← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

وفي قوله: "لكن لو أن بها قد تقترن" إشارة إلى أنها في وقوع (أن) بعدها على غير حكمها لو لم تقع بعدها، لأنها قبل وقوع (أن) بعدها مختصة بالفعل كما قال، فلو كانت إذا وقعت (أن) بعدها على ذلك الحكم بحيث يقدر لها فعل يعمل فيها يكون واليا ل (لو) في التقدير، لم يحتج إلى هذا الاستدراك، فلا بد أن يكون الحكم عنده مخالفا، وما ذاك إلا أن (أن) وما بعدها في تقدير اسم مبتدأ محذوف الخبر] وإن كان لا يتكلم به [كأنك إذا قلت: (لو أنك قائم) لو قيامك موجود، فصارت ك (لولا) في وقع المبتدأ/ بعدها محذوف الخبر، وإن كان لا يتكلم به، وب (لولا) شبهها سيبويه. وهذا الذي ذهب إليه الناظم هنا من أن (أن) وما بعدها في تقدير مبتدأ هو مذهب سيبويه والجمهور. وذهب المبرد إلى اطراد وقوع الفعل بعدها، فجعل (أن) وما بعدها في موضع اسم مرفوع على الفاعلية بفعل مضمر، كما كان ذلك حين وقع بعدها الاسم في نحو قوله تعالى: ﴾ قل لو أنتم تملكون﴾. الآية. ورأى أن اطراد الحمل على الفعل بعد (لو) أولى من الاختلاف. وقال ابن خروف: والأولى أن يكون على إضمار (كان) الشأنية، وتكون جملة الابتداء أو الخبر مفسرة، قال: ويجوز أن تكون الجملة

стр. 3572

الاسمية وقعت موقع الفعلية. وذهب أبو الحسن في "المسائل الصغير" إلى أن (أن) بعد (لو) زائدة، وكرر الاسم للتوكيد، كما كرر في قولهم: ضربت القوم بعضهم، وأعمل (أن) وإن ككانت زائدة، كما أعملت الحروف الزائدة، واحتج له الفارسي في "التذكرة". وما ذهب إليه الناظم هو الأظهر، لأن الإضمار على خلاف الأصل، وقد يكون الشيء في موضع على حال، فيخالف به في آخر عن تلك الحال إلى حال أخرى، كما نصبوا (غدوة) مع (لدن) فقالوا: لدن غدوة حتى دنت لغروب. ولا ينصبون بعد (لدن) إلا (غدوة) وكما قالوا: اذهب بذي تسلم، فأضافوا إلى الفعل والمراد الاسم، لكنهم لا يستعملون مع (ذي) إلا الفعل، ولهذا نظائر، ف (أن) بعد (لو) من هذا القبيل. وأيضا فإن (أن) مشبهة بالفعل، ولذلك عملت عمله، وهو الرفع والنصب، وحملت في ذلك على (لولا) لأنها أختها من جهة المعنى.

стр. 3573

وأيضا فالحمل على الظاهر، وإن أمكن أن يكون المراد غيره أصل من أصول العربية، وهو معتمد عند الناظم، وسيبويه يقول به مواضع، ألا ترى كيف جعل (سيدا) من ذوات الياء، مع إمكان جعله من ذوات الواو بالاشتقاق من قولهم: ساد يسود، ولكنه آثر الظاهر، وكذلك دعوى الزيادة على خلاف الظاهر. وفي إطلاق الناظم القول في المسألة إشكال ما، وذلك أن غيره يشترط في وقوع (أن) بعد (لو) أن يكون خبرها فعلا، وذلك ليكون عوضا من ظهور الفعل بعد (لو) وعلى هذا كلام العرب كقوله تعالى: ﴾ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا﴾ الآية. وقال: ﴾ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك﴾ الآية.﴾ ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة﴾ /﴾ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة﴾ الآية. وهو من الكثرة بحيث لا يحصى، فلا بد من اشتراطه، إذ لا يجوز أن يقال: لو أن زيدا حاضري لأكرمته. وإطلاق النظم يقتضي الجواز، لأنه لم يقيد (أن) بأن يكون خبرها فعلا. والجواب: أن ذلك غير مشترط، وإنما اشترطه السيرافي. قال ابن الضائع: وجرى منه على غلط، يعني من السيرافي، وتبعه عليه الزمخشري في"المفصل" ورده ابن الضائع وابن مالك بأن وقوع خبر (أن) غير فعل شائع في كلام العرب، كقوله تعالى: ﴾ ولو أنما في

стр. 3574

الأرض من شجرة أقلام﴾ الآية. ومنه قول الشاعر: لو أن حيا مدرك النجاح ... أدركه ملاعب الرماح. وقال الآخر: ولو أن ما أبقيت مني معلق ... بعود ثمام ما تأود عودها. أنشدهما المؤلف على ما حكاه عنه ابنه في "التكملة" وأنشد أيضا غير هذين، وأنشد النحويون للفرزدق:

стр. 3575

على حالة لو أن في القوم حاتما ... على جوده لضن بالماء حاتم. والظاهر أن ذلك لا يلزم، بل يقع خبر (أن) فعلا واسما، وإن كان وقوع الفعل أكثر. ثم قال: "وإن مضارع تلاها صرفا إلى المضي" يعني أن المضارع إذا تلاها، أي وقع بعدها، فإنه ينصرف بوقوعه بعدها إلى المضي، فيصير في ذلك مثل (لم) و (لما) و (ربما) فتقول: لو يقوم زيد لأكرمته، ومنه قوله تعالى: ﴾ ولو ترى إذ وقفوا على النار﴾ الآية.﴾ ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب﴾.﴾ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم﴾﴾ لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون﴾﴾ وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾. فالمضارع في هذه الآيات وأشباهها مصروف إلى الماضي، وكذلك في قول الشاعر.

стр. 3576

لو يسمعون كما سمعت كلامها ... خروا لعزة ركعا وسجودا. ومنه قوله: "لو يفي كفى" أي لو وفي لنا بعهده كفى مؤنة التعب أو الطلب أو نحو ذلك. وفي هذا الإطلاق شيء، وذلك أن الناظم قد ذكر أولا أن الأكثر أن يقع بعدها الماضي، وقد يقع بعدها المستقبل قليلا، وفي كلا الحالتين لا يمتنع أن يقع بعدها المضارع وغيره، وإذا كان كذلك فإذا أريد بما بعدها الاستقبال فقد يكون ما بعدها ماضي الصيغة كقوله: *ولو أن ليلى الأخيلية سلمت* وقد يكون مضارعا نحو ما أنشده المؤلف من قوله الشاعر: لا يلفك الراجيك إلا مظهرا ... خلق الكرام ولو تكون عديما. وإذا كان/ الأمر في (لو) على هذا فلا يصح إطلاق القول بأن المضارع إذا وقع بعدها يصرف إلى الماضي إلا بأن يدعى أن المضارع لا يقع بعدها بمعنى الاستقبال أصلا، وذلك شيء لم يثبت في كلام العرب. ولهذا قال المؤلف في "التسهيل" حين ذكر مخلصات المضارع إلى الماضي: ولو الشرطية غالبا، فقيد بالغلبة تنبيها على أن ذلك غير لازم فيها.

стр. 3577

فما فعله الناظم فيه ما ترى، إلا أن يقال: إنه لم يعتبر ما جاء من ذلك، إذ هو قليل في قليل، وهو وقوع الفعل بعدها مستقبلا، فلذلك ترك ذكره. ولم يتعرض هنا في (لو) إلى حكم جوابها، وعلى أي وجه، وليس في مثاله ما يشعر بذلك، لأنه لو قصد ذلك لأتى باللام، لأن الفعل المثبت إذا وقع جوابا لها لحقته اللام غالبا، وإن كان مضارعا فإنما يقع مقرونا ب (لم) الجازمة، أو ماض منفي ب (ما) وما عدا هذا فنادر، وليس للناظم في هذا كلام، وهو إخلال بالمسألة، إذ لا يعرف من كلامه كيف جوابها، فلو قال مثلا. تجاب بالماضي بلام أو بما ... أو بالمضارع بلم قد جزما. لكفى في هذا الحكم، لأن الغالب على جوابها هذا.

стр. 3578

(أما ولولا ولوما) أما كمهما يك من شيء وفا ... لتلو تلوها وجوبا ألفا. وحذف ذي ألفا قل في نثر إذا ... لم يك قول معها قد نبذا. عرف الناظم- ﵀ (أما) هنا بأنها في معنى قولك: مهما يكن من شيء وهذا صحيح، وذلك أنها تسمى حرف تفصيل وابتداء، لأنها تفصل الجملة التي تليها عن الكلام الذي قبلها وتفصل الكلام تفصيلا، فتقول: أكرمت زيدا، وأما عمرا فلم أكرمه. وتقول: أما زيد فأكرمه، وأما عمرو فأهنه. قال تعالى: ﴾ فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر﴾ وهي مضمنة معنى قولك: مهما يكن من شيء، كما ذكر. فإذا قلت: أما زيد فأكرمه، فكأنك قلت: مهما يكن من شيء فأكرم زيدا، فهي قد تضمنت معنى حرف الشرط، والفعل المشروط به، وما تضمن من فاعله، فلذلك أتى لها بجواب كما يؤتى للشرط بجواب، وكان بالفاء لأنه تضمن معنى الشرط الذي يكون جوابه بالفاء. وقوله: "وفالتلو تلوها" إلى آخره "فاء" هنا مبتدأ، وابتدأ بالنكرة لأنها غير مرادة بعينها، والخبر قوله: "ألف" وما قبله متعلق به، أي إن الفاء ألف/ لتلو تلوها وجوبا، وتلوها: ما ولي اللفظ الذي وليها.

стр. 3579

فإذا قلت: أما زيد فمنطلق، فالذي ولي (أما) قولك: "زيد" والذي ولي زيدا قولك: "منطلق" وإياه تلزم الفاء. وقد تضمن هذا الكلام مسألتين: إحداهما: أن قوله في الفاء أنها تلزم مشعر بأن ذلك هو جوابها، وأنها لا بد لها من جواب، ويبين ذلك أنه جعلها في معنى أداة الشرط وفعلها، وأداة الشرط لا بد لها من جوبا، فكذلك ما تضمن معناها. والثانية: أن الجواب لا يليها، إذ قال: "وفا لتلو تلوها" والفاء قد تقرر أنها إنما تدخل على الجواب، فإذن الجواب لا يكون إلا تاليا لما يتلوها، فلا يجوز أن تقول: أما فزيد منطلق، وإن كان (أما) نائبا عن الشرط وفعله وفاعله، بل لا بد من الفصل بينهما، فتقول: أما زيد فمنطلق. وعلة ذلك وجهان: أحدهما: أن (أما) كان القياس أن يظهر بعدها فعل الشرط، كما يظهر مع (مهما) وغيرها من الأدوات المضمنة معنى (إن) فلما حذف فعل الشرط لجعل العرب (أما) نائبة عنه قدم بعض الكلام الواقع بعد الفاء ليكون كالعوض من المحذوف، كما كانت (ما) في قولك: (أما أنت منطلقا انطلقت معك) كالعوض من الفعل. والثاني": أن الفاء إنما وضعت في كلام العرب للإتباع، لتجعل ما بعدها تابعا لما قبلها، ولم توضع لتكون مستأنفة. والإتباع فيها على ضربين: إما إتباع مفرد لمفرد، وإما إتباع جملة لجملة. فلو قلت: أما فزيد منطلق، لوقعت الفاء مستأنفة ليس قبلها مفرد ولا جملة يكون ما بعدها تابعا له، غنما قبلها حرف معنى لا يقوم بنفسه، ولا تنعقد به فائدة، فقدموا الاسم لذلك، فقالوا: أما زيد فمنطلق، ليكون ما بعدها تابعا لما

стр. 3580

قبلها على أصل موضوعها. وهذا معنى تعليل الفارسي وابن جنى وغيرهما. وهنا نظران: أحدهما: أن الفاصل بين (أما) وجوابها، وهو تاليها، لا يكون جملة، وإنما يكون مفردا. وكلامه لا يعطي هذا المعنى، وذلك أنه قال: لتلوتلوها" والتلو والتالي مفهوم إطلاقه أعم من أن يكون مفردا أو جملة، وذلك لا يستقيم، إذ لا يجوز أن يقال: أما زيد قائم فهو كذا، ولا ما كان نحو ذلك، لأن المقصود بالتالي هنا أن يكون فاصلا بين (أما) وجوابها كما تقدم، والفصل يقع بالمفرد، كما قالوا في اللام بعد (إن) من كونها مؤكدة معنى (إن) فكرهوا اجتماعهما لفظا، فألزموا الفصل بينهما/ بفاصل ما، فكذلك هنا، فيجوز الفصل بالاسم والظرف والمجرور ونحو ذلك، فتقول: أما يوم الجمعة فأنت قائم، وأما في الدار فأنا قاعد، وأما زيد فسائر. فإن قلت: إن الجملة قد يفصل بها في الكلام، كما قال تعالى: ﴾ وأما إن كان من أصحاب اليمين. فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ ونحو ذلك، فما بعد (إن) يكون جملة من فعل وفاعل، وأنت قد قيدت الفصل بالمفرد، والناظم قد أطلق القول في ذلك، فتدخل له جملة الشرط، لا يحتاج إلى التقييد بالمفرد. فالجواب: أن جعله على إطلاقه يؤدي إلى مفهوم لا يجوز باتفاق وهو وقوع الجملة التامة فاصلا، كقولك: أما زيد في الدار فينام، وذلك فاسد كما تقدم، فلا بد من التقييد المذكور. وأما جملة الشرط فشبيهة

стр. 3581

بالمفرد، من حيث عدم الاستقلال، فقامت مقام صدر الجملة من عجزها، وصارت مع أداة الشرط كالصلة مع الموصول، وأنت تقول: أما الذي جاءني فأكرمه، كما قال تعالى: ﴾ وأما الذين سعدوا ففي الجنة﴾ فالتقييد صحيح، والإخلال به فاسد. والنظر الثاني: أنه يقصد أن يتكلم على حكم الفاصل بين (أما) وجوابها، وما العامل فيه، وكان حقه أن يبين ذلك، إذ ليس مما يهتدى إليه الناظر في هذا النظم، وفيه شغب وخلاف، فكان ضروري البيان، ولو قال مثلا: وتلوها جزء الجواب قدما ... للفصل والأفعال لن تقدما. أو ما كان نحو هذا لكان مجزيا، لأن الذي يفصل بين (أما) وجوابها هو جزء من الجواب، عامل أو معمول، كقوله: ﴾ فأما اليتيم فلا تقهر﴾﴾ وأما ثمود فهديناهم﴾ وأما الدار فزيد، وأما يوم الجمعة فأنت سائر، وأما ضاربك فزيد، ونحو ذلك، ولا يتقدم الفعل، فلا تقول: أما يقوم فزيد، ولا نحو ذلك. ثم قال: "وحذف ذي الفاقل في نثر" إلى آخره. يريد أن الفاء اللاحقة لتلوتلو (أما) بابها أن تكون ثابتة لازمة في موضعها، ثم إنه يجوز حذفها على الجملة، لكن ذلك فيها قليل إن لم يحذف معها القول، وهذا من كلامه يقتضي أن حذفها إذا حذف معها القول كثير، لأنه قال:

стр. 3582

وحذف ذي ألفا: قل نثر إذا ... لم يك قول معها قد نبذا فمفهوم الشرط هنا أنه إن كان القول نبذ معها فالحذف ليس بقليل، فهو إذن كثير. فأما حذف الفاء من غير القول فمنه ما جاء في الكلام، وهو الذي أشار إليه/بقوله: قل في نثر" وذلك نحو ما وقع في "البخاري" من قوله ﵇: "أما بعد، ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله" الحديث. ومنه ما جاء في النظم أيضا، نحو ما أنشده الفارسي وابن جنى وغيرهما: فأما القتال لاقتال لديكم ... ولكن سيرا في عراض المواكب. وأنشدوا أيضا قول الآخر:

стр. 3583

فأما الصدور لاصدور لجعفر ... ولكن أعجازا شديدا ضريرها. وأما حذفها مع القول ققولك: أما زيد أجئت تفعل كذا، قال الله تعالى: ﴾ فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم﴾ الآية، تقديره: فيقال لهم: أكفرتم. وقوله تعالى: ﴾ وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم﴾. ونبذ معناه طرح وألقى من اللفظ، فلم يذكر، يقال: نبذت الشيء، إذا ألقيته من يدك. لولا ولوما يلزمان الابتدا ... إذا امتناعا بوجود عقدا. وبهما التحضيض مز وهلا ... ألا ألا وأولينها الفعلا. وقد يليها اسم بفعل مضمر ... علق أو بظاهر مؤخر. يريد أ (لولا) و (لوما) حرفان من حروف الابتداء، يلزم أن يقع بعدهما المبتدأ والخبر، وذلك إذا كان يدلان على امتناع الشيء لوجود غيره، وذلك أن هذين الحرفين يقعان في الكلام على وجهين:

стр. 3584

أحدهما: أن يكون حرفي تحضيض، وسيذكرهما إثر هذا. والآخر: أن يكونا حرفي امتناع لوجود، وهو الذي ابتدأ به، وبهذا المعنى يكونان حرفي شرط ك (لو) فلا بد من جواب، لكنه لم يذكر ذلك، وهو مما يضطر إلى ذكره، فكان حقه أن يذكر ذلك. ومعنى الامتناع للوجود فيهما أنك إذا قلت: لولا زيد لأكرمتك، فالإكرام ممتنع لوجود زيد، أي إن وجود زيد هو السبب في امتناع الإكرام. وقوله: "يلزمان الابتدا" يعني (لولا) و (لوما) يقع بعدهما جملة الابتداء والخبر لزوما، فلا يجوز إلا أن تقول: لولا زيد لقام عمرو. ومنه قوله تعالى: ﴾ ولولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ الآية. فالمرفوع بعدها مبتدأ، وخبره محذوف لدلالة الكلام عليه، وقد يظهر إذا لم يكن عليه دليل. وقد تقدم الكلام على ذلك في باب "المبتدأ والخبر" وإنما تعرض هنا للزوم الجملة الابتدائية. وقد أحرز هذا المعنى فوائد. /إحداها: إن الجملة الفعلية لا تقع بعد (لولا) ولا (لوما) فلا يقال: لولا قمت لأكرمتك، وإن جاء من ذلك شيء فمحفوظ محله الشعر، نحو ما أنشجه السيرافي من قول الجموح أخي بني ظفر، من سليم بن منصور:

стр. 3585

لادر درك إني قد رميتهم ... لولا حددت ولا عذري لمحدود أي لولا الحد والحرمان، وقال الآخر: ألا زعمت أسماء أن لا أحبها ... فقلت بلى لولا ينازعني شغلي. أي لولا منازعة الشغل. والثانية: أن الاسم الذي بعدها مرفوع بالابتداء، خلافا لمن زعم أنه مرفوع بفعل مضمر تقديره: لولا حضر زيد لأكرمتك، او نحو ذلك، وهو منقول عن الكسائي، واستدل على ذلك بظهور الفعل في البيتين المذكورين، وهو مرجوح، لأن حذف الخبر أولى من حذف الفعل، لأن الخبر هو المخبر عنه في المعنى، فحذف ما ذكر أولى من حذف ما لم يذكر. وأيضا فحذف الفعل دون فاعله قليل جدا في الكلام، لأن الفعل والفاعل كالشيء الواحد، فلا يحذف ما هو كالبعض، ويبقى البعض الآخر، فإذن اعتقاد مذهب سيبويه هو الأولى، وهو ما رآه الناظم.

стр. 3586

والثالثة: التنبيه على أن (لولا) ليست بعاملة في المرفوع بعدها، وهو مذهب المحققين. ومن النحويين من ذهب إلى أنها عاملة فيما بعدها الرفع، نقله الفراء عن بعض النحويين، ونقله ابن الأنباري عن الكوفيين مطلقا. وحكى هذا المذهب عن ابن كيسان، والمعنى عند هؤلاء غير الفراء في قولك: (لولا زيد لأكرمتك) لو لم يمنعني زيد لأكرمتك، لكن الفعل حذف، ثم أقيمت (لا) مقام ما حذف، كما أقيمت (ما) مقام الفعل في قولهم: أما أنت منطلقا انطلقت معك. وأما الفراء فيقول: يرتفع الاسم ب (لولا) لاستقلال الكلام به، وانعقاد الفائدة، واللام جوابها. ورد الفراء على الآخرين بوجهين: أحدهما: أنه لو كان كما قالوا لوقع "أحد" بعدها، فكنت تقول: لولا أحد لأكرمتك، إذ المعنى عندهم، لو لم يمنعني أحد، ولما لم يجز ذلك كان التقدير غير ما م قدروا. والثاني: امتناع: لولا أخوك ولا أبوك، أي لو لم يمنعني أخوك ولا أبوك، فلو كان ذلك لما امتنع ورد مذهبه أيضا بوجهين: أحدهما: أن (لولا) غير مختصة بالاسم، لوقوع الفعل بعدها كما تقدم، ومن شرط العمل الاختصاص كما تقرر في الأصول فلا يصح عمل ما لم يختص، وهو رد السيرافي. وضعفه ابن الضائع بأن وقوع الفعل بعدها ضعيف مختص بالشعر فلا يحتج / به.

стр. 3587

والاثني: أن أصل الحرف إذا عمل في اسم واحد أن يعمل الجر لا الرفع ولا النصب. وهذا الثاني لا يلتزمونه، إذ من مذهبهم أن الحرف قد يعمل غير الجر في اسم واحد، كما يحكي عنهم في اسم (إن) وخبر (ما) ونحو ذلك. والرابعة: التنبيه على أن ضمير الجر إذا وقع بعدها فهو ضمير رفع، أي في موضع رفع، فليس بمجرور الموضع، لأنه ذهب إلى أنهما يلزمان الابتداء، فأتى بلفظ اللزوم، فدل على ما ذكر. وهذا رأي الأخفش والفراء خلافا لما ذهب إليه سيبويه والخليل ويونس، من أنه في موضع جر على ظاهره، فهي إذا قلت: (لولاك، ولولاه) من حروف الجر. واستدل على صحة ما ذهب إليه الناظم بأن الضمائر قد يقع بعضها موقع بعض، وقد قالوا: ما أنا كأنت، فأوقعوا ضمير الرفع موقع ضمير الجر، فلذلك يجوز عكسه، وهو وقوع ضمير الجر موقع ضمير الرفع، واحتج الفراء بأنها لو كانت (لولا) مما تخفض لأوشك أن ترى خافضة للظاهر، ولو في الشعر، قال: وإنما قالوا: لولاك، كما اتفق ضمير الرفع والخفض في: فعلنا، وبنا، وكان إعراب المكني بالدلالات لا بالحركات، وأيضا فلا بد لكل حرف جر من متعلق، فأين متعلقه؟ وليس بزائد فيقال: إنه لا متعلق له، بل هو كسائر الحروف التي لا تراد، فإذا لم يكن (لولا) متعلق دل على أنه ليس بحرف جر، كما يزعم المخالف.

стр. 3588

وقوله: "عقدا" أي ربطا، أي إذا ربطا امتناعا بوجود، وهو ما تقدم شرحه من معنى الشرطية. ثم قال: "وبهما التحضيض مز" إلى آخره، هذا هو المعنى الثاني للولا ولوما، وهو التحضيض. يعني أن التحضيض يقع في الكلام بهما، وكذلك ب (هلاا) مشددة اللام، و (ألا) مشددة، و (ألا) مخففة. فهذه خمس أداوت ذكرها للتحضيض، وعطف (هلا) على بهما" وهو ضمير مخفوض من غير إعادة الخافض، لأنه جائز عنده في الكلام، وقد تقدم. ثم ذكر في الجملة أنها لا تختص بالفعل وحده لفظا، بل يليها الفعل مطلقا، ويليها الاسم على تقدير الفعل. فالحاصل أنها ك (إن) و (لو) في أنها لا يليها إلا الفعل لفظا أو تقديرا، فقد يتوهم أنها عوامل في الفعل، لكن لما لم يذكر ذلك دل على أنه معدوم فيها، وإلا فلو كان ذلك لذكره، كما ذكر في (لم) و (لما) و (إن) ونحوها، وبذلك يعلم من كلامه أن (لو) غير عاملة، و (أما) كذلك حين لم ينبه على ذلك. ونص هنا على أن الباب فيها أن يليها الفعل ظاهرا/ لقوله: "وأولينها فعلا" يريد: في اللفظ، ولذلك قال بعد ذلك. "وقد يليها اسم بفعل مضمر علق" فجعل الاسم في هذا القسم على تقدير الفعل. ومثال ولايتها الفعل لفظا قولك: هلا أكرمت زيدا، وألا ضربت عمر، ولولا تقوم فتكرم.

стр. 3589

ومما جاء منه في (لولا) قوله تعالى: (لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون) وفي (لو ما قوله تعالى: (لو تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين). وهذا هو الأصل فيها، وإنما يقدر بعدها إلحاقا لها بالأصل. ثم قال: "وقد يليها اسم بفعل مضمر" إلى آخره. "بفعل" متعلق ب (علق) والفعل في موضع الصفة ل "اسم" أي: وقد يليها اسم معلق بفعل مضمر، يعني أن الاسم قد يقع بعدها، لكن متعلقا بفعل مضمر، ومعنى كونه معلقا به، أي معمولا له، فتقول إذا قيل: (أكرمت عمرا): فهلا زيدا. أي: هلا أكرمت زيدا. ومنه قول الشاعر، وهو جرير: تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطري لولا الكمى المقنعا. أي: لولا تعقرون الكمى المقنع، وهلا تعدون الكمى المقنع. ومنه أيضا

стр. 3590

ما أنشده سيبويه من قوله: ألا رجلا جزاه الله خيرا ... يدل على محصلة تبيت. وعلى هذا حمل البصريون ما أنشده الكوفيون من قوله: ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إلى فهلا نفس ليلى شفيعها. أي: هلا كان الأمر كذا، على إضمار (كان) الشأنية، وكذلك ما أنشده الفراء من قول الآخر: ألآن بعد لجاجتي يلحينني ... هلا التقدم والقلوب صحاح فهو على (كان) الشأنية، و"التقدم" مبتدأ، والجملة بعده حالية قامت مقام الخبر، كقوله ﵇: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو

стр. 3591

ساجد" قاله ابن خروف. وكان الكوفيون يجيزون وقوع الاسم بعد هذه الأحرف، ويستدلون بالبيتين، وذلك ممنوع عند البصريين. والذي ارتضاه الناظم مذهب البصريين، وهو الراجح، لأن السماع يساعدهم. وكذلك يلهيا الاسم معلقا بفعل ظاهر مؤخر عن ذلك الاسم، فتقول: هلا زيدا ضربت، وألا عمرا أكرمت. ولا يجوز هنا رفع الاسم لأنها لا يليها إلا الجملة الفعلية، كما ذكر من مذهب الناظم والبصريين. فإن قلت: هلا زيدا ضربته، وألا عمرا أكرمته، ونحو ذلك، فهو من قبيل النوع الأول الذي علق بفعل مضمر، لأن الفعل قد اشتغل بضمير الأول عنه، فلا بد من تقدير فعل ناصب، كما مر في باب "الاستغال".

стр. 3592

/ ﴿الإخبار بالذي والألف واللام﴾ ما قيل أخبر عنه بالذي خبر ... عن الذي مبتدأ قبل استقر. وما سواهما فوسطه صله ... عائدها خلف معطي التكملة. هذا الباب يسمى "باب الإخبار" وضعه النحويون بقصد التدريب والامتحان، ولأنه يعرض فيه مسائل صعبة، قد يغلط فيها الكبراء من أهل هذا الشأن لقلة التدرب فيه، وفيه فائدة، وهي القدرة على التصرف في الكلام، ولذلك يسمى عند القدماء "سبك النحو". وقد كثر فيه النحويون، ووضعوه على أبواب النحو، كباب الفاعل، والمبتدأ والخبر و (كان) وجميع المفعولات، والتوابع، والإعمال، وغير ذلك، ليحصل للطالب بالامتحان فيه ملكة يقوى بها على التصرف. وأول ما تعرض الناظم إليه في هذا الباب التعريف بمعنى "الإخبار" وهو عند النحويين أن تدخل (الذي) على الكلام الذي فيه الاسم المخبر عنه، واقعة على معنى ذلك الاسم، ثم تبدل من ذلك الاسم ضميرا على حسبه في الإعراب، والإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، ويكون ذلك الضمير عائدا على ذلك الموصول أيضا على حسب ذلك الضمير، ومطابقا له فيما تقدم، ثم تصير ذلك الاسم الذي أردت الإخبار عنه خبرا للموصول، وباقي الجملة صلة الموصول.

стр. 3593

فإذا قيل لك: أخبر عن "زيد" من قولك: (قام زيد) بالذي- قلت: الذي قام زيد، ففي "قام" ضمير فاعل يعود على "الذي" وهو الواقع في موضع "زيد" إلا أنه استتر لأنه مفرد مذكر، واتصل لأنه لا مانع له من الاتصال. والدليل على ذلك أنه لو كان مثنى لقلت: اللذان قاما الزيدان، أو مجموعا لقلت: الذين قاموا الزيدون، فيبرز الضمير. و"زيد" في آخر الكلام خبر "الذي". وهذا معنى ما أراده الناظم- ﵀ بقوله: "ما قيل أخبر عنه بالذي خبر عن الذي" إلى آخره. يعني أن الاسم الذي يقال لك إذا سئلت عنه: أخبر عنه ب (الذي) يقع خبرا عن (الذي) حالة كونه (الذي) قد استقر مبتدأ أول الكلام، فعلى هذا لا بد من تقديم (الذي) مرفوعا على الابتداء، والاسم المخبر عنه مؤخر عنه، لأنه قد قيد (الذي) بأنه قبل الخبر استقر مرفوعا على الابتداء، ف "مبتدأ حال من "الذي" لأن المراد به في النظم مجرد اللفظ المخبر به في / المسألة. ثم قال: وما سواهما فوسطه صلة" يعني أن ما سوى (الذي) والاسم المخبر عنه، فاجعله وسطا ما بين (الذي) وذلك الاسم، صلة ل (الذي) نحو: الذي ضربته زيد، ف (الذي) قد سبق مرفوعا على الابتداء، و "زيد" هو المخبر عنه ب (الذي) وما توسط بينهما وهو قولك: "ضربته" في هذا المثال صلة ل (الذي) ولا بد لكل صلة من عائد يعود عليها، فأخبر أن العائد هو "خلف معطي لتكلمة" ويريد بـ"معطي

стр. 3594

التكملة": "زيدا" في المثال المذكور وهو الاسم المخبر عنه، لأن الكلام به تم وكمل، فهو الذي أعطى تكملة الكلام، وخلفه هو الضمير الموضوع في موضعه، وهو هنا الهاء في "ضربته" ونبه بهذا على أنه لا بد للمخبر عنه ممن يخلفه في موضعه، وهو الضمير العائد على الموصول، كما تقدم في التعريف أولا. وقوله: نحو الذي ضربته زيد فذا ... ضربت زيدا كان فادر المأخذا. هذا مثال مبين لمراده، ونبه على أصله، وهو ضربت زيدا، وقد تقدم بسطه. ثم قال: "فادر المأخذا" أي: فاعلم مأخذ الإخبار عن "زيد" من قولك/ ضربت زيدا، حتى تصير إلى قولك: الذي ضربته زيد، على ما تقدم شرحه. ثم نبه على وجوب مراعاة الاسم المخبر عنه في الإتيان بالموصول، من الإتيان بالموافق لا بالمخالف، فقال: وبالذين والذين والتي ... أخبر مراعيا وفاق المثبت. يريد أنك تراعي في الإخبار عن الاسم أن يكون الموصول موافقا له في الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير أو التأنيث، فإذا كان الاسم المخبر عنه مفردا مذكرا قلت: الذي ضربته زيد، كما تقدم، فجئت ب (الذي) لأنها واقعة على المفرد، و "زيد" مفرد، ولا بد أن يخلفه الضمير مفردا أيضا مذكرا مثله. وإن كان مثنى نحو: ضربت الزيدين. قلت: اللذان ضربتهما الزيدان، فأتيت ب (الذي) مثنى، وبالضمير مثنى.

стр. 3595

وإن كان مجموعًا نحو: ضربت الزيدين. قلت: الذين ضربتهم الزيدون، وكذلك في التأنيث، فتقول في (ضربت هندا، وضربت الهندين، وضربت الهندات): التي ضربتها هند، واللتان ضربتهما الهندان، واللاتي ضربتهن الهندات، و"المثبت" في كلامه هو الاسم المخبر عنه، فقد انطبق التعريف المتقدم في تفسير الإخبار على ما أرده بهذا الكلام. إلا أنه يرد على الناظم وغيره في هذا الكلام إشكال، لأنه يقتضي أن يكون/ الاسم المفروض هو المخبر عنه، و "الذي" أو "لألف واللام" وهو المخبر به، لأنهم يقولون: "باب الإخبار بالذي وبالألف واللام، وكذا قال الناظم: "ما قيل أخبر عنه بالذي" فجعل "الذي" مخبرا به، والاسم هو المخبر عنه، وما تقدم من التفسير يقتضي أن يقال: أخبر عن "الذي" لأنه المجعول مبتدأ، والاسم هو المخبر به. وقد أجاب النحويون عن هذا بأجوبة، منها لابن عصفور أنهم إنما أرادوا بقولهم: "الإخبار بالذي وبالألف واللام" أن يخبر عن المسمى، ويكون اسم المخبر عنه في وقت الإخبار (الذي) أو الألف واللام، ألا ترى أنك إذا قلت: الذي قام زيد، أو القائم زيد، فالاسم الواقع على المخبر عنه إنما هو "زيد" لأن المخبر عنه هو الفاعل. وقال ابن الضائع: الأقرب أن يكون الكلام محمولا على معنى، وذلك أن "زيدا" هو المخبر عنه في الحقيقة. فإذا قلنا: القائم زيد، فزيد صاحب الصفة، وهو المخبر عنه في الحقيقة، وغن كان في اللفظ خبرا، فعبروا عنه بأنه مخبرا عنه نظرا إلى الحقيقة؟ .

стр. 3596

قال: فإن قيل: قلم لم يتمموا الحقيقة فيقدموه، فيجعلوه مخبرا عنه كما هو المخبر عنه في الحقيقة؟ قلت: تأخيره وتقديم (الذي) أقرب مأخذا غفى الصنعة، بأن تجعل الموصول أول الجملة التي فيها الاسم المخبر عنه، وتجعله آخرا، وتجعل في موضعه ضميرا يعود على الموصول معربا بإعرابه، وترفعه فتجعله خبرا عن الموصول في اللفظ. وأيضا فإذا أخرته لم يجز أن يكون (الذي) صفة، فلذلك بنوا على تأخيره. قال: ومما يدل على أن هذا إرادتهم قولهم: أخبر عن زيد، فلا يمكن أن يتنزل إلا على هذا. قال: وإنما يتوجه قول ابن عصفور في قولهم: أخبر بالذي. انتهى. وقد وجه بأنه على القلب، وبأن (عن) بمعنى الباء، وذلك بعيد، والله أعلم. قبول تأخير وتعريف لما ... أخبر عنه ها هنا قد حتما. كذا الغنى عنه بأجنبي أو ... بمضمر شرط فراع ما رعوا. لما عرف بمعنى الإخبار أتى بالشروط المعتبرة في الاسم المخبر عنه، إذ كان الاستقراء يعطي أن ليس كل اسم يجوز الأخبار عنه أو به، فلا بد من مراعاة ذلك، وإذ ذاك يصح القياس في مسائل الإخبار. وأتى هنا بشرط أربعة للاسم المخبر عنه/ لا بد منها:

стр. 3597

أحدها: أن يقبل التأخير، وهو قوله: (قبول تأخير) وهو مبتدأ خبره قوله: (قد حتما) أي أن شرط قبول التأخير في المخبر عنه حتم لازم لا بدد منه، فإذا صح جواز التأخير في الاسم جاز الإخبار عنه، فإذا أخبرت عن "زيد" من قولك: زيد قائم- قلت: الذي هو قائم زيد، فجاز ذلب لأن تأخير "زيد" جائز في الجملة، فلو لم يجز التأخير لم يجز الإخبار، وذلك الاسم المتضمنة لمعنى الاستفهام، وسائر ما يرلزم التصدير، نحو: أيهم قام؟ ؟ فلا يجوز الإخبار عن "أي" فلا تقول: الذي هك قام ايهم؟ لأن "أيا" لها صدر الكلهم. وكذلك إذا أخبرت عن "من" من قولك: من جاءك؟ أو (ما) من قولك: ما عندك؟ وكذلك أسماء الشرط لا يخبر عنها، لان لها صدر الكلام، فلا تقول إذا أردت الإخبار عن "أيهم" من قولك: (أيهم يكرمني أكرمه): الذي هو يكرمني أكرمه أيهم. وكذلك سائر أسماء الشرط، كالاستفهام سواء. وأيضا فإذا عوضت الضمير من اسم الشرط، أو من اسم الاستفهام، زال معنى الشرط، وزال معنى الاستفهام، لأن الضمير لا يتضمن معنى حرف، فاختلف معنى الصلة بعد دخولها. ويختص اسم الشرط بأن ما بعده من الفعل مجزوم، فيلزم أن يكون الضمير جازما، وذلك غير موجود في كلام العرب. ومما يلزم التصدير فلا يخبر عنه (كم) الخبرية، فلا يجوز أن تخبر عن (كم) من قولك: كم بطل جدلت، فتقول: الذي هو بطل جدلت كم، لما يلزم فيها من محالات عربية، منها الجر بالضمير، وإبطال معنى (كم) حين جئ بضميرها، والتأخير فيها. ومن ذلك ما أضيف إلى واحد من الأسماء المتقدمة، نحو: غلام من يأتك

стр. 3598

فأكرمه، وغلام من أكرمك؟ وغلام كم رجل جاءك؟ فلا تقول: الذي هو من يأتك فأكرمه غلام، ولا الذي هو من أكرمك غلام، ولا نحو ذلك. ومنها الاسم المضاف، نحو: جاءني غلام زيد، فالغلام لا يجوز تأخيره، لأنه عامل في المضاف إليه، وكالجزء منه فلا يتأخر، فلا تقول: الذي جاءني هو زيد غلام، وأيضا فيلزم أن يكون الضمير خافضا، وذلك لا يصح، وأيضا فيكون "الغلام" مقطوعا عن الإضافة، وهو غير جائز، فإنما يخبر عنه مع المضاف إليه، فتقول: الذي جاءني غلام زيد. ومنها ضمير الأمر والشأن نحو: هو زيد قائم، فلا يجوز الإخبار عنه، لأنه لازم التقديم على الجملة الواقعة خبرا له، فلا يجوز أن تقول /: الذي هو زيد قائم هو، لأنك إذا أضمرته كانت الجملة خبرا لذلك الضمير، فيلزم أن يكون فيها عائد عليه، لأنه ليس بضمير للشأن، وإنما يستغني عن إعادة الضمير من الجملة ضمير الشأن وحده، وخلفه ليس كذلك. وأيضا فتكون (الذي) هنا واقعة على الجملة التي هي (زيد قائم) فتصير (الذي) نائبة عن ضمير الأمر، وذلك لا يجوز. قاله ابن الضائع. وعلل ذلك ابن عصفور بأنه يلزم أن يعود ضمير الأمر إذا أخرته على ما قبله، وذلك لا يجوز. فمن هذه الأنواع وأشباهها تحرز بقوله: "قبول تأخير". والشرط الثاني: لجواز الإخبار قبول الاسم التعريف، وذلك قوله: (وتعريف) وهو معطوف على (تأخير) كأنه قال: قبول تأخير وقبول تعريف. فإذا قبل الاسم التعريف صح الإخبار عنه، وذلك لأنه لا بد من

стр. 3599

إضماره وجعل ضميره حالا محله ومعربا بإعرابه، والضمير معرفة، فلا بد من اشتراط التعريف، فإذا أخبرت عن "قائم" من قولك: زيد قائم- قلت: الذي زيد هو قائم، وهذا على مذهب غير ابن السراج، وسيأتي التنبيه عليه إن شاء الله. فمثل "قائم" يقبل التعريف، فيجوز الإخبار عنه، فإن لم يصح تعريفه لم يصح الإخبار عنه. وتحت هذا أنواع، منها الحال، فلا يجوز الإخبار عن "قائما" من قولك: ضربت زيدا قائما، لأن الحال من شرطها التنكير، وأنت لو أخبرت عنها لجعلت الضمير خلفا منها، فقلت: الذي ضربت زيدا إياه قائم، فأدى على إن ينتصب الضمير على الحال، وهو معرفة، وذلك غير مستقيم. ومنها التمييز، لما يلزم من تنكيره أيضا، فإنك لو أخبرت عنه لجعلت الضمير خلفا منه، يعرب بإعرابه، وذلك ممتنع، فلا تقول إذا أردت الإخبار عن "زيتا" من قولك: عندي رطل زيتا: الذي عنده رطل إياه زيت، ولا يجوز ذلك. ومنها المجرور ب (رب) نحو: رب رجل يقول ذلك، فلا تقول: الذي ربه يقول ذلك رجل، لما يلزم من تعريف مخفوض "رب" ومن شرط "رب" ألا تخفض إلا النكرة. ومنها مخفوض "كل" نحو: كل رجل يأتني أكرمه، فلا يجوز أن تقول: الذي كله ياتني أكرمه رجل، لما يؤدي إليه من خفض "كل" للمعرفة المفردة ذلك لا يجوز، إذ لا يقال: كل الرجل أكرمه، وإنما يجوز ذلك إذا قلت: كل الرجال أكرمهم. ويجوز أن يخبر عن مخفوضها إذ ذاك، فتقول: الذين كلهم أكرمهم الرجال. ومنها المخفوض باسم (لا) العاملة عمل (إن) نحو: لا غلام رجل عندك،

стр. 3600

فلا يجوز أن تقول: الذي لا غلامه عندك رجل/ لما يؤدي إليه من عمل (لا) في المعرفة، وذلك لا يصح. وهذه أمثلة تدل على ما كان من شاكلتها. الشرط الثالث: أن يصح الاستغناء عن المخبر عنه بأجنبي يوضع موضعه في كلام الذي هو فيه، وهو قول الناظظم: (كذا) الغنى عنه بأجنبي) والضمير في (عنه) للاسم المخبر عنه، أي الاستغناء عنه بأجنبي عنه حتم أيضا، فإن كان كذلك صح الإخبار عنه، كما إذا أخبرت عن (الكاف) من قولك: زيد أكرمك، فإنك تقول: زيد أكرمه أنت، لأن الأجنبي يصح أن يوضع في موضع (الكاف) استغناء به عنه، فتقول: زيد أكرم عمرا. فإن كان لا يصح الاستغناء عنه لم يصح الإخبار عنه، وذلك الضمير الرابط قبل الأخبار، كالهاء في (زيد ضربته) لا يجوز الإخبار عنه، لأنه يلزم أن يجعل في موضعه ضمير يعود على الموصول، فيزول ربطه. فإن قيل: يبقى متأخرا يربط الخبر- فالجواب: أنه إذا أخر فلا يبقى في الخبر، ومثاله لوجاز: الذي زيد ضربته هو: فزيد مبتدأ، خبره "ضربته" والجملة صلة (الذي) فإن جعلت ضمير "ضربته" عائدا على "زيد" بقى (الذي) دون ضمير عائد عليه من صلته. وذلك ممتنع. وإن جعلته عائدا على (الذي) بقي المبتدأ وهو (زيد) لا ضمير له في خبره، وذلك ممتنع أيضا. وهذا المنع منسحب على ما لو كان الرابط ظاهرا، كأسماء الإشارة في نحو قوله تعالى: ﴾ ولباس التقوى ذلك خير﴾. فإن أردت الإخبار عن

стр. 3601

"ذلك" من قولك: قيام زيد ذلك حسن، ] قلت [الذي قيام زيد هو حسن ذلك، لأن "هو" عائد على (الذي) فيبقى المبتدأ بلا رابط. وكذلك إذا كان الرابط تكرار المبتدأ بلفظه، نحو: زيد ضربت زيدا. فغن كان في الجملة رابط ثان عائد على المبتدأ جاز الإخبار عنه لوجود الشرط، وهو الاستغناء عنه بأجنبي، نحو قولك: زيد ضربته في داره، فالهاء في "ضربته" يصح أن يجعل في موضعه أجنبي، نحو قولك: زيد ضربته في داره، فإذن يصح أن تقول: الذي ضربته في داره هو، فالهاء في "ضربته" تعود إلى (الذي) وبقى ضمير "في داره " رابطا للخبر بالمخبر عنه، وهو "زيد" و "هو" الأخير عائد على "زيد" أيضا. الشرط الرابع: أن يصح الاستغناء عنه بمضمر يحل محله، وذلك قوله: "او بمضمر" تقدير كلامه: كذا الغناء عنه بمضمر شرط، أي معتبر مراعي، وذلك لأن الاسم المخبر عنه لا بد من جعل المضمر يخلفه في أحكامه إذا أخر، فلا بد إذن من صحة إضماره، فإذا قلت: ضربت زيدا، فزيد يصح إضماره فتقول: ضربته، إذن أن تخبر عنه فتقول: الذي ضربته زيد. فإن لم يصح إضماره لم يصح الإخبار عنه، ولهذا أمثلة: منها النعت، إذا أخبرت عنه دون المنعوت لم يجز، نحو: ضربت زيدا العاقل، فلا يجوز أن تقول: الذي ضربت زيدا إياه العاقل، لما يؤدي إليه من وقوع الضمير نعتا، وذلك ممنوع. ومنها الاسم المنعوت، فلا تقول: الذي ضربته العاقل زيد، لما يؤدي إليه من نعب المضمر، وذلك لا يجوز، اللهم إلا أن تريد الإخبار عن المنعوت بنعته، فيجوز ذلك، نحو قولك في المثال المذكور: الذي ضربته زيد العاقل، وإضماره

стр. 3602

يصح لأن النعت والمنعوت بمنزلة الاسم المفرد، فزيد الأحمر عند من لا يعرف زيدا وحده بمنزلة زيد عند من يعرفه وحده، وأنت تقول: زيد العاقل جاءني، فتضمره بنعته، فلذلك يسوغ الإخبار عنه. ومنها الأسماء العاملة كلها، لا يجوز الإخبار عنها، لأنها لا يصح أن تضمر، فلو قلت: ضربك زيدا حسن وهو عمرا قبيح- لم يجز، لما يؤدي إليه من إعمال الضمير، وذلك غير جائز عند أهل البصرة، فإذن إن أردت الإخبار عن "ضربك" فقلت: الذي هو زيد أحسن ضربك، لم يجز، لبعد الضمير عن العمل. وأجاز ذلك أهل الكوفة، فيقال: إذن على مذهبهم في قولك: زيد ضارب عمرا، إذا أخبرت عن "ضارب": الذي زيد هو عمرا ضارب. والسماع بمثل ما ذهبوا إليه لا يكون إلا في الشاذ، نحو قول زهير: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم. كأنه قال: وما الحديث عنها بالحديث المرجم، وقد مر بيانه في "إعمال المصدر" ولكن يجوز على كلا المذهبين إذا أخبرت عنه بمفعوله فقلت: الذي زيد هو ضارب عمرا، وكذلك تقول في قولك: / (ضربك زيدا حسن) الذي هو حسن ضربك زيدا، لأن العامل على هذا يجوز إضماره، لأنك تقول: ضربك زيدا حسن تبعتة فيه، فالهاء في "فيه" عائدة إلى الضرب" بمعموله. واختلفوا في الخبر إذا كان مشتقا هل يجوز الإخبار عنه، نحو: زيد قائم، بناء على أن الضمير يخلفه أولا؟

стр. 3603

فمن النحويين من منع هذا، لأن المشتق يتحمل ضميرا، والضمير لا يتحمله. قال/ ابن الضائع: وهذا لا يلزم إلا في الموضع الذي يشترط فيه الاشتقاق، وبالجملة في الموضع الذي يخالف الإضمار الإظهار. والناظم لم يلتزم أحد القولين، وغنما التزم ما ينبني عليه الخلاف. ومنها المفعول له، لا يجوز الإخبار عنه عند ابن عصفور، لأنه لا يصح أن يقع في موضعه المضمر معربا كإعرابه. فإذا قلت: قمت إجلالا لزيد، فأخبرت عن "إجلال" فقلت: الذي قمت إياه إجلال لزيد، فهذا غير صحيح، لأنه يصح أن يعرب "إياه" مفعولا له أصلا. وغير ابن عصفور أجاز الإخبار عنه، لكن لا على نصب الضمير، إذ هو ممنوع عند الجميع، كما قال ابن عصفور، بل على أن تدخل عليه اللام، فتقول: الذي قمت له إجلال لزيد. ومنها الاسم الواقع بعد خافض لا يقع بعده مضمر كالكاف، وحتى، والتاء، ومن، والواو، و"ذو" بمعنى: صاحب، فإذا قلت: زيد كعمرو، فأردت الإخبار عن "عمرو" لم يجز، لأنك تقول: الذي زيد كعمرو، وذلك لا يجوز إلا في الضرورة، نحو قوله:

стр. 3604

فلا ترى بعلا ولا حلائلا ... كهو ولا كهن إلا حاظلا. فإن (الكاف) إنما تخفض الظاهر لا المضمر. وكذلك إذا قلت: ألقى رحله حتى الزاد، فأردت أن تخبر عن "الزاد" لم يجز، إذ كنت تقول: الذي ألفى رحله حتاه الزاد، و (حتى) لا تخفض المضمر إلا اضطرارا نحو قوله: فلا والله لا يلقى أناس ... فتى حتاك يا ابن أبي يزيد. وكذلك (ذو) إذا قلت: رأيت ذال المال، لا يجوز أن تخبر عنه، فتقول: الذي رأيت ذاه المال لأن (ذا) لا يجر المضمر إلا نادرا، نحو: - أبان ذوي أرومتها ذووها* وكل ما كان مثل هذه الأنواع يمتنع الإخبار عنها. هذه جملة الشروط التي جاء بها الناظم- ﵀ لجواز الإخبار عن الاسم. وقوله: (فراع ما رعوا) يقال: راعي الأمر يراعيه، إذا نظر إلام يصير.

стр. 3605

وراعيته أيضاً: لاحظته، وراعيته أيضا: من مراعاة الحقوق، أي المحافظة عليها، وراعيت الشيء: حفظته، ومنه: راعي الإبل والماشية كلها. أي لاحظ ما حفظوا من هذه الشروط، وانظر إلى ماذا يصير الأمر فيها تجدها ضرورية لاشتراط. وعلى الناظم في هذا الفصل نظر من وجهين: أحدهما: أنه أتى بأربعة شروط، كرر منها اثنين على شدة محافظته على الاختصار واجتناب الإكثار. والثاني: أنه اقتصر فترك شروطا معتبرة عند النحويين، لا بد منها، إذ بها يصح الإخبار، / وبدونها لا يستقيم، والتي ترك أكثر من التي ذكر، وهذا غريب. فأما التكرار فإنه شرط قبول التعريف في الاسم المخبر عنه، وشرط الاستغناء عنه بمضمر، وهذان في الحقيقة شرط واحد، إذ شرط فبول التعريف داخل في اشتراط وقوع المضمر موقعه، فلو أسقط اشتراط قبول التعريف لخرج له الحال والتمييز ومخفوض (رب) و (كل) وغير ذلك مما تقدم شرحه، عن أن يخبر عنه، لأن كل واحد منها لا يخلفه المضمر، ولا يستغنى عنه به، وإذا كان كذلك ثبت أن اشتراط قبول التعريف فضل لا يحتاج إليه. ولما ظهر هذا التكرار لابن الضائع، حين أتى النحويون بالشرطين المفترقين، أعتذر عن ذلك بأن من الأسماء ما لا يجوز أن يضمر، لأن إعرابه يناقض التعريف، والمضمر معرفة، يعني كالحال والتمييز، ومنها ما لا يجوز أن يضمر لأن له حكما آخر يناقض الإضمار، كالنعت والمنعوت. قال: فلهذا جاء وابهما شرطين، وإلا فجواز الإضمار يعم الوجهين. قال:

стр. 3606

ويمكن أن يكون الحال والتمييز مثالين للثاني، لأن إضمارهما يمتنع من الوجهين: التعريف، وأنهما لمعنى لا يدل الإضمار عليه، فالإضمار يبطل المعنى المراد منهما، كما في النعت والمنعوت. هذا ما قاله ابن الضائع. ولا يجري اعتذاره في هذا النظم، لأن مقصوده الاختصار والجمع للمسائل المتعددة في اللفظ اليسير، بخلاف غيره ممن قصد البسط. ويسوغ الاعتذار عنه بما ذكر. وأيضا فإني أقول: أن اشتراط قبول التأخير غير محتاج إليه مع اشتراطه الاستغناء بأجنبي أو بمضمر، وذلك أن قبول التأخير احتراز من أسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، و (كم) الخبرية، وما أضيف إلى واحد من ذلك، ومن المضاف، وكل واحد من هذه لا يصح الاستغناء عنه بالضمير أصلا، لأن الضمير لا يؤدي معناه، ولا يخفض ما بعده، وقد تقدم التنبيه على ذلك، وهو احتراز أيضا من ضمير الشأن والقصة، وهو مما لا يصح فيه الاستغناء بأجنبي، إذ لا يقع موقعه غيره، ولذلك لم يقع ضميره موقعه كما تقدم، فإذن الشرطان الأولان فضل غير محتاج إليهما. وأما الاقتصار، وترك ما هو محتاج إليه، فإنه أهمل ذكر شروط سبعة سوى ما ذكر: أحدها: أن يكون في الإخبار عن ذلك الاسم فائدة، كجميع/ ما تقدم من الأمثلة الجائزة، فلو عرى الإخبار عن الفائدة لم يسغ فإذا قيل لك: أخبر عن "ضرب" من قولك: ضربت ضربا- لم يجز، لأنك إذا قلت: ] الذي [ضربته ضرب- كان غير مفيد، لأن كل أحد يعلم أن الذي

стр. 3607

ضربت ضرب، وقد رد مذهب أهل الكوفة في معاملتهم ضمير المتكلم والمخاطب، إذا أخبر عنه معاملة الظاهر حين أجازوا في الإخبار عن "أنا" من قولك: أنا قائم: الذي أنا قائم أنا، وفي: أنت قائم الذي أنت قائم أنت، وإنما رده أهل البصرة لأوجه، منها كون الخبر غير مفيد فالفائدة، ولا بد، مطلوبة في الإخبار. وكذلك لا يجوز أن يخبر عن "اثنين" من قولك: هذا ثاني اثنين، فلا تقول: الذي هذا ثانيهما اثنان، ولا عن "ثلاثة" من قولك: هذا ثالث ثلاثة، فلا تقول: الذي هذا ثالثهم ثلاثة، ولا ما كان نحو ذلك، لأن كونهما اثنين، أو كونهم ثلاثة قد تقرر قبل المجئ بالخبر، فكان الإخبار غير مفيد، فامتنع ذلك، والأمثلة في هذا كثيرة. والثاني: أن يكون ذلك الاسم متصرفا، يجري بوجوه الإعراب، ويقع فاعلا، ومفعولا، ومبتدأ، وخبرا، ونحو ذلك، وعلى الجملة فالمطلوب أن يصح استعماله مرفوعا خبرا، فأما إذا كان غير متصرف، ولزم طريقة واحدة، فلا يجوز الإخبار عنه، لما يؤدي إليه من إخراج الاسم عا ألزمته العرب، نحو (سحر) ليوم بعينه، لا يجوز الإخبار عنه، لأنه كان يخرج من لزوم نصبه على الظرفية إلى الرفع، وذلك غير جائز، وكذلك: سبحان الله، وعندك، وما أشبه ذلك، فلو أخبرت عن (سحر) من قولك: خرجت سحر، لقلت: الذي خرجت فيه سحر، وذلك لا يجوز. وكذلك لو قلت في (عندك): من (زيد عندك) - الذي زيد فيه عندك- لم يصح.

стр. 3608

فإن قيل: لم لا يجوز الإخبار عنه، ويبقى منصوبا فيكون خبرا عن (الذي)؟ فالجواب: أنه لا يجوز ننصبه خبرا إلا أن يكون ظرفا للمخبر عنه، والإخبار إنما هو أن تجعل الاسم الموصول هو المخبر عنه في المعنى، وإذا كان ظرفا له كان غيره، ولم يكن الظرف مخبرا عنه في المعنى. وهذا الشرط معتمد في "باب الإخبار" أيضا. والثالث: أن يكون غير تابع، ما عدا العطف بالحرف، فالنعت لا يجوز الإخبار عنه كما تقدم. وكذلك عطف البيان عند بن أبي الربيع وطائفة، لأن عطف/ البيان إنما يؤتى به بيانا، وأنت إذا أخبرت عنه، فجعلت في موضعه الضمير، فالضمير ليس ببيان، وإنما هو مبهم يحتاج إلى البيان. وكذلك التوكيد لا يجوز الإخبار عنه، لأن التوكيد إنما هو بألفاظ مخصوصة محصورة، والإخبار عنه يؤدي إلى تأكيد الظاهر بالمضمر مطلقا، وهو لا يجوز. وأما البدل فكذلك لا يجوز الإخبار عنه عند طائفة من النحويين، وقبحه المازني، لأنك إذا قلت: مررت برجل أخيك، فأخبرت عن البدل قلت: الذي مررت برجل به أخوك، فأتيت به، لا يستقل الكلام بدونه، ولذلك كان عند بعض النحويين في تقدير جملة أخرى. وقد أجاز فيه ذلك طائفة أخرى، وإليه مال ابن الضائع، وسوى بين البدل في هذا وبين العطف بالحرف. والمعطوف يجوز الإخبار عنه، فكذلك البدل، فكما تقول في (رأيت زيدا وعمرا) إذا أخبرت عن "عمرو": الذي

стр. 3609

رأيت زيدًا وإياه عمرو، فكذلك تقول في (رأيت زيدا أبا عبد الله) الذي رأيت زيدا إياه أبو عبد الله. وقد أجازه سيبويه: أزيد ضربت عمرا وأخاه. فكذلك يجوز: أزيد رأيت عمرا أخاه؟ وليس هذا موضع ذكر ذلك. والرابع: ألا يكون عامله اللفظي مقدرا غير منطوق به، فإن كان كذلك لم يجز الإخبار عنه. فإذا قلت: ما أنت إلا سيرا، فأردت الإخبار عن "سير" لم يجز، لأنك تقول: الذي ما أنت إلا إياه سير، والضمير لا يدل على فعل، فيبقى إذ ذاك بغير ناصب، وذلك ممتنع. وكذلك إذا قلت: له صوت صوت حمار. لا تقول فيه: الذي له صوت إياه صوت حمار. ومن ها هنا قالوا في الإخبار عما كان من المصادر نحو: تبسمت وميض البرق: من زعم أنه منصوب بفعل مضمر، أي أومضت وميض البرق، لم يجز الإخبار عنه لما تقدم. ومن نصبه بهذا الظاهر. وهو مذهب المازني، أجاز الإخبار عنه، فتقول على مذهبه: الذي تبسمته وميض البرق، والمذهب الأول مذهب سيبويه. والخامس: جواز وقوعه في الواجب، تحرزا من الأسماء اللازمة للنفي في الاستعمال، كأحد، وعريب، وكتيع، ونافخ، ونحو ذلك، فإن الإخبار عنها غير جائز، لما يؤدي إليه من استعمالها في الواجب على خلاف وضعها. فإذا أردت الإخبار عن "أحد" من قولك: ما رأيت أحدا، فقلت: الذي ما رأيته أحد، فقد

стр. 3610

أوجبت للذي ما رأيته أنه أحد، وذلك غير جائز، وكذلك سائر الأسماء/ المختصة بالنفي، بخلاف ما إذا أردت الإخبار عن "زيد" مثلا من قولك: ما رأيت زيدا، فإنك تقول: الذي ما رأيته زيد، فصح الإخبار، لأن "زيدا" يصح وقوعه في الواجب، نحو قولك: رأست زيدا، وجاءني زيد، وهذا ظاهر. وقد وجه ابن عصفور المنع هنا أيضا بأن "أحدا" يراد به العموم، وعلى هذا وضعه، و"الذي" إنما يراد به واحد معين، فلم يطابق الإخبار المخبر عنه. والسادس: أن يكون الاسم المخبر عنه بعض ما يصح الوصف به، من جملة، أو جملتين في حكم الجملة الواحدة مثل ما تقدم، والجملتان اللتان في حكم الجملة الواحدة كجملتي الشرط والجزاء، فتقول في الإخبار عن "زيد" من قولك: (إن قام زيد قام عمرو): الذي إن قام قام عمرو زيد، وفي الإخبار عن "عمرو": الذي إن قام زيد قام عمرو. وجملتي القسم والجواب، فتقول في الإخبار عن "زيد" من قولك: (والله لأكرمن زيدا): الذي والله لأكرمنه زيد. وجملتي التنازع، فتقول في الإخبار عن "الزيدين" من قولك: (أكرماني أكرمت الزيدين): اللذان أكرماني وأكرمتها الزيدان. وعن ضمير المتكلم: الذي أكرماه وأكرمهما الزيدان أنا. والجملتين المرتبطتين بالفاء، فتقول في الإخبار عن "زيد" من قولك: (يطير الذباب فيغضب زيد): الذي يطير الذباب فيغضب زيد، وعن "الذباب" الذي يطير فيغضب زيد الذباب. فساغ الإخبار عن الاسم في هذه لأمثلة لصحة الوصف بها، فلو
следующие страницы →