← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

ويمكن أن يكون الحال والتمييز مثالين للثاني، لأن إضمارهما يمتنع من الوجهين: التعريف، وأنهما لمعنى لا يدل الإضمار عليه، فالإضمار يبطل المعنى المراد منهما، كما في النعت والمنعوت. هذا ما قاله ابن الضائع. ولا يجري اعتذاره في هذا النظم، لأن مقصوده الاختصار والجمع للمسائل المتعددة في اللفظ اليسير، بخلاف غيره ممن قصد البسط. ويسوغ الاعتذار عنه بما ذكر. وأيضا فإني أقول: أن اشتراط قبول التأخير غير محتاج إليه مع اشتراطه الاستغناء بأجنبي أو بمضمر، وذلك أن قبول التأخير احتراز من أسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، و (كم) الخبرية، وما أضيف إلى واحد من ذلك، ومن المضاف، وكل واحد من هذه لا يصح الاستغناء عنه بالضمير أصلا، لأن الضمير لا يؤدي معناه، ولا يخفض ما بعده، وقد تقدم التنبيه على ذلك، وهو احتراز أيضا من ضمير الشأن والقصة، وهو مما لا يصح فيه الاستغناء بأجنبي، إذ لا يقع موقعه غيره، ولذلك لم يقع ضميره موقعه كما تقدم، فإذن الشرطان الأولان فضل غير محتاج إليهما. وأما الاقتصار، وترك ما هو محتاج إليه، فإنه أهمل ذكر شروط سبعة سوى ما ذكر: أحدها: أن يكون في الإخبار عن ذلك الاسم فائدة، كجميع/ ما تقدم من الأمثلة الجائزة، فلو عرى الإخبار عن الفائدة لم يسغ فإذا قيل لك: أخبر عن "ضرب" من قولك: ضربت ضربا- لم يجز، لأنك إذا قلت: ] الذي [ضربته ضرب- كان غير مفيد، لأن كل أحد يعلم أن الذي

стр. 3607

ضربت ضرب، وقد رد مذهب أهل الكوفة في معاملتهم ضمير المتكلم والمخاطب، إذا أخبر عنه معاملة الظاهر حين أجازوا في الإخبار عن "أنا" من قولك: أنا قائم: الذي أنا قائم أنا، وفي: أنت قائم الذي أنت قائم أنت، وإنما رده أهل البصرة لأوجه، منها كون الخبر غير مفيد فالفائدة، ولا بد، مطلوبة في الإخبار. وكذلك لا يجوز أن يخبر عن "اثنين" من قولك: هذا ثاني اثنين، فلا تقول: الذي هذا ثانيهما اثنان، ولا عن "ثلاثة" من قولك: هذا ثالث ثلاثة، فلا تقول: الذي هذا ثالثهم ثلاثة، ولا ما كان نحو ذلك، لأن كونهما اثنين، أو كونهم ثلاثة قد تقرر قبل المجئ بالخبر، فكان الإخبار غير مفيد، فامتنع ذلك، والأمثلة في هذا كثيرة. والثاني: أن يكون ذلك الاسم متصرفا، يجري بوجوه الإعراب، ويقع فاعلا، ومفعولا، ومبتدأ، وخبرا، ونحو ذلك، وعلى الجملة فالمطلوب أن يصح استعماله مرفوعا خبرا، فأما إذا كان غير متصرف، ولزم طريقة واحدة، فلا يجوز الإخبار عنه، لما يؤدي إليه من إخراج الاسم عا ألزمته العرب، نحو (سحر) ليوم بعينه، لا يجوز الإخبار عنه، لأنه كان يخرج من لزوم نصبه على الظرفية إلى الرفع، وذلك غير جائز، وكذلك: سبحان الله، وعندك، وما أشبه ذلك، فلو أخبرت عن (سحر) من قولك: خرجت سحر، لقلت: الذي خرجت فيه سحر، وذلك لا يجوز. وكذلك لو قلت في (عندك): من (زيد عندك) - الذي زيد فيه عندك- لم يصح.

стр. 3608

فإن قيل: لم لا يجوز الإخبار عنه، ويبقى منصوبا فيكون خبرا عن (الذي)؟ فالجواب: أنه لا يجوز ننصبه خبرا إلا أن يكون ظرفا للمخبر عنه، والإخبار إنما هو أن تجعل الاسم الموصول هو المخبر عنه في المعنى، وإذا كان ظرفا له كان غيره، ولم يكن الظرف مخبرا عنه في المعنى. وهذا الشرط معتمد في "باب الإخبار" أيضا. والثالث: أن يكون غير تابع، ما عدا العطف بالحرف، فالنعت لا يجوز الإخبار عنه كما تقدم. وكذلك عطف البيان عند بن أبي الربيع وطائفة، لأن عطف/ البيان إنما يؤتى به بيانا، وأنت إذا أخبرت عنه، فجعلت في موضعه الضمير، فالضمير ليس ببيان، وإنما هو مبهم يحتاج إلى البيان. وكذلك التوكيد لا يجوز الإخبار عنه، لأن التوكيد إنما هو بألفاظ مخصوصة محصورة، والإخبار عنه يؤدي إلى تأكيد الظاهر بالمضمر مطلقا، وهو لا يجوز. وأما البدل فكذلك لا يجوز الإخبار عنه عند طائفة من النحويين، وقبحه المازني، لأنك إذا قلت: مررت برجل أخيك، فأخبرت عن البدل قلت: الذي مررت برجل به أخوك، فأتيت به، لا يستقل الكلام بدونه، ولذلك كان عند بعض النحويين في تقدير جملة أخرى. وقد أجاز فيه ذلك طائفة أخرى، وإليه مال ابن الضائع، وسوى بين البدل في هذا وبين العطف بالحرف. والمعطوف يجوز الإخبار عنه، فكذلك البدل، فكما تقول في (رأيت زيدا وعمرا) إذا أخبرت عن "عمرو": الذي

стр. 3609

رأيت زيدًا وإياه عمرو، فكذلك تقول في (رأيت زيدا أبا عبد الله) الذي رأيت زيدا إياه أبو عبد الله. وقد أجازه سيبويه: أزيد ضربت عمرا وأخاه. فكذلك يجوز: أزيد رأيت عمرا أخاه؟ وليس هذا موضع ذكر ذلك. والرابع: ألا يكون عامله اللفظي مقدرا غير منطوق به، فإن كان كذلك لم يجز الإخبار عنه. فإذا قلت: ما أنت إلا سيرا، فأردت الإخبار عن "سير" لم يجز، لأنك تقول: الذي ما أنت إلا إياه سير، والضمير لا يدل على فعل، فيبقى إذ ذاك بغير ناصب، وذلك ممتنع. وكذلك إذا قلت: له صوت صوت حمار. لا تقول فيه: الذي له صوت إياه صوت حمار. ومن ها هنا قالوا في الإخبار عما كان من المصادر نحو: تبسمت وميض البرق: من زعم أنه منصوب بفعل مضمر، أي أومضت وميض البرق، لم يجز الإخبار عنه لما تقدم. ومن نصبه بهذا الظاهر. وهو مذهب المازني، أجاز الإخبار عنه، فتقول على مذهبه: الذي تبسمته وميض البرق، والمذهب الأول مذهب سيبويه. والخامس: جواز وقوعه في الواجب، تحرزا من الأسماء اللازمة للنفي في الاستعمال، كأحد، وعريب، وكتيع، ونافخ، ونحو ذلك، فإن الإخبار عنها غير جائز، لما يؤدي إليه من استعمالها في الواجب على خلاف وضعها. فإذا أردت الإخبار عن "أحد" من قولك: ما رأيت أحدا، فقلت: الذي ما رأيته أحد، فقد

стр. 3610

أوجبت للذي ما رأيته أنه أحد، وذلك غير جائز، وكذلك سائر الأسماء/ المختصة بالنفي، بخلاف ما إذا أردت الإخبار عن "زيد" مثلا من قولك: ما رأيت زيدا، فإنك تقول: الذي ما رأيته زيد، فصح الإخبار، لأن "زيدا" يصح وقوعه في الواجب، نحو قولك: رأست زيدا، وجاءني زيد، وهذا ظاهر. وقد وجه ابن عصفور المنع هنا أيضا بأن "أحدا" يراد به العموم، وعلى هذا وضعه، و"الذي" إنما يراد به واحد معين، فلم يطابق الإخبار المخبر عنه. والسادس: أن يكون الاسم المخبر عنه بعض ما يصح الوصف به، من جملة، أو جملتين في حكم الجملة الواحدة مثل ما تقدم، والجملتان اللتان في حكم الجملة الواحدة كجملتي الشرط والجزاء، فتقول في الإخبار عن "زيد" من قولك: (إن قام زيد قام عمرو): الذي إن قام قام عمرو زيد، وفي الإخبار عن "عمرو": الذي إن قام زيد قام عمرو. وجملتي القسم والجواب، فتقول في الإخبار عن "زيد" من قولك: (والله لأكرمن زيدا): الذي والله لأكرمنه زيد. وجملتي التنازع، فتقول في الإخبار عن "الزيدين" من قولك: (أكرماني أكرمت الزيدين): اللذان أكرماني وأكرمتها الزيدان. وعن ضمير المتكلم: الذي أكرماه وأكرمهما الزيدان أنا. والجملتين المرتبطتين بالفاء، فتقول في الإخبار عن "زيد" من قولك: (يطير الذباب فيغضب زيد): الذي يطير الذباب فيغضب زيد، وعن "الذباب" الذي يطير فيغضب زيد الذباب. فساغ الإخبار عن الاسم في هذه لأمثلة لصحة الوصف بها، فلو

стр. 3611

لم يصح الوصف لم يخبر عنها، كالاسم في الجملة الطلبية أو الإنشائية نحو: اضرب زيدا، ولعل زيدا قائم، وعسى زيد أن يقوم وما أشبه ذلك، فلا يجوز أن تقول: الذي اضربه زيد، ولا الذي لعله قائم زيد، ولا ما أشبه ذلك. وكذلك الاسم في الجملتين المستقلتين، وليس في الأخرى ضميره، نحو: قام زيد وخرج عمرو، فلا تقول في الإخبار عن "زيد" الذي قام وخرج عمرو زيد، إذ لا عائد على الجملة الثانية. وهذا الشرط استدركه ابن الناظم في "شرجه" وكأنه عنده ضروري في الموضع. والسابع: أن يكون الاسم تاما لابعض اسم في الحقيقة، لأنه إن كان كذلك لم يصح الإخبار عنه، كالاسم الثاني من المركب في لغة الإضافة، نحو: "كرب" من: معد يكرب، والاسم الثاني من أكلني، نحو "بكر/ من: أبي بكر، وكذلك الأسماء المسمى بها من المضاف والمضاف إليه، نحو: "امرئ" من امرئ القيس، وكذلك "قبان" من: حمار قبان، و"قترة" من: ابن قترة، إذ كان (كرب، وبكر، والقيس، وقبان، وقترة) حين استعملت في هذه الأسماء غير مراد بها معنى، ولا مسمى تحتها، وإنما هي بمنزلة الدال من (زيد) لأنها في تعليقها على مسمياتها كزيد في تعليقه على مسماه، فكما لا يخبر عن جزء (زيد) كذلك لا يخبر عنا تنزل منزلته، فلو أردت الإخبار عن "بكر) من قولك: (أكرمت أبا بكر) فقلت: الذي أكرمت أباه بكر، لم يصح، وكذلك في (رأيت امرأ القيس)

стр. 3612

لا تقول: الذي رأيت امرأه القيس. وأجاز المازني الإخبار عن جميع ذلك، فسوغ أن يقال: الذي أكرمت أباه بكر والذي رأيت حماره قبان، وسائر ما يتصور منها، مستدلا على الجواز بقول الشاعر: *أو حيث على قوسه قزح* فأخبر عن "قزح" من "قوس قزح" وهي القوس التي في السماء، و"قزح" وحده ليس تحته معنى: قال ابن عصفور: وهذا لا حجة فيه لأن "قزح" اسم شيطان، فلعل قول العرب: قوس قزح، على نسبة القوس إلى الشيطان، فلا يكون بمنزلة قبان، ولا قترة. قال ابن الضائع: وهذا ضعيف جدا وشاذ، لا يقاس عليه. فهذه شروط سبعة أهمل الناظم ذكرها، فاقتضى كلامه جواز كل ما منعت هذه الشروط من المسائل المتقدمة في التمثيل، وما كان من بابها، وذلك فاسد. ولم يظهر لي في الوقت جواب عن النظر الأول. وأما النظر الثاني: فإن ذكر هذه الشروط غير ضروري عليه. أما الشرط الأول، وهو حصول الإفادة، فإن ذلك معلوم من خارج، ومن النظم، لأنهم إنما يأتون بالإخبار على طريق أنه كلام مستقل، وذلك يستلزم

стр. 3613

كونه ذا فائدة، إذ يشترطون في الكلام الإفادة، كما قال الناظم: (كلامنا لفظ مفيد كاستقم) فلم يذكر هذا الشرط لأجل هذا. وأما اشتراط التصرف فمعلوم من فرض المسألة، لأن فرض الإخبار إنما هو فيما يصح الإخبار عنه أو به، والأسماء غير المتصرفة لا يجوز أولا الإخبار بها ولا عنها، فلا يتصور فيها الإخبار إذ ذاك. وأما اشترط كون غير تابع، فلا يلزم ذكره أيضا، لأن النعت وعطف البيان داخلان تحت شرط االغناء عن المخبر عنه بمضمر. أما النعت: فقد تقدم بيانه، وأما عطف البيان فمن منع ذلك فيه علل بأن/ خلفه غير مبين كنفس المعطوف، وهذا راجع إلى أن الضمير لا يقع في موضعه، ولا يستغنى به عنه. وأما البدل فالظاهر فيه الجواز كما تقدم ذكره. وأما اشتراط ظهور العامل اللفظي فراجع أيضا إلى أن الضمير لا يستغنى به عنه، لان وقوع المصدر بنفسه في نحو: ما أنت إلا سيرا، فيه دلالة على العامل، بخلاف الضمير فإنه لا يدل عليه، فلم يقع إذن خلفا له. وأما اشتراط وقوعه في الواجب فكذلك أيضا داخل تحت اشتراط الاستغناء عنه بالضمير، لأن الأسماء المستعملة في النفي عامة فيما دلت عليه، والضمير الذي يخلفها خاص لا عام، لأنه عائد على "الذي" و "الذي" واقع في الواجب فلا يعم، فلم يغن عنه إذن. وأما اشتراط صحة الوصف به غير محتاج إليه في هذا الباب، لأنه خاص بباب الموصول لا بباب الإخبار، وقد تقدمت الإشارة

стр. 3614

إليه في بابه. وأما اشتراط التمام في الاسم فداخل تحت اشتراط الإفادة، وقد تقدم جوابه. هذا ما ظهر من الجواب عن الشروط، وفي بعضه ضعف. ثم أخذ يذكر حكم الإخبار بالألف واللام فقال: وأخبروا هنا بأل عن بعض ما ... يكون فيه الفعل قد تقدما. إن صح صوغ صلة منه لأل ... كصوغ واق من وقى الله البطل. يعني أن النحويين أخبروا في هذا الباب بالألف واللام، ويريد الموصولة، كما أخبروا ب (الذي) و (التي) وفروعهما عن بعض ما يكون فيه الفعل مقدما. و"ما" هنا موصولة واقعة على الكلام الذي يخبر عن بعضه. والكلام الذي يتقدم فيه الفعل هو الجملة الفعلية، و"البعض" هنا أيضا واقع على الاسم، كأنه قال: أخبروا هنا بأل عن الاسم الذي هو بعض كلام يتقدمه الفعل، أي الاسم الواقع في الجملة الفعلية. فإذا قلت: قام زيد، فزيد بعض هذه الجملة الفعلية، وكذلك ضرب زيد عمرا، فزيد وعمرو بعضان من الجملة، وكذلك ما أشبهه. ومثال ذلك أن تريد الإخبار عن "زيد" من قولك: (قام زيد) بالألف واللام، فإنك تقول: القائم زيد، وذلك بأن تبدل من العامل في الاسم الذي تريد الإخبار عنه بالألف واللام واسم الفاعل إن كان العامل فيه فعل فاعل، أو تسم مفعول إن كان العامل فيه فعل مفعول، ثم تدخل عليه الألف واللام التي بمعنى (الذي)

стр. 3615

و (التي) وتبدل/ من الاسم الذي تريد الإخبار عنه في موضعه ضميرا على حسبه في الإعراب، والإفراد والتثنية والجمع، ويكون ذلك الضمير عائدا على الألف واللام، إذ قد تقدم من كلام الناظم أنها اسم في "باب الموصول" والألف واللام في الأحوال كلها على حال واحدة، ثم تصير ذلك الاسم الذي أردت الإخبار عنه خبرا لذي الألف واللام، ف (القائم) في مسألتنا قد استتر فيه ضمير عائد على الألف واللام، وهو خلف: "زيد؟ في الرفع على الفاعلية. وكل ما تقدم من الشروط المشترطة في الإخبار ب (الذي) جارية هنا، إذ لم يخص الناظم ذلك الاشتراط ب "الذي" دون غيرها لقوله: قبول تأخير وتعريف لما ... أخبر عنه ههنا قد حتما. فقوله: (هاهنا) يعني في هذا الباب لا في (الذي) خاصة، ولذلك قال في هذا الموضع: "وأخبروا هنا" أي في المواضع الذي أخبر فيه ب (الذي) والموضع الذي يخبر فيه ب (الذي) لا بد من توفر الشروط فيه، فكذلك فيما وقع موقعها، واستعمل في موضعها. ويزيد هذا الموضع شرطين ذكرهما الناظم زيادة على تلك الشروط المذكورة قبل: أحدهما: أن يكون الكلام المتضمن للاسم المخبر عنه جملة فعلية، وهي التي يتقدمها الفعل، وذلك قوله: "عن بعض ما يكون فيه الفعل قد تقدما". فإذا كان كذلك صح الإخبار بالألف واللام، كما إذا أخبرت عن

стр. 3616

"زيد" من قولك: ضرب زيدا عمرا، فإنك تقول: الضارب عمرا زيد، والضمير الذي هو خلف "زيد" مستتر تظهر علامته في التثنية والجمع كقولك الضاربنان عمرا الزيدان، والضاربون عمرا الزيدون فإن أخبرت عن عمرو قلت: الضاربه زيد عمرو، وكان الأصل أن يقال: الضارب زيد إياه عمرو، لأن موضع المفعول بعد "زيد" لكنه لما كان الاتصال ممكنا لم يعدل عنه، لأنه ممكن التقديم، ولا فاصل بينه وبين عامله يمنع من اتصاله، فلا بد من الاتصال، ولا بد من التقديم على الفاعل، إذ ليس في الكلاك: زيد ضرب عمرو وإياه، وعلى هذا النحو تقول في نحو: علم زيد عمرا أخاك، إذا أخبرت عن "زيد" قلت: العالم عمرا أخاك زيد، وإن أخبرت عن "عمرو" قلت: العالمه زيد أخاك عمرو، إذا وصلت الضمير، وإن فصلته تركته في موضعه الأصلي فقلت: العالم زيد عمرا إياه أخاك عمرو، وإن أخبرت عن "الأخ"/قلت: العالم زيد عمرا إياه أخوك، إذا فصلت، وإن وصلت قلت: العالمه زيد عمرا أخوك. فإن كانت الجملة غير فعلية، سواء أكانت عرية عن الفعل جملة، نحو: زيد أخوك، أم فيها فعل مؤخر، نحو: زيد يقوم- فلا يصح الإخبار فيها عن الاسم، لتعذر صوغ اسم الفاعل أو اسم المفعول. فإذا قيل لك: أخبر عن سزيد" من قولك: (زيد قائم) بالألف واللام، فالمسألة لا تتصور، وكذلك: زيد قام وعمرو أكرمته، ونحو ذلك، لأن الفعل في ذلك غير متقدم، وذلك لأن الألف واللام إنما توصل باسم الفاعل واسم المفعول، نحو: الضارب، والمضروب، وذلك لا يبنى إلا من الفعل. وكا جاء من قول الشاعر:

стр. 3617

من القوم الرسول الله منهم ... لهم دانت رقاب بني معد فشاد لا يقاس عليه. وأيضا فلا يبنى من الفعل أينما وقع، وإنما يبنى منه إذا كان صدر الجملة، فلو كانت الجملة الفعلية لكن تقدم مفعولها عليها، نحو: زيدا ضرب عمرو- بل لم يسغ إلا أن يتقدم الفعل. وكذلك إذا كان الفعل متقدما على جميع معمولاته، لكن تقدمت عليه أداة من الأدوات الداخلة للمعاني أو للعمل في ذات الفعل، فلا يصح الإخبار أيضا، ويدل على ذلك قوله: "يكن فيه الفعل قد تقدما" فنص على التقدم بإطلاق. فإذا دخلت عليه أداة لم يصح إطلاق التقدم إلا مجازا، فإذا أردت الإخبار عن "زيد" في (ما يقوم زيد) أو (لا يقوم زيد) لم يسغ مع (ما) أو مع (لا) صوغ اسم الفاعل. وقد قيد في "التسهيل"، الفعل المصوغ منه بأن يكون موجبا، تحرزا من المنفى. وكذلك إذا أردت الإخبار عن "زيد" في قولك: (لم يقم زيد) و (إن قام زيد قام عمرو) وما أشبه ذلك. والإخبار عنا ب (الذي) سائغ، فتقول: الذي ما يقوم زيد، والذي لا يقوم زيد، والذي لم يقم زيد، والذي إن قام قام عمرو زيد. وسبب المنع عنا ما في الألف واللام من عدم تأتي صوغ الصلة ل (أل) مع تلك الأدوات المتقدمة، فكأن الفعل معدوم وجودا. والشرط الثاني: أن يصح صوغ اسم الفاعل من ذلك الفعل، وبناؤه منه، وذلك قوله: "إن صح صوغ صلة منه لأل" والضمير في "منه" يعود إلى الفعل.

стр. 3618

والصوغ بمعنى البناء والتحليق، يقال: صغت الشيء أصوغا، كأنه قال: إن صح أن يبنى من ذلك الفعل ما يكون صلة لأل، ولم يعين / هنا اسم فاعل من اسم مفعول، بل عبر بالصلة، لأنها أعم، وقد تقدم في باب "الموصول" أن الألف واللام توصل بالصفة الصريحة، من اسم فاعل، أو اسم مفعول، لكن إنما يصاغ اسم الفاعل من فعل الفاعل، واسم المفعول من فعل المفعول، وهذا معلوم. فمثال الصلة من اسم الفاعل ما تقدم من المثل، ومنه مثال الناظم الذي أشار إليه وهو "واق من وقى الله البطل". فإذا أخبرت عن اسم "الله" بالألف واللام من المسألة قلت: الواقي البطل الله، أو من "البطل" قلت: الواقية الله البطل. ووقى الله الرجل، يقيه وقايه- بالكسر- أي حفظه. والبطل: الشجاع، يقال: بطل- بالضم- يبطل، بطوله، أي شجع. ومثاله من اسم المفعول، كما إذا أخبرت عن "زيد" من قولك: (ضرب زيد) فإنك تقول: المضروب زيد، وخلف "زيد" مستتر في "ضرب الزيدان) عائد على الألف واللام، وتظهر علامته في غير الإفراد إذا قلت في (ضرب الزيدان) أو (الزيدون): المضروبان الزيدان، والمضروبون الزيدون. وكذلك إذا قلت: علم زيد أخاك، فأردت الإخبار عن "زيد" قلت: المعلوم أخاك زيد. وعن الأخ قلت: المعلومه زيد أخوك، أن فصلت قلت: المعلوم زيد إياه أخوك. فإن كل الفعل لا يصح أن يصاغ منه صلة لأل، فلا يتصور الإخبار بالألف واللام.

стр. 3619

والفعل الذي لا يتصور ذلك فيه على أوجه: منها أن يكون غير متصرف، بل شبيها بالحرف كليس، فمثل هذا إذا وقع صدر الجملة لا يصح الإخبار فيها بالألف واللام، لأنه لا يصح أن يبني منه اسم فاعل. فإذا قيل لك: أخبر عن "زيد" من قولك: ليس زيد منطلقا فقل لا يصح، بخلاف "كان" وأخواتها، وإن لم تتمحص للفعليه لعدم دلالتها على الحدث، فإنها تتصرف تصرف الأفعال الحقيقية، فتقول إذا أخبرت عن زيد من قولك: (كان زيد أخاك) الكائن أخاك زيد، وفي الإخبار عن "الأخ" تقول: الكائن زيد إياه أخوك، أو الكائنه زيد أخوك. وأما (ليس) فإنها هي في حكم (ما) فلا يبنى منها شيء أصلا. ومنها أن يكون الفعل دالا على الحدث والزمن، قابلا للتصرف، لكنه لم يتصرف فيه اتفاقا لا استغناء، نحو: (تبارك) و (سقط في يده) و (ينبغي) وما كان من بابها. فإنها لم يستعمل منها فعل مغاير، ولا يبنى من مصادرها غيرها إن فرض وجود مصادرها فإذا قيل لك: أخبر عن اسم "الله" من قولك: (تبارك الله) لم يسغ، لأن العرب لم تستعمل منه: (متبارك) / فلا تقول: المتبارك الله، وكذلك "زيد" من قولك: سقط في زيد، لا تقول: المسقوط في يده زيد، وكذلك سائرها. ومنها أن يكون الفعل متصرفا إلا أنه لم يستعمل منه اسم فاعل ولا مفعول، نحو (يذر، ويدع) فلا يجوز فيها الإخبار بالألف واللام، فلا تقول في (يدع زيد): الوادع زيد، ولا في (يذر زيد): الواذر زيد، لرفض العرب

стр. 3620

لذلك، استغناء باسم الفاعل من (تبارك الله) وكذلك إن كان متصرفا، لكنه لم يستعمل منه اسم مفعول، فلا يجوز الإخبار هنا إذا كان فعل الجملة مبنيا للمفعول، ومثله اين عصفور بقولهم: غلب زيد، إذا جعل غالبا، قال: ولا يقال في هذا المعنى: مغلب. قال: وإنما المغلب المغلوب. وما فرضه ابن عصفور مثالا لو ثبت كذلك لكان صحيحا، ولكن الجوهري حكى في (المغلب) أنه المغلوب كثيرا. قال: والمغلب أيضا من الشعراء المحكوم بالغلبة على قرنه. فقد حكى الجوهري ما لم يحكه ابن عصفور، ولكن ابن عصفور اتبع في ذلك ما نقل عن يونس، ونقله ابن قتيبية، أنه يقال للشاعر إذا غلب: مغلب، وإذا غلب قيل غلب، وسلمه ابن السيد، ولم يحك خلافه. فعلى هذا يصح الاستشهاد بالمثال المذكور. فإن قلت: هل صوغ اسم الفاعل أو المفعول عند الناظم لازم في باب الإخبار حين اشترط في الفعل أن يصح منه الصوغ، أم ليس عند بلازم، لأنه لم يحتم القول بالصوغ، بل شرط صحته، ولا يلزم من إمكان الصوغ وصحة وجوده حتما؟ . فالجواب: أن هذا الموضع لم يتعرض فيه للزوم الصوغ، وإنما الباب جار على باب "الموصول" وقد مر له فيه ما يقتضي صحة وصل الألف واللام بالفعل المضارع في الاختيار، وإن كان قليلا بالنسبة إل وصلها بالصفة، فلا مانع من

стр. 3621

اعتباره هاهنا، لأن الجميع من باب "الموصول" فإذن يصح لك أن تدخل الألف واللام على الفعل نفسه، إذا كان مضارعا، لا إذا كان غير مضارع، فتقول في الإخبار عن "زيد" من قولك: (يضرب زيد عمرا) اليضرب عمرا زيد، كأنك قلت: الضارب عمرا زيد، وفي الإخبار عن "عمرو": اليضربه زيد عمرو، كما في اسم الفاعل مطلقا. وقد تقدم التنبيه على أن هذا المذهب للمؤلف مذهب مخترع/ نحلة مبتدعة، خالف جميع النحويين، وطريقة العرب، وهو مذهب فاسد بعيد عن الصواب. ولما كان الوصف الذي به وصلت الألف واللام تارة يجري على من هو له، كما تقدم، فلا يحتاج إلى زيادة على ما ذكر من الحكم، وتارة يجري على غير من هو له، فلا بد من بروز الضمير الذي رفعته الصفة- أخذ يذكر ذلك فقال: وإن يكن ما رفت صلة أل ... ضمير غيرها أبين فانفصل. يريد أن الصفة الواقعة صلة للألف واللام إذا رفعت الضمير- ولا ترفع الضمير إلا وهو عائد على الألف واللام، إذ لا بد من ضمير من الصلة عائد على الموصول- فإن ذلك الضمير إذا كان لغير الصلة، أي ليس واقعا عليها من جهة المعنى، لا بد من فصله وإبرازه، ليكون فصله وإبرازه دليلا على أن الوصف جرى على غير من هو له، إذ لو بقى موصولا لالتبس، وقد مر هذا في باب "الابتداء" حيث تعرض له الناظم. وهذا الكلام تضمن ثلاث مسائل، واحدة بالتصريح، واثنتان بالمفهوم.

стр. 3622

إحداها: أن يكون مرفوع الصلة غير ضمير، بل ظاهرا، فهذا لا ضمير يبرز فيه، وإنما مرفوعه ظاهر، لكن لا بد من ضمير عائد على الألف واللام، ليس بمرفوع، فيكون في نفسه بارزا اتصل بالصفة أو انفصل لموجب غير الإخبار، وذلك إذا أردت أن تخبر "عمرو" من قولك: ضرب زيد عمرا، فإنك تقول: الضاربه زيد عمرو، فالألف واللام هنا لغير "الضارب" وغنما هي لصاحب الضمير المنصوب، وهو "عمرو" فقد جرت الصفة على غير من هي له، وهذا شأنها إذا رفعت الظاهر أبدا، ولا يلزم في ذلك محذور (اللبس). وكذلك إذا أخبرت عن "زيد" من قولك: ضرب أخو زيد عمرا. قلت: الضارب أخوه عمرا زيد، وما أشبه ذلك. ولما كان اللبس مع رفع الظاهر منتفيا صيروا الضمير المرفوع بالصفة عند اللبس كالظاهر بالفصل، لزوال اللبس بظهوره، تشبيها له بالظاهر حقيقة. وهذه المسألة هي التي أحرز بقوله: (وإن يكن ما رفعت صلة أل ضمير غيرها) فأخرج الظاهر من هذا الحكم، إذ لا مدخل له فيه. والثانية: أن يكون مرفوع الصلة ضميرا، لكنه ضمير الألف واللام، فمقتضى كلامه/ انه لا يفصل ولا يبان، وهذا صحيح، لأنه لا يفصل إلا عند اللبس، وذلك عند جريان الصلة على غير من هي له، فالألف واللام معناها معنى الصلة، والضمير المرفوع عائد على الألف واللام، فانتظم الكلام، فلا موجب للفصل، وذلك كقولك: ضرب زيد، فإذا أخبرت عن

стр. 3623

"زيد" قلت: الضارب زيدد، فالألف واللام والصلة معا لزيد، فلا يبرز الضمير، وكذلك ما أشبه هذا. والثالثة: هي المنصوص عليها، وهي أن يكون مرفوع الصلة ضميرا ليس لها من جهة المعنى، فلا بد هنا من إبرازه، لانه عائد على الألف واللام، والألف واللام ليست للصلة، فقد جرت الصفة على غير من هي له، فإذا أخبرت عن "زيد" من قولك: ضربت زيدا- قلت: الضاربه أنا زيد، فأبرزت الضمير المستتر في "الضارب" وليس العائد على الألف واللام، لأن الألف واللام لزيد، وهو المفعول، لا للمتكلم و"الضارب" للمتكلم لا لزيد، فوجب إبراز الضمير. وكذلك إذا أخبرت عن الكاف من (ضربتك) قلت: الضاربه أنا أنت، فالألف واللام ل (أنت) والصفة ل (أنا) فلم يستتر الضمير. وكذلك إذا أخبرت عن الياء في (ضربتني) قلت: الضاربه أنت أنا، فالألف واللام هنا ل (أنا) و"الضارب" هو "أنا" وإن شئت قلت في هذه المسألة: الضاربي أنت أنا، فأتيت بالضمير العائد على الألف واللام على المعنى، على حد قول الشاعر: وأنا الذي قتلت بكرا بالقنا ... وتركت تغلب غير ذات سنام وعلى هذا الوجه أتى النحويون بالبيت المشهور، الذي أنشده ابن النحاس

стр. 3624

في "كافيه" وقال أنسد أبو بكر بن شقير النحوي: كيف أشكو منك ما حل بنا ... أنا أنت الضاربي أنت أنا وأبنت الشيء، أبنيه، أي أزلته وأذهبته. وأبنته أيضا: قطعته وفصلته. ومن قولهم: ضربه فأبان رأسه من جسده، وهذا الثاني هو مقصود الناظم، أي قطع من الفعل فانفصل.

стр. 3625

العدد ثلاثة بالتاء قل للعشره ... في عد ما آحاده مذكره. في الضد جرد والمميز اجرر ... جمعا بلفظ قلة في الأكثر. شرع الناظم- ﵀ في الكلام على الأعداد ومميزتها، وابتدأ ب (ثلاثه/ وثلاث) وترك ذكر (واحد، واثنين) لأنه إنما يتكلم فيما يتعلق بالمقاييس النحوية، واحد، واثنان ونحوهما من باب اللغة، وقد تقدم أن اثنين واثننتين يجريان كابنين وابنتين، وكذلك ثنتان كاثنتين، فالذي لما قبل الثلاثة في العدد من الألفاظ: واحد للمذكر، وواحدة للمؤنث، واثنان، واثنتان، وثنتان للمثنى، ولا يحتاجان إلى التفسير، فلا يقال: اثنا دراهم، ولا ثنتا أذرع، وكذلك (الواحد) لا يقال: واحد دراهم، ولا واحدة أذرع، وما جاء بخلاف ذلك فشاذ نحو، قول الراجز:

стр. 3626

كأخ خصييه من التدلدل ... ظرف عجز فيه ثنتا حنظل هذا إذا أرادوا أن ياتوا بألفاظ العدد أنفسها، وإنما لم يحتاجوا فيها إلى التفسير استعناء عنه، إما لإتيانهم في الكلام بما يبينها، كقولك: عندي من الأولاد اثنان، ومن البنات ثنتان، ونحو ذلك. وإما الإتيان بالمعدود نفسه، وهو أحرى بعدم التفسير، للاستغناء بلفظ الإفراد ولفظ التثنية، كقولهم: رجل، ورجلان، وامرأة، وامرأتان، وبنت، وبنتان، ونحو ذلك، فإذا أكدوا بالبيان أتوا بألفاظ العدد تابعة، فقالوا: رجل واحد، وامرأة واحدة، ورجلان اثنان، وامرأتان ثنتان، وشبه ذلك. وهذا كله ليس من هذا الباب، فلذلك لم يتعرض الناظم لذكره، ولإرادة الاختصار، ولا تعرض لذكر ذلك لما كان به بأس، لأنه تكميل كما فعل غيره من النحويين. وقوله: (ثلاثة بالتاء قل للعشرة) إلى آخره. يعني أنك إذا عددت ما كانت آحادة مذكرة لا مؤنثة، من ثلاثة إلى عشرة، فإنك تأتي في ألفاظ العدد فيه بالتاء التي للتأنيث، فتقول: ثلاثة رجال، وأربعة رجال، وخمسة رجال، وستة رجال، وكذلك في: سبعة، وثمانية، وتسعة، حتى تنتهي إلى العشرة، وهذا معنى "للعشرة" أي منتهيا إليها، واللام قد تأتي بمعنى (إلى) كقوله تعالى: ﴾ سقناه لبلد ميت﴾. وقوله: ﴾ كل يجري لأجل مسمى﴾. وخص ذلك بالثلاثة إلى العشرة، لأن ما فوق ذلك له حكم آخر. وأما إذا كان العدد للمؤنث فبخلاف المذكر، لا تلحقه التاء، بل يجرد اسم

стр. 3627

العدد منها، وذلك قوله: (في الضد جرد) والضد هو ضد المذكر المذكور، وهو المؤنث/ ومفعول "جرد" محذوف، وهو ثلاثة وما بعده إلى العشرة، أي جرد هذه الأسماء عن التاء المذكورة، فتقول: ثلاث بنات، وأربع أخوات، وما أشبه ذلك. والتأنيث المذكور هنا هو التأنيث المعنوي، كان حقيقا أو مجازيا، لا التأنيث اللفظي الذي هو بالتاء، كطلحة وحمزة، ونحو ذلك، فإنك تقول: ثلاثة طلحات، وأربعة حمزات، ولا تقول: ثلاث أو أربع. وكذلك في التذكير، إنما المعتبر التذكير المعنوي لا اللفظي، فزينب، وهند، ودعد ألفاظ لا تأنيث فيها، ومع ذلك لا تلحق التاء في عدها، لأنها في المعنى مؤنثة، فتقول: ثلاث زيانب، وأربع دعدات، ونحو ذلك. وكذلك التأنيث المعنوي المجازي، كدار ونار، ونحو ذلك، فإن التأنيث فيها معنوي بالمجاز، فتحذف التاء من العدد معها. وشرط في التذكير والتأنيث هنا أن يكون في الآحاد، لأنه قال: "في عد ما آحاده مذكرة" ثم قال: "في الضد جرد" أي في ضد ما ذكر من الآحاد المذكورة، وهي الآحاد المؤنثة، فلذلك يقال: ثلاثة سجلات، وأربعة سرادقات، وخمسة حمامات، وستة دنينيرات، وما أشبه ذلك، لان المفرد مذكر، فيعتبر وإن كان الجمع مؤنثا. وطائفة من النحويين خالفت هذا، فاعتبرت لفظ الجمع لا لفظ المفرد، فيقولون: ثلاث سجلات وأربع حمامات، وخمس سرادقات، ونحو ذلك. والعرب على خلاف ما قال هؤلاء، بل هم يلحقون التاء في هذا، وهو مذهب البصريين، وإياه أختار الناظم على ما دل عليه كلامه.

стр. 3628

وعلى هذا التقدير فكل اسم فيه لغتان، التذكير والتأنيث، فإن لحاق التاء وعدم لحاقها معتبر بذلك، فعلى لغة التذكير تأتي بالتاء في العدد، وعلى لغة التأنيث تسقطها، فتقول في (لسان، وعضد، وحال): ثلاثة ألسنة، وثلاث ألسن، وثلاثة أعضاد، وثلاث أعضاد، وثلاثة أحوال، وثلاث أحوال. واختلف بعد تقرير الحكم النحويون في سبب لحاق التاء عند المذكر، وعدم لحاقها في عد المؤنث، وكان الأصل أن يكون عد المذكر بلفظ مذكر، وعد المؤنث بلفظ مؤنث. فقال بعضهم: إن ذلك للمشاكلة والمناسبة بين الأصول والفروع، فكأنهم جعلوا أصلا مع / أصل، وفرعا مع فرع، وذلك أن ألفاظ العدد كلها مؤنثة، فمنها ما هو مؤنث بعلامة، كثلاثة وأربعة، ومنها ما هو مؤنث بغير علامة، كثلاث وأربع، والمؤنث بالعلامة أصل للمؤنث بغير علامة. والمعدود أيضا على قسمين: مذكر ومؤنث، والمذكر أصل للمؤنث، فجعلوا الأصل من اسم العدد مع الأصل من المعدود، فقالوا: ثلاثة رجال، وجعلوا الفرع من ألفاظ العدد مع الفرع من المعدود، فقالوا: ثلاث نسوة. وهذا التعليل ظاهر من أبي القاسم الزجاجي. وعلل السيرافي بأن الثلاث إلى العشر من المؤنث مؤنثات الصيغة، فالثلاث كعناق، وأتن وعقرب، فصارت بمنزلة ما فيه علامة التأنيث، ولا يجوز أن تدخل تاء التأنيث على مؤنث كان تأنيثه بعلامة أو بغير علامة.

стр. 3629

وأما الثلاثة إلى العشرة من المذكر فإنما أدخلت الهاء فيها لأنها واقعة على جماعة، والجماعة مؤنثة، والثلاث من ثلاثة مذكر، فأدخلت التاء عليه لتأنيث الجماعة. وعلى هذا إذا سمي ب (ثلاث) الأول رجل لم ينصرف كعناق، إذا سمي به رجل، ولو سمي ب (ثلاث) من (ثلاثة) لا نصرف، لأنه بمنزلة (سحاب) من (سحابة) وقد علل بأشياء كثيرة، يكفي هذا منها. وعلى الناظم هنا سؤلات: أحدهما: انه اعتبر في لحاق التاء وعدم لحاقها مفرد المعدود، فعلى حكمه، من تذكير أو تامميث، أجرى اللحاق وعدمه، ولم يبين أن ذلك بالنسبة إلى الجمع أو غيره. والنحويون يقولون: إن المعدود إذا كان جمعا حقيقة فلا بد من اعتبار المفرد، كان الجمع مذكرا او مؤنثا، إلا ما ذكر من الخلاف، وكلامه على هذا صحيح. وإن كان اسم جمع أو اسم جنس اعتبر عند المؤلف اسم الجمع أو اسم الجنس، ولم يعتبر المفرد، فتقول: ثلاث من الشاء ذكور، وثلاث من النساء، وثلاث ذود، وأربع من الخيل، وتقول: ثلاثة رهط، قال تعالى: ﴾ وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض﴾ الآية. وتقول على طريقته أيضا: ثلاث من النخل، وثلاثة من النخل، لأن النخل يذكر ويؤنث، قال تعالى: ﴾ كأنهم أعجاز نخل خاوية﴾. وقال: ﴾ كأنهم أعجاز

стр. 3630

نخل منقعر﴾ وتقول: ثلاث من البط ذكور، وثلاث من الحمام، ونحو ذلك/ لأن اسم الجنس هنا فاعتبر، ولو فرض أنه مذكر للحقت التاء. هذه طريقة المؤلف. ولبعض المتأخرين في ذلك طريقة أخرى في اسم الجنس خاصة، وهو انه يعتبر واحده ليس إلا، فتقول: ثلاث نخل، لا غير، لأن واحدة (نخلة) وهي مؤنثة وأما اسم الجمع فكما تقدم. وذهب ابن عصفور والأبذي إلى أن اسم الجمع إما أن يكون لعاقل أو غيره، فإن كان لعاقل اعتبر واحده لا غير، لأن الإخبار عنه إخبار المذكر، وإعادة الضمير عليه كذلك، وإن كان لغير عاقل عومل معاملة المؤنث، لأن الإخبار عنه إخبار المؤنث، وإعادة الضمير عليه كذلك. وإن كان اسم جنس فوجهان، واعتبارا بتذكير لفظه وتأنيثه، وربما كان مؤنثا في الاستعمال لا غير، أو مذكرا لا غير، فاعتبر في العدد لفظه لذلك، فهذا طريقة ثالثة. وظاهر كلام الناظم اعتبار الواحد خاصة، إذ لم يقيد ذلك يكون المفسر جمعا أو غيره، فإذا أخذ على إطلاقه خرج عن كلام الناس، وعن كلام نفسه في "التسهيل" وغيره. قال في "شرح التسهيل" لما شرح ما أراد شرحه من لفظ التسهيل: فالحاصل أن نحو (ثلاثة) وأخواتها لتأنيث واحد مفسرها، لا لتأنيثه إن كان جمعا، ولتأنيثه نفسه دون تعرض

стр. 3631

لواحده إن كلام اسم جنس أو جمع. والذي يقتضي هذا النظم، ان يقال: ثلاث من النخل، خاصة، وأن يقال في نحو (ذود) إذا أريد به المذكر، ثلاثة ذود ذكور، ثلاثة من الخيل ذكور، كذلك. وهذا لا يقال. وقد كان يمشي له هذا الحكم في اسم الجنس على رأي من يرى ذلك، لكنه لا يمشي له في اسم الجمع أصلا، لان أسماء الجموع معتبرة في نفسها، ولا اعتبار بآحادها اتفاقا من أهل الطرق الثلاثة، فكلامه غير محصل. والسؤال الثاني: أن التذكير والتأنيث إما أن يريد به اللفظي أو المعنوي، وكلاهما مشكل. أما اعتبار اللفظي من غير اعتبار معنى فيلزمه أن يقول: ثلاث طلحات، وأربع حمزات، ونحو ذلك، وهو باطل اتفاقا، وأن يقول: ثلاثة زيانب، وأربعة دعود، في جمع: زينب، ودعد، ونحوه. وإن اعتبر التذكير والتأنيث المعنوي فيلزمه أن يقول: ثلاثة من البط ذكور، وأربعة / من القرود ذكور، وثلاثة عقارب ذكور، وغير ذلك مما له تأنيث معنوي، فكان يفرق بين الذكر والأنثى في هذا، وذلك غير صحيح لا يقول به أحد، فإن الأجناس، التي لها تأنيث معنوي، وتذكير معنوي، منها ما يكون فيه اللفظ تابعا للمعنى، كامرأة، وامرئ، وغلام، وجارية ونحو ذلك، ومنها ما لا يكون فيه اللفظ تابعا للمعنى، بل يكون الأمر بالعكس، فالبقرة، والشاة، والبطة، والحية، والعقرب، والحمامة، ونحو ذلك، مؤنثة اللفظ، كان المدلول ذكرا أو أنثى، فتقول: هذه حمامة ذكر، وحمامة أنثى، وهذه شاة ذكر، وشاة أنثى، وكذلك سائرها، فتعامل اللفظ على التأنيث في الإخبار عنه، والإشارة إليه، وإعادة الضمير عليه، وغير ذلك.

стр. 3632

من الأحكام الجارية على المؤنث. وإذا كان اعتبار التأنيث المعنوي أو اللفظي غير مطرج، واعتبار التذكير اللفظي أو المعنوي كذلك غير مطرد- لم يصح إطلاقه هنا، كان غير مستقيم. والجواب عن السؤال الأول أنه لم يتعرض في هذا النظم للكلام على اسم الجمع واسم الجنس، وذلك أن المعدود لا بد أن يتبع العدد تمييزا له، إذ لا يعرف المعدود من غير أن يذكر، وإذا كان كذلك فالناظم إنما ذكر هنا التمييز مقيدا بكونه جمعا بقوله: (والمميز اجرر جممعا) فهو إنما اعتبر الجمع خاصة، ولا شك أن المعتبر في لحاق التاء في العدد وعدم لحاقها ما يميز به، فإذا ميز بجمع اعتبر واحده في التذكير والتأنيث، فعومل اسم العدد على تلك القصد. وأما إذا ميز بغير ذلك فله حكم آخر لم يتعرض إليه بنص، فلا اعتراض عليه إلا من جهة ترك ذكر ذلك مع كثرته في تمييز الأعداد. ويجاب عنه بأن التمييز بالجمع الحقيقي أكثر، فلم يمكنه بالنسبة إلى قصد الاختصار إلا ذكره وحده. والجواب عن السؤال الثاني أن التذكير والتأنيث إنما يعتبر هنا بالمعاملة اللفظية، أعني معاملته في الإخبار عنه، وعود الضمير عليه، والإشارة إليه، وغير ذلك، فإذا كان معاملا في ذلك: معاملة المذكر اعتبر فيه التذكير البتة، ولا ينظر إلى غير ذلك، وإذا كان يعامل معاملة المؤنث اعتبر فيه التأنيث كذلك، وعلى هذا الترتيب تارة يكون اللفظ تابعا للمعنى، كما في: رجل وامرأة، وغلام، وجارية، وتارة يكون الأمر/ بالعكس، كما

стр. 3633

في حمامة، وعقرب، وحية، ونحو ذلك، فالاعتماد في التذكير والتأنيث لي استعمال العرب، ولذلك لم يقيدها الناظم بلفظي ولا معنوي، بل قال: "في عد ما آحاده مذكرة" و "في الضد حرد" يريد ما كان من الجمع آحاده مذكرة أو مؤنثة، ولم يقل: لفظيا ولا معنويا، فيرجع في ذلك الأحكام. وذلك واضح إن شاء الله تعالى. ثم قال: "والمميز اجرر جميعا" إلى آخره. يريد أن مميز هذا العدد الذي هو من ثلاثة إلى عشرة، إذا أتى به، فإنه يأتي وقد توفرت فيه ثلاثة أوصاف: أحدها: أن يكون مجرورا، فتحرز بذلك من مميز (احد عشر) وما بعده، إلى (تسعة عشر) وما بعده إلى (تسعة وتسعين) فتقول: خمسة أثواب، وأربعة رجال، وثلاثة أعبد، ونحو ذلك. وهذا لازم فيه. وأما النصب فبابه الشعر أو نادر الكلام الذي لا يقاس عليه، كما قام بعضهم: خمسة أثوابا. والمؤلف يحكي هذا في الثلاثة وما بعدها إلى العشرة، ولكنه لم يرها هنا الاعتماد عليه، وتبع في ذلك سيبويه، إذ لم يجز مثل هذا إلا في الشعر، وأنشد في مثله قول الربيع بن ضبع الفزاري. إذا عاش الفتى مائتين عاما ... فقد ذهب المسرة والفتاء

стр. 3634

وقد أجاز ابن خروف النصب في الكلام، وجعل الخفض هو الأكثر، قياسا على (العشرين) وكلام العرب على الإضافة، لان هذا النوع شبيه بإضافة الشيء إلى نوعه الذي هو منه، كثوب خز، وباب ساج، وخاتم حديد، وكذلك أضيف: مائة ثوب، وألف ثوب، ونحو ذلك، لأنه الأصل فيه. ولم يذكر هنا وجه خفض الممير، وكان من حقه أن يبين ذلك، لأن المميز هنا إذا خفض على وجهين: إحدهما: أن يخفض بالإضافة، وهو الأكثر، والآخر: أن يكون مخفوضا ب (من) نحو: ثلاثة من الرجال، وهذا أقل من الأول إذا كان الممير جمعا، فغن كان اسم جمع أو اسم جنس فلا بد من الإتيان ب "من" وما جاء على خلاف ذلك فغير مقيس عند المؤلف، فقد يذهب الوهم في إطلاقه الخفض إلا ما لا يسوغ. والجواب: أنه لما يذكر للجر أداة، ولم يأت بها دل ذلك على أن الخفض إنما هو بالإضافة لا بغيرها، وما جاء من الجر ب (من) فقليل. وأما اسم الجمع واسم الجنس فقد تقدم أنه لم يتكلم فيه، فلا يعترض به. والثاني: أن يكون جمعا، والجمع هنا هو الحقيقي/ وتحرز به من اسم الجنس واسم الجمع. أما اسم الجنس فمفرد، ولذلك تقول: نخل طويل، ونخل طويلة، فتعامله معامله المفرد. وأما اسم الجمع فكذلك أيضا، ألا ترى أنك تقول: هو الأنعام، وتجمع (الرهط) جمع المفرد، فتقول: أرهط وأراهط: جمع الجمع، نحو:

стр. 3635

كلب، أكلب، وأكالب، فما أراد إلا الجمع الحقيقي. وإطلاقه يشعر بأن هذا لا يختص بجمع تكسير دون جمع سلامة، بل يكون جمع مؤنث سالم، ونحو: سبع بقرات، وسبع سماوات، ويكون جمع مذكر سالك، نحو: ثلاث سنين، وأربع سنين، ويكون جمع تكسير، نحو: ثلاثة رجال، وأربعة أكلب، وثلاثة قرود. وما جاء مما عومل معاملة الجمع من غيره فقليل لم يعتبره، نحو قوله تعالى: ﴾ وكان في المدينة تسعة رهط﴾ وقول ﷺ : "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة" وقول العرب: ثلاثة أشياء، و"أشياء" اسم جمع عند سيبويه والجمهور، وقولهم: خمسة رجلة، وكان الأصل في مثل هذا ألا يضاف، بل يجر ب (من) لكنه عومل معاملة الجمع الحقيقي. وقد وجه هذا الاستعمال في (أشياء) و (رجلة) بأنهما كان لهما نصيب من الجمع على (أفعال) فلما عدلا، هذا إلى (فعلاء) وهذا إلى (فعلة) جعلا كالنائبين عن جمعيهما، ولذلك لحقتهما التاء في اسم العدد، فقالوا: ثلاثة أشياء، وثلاثة رجلة، بخلاف (ذود) و (رهط) فإنهما لما لم يكن لهما مفرد من لفظهما يستحق جمعا عدل إليهما، فكان ذلك فيهما على خلاف القياس. والثالث: أن يكون ذلك الجمع جمع قلة، لا جمع كثرة، وهذا الوصف هو المراد بقوله: (بلفظ قلة).

стр. 3636

وحاصل المسألة أن المعدود إما أن يكون له جمع قلة فقط، أو جمع كثرة فقط، أو الجمعان معا. فإن كان له جمع قلة فقط فهو الذي يميز به ليس غير. وجموع القلة في التكسير: أفعل وأفعال، وأفعلة، وفعلة. وجمعا السلامة للقلة عند طائفة. ولذلك لما قال حسان بن ثابت: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما. قيل له: لقد قللت جفان قومك وأسيافهم. فعلى هذا القول: سبع سماوات، وسبع بقرات، وتسع آيات، وثلاثة أرسان، لأن هذه الأشياء إنما جمعت جمع قلة، أي على مثال القلة. وإن/ كان له جمع كثرة فقط أتى به على ذلك للضرورة، نحو: خمسة دراهم، وستة دنانير، وأربعة رجال، أو أناسي. وإن كان له الجمعان معا فالأكثر أن يؤتى بجمع القلة، نحو: ثلاثة أكلب، وأربعة أفلس، وخمسة أكبش، ونحو ذلك. وقد يجوز: ثلاثة كلاب، وأربعة فلوس، وخمسة كباش. وقد قالوا: ثلاثة كلاب، مع وجود (أكلب)

стр. 3637

ولكنه قليل. ولذلك قال الناظم: (بلفظ قلة في الأكثر) يعني أن الأكثر في كلام العرب أن يضاف إلى العدد جمع القلة لا جمع الكثرة. وقد دخل له في هذه العبارة القسم الثاني، وهو ماله جمع كثرة فقط، فإنه، وإن كان يضاف العدد إلييهه ولا بد، فهو قليل في بابه، فعلى الجملة أضافة العدد إلى جمع الكثرة قليل. ومما جمع فيه التمييز على لفظ الكثرة، وإن كان له مثال قلة (ثلاثة قروء) مع أن له (أقراء) ومنه في الحديث: (دعى الصلاة أيام أقرائك) ولم تقل العرب: ثلاثة اقراء، كأنهم استغنوا بجمع الكثرة عن جمع القلة. قال المؤلف: لأن واحده (قرء) كفلس، وجمع مثله على (أفعال) شاذ، فترك لمخالفته القياس، وكذلك (شسع) قالوا: ثلاثة شسوع، مع أن له (أشساعا) وجمع مثله على (أفعال) مطرد، إلا ان أكثر العرب يستغنون ب (شسوع) عن (أشساع) فعدل عن جمع القلة لذلك، وكذلك (أربعة شهداء) عدل عن (أشهاد) فأوثر عليه، مع أن (أفعالا) يجمع عليه مثل: شاهد وشهيد وشهيد، كشريف وأشراف، وصاحب وأصحاب. فقد تقرر من هذا كله إن الإتيان بجمع القلة هو الأكثر، والإتيان بجمع الكثرة قليل. ووجه التفسير بجمع الكثرة وجهان:

стр. 3638

أحدهما: أن يكون من إضافة الشيء إلى جنسه، فهي من الإضافة التي على تقدير (من). والثاني: أن يكون من إضافة الجزء إلى الجملة، فهي بمعنى الإضافة التي بمعنى اللام. وهنا نظر من أوجه: أحدها: أن قوله: في الأكثر) يمكن أن يرجع إلى قوله: (بلفظ قلة) فيكون قد نبه على ما جاء هنا بلفظ الكثرة، كما تقدم تمثيله، ويمكن رجوعه إلى الأوصاف الثلاثة، فإن كل واحد منها أكثري كما تقدم. أما الأول: فعلى طريقة ابن خروف، حيث جعل النصب جائزا، والجر هو الأكثر. وأما الثاني: فلأنه قد جاء ما يخالفه كتسعة رهط، وخمس ذود ونحوه. وهذا أولى من الاحتمال الأول. والثاني: أن النحويين يجعلون من / جموع القلة جمع التصحيح، فاقتضى ذلك أن يكون أولى من جمع الكثرة في التكسير، وليس كذلك. قال المؤلف في "التسهيل": ولا يجمع المفسر جمع تصحيح، ولا بمثال كثرة من غير باب (مفاعل) إن كثر استعمال غيرهما إلا قليلا. فجعل جمع التصحيح في هذا الباب كجمع الكثرة، لا يصار إليه في غير ضرورة إليه إلا قليلا، فلا يجمع بالألف والتاء، ولا بالواو والنون، وإن كان قابلا لهما، مع وجود جمع قلة. وقد أطلق القول هنا في جمع القلة كيف ما كان، فاقتضى أنه أولى.

стр. 3639

وقد يقال: إنه لم يرد هنا إلا جمع التكسير، وترك جمع التصحيح فلم يذكره، ولكن كلامه لا يعطي شيئا من هذا أو يقال: إن هذا الجمع عنده جمع للقلة أو الكثرة، فيجري مجرى جمع الكثرة. والثالث: أنه لم يرتض مذهب المبرد في إجازة إضافة العدد إلى جمع الكثرة، قياسا على تأويل: ثلاثة من كذا، وأربعة من كذا، فيقول: ثلاثة كلاب، وثلاثة حمير. وجعل من ذلك قوله تعالى: ﴾ ثلاثة قروء﴾. ورد عليه بأن ذلك لو جاز لم يكن للقصر على القلة معنى، لأن كل جمع للكثرة صالح لأن يقدر ب (من) فكان يقال: ثلاثة فلوس، وثلاثة دور، ونحو ذلك. ولما كانت العرب قد تحررت جمع القلة إلا في القليل دل على أن ذلك القصد عندهم غير معتبر. ومائة والألف للفرد أضف ... ومائة بالجمع نزرا قد ردف. لما كانت مراتب العدد أربعا، مرتبة الآحاد، والعشرات والمئين، والآلاف، وابتدأ بذكر مرتبة الآحاد، وحكم التمييز معها، وأنه جمع مخفوض ذكر ما يشاركه في الخفض لا في الجمع، وهو (مائة) و (ألف). ونصب (المائة والألف) ب"أضف" و"للفرد" معلق به، أي: أضف المائة والألف للفرد، يعني أن هذين العقدين، وهما (مائة، وألف) مميزهما مفرد لا جمع، ومخفوض بالإضافة لا منصوب، فتقول: مادة رجل وألف رجل، ولا يقال: مائة رجال، ولا ألف رجال إلا ما نذر في (المائة) مما يذكر إثر هذا.

стр. 3640

ولما يعين هنا للمذكر محلا، ؟ وللمؤنث محلا، ولم يذكر علامة ولا تركها دل على أن (المائة، والألف) كذلك يكونان للمذكر والمؤنث معا، فتقول: مائة امرأة، وألف امرأة، ونو ذلك، وهو صحيح. ونبه بكونه يجربا لإضافة على أن ذلك هو الباب فيها، وما جاء على غير ذلك فنادر، نحو قول الربيع بن ضبع: /* إذا عاش الفتى مائتين عاما* البيت ثم ذكر أن (المائة) قد يأتي تمييزها بجمع لكن قليلا، وذلك قوله: "ومائة بالجمع نزرا قد ردف". يعني أن (مائة) جاءت مردفة بالجمع تمييزا قليلا. ومن ذلك قوله تعالى: ﴾ ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين﴾ بإضافة (مائة) إلى (سنين) وهي قراءة حمزة والكسائي. (مائة) مرفوع بالابتداء، خبره (قد ردف) أي قد تبع بالجمع. ولعل قائلا يقول: إن قوله: "ومائة بالجمع نزرا قد ردف" لم يعين فيه جرا ولا نصبا، فمن أين يعلم أنه قصد جمعا مضافا؟ فالجواب: أنه وصف المميز أولا بوصفين، وهما الإفراد والإضافة، ثم استدرك على وصف الإفراد شيئا، فبقي الوصف الآخر على وضعه، وهو الإضافة، فلا يمكن أن يريد غيره. وإنما كان (مائة، وألف) مضافين إلى مفرد، فخالفا (عشرا) وبابه

стр. 3641

في الإضافة إلى الجمع، وخالفا (عشرين) وبابه في الإضافة إلى منصوب، لأن (المائة) اجتمع فيها ما افترق في (عشر) و (عشرين) من الإضافة والإفراد، لأنها عقد العشرة، وتلي التسعين، فأخذت منهما حكمين، فالمائة من التسعين كالعشرة من التسعة. وربما لم يقولوا في (الألف): ألف رجال، ولا ألف رجلا، لأن (الألف) عوض من قولك: عشر مائة، وحكمها حكم ثلثمائة، وأربعمائة، فلما كان عوضا مما يميز بمفرد مضاف عومل معاملة ما عوض منه، فقيل: ألف رجل، وألف امرأة. ووجه الإضافة إلى الجمع في قوله تعالى: ﴾ ثلاثمائة سنين﴾ أنه وضع الجمع موضع المفرد، لان المفرد هنا في معنى الجمع، فحسن لذلك، جعله الناظم نزرا، لأن هذا لم يكثر في كلام العرب، وإنما كثر الإفراد، والمتبع هو السماع. واعلم أن الناظم أهمل هنا ذكر مسألتين: إحداهما: تمييز (مائة، وألف) إذا ثنيا، فإن الحكم فيهما حكم المفرد، فتقول: مائتا رجل، وألفا رجل، وقد ينصب في الشعر كما تقدم، وترك ذكر هذا قريب، اتكالا على أن المثنى حكمه حكم المفرد في التمييز، ومثل هذا لا يشكل إلحاقه بما ذكر. والثانية: تمييز ثلاث، وأربع، إلى التسع، إذا أضيف إلى (المائة) كيف

стр. 3642

تكون (المائة) إذ ذاك من الإفراد أو الجمع، إذ الوهم يذهب إلى الجمع، فيقول مثلا: ثلاث مئين، أو مئات، أو مئى كما قال: - وحاتم الطائي وهاب المئى* / ويكون العذر له في هذا الوهم أن (الثلاثة) وما بعدها إلى (العشرة) يفسر بجمع مخفوض. كثلاثة رجال، ولذلك جعله سيبويه القياس، فقال: وأما تسعمائة وثلاثمائة، فكان ينبغي أن يكون في القياس مئين ومئات، ولكنهم شبهوه بعشرين. وأحد عشر، حيث جعلوا ما يبين به العدد واحدا، لأنه اسم لعدد، كما أن عشرين اسم لعدد. ثم بين أنه لا يستنكر أن يوضع المفرد موضع الجمع، وأنشد على ذلك.

стр. 3643

وأيضاً فذلك الحكم ثابت في (الألف) إذا جاء مميزا للثلاثة وأخواتها، نحو: ثلاثة آلاف، وأربعة آلاف، ونحو ذلك، بخلاف (المائة). وأيضا فربما جاء ذلك مصرحا به في الشعر، كما قال كعب بن مالك الأنصاري. ثلاثة آلاف ونحن نصية ... ثلاث مئين إن كثرتا فأربع. فالقياس إنما هو إفراد (المائة) فتقول: ثلاثمائة، وأربعمائة، قال الله تعالى: ﴾ ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين﴾ الآية، وهو الوجه، وما عداه سماع لا يقاس عليه، وإن كان أصلا قياسيا، لأن السماع غلبه، والسماع هو المقدم ما لم يكن القياس مستعملا، فيكونا معا معتبرين في القياس. وهذه مسألة بيانها في الأصول، فكان من حقه أن يبين ذلك، لأنه ضروري. ولم يحتج إلى ذكر حكم (ثلاثة) وأخواته مع (مائة، وألف) لأن كلامه أولا يشمله، إذا كان (الألف) لفظا مذكرا فتلحق التاء، فتقول: ثلاثة آلاف، وأربعة آلاف، ولفظ (المائة) مؤنث، فلا تلحق التاء، فتقول: ثلثمائة، وأربعمائة، وكذلك ما بعد إلي (تسعمائة). وأحد اذكر وصلنه بعشر ... مركبا قاصد معدود ذكر. لما أتم الكلام على (الثلاثة) و (العشرة) وما بينهما أخذ يذكر ما فوق

стр. 3644

ذلك من (أحد عشر) إلى (تسعة عشر) لأنه نوع من أنواع العدد، له حكم مخالف لأحكام غيره، ويوافق في بعض. وابتدأ بذكر (أحد) و (إحدى) فبين أنك تذكر (أحد) هذا اللفظ موصولا بعشر، مفتوح الشين دون تاء، إذا قصدت أن تعد آحادا مذكرة، فجعل (أحد عشر) مخصوصا بالمعدود المذكر، كقولك: أحد عشر رجلا، وأحد عشر جملا، وأحد عشر كتابا، ونحو ذلك. والتذكير هنا/ على ما فسر في الفصل قبل هذا، وكذلك التأنيث، لكن جعله مركبا، أي صل (احد) ب (عشر) مركبا معه، ولا شك في أن التركيب يوجب البناء وهو تركيب المزج، فكأنه قال: ركبه معه وابنه. وهذا حكمه، وذلك أن (أحد عشر) كان أصله في القياس: أحد وعشرة، بالعطف، لكن العرب ركبتهما، فجعلتهما كالكلمة الواحدة، كما فعلت في (مارسرجس) و (رامهرمز) و (بلالاباذ) ونحو ذلك. وبنت (أحد) على الفتح، على حسب ما فعلت في غيره. فالتركيب سبب بناء (أحد) وكذلك (إحدى) في المؤنث وكان التركيب سببا للبناء، لأن الكلمة الثانية لما عوملت معاملة الجزء من الأولى صارت مفتقرة إليها افتقار الحرف إلى ما بين معناه، فرجع البناء بالتركيب إلى شبه (الافتقار) وقد تقدم مثل هذا التقرير في موضع احتيج إليه فيه. وأما بناء (عشر) من (أحد عشر) فسيذكر حيث تعرض الناظم للتنبيه عليه إن شاء الله تعالى. وقوله: (قاصد معدود) منصوب على الحال من ضمير (اذكر) و"مركبا) أيضا منصوب على الحال من "احد) أي اذكر أحد مركبا مع

стр. 3645

عشر حالة كونك قاصدا لمعدود ذكر، وهو على حذف المضاف، أي قاصد عد معدود ذكر، ثم قال: وقل لدى التأنيث إحدى عشره ... والشين فيها عن تميم كسره. يعني أنك إذا عددت المؤنث قلت: إحدى عشرة، فصيرت (أحدا) إلى (إحدى) على وزن (فعلي) وألحقت (عشر) التاء مع إسكان الشين عند أهل الحجاز. ودل عل ذلك إتيانه بلغة بني تميم، وهو كسر الشين، بقوله: (والشين فها عن تميم كسره" أي أن بني تميم يجعلون على الشين كسرة. فإذن أهل الحجاز على السكون المتقدم، فتقول على لغة أهل الحجاز: إحدى عشرة، واثنتا عشرة، وثلاث عشرة، بإسكان الشين، وتكسرها في لغة بني تميم فتقول: إحدى عشرة، واثنتا عشرة، ونحو ذلك، وهذا كله في التأنيث لا في التذكير، لأنه قدم الكلام في التذكير أنه مفتوح الشين بلا تاء، وهكذا مطلقا، ولم يقيده بلغة دون لغة، فدل أنه لا يقال في لغة بني تميم: أحد عشر، أصلا، وإنما يكون ذلك في (عشرة) إذا عددت المؤنث، وذلك أن أهل الحجاز يقرءون: ﴾ فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا﴾ / بالإسكان. وبنو تميم يكسرون، قرأ طلحة بن مصرف ومجاهد وعيسى بن عمر في جماعة (اثنتا عشرة عينا) وكذلك روى هارون وعبد الوارث والخفاف عن أبي عمرو بن العلاء هنا، وفي
следующие страницы →