فتارة يطلق في مقابلة الفعل والحرف, فيقال: هذا اسم ليس بفعل ولا حرف.
وتارة يطلق ويراد به (في) ما مقابله المصدر, كما يقال في: كلامٍ, وسلامٍ: هذا اسم, أي ليس بمصدر لكلمت وسلمت.
وتارة يطلق في مقابلة الصفة, وهو المراد هنا.
فإذا كان الثلاثي هنا غير صفة أتبعت عينه فاؤه, وإلا فلا تتبع فلا تقول في (ضخمةٍ): ضخامات, ولا في (سمحة) سمحات ولا نحو ذلك.
وبسبب هذا الوصف فعلوا ما فعلوا من التحريك, كأنهم أرادوا التفرقة بين الاسم والصفة, فحركوا الاسم لخفته وأبقوا الصفة على حالها من السكون لثقلها, لقربها من الفعل الذي هو أثقل من الاسم.
فأما قولهم: شاة لجبة, أي قل لبنها - بالسكون - وشياة لجبات, بالفتح إتباعًا مع أنه وصف, فليس على ظاهره عند المؤلف, وإنما لجبات عنده جمع لجبة - بالفتح - إذ يقال: شاة لجبة ولجبة. وكذلك قولهم: رجل ربعة, للمعتدل, ورجال ربعات, بالسكون في المفرد, والإتباع في الجمع, ليس عنده ما ظهر, وإنما ربعات عنده على/ ربعة؛ إذ يقال في المفرد بفتح الباء وإسكانها, فليس ذلك إذًا من النادر؛ بل من المقيس.
وقال في "الشرح": إن النحويين يظنون في (لجبات) أنه جمع (لجبة) الساكن الجيم, فيحكمون عليه بالشذوذ, لأن فعلة صفة لا تجمع على (فعلاتَ) بل على على (فعلاتٍ).
стр. 3852
قال: وحملهم على ذلك عدم اطلاعهم على أن فتح الجيم في الإفراد ثابت قال: وكذلك اعتقدوا أن (ربعات) بفتح الباء, جمع (ربْعةٍ) بالسكون, وإنما هو جمع (ربَعةٍ) بمعنى ربْعةٍ, ذكر ذلك ابن سيده. انتهى.
وإذا كان على ما قاله المؤلف وحكاه, فيلزم على قول من قال: (لجبة) بالسكون [أن] يجمع على (لجبات) بالسكون أيضًا, وهو القياس, وذلك مذهب المبرد, إذ أجاز إجراء القياس فيه, وأتبعه المؤلف في "التسهيل", فقال: "ويسوغ في (لجبة) القياس وفاقًا لأبي العباس".
وهذا المذهب إنما يقال به أنه على الجواز إذا كان كلام العرب على خلافه, بأن تكون العرب القائلون (لجبة) أو (لجبة) يجمعون على (لجبات) فحينئذٍ - يصح أن يقال الحمل على القياس.
أما ما يستشعر من كلام المؤلف, من أن من يسكن في المفرد يسكن في الجمع, ومن يفتح يفتح, فلا يصح أن يقال بجواز إجراء القياس؛ بل هو اللازم ولابد, والوجه الأول هو ظاهر كلام سيبويه في (لجبة) ونص السيرافي, وللكلام مع المؤلف في المسألة موضع غير هذا.
الوصف الرابع: أن يكون ساكن العين, نح هند, ودعد, وجمل, وتمرة, وغرفة, وكسرة, فإنهم إنما فعلوا ذلك فيما كان هكذا, فلو كان محرك العين لم يجز ذلك, لأن العين قد سبقت حركتها الأصلية, فلا ينتقل عنها, نحو: شجرة,
стр. 3853
وسمرة, ونمرة, فلا تقول العرب في (سمرة) سمرات, ولا في (نمرة): نمرات, ولا نحو ذلك.
الوصف الخامس: أن يكون مؤنثًا لا مذكرًا, فإنه إذا كان مذكرًا لا تفعل العرب ذلك فيه, فإنها لا تجمع مثل هذا بالألف والتاء, وهذا التحريك لا يعرض إلا في هذا الجمع, فلا سبيل إليه أصلاً وفرعًا.
والمراد بالتأنيث هنا الإطلاق, يعني سواءً كان تأنيثًا لفظيًا كطلحة, وحمزة, أم معنويًا, نحو قولك: تمرةٍ, وغرفةٍ, فرنك تقول: طلخات, وحمزات/ وتمرات, وعرفات.
هذه الأوصاف التي أتى بها الناظم للاسم الذي تحرك عينه في الجمع بالألف والتاء, وسيذكر إثر هذا وصفًا آخر يستدركه, وهو ألا يؤدي الإتباع إلى ياءٍ بعد ضمة, أو واوٍ بعد كسرة.
فإذا اجتمعت توجه ذلك الحكم الذي ذكره, وهو أن تتبع العين الفاء بحركة الفاء, فتقول في (دعد) و (تمرة): دعدات, وتمرات, وفي (جمل) و (غرفة): جملات, وغرفات, وفي (هند) , و (كسرة): هندات, كسرات.
ثم نرجع إلى تنزيل لفظه, فقوله: "والسالم العين الثلاثي اسمًا أنل" إلخ.
"السالم العين" منصوب بـ (أبل) مفعولاً أول, و"الثلاثي" جارٍ على "السالم" نعتًا أو عطف بيان, و"مؤنثًا" حال منه, و"إتباع عين" مفعول (أنل) الثاني, و"فاءه" مفعول لـ"إتباعٍ" ثانٍ, والمفعول الأول هو المضاف إليه, وضمير "فاءه" عائد على الاسم المذكور, والتقدير: أنل الاسم السالم العين الثلاثي الحروف الحكم الذي هو إتباعك عين ذلك الاسم فاءه.
стр. 3854
و"بما شكل" متعلق بـ"إتباعٍ" أي بما شكل به, فحذف الضمير العائد على "ما" وهو قليل, ولكن قد تقدم له تسويغ مما أعطاه كلام الناظم في "باب الموصول" وفسر هنالك, و"ساكن العين" و"مؤنثًا" و"مختتمًا" أحوال الفعل فيها "بدا".
وقوله: "مختتمًا بالتاء أو مجردًا" تبين لما ذكر من التأنيث, أي لا يقتصر فيه على التأنيث اللفظي دون غيره, بل الجميع سائغ فيه حكم الإتباع.
وحصل من هذا التبيين احتراز عن التأنيث بالألف المقصورة أو الممدودة؛ إذ لا يقال في نحو (ذكرى): ذكريات, ولا في (بشريات, ولا في (دعوى): دعويات.
وهو أيضًا حاصل من الوصف الثاني, وهو كونه ثلاثيًا؛ إذ الاسم المبني على الألف معتد بها في بنائه, فلا يعد ثلاثيًا, بل رباعيًا في نحو (ذكرى) وخماسيًا في نحو (حبارى) بخلاف التاء فإنها كالجزء الثاني من المركبين, وبيان الدليل على هذا مذكور في غير هذا الوضع.
ويقال: أنال زيد عمرًا كذا, وناله إياه, فناله هو, أي: أعطيته إياه, فأخذه وتناوله.
وعلى كلام الناظم هنا نظر من وجهين:
أحدهما: أنه لم يستوف الشروط؛ بل نقصه منها.
والآخر: أنه ذكر فيها ما لا يحتاج إليه في حكم الإتباع.
أما عدم استيفاء الشروط فإن الناس اشترطوا شرطًا سادسًا لابد منه, وهو أن يكون الاسم غير مضاعف, فإنه إن كان كذلك لم يجز فيه التحريك،
стр. 3855
فتقول في (حجة) و (رجة) و (سلة): حجات, ورجات, وسلات, ولا تقول: حججات, ولا رججات, ولا سللات, وكذلك حجة, وقبة ومره وحجه وردة وهرة, وقد نص هو على اشتراط هذا في "التسهيل" وغيره, وهذا "النظم" يقتضى إطلاق التحريك في مثل هذا, وهو غير مستقيم.
وأما ما ذكره في الشروط ما لا يحتاج إليه فهو أنه شرط أن يكون مؤنثًا, وهو غير محتاج إليه قصد, لأنه إنما يشترط هذا في جواز الجمع بالألف والتاء إن كان يشترط, فنحو: زيدٍ, وعمروٍ, وكلبٍ, وجذعٍ, وقفلٍ ونحوها لا يجمع بالألف والتاء, لأنه ليس بمؤنث, فليت شعري من أي شيء تحرز بهذا الشرط؟ وما الذي كان يدخل عليه لو لم يذكره؟ وكلامه في "التسهيل" أسهل من هذا, إذ قال: "والمؤنث بهاء, أو مجردًا ثلاثيًا صحيح العين ساكنة.
فصدر بالمؤنث على أنه مشروط فيه, لا على أن التأنيث فيه شرط.
وأيضًا فالنحويون لا يشترطون هذا الشرط, بل إنما يأتون به في معرض أنه مما يجمع بالألف والتاء, وأن الثلاثي الساكن العين الكذا, إلى آخر الشروط تتبع عينه فاءه, لا أنهم يأتون بمثل هذا المساق المعترض, ولا أجد الآن جوابًا عنهما, فكان الأولى أن لو عوض من قوله: "مؤنثًا" مضاعفًا, فلا يبقى عليه اعتراض, إلا أن يقال في الأول: إن المضاعف, في المعنى, معتل, إذ لم
стр. 3856
يبق على أصله من الفك, والإدغام نوع من أنواع الإعلال, فقد يدخل له تحت شرط الإعلال.
وفي الثاني: إنه لما لم يتكلم على شروط الجمع بالألف والتاء, ولا عين ما يجمع بهما, ذكر التأنيث الذي إليه يرجع هذا الجمع, وهذا ضعف.
واعلم أن الناظم حكم فيما اجتمعت فيه هذه الشروط بإتباع العين حركة الفاء, ولم يتعرض أولاً لكونه جائزًا أو واجبًا, وظاهر الأمر أنه واجب, إذ أطلق القول فيه, وعلى هذا محمل الأمر فيه, إلا فيما استثنى بقوله:
وسكن التالي غير الفتح أو ... خففه بالفنح فكلا قدرووا
فحصل أن ما كان تاليًا للفتح لا يجوز فيه الإسكان, وما جاء من ذلك فشاذ على ما سيذكر إن شاء الله, وذلك صحيح, فتقول في (جفنةٍ): جفنات, وفي (قصعةٍ): قصعات, ولا يجوز: جفنات, وقصعات.
وأما التالي غير الفتح, وهو ما كان قبله ضمة نحو: غُرفةٍ, وخُطوةٍ, وظُلمةٍ, أو كسرةٌ نحو: كسرةٍ, وهند, فحصل من إطلاق القاعدة الأولى الإتباع كما تقدم, وزاد الآن وجهين آخرين:
الإسكان, وهو قوله: "وسكن التالي غير الفتح" أي سكن العين التي تبعت غير الفتح, فكان قبلها ضمة أو كسرة.
وقال: "التالي" والمراد عين الكلمة, وكذلك قال: "أو خففه" فأعاد ضمير المذكر, و"العين" مؤنثة, اعتبارًا بأنه حرف من حروف الكلمة, فعلى هذا تقول في (غُرفةٍ): غُرفاتٌ, وفي (خُطوةٍ): خُطواتٌ, وفي (كسرةٍ): كسراتٌ, وفي (هند): هندات.
стр. 3857
والآخر, الفتح, وهو قوله: "أو خففه بالفتح" أي خفف عين الكلمة بفتحها, وإنما قال: "خففه" لأن الفتح خفيف, وهو مما يخفف به, وأيضًا فللتخفيف هنا موقع بالنسبة إلى الاتباع الذي قدم, وهنا الضم أو الكسر؛ ولا شك أن الفتح أخف منه, فقولك: (غُرَفاتٌ, وكسراتٌ) أخف من قولك: (غُرْفاتٌ وكسراتٌ) ولأجل ذلك لزم الإتباع بالفتح, ولم يجز فيه الإسكان لما كان الفتح خفيفًا.
وأجازوا هنا الإسكان والفتح كأنهما فرار من ثقل الإتباع, فتقول في الفتح في (غُرفةٍ): غرفاتٌ, وفي (هند): هنداتٌ, وفي (كسرةٍ): كسراتٌ, ونحو ذلك.
فالمجموع ثلاثة أوجه في العين غير التابعة فتحًا, والتابعة الفتح لها وجه واحد, وهو الإتباع.
وقوله: "فكلا قد رووا" يعني أن هذه الأوجه الثلاثة, في المضموم الفاء والمكسورها, مروية عن العرب, مسموعة من كلامها, وحكاها أهل العربية.
فمما جاء من ضم عين (فُعلةٍ) في الجمع قوله تعالى: ﴾ وهم في الغرفات آمنون﴾. وقرأ ابن عامر والكسائي وقنبل وحفص: ﴾ ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾.
ومما جاء بالإسكان فيه (خطوات) وهي قراءة الباقين, وحكى اللغويون (غرفات).
стр. 3858
ومن الفتح ما أنشده/ سيبويه:
ولما رأونا باديًا ركباتنا ... على موطن لا نخلط الجد بالهزل
وذكر أنه سمعه ممن ينشده بفتح الكاف, وحكى أن من العرب من يفتح العين إذا جمع بالتاء, فيقول: ركبات, وغرفات, وقال دريد:
دفعت إلى المفيض وقد تجاثوا ... على الركبات مغرب كل شمس
ثم مرجع النظر في كلام الناظم في مسائل:
إحداها: في قوله: "وسكن التالي غير الفتح" فإن الظاهر لبادي الرأي أن لو قال: واتركه على سكونه أو خففه بالفتح, إذ الأصل فيه السكون, وهو الظاهر, فلا ينبغي أن يعدل عن دعواه إلى دعوى سكون عارض بعد الإتباع.
والجواب: أن الأمر على ما يظهر من كلامه من تجدد السكون بعد الإتباع, وذلك أنه إن كان الأصل السكون, كما ذكر, فقد عرض له أصل ثان طاريء عليه, وهو الإتباع, فرقًا بين الاسم والصفة, بدليل لزومه في المفتوح الفاء؛ إذ لا يسوغ أن يقال هنا: إن الفرق بين الاسم والصفة أتوا به على الجواز, حتى تلجئنا الضرورة إلى ذلك, ولأن من عادة الفرق أن يكون لازمًا,
стр. 3859
وإلا لم يكن فرقا, فلابد أن يدعى أنه سكون عرض لموجب, والموجب هنا قائم, وهو ثقل توالي الضمتين في نحو: (غرفات) وتوالي الكسرتين في نحو (كسرات) (ومن عادتهم الفرار عن ذلك ألا ترى أنهم يقولون في (رسل) و (كتب) ونحوهما: رسل, وكتب, وفروا من بناء (فعل) بكسرتين, فلم يأتوا منه على ما قاله سيبويه إلا بإبل, وزاد غيره ألفاظًا يسيرة, فلما كانوا يلقاهم في الإتباع هنا ما عادتهم أن يجتنبوه ولو على الجواز, فعلوا تلك العادة هنا, وما ظهر هنا من كلام الناظم هو الظاهر من كلام سيبويه, إذ قال: "ومن العرب من يدع العين من الضمة في (فعلةٍ) فيقول: غروات, وخطوات, ثم تكلم على (مديةٍ) ونحوه, وأنه لا يجوز فيه الإتباع.
ثم قال: "ومن خفف قال: كليات, ومديات".
وقال في (فعلةٍ): ومن قال: (غرفات) فخفف قال: كسرات, فظاهر هذا أن التخفيف فيها من الضم أو الكسر.
وأظن أن الفارسي نص على ذلك في "الحجة" واحتج له, فاستظهر عليه.
стр. 3860
وعلى هذا النوع / جرى الفراء في توجيه قراءة من قرأ: ﴾ خطوات الشيطان﴾ بالإسكان, وعلى أن ابن الضائع جرى في عبارته على مقتضى السؤال فقال ومنهم من استثقل الضمة فتركه ساكنًا, فانظر فيه.
المسألة الثانية: أنه ذكر الإتباع في الاسم, والبقاء على الإسكان في الصفة, فإذا كانت الصفة قد سمى بها ففي أي قسم تدخل له, مع أنهم قد أجازوا الوجهين, أعنى النحويين, في المسمى بالصفة إذا جمع, اعتبار الأصل فسكنوا, واعتبار الحال فحركوا؟
والجواب: أن هذا القسم يدخل تحت قاعدته, وذلك أن الأصل فيما سمى بالصفة أن تجرد عنه حالة الوضعية, وعلى ذلك جاء قولهم: العبلات, لقوم من قريش, لأن أمهم اسمها (عبلة) وهي منقولة من الصفة, فلو سميت بضخمة لقلت: ضخمات, وكذلك ما أشبهه.
فعلى هذا التقدير تدخل الصفات المسمى بها تحت حكم الأسماء, لأنها قد انتقلت إلى الاسمية, غير أنهم أجازوا لحظ الأصل بعد التسمية رعيًا له, كما رعوه في باب "ما لا ينصرف" فمنعوا (أحمر) بعد التسمية, إذا نكر, الصرف اعتبارًا بالأصل من الوصفية, وكما قال الأعشى:
أتاني وعيد الحوص من آل جعفر ... فيا عبد قيس لو نهيت الأحاوصا
فجمع (الأحوص) على (حوصٍ) و (فعل) لا يجمع عليه إلا الوصف, فراعو أصل (الأحوص) إذ هو وصف, فيقال: رجل أحوص, بمعنى
стр. 3861
ضيق مؤخر العين, وامرأة حوصاء, ثم راجع الأصل المرجوع إليه من التسمية, فجمعه على (أحاوص) فكذلك يجوز هنا أن يجمع (ضخمة, وعبلة) مسمى بهما على (ضخمات, وعبلات) على هذا التقدير, وإذا كان على مراعاة الوصيفة لحق بالصفة, وخرج في التقدير عن حكم الأسماء, فلزمه الإسكان الذي يلزم الوصف, فدخل تحت كلام الناظم.
المسألة الثالثة: أن الناظم حكى جواز الإتباع حكاية مطلقة, فيظهر منه استواء الجواز في الأوجه الثلاثة بالنسبة إلى (فعل) و (فعل) وفيه نظران:
أحدهما: أن الإتباع في (فعلة) بالضم ليس كالإتباع في (فعلة) بالكسر, من جهة أن العرب لا تستعمل الجمع بالتاء في (فعلة) إلا قليلاً, كراهية توالي الكسرتين, فاستغنوا ببناء الأكثر وهو (فعل) كفقرة وفقر, وكسرة وكسر, وقربة وقرب, لأنه في توالي الكسرتين يشبه (فعلاً) , و (فعل) في الأبنية نادر, بخلاف/ (فعل) فإنه يكثر في كلامهم, فمن ها هنا كثر استعمال نحو: غرفات, وخطوات, ولم يكثر سدرات وكسرات. ذكر ذلك سيبويه, (وعلل بمعنى ما ذكرته) , وإذا ثبت هذا فكيف يجعل الإتباع في (فعلة) مساويًا للإتباع في (فعلة) وبينهما ما تراه.
والثاني: أن من مثل (فعلة) ما لا يجوز فيه الإتباع, ويجوز فيه غيره, وهو ما إذا كانت لام الكلمة ياء نحو: لحية, فرية, فلا يقال:
стр. 3862
لحيات, فريات, لتوالي الكسرات مع الياء, بخلاف (خطوات) ونحوه, فإنه جائز وإن توالت الضمات مع الواو, فقد قال سيبويه: "وتقول: لحية ولحى, وفرية فرى, ورشوة ورشًا". قال: "ولا يجمعون بالتاء كراهية أن تجيء الواو بعد كسرة - يعني في (رشوةٍ) لو قلت: رشوات - واستثقلوا الياء هنا بعد كسرة - يعني في (لحية) لو قلت: لحيات - قال: "فتركوا ذا استثقالاً, واجتزوا ببقاء الأكثر". يعني الجمع على (فعل).
ثم ذكر أن من قال: كسرات: قال: لحيات.
فهذا كالصريح في المنع, ويرشحه أنه قرنه بما يمتنع اتفاقًا, وهو (رشوات) فظاهر كلام الناظم مشكل.
والجواب عن النظر الأول: أن من عادته أن يأتي بمثل هذا مجملاً, فلا يعين الأقل من الأكثر إذا كان الجميع جائزًا في الكلام؛ إذ لا محظور.
وعن الثاني: أن السيرافي: زعم أن الإتباع يجوز في (لحية) وبابه, هكذا غير مقيد بقلة, قال: لأنه لا ينقلب فيه حرف إلى غيره, يعني كما ينقلب في (رشوةٍ) لو أتبعت, إذ لابد من الإتباع من قلب الواو ياء, بخلاف (لحية) لأنها ياء من أصلها, فلعل الناظم اعتمد على هذا النقل, والمؤلف نقل في "التسهيل" الخلاف في المسألة, وذكر في "الشرح" أن من البصريين من منع لاستقلال الياء بعد الكسرتين, ومنهم من أجازه, ولم يذكر هناك نصًا على مرتضاه, وظاهر مذهبه ها هنا الجواز, ويكون اعتماده على ما ذكره السيرافي إن كان سماعًا من العرب, أو قياس منه, وعلى ما يشير إليه رده على الفراء في منعه (فعلات) مطلقًا, على ما أذكره على إثر هذا إن شاء الله تعالى.
стр. 3863
المسألة الرابعة: في حكاية ما خالف ما تقدم من المذاهب, فمن ذلك ما ذهب إليه قطرب من إجازة الإتباع في (فعلة) الصفة/، فيجوز عنده أن يقال في (ضخمة): ضخمات, وفي امرأة (عبلة): عبلات, وما أشبه ذلك, وكأنه قاس الصفة على الاسم.
قال المؤلف: ويعضده ما روى أبو حاتم من قول بعض العرب: كهلات, وكهلات - بالفتح (والإسكان) - والإسكان أشهر, وهذا الحرف شاذ نادر, فلا يقاس عليه, وما ذكر من القياس على الاسم فاسد, لأنه مخالف لمقاصد العرب؛ إذ علمنا بالاستقراء أنها قصدت أن تفرق بين الاسم والصفة, وهو أراد أن يجمع بينهما في الحكم, فهو بمثابة من يقيس الفاعل على المفعول فينصب, أو المفعول على الفاعل فيرفع.
ومن ذلك ما ظهر من ابن معط في "أرجوزته" من التفرقة في التحريك بين ما فيه الهاء, كغرفة, وسدرة وبدرة, وبين ما لا هاء فيه نحو: دعد, وهند, وجمل, فأجاز في نحو (خطوة, وسدرة) ثلاثة الأوجه, وفي نحو (بدرة) وجهًا واحدًا, وهو صحيح, وأجاز فيما لا هاء فيه وجهين خاصة, وهما الإتباع والتخفيف, فنحو (دعد) فيه عنده وجهان, ونحو (هند) و (جمل) لا تفتح عينه, هذا ظاهر كلامه, وهو مخالف لما تقدم.
وأيضًا فإن سيبيويه جعل نحو (دعد) مثل ما فيه الهاء, ذا وجه
стр. 3864
واحد كجفنة, وأجرى نحو (جمل, وهند) على اللغات فيما فيه الهاء, إلا أنه لم ينص على لغة الفتح, فقال السيرافي: يجوز في (جمل, وهند) ثلاث لغات, كظلمة, وكسرة, فالظاهر أنه ما قاله ابن معط غير ثابت, والله أعلم.
ومن ذلك ما ذهب إليه الفراء من منع الإتباع في (فعلة) المكسورة الفاء, فلا يقول (فعلات) أصلاً, سواء كان لامها ياءً أو غيرها, واحتج بأن (فعلات) يتضمن بناء (فعل) و (فعل) وزن أهمل إلا فيما ندر, كإبل, وبلز, ولم يثبت سيبويه منه إلا إبلاً, وما استثقل في الإفراد, حتى كاد يكون مهملاً, حقيق بأن يهمل ما كان يتضمنه من الجموع, لأن الجمع أثقل من المفرد, والذي رجح المؤلف الجواز, وهو ظاهر هذا "النظم".
وأجاب عما احتج به الفراء من أوجه:
منها أن المفرد, وإن كان أخف من الجمع, قد يستثقل فيه ما لا يستثقل في الجمع, لأن المفرد معرض لأن يتصرف/ فيه بتثنية وجمع ونسب, وإذا كان على هيئة مستثقلة تضاعف استثقالها بتعرض ما هي فيه إلى استعمالات متعددة, بخلاف الجمع, فإن ذلك فيه مأمون.
ومنها أن (فعلاً) كإبل أخف من (فعل) كطنبٍ, فمقتضى الدليل أن يكون أمثلة (فعل) أكثر من أمثلة (فعل) إلا أن الاستعمال اتفق وقوعه بخلاف ذلك فأي تصرف أفضى إلى ما هو أحق بكثرة الاستعمال فلا ينبغي أن يجتنب, بل يحق أن يؤثر جبرًا لما فات من كثرة الاستعمال, ويؤيد هذا أنهم لا يكادون يسكنون عين (إبل) بخلاف (فعل) فإن عينه تسكن كثيرًا.
стр. 3865
ومنها أن العرب قد استعملت (فعلات) جمعًا لفعلة, وقد أشار سيبويه إلى أن العرب لم تجتنب استعمله, كما لم تجتنب استعماله (فعلات).
وقد رجح بعض العرب (فعلات) على (فعلات) إذ قال في جمع (جروة): جروات, فاستسهل النطق بكسر عين (فعلات) في ما لامه واو, ولم يستسهل النطق بضم عين (فعلات) في (فعلة) أو أولى بالجواز منه, والقاطع في هذا كله السماع, وقد حكى في غير ضرورة, فلا يعدل عنه.
ومن ذلك ما تقدمت الإشارة إليه من منع من منع (فعلات) في المعتل اللام بالياء, كلحية, فلا تقول لحيات, وهو ظاهر كلام سيبويه, ووجه المنع الاستثقال, لتوالى كسرتين مع ياء, مع عدم السماع أو ندوره .. وظاهر كلام الناظم في إطلاقه جواز مثل هذا, وهو الذي يعطيه رده على الفراء في منع (فعلات) مطلقًا, لأن (فعلات) المعتل اللام بالياء فرد من أفراد ذلك المطلق, فما احتج به يجري في هذا, والمعتمد في الجميع السماع, لأن التعليل بالاستثقال ثان عن كونه معدومًا أو نادرًا, "قف حيث وقفوا, ثم فسر".
وقول الناظم: "فكلا قد رووا" ارتهان منه في النقل في هذه الأنواع كلها.
ولما كان إطلاقه جواز الإتباع قد تضمن إجازة ما هو ممنوع اتفاقًا أخذ في استثنائه من ذلك فقال:
ومنعوا إتباع نحو ذروه ... وزبية وشذ كسر جروه
стр. 3866
فاستثنى نوعين/ أعطاهما مفهوم المثالين, ويعني أن العرب منعت الإتباع فيما كان من المؤنث المذكور على (فعلة) بكسر الفاء ولامه واو وهو الذي أشار إليه بنحو (ذروة) أو كان على (فعلة) بضم الفاء ولامه ياء, وهو الذي أشار إليه بنحو (ذروة) أو كان على (فعلة) بضم الفاء ولامه ياء, وهو الذي أشار إليه بنحو (زبية) فكأنه قال: كل ما كان من المؤنث على (فعلة) ولامه ياء, أو (فعلة) ولامه واو, فإن العرب امتنعت في جمعه بالألف والتاء من الإتباع, وأجازت ما عداه, فلا يجوز أن يقال في (ذروة): ذروات, ولا في (رشوة): رشوات, ولا ما أشبه ذلك, لما في ذلك من الاستثقال والمنافرة بين الكسرة والواو, لاقتضاء الكسرة قلب الواو ياء, فاجتنبوا ذلك.
وكذلك لا يجوز أن تقول في (زبية): زبيات, ولا في (كلية): كليات, لما في ذلك من استثقال الخروج من الضم إلى الياء, ولاقتضاء الضمة قلب الياء واوا, فاجتنبوه رأسًا.
ثم حكى ما جاء من النوع الأول شاذًا فقال: "وشذ كسر جروة" [يعني أنه جاء هذا اللفظ, وهو (جروة)] مكسورة العين في الجمع بالتاء, ولامه واو, فقالوا: جروات, وأبقوا الواو بعد الكسرة على حالها, وذلك في غاية الشذوذ؛ إذ لم يحك منه سواه, ولذلك خصه الناظم وعينه بقوله: "وشذ كسر جروه" والجروة التي جمعت هكذا: يجوز أن تكون أنثى الجرو, وهو ولد الكلب والسباع, أو الجروة التي هي الصغيرة من القثاء.
وذروة الشيء: أعلاه, وكذلك ذروته, وذراه, والزبية: حفرة
стр. 3867
يحفرها الصائد لما يصاد من أسد أو صيد ونحوه, والزبية أيضًا: الرابية لا يعلوها الماء, ثم قال:
ونادرًا أوذو اضطرارٍ غيرما ... قدمته أولأناس انتمى
يعني أن ما عدا ما تقدم في الجمع بالألف والتاء, من الإتباع, والتسكين, والتحريك بالفتح, فهو خارج عن جمهور كلام العرب, إما أنه وقع نادرًا, وإما اضطرارًا, وإما أنه نقل عن قوم من العرب مخصوصين, وأما ما تقدم فإنما انبنى على مشهور كلامهم.
وهذه الأنواع الثلاثة التي ذكر متباينة في المعنى.
فالنادر هو الذي جاء في الكلام المنثور قليلاً جدًا, بحيث لا يبنى عليه لقلته.
وذو الاضطرار هو/ ما جاء في الشعر لضرورة الوزن, ولولا الوزن لتكلم به على ما يعطيه القياس.
والذي انتمى لأناس هو ما كان لغة لبعض العرب, إختصوا بالتكلم بها دون سائر قبائل العرب, بحيث تنسب إليهم خصوصًا دون أن تنسب إلى مطلق كلام العرب, فيقال: هذه لغة بني فلان.
وقوله: "أولأناس" يشعر بأقليتهم بالنسبة إلى سائر العرب, وعلى هذا النوع أحال على ما يذكر بحول الله.
ولابد من ذكر ما حضر من مثل هذه الأنواع الثلاثة وبها يتبين كلام الناظم.
فأما النادر فمنه قولهم: عيرات, (في جمع عير, وهي جماعة الإبل تحمل الميرة, قال في الشرح: "وأما عيرات في جمع (عير)
стр. 3868
فجائز عند جميع العرب مع شذوذه عن القياس" وإنما شذ من جهة تحريك عينه, وهي حرف علة؛ إذ كان السكون فيها أخف فالتزموه, وخرجوا بهذه اللفظة عن ذلك الأصل, وأما هذيل فهم فيه على أصولهم, وإنما ندروه من جهة التزام جميع العرب ذلك فيه, قال سيبويه: "حركوا الياء, وأجمعوا فيها على لغة هذيل", قال الكميت أنشده السيرافي:
(عيرات الفعال والحسب العود إليهم محطوطة الأعكام)
ومنه ما تقدم من قولهم: جروات, وقد تقدم وجه شذوذه.
ومنه على مذهب سيبويه ومن تبعه قولهم: لجبات في (لجبة) حيث اعتزم من يسكن في الإفراد أن ينتقل إلى لغة من يحرك وهو وصف, وعلى هذا المعنى يمكن أن يحمل قولهم: ربعات, إن ثبت أن بعض العرب يفتح في الإفراد, وأن من يسكن فيه يفتح في الجميع.
ووجه سيبويه (ربعات) بأن أصله اسم مؤنث يقع على المذكر والمؤنث بلفظ واحد, فصار كالوصف بخمسة, إذا قلت: مررت برجال خمسة.
قال ابن الضائع: ولزوم التاء في (ربعة) يدل على ذلك.
قال ابن الضائع في (لجبات) بعد ما ذكر قول سيبويه: ويمكن أن يقال: لما كانت هذه الصفة مختصة بالمؤنث أشبهت الأسماء, حيث لم تكن التاء فيها
стр. 3869
علامة للتأنيث, لأنها كالتاء في (ناقة) ومن الفتح في الوصف قولهم: كهلات في (كهلة) ففتحوا في الجمع, وهو وصف قطرب.
وقال يونس: امرأة عدلة, وعدلات, فحرك, وقال: قوم ربعة وربعات, وقال يونس: شاة لجبة, ولجبات, فحرك الجمع, وقال: لا أعرف: لجبة, بالتحريك ومن الإسكان في الاسم قولهم: (أهلات) في (أهل) وأهلات أشهر.
قال سيبويه: "وقالوا: أهلات, فخففوا, شبهوها بصعبات, حيث كان (أهل) مذكرًا تدخله الواو والنون", قال: "فلما جاء مؤنثًا كمؤنث (صعب) فعل به كما فعل بمؤنث (صعب) ", يعني أنهم أنثوا (أهلاً) فقالوا: أهلة, وجمعوا فقالوا: أهلون في (أهل) فصار لذلك مثل: صعب, وصعبة, وصعبون, فعومل معاملته.
ومما جاء منه مؤنثًا قول الشاعر, أنشده السيرافي, وأنشده الفراء أيضًا, قال أنشدني المفضل:
وأهلة ود قد تبريت ودهم ... وأبليتهم في الحمد جهدي ونائلي
стр. 3870
وأما الاضطرار فمنه قول الشاعر:
وحملت زفرات الضحى فأطقتها ... ومالي بزفرات العشى يدان
فأسكن عين (فعلات) وهو اسم, وقال ذو الرمة:
أبت ذكر عودن أحشاء قلبه ... خفوقًا ورفضات الهوى في المفاصل
أراد "ورفضات" فأسكن ضرورة, وأنشد ابن خروف قال أنشده الباهلي في "معانيه":
ولكن نظرات بعين مريضة ... ألاك اللواتي قد مثلن بنا مثلا
أراد "نظرات" وقال عدى بن الرقاع:
يكابد نفحات الهواجر والضحى ... مكافحة بالمنخرين وبالفم
وإنما سهل هذا النوع شيئًا أنها مصادر, والمصادر تشبه الصفات, فهي أسهل في القياس من (تمرات) لو قيل.
وأما اللغات الأقلية بالنسبة إلى ما ذكر, فمنها ما حكى أبو الفتح عن
стр. 3871
قوم من العرب من تسكين عين (فعلات) إذا كانت اللام معتلة, فيقول في (ظيبة): ظيبات, وفي (شريه): شريات, واللغة المشهورة: ظيبات, شريات.
ومنه لغة هذيل, أنهم يفتحون عين (فعلات) المعتلة, فيقولون في (جوزة): جوزات, وفي (بيضة): بيضات, وفي (سيرة): سيرات, وفي (عير): عيرات.
قال الفارسي عن قطرب: وزعم يونس أن (توبة) و (توبات) بالتثقيل يقولها ناس كثير, قال:
أبو بيضات رايح متأوب ... رفيق بمسح المنكبين سبوح
وقال الشلوبين: قياس لغة هذيل الفتح في نحو: دولة, ودولات, وصوفة, وصوفات, وكأنه إنما قال هذا لأنه لم يسمعه نقلاً عن لغتهم, ولا شك أن القياس سائغ.
وقول الناظم: "أولأناس انتمى" أي: انتسب.
يقال: انتمى فلان, إذا انتسب, و"غير ما قدمته" مبتدأ خبره "نادر" وما بعده.
стр. 3872
بين يدي التحقيق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله الكريم.
وبعد، يخرج هذا الجزء على غير ما خرجت عليه الأجزاء الأخرى من هذا الشرح المبارك؛ إذ اشترك في تحقيقه ثلاثة من أساتذة الصرف في قسم الدراسات العليا من كلية اللغة العربية في جامعة أم القرى، هم:
أ. د. محمد بن إبراهيم البنا، وقد أسند إليه تحقيق جمع التكسير.
أ. د. السيد تقي عبد السيد، وقد أسند إليه تحقيق التصغير.
أ. د. سليمان بن إبراهيم العايد، وقد أسند إليه تحقيق النسب.
ولهذا الجزء قصة مجملها أن بعض الزملاء الأعزاء كان التزم بتحقيقه، ولم يمكنه إنجاز العمل لموانع أو صوارف أو شواغل شغلته، لا تخرج عن باب العلم، ونشاطه في التحقيق، ووجد مجلس مركز إحياء التراث الإسلامي وإدارته نفسه في موقف حميد؛ إذ حقِّق الكتاب كله، ولم يتبقَّ منه إلا هذا الجزء، والأمر يحتمُ العجلة والإسراع في أمر طال انتظاره، وإسناد تحقيقه إلى واحد قد يمطل الأجل، ويطيل الزمن. فكان الرأي أن يقسم بحسب أبوابه الثلاثة، وأن يسند تحقيق كل باب إلى أستاذ، فكان العمل على الصورة المثبتة في صدر الحديث، ثم جدت بعد ذلك أمور، فرجع الأستاذان: محمد البنا والسيد تقي إلى عملهما في مصر، وأكملا تحقيق ما أسند إليهما هناك، وتمت إجراءات النشر من المراجعة، والطباعة، والتصحيح في غيبتهما، وكان لي شرف تصحيح تجارب الطباعة، وشاركني تلميذي د. محمد الدغريري، وأرجو أن تنال شيئاً من رضا الجميع، وإن كانت الطباعة لا تأتي على جميع رغبات المحقق، خاصة
стр. 3873
الضبط، فإن الكَتَبَةَ عادةً يحاولون التخلص منه أو التخفف، لكن عمل أو بقي منه ما هو بالإمكان، وما تدعو إليه الضرورة، وليغفر لنا القارئ ترك ضبط أشياء واضحة، أو السهو عن ضبط ما يحتاج إلى ضبط، مما كان المحققون قد ضبطوه وأحكموه؛ لأن مثل هذا الكتاب إنما تقرؤه فئةٌ من المختصين، أو نبهاء الطلاب ومتقدميهم، وإليهم يساق الكتاب، وهؤلاء لا يخفي عليهم كثير مما يخفى على غيرهم.
وإن محققي هذا الجزء ليشكرون كلَّ من أسهم في هذا الجزء مراجعة أو نشراً، من القائمين على أمور معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، ومركز إحياء التراث، ولا سيما الزميل العزيز د. مطر بن مسفر الزهراني مدير المركز سابقاً، الذي تابع مراحل هذا الكتاب في آخرها، وأولاه كل اهتمامه، مع أعمالٍ أخرى غيره، حتى بعد انتهاء فترة عمله، وهو في سنة تفرغه العلمي، وكان لمتابعته واهتمامه أكبر الأثر في تمام العمل وظهوره، فله منا الشكر والعرفان، وندعو الله أن يجزيه خير الجزاء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.
أ. د. سليمان بن إبراهيم العايد
أستاذ العلوم العربية (اللغويات)
قسم الدراسات العليا - كلية اللغة العربية
стр. 3874
جمع التكسير
تحقيق
الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم البنا
стр. 3875
جمع التكسير
أفْعِلّةٌ أفعُلُ ثم فِعْلَهْ ثُمَّتَ أفعالٌ جموعُ قِلَهْ
وبعضُ ذي بكثرةٍ وضعاً يفي كأرجلٍ والعكسُ جاء كالصُّفي
لما كانت الجموع على قسمين: جمع سلامةٍ، وجمع تسيرٍ، وجمع السلامة: ما سَلِمَ فيه بناء الواحد. وهو قسمان: جمعٌ بالواو والنون، وجمعٌ بالألف والتاء، وأتمَّ الكلامَ على حكمهما - أخَذَ في ذكر الجمع المكسَّر، وهو الباقي قسمي الجع.
وجمع التكسير: ما تغير فيه بناء الإسم تغيُّراً (١) يدل على أنك تريد مما يدل عليه ذلك الاسم دلالة واحدة ثلاثة فأكثر، أو ما أصله ذلك، لكن استعمل في أقلَّ من الثلاثة مجازاً. ولما كان بناء الاسم يتغير فيه عن حاله بخلاف جمع السلامة سمي تكسيراً تشبيهاً بتكسير الآنية (٢)، كما قال الفارسي (٣).
وهذا التغيير على سبعة أقسام: تغييرٌ بزيادةٍ وتبدُّلِ شكلٍ نحو:
стр. 3876
(جمل و) (١) جمال، أو بنقص وتبدلِ شكل نحو: رغيف ورُغُفان، أو بزيادة مجردة نحو: صِنو وصِنوان، أو بنقص مجرد نحو: تُخَمَة وتُخَم، أو بتبدل شكلٍ وحده لكن لفظاً نحو: وَرْدٍ وورُدْ (٢)، أو بتبدلٍ وحده في النية نحو: فُلْكٍ في نحو قوله تعالى: ﴿في الفلك المشحون﴾ (٣)، وفلك في نحو قوله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم﴾ (٤). وهذا على جهة التقريب، وإلا فالبِنيةُ هي المحوَّلة (٥) من أصلها، ولم تجمع مثلاً فُعلاً على فُعْلٍ بأن غيَّرت حركة الفاء فقط، بل أزالت (٦) البناءَ بجملته وصيرتْهُ إلى بناء آخر مستقلاً / بنفسه.
ولما كانت جموع التكسير على نوعين، أحدهما: ما كان جمع يرادُ به العشرة فما دونها، والثاني جمع كثرة يرادُ به ما فوق ذلك_ أراد أن يبيِّنَ (ذلك) (٧) على عادة النحويين في أمثال هذا فقال:
أفعلةٌ أفعُلُ ثم فِعْلَهْ
стр. 3877
إلى آخره، يعني أن هذه الأبنية الأربعة من أبنية التكسير جموع اختصت بالقلة، يعني في الأصل، فلا تطلق بحكم الأصل إلا على العشرة فما دونها، فتقول في جمع بُرْد إذا أردت القلة: أبراد. وفي جمع عَبد إذا أردت القلة: أعْبُد. وجمع بناءٍ: أبنية. وفي جمع فتىً: فتية. وكأنَّ العرب أرادت التفرقة بين البابين كما فرقوا بين التثنية وبين ما يراد به أكثر من ذلك؛ وذلك لأن (١) التثنية أول الأعداد، لأن الواحد ليس بعدد (٢)، فخصُّوه ببنية لا تكون لغيره من الجموع، لأن التثنية في المعنى جمع، فكذلك لما كانت العشرة أول العقود خصوها وآحادها بأبنية، وهي هذه الأربعة، خصوا اثنين منها في الأكثر بالثلاثية، وهما أفعُلٌ وأفعال، وخصوا الباقِييم بالمزيد (٣)، وهما أفعِلة وفِعْلَة، وهذا في الأكثر أيضاً، وإلا فالجميع قد يستعمل للكثرة، كما سيأتي إثر هذا إن شاء الله. فلا يُعنَى بأنها للقلة أن ذلك لازمٌ فيها،
стр. 3878
وأن ما عداها لازمٌ للكثير، فإن كلام العرب جاء فيه وضع القليل موضع الكثير وبالعكس.
فإن قلت: فما فائدة التنبيه على هذه المسألة إذا كان (١) الأمران جائزين في النوعين؟
فالجواب: أن فائدته ألا يخرج عن الوضع الأكثري (٢) الأول إلا أن تخرجه العرب، فتتبعها (٣) حتى إذا لم تجد لها فيه عملاً أعملت كلاً في موضعه؛ لأن الغالب في الاستعمال أن تستعمل هذه الأربعة في القلة وما عداها في الكثرة، وأيضاً فللأحكام (٤) أُخَرَ لفظية، سيأتي ذكرها.
واقتصر الناظم على ذكر هذه الأبنية الأربعة في جموع القلة فلم يذكر معها غيرها، فدل على أن مذهبه في فُعَل وفِعَل وفِعَلة نحو: ظُلَم ونِعَم وقِرَرَة [قردة] أنها جموع كثرة كما يقوله الجمهور، لا جموع قلة كما يقوله الفراء. وسكت أيضا عن ذكر الجمعين السالمين، وهما عند
стр. 3879
سيبويه والمحققين جمعا قلة في أصل الوضع، فلم ينبه فيهما على شيء، إما لأنه قصد السكوت عنها؛ إذ ليس بضروري ذكر ذلك في باب التكسير، وإما لظهور مذهب غير سيبويه عنده، وذلك أن طائفة تزعم أن جمعي السلامة يستعملان في القلة والكثرة، وهو رأي ابن خروف.
ومن استعمالها في الكثرة قوله تعالى: ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات﴾ إلى آخر الآية، وذلك في القرآن كثير، ومن عادة المؤلف الأخذ بالظاهر في أمثال هذه الأشياء، فلعلهما عنده كذلك، والأظهر عنده مذهب سيبويه في المسألة، قال ابن الضائع: هو أضبط لما ينقل. واعتذر عما جاء منه للكثرة بأن كثيرا من الأسماء لا سيما الصفات يقتصر فيها على جمع السلامة، وحملت الأسماء عليها للأنس بذلك فيها، ولذلك قال: ﴿وهم في الغرفات آمنون﴾، وفي شعر حسان:
стр. 3880
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
وقد اعترضه التابغة فقال: لقد قللتَ جفانك وأسيافك؟ ! فقال: من كلامنا وضعُ القليل موضع الكثير. وكلا الكلامين دليلٌ على مذهب سيبويه، والتطويلُ في هذا خارج عما نحن بسبيله.
وأما فعَل وفِعَل وفِعلة فالصحيح فيها - والله أعلم - مذهب الجماعة؛ لوجود الدليل على ذلك دون الأبنية الأربعة.
فإن قيل: ما الدليل على أن هذه الأبنية الأربعة موضوعة للقلة، وأنها المقتصر بها من جموع التكسير على ذلك؟
فالجواب: أنهم استدلوا على ذلك بأمرين:
أحدهما: تصغير هذه الأبنية على ألفاظها دون سائر أبنية الجموع فقالوا في أثواب: أثياب، وفي أكلب: أكليب، وفي أرغفة: أريغفة، وفي غلمة: غليمة، فصغروها على ألفاظها، والجموع التي بخلافها لا تصغر كذلك على ألفاظها، وإنما ترد إلى الواحد، وما ذلك إلا أن تصغير الجمع بدل على التقليل، فهذه الأبنية المذكورة لما لم تناقض التصغير دل على مناسبتها له، بخلاف سائر أبنية الجمع التي تدل على الكثرة لما كانت مناقضة للتصغير لم يصغروها. وأيضاً
стр. 3881
فإن تكسيرها جائز كالآحاد، فلولا تقاربها منها لما كانت كذلك.
وثانيهما: أنه إذا كان للكلمة جمعان، جمع مما ذكر، وجمع من غيره، ثم أردنا أن نفسر بها العدد من ثلاثة إلى عشرة، لم نفسره في أكثر الكلام إلا بجمع من الجموع المذكورة دون سائر الجموع، فدل على أنها عندهم موضوعة للقليل دون الكثير، وأن / غيرها على العكس منها، إذ لو ساوت غيرها لكانت مساوية لها في التفسير للعدد القليل، فإذا لو كانت فِعل وفُعل وفِعلة كما قاله الفراء لصُغرت على ألفاظها، ولَفُسِّرَ بها العدد من ثلاثة إلى عشرة، فأن لم يفعلوا ذلك دليل على صحة ما ذهب إليه الناظم والجماعة، وهذا ظاهر.
ثم أخذ يستدرك في هذه الأبنية حكماً لا بد من ذكره، وهو مجيئها للكثرة في بعض المواضع، كما أن جموع الكثرة قد يأتي بعضها مراداً به القلة فقال:
وبعض ذي بكثرة وضعاً يفي
стр. 3882
يعني أن هذه الأبنية الأربعة لا يقتصر فيها على القلة البتة حتى لا يجوز استعمالها لغيرها، بل يأتي بعضها دالاً على الكثرة وضعاً وإن كان الأصل فيه القلة، وأراد بالوضع الاستغناء به عن وضع جمع الكثرة كأرجل الممثل به، وهو جمع رجل، فإن العرب اقتصرت في جمعه على أفعل في القلة والكثرة، فلم تستعمل فيها غيره. ومثله كفٌّ وأكُفٌّ، ورَسَنٌ وأرسان، وشبه ذلك. وقد يطرد هذا في بعض الأبنية كفعل وفُعُل وفَعِل وفِعَال المعتل اللام أو المضاعف نحو: عنب وأعناب، وطنب وأطناب، وكتف وأكتاف، وبناء وأبنية، وعنان وأعنة. فإن العرب اقتصرت في هذه الأبنية على جمع القلة فلم تضع لها بناء كثرة.
وأما مجيء بعض أبنية الكثرة للقلة فنبه عليه بقوله:
والعكسُ جاء كالصفي
يعني أنه قد جاء من كلام العرب عكس ما تقدم من الحكم، وهو أن بعض أبنية الكثرة قد يفي بالقلة وضعاً، أي: يجيء دالاً على القلة، وحقيقة العكس أن تقول: وبعض جموع الكثرة قد يفي بالقلة، لأن قوله: "وبعض ذي" في تقدير: وبعض ما وضع للقلة قد
стр. 3883
يفي بكثرة، فـ "ذي" إشارة إلى جموع القلة، وفي قوله: "وبعض ذي" تنبيه على أنه لا يلتزم نقلاً أن كل بناء قلة يأتي للكثرة، وإنما التزم أن بعضها يأتي كذلك من حيث السماع، ولم يعين موضع السماع فبقي موقوفاً على النقل، ولا شك في وجود النقل في البعض كما تقدم تمثيله، ولو قال:
وهذه بكثرة وضعاً تفي
لكان ملتزماً أن العرب / فعلت ذلك في كل بناء من الأبنية الأربعة، وذلك يحتاج إلى تتبع النقل في ذلك، ولعله يتعذر الوفاء بهذه الكلية فلم يرتهن فيها.
مثل ما جاء في جمع الكثرة مراداً به القلة وضعاً: رجل ورجال، إذ لم يقولوا: أرجال. ودرهم ودراهم، وجميع الرباعي والخماسي. ومثل الناظم هذا الضرب بالصُّفِيّ، والصفي جمع صفاة، وهي الصخرة الملساء، ومنها ما أنشده الفارسي وغيره:
стр. 3884
كأن متنّيه من النفي مواقع الطير على الصفي
وفي هذا التمثيل نظر من وجهين، أحدهما: أنه قيد الوفاء بالوضع فقال:
وبعض ذي بكثرة وضعاً يفي
وعطف عليه العكس، ولا شك في بقاء التقييد والحكم بمقتضاه، والصفي إذا اعتبرته إنما هو مما يفي استعمالاً لا وضعاً، من حيث إن حقيقة الوضع أن تكون العرب لم تضع أحد البنائين استغناء بالآخر، والاستعمال أن تكون وضعتهما معاً لكنها استغنت في بعض المواضع عن أحدهما بالآخر، فمثال ذلك في الأول قول حسان ﵁:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
فإنهم قد قالوا: جفنة وجفان، وسيف وسيوف. ومثاله في الثاني قوله تعالى: "ثلاثة قروء" مع أنهم قالوا: أقراء، وفي الحديث: "دعي الصلاة أيام أقرائِك"، ففسر ثلاثة بجمع الكثرة مع
стр. 3885
وجود جمع القلة، فهذا من الوفاء الاستعمالي لا الوضعي؛ إذ قد جعلهما في التسهيل متاينين فقال لما ذكر جموع القلة، وأن ما عداها للكثرة: "وربما استغني بما لإحداهما عمَّا للأخرى وضعاً أو استعمالاً اتكالاً على قرينة" فالصفي من الضرب الاستعمالي لأن الفارسي وغيره حكوا في جمع الصفاة: أصفاء وصُفِيّ، فكان تمثيل الناظم على هذا غير مطابق لما قصد.
والنظر الثاني أن التقييد بالوضع قد أخرج أحد الضربين، وهو الاستعمالي، وكلاهما محتاج إلى التنبيه عليه كما فعل في التسهيل، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فكان الأولى به أن يذكر الضربين معاً، وذلك يحصل له إما بالنص عليهما معاً، وإما بترك التقييد بالوضع، لأنه إذا تركه أُخِذَ الحكم على / إطلاقه في الوضع والاستعمال، فصار هذا القيد زيادة عادت بنقص، وذلك مماا لا ينبغي!
والجواب عن الأول أن الاستغناء الاستعمالي إما أن يكون مع كثرة ما استغني عنه كأسياف في بيت حسان، وكلاب في قولهم: ثلاثة كلاب، لكثرة استعمال سيوف وأكلب، وإما أن يكون مع
стр. 3886
قلته كثلاثة قروء، فإن أقراء قليل، فأما الأول فلا شك في قلة وجوده في كلام العرب، ولذلك اعترض النابغة حسان لأنه لو كان معتاداً عندهم الاستغناء في مثل أسياف لم يصح الاعتراض، ولما كان قليلاً أهمل الناظم اعتباره فبقي الثاني، وهو أن يكون المستغنى عنه قليل الاستعمال، وإذا كان قليلاً فيما شأنه أن يشتهر استعماله فيه، ويكثر دوره، فهو جدير أن يكون مستغنى عنه بما يكثر استعماله في ذلك الباب، وقلة المستغنى عنه مع كثرة المستغنى به دليل على صحة الاستغناء. وقد قال النحويون في "ترك" إنه مستغنى به عن "ودع"رمع أنه قد سُمع، وقرئ: ﴿ما ودعك ربك﴾ لكنه نادر، فلم يخرجه ذلك الندور عن أن يكون مستغنى عنه بترك، فكذلك مسألتنا، وهذا من باب الاستدلال بالأحكام، فأصفاء في صفاة قليل، والشهير في جمعها مطلقاً صفي، وعلى هذا الترتيب يلحق هذا الضرب الاستعمالي بالضرب الوضعي إلحاقاً لما استعمل نادراً بحكم ما لم يستعمل.
وإذا ثبت هذا كان تمثيل الناظم بالصفي حسناً من حيث كان
стр. 3887
داخلاً تحت التقييد بالوضع، فالوضعي إذا عنده على وجهين، وضعي حقيقة نبه عليه بأرجل، ووضعي حكما، وهو الاستعمالي، نبه عليه بالصفي، والله أعلم.
وقول الناظم: "أفعلُ ثم فِعْلَه" منع فيه صرف أفعُلَ إذ قد توفر فيه موجب المنع، وذلك الوزن والعلمية، لأن الأمثلة الموزون بها أعلام. وقوله: "أفعلُ" هو على حذف العاطف، أي: وأفعُلُ. وقوله: "أفعلةُ" وما بعده مبتدآت خبرها "جموع قله". و "بعض ذي" مبتدأ خبره "يفيء"، و "بكثرة" يتعلق به، و "وضعاً" مصدر في موضع الحال، أي: ذا وضع.
***
لفعلٍ اسماً صح عينا أفعُلُ وللرباعي اسما أيضاً يُجعَل
إن كان كالعناق والذراع في مد وتأنيث وعدّ الأحرف
هذا ابتداء ذكر أبنية جموع التكسير وما يختص بها من أبنية المفردات. وللناس في وجه ترتيب الكلام على جموع التكسير طريقان:
أحدهما: المتداول عند الجمهور، وهو أن تُجعل أبنية المفردات موضوعات للحكم عليها فيقولون: فَعلٌ يجمع على كذا
стр. 3888
وكذا من أبنية الجمع، وفُعالٌ يجمع على كذا، وهي الطريقة الأولى في وضع النحو.
والثاني: طريقٌ أولُ من مشى عليه - فيما علمت - ابن السراج، وهو أن يجعل أبنية الجموع موضوعات للحكم عليها، فيقال: أفعُلُ يجمعُ عليه من أبنية المفردات كذا، وأفعالٌ يجمع عليه كذا، وهو الذي جرى عليه الناظم في هذا النظم وفي سائر كتبه، وكأن هذه الطريقة أقرب على الضبط؛ إذ كانت أبنية الجموع أقل من أبنية المفردات بكثير، فجعلها أصولاً للفروع المنتشرة أولى من العكس.
وجملة ما ذكر من أبنية جموع التكسير ستة وعشرون بناء، أربعة منها للقلة، كما ذكر، وسائرها للكثرة. وابتدأ بذكر أبنية القلة وبأفعُلَ منها فقال:
لفعل اسما صح عينا أفعُلُ
إلى آخره، يعني أن أفعُلَ من أبنية جموع القلة يجمع عليه من الأسماء صنفان:
أحدهما: ما كان من الأسماء الثلاثية على وزن فَعْلٍ، بفتح الفاء
стр. 3889
وإسكان العين، وكان اسماً لا صفةً، وكان صحيح العين لا معتلها، فهذه ثلاثة أوصاف، أحدها: كونه على فَعْل، فإنه إذا كان فَعْل صح له ذلك الجم'، يريد في القياس، إنما تكلم هنا في القياس المجرد وما قاربه، وأما المسموع فلم يرتهن فيه ولا جعله من قصده في هذا النظم، وإن كان ربما يأتي به بالانجرار لا بالقصد، وقد تقدم المعنى المراد بالقياس في مثل هذا في باب أبنية المصادر. فأما إن لم يكن الاسم على فَعْل فإن له جمعاً آخر يذكره كأفعال في فَعَل، وفِعلان في فُعَل ونحو ذلك. وقد جمعوا غير الثلاثي على أفعُلَ، قالوا في أنبوب: أَنُبٌّ، وقال الشاعر:
أصهبُ هدَّار لكلِّ أركبِ بغيلةٍ تنسّلُّ بين الأنببِ
يريد: الأنبَّ، ففكَّ ضرورة، وجمعوا الثلاثي غير فَعل على أفعُل لكن قليلاً، قالوا: رُكْنٌ وأركن، وزمنٌ وأزمنٌ. وأنشد سيبويه لذي الرمة:
أمنزِلتي مي سلام / عليكما هل الأزمنُ اللائي مضينَ رواجعُ
قال سيبويه: "وبلغنا أن بعضهم يقول: جبَلٌ وأجبُلٌ، وقالوا:
стр. 3890
ضِلَعٌ وأضلُعٌ، وذئبٌ وأذؤبٌ، وضَبُعٌ وأضْبُعٌ، وقُرْطٌ وأقرُطٌ، ورِجْلٌ وأرجلٌ، وكل هذا محفوظ، إلا فيما ذكر الناظم.
والثاني: كونه اسماً لا صفة، فإنه إذا كان صفة لم يجمع على أفعُل، بل زعم سيبويه أنه لا يجمع جمع قلة رأساً، وعلل ذلك السيرافي بأن الأصل في الصفة أن تجمع جمع السلامة، لأن الأصل فيها جريانها على الفعل فتلحقها علامة التذكير والتأنيث كالفعل، فيجب أن تجمع جمع السلامة ليتبين في الجمع أيضاً علامة التذكير والتأنيث، ويكون الجمع منها نظير الضمائر أو العلامات، فلما كان الأصل فيها جمع السلامة وهو يقع للعدد القليل، استغنوا به عن أبنية القلة، قال ابن الضائع: ويظهر من سيبويه تعليل آخر، وهو أن الصفة الأصل فيها جريانها على موصوفها، فالعدد القليل لا يضاف إليها لقبح إقامة الصفة مقام الموصوف، وكأن العدد القليل لما كان نصاً في القلة، ولم يكن يضاف إليها، استغني فيها عن جموع القلة، قال: غير أن سيبويه أضاف إلى ذلك أنها لما كانت يوصف بهن فاستعملت على غير الأصل في الأسماء، خولف بهن الأسماء.
وقال ابن خروف: قد تنفرد الصفة ببناء جمع كما قد ينفرد الاسم أيضاً.