أولى، والله أعلم.
وقوله: "فعل" مرفوع بفعل مضمر، يفسره "عطف" تقديره: وإن عطف على اسم خالص فعل عطف، و"ثابتا" حال من (أن) وذكره لأن
стр. 3479
تذكيره جائز، و"منحذف" معطوف عليه، على لغة: رأيت زيد أراد "أو منحذفا"
وشذ حذف أن ونصب في سوى ... ما مر فاقبل منه ما عدل روى.
يعني أن حذف (أن) مع بقاء نصبها في غير المواضع المذكورة، حذفها فيه لا يجوز في الكلام، وما جاء منه فشاذ يحفظ ولا يقاس عليه، ومما جاء من ذلك ما أنشد سيبويه لعامر بن جوين الطائي:
فلم أر مثلها خباسة واجد ... ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله.
أراد: بعد ما كدت أن أفعله، وأنشد الكوفيون قول طرفة:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي.
стр. 3480
وحكى الكسائي عن العرب: لا بد من تتبعها. وقيل: خذ اللص قبل يأخذك. وهذا نادر، وكلام العرب على خلاف ذلك، بل إذا حذفت (أن) رفعت الفعل، نحو قولهم: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" وعلى الرفع أنشد سيبويه قول طرفة:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد الذات هل أنت مخلدي.
ويقال: تفعل كذا أحسن، وتكرم الضيف خير لك، والمراد: أن تفعل، وأن تكرم كقول الله تعالى: ﴾ وأن تصوموا خير لكم﴾ ومن ذلك في /أحد الوجهين قوله تعالى: ﴾ تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون﴾ الآية بعد قوله: ﴾ هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾ ففسر التجارة بالفعل، والمراد مصدره، فلما حذفت أداته وهي (أن) رفع، وهو كثير في كلام العرب.
وقوله: (فاقبل منه ما عدل روى) تنكيت على مذهب الكوفيين القائلين بجواز الحذف مع بقاء النصب، قياسا على ما شذ من ذلك، على عادتهم
стр. 3481
في القياس على الشذوذات، فكأنه يقول: إن ما جاء من ذلك برواية العدل فإن حكمه أن يقبل قبولا، ويحفظ فقط، لأنه شاذ، لا أن يقاس عليه. وهذا رد من جهة السماع، والقياس أيضا غير قابل له، لأن عوامل الأفعال أضعف من عوامل الأسماء، فلم تقو أن تحذف ويبقى عملها، كما تحذف عوامل الأسماء، ويبقى عملها: وإنما حذفت (أن) فيما تقدم لوجه من القياس موافق للسماع، ولولا ذلك لما أعمل فيها القياس، وهذا ظاهر.
وجر "سوى ب (في) لأنها عنده متصرفة، وقد تقدم نصه على ذلك في باب "الاستثناء".
стр. 3482
عوامل الجزم
بلا ولام طالبا ضع جزما ... في الفعل هكذا بلم ولما.
واجزم بإن ومن وما ومهما ... أي متى أين أين إذ ما.
وحيثما أنى وحرف إذ ما ... كإن وباقي الأدوات أسما.
ابتدأ أولا بتعداد الجوازم للفعل، فذكر خمس عشرة أداة، وقسمها على قسمين:
أحدهما: ما يجزم فعلا واحدا، وهن الأربع المتقدمة: لا واللام، ولم، ولما.
ودل على ذلك من كلامه قوله: "ضع جازما في الفعل" وأول ما يثبت بهذه العبارة الفعل الواحد، وأيضا لما ذكر قوله: "واجزم بإن" فاستأنف ذكر الحكم بالجزم، ودل ذلك على أنه قسم آخر أعقبه بأنه يجزم فعلين بقوله: "فعلين يقتضين" فحصل أن ما تقدم في القسم الأول إنما يجزم فعلا واحدا، بسبب تقييده القسم الثاني، وإطلاقه في القسم الأول.
فأما (لا) فهي الناهية، لقوله: "طالبا" وهو حال من فاعل "ضع" كأنه قال: ضع جزما في الفعل ب (لا) و (اللام) حالة كونك طالبا بهما، ولا تكون طالباً
стр. 3483
بهما إلا وهما أداتان للطلب.
وتحرز بكون (لا) للطلب من النافية، نحو: لا يقوم زيد، فإنها غير عاملة، لدخولها على الأسماء والأفعال، وعدم اختصاصها بالفعل.
ومثال ذلك قولك: لا تضرب زيدا، ولا يخرج من عندك، ومنه قوله تعالى: ﴾ لا تفتروا على الله كذبا﴾. و﴾ لا تقولوا على الله إلا الحق﴾ و﴾ لا يسخر قوم من قوم﴾ الآية.
وإنما قال: "طالبا" فأتى بلفظ الطلب الذي هو أعم من الأمر والنهي ليحصل له معناهما، لأن النهي طلب، وكذلك الأمر طلب.
وقد أتى بأداتين، إحداهما للنهي، والأخرى للأمر، فلو لم يأت بلفظ الطلب لاحتاج إلى أن يقول: (لا) للنهي، واللام للأمر، فآثر الاختصار.
وأيضا فيشمل لفظ الطلب الدعاء، نحو قوله تعالى: ﴾ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا ... ربنا ولا تحملنا﴾ ونحو ذلك.
وكذلك قول جرير يهجو الأخطل:
بكى دوبل لا يرقئ الله دمعه ... ألا إنما يبكي من الذل دوبل.
стр. 3484
وأما اللام فهي لام الأمر نحو: ليقم زيد، وليكن كذا. ومنه قوله تعالى: ﴾ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي﴾. وقوله: ﴾ فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه﴾.
وقرأ عثمان وأنس وأبي: "فبذلك فلتفرحوا" بالتاء.
ويشمل الطلب لام الدعاء نحو: لتغفر اللهم لنا. ومنه قوله تعالى: ﴾ ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾. وقول أبي طالب:
فليكن المغلوب غير الغالب ... وليكن المسلوب غير السالب.
ولم ينص الناظم على اشتراط ظهور اللام، ولا بد منه على مذهب البصريين، لكنه بإطلاقه يدل على ذلك، لأن الأصل في كل عامل الظهور، وأيضا فإنه أتى باللام مع: لا، ولم، ولما، وهن لا يضمرن أبدا، فكذلك اللام، وهو المذهب الصحيح، وذلك لأن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، وقد ثبت في حروف الجر أنها إنما تعمل ظاهرة، فكذلك حروف الجزم. وما جاء من ذلك
стр. 3485
مخالفا للقاعدة فشاذ، نحو ما أنشده سيبويه لحسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه:
محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من شيء تبالا
وأنشد أيضا لمتمم بن نويرة:
على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي ... لك الويل حر الوجه أو يبك من بكى.
وأنشد الفراء:
فلا تستطل مني بقائي ومدتي ... ولكن يكن للخير فيك نصيب.
وأنشد أيضا:
من كان لا يزعم أني شاعر ... فيدن مني تنهه المقادر
стр. 3486
وذهب الكسائي إلى جواز ذلك، وعليه حمل قوله تعالى: ﴾ قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون﴾ الآية/أي ليغفروا، وفي بيت متمم شاهد له أيضا على مذهب المؤلف. قال ابنه: لتمكنه من أن يقول: "ولبيك" وكذلك قوله:
قلت لبواب لديه دارها ... تأذن فإني حمؤها وجارها.
لأنه لو لم يؤثر الجزم باللام المحذوفة لقال: (إيذن) بلفظ الأمر.
وهذا كله لا دليل فيه لشذوذه، والآية مجزومة على جواب الأمر، أي قل لهم: اغفروا يغفروا، وكذلك﴾ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة﴾ الآية.
ثم قال: ﴾ هكذا بلم ولما" يعني أن الفعل يجزم بهذين الحرفين أيضا، وهما لم ولما.
أما (لم) فهي أداة معناها النفي، وهي مختصة بنفي الماضي المنقطع، تقول: ندم زيد ولم تنفعه الندامة، أي ما نفعته عقيب ندمه،
стр. 3487
بخلاف (لما) فإنها لنفي الماضي غير المنقطع، تقول: ندم ولما تنفعه الندامة إلى الآن، ف (لم) لنفي (فعل) و (لما) لنفي (قد فعل).
فمقال الجزم بلم قولك: لم يقم زيد. ومنه قوله تعالى: ﴾ هل أتى على الإنسان حسن من الدهر لم يكن شيئا مذكورا﴾. فهذا نفي للماضي المنقطع، وكذلك قول عبد الله بن عبد الأعلى القرشي أنشده سيبويه:
وكنت إذ كنت إلهي وحدكا ... لم يك شيء يا إلهي قبلكا
فيصح أن يقال هنا: لم يكن، ثم كان. وكذلك قول الطرماح:
لم يفتنا بالوتر قوم وللضيم ... رجال يرضون بالإغماض
وأما (لما) فمثالها: لم يقم زيد. ومنه قوله تعالى: ﴾ أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله﴾ الآية، أي ولم يعلم إلى الآن، فلا يقال في مثل هذا: لم يكن ثم كان. وقال تعالى: ﴾ كلا لما يقض ما أمره﴾. وقال الشاعر:
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزق
стр. 3488
واعلم أن (لما) على ثلاثة أقسام: نافية، وهي الجاذمة المذكورة هنا، واستثنائية بمعنى (إلا) وهي نحو قولك: عزمت عليم لما فعلت. ومنه قوله تعالى: ﴾ وإن كل لما جميع لدينا محضرون﴾ و﴾ إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ على قراءة التشديد، وهي لابن عامر وعاصم وحمزة. وحرف وجوب لوجوب فيما مضى، نحو: لما قام زيد قام عمرو.
والثانية والثالثة: لاحظ للجزم فيهما، وكلام الناظم لا يقتضي اختصاص الجزم بالنافية دون غيرها، ففيه إيهام، إذ لم يبين ذلك، وكان حقه أن يبين.
والقسم الثاني من قسمي الجوازم ما يجزم فعلين، وهي إحدى عشرة أداة، وهي:
إن، ومن، وما، ومهما، وأي، ومتى، وأيان، وأين، وإذ ما، وحيثما، وأنى.
وهي قسمان: حروف، وأسماء، /وسيذكر ذلك.
فأما (إن) المكسورة الخفيفة فتقول فيها: إن يقم زيد يقم عمرو. ومنه قوله تعالى: ﴾ يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا﴾. وقوله: ﴾ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾.
وهي أم الباب، ولذلك يجوز أن يليها الاسم في اللفظ في فصيح
стр. 3489
الكلام، وإن كان على إضمار الفعل، فتقول: إن زيد قام أكرمته، ولا يجوز ذلك في غيرها إلا في الشعر، نحو ما أنشده سيبويه:
صعدة نابت في حائر .... أينما الريح تميلها تمل.
وأيضا فما عداها إنما يعمل عملها لتضمن معناها.
وأما (من) فهي اسم لمن يعقلـ ومثال الجزم بها قولك: من يكرمني أكرمه، قال تعالى: ﴾ ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ وقال: ﴾ ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله﴾ الآية .. وأنشد سيبويه للأعشى:
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع مظلوم مجرا ومسحبا.
وتدفن منه الصالحات وإن يسئ ... يكن ما أساء النار في رأس كبكبا
стр. 3490
وأنشد أيضا لزهير:
ومن لا يقدم رجله مطمئنة ... فيثبتها في مستوى الأرض تزلق.
وأما (ما) فهي اسم مبهم يقع على كل شيء، ومثال الجزم بها: ما تفعل أفعل مثله. قال الله تعالى: ﴾ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده﴾. وقال تعالى: ﴾ وما تفعلوا ممن خير يعلمه الله﴾.﴾ وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم﴾. الآية. وقال حسان:
ما يقسم الله أقبل غير مبتئس ... منه وأقعد كريما ناعم البال
وقال الكميت:
وما يك في الناس من نائل ... جزيل فنائلهم أجزل.
وأما (مهما) فهي بمعنى (ما) وكذلك أصلها عند الخليل (ما) ثم أدخلت عليها (ما) فاستقبحوا تكرار اللفظ، فأبدلوا الألف الأولى هاء.
стр. 3491
ومن الجزم بها قول الله تعالى: ﴾ وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين﴾. وقال زهير:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... ولو خالها تخفى على الناس تعلم.
وأما (أي) فنحو قولك: أي الناس يأتني أكرمه، وهي لتعميم أوصاف الشيء. ومن الجزم بها ما أنشده سيبويه من قول ابن همام السلولي:
لما تمكن دنياهم أطاعهم ... في أي نحو يميلوا دينه يمل.
وقال لبيد:
فأي أوان ما تجئني منيتي ... بقصد من المعروف لا أتعجب.
وأما (متى) فمثال الجزم بها قولك: متى تكرمني أكرمك. قال الحطيئة أنشده سيبويه:
стр. 3492
/متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
وأنشد أيضا قول الآخر:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا.
وأنشد أيضا لطرفة:
ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد
وأما (أيان) فالسماع بها قليل، ولكنه جائز نحو: أيان تأتني آتك، ومنه قوله الشاعر:
стр. 3493
أيان نؤمنك تأمن غيرنا ومتى ... لم تدرك الأمن منا لم تزل حذرا
وقد جعلها الفارسي في "التذكرة" من قبيل ما لا يجازى به، نحو: كيف، وكم، وما ذاك إلا لندور السماع فيها.
وأما (أين) فمثال الجزم بها قولك: أين تجلس أجلس. قال الله تعالى: ﴾ أينما تكونوا يدرككم الموت﴾. وقال ابن همام السلولي أنشده سيبويه:
أين تضرب بنا العداة تجدنا ... نصرف العيس نحوها للتلاقي
وأنشد أيضا:
صعدة نابتة في حائر ... أينما الريح تميلها تمل.
وأما (إذ ما) فهي (إذ) التي هي ظرف لما مضى، زيدت عليها (ما) فصارت بمعنى (إن) للمستقبل، نحو: إذ ما تقم أكرمك.
ولا تكون شرطية دون (ما) أصلا، والخلاف في كونها حرفا أو ظرفا سيأتي بعيد هذا إن شاء الله.
стр. 3494
ومن الجزم بها في السماع ما أنشده سيبويه من قول ابن همام السلولي:
إذ ما تريني اليوم مزجى ظعينتي ... أصعد سيرا في البلاد وأفرع
فإني من قوم سواكم وإنما ... رجالي فهم بالحجاز وأشجع.
وأما (حيثما) فهي (حيث) لحقتها (ما) ولا تكون شرطية إلا مع (ما) فلذلك أتى بها مع (ما) كما فعل في (إذ ما) بخلاف سائر الأدوات، فإنها يكون منها جوازم بما دونها، فتقول: أين تكن أكن﴾ وأينما تكونوا يدرككم الموت﴾ ومتى ما يأتني آتك، ومتى تأتني آتك، ونحو ذلك، فكل ما قيده الناظم ب (ما) فلا يكون جازما إلا بها.
ومن الجزم بها قولك: حيثما تجلس أجلس، وأنشد ابن الناظم:
حيثما تستقم يقدر لك الله ... نجاحا في غابر الأزمان.
ومما يشعر بالجزاء فيها قوله تعالى: ﴾﴾ وحيثما كنتم فولوا
стр. 3495
وجوهكم شطره﴾ فأتى بالفاء في الجواب.
وأما (أتى) فهي لتعميم الأحوال، وقد تأتي ظرف زمان أو مكان. ومثال الجزم بها قولك: أنى تفعل كذا أكرمك، ومنه قول لبيد أنشده سيبويه:
فأصبحت أتى تأتها تبتئس بها .. كلا مركبيها تحت رجلك شاجر.
وهنا انتهى ما أتى به من الأدوات الجازمة لفعلين. ودل ذلك على أن (كيف، وكم) لا يكونان منها، وكذلك (إذا).
أما (كيف) فمذهب البصريين عدم الجزاء بها، وخالف في ذلك الكوفيون، فجعلوها في الجزاء بها كمتى وأين، فيجوز عندهم أن تقول/ كيفما تكن أكن، وكيف تفعل أفعل.
وأما (كم) فذكر غير قطرب أنه جائز أن تقول: كم تلبس ألبس، ونحوه. ومعتمدهم القياس على ظروف الزمان والمكان لملاقاتها إياها في المعنى، إذ كان معنى (كيفما تكن أكن) في أي حال تكن أكن، كما أن معنى (أين تكن أكن) في أي مكان تكن أكن، ومعنى (متى تقم أقم) في
стр. 3496
أي زمان تقم أقم.
وأيضا فكل اسم من أسماء الاستفهام قد استعمل في هذا الباب، إلا (كيف، وكم) وهما قابلان، من حيث وقعا مستفهما بهما، لاجتماع أدوات الشرط والاستفهام، في كون ما بهدهما غير موجب، فإذا دخل جميع أسماء الاستفهام في الشرط سماعا دونهما فالقياس سائغ فيهما، فيتدخلان.
وهذا قياس يهدمه السماع، إذ لم تفعل العرب ذلك، ولم يوجد لها الجزم بكيف، وإن كان الجزم بها في المعنى صحيحا، إذ جائز أن تقول: كيف تصنع أصنع.
ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴾ ينفق كيف يشاء﴾. وقوله: ﴾ فيبسطه في السماء كيف يشاء﴾ إذ المعنى: كيف يشاء بسطه بسطه، وكيف يشاء أن ينفق أنفق.
وإنما امتنع البصريون من الجزاء بهما لعدم السماع، لا لأجل القياس، إذ هو قابل للجزاء بهما.
قال الفارسي في "التذكرة" حين ذكر (كيف): ونظير ذلك في أن لم يجاز به (كم، وأيان) قال: ولو جوزي بكيف لكان جائزا، والمعنى عليه، قال: وعلى ذلك يدل كلام سيبويه، وأشار بذلك إلى قول سيبويه: وسألت الخليل- ﵀ عن قوله: كيف تصنع أصنع. فقال: هي مستكرهة، وليست من حروف الجزاء، ومخرجها على الجزاء، لأن معناها: على أي حال تكن أكن.
стр. 3497
وقد فرق النحويون بين (كيف) وغيرها بأوجه، منها أن جوابها لا يكون إلا نكرة فتقول: كيف زيد؟ فيقال: سقيم، ولا تقول: السقيم، لأنه سؤال عن الحال، والحال نكرة، بخلاف (متى) وغيرها، فإن جوابها يكون معرفة ونكرة، فلما قصرت عن حال أخواتها لم يبلغ من قوتها أن تجري في الجزاء مجراها.
ومنها أن (كيف) قصرت عن نظائرها أيضا بأنها لا يخبر عنها، ولا يعود إليها ضمير، كما / يكون ذلك في: من وما، ومهما، وأي وهذا الوجه ضعيف، والمعتمد السماع.
وعلل المنع في (كم) بأنهم استغنوا عن الجزاء بها بالجزاء ب (ما) لدخول معناها تحت معنى (ما) إذا قلت: ما تأكل آكل عدده، وما تلبس ألبس عدده، فتقع على المعدودات وغيرها، لما فيها من الإبهام، كما استغنوا عن (وذر، وودع) بترك. وباب "الاستغناء" كثير.
وقد علل الفارسي أيضا بهذا النحو في (كيف) وذكر غيره أنهم استغنوا عنها بأني، لأنها تأتي بمعناها.
وأما (إذا) فلا يجازى بها أيضا في الكلام، كما أشعر به النظم، فلا يقال: إذا تقم أقم، وإنما الوجه الرفع، إلا أن يضطر شاعر إلى الجزم فيجوز، لأن معنى الجزاء حاصل فيها، وأنها للمستقبل ك (إن) ولأن وقتها غير معلوم، فأشبهت (إن) في جهالة الوقت، لأن الكون مع (إن) لا يدري كونه، فلا يدري وقت كونه.
стр. 3498
ومما جاء مجزوما بها ما أنشده سيبويه من قول قيس بن الخطيم:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب.
فقوله: "فنضارب" دليل على جزم ما عطف عليه، وهو موضع "كان" وذلك يدل على جزم موضع "قصرت" وأنشد أيضا للفرزدق:
ترفع لي خندق والله يرفع لي ... نارا إذا خمدت نيرانهم تقد.
وأنشد أيضا لبعض بني سلول:
إذا لم تزل في كل دار عرفتها ... لها واكف من دمع عينيك تسجم.
قال سيبويه: فهذا اضطرار، وهو في الكلام خطأ، ولكن الجيد قول
стр. 3499
كعب بن زهير:
وإذا ما تشاء تبعث منها ... مغرب الشمس ناشطا مذعورا.
وأنشد أيضا في الرفع لدى الرمة:
تصغي إذا شدها بالرحل جانحة ... حتى إذا ما استوى في غرزها تثب.
وإنما كان الوجه الرفع، لأن (إذا) إنما تكون لما كان من المستقبل معلوم الوقوع، بخلاف (إن) فإنها إنما تكون لما يجهل وقوعه، ولذلك يجوز أن تقول: آيتك إذا احمر البسر، أو إذا غربت الشمس، ولا يصلح أن تقول: آتيك إن احمر البسر، أو إن غربت الشمس، ففارقت (إن) بذلك، فلم تجر مجراها، لكنها من حيث الاستقبال والمشاركة لها، فاعتبر ذلك في الضرورة.
ثم قال الناظم- ﵀ (وحرف إذ ما كان) إلى آخره.
يعني أن هذه الأدوات التي تجزم فعلين على قسمين: أسماء، وحروف.
стр. 3500
فأما الحروف فإن وغذ ما. أما /كون (إن) حرفا فمعلوم، ولا خلاف في ذلك، وأما كون (إذ ما) حرفا فهو موضع الإشكال، ولذلك اعتمد التعريف بذلك فيها، فقال: (وحرف إذ ما) فقدم الخبر تنبيها على الاعتناء بكونها حرفا لا اسما، أو أتى بها نكرة مبتدأ بها، والخبر ما بعدها، إشعارا بالحصر في المعنى، أي إنما هي حرف لا اسم، وشبهها ب (إن) التي هي شهيرة في الحرفية، ونبه بهذا الحصر على الخلاف الواقع في (إذما).
فمذهب سيبويه أنها حرف، كما ذهب إليه الناظم، وكان أصلها (إذ) التي هي ظرف زمان لما مضى، فضمت إليها (ما) وصيرتا حرفا واحدا يدل على الاستقبال، وصار التركيب ناقلا لها.
عن حكم أصلها، كما كان التركيب في (إنما) و (قلما) ونحوهما ناقلا لها. عن الحكم الأول. ولو كانت باقية على أصلها لكانت ظرفا لما مضى، ولم يصح إن تقع للجزاء.
وأيضا فلا دليل يدل على بقاء الاسمية ومعناها كمعنى (إن) فالحمل على ما ظهر أولى، وهو أصل مبين في الأصول، ولا نكر في أن تكون الكلمة قبل التركيب من قبيل، ثم تنتقل بالتركيب إلى قبيل آخر، كما في (قلما) ونحوه، وعلى ما ذهب إليه الإمام جمهور النحويين.
стр. 3501
ونقل عن المبرد وابن السراج والفارسي القول باسميتها كما كانت في الأصل، وأنها بمعنى: أي حين، أو بمعنى: أي مكان. ورد عليهم ابن خروف وغيره بالاستقبال وبقوله:
- إذ ما تريني اليوم موجى ظعينتي*
والمراد، لا محاله: إما تريني، فدخول "اليوم" يفسد معنى: أي حين، بلا بد، وقد استدل لمذهبه بأن نقل (إذ) مع (ما) للاستقبال لا يخرجها عن وضعها، فإنها قد تأتي للاستقبال، حكى ذلك عن أبي عبيدة، واستدلوا على ذلك بقوله
يجزيه رب العالمين إذ جزى ... جنات عدن في العلالي العلى
وأيضا فلو كان التركيب مع (ما) مخرجا عن الاسمية إلى الحرفية لكان مخرجا ل (حيثما) عن الاسمية، وذلك غير صحيح بلا اتفاق، فإنها عند الجميع اسم لا حرف، فكذلك ينبغي أن تكون (إذ ما).
وأجيب عن الأول بأن استعمال (إذ) في الاستقبال غير معروف، وما احتج به لا حجة فيه، لاحتمال حملها على المضي.
وعن الثاني بالفرق بين (إذ ما) و (حيثما) أن (حيثما) لم تزل عما كانت عليه قبل من الدلالة على المكان، بخلاف (إذ ما) فإنها كانت قبل دخول (ما)
стр. 3502
عليها اسم زمان ماض، فلما دخلت/ (ما) عليها صيرتها تدل على غير ما كانت تدل عليه، وهو مستقبل، ولم تظهر فيها أمارة اسمية، فلذلك ادعى في (حيثما) البقاء على ما كانت عليه، بخلاف (إذ ما) وهذا واضح.
وأما الأسماء فما عدا ما ذكر، وذلك قوله: "وباقي الأدوات أسما" أي باقي الأدوات الجازمة لفعلين أسماء لا حروف، وإن كانت مع ذلك تدل على معنى (إن) لكن أمارات الأسماء موجودة.
والباقي المذكور تسع أدوات، كلها قد تضمن معنى (إن) وبذلك عملت عملها، وهي على خمسة أضرب: اسم محض، واسم يشبه الظرف، وظرف زمان، وظرف مكان، وجار على حكم ما صاحبه.
فالأول: ثلاث أدوات، وهي: من، وما، ومهما.
والثاني: (أنى) إذ هي في معنى (كيف) وقد تستعمل ظرفا كقوله: ﴾ أنك لك هذا﴾. أي من أين لك هذا؟ ويلحق بها (كيف) عند من ألحقها.
والثالث: (متى) و (أيان) ويلحق بها (إذا) في الشعر.
والرابع: (حيثما) و (أين).
والخامس: (أي) فهي بحسب ما تضاف إليه، إن أضيف إلى اسم محض فهي اسم، أو إلى ظرف فهي كذلك، نحو قولك: أيهم تكرمه يكرمك، وأي مكان تجلس أجلس فيه، وأي يوم تسر أسر معك.
وفي قوله: "وباقي الأدوات أسما" إشعار بانحتام اسمية (مهما) عنده، وهو كذلك عند النحويين، لثبوت اسميتها بإعادة الضمير عليها في
стр. 3503
نحو قوله تعالى: ﴾ وقالوا مهما تأتنا به من آية﴾ الآية، إلا أبا زيد السهيلي، فإنه زعم أنها تكون اسما في الموضع الذي يعود عليها فيه ضمير كما في الآية، وتكون حرفا في الموضع الذي لا يعود عليها فيه ضمير، كقول زهير بن أبي سلمى:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... ولو خالها تخفى على الناس تعلم.
قال: هي هنا حرف، لأنها لا موضع لها من الإعراب، فهي بمنزلة (إن) قال: وإنما كانت كذلك لأنها مركبة من (ما) الشرطية و (ما) الزائدة، فإذا غلب عليها حكم الحرف الزائد كانت حرفا، وإذا غلب عليها حكم (ما) الشرطية صارت اسما. ثم فرق في الدعوى بينها وبين (حيثما) و (كيفما).
ورد عليه الشلوبين بأنه بني في البيت على أنها ليس لها فيه موضع من الإعراب، وإنما ذلك إذا كان "من خليقة" فاعل "كان" إن كانت تامة، أو اسمها إن كانت ناقصة، و "من" زائدة، و"عند امرئ" خبر الناقصة، أو متعلق بها إن كانت تامة، وهذا لا ضرورة تدعو إليه إذا ثبت اسميتها، ويمكن أن يكون/لها في البيت موضع من الإعراب، بتقدير كون مرفوع
стр. 3504
(كان) ضميرا عائدا على "مهما" وأنثه حملا على المعنى، و"من خليقة" تفسير معنى "مهما" وهذا صحيح. وما ذكره من التوحيد إنما يصح مع موافقة السماع، وهو لم يوافقه فلا يلتفت إليه.
وقوله: "وحرف إذ ما" مبتدأ وخبر، والخبر مقدم، والأصل: وإذ ما حرف، ولكنه قدمه لما ذكر من التنكيت على مذهب المخالف، ويجوز أن تكون "حرف" مبتدأ خبره ما بعده، وابتدأ بالنكرة لما فيها من معنى الحصر المقصود، كقولهم: "شر آهر ذا ناب" أي: ما أهره إلا شر، فكذلك المعنى هنا.
فعلين يقتضين شرط قدما ... يتلو الجزاء وجوابا وسما.
ذكر في هذين الشطرين أولا أن هذه الأدوات المذكورة تطلب فعلين اثنين فالضمير في قوله: "يقتضين" عائد على لأدوات، والاقتضاء هنا بمعنى الطلب، أي يطلبن فعلين، والفعلان المطلوبان هما: فعل الشرط، ولا بد من كونه مجزوما في اللفظ إن كان مضارعا، أو في الموضع إن كان ماضيا، لأنهن من الأدوات الجوازم، وفعل الجواب، ولا بد أيضا من الجزم فيه، أو في موضعه.
وفي قوله: "فعلين يقتضين" إشعار بأن الأدوات المذكورة هي العاملة الجزم في الفعلين معا، لأنه وضعها جوازم، ثم ذكر محل الجزم الذي تطلبه، فذكر فعلين، فدل على أن الجزم فيهما معا بالأداة الداخلة على جملة الشرط، وهذا الذي ذهب إليه الناظم هو أحد المذاهب الأربعة في المسألة.
стр. 3505
فمن النحويين من ذهب إلى جزمهما بالأداة وحدها كما تقدم.
ومنهم من ذهب إلى أن الفعل الأول مجزوم بها، والثاني: مجزوم بفعل الشرط، فليس على هذا المذهب بجازمة إلا فعلا واحدا.
ومنهم من ذه إلى أن الأداة هي الجازمة للأول وحده، وأما الثاني فمجزوم بالأداة وما عملت فيه، وهو فعل الشرط. وعليه حمل قول الخليل: إنما إذا قلت: إن تأتني آتك، / ف (آتك) انجزمت ب (إن تأتني) وقد يظهر من كلام سيبويه في قوله: وينجزم الجواب بما قبله.
وذهب الكوفيون إلى أن جزم فعل الجواب على الجوار، لمجاورته المجزوم، وهو فعل الشرط.
والأصح من هذه المذاهب مذهب الناظم، وقد أشعر في كلامه بالعلة التي لأجلها ذهب إلى ما ذهب إليه، وذلك أن العمل أصله الطلب، فكل عامل/إنما يثبت له العمل إذا ثبت طلبه له، وإذا كان يطلب أكثر من عامل واحد فلا بد من أن يقتضي جميع ما يطلبه، كالفعل اللازم، والمتعدي إلى واحد، أو إلى اثنين، أو ثلاثة. وبهذا احتجوا في القول بعمل المبتدأ في الخبر، وليس بفعل ولا مشتق من فعل، وهو ظاهر.
لكن شرط العمل بعد ثبوت الطلب أمران:
أحدهما: الاختصاص وهو في الحقيقة، المحقق للطلب.
والثاني: أن لا يصير مع مطلوبه كالشيء الواحد، فالعلة هي الطلب، وهو المناسب للعمل وما عدا ذلك شرط.
следующие страницы →